مشاهدة النسخة كاملة : فقه السيرة النبوية
السعيد
07-02-2018, 04:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الاول )
الموضوع : المقدمة ( 1 ) معرفة السيرة النبوية فرض عين على كل مسلم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . هذه هي السيرة :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الأول من دروس فقه السيرة، واليوم سيكون الموضوع تمهيدًا للسيرة .
الكون كما تعلمون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، فإن تحدثنا عن الكون كان التفكر في خلق السموات والأرض، وإن تحدثنا عن القرآن كان الحديث تفسيراً وتحليلاً واستنباطاً، وإذا وصلنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، كانت السيرة .
دعوة القرآن إلى دراسة السيرة النبوية من حيث :
1- أن النبي صلة الوصل للمسلم في ثبوت إيمانه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/01.jpg
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء، هل نحن بحاجة إلى تعلم سيرة سيد الخلق؟ الجواب الأول : أن الله جل جلاله حينما قال:
﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
( سورة هود الآية : 120 )
فإذا كان قلب سيد الأنبياء يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه، فلأن تزداد قلوبنا إيماناً ويقيناً بمساع قصة سيد الأنبياء، هذا دليل .
2- أن النبي قدوة في نقل الإنسان من صحراء الوجود إلى واقعية الحياة ورقيها :
والدليل الثاني: أن الله سبحان الله حينما قال:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية : 69 )
الإسلام بمجمله كلمتان: كلمة التوحيد وكلمة الرسالة، لا إله إلا الله، محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذاً: الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام شطر الدين، بل هو جزء لا يتجزأ من الدعوة إلى الله، ذلك لأن في الحياة مثالية حالمة لا أحد يعبأ بها، وفي الحياة واقعية مقيتة لا أحد يلتف إليها، ولكن الناس يشدهون بمثالية واقعية أو بواقعية مثالية، هذا ما نجده في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
3- دعوة القرآن للإنسان في التفكر بشمائل النبي :
شيء آخر، أن الله سبحان الله حينما قال:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
( سورة سبأ الآية : 46 )
فالتفكر في كمال رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتفكر في شمائله، وفي فضائله، وفي منهجه جزء من الدين .
4- تعلم السنة القولية فرض عين على كل مسلم :
شيء آخر، أن في علم الأصول قاعدة ذهبية دقيقة جداً، وهي أنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة, أرأيت إلى الصلاة إنها فرض، لكن الصلاة لا تتم إلا بالوضوء، فإذا كان الوضوء من لوازم الصلاة فهو فرض مثلها، ما علاقة هذا المثل بضرورة تعلم السنة؟ الله عز وجل حينما قال:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر الآية : 7 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/02.jpg
كيف نأتمر بما أمر؟ وكيف ننتهي عما عنه نهى وزجر إن لم نعرف ما الذي أمر, وما الذي زجر؟ وكتعقيب دقيق، هو أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة تصرفه عن الوجوب، فإذا قال الله عز وجل:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
( سورة البقرة الآية : 187 ) .
هذا أمر إباحة، وإذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾
( سورة النور الآية : 32 ) .
هذا أمر ندب، وإذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/03.jpg
هذا أمر تهديد .
إذا لم تقم قرينة تصرف عن الوجوب فكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، إذاً: معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، تنفيذاً لأمر الوجوب: ﴿ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾
( سورة الحشر الآية : 7 )
ومعرفتك المنهيات التي نهى عنها النبي فرض عين على كل مسلم كي تنتهي عما عنه نهى وزجر، وحينما قال الله عز وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية : 21)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/04.jpg
كيف يكون النبي e أسوة لنا، أي قدوة لنا، إن لم نعرف ماذا فعل في بيته؟ وكيف عامل زوجته؟ وكيف عامل أصحابه؟ وكيف كان في السلم؟ وكيف كان في الحرب؟ إذاً: معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية فرض عين على مسلم تحقيقاً, لقوله تعالى:
﴿ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية : 7 )
ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين تحقيقاً, لقوله تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 21)
وقالوا: الحديث عن الكمال البشري حديثاً نظرياً لا يؤثر، أما الحديث عن الكمال البشري إذا كان مجسّداً في إنسان يؤثّر، لأن هذا كمال واقعي، نعيشه إنسانًا بيننا, وعاش مع الناس، ولولا أن النبي e بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر غير أنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، فلذلك أنت حينما ترى إنسانًا يشتهي ما تشتهي، ويخاف مما تخاف، ويرجو كما ترجو، ويتألم كما تتألم، هكذا قال النبي عن نفسه:
" اللهم إني بشر أرضى كما يرض البشر، وأغضب كما يغضب البشر " .
( أخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن أنس)
لأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته كان سيد البشر .
النبي أسوة حسنة لنا معاشر المؤمنين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/05.jpg
فلذلك البند الأول في هذا الدرس الأول هو أن معرفة رسول الله عليه الصلاة والسلام فرض عين على مسلم، بل معرفة سيرته العطرة فرض عين على كل مسلم، ليكون النبي e قدوة لكل مسلم، ذلك في حياة كل منا شخصية يتمنى أن يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، وشخصية يكونها، فالشخصية التي تكونها هي أنت، والشخصية التي تتمنى أن تكونها هي طموحك وانتماؤك واتجاهك، قل لي أي شخصية تتمنى أن تكونها أقل لك من أنت، الله عز وجل يبين أن المؤمنين أسوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 21)
دخل إنسان إلى البيت, ولم يكن الطعام جاهزاً، هل يغضب؟ هل يزمجر؟ هل يعنف؟ هل يصبر كما كان النبي e يصبر؟ يصبر، المؤمن في كل موقف يتفكر كيف كان النبي e يفعل؟ كيف يفعل لو كان في ظرف كهذا الظرف؟ لذلك:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 21)
إن أردت الدنيا فقدوتك الأغنياء، وإن أردت الدنيا فقدوتك الأقوياء، أما إذا أردت الله واليوم الآخر فقدوتك الأنبياء، هذه حقيقة أولى .
من خصائص رسالة الإسلام عصمة نبيها عن الخطأ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/06.jpg
أن في حياة المسلمين إنسان واحد عصمه الله من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، هذه العصمة تتماشى مع أمر الله عز وجل أن نأخذ منه كل شيء، وأن ننتهي عما عنه نهانا، لو أن النبي e ليس معصومًا لكان الأمر بالأخذ عنه أمر بمعصية، إذاً:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم الآية : 3-4)
لكن البشر ينطقون عن الهوى، أحياناً يخترع قاعدة ليروج سلعته، أحياناً يتكلم لصالح مكاسبه، أحياناً لا يتكلم بالحق حفاظاً على مكاسبه، لكن هذا الإنسان الذي عصمه الله عز وجل، وصفه الله عز وجل بأنه:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم الآية : 3-4)
كيف نعزو هذا الاجتهاد إلى النبي ؟
ولكن قد تقرأ في القرآن الكريم :
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية : 43 )
وقد تقرأ في القرآن الكريم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾
( سورة عبس الآية : 1-2 )
الحقيقة أيها الأخوة, أنه لحكمة بالغة تُرك للنبي صلى الله عليه وسلم هامش ضيق جداً ليجتهد فيه، فإن أصاب في اجتهاده أقره الوحي على هذا الاجتهاد، وكان اجتهاده وحيًا يوحَى، وإذا اجتهد النبي عليه الصلاة والسلام اجتهاداً صعباً هذا الاجتهاد وسام شرف له .
ابن أم مكتوم من أصحابه الكرام، من محبّيه، ممن يذوب شوقاً له، لم يجلس معه، بل جلس مع زعماء قريش الألداء الأعداء المستكبرين، اجتهد النبي e أن هؤلاء إذا أسلموا أسلمت قريش، اجتهد اجتهاداً صعباً، لكن الله بين له أن هذا الرجل الأعمى هو أفضل عند الله من هؤلاء الصناديد، إذاً: الله عز وجل لم يعتب عليه، بل عتب له، وفرق كبير بين أن تعتب على ابنك إن رأيته يلهو والامتحان على الأبواب، وبين أن تعتب على ابنك إن رأيته حتى الساعة الرابعة يدرس، تقول: لا يا بني، نم واسترح، إن لجسمك عليك حقاً، أنت في الحالتين تعتب عليه، لكن الحالة الأولى تعتب عليه، وفي الثانية تعتب له, فإذا عاتب الله النبي صلى الله عليه وسلم فهو عتب له لا عليه، فجاء الوحي وبيّن للنبي e أن هذا أولى من هذا .
بالمناسبة، لا معصية إلا بالتكليف، لم يكن هناك تكليف خالفه النبي عليه الصلاة والسلام, لكنه اجتهاد، وكان اجتهاده وسام شرف له، واجتهد الأصعب، لكن هذا الهامش الضيق جداً الاجتهادي ليكون هناك فرق بين مقام الألوهية ومقام النبوة، فرق توحيدي، لأن أنبياء كثر أُلِّهوا من بعدهم، ومعظم أنبياء الصين هم عند أهل الصين آلهة، هم في الحقيقة أنبياء كرام، لأن الله عز وجل قال:
﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾
( سورة غافر الآية : 78 )
من هنا نفهم لماذا سيدنا الصديق، وهو أقرب الخلق إلى رسول الله ، وهو أحب الناس إليه حينما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى علا صياحه, فقال: " مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مِنْكُمْ مُحَمَّداً ـ محمداً هكذا ـ فَإِن مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ " .
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن عائشة)
نفي العصمة لغير الأنبياء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/07.jpg
الله أمرنا أن نأخذ عن النبي كل أقواله وكل أفعاله، إذاً: هو معصوم، ولو لم يكن معصوماً لكان الله قد أمرنا باتباع غير المعصوم، وهذا مستحيل، ولكن كما يقال: الشيء بالشيء يذكر، كما أننا نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بأقواله وأفعاله وإقراره وصفاته لا نعتقد العصمة لغيره، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية أن غير النبي e مهما يكن عالي القدر فليس بمعصوم، وهذه القاعدة مريحة جداً، أنت إذا تعاملت مع كل المؤمنين فأكبرت مؤمناً تألق نجمه، تقول في نفسك: هذا من أتباع النبي e، وإن رأيت زلة قدم آلمتك من أخيك, تقول: هذا من عدم عصمته، وتبقى تحبه، لذلك من الخطأ الكبير أن نعتقد العصمة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نعتقد العصمة لغير النبي هذا مزلق خطير .
مثلاً: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/08.jpg
النبي عليه الصلاة والسلام عيّن صحابياً أنصارياً ذا دعابة على سرية كقائد لها في الطريق، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: " بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا ، وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا ، فَجَمَعُوا حَطَبًا ، فَأَوْقَدُوا نَارًا ، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ ، أَفَنَدْخُلُهَا ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ " .
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن علي)
العقل لا يعطَّل أبداً، هذا الذي يقول: يجب أن تكون كالميت بين يدي الغاسل، لا، يجب أن تكون صاحياً، لأنه ما من إنسان بعد النبي صلى الله عليه وسلم يوصف بالعصمة، لكن على تفاوت، هذه حقيقة، أنت بإمكانك أن تحب كل المؤمنين، وأنت تتعامل مع كل المؤمنين، وأن تقيم علاقة متينة ومثمرة مع كل المؤمنين، بشرط ألا تعتقد عصمتهم، فأي خطأ آلمك بكل بساطة هذا من عدم عصمته، وأي شيء أكبرته هذا من اتباعه .
دليل آخر على أن النبي لا ينطق عن الهوى :
ثمة طرفة تشير إلى أن الإنسان أحيانا ينطق عن الهوى، مرة أردت أن أشتري ستائر ، دُللت على تاجر هنا في الحريقة، قال لي وقد ألقى محاضرة: إن عرض الستيرة يجب أن تكون ضعف الحائط, أي زائد متر، كي تكون جميلة جداً، أنا استسلمت له، اخترت ثوبًا، لما قاسه وجده أقل بمتر من ضعف عرض الحائط، وأنا أعجبني، قال لي: هذا المطرز على الفرد يأتي أجمل، هو ينطق عن الهوى، مصلحته أن يبيع هذا الثوب، لا أبالغ أن تسعين بالمئة من كلام الناس في تجارتهم, وفي بيعهم, وفي شرائهم ينطقون عن الهوى .
لذلك مرة النبي عليه الصلاة والسلام في موقعة بدر, قال كلاماً موجزاً: لا تقتلوا عمي العباس، واحد ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فكر في كلامه لم يقبل هذا الكلام، قال : أحدنا يقتل أباه و أخاه، وينهانا عن قتل عمه، أقرباؤه لهم قواعد خاصة، النتيجة أنه بعد حين تبين أن عمه العباس في مكة كان مسلماً، وكان عين النبي e، وكان ينقل للنبي e كل شيء في قريش، إدارة النبي e إدارة ذكية جداً، تعتمد على معلومات دقيقة، فعمه العباس أسلم سراً ، وبقي في مكة عيناً للنبي صلى الله عليه وسلم على قريش، لو أن النبي e قال: لا تقتلوا عمي العباس لأنه مسلم، كشفه، وانتهت مهمته، ولو أنه لم يقل: لا تقتلوا عمي العباس وهو في صفوف المشركين الصحابة يقتلونه، الحل أن يقول النبي e كلامًا موجزًا، لا تقتلوا عمي العباس فقط، بعد حين اتضحت لهذا الإنسان هذه الحقيقة، فقال: والله بقيت عشر سنين أتصدق رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله e، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم الآية : 3-4)
لما قال:
" والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا "
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن عائشة)
المنهج الدعوي الذي نستنبطه من سيرة النبي :
أيها الأخوة، كما أن للسيرة النبوية المطهرة منهج فيما ينبغي أن نفعل، وما ينبغي ألا نفعل, فالسيرة النبوية المطهرة منهج دعوي، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف عامل أصحابه؟ كيف علمهم؟ كيف التقى بهم؟ كيف نصحهم؟ كيف أثنى عليهم؟ هل استشارهم؟ هل تواضع لهم؟ هل كان في خدمتهم؟ هل بنى مجده على أنقاضهم؟ هل أحبهم؟ هل أحبوه؟ هذا جانب مهم جداً من سنة النبي العملية، وهو الجانب الدعوي، وما من داعية يقلد النبي في دعوته إلا ويتألق، ويعلو مجده في أوساط الأمة، وما من داعية يخالف سنة النبي e الدعوية إلا ويثير حوله جدلاً كبيراً .
ثمرة الكلمة الطيبة تطبيقها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/09.jpg
أيها الأخوة, نحن بحاجة إلى قرآن يمشي، ونحن بحاجة إلى مسلم يمشي، الكلام النظري تأثيره ضعيف، لماذا؟ لأن الناس كفروا بالكلمة، لماذا كفر الناس بالكلمة؟ لأن كل الممارسات التي يمارسها الناس تتناقض مع كلامهم، تأتي إلى بلد، وتتفنن في إيقاع الأذى، وهدم البيوت، وقتل الأبرياء, وتقول: أنا جئت من أجل الحرية، من أجل أن تنعموا بالحرية، هذا الكلام مع هذه الممارسات يحمل الناس على أن يكفروا بالكلمة كفرًا كاملاً، نحن الآن في مشكلة، الناس كفروا بالكلمة، ولا يمكن أن تستعيد الكلمة قدسيتها إلا بالتطبيق، الأنبياء بماذا جاؤوا؟ هل جاؤوا بالصواريخ, هل جاؤوا بالطائرات؟ هل جاؤوا بحاملات الطائرات؟ هل جاؤوا بالغواصات؟ هل جاؤوا بالأقمار الصناعية؟ جاؤوا بالكلمة, قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
( سورة إبراهيم الآية : 24-25 )
الكلمة الطيبة تفعل فعل السحر في الناس، لكن الناس اليوم كفروا بالكلمة، لأن كل الذي يقال معه ممارسات تتناقض معه، مجلس يأمر بلدًا بعيدًا أن يطبق الديمقراطية، جيد، لكنه هو يمارس القهر والقمع عن طريق حق الفيتو، أو حق النقض، المجلس قمعي، وأمره ديمقراطي، كلام مضحك، لذلك كفر الناس بالكلمة، لا يمكن أن نعيد للكلمة مكانتها إلا بالتطبيق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ " .
( أخرجه السيوطي الجامع الصغير عن سمرة)
نماذج من البشرية اعتنقوا الإسلام من وراء السلوك العملي للإسلام :
كنا في الحج مرة، ورأينا رجلا تبدو على ملامحه أنه غربي, علمت بعد حين أن سبب إسلامه هو أن طالباً من سورية أقام في بيته، واستأجر غرفة، ولهذا الرجل فتاة جميلة، لم ير أن هذا الشاب مرة نظر إلى ابنته، كلما وقعت عينه عليها غض بصره، هذا شيء ما استوعبه، ما هذا الإنسان؟ فحاوره، انتهى الحوار بإسلام هذا الإنسان, هذه الكلمة ينبغي أن تكتب بماء الذهب: " اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ " .
( أخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن سمرة)
رجل في أمريكا اسمه جفري لنك، هذا الرجل من أكبر ملحدي أمريكا، دكتور في الرياضيات، بجامعة سان فرانسيسكو، سبب إلحاده أنه كان في التعليم الثانوي يدرس، وعنده مدرس للديانة المسيحية، وجاء إلى البيت، وانتقض هذا المدرس أمام أبيه، ما كان من أبيه إلا أن طرده من البيت، فلما طرده من البيت اعتنق الإلحاد، وتابع دراسته، وكان ذكياً إلى درجة غير عادية، كان أستاذه بالجامعة, يقول له: اخرج من القاعة، ولك العلامة التامة، كان يربك أستاذه، استقر به المقام إلى أن أصبح أستاذاً للرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، كانت له مكانة كبيرة في الجامعة، حتى إن أستاذه كان يستشيره أحياناً في بعض رسالات الدكتوراه، عند أستاذه طالبة من الشرق الأوسط، نشأت مشكلة في أطروحتها، فأرسلها إلى هذا الدكتور البروفيسور جفري لنك، ليأخذ رأيه، هذا الأستاذ الجامعي الملحد الذي اعتنق الإلحاد رأى فتاة محجبة حجاباً كاملا، وفي أيام الصيف، والفتيات في أمريكا عرايا في الصيف، فقال: لا بد أن هذه الفتاة تعتنق ديناً عظيماً، وعندها قناعات كبيرة جداً حملتها على أن تخالف كل الفتيات في هذه البلاد، فقال هذا الأستاذ: والله لم أجرؤ على أن أحدق في وجهها، لقدسيتها، واندفعتْ بكلي إلى مساعدتها, وعكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن، قرأ القرآن، لكن عنده شعور أنه ليس كلام الله، فهو يبحث عن بعض الأخطاء، فلما وصل إلى قوله تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾
( سورة يونس الآية : 92 )
قال: هنا الخطأ، له صديق في فرنسا اسمه موريس بوكاي، اتصل به هاتفياً، وقال له : تعال وانظر، هذا فرعون مات، فكيف قال الله عز وجل:
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾
( سورة يونس الآية : 92 )
قال: فرعون الذي قالت عنه الآية أنا رممت جثته بيدي، هو الآن في متحف مصر الفرعوني، وأسلم هذا الرجل، وقد لا تصدقون أنه اليوم من أكبر الدعاة الإسلاميين في أمريكا، وقد ألف كتاباً، وترجم إلى العربية يجيب فيه ابنته الصغيرة، قالت له: يا أبت, لماذا أسلمت؟ فأجابها بكتاب، ودرست بعض الكتاب في الجامع العثماني، وإذا قرأتم الكتاب ترون هذا الإنسان أقرب إليكم من أهلكم، الإيمان يجمع، ما سبب إسلام هذا الداعية؟ فتاة محجبة، قال عليه الصلاة والسلام: " اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ " .
( أخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن سمرة)
نحن بحاجة إلى مسلم يمشي، إذا حدثك فهو صادق، وإذا عاملك فهو أمين، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف,
في حديث جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ: " أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، ونسيء الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ ، وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ ، وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ " .
( أخرجه أحمد في مسنده عن أم سلمة)
أسباب تخلف المسلمين في هذا العصر :
أخواننا الكرام، حال واحد مستقيم في ألف، واحد في ألف أبلغ من قول ألف في واحد ، ألف داعية على طالب علم واحد، إذا تكلموا كلاماً رائعاً، ولم يكونوا كما يقولون, فحال واحد في ألف خير من قول ألف في واحد .
إن أردت مجتمع ينهض كن قدوة، كان أصحاب النبي e الواحد كالألف، والمسلمون في عصور التخلف والشهوة والشرك الألف كأف، هل يُعقل أن يستنجد سيدنا خالد بسيدنا الصديق بمدد في معركة نهاوند، هو يحتاج خمسين ألف مقاتل، أرسل له الصديق واحدًا؟ هو القعقاع بن عمرو، فلما وصل إليه، قال له: أين المدد؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت! معه كتاب، فتح الكتاب، يقول سيدنا الصديق: يا خالد، لا تعجب أن أرسلت لك القعقاع بن عمرو، فو الذي نفس محمد بيده لا يهزم جيش فيه القعقاع، وانتصروا، بين واحد كألف، وبين ألف كأف، مليار وثلاثمئة مليون مسلم لا وزن لهم اليوم، وليس أمرهم بأيديهم، ولا يملكون شيئاً, قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة النور الآية : 55 )
هل نحن مستخلفون الآن؟ لا والله, والحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح, قال تعالى:
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
( سورة النور الآية : 55 )
هل نحن ممكَّنون في الأرض؟ لا والله, أين التمكين؟ قال تعالى:
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
( سورة النور الآية : 55 )
هل نحن آمنون؟ كل يوم فيه تهديد، لماذا؟ ماذا نفعل بهذه الآيات؟ وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ماذا نفعل بهذه الآيات؟ قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
( سورة مريم الآية : 59)
وقد أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها, ليس كل مصلي يصلي, " إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي, وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي, وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي " .
( ورد في الأثر)
مقام النبوة عند الله :
أيها الأخوة, أن الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله، لشفافية النبي عليه الصلاة والسلام يشف عن الحقيقة الإلهية .
للتقريب: بللور من أرقى الأنواع، ونظيف جداً، من شدة إتقان صنعته، ومن شدة نظافته يكاد لا يرى أبداً، لا ترى إلا الذي وراءه، الآن في حالات كثيرة إذا كان البللور نظيفًا جداً يخشى أن تصطدم به، فقد كنت في فندق الأسبوع الماضي الألواح فيه نظيفة جداً، لكن مكتوب عليها عدة كلمات كي تشعر أن هنا لوح بللور، لئلا تتابع السير, فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا استجبت إليه فاستجابتك إليه عين استجابتك لله، الدليل:
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
( سورة التوبة الآية : 62 )
لم يقل: يرضوهما، لأن إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، ولأن إرضاء الله عز وجل عين إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إليكم بيان المنهج النبوي في وصف حالة المؤمن المحب لله ولرسوله :
أيها الأخوة, أن الله لا يقبل دعوة محبته إلا بالدليل، لو قبلت دعوى من دون دليل لادعى كل إنسان محبة النبي صلى الله عليه وسلم, صدق القائل:
كل يدعي وصل بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكَا
فكرة دقيقة جداً، أرجو الله أن تكون واضحة لديكم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" .
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك)
بربكم لو سألتم مليارًا وثلاثمئة مليون مسلم: أتحب رسول الله ؟ يقول لك: نعم، إذاً: هذا سؤال ليس له معنى، ما دام كل إنسان يدعي محبة رسول الله ، يريد النبي أن يقول:
" ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا " .
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك)
أن يكون الله في قرآنه, والنبي في سنته أحب إليك من الدنيا وما فيها عند التعارض، حينما تتعارض مصلحتك مع الحكم الشرعي، وتقف مع الحكم الشرعي، وتقول: معاذ الله أن أعصيه ، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، وحلاوة الإيمان شيء لا يعرفه إلا من ذاقه، وبين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان بون شاسع .
معك خارطة لقصر, صالون 8 بـ 12 ممتاز، لكن هذا ورق، هذا ليس بيتًا، غرفة النوم 6 بـ 8 أيضاً جيد، الشرفة واسعة، ورق، فحقائق الإيمان ورق، لكن حلاوة الإيمان قصر، تسكن هذا القصر، فرق كبير بين أن تقتني خارطة للقصر، وبين أن تكون مالكًا لهذا القصر، هذا بين حلاوة الإيمان, وبين حقائق الإيمان, قال رسول الله :
" ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا " .
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك)
حينما تتعارض مصلحتك مع الحكم الشرعي, مع حكم قرآني، أو مع حكم نبوي، تقف مع الحكم الشرعي، وتضع مصلحتك المتوهمة تحت قدمك، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، ذاق حلاوة الإيمان، من آمن بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، لذلك الله جل جلاله لا يقبل دعوة محبته إلا بالدليل، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 31 )
بالمناسبة يمكن أن تصدق أن هناك اليوم الآخر، لكن لو تتبع الناس أعمالك لا يجدون أنك تؤمن باليوم الآخر، هذا التكذيب العملي أبلغ وأخطر، الذي يكذب بلسانه هناك سبيل إلى محاورته، أما الذي يكذب بعمله فهذا لا يحاور، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، ولكن بمعنى أن يأخذ بأسباب محبة النبي صلى الله عليه وسلم .
ينبغي على المسلم فهم شخصية النبي فهماً علمياً وأن يتعالى على الفهم السطحي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1299/10.jpg
أيها الأخوة, مرة كنت في العمرة، تمنيت أن أصلي في مكان النبي في الحرم النبوي، المحراب العام كهذا المحراب، ومحراب النبي الذي صلى فيه بأصحابه هذه بالروضة الشريفة، وفيه ازدحام كبير جداً، وانتظرت حتى تمكنت أن أصلي ركعتين في المكان الذي صلى به النبي عليه الصلاة والسلام، والله لقد بكيت كثيراً، لكن جاءني خاطر علمي أن مستخدماً عند أستاذ كبير في الجامعة له مئتا مؤلَّف، لو أنه في غيبة هذا الأستاذ قفز وجلس مكانه على كرسي مكتبه, هل ترتقي مرتبة هذا المستخدم؟ لو أن هذا المستخدم نال المسابقة الابتدائية ارتقى، نال الشهادة الإعدادية ارتقى، نال الثانوية ارتقى، فالذي يرفعك أن تحرص على الاتباع، إنك إن اتبعت النبي e ارتقيت عند الله، أما إذا تبركت، وأنا لا أنكر التبرك، لكن أنكر أن نكتفي به، ابن غير متعلم، له أب من أعلى العلماء، أينما جلس يتحدث عن أبيه العالم، العالم في مكانه، والابن الجاهل في مكانه، أما إذا سار هذا الابن على منهج أبيه يرتقي، فنحن ينبغي ألا نكتفي بالتبرك، ينبغي أن نهتم بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم .
أخواننا الكرام، أن تقول: ألف مليون دولار شيء، وأن تملكها شيء آخر، أعتقد أن المسافة كبيرة جداً، والحديث عن الدين سهل جداً، لكن البطولة أن تكون في مستوى هذا الدين ، والحياة قصيرة، والسفر قريب، والمغادرة قريبة، ومن بلغ الأربعين فقد دخل في أسواق الآخرة، ومن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت, وصدق القائل:
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد مـن نزول القبر
وصدق القائل أيضاً: كل ابن أثنى و إن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جــنازة فاعلم بأنك بعدها محـمـول
أخواننا الكرام، إنسان بلا هدف تافه، إنسان بلا هدف يعيش على هامش الحياة، إذا أردت أن تسعد فأسعِد الآخرين، إن خرجت من ذاتك، وحملت مبدأ، وحملت همّ المسلمين فأنت من أسعد الناس . في دروس قادمة إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام، الطريق الطويل يبدأ بخطوة، وإن شاء الله في دروس أخرى سوف نتابع دقائق حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وسوف نستنبط منها منهج، لأن النبي e قرآن يمشي، وهذا المنهج يمكن أن يكون مناراً لنا في حركتنا في الحياة .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-02-2018, 04:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثانى )
الموضوع : المقدمة ( 2 ) القدوة الحسنة والتطبيق الصحيح
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . مقدمة عامة :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس فقه السيرة النبوية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/01.jpg
نحن في باب كبير من أبواب العلوم الإسلامية، بل في هذه العجالة إن شاء الله سوف أتحدث لكم كمقدمة ثانية من نوع آخر حول قيمة هذا الموضوع الذي أعالجه أول مرة في تاريخ الدعوة .
تحدثت عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثلاثين درساً، وتحدثت عن سير الصحابة الكرام في أكثر من خمسين درساً، وتحدثت عن التابعين الأجلاء في أكثر من خمسين درساً، وتحدثت عن الخلفاء الراشدين في أكثر من ثلاثين درساً، وعن أهل بيت النبي زوجاته، وبناته، وأمهات المؤمنين، وتحدثت عن الأئمة الأربعة، هذا كله في دروس سابقة ، ولكن لم أتحدث عن السيرة النبوية بشكل متسلسل, ففي هذا المسجد الكريم إن شاء الله سوف نبدأ هذه السلسلة، ولكن لابد من إبراز قيمة هذه السيرة التي أُمرنا أن نأخذها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حاجة هذا العصر إلى تطبيق المسلمين الإسلام تطبيقاً عملياً لرد كيد الأعداء عنا :
أيها الأخوة الكرام، كلنا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف أن يبلغ، لكن فيما يرى بعض العلماء أنه كما هو مكلف أن يبلغ بلسانه فهو مكلف أن يبلغ بأفعاله، هو مبلّغ في أقواله وقدوة في أفعاله، والذي أراه أن المهمة الثانية أكبر بكثير من الأولى، وأخطر بكثير، وأشد تأثيراً من التبليغ باللسان، لأن أي إنسان طليق اللسان يتمتع بذاكرة قوية يمكن أن يبلّغ، أما أن تكون في مستوى كلامك، أن تكون صادقاً، وقد دعوت إلى الصدق، أن تكون أميناً، وقد دعوت إلى الأمانة، أن تكون عفيفاً، وقد دعوت إلى العفة، هذا الذي ينقذنا الآن من مكر أعدائنا، الإسلام كمعلومات، كفكر، ككلمات، كمؤلفات، كدروس، شيء بلغنا ذروته، أمّا الإسلام كسلوك، كتطبيق، كاستقامة، كأمانة، كصدق، كعفة، نحن في أمسّ الحاجة إلى ذلك، ذلك أن الطرف الآخر الذي يتهمنا بأننا إرهابيون وقتلة ومتخلفون وجاهلون لا يرى الإسلام من مرجعياته، بل يرى الإسلام من المسلمين http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/02.jpg
أكاد أقول: إن أقوى دعوة الآن الدعوة الصامتة, أي أن تكون أمانتك دعوة، وصدقك دعوة، وعفتك دعوة، وإنصافك دعوة، وتواضعك دعوة، نحن في أمسّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، نريد أن نرى عفة المسلم ، وصدق المسلم، وأمانة المسلم، الإسلام لا ينتشر إلا بهذه الطريقة، حال واحدٌ في ألف أبلغ في مقالة ألف في واحد، ألف متكلم، والذي يخاطبونه واحد قد لا يؤثرون فيه، وحال واحد موصول بالله، مطبق لِما يقول, يؤثر في ألف، لذلك قال بعضهم: كان أصحاب النبي e الواحد منهم كألف، والألف من المسلمين المتأخرين المقصّرين كأفّ .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/03.jpg
هل يعقل أن يطلب سيدنا خالد النجدة من سيدنا الصديق، ويقصد بالنجدة خمسين ألف مقاتل، فيبعث له الصديق برجل واحد، هو القعقاع بن عمرو، يسأله سيدنا خالد: أين المدد؟ يقول: أنا، أنت؟! قال: أنا، وهذا الكتاب، قرأ الكتاب، يقول الصديق رضي الله عنه: والله يا خالد إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم .
نريد مسلماً كألف لا يكون إلا بالتطبيق، طبِّق يدخل الناس في دين الله أفواجاً، وتحدث عن الإسلام، وافعل عكسه يخرج الناس من دين الله أفواجاً، لذلك أرى أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في التبليغ بأفعاله أبلغ بكثير من مهمة في التبليغ بأقواله، هذه أول حقيقة، نحن بحاجة ماسّة إلى مسلم يمشي، إلى فتاة تلتزم بمنهج الله عز وجل، نحن بحاجة ماسة إلى أن نرى الإسلام متحركاً، بحاجة ماسة إلى أن نرى أن هذا الدين مطبقاً، هذه النقطة الأولى .
ما الهدف من دراسة السيرة النبوية ؟
1- أن سيرة النبي يجد الإنسان في دراستها ما يعينه على فهم كتاب الله :
أيها الأخوة، أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم كلام رائع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
وقد علمونا في الجامعة أن أفصح كلام على الإطلاق هو القرآن الكريم، ويأتي بعده كلام سيد المرسلين، ويأتي بعد كلام سيد المرسلين كلام الإمام علي رضي الله عنه، قال مرة: " والله، والله لحفر بئرين بإبرتين, وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين, ونقل بحرين زاخرين بمنخلين, وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين, أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين " .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/04.jpg
أعلى كلامٍ كلامُ ربنا جل جلاله، يأتي بعده كلام نبينا صلى الله عليه وسلم إلا أن الكلام معرّض للتأويل، كيف؟ ولو أن واحد, قال: لله رجال إذا أرادوا أراد، يأتي إنسان يفكر في هذا النص، يقول: هذا عين الشرك، أنا أقول: معه حق، لأنه توهم أن هؤلاء الرجال لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله، صحيح هذا عين الشرك، يأتي إنسان آخر يفهم هذا الكلام فهمًا آخر، يقول: لله رجال إذا أرادوا أراد، أي هم مستجابو الدعوة، هذا الكلام عين الإيمان، إذاً: نص واحد فهمناه فهماً هو عين الشرك، وفهمناه فهماً هو عين التوحيد، قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
( سورة الشمس الآية : 7-8 )
قد تفهم أن الله خلق فيها الفجور، وهذا مستحيل، لكن المعنى الدقيق أن الله فطرها فطرة حيث لو فجرت علمت ذاتياً أنها فجرت، هذه الفطرة، بونٌ شاسع بين أن تتوهم أن الله خلق في الإنسان الفجور، وسوف يحاسبه على ما خلقه فيه، وسوف يضعه في جنهم إلى أبد الآبدين، وبين أن يفهم الإنسان أن الله جل جلاله إنما فطر النفس فطرة عالية جداً حيث إنها إذا أخطأت تكتشف خطأها ذاتياً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/05.jpg
وهذا ما يسمى الآن الكآبة، الكآبة معاقبة النفس لذاتها, قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
( سورة طه الآية : 124)
النص يؤول، مثلاً: الله عز وجل إذا أرسل نبياً ألقى الشيطان في أمنيته، تنظر، أيعقل أن يستطيع الشيطان أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويلقي في أمنيته؟ هناك معنى آخر، هذا النبي الكريم إذا تمنى هداية خلقه، يتمنى الشيطان إضلالهم، كلام رائع، النص يحتمل تأويلات عدّة، لذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نص، يحتمل أن تفهمه فهماً بعيداً عن قصده، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا "
( أخرجه الترمذي عن المغيرة بن شعبة في سننه)
بعض المتفقهين استنبطوا من كلام النبي أن للخاطب أن ينظر إلى خطيبته كما خلقها الله، مستحيل، لا يقبل أيّ أب على وجه الأرض أن يري ابنته كما خلقها الله، النص عرضة للتأويل، لكن الأفعال حدية في الفهم، لذلك لو أن إنسانًا تحدث عن رأيه في حجاب المرأة، ندخل في مناقشات، وفي حوارات، وفي أدلة، وفي رد على الأدلة، وفي إثبات أدلة جديدة، وفي تضعيف أدلة، كيف تخرج زوجته، هو رأيه الحقيقي، السلوك حدي، فلذلك أول شيء أن السيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن، والله عز وجل حينما قال:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر الآية : 7 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/06.jpg
إذاً: أنا أرى أن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ في التعبير عن فهمه لكتاب الله من كلامه، لأن كلامه يحتمل التأويل، بينما سلوك النبي صلى الله عليه وسلم سلوك حدي، له تفسير واحد لا يحتمل التأويل، ونحن الآن إن أردت أن تكون داعية, والله عز وجل قال:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت الآية : 33 )
فليس على وجه الأرض على الإطلاق بنص هذه الآية إنسان أفضل, قال تعالى:
﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت الآية : 33 )
ولكن قلت مرة في مؤتمر في القاهرة: ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أقدس عملٍ على الإطلاق, وأن يكون أتفه عملٍ على الإطلاق كالدعوة إلى الله، تكون أقدس عملٍ إذا بذلت من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وتكون أتفه عملٍ إذا ارتزقت بها، لذلك حينما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن ارتزق بالدين "، تغدو أقدس عملٍ ترقى إلى صنعة الأنبياء، وتغدو أتفه عملٍ لا يستأثر إلا ابتسامة ساخرة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/07.jpg
إذاً: أن السيرة النبوية هي فهم النبي العملي للقرآن الكريم، الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، ونحن الآن في أمسّ الحاجة إلى مسلم يمشي، حديث شريف في البخاري في الأدب المفرد, يقول عليه الصلاة والسلام: " أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني، تريد أن تدخل الجنة قبلي ـ معقول ـ قلت من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاد فأبت الزواج من أجلهم " .
( أخرجه البخاري في الصحيح)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/08.jpg
هذه المرأة التي تربي أولادها تنازع رسول الله دخول الجنة، إذاً: الإنسان يرتفع بعمله، يسمو باستقامته، يتألق بأعماله الصالحة، أما الكلام فلا يقدم ولا يؤخر، قال تعالى:
﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
( سورة فاطر الآية : 10 )
الآية الكريمة, قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
منكم، أي لولا أن النبي e بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر, قال تعالى:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
ما هي مهمة النبي
1- أن يتلو علينا آيات ربنا :
فمهمة النبي صلى الله عليه وسلم هي:
﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
قد تسألون: ما معنى آياتنا، أنا أجيب: آياتنا الكونية، لئلا يظن أحدكم أن الآيات هي القرآن، قال تعالى:
﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/09.jpg
الكتاب غير الآيات، إن أردتَ أن تعرفَ الله فتفكر في خلق السموات والأرض، هذه واحدة، قال تعالى:
﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
( سورة الشمس الآية : 9-10 )
الفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، والنجاح كل النجاح، والتألق كل التألق، والعقل كل العقل ، والذكاء كل الذكاء، أن تزكي نفسك، لماذا؟ لأن الله جل جلاله يقول:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء الآية : 88- 89)
ما القلب السليم أيها الأخوة؟ أخطر آية بالقرآن الكريم:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾
( سورة الشعراء الآية : 88)
شخص معه 93 مليار دولار، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 88)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/10.jpg
قالوا: القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا إلى شرع الله، هناك نساء مسلمات كثيرات في العالم الغربي إذا اختلفن مع أزواجهن يحتكمن إلى محكمة غربية لتأخذ نصف أملاك زوجها، ولا ترضى بالحكم الشرعي الذي يعطيها مهرها، أبداً، القلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، لو قرأت في مجلة أن هناك دواء يطيل العمر، إن صدقت ذلك فقد اعتقدت شيئاً يتناقض مع وحي الله, قال تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية : 34 )
2- فحوى دعوة النبي التفكر في خلق السموات والأرض :
أيها الأخوة الكرام، فحوى دعوة النبي e التفكر في خلق السموات والأرض، المجموعة الشمسية أطول مسافة فيها، ثلاث عشرة ساعة، وأقصر مسافة القمر ثانية واحدة، والشمس ثماني دقائق، أريد أقرب نجم ملتهب إلى الأرض عدا المجموعة الشمسية، نجم يبعد عن الأرض أربع سنوات ضوئية فقط، والحساب يسير جداً، الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كم، بالدقيقة ضرب 60، بالساعة ضرب ,60 باليوم ضرب 24, في السنة ضرب 365، في أربع سنوات ضرب 4/ 37843200000000 / http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/11.jpg
هذا الرقم لو تخيلنا أن لهذا النجم طريقًا معبّدًا، وأنا معي مركبة سرعتها 100 بالساعة، لو قسمت هذا الرقم على 100، الناتج كم ساعة تستغرق رحلتي إلى هذا النجم, طيب على 24 كم يومًا، على 365 كم سنة، من أجل أن أصل إلى أقرب نجم ملتهب يعبد عنا أربع سنوات ضوئية أحتاج إلى /43200000/ عام؟ قلت: أربع سنوات ضوئية يعني الطريق يستغرق /43200000/ عام، سؤال الآن متى أصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ ومتى أصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليونين سنة ضوئية؟ ومتى أصل إلى إحدى المجرات التي تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية؟ قال تعالى:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
( سورة الواقعة الآية : 75-76 )
لذلك قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
( سورة فاطر الآية : 28 )
العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك، لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، لذلك يعجبني في بعض الأخوة العلماء تواضعهم، لا يقول عن نفسه إلا طالب علم .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/12.jpg
أيها الأخوة الكرام، مهمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتلو علينا آيات ربنا, قال تعالى:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾
( سورة الشمس الآية : 1-2)
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ ﴾
( سورة الفجر الآية : 1-3 )
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾
( سورة التكوير الآية : 1-2)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/13.jpg
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة النبأ الآية : 1-2 )
﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، فهناك تفكر، واتصال بالله، ومعرفة بمضمون القرآن، والسنة شرح القرآن, قال تعالى:
﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
لكن آخر فقرة في الآية: ﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
إليكم هذا المثل للتوضيح :
أخواننا الكرام، اسمحوا لي بهذا المثل: لو أن طفلاً صغيراً زاره أحد أقربائه، فقال هذا الطفل لعمه: أنا معي مبلغ عظيم، أنت كعمّ لهذا الطفل الصغير كم تقدر هذا المبلغ؟ يأخذ في اليوم عشر ليرات، خمسًا وعشرين، قال: معي مبلغ عظيم، يعني مئة ليرة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/14.jpg
إذا كان المسؤول كبير في البنتاغون, قال: أعددنا للعراق مبلغاً عظيماً، كم؟ 200 مليار دولار، طفل قال: عظيم ، فقدرنا كلامه بمئة ليرة، وموظف مسؤول كبير بدولة كبرى, قال: رصدنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً يقدر 200 مليار، الآن دققوا، واستعدوا للمفاجأة، فإذا قال الله عز وجل، وهو ملك الملوك، ومالك الملوك, قال:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية : 113 )
فأعظم عطاء على الإطلاق أن تعرف الله، قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾
( سورة النساء الآية : 113 )
إذاً: فحوى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تفكر في خلق السموات والأرض، واتصال بالله، وتزكية النفس .
إليكم هذه المعادلة الرياضية للمقارنة :
بالمناسبة أيها الأخوة، هناك آية أنا أشبهها بالمعادلة الرياضية، معادلة رياضية بالتمام والكمال، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
( سورة آل عمران الآية : 159)
أي بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، فلما كنت ليّنًا لهم التفوا حولك، وأقبلوا عليك، وأحبوك، وفدوك بأنفسهم وأرواحهم وأموالهم, قال تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
( سورة آل عمران الآية : 159)
فلو لم تكن متصل بهم لامتلأت قلوبهم قسوة، وإذا امتلأ القلب قسوة امتلأ غلظة، وإذا امتلأ غلظة انفض الناس من حولك, المعادلة هي: اتصال + رحمة + لين = التفاف .
انقطاع + قسوة + غلظة = انفضاض .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/15.jpg
أتحب أن يلتف الناس حولك؟ أتحب إذا كنت أبًا، ودخلت البيت أن يكون دخولك إلى البيت عيداً؟ هناك آباء إذا دخلوا إلى البيت كان العيد، وهناك آباء إذا خرجوا من البيت كان العيد، من أي الأنواع أنت؟ إذا كنت رحيماً بأهلك لطيفاً يلتف أبناؤك حولك .
مرة إنسان متقدم في السن أصابه مرض، فجاؤوا بالطبيب، فالطبيب طمأنهم، فلما طمأن أولاده انزعجوا أشد الانزعاج، قال لهم: عرضية، قالوا: كيف عرضية؟ نتمناها القاضية ، هذا مقياس دقيق، هل إذا دخلت البيت يلتف أولادك حولك، أم يتفرقون في غرفهم؟ إذاً: الاتصال بالله رحمة، لين، الانقطاع عن الله قسوة، غلظة، انفضاض، قال تعالى:
﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 151)
كيف تحب النبي عليه الصلاة والسلام؟
أخواننا الكرام، هل تستطيع إذَا أمرتُك أن تحب زيداً أن تحبه؟ هل الحب عمل إرادي ؟ عمل لا إرادي، لماذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أَنَسٍ:
(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس في صحيحهما )
هذا الحديث يؤكد أنه لا بد من أن تحب رسول الله ، ومن الثابت أن الحب ليس عملاً إرادياً، ماذا نفعل؟ قال بعض العلماء: أنت حينما تقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ترى تواضعه تحبه,
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: " كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا " .
( أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في مسنده)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/16.jpg
قائد الجيش، وسيد الأنبياء والمرسلين، وزعيم الأمة، سوّى نفسه مع أقل جندي، فركب الناقة، ولما جاء دوره بالمشي توسلا صاحباه أن يضل راكباً, فقال عليه الصلاة والسلام:
(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ـ كان قوياً صلى الله عليه وسلم ـ، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))
( أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في مسنده)
أخواننا الكرام، يمكن أن يدخل أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم, ويقول: أيكم محمد ؟ ليس هناك كرسي، ولا سرير خاص، أيكم محمد ؟ قال له: أنا، ألا تحب هذا التواضع؟
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, قَالَ:" أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ "
( أخرجه ابن ماجه عن أبي مسعود في سننه)
أعرابي في فظاظة, قال له: اعدل يا محمد ،
فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري في صحيحهما )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/17.jpg
الأقوياء يُنهون حياته بهذه الكلمة, قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيمٌ﴾
( سورة التوبة الآية : 128 )
فكيف تحب النبي e؟ ينبغي أن تقرأ سيرته، لكن المشكلة الكبيرة أن قدوة الشباب لاعبو الكرة أحياناً، الفنانون والفنانات، أما المؤمن الصادق فيملأ قلبه محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً: إذا أُمرت أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أُمرت أن يكون النبي أحب إليك من نفسك ومالك وولدك والناس أجمعين ينبغي أن تقرأ سيرته .
قُبيل وفاته صعد e المنبر, وقال:
" من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري ، فليقتد مني ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه, ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي ، ولا يخشى الشحناء ، فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي "
( ورد في الأثر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/18.jpg
ألا تذوب محبة لهذا النبي الكريم؟ متى تحبه؟ إذا درست حياته, وتواضعه، وصدقه, وأمانته، هذه السيرة مفتاح محبته، محبته فرض عين على كل مسلم، ولا ننجو إلا إذا أحببنا النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك لأن في حياة كل منا شخصية نتمنى أن نكونها، وشخصية نكره أن نكونها، وشخصية نكونها، التي تكونها هي أنت، والتي تحب أن تكونها تعبر عن اتجاهك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/19.jpg
إن كنت من أهل الدنيا تحب أرباب الدنيا، إن كنت من أهل المال تحب الأغنياء جداً، إن كنت من أهل المتع تحب المتع الرخيصة، إن كنت من أهل السلطان تحب المناصب العليا، فإن كنت من أهل الإيمان تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتمنى أن تكون على أثره مقتديًا بسنته
أنا أقول لك: قل لي من تحب؟ أقل لك من أنت، لذلك قالوا: هناك حب في الله، وهو عين التوحيد، وهناك حب مع الله، وهو عين الشرك، الحب في الله أصله أن تحب الله، فرعه الأول أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرعه الثاني أن تحب أصحاب النبي جميعاً من دون استثناء، فرعه الثالث أن تحب التابعين، وأن تحب المؤمنين، وأن تحب طاعة الله، وأن تحب بيوت الله، وأن تحب كتاب الله، وأن تحب كل عمل يصلك بالله عز وجل، هذا الحب في الله، أما الحب مع الله، أن تحب جهة لا ينفعك حبها، بل يبعدك حبها عن الله، الحب مع الله عين الشرك، فقل لي من تحب؟ أقل لك من أنت, وقل لي: هل حبك في الله أم حبك مع الله؟ .
بشرى لك أيها المسلم :
أخواننا الكرام، هناك بشارتان، البشارة الأولى: أن الله سبحان الله يقول:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
( سورة الأنفال الآية : 33 )
هذه الآية فيها مشكلة، يعني ما دام النبي بين ظهراني أصحابه المعنى واضح جداً، لكن إذا انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى, فما معنى الآية؟ قال علماء التفسير: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/20.jpg
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 33 )
يعني ما دامت سنتك يا محمد مطبقة في حياتهم, في بيوتهم، في حجاب نسائهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في سفرهم، في سلمهم، في حربهم، في إقبال الدنيا عليهم، وفي إدبارها عنهم, قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 33 )
أنت في بحبوحتين، بحبوحة أن تكون مطبق للسنة، وبحبوحة أن تستغفر، أما لم تطبق, ولم تستغفر فأنت في خطر .
2- يجد الدارس لسيرة النبي الحياة الفاضلة التي يرنو إليها :
أيها الأخوة، لا زلنا في التمهيد، التمهيد للسيرة النبوية أو لفقه السيرة النبوية، المثالية الحالمة شيء لا يطبق، بعض فلاسفة الإغريق رسموا المدينة الفاضلة، شيء غير موجد أصلاً ، وعندنا الواقعية المقيتة، واقع لا يحتمل، قد تقرأ قصة لأديب معاصر تحس بانقباض، لماذا؟ لأنك ترى سقوط الإنسان، دناءة الإنسان، نفاق الإنسان، قسوة الإنسان، انحراف الإنسان .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/21.jpg
أيها الأخوة، بذكر الصالحين تتعطر المجالس، وبذكر اللؤماء تتعكر المجالس دون أن تشعر, اجلس في بيتك مع أصدقائك، لو أن الحديث دار حول أناس لؤماء منحرفين منافقين، يأخذون ما ليس لهم، تجد بعد ربع ساعة قد شعرت بضيق، أنك طالعت إنسانًا ساقطًا، هذا الإنسان الساقط أعطاك إحباطًا كبيراً، لكن لمجرد أن تستمع إلى قصة صحابي جليل، إلى قصة صحابية جليلة، إلى قصة تابعي، إلى قصة عالم متواضع، تحس بانتعاش، تحس كما يقولون بامتداد بنفسك، فلذلك عظمة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنها واقعية، لكن ليست واقعية فقط، بل واقعية مثالية، مثل أعلى مطبق، أو المطبق مثل أعلى، هذا ما يحتاجه الناس اليوم، الناس اليوم يرفضون المثالية الحالمة، ويرفضون الواقعية المقيتة, الواقعية المقيتة ينفرون منها، والمثالية الحالمة يستهزؤون منها، لماذا قال الله عز وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة يوسف الآية : 111 )
3- يجد الدارس للسيرة المنهاج الكامل لمبادئ الإسلام وتعاليمه :
أخواننا الكرام، في الأدب فنون، عندنا الشعر، وعندنا القصة، والآن المسرحية، والمقالة، والسيرة الذاتية، وهناك أشياء كثيرة، يجمع الأدباء على أن أقرب فن أدبي إلى النفس القصة، بدليل لو كان ابنك معك في خطبة جمعة، والخطبة ساعة فرضاً، وفيها طرح دقيق، وتحليل، وأدلة، وآيات، وأحاديث، وفيها قصة في ثلاث دقائق، اسأل ابنك: ماذا بقي في ذهنك من هذه الخطبة؟ لا يذكر إلا القصة، لأنها أقرب شيء للنفس، القصة أبطالها بشر، وفيها حوادث، وفيها تسلسل، وفيها حبكة، وفيها بداية، وفيها عقدة، وفيها نهاية، لذلك أمتع فن أدبي للنفس هي القصة، لكن مع الأسف الشديد القصة المعاصرة حين تثير في الناس شهواتهم المنحطة, وغرائزهم تثير فيهم الجانب المادي، والجانب الغريزي، أن مجتمعًا بأكمله يسقط بهذه القصة، أما إذا قرأت قصة، وشعرت أنها حركت روحك، وتفكيرك المرتفع فأنت أمام فن عظيم، لذلك أن أنصح أخوتنا الكرام، أن يضعوا بين أيدي أولادهم قصص الصحابة الكرام، لكن ليست أية قصة، قصة أدبية بأسلوب واضح أدبي جميل، لأن الصياغة الأدبية صياغة فنية جميلة، تقريباً ككأس ماء كريستال مزخرف جميل، وإذا كان المضمون راقيًا جداً كماء الزلال، فأجمل شيء يؤثر في الإنسان المضمون، فالقصة أسهل طريق للدعوة إلى الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/22.jpg
بالمناسبة نحن في بلادنا نعلم اللغة، النحو، الصرف، الإملاء، البلاغة، العروض، كل هذه الدروس مملة، مملة جداً، هناك طرق في تعليم اللغة تقوم على القصة، نعلم الطالب مفردات هذه القصة، فغطينا جانب اللغة، نعلم الطالب حركات الكلمات، وموقع كل كلمة في الإعراب، علمناهم النحو، نعلم الطالب بنية الكلمات، هذا اسم فاعل واسم مفعول، صفة مشبهة باسم الفاعل، علمناهم الصرف، الآن نعلم الطالب بعض الصور البلاغية، علمناهم البلاغة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/23.jpg
فلما يكون المحور قصة ممتعة يمكن أن نعلم كل شيء من هذه القصة، لذلك أسهل طريق، وأمتع طريق، وأقصر طريق، لنَقُلْ: هذا الدين أن تأتي بسيرة سيد المرسلين، نتعلم منها الأحكام الشرعية، نتعلم منها الآداب النبوية، نتعلم منها المواقف البطولية، نتعلم منها المواقف التي ينبغي أن نكونها، لذلك القصة تحتل المركز الأول، وأنا والله أقترح أن تكون كما في بعض البلاد السيرة النبوية، أو سيرة أصحاب رسول الله في المناهج الدراسية مادة بأكملها ، يمكن أن تتعلم الإسلام كله من السيرة النبوية، إذاً: فضلاً عن أن السيرة النبوية يمكن أن تكون مفتاح محبة رسول الله ، القصة أو السيرة النبوية يمكن أن تكون القدوة العملية لكل مؤمن يبحث عن الحقيقة، قلت لكم في درس سابق: إن الله سبحان الله حينما قال:
﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَُ﴾
( سورة هود الآية : 120 )
إذاً: قصص الأنبياء تُليت في القرآن لتثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فما قولكم في قصة سيد الأنبياء والمرسلين؟ من باب أولى أن نستفيد منها .
النبي مشرع :
أيها الأخوة, كلكم يعلم أن الله سبحان الله وتعالى أمرنا أن نطيعه، وأن نطيع رسوله استقلالاً، ما معنى نطيعه استقلالاً؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
( سورة النساء الآية : 59 )
يعني لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، طاعة أولي الأمر متعلقة بتوافقها مع طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يقل: أطيعوا الله ورسوله ، قال:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
( سورة النساء الآية : 59 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/24.jpg
معنى ذلك أن النبي e وحده مشرع، وأن التشريع له مصدران، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالنبي كلامه تشريع، لذلك قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم الآية : 3-4 )
أنت حينما تقرأ حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن تعلم أنه حق من الله تعالى، إليكم الدليل، يقول أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة أنا فيهن رجل"، ما معنى رجل؟ في القرآن والسنة والحديث؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/25.jpg
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
( سورة النور الآية : 37 )
يعني أبطالا, قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 23 )
" ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس "، ما علامة بطولة سيدنا سعد؟ من هذه الثلاثة، " أنني ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها " .
إذاً: أنت حينما يصلك حديث رسول الله الصحيح يجب أن تؤمن أنه حق من الله تعالى، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو ألا وحي يوحى، إذاً: لا بد في كل بيت من شريط يتحدث عن السيرة، أو من كتاب يتحدث عن السيرة، ومن كتاب فيه حديث رسول الله ، لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، لا بد في كل بيت مسلم من مكتبة صغيرة، تفسير، قرآن، كتاب حديث، شرح أحاديث، كتاب سيرة .
أهمية السيرة النبوية من حيث التاريخ :
أيها الأخوة، بقي شيء واحد، أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جزء من التاريخ الإسلامي، فأنت حينما تقرأ السيرة تقرأ التاريخ، وسوف أضع بين أيديكم فقرة من سيرة رسول الله تبين أن الذي كان يعانيه أصحاب رسول الله من مشكلات معظم هذه المشكلات نعاني منها الآن .
لما جاء عدي بن حاتم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: من الرجل؟ قال: عدي بن حاتم, قال: كنت أظن أنني سألقى ملكاً، فلما التقيت رسول الله أخذني إلى بيته، في الطريق استوقفته امرأة فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها، فقال عدي في نفسه: والله ما هذا بأمر ملك؟ ودفع إلي وسادة من أدم محشوة ليفاً، فقال: اجلس عليها، فلما دخل البيت, قال: علمت أنه نبي مرسل، قال: إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً؟ ", وهو دين بين النصرانية واليهودية, " قال: بلى، قال: أولم تسِر في قومك بالمرباع؟ قال: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل في دينك، قال: فعلمت أنه نبي مرسل، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عدي بن حاتم لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم", يعني ما ترى من فقرهم، والعالم الإسلامي عالم فقير الآن، والعالم الغربي يكاد ينفجر بالمال، معقول لوحة صغيرة تباع بـ 50 مليون دولار، المليون دولار كالمئة ليرة عندنا، أموال لا تأكلها النيران، كلها ثروات والعالم الغربي يأخذ كل المواد الأولية بورق أخضر، يطبع ورق ويعطيك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/26.jpg
لذلك أكبر دولة في العالم مديونة هي القطب الواحد الذي نزهو بعملته الخضراء, " وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي بن حاتم إنما يمنعك في دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم" , لله عز وجل في خلقه شؤون، أحياناً يكون الكافر قوي جداً، يفعل ما يريد، ويقتل، ويقصف، ويهدم البيوت، والإعلام معه، والمال معه، والدول كلها معه، والمسلمون ضعاف, " لعله إنما يمنعك دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشك أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة للمسلمين، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم", العالم كله الآن يحارب الإسلام " وايم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف، وعاش عدي بن حاتم حتى رأى كل هذه البشارات .
المسلم في هذا العصر لا يزال بخير :
أخواننا الكرام، أخشى ما أخشى أن ننهزم من الداخل، أخشى ما أخشى أن نصاب بالإحباط, قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
( سورة آل عمران الآية : 139 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1300/ar-1300/27.jpg
وهذه الشدة التي نحن فيها أنا أسميها نحن في العناية المشددة، لأن فينا بقية خير فقط، بقية الخير جعلتنا في العناية المشددة، بشكل أو بآخر المريض المصاب بورم خبيث انتشر المرض في كل جسمه، سأل الطبيب: ماذا آكل؟ يقول له: كل ما تشاء، لو أن إنسانًا معه التهاب معدة، وشفاؤه مضمون، لكن بحاجة ماسة إلى حمية قاسية جداً، يعطيه الطبيب ألف توجيه، إياك أن تأكل كذا، وإياك أن تأكل كذا، مادام هناك أمل في الشفاء فهناك تشديد، لذلك:
" أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتضيقي، وتكدري على أوليائي حتى يحبوا لقائي، وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه "
(ورد في الأثر)
متابعة هذه الدروس في أيام مقبلة إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام، أتابع هذه الدروس إن شاء الله، وسوف نستنبط إن شاء الله تعالى من كل موقف من مواقف النبي حكمة، وقاعدة، ورؤية تعيننا على حل مشكلاتنا .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-02-2018, 04:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثالث )
الموضوع : البيئة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي عليه
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . ما هي الحكمة الربانية في اختيار مكة المكرمة بلداً للرسول ؟
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث من دروس فقه السيرة النبوية، موضوع هذا الدرس البيئة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي عليه، وهذا يسمى في الدراسات التاريخية البعد التاريخي .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/01.jpg
مكة المكرمة أرض ليس فيها زرع, قال تعالى:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
( سورة إبراهيم الآية : 37 )
يبدو من هذه الآية الكريمة، وقد اعتمد كُتّاب السيرة على القرآن الكريم، وما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدراً أولاً وثانياً لوقائع السيرة، أن هناك متع حسية، وهناك سعادة نفسية، لو أن المتع الحسية متوافرة تماماً، ورافقتها سعادة نفسية لاختلط الأمر، لكن هذا اسمه فرز، تذهب إلى بيت الله الحرام في وادٍ غير ذي زرع، والجو حار، ومع ذلك تسعد في جوار هذا البيت أيما سعادة، كأن الله سبحانه وتعالى جمد العامل الجمالي الأرضي، وحرك العامل النفسي السماوي .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/02.jpg
إذاً: قد تأتي الدنيا كما تريد، فتبتعد عن الغرض الذي خلقت من أجله، هذه حقيقة، الدنيا أحياناً تكون حجاباً بين العبد وبين ربه، ولا أغفلكم أيها الأخوة أن بلادًا كثيرة تعاني من رخاء ما بعده رخاء، ومن جمال ما بعده جمال، ومن متع حسية ما بعدها متع، هذه الدنيا العريضة، وهذا الجمال الأخاذ، وهذا التفلت صار حجاباً بين الناس وبين خالقهم، وقد تجد في بلاد أخرى شدة وضيقاً وفقراً، وتجد إقبال الناس على الدين منقطع النظير .
هناك علاقة بين المتع الحسية وتوافرها، وبين النشاط الروحي وحدته، حينما قال الله عز وجل:
﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
( سورة إبراهيم الآية : 37 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/03.jpg
إذاً: ربما أعطاك فمنك، وربما منعك فأعطاك، وقد يكون المنع عين العطاء, قال تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية : 216)
هذه الدنيا أيها الأخوة ليست بشيء أمام الآخرة, قال رسول الله :
" ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه "
( ورد في الأثر)
إذا كنت في بلد لست كما تتمنى، وكنت قريباً من الله عز وجل فأنت الرابح الأكبر، وإذا كنت في بلد وكأنه جنة الأرض، وهذه الجنة في الأرض حجبتك عن الله عز وجل، وأنستك الآخرة فأنت الخاسر فحيث ما أراد الله أن تكون تقبل قضاء الله وقدره، عندئذٍ تكشف حقيقة الحكمة الإلهية، لأن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع .
النعم التي اسدلها الله على قريش :
أيها الأخوة, الله عز وجل امتن على قريش حيث يقول في كتابه الكريم:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
( سورة قريش الآية : 1-4 )
قال علماء التفسير: إن أعظم نعمة يمتن الله بها على عباده نعمة الشبع والأمن, قال تعالى:
﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
( سورة قريش الآية : 4 )
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة النحل الآية : 112)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/04.jpg
إذاً: حينما تكون كما قال الرسول :
" من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا "
( أخرجه البخاري عن عبد الله بن محصن )
وأعني (( آمنا في سربه ))، أي أمن الإيمان، أنت حينما تؤمن تشعر أنك تحت رحمة الله، وتحت رضوان الله، وتحت حفظ الله، وتحت تأييد الله، وتحت توفيق الله، وتحت نصر الله، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، وهذه معية خاصة، قال عنها العلماء: إنها معية التأييد ، والنصر، والتوفيق، والحفظ, قال تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 19)
﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية : 194)
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 139 )
المزايا التي كانت تتصف فيها بيئة النبي :
أيها الأخوة، في البيئة التي عاش بها النبي كان فيها بعض المكارم الأخلاق، قيمة الشجاعة، وقيمة المروءة، وقيمة الكرم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
" وإنما بعثت معلما "
( أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو)
" بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "
( أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة)
"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام "
(أخرجه البخاري عن أبي هريرة )
وقد خاطب النبي الصحابة فقال:
" أسلمت على ما أسلفت من خير "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/05.jpg
معنى ذلك أن القيم التي كانت قبل بعثة النبي كقيمة الشجاعة والكرم والمروءة، وكان عنترة يقول :
وأغض طرفي أن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
أليست هذه مروءة؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " من هنا نستنبط أن الإنسان الصالح في أخلاقه قبل أن يؤمن، وقبل أن يهتدي إلى الله عز وجل، لأنه صالح يتولاه الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة الأعراف الآية : 196)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/06.jpg
فإذا كنا حليماً كريماً، ذا مروءة، تقري الضيف، تعين على نوائب الدهر، فالله عز وجل يتولاك، ومن أدق ما قالت السيدة خديجة لزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه الوحي: " ما يخزيك الله أبداً", كيف عرفت ذلك؟ لم يكن وحي قبله، ولم يكن إسلام قبل هذا الإسلام، " والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتكرم الضيف، وتحمل الكَلّ، وتعين على نوائب الدهر", هذه الفطرة .
وأنا أقول لكم أيها الأخوة، وهذا استنباط، ولاسيما أني أوجهه إلى الشباب: إن كنت شاباً مؤمناً، مستقيماً، عفيفاً، صادقاً، أميناً، ثق بتوفيق الله لك، لأن الله عز وجل يقول:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 )
إذاً: مكارم الأخلاق التي كانت في الجاهلية اعتمدها الإسلام وأقرها . أهمية النسب في عالم الإيمان :
أيها الأخوة, قبيلة قريش كانت في الجزيرة العربية واسطة العقد، وكانت سيدة العرب وقتها هذا ينقلنا إلى موضوع النسب، ما علاقة النسب بالإيمان؟ النسب تاج يتوج به المؤمن، فالنبي عليه الصلاة والسلام حدثنا عن سيدنا يوسف, فقال: " الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
(أخرجه أحمد في مسنده)
ولكن حينما قال الله عز وجل:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾
( سورة المسد الآية : 1-5)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/07.jpg
هو عمّ النبي، أما الإنسان حينما يبتعد عن الإيمان لا قيمة للنسب أبداً، قال عليه الصلاة والسلام:
" يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمّدٍ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ، فَإِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكِ ضَرّا وَلاَ نَفْعاً "
( أخرجه مسلم في الصحيح )
" وقد دخل عليه الصلاة والسلام مرة المسجد فرأى رجالاً يتحلقون حول رجل، فسأل سؤال العارف: من هذا؟ قالوا: نسابة، قال: وما نسابة؟ قالوا: يعرف أنساب العرب، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا علم لا ينفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به "
( ورد في الأثر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/08.jpg
من هنا من بعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
" الَّلهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ من قلبٍ لا يخشعُ ، ومِنْ دُعاءٍ لا يُسمعْ ، ومِنْ نفسٍ لا تَشبعْ ، ومن علمٍ لا ينفعْ ، أعوذُ بكَ منْ هؤلاءِ الأربعِ "
( ورد في الأثر)
أيها الأخوة، تعليق لا بد منه، لأن العمر قصير، والوقت محدود، والأيام تتسارع، وكلما مضى يوم اقتربنا من أجلنا، فلا بد من أن نصطفي، كيف؟ أنت في مكتبك تضع الأربعة جدران ممتلئة بالكتب إلى السقف، وعندك بعد يومين امتحان مصيري، وكتاب هذه المادة أحد كتب المكتبة، هل يمكن أن تقرأ خطبة في هذين اليومين؟ لا بد من أن تقرأ الكتاب المقرر، لأن ما يطبع في العالم كل يوم من كتب بلغة واحدة لا يمكن أن تستطيع قراءتها في مئتي عام, ينبغي أن تصطفي كتاباً ينفعك في دينك ودنياك، وأن تصطفي صديقاً ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، وأن تصطفي مكاناً تزداد فيه قرباً من الله عز وجل، أما الإنسان الذي يتحرك كيف ما شاء؟ يقرأ أي كتاب شاء؟ هذا الذي لا يصطفي يكون مغبوناً يوم القيامة
إذاً: النسب تاج يتوج به المؤمن، أما إذا ابتعد الإنسان عن الإيمان فلا قيمة للنسب أبداً، وصدق القائل:
لا تقل: أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
العبادة التي كانت سائدة في قريش :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/09.jpg
أيها الأخوة, ماذا كانت تعبد قريش قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾
( سورة يونس الآية : 18 )
إحدى القبائل صنعت من تمر صنماً وعبدته، فلما جاعت أكلته، فقيل: أكلت ودٌ ربها، أين عقلهم؟ قبيلة أخرى جاء أحد أفرادها إلى الصنم ليعبده فرأى أن ثعلباً قد بال على رأسه، فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ضلت من بالت عليه الثعالب
العرب كانت تعبد أصناماً من دون الله، وتزعم أنها تقربهم من الله عز وجل زلفا, عطلوا عقولهم فخسروا آخرتهم .
هذه هي الجاهلية الثانية :
أخواننا الكرام، في بلاد آسيا تعبد البقرة من دون الله، فإذا دخلت إلى دكان فاكهة، وأكلت ما لذ وطاب من أغلى أنواع الفاكهة يكون صاحب المحل في الجنة، لأن الإله دخل إلى دكانه، وأكل من الفواكه، وقد يوضع روثها على الأثاث في غرف الضيوف في العيد، هذا من إنتاج إلههم، أين عقولهم؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/10.jpg
وهناك أناس في بلاد آسيا يعبدون الجرذان، وعندي مجلة فيها معبدهم، وكيف أن في هذا المعبد آلاف الجرذان يقدمون لهم أنفس الطعام، ويعبدونهم من دون الله؟ أين عقولهم؟ وفي هذه البلاد البعيدة جداً شرقاً, والتي تألقت في الصناعة حتى بلغت قمة النجاح الصناعي يعبدون ذكر الرجل، وقد حدثني أخ كريم زار معابدهم، وهناك أناس يعبدون الحجر، وأناس يعبدون الشمس والقمر، وأناس يعبدون موج البحر، وهذا من ضعف عقل الإنسان، واشكروا الله عز وجل أننا عرفنا الإله الحقيقي الذي بيده كل شيء، قال تعالى:
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾
( سورة يونس الآية : 18 )
أيها الأخوة، من أغرب ما قرأت قبل شهرين أو ثلاثة أن صحفية في بلد عربي مجاور فيها مقالة يزعم كاتبها أن آلهة قريش كانت آلهة ديمقراطية، لأن كل إله قبل بالطرف الآخر، أما إله محمد فكان إلهاً ديكتاتورياً أو قمعياً، لأنه رفض أن يكون معه إله آخر، أليست هذه جاهلية ثانية؟ حينما قال الله عز وجل:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
( سورة الأحزاب الآية : 33 )
ما معنى ذلك؟ أن هناك جاهلية ثانية .
الأكاذيب التي كانت قريش تفتري بها على الله وإصرارها على ذلك :
أيها الأخوة, أن بيئة قريش فيها تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان، فقد قال الله عز وجل:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾
( سورة النحل الآية : 116 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/11.jpg
لذلك المعاصي والآثام رُتبت في القرآن ترتيباً تصاعدياً، فذكر الله الفحشاء والمنكر، والإثم والعدوان، والشرك والكفر، وجعل على رأس هذه المعاصي أكبر معصية على الإطلاق, قال تعالى:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية : 169 )
هذا الذي يحرم من دون علم، ويحلل من دون علم، ويفتري على الله الكذب, الحلال والحرام من شأن الله وحده، فهناك عقائد سخيفة ومضحكة كانوا يتداولونها فيما بينهم, ثم إنهم من حيث العقيدة كانوا يشركون بالله جل جلاله فلا يوحدونه، وكانوا يلحدون في أسمائه وصفاته، وكانوا يسمون الملائكة تسمية الأنثى، ويدعون أنهم بنات الله، ويدعون أن الجن شركاء الله، ويجحدون القضاء والقدر، وقد قال الله على ألسنتهم:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 148 )
أنكروا القيامة، والبعث, والنشور، والدار الآخرة، والحساب، والجنة والنار، رغم إقرارهم بألوهية الإله، ولا يتقيدون بشيء مما كان في الديانات السابقة, فقريش أصرت على هذه الضلالات, قال تعالى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾
( سورة النحل الآية : 38 )
لذلك حينما تتحد المسافة بين نبي ونبي يحتاج الناس إلى نبي يجدد للناس دينهم ومعرفتهم بالله عز وجل, قال تعالى: ً
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
( سورة هود الآية : 7 )
الإنسان أميل إلى الطبع من التكليف :
أيها الأخوة, حضرت مؤتمر الأديان في واشنطن، وقد شاهدت عبادات وأديان الأرض، كانت 18 ديناً، جميع هذه الأديان التي اخترعها الإنسان هي رقص وغناء وموسيقا http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/12.jpg
نحن في وقت التخلف تصبح عبادتنا أناشيد، ومنشدين فقط، وطربا، وولائم، واحتفالات، كلما ابتعدنا عن حقيقة الدين اتجهنا إلى ما هو ممتع بعيداً عن كل شيء مكلف، والتكليف ذو كلفة ، جميل جداً أن تتغنى بمديح رسول الله ، لكن ليس جميلاً أن تكتفي به ولا تفعل شيئاً بعد ذلك، دائماً هناك أشياء خفيفة على الإنسان، وأشياء تحتاج إلى جهد, قال تعالى:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
( سورة التوبة الآية : 19 )
أحيانا يكون الإنسان قد آتاه الله عز وجل مالا كثيرا، يبني مئذنة على حسابه، وقد أنشأ هذه المئذنة المحسن الكبير فلان، أنا لا أقلل أبداً من إنفاق المال على المساجد, والمياتم, والمستشفيات، هذا عمل عظيم، ولكن حينما ترى أن إنفاق المال لا يأخذ منك إلا موافقة سريعة، أما الإسلام منهج كامل، افعل ولا تفعل، هناك واجبات وفرائض، وهناك محرمات ومنهيات ومكروهات، أما قد تختار من الدين ما يعجبك، فلذلك أيها الأخوة قضية الدين منهج كامل يؤخذ بأكمله، أو لم تقطف من ثماره شيئاً .
ما هي علاقة الأصل بالفرع , وعلام نستنتج ؟
أيها الأخوة، لا بد من توضيح هذه الحقيقة، الإنكار القولي يعالج، أما الإنكار العملي فلا يعالج, البدع القلبية لا تصحح، عندنا ميزان، هناك خطأ في الميزان، أو هناك خطأ في الوزن، الخطأ في الميزان لا يصحح، لكن الخطأ في الوزن لا يتكرر، فأفضل ألف مرة أن تخطئ في الوزن من أن تخطئ بالميزان .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/13.jpg
لذلك العقيدة هي الأصل، إن صحت عقيدة الإنسان صح عمله، وإن فسدت عقيدته فسد عمله، أكاد أقول: إن أخطر شيء في الدين العقيدة، إن صحت صح العمل، وإن كان هناك خطأ ففي الوزن لا في الميزان، الخطأ في العقيدة خطأ في الميزان، والخطأ السلوكي خطأ في الوزن، والخطأ في العقيدة لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فلذلك لو لم يكن للعقيدة أثر في السلوك, أقول لك: اعتقد ما شئت، أما لأنه ما من عقيدة إلا وتنعكس انحرافاً في السلوك فإنه يجب أن تصحح عقيدتك، يجب أن تصحح تصوراتك .
أيها الأخوة، لو أن واحداً من المسلمين توهم أن شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته هكذا على ظاهر الحديث من دون دقة في الفهم والشرح، ما الذي يدعوه إلى أن يستقيم؟ لا شيء، لأنه اعتقد خطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم سيشفع له, من الخطأ الفادح، وأنت لست من أهل العلم أن تأخذ حديثاً، وأن تكتفي بفهمك له، وأن تستنبط منه ما طاب لك، ثم تبني عملك على هذا الفهم ، خطأ كبير، بل كبير جداً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/14.jpg
الشفاعة موضوع عميق، موضوع يحتاج إلى تأصيل، في مجموعة أحاديث الفقيه يضع كل النصوص، والآيات، والأحاديث، وفعل النبي، وإقرار النبي، وفعل الصحابة، يجمع هذا كله، وأسباب النزول، وأسباب ورود الحديث على طاولة واحدة، ويستنبط حكماً شرعياً، أما أن يأتي إنسان في آخر الزمان، ويأخذ حديثاً، ويفهمه على مزاجه، ويبني عليه حكماً, هذا ما أنزل الله به من سلطان، لا يمكن أن ينال شفاعة النبي إلا من كان موحداً ومخلصاً ، إذا كنت موحداً مخلصاً أنت بينك وبين النجاة شعرة واحدة .
إليكم هذا المثال: طالب أدى امتحانا في عشر مواد، أخذ في تسع مواد علامة النجاح وزيادة، ونقصه في إحدى المواد علامة واحدة، يشفع له النبي، أما في العشر مواد أصفار، ويعتمد على شفاعة النبي فهذا غباء وحمق ما بعده من غباء .
لو أن طالبا قال لآخر: لا تدرس، الأستاذ قلبه طيب، يشفق علينا يوم الامتحان، نبكي أمامه فيعطينا الجواب، لا تدرس، هكذا يفهم بعض المسلمين الشفاعة, قال رسول الله :
" يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئا، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه "
( أخرجه البخاري في الصحيح)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/15.jpg
هذا كلام النبي، أما كلام الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾
( سورة الزمر الآية : 19 )
مرةً ثانية، لو لم يكن من علاقة بين أن تعتقد, وبين أن تتحرك أي شيء, لقلت لك: اعتقد ما شئت، لكن لأنه ما من اعتقاد إلا وسوف ينعكس سلوكاً خاطئاً أو صواباً لا بد من تدقيق فيما تعتقد، فأنت بحاجة إلى جرد لمعتقداتك، إلى مسح لتصوراتك، يجب أن تعرضها على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فعلى العين والرأس، وما خالف الكتاب والسنة ينبغي أن تتخلى عن هذه العقيدة .
أخواننا الكرام، حضور درس العلم هو استثمار للوقت، لأن الإمام علي رضي الله عنه يقول: " العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزهو على الإنفاق ". إليكم هذين القصتين للعبرة :
سائق مركبة أشارت إليه امرأة أن يقف فوقف، ركبت المركبة، سألها: إلى أين؟ قالت له: خذني إلى أي مكان تشاء، فرآها غنيمة ما بعدها غنيمة، فلما قضى حاجته منها، أعطته ظرفين، فتح الأول فيه مبلغ كبير من الدولارات، والظرف الثاني فيه رسالة كتبت إليه الكلمات التالية: مرحباً بك في نادي الإيدز، ذهب ليصرف الدولارات، فإذا هي مزورة، فأودع في السجن، وأصيب بمرض الإيدز، لو أنه يحضر درس علم بمجرد أن تقول له: خذني إلى أي مكان تشاء، لأوقف المركبة وأنزلها، وقال: إني أخاف الله رب العالمين .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/16.jpg
في أول خطبة خطبتها في جامع النابلسي في عام 1974 تقدم مني رجل مسن ( كهل )، وصار يبكي، قلت له: خير إن شاء الله؟ قال: زوجتي تخونني، قلت: مع من؟ قال: مع جاري، قلت: كيف عرفت جارك أو كيف عرفها جارك؟ قال لي: مرةً زارني الجار، فقلت: لئلا تبقى وحدها مستوحشة تعالي أم فلان مثل أخوكِ، بدأت هذه العلاقة، قلت له: لو أنت حضرت مجلس علم لا تفعل هذا .
أخواننا الكرام، أرجو أن تدققوا في هذه القاعدة، ما من مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، فأنت حينما تحضر درس علم تضمن سلامتك, وسعادتك في الدنيا والآخرة، لأنك تتعلم في هذا الدرس تعليمات الصانع، وما من جهة أجدر من أن تطاع كالصانع، لأنه الخبير, قال تعالى:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
( سورة فاطر الآية : 14 )
المنكرات التي كانت تعيشها قريش قبل بعثة النبي وبين الإنسان الذي يعيشها اليوم:
أيها الأخوة، أخلاق قريش قبل بعثة النبي وأعرافهم وعاداتهم كثيرة، فكانوا يشربون الخمر بلا قيد ولا شرط، ويلعبون الميسر، ويتزوجون بغير عدد، باب الزواج مفتوح، ويقتل بعضهم الأولاد بسبب الفقر، ويؤدون البنات خوف العار والفقر، قال تعالى :
﴿وَإِذَا الْمَؤودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
( سورة التكوير الآية : 8-9 )
لو انتقلنا إلى هذا العصر لم يئدها، لكنه جعلها تخرج من البيت كما تريد، وبأي زي تريد، وتظهر كل مفاتنها للناس، ولا تعبأ لا بقيد أخلاقي ولا ديني ولا شرعي، ففسدت وأفسدت، وضلت وأضلت، هذه الفتاة يوم القيامة, تقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، ما معنى قوله تعالى:
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾
( سورة البقرة الآية : 191 )
هذه التي وئدت في الجاهلية إلى الجنة، لأنها وئدت قبل التكليف، أما التي أطلقناها فلا تعتني لا بأخلاقها، ولا بإيمانها، ولا بحجابها، ولا بعلمها، ولا بثقافتها، أطلقناها تفعل وتؤذي المجتمع كما تريد، هذا عمل يحاسب عليه الأب، بل إنني أعتقد أن الفتنة كما قال الله عز وجل في أن يطلق للفتاة العنان أشد من القتل .
مرة سئلت في درس: الرجال لهم عبادات خاصة، من هذه العبادات حضور الجمعة والجماعات، ومن هذه العبادات الجهاد في سبيل الله، النساء هل لهن عبادات خاصة؟ طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام, يقول:
" انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله "
( ورد في الأثر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/17.jpg
شيء جميل، رعاية الزوج والأولاد نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، لكن شيء رائع جداً أن أنقل إليكم أن هناك عبادة تنفرد بها المرأة من دون الرجل، أنا أسميها عبادة إعفاف الشباب، الرجل في الصيف قد يلبس ثياباً خفيفة، هذه ميزة، لكن الفتاة المؤمنة ترتدي ثياباً سابغة وسميكة لا تصف لا لون بشرتها ولا حجم أعضائها، لعل الثياب التي يجب أن تكون سابغة وسابلة عبء عليها، ولكن هذه عبادة، فكل امرأة أظهرت مفاتنها، وأفسدت شاباً فهذا الفساد الذي يصيب الشاب في صحيفتها يوم القيامة .
لذلك في الجاهلية زواج بغير عدد، يقتل يعضهم أولاده بسبب الفقر، قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾
( سورة الأنعام الآية : 151 )
أي من فقر واقع, قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾
( سورة الإسراء الآية : 31 )
من فقر متوقع، فقد مُنع الإنسان من أن يقتل ابتنه لفقر واقع، أو لفقر متوقع، لو انتقلنا إلى الآن أنت حينما ترضى لابنك بعمل دخله كبير، ولكن يضيع فيه دينه، أليس هذا نوع من القتل؟ كم من إنسان لم يعتنِ بإيمان ابنه، ولا بأخلاقه؟ ففسد, وأنتج دخلاً كبيراً، إذاً: هذا ينبغي أن يكون في الحسبان .
وكانوا يثيرون الحروب لاتفه الأسباب، يمد أحدهم رجله، ويقول: من كان أشرف مني فليضربها، يضربها رجل آخر، وتنشب حروب تستمر عشرات السنين، تدمر كل شيء، هذه أيضاً جاهلية، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾
( سورة الزخرف الآية : 17)
انظر إلى تعامل النبي للنساء :
أما النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءته فاطمة ضمها وشمها, وقال:
" ريحانة أضمها وعلى الله رزقها "
(ورد في الأثر)
أعرف صديق عنده سبع بنات، وكلما حملت زوجته، وأشرفت على الوضع هيأ هدية كبيرة، لعلها تأتي بالأنثى، فتكون هذه الهدية تطميناً لها أنها في أعلى مقام عنده، هذا المؤمن, قال تعالى:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
( سورة النحل الآية : 58-59)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/18.jpg
ماذا قال عليه الصلاة والسلام: " أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبوهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً، من أن أكون لئيماً غالباً "
(ورد في الأثر)
قال عليه الصلاة والسلام عن النساء:
" فإنهن المؤنسات الغاليات "
(رواه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن عقبة بن عامر )
والنبي عليه الصلاة والسلام جعل الخيرية الكبرى، وأنت في البيت، قال:
" خَيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي "
(أخرجه الترمذي عن عائشة في سننه)
يعني أن الإنسان خارج البيت، نوع من الذكاء يتجمل، يتلطف، يبتسم، يعتذر, يحسن هندامه، أما في البيت فلا رقابة عليه، فبطولتك وأنت في البيت، قال عليه الصلاة والسلام:
" خَيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"
(أخرجه الترمذي عن عائشة في سننه)
تحريم القرآن للخمر :
يقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
( سورة المائدة الآية : 90 )
ويتوهم بعض الناس ممن شردوا عن الله عز وجل أن كلمة فاجتنبوه لا تعني التحريم المطلق، بل هي في الحقيقة أشد أنواع التحريم، لأنك إذا مُنعت من شيء تمنع من ممارسته، أما اجتنبوه, قال عليه الصلاة والسلام:
" لعن الله الخمر، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها, وحاملها والمحمولة إليه، و آكل ثمنها "
(أخرجه أبو داود في سننه والحاكم في المستدرك عن ابن عمر )
فيجب أن يكون بينك وبين الخمر هامش أمان كبير، فالاجتناب هو من أشد أنوع التحريم . الأنكحة التي كانت منتشرة في جاهلية العرب :
وقد سادت في البيئة التي عاش بها النبي صلى الله عليه وسلم أنوع من الأنكحة التي لا تختلف عن الدعارة إطلاقاً، من هذه الأنكحة أنكحة الاستبضاع، أن يقول الرجل لزوجته: اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه, أي احمل منه, فلان قد يكون جميل الصورة، أو قويا، أو ذكيا، هذا كان نكاح الاستبضاع .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1301/ar-1301/19.jpg
أما نكاح الرهط، يعني عشرة رجال يتزوجون امرأة واحدة، وقد حدثتكم فيما أذكر أنه من أحدث الأبحاث العلمية أن الإنسان له هوية، قزحية عينه هوية، ورائحة جلده هوية، ليس هناك على وجه الأرض واحد من ستة آلاف مليون يشبهك في قزحية العين، ولا في نبرة الصوت، ولا في رائحة الجلد، ولا في بصمة الإصبع، ومن مدة قريبة أضيفت إلى مجموع هذه الهويات هوية جديدة نطفته هوية، لكل نطفة تركيب خاص لا تشبه أية نطفة أخرى، وقد اكتشف أن عند المرأة جهازاً حاسوباً تبرمج فيه هذه النطفة، وما دامت هذه النطفة تأتي بشكل أو بآخر لا تتغير فالوضع سليم جداً، أما إذا دخلت نطفة على نطفة فهناك احتمال بأن تصاب المرأة بسرطان الرحم .
أما أن تأتي نطفة جديدة دون أن تصاب المرأة بشيء فهذا يعني أن تنقطع النطفة الأولى ثلاثة أشهر، حتى تمحى برمجتها من حاسوب المرأة، وعندئذٍ يمكن أن تستقبل المرأة نطفة جديدة، وهذه هي العدة التي شُرعت في القرآن الكريم .
أما إذا كان هناك شدة نفسية فتحتاج إلى أكثر من أربعة أشهر، هذه عدة المتوفى عنها زوجها، هذا كلام سمعته في مؤتمر إسلامي في القاهرة بشرح عميق جداً, ومدلل بالتجارب والأبحاث الدقيقة .
وهناك نكاح ذوات الرايات، يعني بيوت الدعارة، بيت عليه راية أن هذه المرأة تقتات بجسمها، والقول الجاهلي تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها, عقائد فاسدة، سلوك فاسد، تحريم مزاجي ، أنكحة فاسدة، خمر، ميسر، ظلم, قهر، عدوان، وأد بنات، قتل أولاد، هذه الجاهلية التي جاء فيها النبي عليه الصلاة والسلام .
خاتمة الدرس :
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذه الدروس في الأيام القادمة على أن عنوان الدرس فقه السيرة، وكل شيء ندرجه في هذا الدرس يجب أن نستنبط منه شيء كقاعدة في حياتنا، وإذا كان بالإمكان أن نوازن بين الماضي والحاضر ينبغي أن تكون هذه الموازنة لصالح فهم هذا الدرس، وزانت لكم بين وأد البنت وبين تفلتها الآن، أيهما أخطر؟ تفلتها، لأن التي وئدت إلى الجنة، أما هذه فلا تدخل النار حتى تدخل أباها قبلها .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-02-2018, 04:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الرابع )
الموضوع :مبعث النبى صلى الله علية وسلم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . النسب الذي يعود إليه النبي محمد عليه الصلاة والسلام :
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة، والحديث اليوم عن مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأول بند في هذا الموضوع نسبه صلى الله عليه وسلم، وقد حدثتكم في درس سابق أن النسب تاجٌ يتوج به أهل الحق، أما إذا أضيف النسب إلى أهل الباطل فلا قيمة له إطلاقاً، والدليل قوله تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
( سورة المسد الآية : 1-2 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/01.jpg
فالذي يتعرف إلى الله، ويستقيم على أمره، ويحرص على مرضاته إذا كان نسبه من النوع العالي فهذا تاجٌ يتوج به، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد بن عبد المطلب، ابن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، ابن كلاب، وينتهي نسبه إلى عدنان، وأمه آمنة بنت وهب، من بني زُهرة، ويلتقي نسب أمه بنسب أبيه في كلاب بن مرة، وقد قال الله عز وجل :
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 124 )
وقد ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم, يقول:
" الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم "
( أخرجه البخاري في الصحيح)
هل النبوة أمر كسبي أم أمر وهبي أم بهما معاً ؟
أيها الأخوة، النبوة هبة من الله، وفيها جانب كسبي، بمعنى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 33 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/02.jpg
حينما يجتهد الإنسان في طلب مرضاة الله عز وجل، من كمال الله وكرمه يهيئ له عملاً يتناسب مع طموحه، والعبرة أن تطمح لعمل جليل، فالأعمال بيد الله، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل، ونسبه إليك، الله عز وجل يوفق، ويحفظ، ويلهم، ويجري الخير على يديك بشرط أن تطلب الخير,
" ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء, وأنا أحب إليك من كل شيء "
( ورد في الأثر)
فأنت حينما تسعى في مرضاة الله، وحينما تخطب ود الله عز وجل، فالله يهيئ لك عملاً صالحاً ترقى به عنده، وتسعد به إلى أبد الآبدين,
" ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يفرحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد "
( ورد في الأثر)
إليكم هذا المثال للتقريب :
لو أردنا أن نضع مثالاً يوضح هذه الحقيقة: لو أرادت دولة أن تعين سفيراً في بلد مهم جداً، طبعاً تختاره من حملة الشهادات العليا، وفي بعض الدول تشترط دراسة أدبية وعلمية وحقوقية، وهذا من كسب الطالب، بعد أن تختاره تمنحه صلاحيات، وحقيبة دبلوماسية ، وتعطيه كتاباً تقدمه للدولة التي سيقوم بها، ففي هذه الوظيفة جانب كسبي، وجانب وهبي، الجانب الكسبي يؤكده الله عز وجل حينما يقول: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 124 )
ويؤكد الجانب الكسبي قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 33 )
خير القرون قرني :
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:
" بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه "
(أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/03.jpg
لذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم خيرية القرون الأولى، فقال:
" خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
قد تقول أنت: نحن في عصور التقدم، وفي عصور المخترعات، وفي عصور ترويض الطبيعة لصالح الإنسان، النبي عليه الصلاة والسلام حينما وصف قرنه بأنه خير قرن ، هذا متعلق بسعادة الإنسان الأبدية، وقد ذكرت في درس سابق أن الدنيا إذا كانت مريحة جداً ، وكانت الدنيا عريضة، وفيها كل ما تشتهيه الأنفس ربما كانت حجاباً بين العبد وربه، وأن بعض الشدائد التي في ظاهرها شدائد ربما كانت عوناً للإنسان على طاعة الله، لذلك الآية التي ينبغي ألا تنسى، وأن تكون ماثلة أمام أعيننا جميعاً, قوله تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية : 216 )
فخيرية قرن النبي، والقرن الذي أتى بعده، والذي أتى بعده خيرية متعلقة بسعادة الإنسان الأبدية، لكن الإنسان اليوم غارق في متع حسية، ووقته مليء بملهيات لا تنتهي، لكن إذا جاءه ملك الموت يشعر بالخسارة التي لا تعوض, قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية : 15 )
الصفات الخَلقية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام :
النبي صلى الله عليه وسلم صفته: كان متوسط القامة، ليس بالنحيف ولا بالجسيم، عريض الصدر، ضخم اليدين والقدمين، مبسوط الكفين، قليل لحم العقبين، يحمل في أعلى كتفه اليسرى خاتم النبوة، وهو أحسن الناس وجهاً، وهو أبيض اللون بياضاً مزهراً، مستدير الوجه، واسع الفم، طويل شق العينين، رَجِل الشعر، ولم يشب من شعره الأسود إلا اليسير , وإضافة إلى حسن خلقه، وسلامة حواسه وأعضائه فقد كان صلى الله عليه وسلم يعتني بمظهره من النظافة وحسن الهيئة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/04.jpg
أيها الأخوة، المؤمن لا ينبغي أن يهمل مظهره، ولا ملبسه، فقد ورد في بعض الأحاديث:
" أن أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس "
(ورد في الأثر)
لأن الإنسان في أول لقاء الانطباع يؤخذ من هندامه، ومن مظهره، ومن نظافته، ومن رائحته العطرة، من أجل أن تكون سفيراً لهذا الدين الرباني ينبغي أن تعتني بمظهرك، قال عليه الصلاة والسلام:
" أن أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس "
(ورد في الأثر)
الاعتناء بالنظافة، والاعتناء بالمظهر، جزء من الدين . الصفات الخُلقية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام :
أما صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم فحدثوا ولا حرج، الله عز وجل وصفه بأنه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم الآية : 4)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/05.jpg
والخُلق أيها الأخوة جانب كسبي في الإنسان، الله عز وجل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم وسائل الدعوة، أعطاه ذاكرة ينفرد بها, قال تعالى:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾
( سورة الأعلى الآية : 6)
أعطاه شكلاً جميلاً، أعطاه وجهاً مليحاً، أعطاه فصاحة ما بعدها فصاحة، قال:
" أنا أفصح العرب بَيد أني من قريش "
(ورد في الأثر)
أعطاه نسباً رفيعاً، ولكن حينما أثنى عليه، أثنى على خلقه، كما لو أنك منحت ابنك بيتاً ، لا يعقل أن تقيم حفل تكريم لهذا البيت، لكن تقيم له حفل تكريم إذا نال الدرجة الأولى، فالأصل أن يثنى على الإنسان بما في كسبه، ويقابل ذلك أنت حينما تزدري إنساناً لأن شكله لم يعجبك، هذا اعتراض على الله عز وجل، وزوجته عائشة رضي الله عنها قالت عن أختها صفية قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام:
" لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته "
(أخرجه الترمذي في سننه)
خطأ كبير أن تعير إنساناً بشكله، أو بلونه، أو بطوله، هذا ليس من كسبه، هذا من خلق الله عز وجل، فكأنك تعترض على الله، وكأنك تزدري صنعة الله عز وجل فهذا فظاظة وللجاجة لا تليق بالمؤمن .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/06.jpg
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أوتي الكمال في أفعاله، وفي أقواله، وفي شكله، وأوتي الفصاحة، وأوتي البيان، وهو سيد ولد آدم، وأوتي المعجزات، وأوتي القرآن والوحي، وأيده الله بنصره، ومع كل هذه الخصائص, يقول الله له أنت بالذات:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
( سورة آل عمران الآية : 159 )
بربكم هذا الذي لم يؤتَ فصاحة، ولا شكلاً جميلاًَ، ولا وجهاً منيراً، ولا نسباً أصيلاً، ولم يؤتَ معجزة، ولا وحياً، ولا قرآناً، وهو فظ غليظ القلب في دعوته, لمَ؟ سيد الخلق وحبيب الحق، يقول الله له:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
هذا درس بليغ للدعاة إلى الله عز وجل .
الحكمة الربانية التي أخفاها على عباده في موضوع التسيير :
أيها الأخوة, نحن كما تعلمون مخيرون، الدليل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان الآية : 3)
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/07.jpg
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 148)
الآيات تؤكد أن الإنسان مخير، بربكم هل أنتم مخيرون في آبائكم وأمهاتك؟ أنت لست مخيراً فيما كنت ذكراً أو أنثى، ولست مخيراً في أمك وأبيك، ولست مخيراً في مكان ولادتك، ولست مخيراً في زمن ولادتك، هذا ليس من اختيارك، هذا أنت فيه مسير، ولكن حقيقة أنقلها لكم تثلج الصدر: الذي لم يكن في اختيارك هو أكمل شيء إليك، لخص هذا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى, فقال: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، وفسر هذا القول فقال: " ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني " .
فاعتقد يقيناً أن الذي لست مخيراً فيه هو لصالحك مئة في المئة، وحينما يكشف الله لك يوم القيامة عن سر هذه الأشياء التي لم تكن مخيراً بها، ينبغي أن تذوب كالشمعة محبة لله عز وجل وامتناناً منه، فالذي كنت به مسيراً هو لصالحك، وليس في الإمكان أبدع مما كان .
النبي قدوة لنا معاشر المسلمين :
أيها الأخوة, السيدة عائشة أم المؤمنين كانت تؤكد حينما تُسأل عن خلقه, تقول:
" كان خلقه القرآن "
( أخرجه مسلم في الصحيح)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/08.jpg
بل إن بعضهم, يقول: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، ونستنبط من هذه الأوصاف أن المؤمن لا يتأثر الناس بكلامه بل بمعاملته، وأن دلالة الحال أبلغ من دلالة المقال، وهذا درس للآباء والمعلمين والدعاة إلى الله عز وجل، دلالة الحال أبلغ من دلالة المقال ، وحال واحد في ألف خير من مقالة ألف في واحد، إذاً: قوة التأثير لا تتأتى من الفصاحة، بل تتأتى من أن هذا المتكلم صادق فيما يقول، ومطبق لما يقول
ومن أدق الآراء التي قرأتها عن أحد العلماء أن الذي يدعو إلى الله بمضمون غير متماسك، أو يدعو إلى الله بأسلوب غير علمي وغير تربوي، أو يدعو إلى الله ولا يجد مصداقية في الداعية، هذا المدعو إلى الله في هذه الطريقة لا يعد عند الله مبلغاً، ويقع إثم تفلته من منهج الله على من دعاه بهذه الطريقة, فلذلك رتبت المعاصي والآثام ترتيباً تصاعدياً، فكان في أعلاها, قوله تعالى:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية : 169 )
" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم "
( أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس )
" يا ابن عمر، دينك دينك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين قالوا "
( ورد في الأثر)
النبي جمع الكمال البشري :
من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد تواضعاً مقترناً بالمهابة، والقاعدة أيها الأخوة أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، التهور رذيلة، والجبن رذيلة، والشجاعة بين التهور والجبن، البخل رذيلة، وتبذير المال رذيلة، والكرم بين التبذير والبخل، فالفضيلة وسط بين طرفين .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/09.jpg
فيا أيها الأخوة، سهل جداً أن تأخذ الحد الأقصى، سهل جداً وأنت تربي أولادك أن تكون قاسياً إلى أبعد الحدود، تضربهم ضرباً مبرحاً، وسهل جداً أن تسيبهم، ولكن البطولة أن يحبك أولادك إلى درجة عالية جداً، وأن يهابوك أيضاً لدرجة عالية جداً، هذا هو المنهج الوسطي والإسلام وسطي, فلذلك كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً مع المهابة، إنسان يتواضع مع الذل، ارفع رأسك، متى أمت علينا ديننا, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى الآية : 39)
أحياناً يتطرف المؤمن متهماً أنه متواضع، فإذا هو ذليل، فالمتكبر على المتكبر صدقة ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه قبيل المعركة يتبختر أمام الأعداء, فقال عليه الصلاة والسلام:
" إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن "
( ورد في الأثر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/10.jpg
أي الطرف الآخر قوي لا تراه ضعيفاً، فقد قرن تواضعه بالمهابة، وقرن حياءه بالشجاعة، في شجاعة، وفي وقاحة، وفي خجل، والخجل مرض نفسي، والوقاحة غلظة خلقية ، وبينهما الحياء والشجاعة، والحياء من علامة الإيمان، الإيمان والحياء متلازمان، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر، فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها،
" وقد رأى رجلاً استأجره يغتسل أمام الناس عرياناً، فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، إنك لا تستحي من الله "
( ورد في الأثر)
لذلك علامة الإيمان الحياء،
" الإيمان بضع وسبعون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "
(أخرجه مسلم عن أبو هريرة في الصحيح)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/11.jpg
لكن هناك فرق بين الحياء والخجل، الخجل أن تستحي أن تطلب حقك، الخجل أن تستحي أن تنصح أحداً، الخجل أن تستحي أن تقول لا، ففي حياة المؤمن كلمة لا، لا ورب الكعبة، فالذي يؤكد شخصيتك أحياناً كلمة لا، لا كلمة نعم, ومن أدق صفاته أنه من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه، له هيبة, دخل عليه رجل فأصابته رعدة، قال:
" هَوِّنْ عَلَيْك، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ "
( أخرجه ابن ماجة عن أبي مسعود في سننه)
لذلك المؤمن له هيبة أما إذا عاملته أحببته، وكان كريماً وصادقاً في كرمه، بعيداً عن حب الظهور، الإنسان أحياناً تذل قدمه من الكرم إلى حب الظهور، بقدم لك مالاً ليسهم ببناء مسجد، ولكنه يشترط لوحة رخامية يكتب فيها أنشأ هذه المئذنة المحسن الكبير، وقد علمت أن محسناً كبيراً في بعض البلاد الإسلامية قدم رقمًا فلكيًّا للدعوة، ولتعليم طلاب العلم، الرقم فلكي ، فسمع أحد الزائرين عن هذا المحسن، وعن هذا الرقم، فتمنى أن يراه، فدعي هذا المحسن إلى الطعام، ودعي الضيف معه ليلتقيا، فجاء الضيف، ولم يأت المحسن، قال: أين ضيفنا؟ قال : هو إلى جانبك، من شدة تواضعه ما عرفه، الإنسان أحيانا يدفع مبلغاً محدوداً جداً يجب أن يملأ الدنيا ضجيجاً بهذا المبلغ .
ما هو الإخلاص ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/12.jpg
أخوتنا الكرام، علامة إخلاصك أن عملك لا يزداد بالثناء، ولا يضعف بالذم، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، والإنسان حينما تذل قدمه إلى استجداء المديح تضعف مكانته، الإنسان إذا ضعف إخلاصه علق الأمل على المديح، فإن شح المديح استشار من حوله ، كيف وجدت الطعام؟ أعجبك الطعام، هو يستثيره كي يمدح هذه الوليمة، كيف وجدت هذا البيت؟ كيف وجدت هذا الأثاث؟ كيف وجدت هذا الدرس؟ يستثيرك كي تمدحه، هذه حالة مرضية اسمها استجداء المديح، لذلك الإخلاص من لوازمه أنك لا تعلق أهمية لا على المادحين، ولا على القادحين، لأنك تبتغي وجه الله عز وجل، هذه علامة من علامات الإخلاص .
العلامة الثانية: أن المخلص لا يزداد عمله أمام الناس، ولا يقل في خلوته، خلوته كجلوته، وظاهره كباطنه، ومع الناس كخلوته أيضاً، وكان أميناً بأوسع معاني هذه الكلمة .
إليك إخلاص النبي :
لذلك أيها الأخوة قريش تهاجمه، وترد دعوته، وتسفك دينه، وتقدح في رسالته وأموالها عنده، وحينما أراد النبي أن يهاجر ترك ابن عمه في مكانه ليرد الودائع إلى أصحابها ، وأصحابها مشركين، فما بال هؤلاء المسلمين اليوم إذا ذهب إلى بلاد الغرب يشتري بطاقة ائتمان بآلاف الدولارات، ويظن أن هذه غنيمة من حقه أن يأكلها، هذا سوء فهم, هؤلاء الذين أودعوا عند النبي مالاً أليسوا مشركين؟ لمَ لم يقل هؤلاء مشركون؟ أبقى ابن عمه، ووضعه تحت خطر القتل من أجل رد الودائع لأصحابها، وما لم تكن مستقيماً مع كل الناس لا يقبلك الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾
( سورة المائدة الآية : 8 )
مع هؤلاء الذين تكرهونهم, قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
( سورة المائدة الآية : 8 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/13.jpg
ما لم تكن محسناً مع الآخرين، مع البعيدين، مع الشاردين، لن يظهر دينك على أنه دين الله عز وجل .
وكان صادقاً في القول والعمل, قال عليه الصلاة والسلام:
" وإن الصدق يهدي إلى البر "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
فقد كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الإخلاص، والإخلاص أيها الأخوة ينفع مع قليل العمل، وعدم الإخلاص لا ينفع لا مع قليل العمل ولا مع كثيرة,
" يا رب تعلمت العلم، يقال له يوم القيامة كذبت، تعلمت العلم ليقال عالم وقد قيل خذوه إلى النار، يا رب قاتلت في سبيلك، يقال له كذبت، قاتلت ليقال عنك شجاع وقد قيل خذوه إلى النار "
( أخرجه أحمد في مسنده)
لذلك ينبغي أن نرعى قلوبنا، وأن نهتم بنوايانا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر:
" إنما الأعمال بالنيات "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
أهمية دراسة السيرة النبوية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/14.jpg
أيها الأخوة، لماذا نحن ندرس سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأن دراسة سيرة النبي فرض عين على كل مسلم، دققوا فرض عين على كل مسلم، لماذا؟ لأن الله يقول:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية : 21)
كيف يكون النبي أسوة لنا؟ إن لم نعرف سيرته في بيته، مع زوجته، مع أولاده, مع أقربائه، مع أصحابه، في سلمه، في حربه، في غناه، في فقره، إذاً: هو أسوة لنا .
الامتحانات التي مر بها النبي :
أيها الأخوة, أذاقه الله الفقر، دخل بيته، وسأل أهله:
" أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم "
( ورد في الأثر)
أحياناً المسلم يتأخر الطعام يقيم الدنيا ويقعدها، ويغضب، ويزمجر، ويكسر, ويعلو صياحه في البيت إذا تأخر الطعام، أما النبي صلى الله عليه وسلم:
" أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم "
( ورد في الأثر)
أذاقه الله النصر، فدخل مكة مطأطئ رأسه حتى كادت عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله،
(( ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم}, اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
وذاق القهر في الطائف فدعا دعاءً يحتاجه المسلمون اليوم، فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي "
(أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر)
أذاقه الله موت الولد, فقال: " إن العين لتدمع، والقلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون "
( أخرجه البخاري في الصحيح)
أذاقه الله أن تتهم زوجته بأثمن ما تملك، وتأخر الوحي أربعين يوماً، لو أن الوحي بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاءت آية التبرئة بعد ساعة، لكن أراد الله أن يتأخر الوحي بتبرئة السيدة عائشة أربعين يوماً، إذاً: الوحي لا يملكه النبي لا رداً ولا استدعاء .
شيء آخر، لما جاءت آية تبرئة السيدة عائشة,
" فقال أبو بكر لابنته: قومي فاشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله لا أقوم إلا لله، فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام, وقال: عرفت الفضل لأهله "
( ورد في الأثر)
كيف يستقبل المؤمن في هذه الأيام الابتلاء ؟
معظم المؤمنين هداهم الله إلى ما هو أفضل ما داموا في بحبوحة، وفي نعيم، وفي صحة جيدة، وفي دخل وفير شاكرون حامدون، فإذا امتحنهم الله بشيء تضعضعوا، وضعفت ثقتهم بالله عز وجل، والبطولة أن تنجح بالامتحان , سئل الإمام الشافعي رضي الله عنه: أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فقال: لن تمكنوا قبل أن تبتلوا .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/15.jpg
وأنا أؤكد لكم أنه يستحيل أن تصل إلى الجنة من دون ابتلاء، لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية : 30 )
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت الآية : 2 )
أيها الأخوة، نحن ممتحنون بمادتين بالذي أعطانا، وبالذي زوي عنا، ممتحن بالصحة ، وممتحن بالمرض، ممتحن بالغنى، وممتحن بالفقر، ممتحن بالقوة، وممتحن بالضعف، ممتحن بالوسامة، وممتحن بالدمامة، من هنا يأتي الدعاء الرائع:
" اللهم وما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب "
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي في سننه)
إليكم فصاحته التي كانت تشرق من فمه الشريف كالدر المنثور :
أيها الأخوة, كان فوق كل هذا فصيح اللسان، وقد يقال جمال الرجل فصاحته، والفصاحة ككأس من الماء، المعاني مضمون هذا الكأس، والفصاحة شكل هذا الكأس، فأنت لا تقبل على شراب نفيس بكأس لا يليق، كما أنك لا ترضى أن تشرب شراباً خسيساً بكأس نفيس ، فلا بد من أن يجتمع المضمون مع الشكل، والمؤمن له شكل مقبول، فصيح اللسان, وقد قال سيدنا عمر: تعلموا العربية فإنها من الدين، الإنسان الضعيف في اللغة مشكلته كبيرة جداً, ولغتنا دقيقة جداً، عندنا في اللغة, كلمة لمح لها معنى، وكلمة لاح لها معنى، لاح يعني ظهر واختفى، أما لمح يعني نظر, وفرق كبير بين لاح ولمح، فهذه المعاني دليل على اتساع اللغة, واختارها الله لتكون لغة كلامه, قال تعالى:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾
( سورة الشعراء الآية : 195)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1302/ar-1302/16.jpg
وتعلموا العربية فإنها من الدين، أنا لست متشائماً لكن لا أصدق طالباً جامعياً يحمل إجازة في اختصاصه نكلفه أن يقرأ صفحة من كتاب الله دون أن يخطئ عشرات الأخطاء، أخطاء كثيرة جداً، هذه وصمة عار في حق المسلم، تعلموا العربية فإنها من الدين، كان عليه الصلاة والسلام فصيحاً, ويقول:
" أنا أفصح العرب بَيد أني من قريش "
( ورد في الأثر)
وقريش أفصح قبيلة في العرب، هذا أسلوب اسمه تأكيد المدح بما يشبه الذم, قال الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فكان صلى الله عليه وسلم فصيح اللسان، ثابت الجنان، في حنين قال: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
وكانت معركة حنين فاصلة، فأخذ تراباً وذره في عيون القوم, وقال:
" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد أقرب إلى العدو منه .
هذا هو نبي الإسلام محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام :
أيها الأخوة, كان عليه الصلاة والسلام قوياً في عقله, وكان عليه الصلاة والسلام رحمةً للكبير والصغير، لين الجانب، رقيق المشاعر, يحب الصفح والعفو عن المسيء, وإليكم مثال ذلك: حاطب بن بلتعة ارتكب خيانة عظمى، كتب كتاباً إلى قريش إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، في كل نظام العالم جزاء الخيانة العظمى الإعدام، فجاء عمر، وقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر، إنه شهد بدراً، لم يهدر عمله السابق، تعال إلي يا حاطب، ما حملك على ما قلت؟ قال: والله يا رسول الله، ما كفرت ولا ارتدت، لكن كنت لصيقاً في قريش، فأردت في هذا الكتاب أن أحفظ مالي وأولادي، وأن واثق أن الله سينصرك، فاغفر لي ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً، فكان يحب العفو, والصفح عن المسيء .
جاء عكرمة مسلماً، من عكرمة؟ ابن أبي جهل، ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفنن عشرين عاماً للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال عليه الصلاة والسلام:
" يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت "
( ورد في الأثر)
وكان عليه الصلاة والسلام صابراً في مواطن الشدة، وكان جريئاً في قول الحق .
غداً إن شاء الله :
وفي درس آخر إن شاء الله نتابع فقه سيرته صلى الله عليه وسلم، ونحاول أن نستنبط منها الدروس والعبر التي تنفعنا في حياتنا، لأن هذا النبي الكريم جعله الله أسوة لنا، ومن لوازم أن يكون أسوة لنا أن نتعرف إلى سيرته ليكون الشخصية التي نمشي على طريقها .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-02-2018, 04:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : (الخامس )
الموضوع : شخصية النبى صلى الله علية وسلم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . تتمة الصفات الخُلقية للنبي عليه الصلاة والسلام :
1- صفة الأدب التي كان يتحلى بها النبي الكريم :
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد كان موضوع الدرس الماضي الحديث عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية، وبعض صفاته الخُلقية والآن نتابع الحديث عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخُلقية، لأن الله سبحانه وتعالى أثنى على خلقه العظيم, فقال تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم الآية : 4)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/01.jpg
لقد كان صلى الله عليه وسلم وافر الأدب، كان يقول:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
(أخرجه ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود )
وحينما قال:
" بني الإسلام على خمس "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن ابن عمر في الصحيح)
تبين من هذا الحديث أن الإسلام بناء أخلاقي، وأن دعائمه أركان هذا الدين، يؤكد هذا المعنى أن العالم الجليل ابن القيم رحمه الله تعالى, يقول: " الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان "، قال عليه الصلاة والسلام:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
(أخرجه ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود )
وحينما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلقه, قالت:
" كان خلقه القرآن "
( أخرجه مسلم عن عائشة في الصحيح)
2- صفة التواضع التي كانت تظهر في خلقه الكريم :
كان صلى الله عليه وسلم وافر الأدب، جم التواضع، وعلامة إيمانك بالله التواضع، وعلامة تعظيمك لله التواضع، لأن الربَ ربٌ، والعبدُ عبدٌ، شأن العبد التواضع، وشأن الله سبحانه تعالى أنه عظيم، وأن كل شيء يصدر عنه عظيم، وأن الذي لا يرى عظمة الله يستحق خسارة أبدية لا توصف .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/02.jpg
أيها الأخوة الكرام، تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أحد أسباب شمائله وخلقه العظيم، كان إذا دخل عليه رجل وأصابته رعدة, يقول له:
" هون الله عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد "
(أخرجه الحاكم من حديث جرير في المستدرك)
وكان إذا سافر مع أصحابه، وقال أحدهم: علي ذبح الشاة، وقال الثاني: علي سلخها، وقال الثالث: وعلي طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: علي جمع الحطب، يقال له: يا رسول الله، نكفيك ذلك، يقول:
" قد علمت أنكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا على أصحابه "
( ورد في الأثر )
3- كان يبدأ الناس بالسلام :
كان عليه الصلاة والسلام, يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/03.jpg
" أفشوا السلام بينكم "
(أخرجه أحمد في مسنده عن الزبير بن العوام )
السلام من سمة المؤمنين، إلقاء السلام سنة مؤكدة، لكن رد السلام فريضة، وأنت حينما تقول لمن تلتقي به: السلام عليكم فقد جعلت العلاقة بينك وبينه علاقة سلام، كان يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكله إلى محدثه، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه، ولعله أدرى به، هناك من يتعلم فن الكلام http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/04.jpg
لكن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا فن الكلام، وعلمنا فن الاستماع، ولا يتقن فن الاستماع إلا القلة، يتقن فن الكلام كثيرون من البشر، لكن الذين يتقنون فن الاستماع قليلون جداً، فكان يصغي إلى محدثه، ينصرف بكله إلى محدثه، وهذا تكريم له، وهذا أدب ما بعده أدب أن تستمع، أحياناً الإنسان لا يصغي إلى من يحدثه، ولو كان أقرب الناس إليه .
أما إذا صافحه أحد أصحابه فكان آخر من يسحب يده إذا صافح إلى أن يسحب الصحابي يده من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تسلم على الناس بحرارة، بمودة، بطلاقة وجه، أن تسألهم عن أحوالهم، وعن أولادهم، وعن صحتهم وعن معاشهم، وعن أعمالهم، هذا منتهى الأدب، ومنتهى الود .
4- كان يصغي للزوجة ويتبادلا الحديث معاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/05.jpg
كان عليه الصلاة والسلام يصغي إلى زوجته، وأحياناً بعد مضي وقت من الزواج ترفع الكلفة بين الزوجين، فقلّمَا يصغي الزوج إلى زوجته، لكنه عليه الصلاة والسلام أصغى إليها كثيراً، وقد حدثته عن قصص كثيرة، حدثته مرة عن أبي زرع حديثاً طويلاً، وتحدثت عن محبته لأم زرع، وعن وفائه لها، ثم أسفت أشد الأسف, حينما قالت: لكنه طلقها، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا لكِ كأبي زرع، لكني لا أطلقك .
5- معاملته مع الناس :
كان عليه الصلاة والسلام بشوشاً، ضاحكاً، يلقي أصحابه بالبشاشة، وقد قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/06.jpg
" تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدَقةٌ "
( أخرجه الترمذي عن أبي ذر في سننه)
لكنه كان على درجة عالية من الحكمة، ومن أخذ الحيطة .
فكان عليه الصلاة والسلام يحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد، إذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين، وهذا أيضاً نوع من الأدب، لا أن تلقي عليه مبلغاً من المال إلقاء، لا أن تكلف أحد أن يعطيه هذا المال، وإذا جلسَ جلس حيث ينتهي به المجلس، أناس كثيرون إذا دعوا إلى احتفال إن لم يكن لهم مكان في الصف الأول غضبوا أشد الغضب، لم يُرَ ماداً رجليه قط ولا بين أصحابه، وهذا أدب جم، هناك جلسة فيها أدب، هناك وقفة فيها أدب، هناك حركة فيها أدب، هناك نظرة فيها أدب . 6- من أقواله :
كان عليه الصلاة والسلام, يقول:
" برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الشح من أدى زكاة ماله "
(ورد في الأثر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/07.jpg
الذي يؤدي زكاة ماله لا يمكن أن يوصف بالشح، وإذا حملت حاجتك بيدك، ولتكن مرتبتك أية مرتبة، برئت من الكبر، وقد علمنا ألا نسأل الناس شيئاً .
كان الصحابي الجليل ينزل عن ناقته ليلتقط زمام ناقته، ولا يسأل أصحابه أن يعطوه الزمام، لم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته، أو حاجة صاحب أو جار، كان في خدمة أصحابه، لما كانت معركة بدر كان الصحابة ثلاثمئة رجل أو يزيدون قليلاً، وكانت الرواحل قليلة، فقال عليه الصلاة والسلام:
" وَأَنَا وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ، فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ e، فَكَانَتْ نَوْبَةُ رَسُولِ اللهِ e ـ دورُه في السَّيْرِ ـ فقالا له : نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ ـ ليظلَّ راكباً ـ فقال : مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ "
( أخرجه النسائي في السنن الكبرى )
7- كان يذهب إلى السوق ويحمل بضاعته بيده :
كان يذهب إلى السوق، ويحمل بضاعته, ويقول: أنا أولى بحملها، الله عز وجل وصف الأنبياء, فقال:
﴿إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
( سورة الفرقان الآية : 20 )
وفي هذه الآية ملمح دقيق، أن هذا الإنسان الذي يأكل الطعام ليس إلهاً، الإنسان الذي يفتقر في وجوده، وفي استمرار وجوده إلى الطعام، لا يمكن أن يكون إلهاً، بل إن الإنسان مفتقر مرتين، مفتقر إلى أن يأكل، ومفتقر إلى تحصيل ثمن الطعام، قال تعالى:
﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾
( سورة الفرقان الآية : 20 )
8- كان يلبي دعوة من دعاه :
كان عليه الصلاة والسلام يجيب دعوة الحر والعبد والمسكين، وكان يقول:
" من دعي ولم يلبي فقد عصا أبا القاسم "
( أخرجه أحمد في مسنده)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/08.jpg
وكان يقول:
" لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت "
(أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في الصحيح)
وقد دعي مرةً، وقدّم له خل, فقال:
" نعم الإدام الخل "
(أخرجه مسلم عن عائشة في الصحيح)
وأنت حينما تدعى إلى طعام، أو إلى احتفال، أو إلى عقد قران، يجب أن تعلم أن تلبيتك لهذه الدعوة نوع من العبادة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة من دعاه ، لكن الناس أحياناً يجيبون دعوة الأقوياء والأغنياء، ولا يجيبون دعوة الفقراء، وهذا مأخذ كبير على الإنسان .
9- كان يقبل عذر المعتذر :
كان عليه الصلاة والسلام يقبل عذر المعتذر، العظماء أيها الأخوة يغفرون الزلات، ويقبلون الأعذار http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/09.jpg
فهذا الذي ارتكب خيانة عظمى, قال له: يا حاطب، وقد أخبر قريش أن محمداً سيغزوهم، ما حملك على ما فعلت؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت، ولا ارتددت، ولكني لصيق في قريش أردت بهذا الكتاب أن أحمي أهلي ومالي، وأنا موقن أن الله سينصرك ، فاغفر لي ذلك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: إني صدقته فصدقوه, ولا تقولوا فيه إلا خيراً, الإنسان اللئيم لا يسترضى، ولا يرضى، لكن الإنسان المؤمن يسترضى ويرضى, كان يقول:
" من أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك منه محقا أو مبطلا "
(أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة )
كان يقبل عذر المعتذر، كان يخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل بعيره، ويكنس داره ، وكان في مهنة أهله، أي في خدمة أهله، أناس كثيرون يترفعون أن يقوموا بأعمال في المنزل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أنك إذا قمت في بعض الأعمال في المنزل تمتنت العلاقة بينك وبين زوجتك .
10- كان يأكل مع الخادم ويكرم الضيف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/10.jpg
كان صلى الله عليه وسلم يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، جاءه ملك من ملوك الغساسنة، عدي بن حاتم، يظنه ملكاً أو يظنه نبياً، هو في حيرة، فلما لقيه سأله عن اسمه وتكريماً له دعاه إلى بيته، وفي الطريق استوقفته امرأة مسنة، فوقف معها طويلاً تكلمه في حاجتها، فقال في نفسه: والله ما هذا بأمر ملك، إنه نبي، فلما دخل إلى بيته أعطاه النبي وسادة من أدم محشوة ليفاً، قال: اجلس عليها، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض, أرأيت إلى هذا التواضع, وإلى تكريم الضيف
دخل مرةً على عبد الملك بن مروان وفد تقدمهم غلام، فغضب أشد الغضب، وقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل عليه حتى دخل, حتى الصبيان, فابتسم هذا الصغير, وقال: أيها الأمير، إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني .
11- كان دائم الفكر , متواصل الأحزان , يحمل هم أمته :
كان صلى الله عليه وسلم يمشي هوناً، خافض الطرف، متواصل الأحزان لأنه يحمل هم البشرية ونحن إن حملنا همّ أسرتنا هذا عمل طيب، وإن حملنا هم الأسرة الكبيرة هذا عمل أطيب، أما حينما تحمل هم المسلمين فهذا عمل عظيم، كان يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/11.jpg
" لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا "
(أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء)
كان يمشي هوناً، وهناك ملمح في معنى يمشي هوناً، أي أن الدنيا لا تشغله عن هدفه الكبير، وأن مشكلات الدنيا لا تصرفه عن معرفة ربه، ولا عن طلب مرضاته، أناس كثيرون أقل مشكلة تنهي تطلعهم إلى الآخرة، أقل قضية مزعجة تصرفهم عن طلب الحق، وقد وصف الله جل جلاله عباد الرحمن:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
( سورة الفرقان الآية : 63 )
يعني يفكرون في آخرتهم، هدفهم واضح، هدفهم كبير، مشكلات الدنيا لا يسمحون لها أن تشغلهم عن آخرتهم، ولا عن تحقيق أهدافهم، متواصل الأحزان، دائم الفكر، هذا الفكر يعد أعظم منحة منحنا الله إياها، هذا الفكر من أجل أن تعرف الله به، ومن أجل أن تبحث عن طرق رضوانه، لكن معظم الناس أعملوه لغير المهمة التي خلق لها .
12- كان يألف ويؤلف :
كان دمثا رقيق الحاشية، يألف ويؤلف, من رآه بديهة هابه, ومن عامله أحبه، كان دمثا ليس بالجاحد، ليس الذي ينكر المعروف، قبيل وفاته وقف صلى الله عليه وسلم خطيباً، وقال:
" من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجل : إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شأني "
( ورد في الأثر)
كان لا يهين أحداً، يترفق بأصحابه، جاء عكرمة ابن أبي جهل مسلماً, فقال: إياكم أن تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت .
( ورد في الأثر)
13- انظر إلى تعظيمه للنعمة :
كان صلى الله عليه وسلم يعظم النعمة مهما دقت، أن تشرب كأس ماء هذه نعمة لا يعرفها إلا من أصيب بالفشل الكلوي، أن تنام مرتاحاً هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقد نعمة النوم، أن تدخل إلى بيت يؤويك, كان عليه الصلاة والسلام, يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/12.jpg
" الحمد لله الذي آواني ، وكم من لا مأوى له "
( أخرجه الترمذي في سننه)
وإذا استيقظ من منامه, يقول:
" الحمد لله الذي رد إلي روحي، وعافاني في بدني وأذن لي بذكره "
( أخرجه الترمذي في سننه)
نحن غارقون في نعم لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك نكثر الشكوى .
إنسان أخذ من ثوبه قشة فرفع يديه، وقال: جزاك الله خيراً، ما ذم طعاماً قط، وكم من إنسان يدعى إلى أفخر طعام, فيقول: هذا الطعام فيه مشكلة؟ ما ذم طعاماً قط، وهذا من أخلاقه العلية، ما ذم طعاماً قط ولا مدحه، ولم يذم مذاقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا، ولا ما كان لها
شخص اقتدى بخلق رسول الله عليه الصلاة والسلام إليكم بيانه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/13.jpg
بعضهم قال: لي صاحب كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس أعظم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، فكان لا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، ولا تغضبه الدنيا، وما كان لها، يعرف حجمها يعرض أنها عرض زائل، يعرف أنها تنتهي بالموت، يعرف أن الدنيا جيفة طلابها كلابها، يعرف ويقول: إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، وجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، ولا يغضب لنفسه أبداً، لا يغضب إلا لله، يعني حظوظه وضعها تحت قدمه، ويرضى لله، يفرح لله، ويحزن لله، إذا غضب أعرض وأشاح، يعني علامة غضبه الإعراض فقط، هناك من يصخب، ومن يشتم، ومن يعلو صياحه, وكان إذا فرح غض بصره، وكان يؤلف ولا يفرق، يقول ليس منا من فرق، هناك من يفرق بين الزوج وزوجته، وهناك من يفرق بين الأخ وأخيه، والشريك وشريكه، والجار وجاره، كان يؤلف ولا يفرق، يقرب ولا ينفر، يكرم كريم كل قوم، كان يعرف أقدار الناس .
14- كان يحق الحق ويبطل الباطل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/14.jpg
كان صلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، لم يكن يعيش في برج عاجي، بعيد عن هموم الناس، كان يحمل هموم الناس، ويحل مشكلاتهم, ومن كرم أخلاق الإنسان، إذا كان هناك مشكلة سأل عنها، وبحث عن أسبابها، وسار في طريق حلها، كان يحسن الحسن ويصوبه, ويقبح القبيح ويوهنه، عمل حسن يجب أن تصوبه، وأن تثمنه, وأن تثني على فاعله، هناك إنسان لا يتكلم بكلمة، قناص يبحث عن الخطأ فقط، أما الإنسان الكامل إذا رأى عملاً طيباً، رأى موقفاً أخلاقياً، رأى موقفاً كريماً يثني على صاحبه, كان يتفاعل مع الأحداث، لا يقصر عن حق ولا يجاوزه، أحيانا يتجاوز الإنسان الحدود التي رسمت له، وأحيانا يقصر عن الواجبات التي كلف بها .
15- كان لين العريكة , لطيف المعشر , يصبر على الغريب :
كان صلى الله عليه وسلم وسطيا, ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، هذه بطولة، آلاف مؤلفة حوله كل واحد من أصحابه يظن أنه أقرب الناس إليه، من يستطيع ذلك؟ من سأله حاجة لم يرده إلا بها,
" يا رسول الله، لمن هذا الوادي، قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله، هو لك, قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر "
(ورد في الأثر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/15.jpg
كان صلى الله عليه وسلم ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا عياب، هذا الذي يبحث عن العيوب، هو قناص، أينما رأى عيباً ذكره، ووسع دائرته, وعممه على كل الناس, يتغافل عما لا يشتهي ، الشيء الذي لا يشتهيه يتغافل عنه، ولا يخيب فيه مؤملة، وكان لا يذم أحداً، ولا يعيره، الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن عيره فقد ابتلي به، وإن رضيه شاركه في الإثم، كان يعلمنا إذا رأيت صاحب مصيبة أحمد الله أنك معافى من هذه المصيبة، ولا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه .
أيها الأخوة, قد تجلس في مجلس 90% من الكلام لا معنى له ، ولا طائل منه، وليس له فائدة، وليس له معنى، كلام فارغ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه، يضحك مما يضحك منه أصحابه، يعيش معهم، هذا الذي يجلس مع قوم دون أن يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ليس منهم، موقف في جفاء، فيه ترفع، فيه استعلاء .
كان صلى الله عليه وسلم شيء شغل الناس يشاركهم بانشغالهم، شيء أقلق الناس يشاركهم في قلقهم، شيء أفرح الناس يشاركهم في فرحهم، يصبر على الغريب,
" قال: اعدل يا محمد، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل "
( أخرجه أحمد في مسنده)
يصبر على الغريب، " جاء أعرابي وبال في المسجد، فقام إليه الأصحاب، قال: دعوه ، لا تزرموا عليه بوله، فلما انتهى, قال: يا أخا العرب، إن هذا المكان ليس لهذا الذي فعلت، فقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، قال: يا أخي، لقد حجرت واسعاً "
( أخرجه البخاري في الصحيح)
الخلق الإسلامي الأصيل متفرع عن الإيمان بالله جل جلاله :
أيها الأخوة، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1303/ar-1303/16.jpg
لكن أعيد وأقول: الخلق الأصيل هو الخلق الذي تستمده من اتصالك بخالق الأكوان، أنت حينما تتصل بالرحيم تكون رحيماً، وحينما تتصل بالحليم تكون حليماً، وحينما تتصل بالودود تكون ودوداً، وحينما تتصل بالعفو تكون عفواً، فمكارم الأخلاق كما ورد في الأثر مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحب الله تعالى عبداً منحه خلقاً حسناً، الأخلاق الأصيلة لا تكون إلا من الله عز وجل، نلتقي ببعض الناس نجدهم على خلق لكن هذه أخلاق الأذكياء, أما الأخلاق الأصيلة سببها التدين الحقيقي، وسببها الاتصال بالله، لكن أخلاق بعض الناس أخلاق أساسها المصلحة، وأساسها تفوقهم في ذكائهم، لكن هؤلاء إذا هددت مصالحهم ينقلبون إلى وحوش، فلذلك يقول الله عز وجل:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
( سورة آل عمران الآية : 179 )
أيها الأخوة، في درس قادم إن شاء الله نتابع الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم ، وعن بعض دقائق سيرته في البدايات .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 07:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السادس )
الموضوع : اسماء النبى صلى الله علية وسلم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . أسماء النبي الكريم كما ورد في الصحاح :
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة، وننتقل إلى أسمائه صلى الله عليه وسلم، للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة، استخرجها العلماء, وشرحوا معانيها، وما تدل عليه، وقد ثبت في الصحيحين عن مُحمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أَبِيهِ قال, قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إِنّ لِي خمسة أَسْمَاءَ: أَنَا مُحمّدُ، وَأَنا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الّذِي يَمْحُو الله بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمَيّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ؛ أي الّذي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه في صحيحهما )
وفي حديث آخر في صحيح مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَمّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً, فَقَالَ: " أَنَا مُحَمّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيّ التّوْبَةِ، وَنَبِيّ الرّحْمَةِ "
( أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري في الصحيح)
أيها الأخوة الكرام، أسماء النبي صلى الله عليه وسلم نوعان:
1- نوع خاص به لا يشارك فيه غيره من الرسل، كهذه الأسماء الخمسة التي وردت في حديثه الصحيح .
2- ونوع آخر يشاركه فيه بقية الرسل كرسول الله، والشاهد، والنذير، ونبي الرحمة .
صيغة المبالغة التي اشتق منها اسم محمد :
لكن من أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم ( محمد ) هذا اسم مفعول من الحمد، يتضمن الثناء على المحمود، ومحبته، وإجلاله، وتعظيمه، وقد كان عليه الصلاة والسلام محموداً عند الله، وكان محموداً عند الناس، وكان محموداً عند نفسه، قد يستطيع الذكي جداً أن يكون محموداً عند الناس، لكن لا يستطيع أن يكون محموداً عند نفسه, قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/01.jpg
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
( سورة القيامة الآية : 14-15 )
وقد يكون محموداً عند الله لأداء العبادات، وانضباطه وفق منهج الله، ولا يكون محموداً عند الناس، لعدم رحمته، ولعدم تحليه بالأخلاق النبوية، وقد يكون محموداً عند نفسه، وليس محموداً عند الناس، فالبطولة في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان محموداً عند الله، ومحموداً عند الناس، ومحموداً عند نفسه .
فلذلك اسم ( محمد ) صيغة اسم مفعول من الحمد، على وزن مفعل، كمعظم، محبب مبجل، هذه الصيغة لاسم الفاعل تعني التكثير والمبالغة، فإذا اشتق من هذا الفعل اسم فاعل فمعناه كثرة صدور الفعل منه مرةً بعد مرة، كأن تقول: مفهم، مبين، مخلص، مفرج، وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه كثرة تكرر وقوع الفعل عليه، مرةً بعد مرة، إما استحقاقاً، وإما وقوعاً، فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له مرةً بعد مرة، أو الذي يستحق أن يحمد مرةً بعد مرة، إما أن الحمد وقع على ذاته الشريفة، وإما أنه يستحق الحمد لأنه جاء لخير البشرية .
الاستقامة عين الكرامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/02.jpg
أيها الأخوة، أعطيكم قاعدة رائعة: إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر فيما استعملك، وإن أردت أن تكون لك كرامة عند الله فاعلم علم اليقين أن أعظم كرامة عند الله أن تعرفه، وأن أعظم كرامة عند الله أن تستقيم على أمره .
فالاستقامة عين الكرامة، ومعرفة عز وجل أعظم كرامة، لأنها لا تحتاج لخرق العادات, قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
( سورة النساء الآية : 113)
انظر إلى الاختلاف المتباين في التطبيق بين اسم الشخص وسلوكه :
أيها الأخوة الكرام، شيء مؤسف جداً أن يكون اسم المسلم كامل، وهو ناقص، أن يكون اسمه سعيد، وهو شقي، فالبطولة أن يكون المسمى مطابقاً لاسمك، وفي اللغة العربية قاعدة: أنك إذا عرفت الاسم فذلك أنه يتصف بخصائص هذا الاسم، فلان راشد، إن قلت: جاء الراشد أي هو في سلوكه راشد، لذلك من حق الابن على أبيه أن يحسن اسمه، وأفضل الأسماء ما عبّد وحمد .
من هما والدي الرسول , وأين ولد , وفي أي عام ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/03.jpg
أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام أنجبه عبد الله بن عبد المطلب، إذاً: تزوج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، ابن زهرة، ابن كلاب، ولم ترد تفاصيل هذا الزواج من طرق صحيحة، لكن الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ثمرة زواج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بن وهب .
تفيد أوثق الروايات التي ذكر مولده صلى الله عليه وسلم أنه ولد في 12 من شهر ربيع الأول من عام الفيل، بالمناسبة كل 365 سنة يأتي يوم الاثنين موافقاًَ لـ 12 من ربيع الأول، ونحن في هذا العام كان يوم الاثنين كان موافقاً لـ 12 من ربيع الأول، أن يأتي الـ 12 من ربيع يوم الاثنين هذا كل 365 عام، وهناك شيء بالسيرة اسمه الإرهاص، يعني علامة مبكرة .
ولد عليه الصلاة والسلام في عام الفيل، حينما توجه أبرهة الأشرم إلى مكة المكرمة، وإلى الكعبة ليهدمها، والقصة عندكم معروفة، حينما قال أبو طالب: إن للبيت رباً يحميه .
لا تقلق على دين الله :
أنا أقول لكم الآن قياساً على هذه المقولة: لا تقلق على هذا الدين، إنه دين الله، والله عز وجل يتولى حمايته، ولن تستطيع قوة في الأرض مهما طغت وبغت أن تفسد على الله هدايته لخلقه, قال تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾
( سورة التوبة الآية : 32 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/04.jpg
بربكم لو أن واحداًُ من الناس توجه إلى الشمس، ونفخ فيها كي يطفئها، أين مكانه الصحيح؟ في مستشفى المجانين، هؤلاء الطرف الآخر يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، إذا كانت نفخت من الفم لا تفعل شيئاً في ضوء الشمس، فكيف بنور الله عز وجل؟
﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾
( سورة الصف الآية : 8 )
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
( سورة الأنفال الآية : 36 )
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية : 12 )
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
( سورة الأعراف الآية : 128 )
أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد، لا تقلقوا على هذا الدين، إنه دين الله، ولكن يجب أن نقلق على أنفسنا، إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً لهذا الدين، وهو شرف عظيم .
لا تجزع أيها الإنسان من قضاء الله فيك :
أيها الأخوة, قد يسأل سائل: لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً؟ لم ير النبي صلى الله عليه وسلم أباه، فقد مات أبوه في المدينة عند أخواله بني النجار، وقد ذكر الزهري أنه بعث عبد المطلب ولده عبد الله ليشتري له تمراً من يثرب فتوفي هناك، وولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان في حجر عبد المطلب، وقد أشار القرآن الكريم إلى يتمه صلى الله عليه وسلم, فقال:
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى ﴾
( سورة الضحى الآية : 6 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/05.jpg
مرةً أيها الأخوة، سمعت كلمة هزت مشاعري، قال أحدهم يخاطب صديقه: إن كان هذا الطفل ليس له أب, أليس له رب؟ فالذي فقَد أباه هو في كنف الله, قال تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية : 216 )
أحياناً الذي فقد أباه ينبغ نبوغاً شديداً، الأب القوي الغني قد يكون عقبة أمام ابنه في بلوغه أعلى المراتب، كل شيء ميسّر، أما هؤلاء الصغار اليتامى فليس أمامهم شيء، فيجدون ، ويجتهدون، لكن الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم أن الإنسان مخير فيما كلف، كلف أن يصلي فهو مخير، كلف أن يصوم، كلف أن يغض بصره، كلف أن يتحرى الحلال في دخله، أن ينفق ماله وفق منهج الله، ولكن لم يكن مخيراً باختيار جنسه ذكرا كان أم أنثى, ولم يكن مخيراً في أمه وأبيه، ولم يكن مخيراً في بلدة ولادته، ولم يكن مخيراً في زمان ولادته، ولم مخيراً في شكله، ولم يكن مخيراً في خصائصه وقدراته، اعلم علم اليقين أن الذي لم تكن فيه مخيراً هو أبدع ما يكون، وقد عبر عن هذا الإمام الكبير أبو حامد الغزالي, فقال: " ليس في الإمكان أبدع مما كان " .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/06.jpg
الذي لم تكن مخيراً فيه هو أنسب شيء إليك، ويوم القيامة يكشف عن سر القضاء والقدر الذي لم تكن فيه اختيار، لذلك تلخص علاقة العباد مع الله بكلمة واحد يوم القيامة, هي قوله تعالى:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة يونس الآية : 10)
لا بد من أن ترضى عن الله، إنسان يطوف حول الكعبة، ويقول: يا رب، هل أنت راضٍ عني؟ قال الإمام الشافعي, وكان وراءه: يا هذا، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا محمد بن إدريس، قال: كيف أرضى عن الله، وأن أتمنى رضاه؟ قال: يا هذا، إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .
لذلك ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الذي لم تكن فيه مخيراً، هو أفضل شيء لك، ولكن بحسب ما أعده الله لك من سعادة أبدية .
تحليل قصة حادثة شق الصدر التي تمت في فترة الرضاعة في ميزان العلم الشرعي :
أيها الأخوة, صح أن (ثويبية) مولاة أبي لهب أرضعته صلى الله عليه وسلم، وثبت أن عمه حمزة بن عبد المطلب كان أخاه من الرضاعة، وصح أيضاً أن حليمة السعدية أرضعته، وعاش معها في البادية، وقد حدثت معجزة شق الصدر، لا بد من تمهيد لهذه الحادثة
النص أيها الأخوة أو الواقعة ترتدي ثوباً، فنحن نقبل النص أو الواقعة بثوب معين، ونرفضها أو نرفض النص بثوب آخر، مثلاً: لو قال أحدنا: لله رجال، إذا أرادوا أراد، إن ألبست هذا النص ثوب أن هؤلاء الرجال لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله فهو الشرك بعينه، بل الكفر بعينه، وإذا قصدت من هذا النص, أي أنهم رجال مستجابو الدعوة، فلا شيء في ذلك.
إذا توهمنا أن شق الصدر معناه أن الله نزع من قلب النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الملكين حظ الشيطان فكان نبياً ـ هنا مشكلة ـ قد يأتي إنسان، ويقول: لو أن الشر علقة سوداء في قلب كل إنسان لمَ لمْ تنزع من كل البشر، وكلهم إلى الجنة، بل لمَ وضعت أصلاً؟ أما حينما تفهم شق الصدر إرهاصاً فهي معجزة مبكرة، ودليل مبكر، فهذه الحادثة في هذه الشروح، وفي هذا التوضيح، هي إرهاص من إرهاصات النبوة، فهذا الإنسان الذي ولدته السيدة مريم الصّديقة، وكلم أمه, قال تعالى:
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾
( سورة مريم الآية : 15 )
هل نسمي هذه معجزة؟ هذه نسميه إرهاصًا، حينما يكبر, ويرسله الله نبياً كلامه في المهد إشارة مبكرة إلى نبوته، وشق صدر النبي صلى الله عليه وسلم إشارة مبكرة إلى نبوته، ومعنى ذلك أن في النبوة شيئاً اختارهم الله على علم، وفي النبوة شيء آخر وهبي، فشق الصدر من الوهبيات، أما محبة رسول الله، وإقباله على الله، وإخلاصه, وخدمته للخلق هذا من المؤهلات، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 33)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/07.jpg
هذا دليل مؤهلات، اصطفاهم الله على علم، إن الله اختارني، واختار لي أصحابي، كل هذه النصوص تؤكد المؤهلات التي يتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما شق الصدر ، والمعجزات، والوحي، والذاكرة التي لا تنسى، فهذه كلها من الوهبيات التي هي أدوات تعريف، وأدوات التبليغ والرسالة .
أما نص حادثة شق الصدر, فعن أنس بن مالك فيما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرابعة من عمره أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان, فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعونه إلى أمه أي حليمة السعدية، فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون، وقال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما شق الصدر الثاني فكان ليلة الإسراء .
رحلته إلى الشام مع عمه أبي طالب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/08.jpg
أيها الأخوة، ولد قبل أن يرى أباه، لكن أمه توفيت بالأبواء بين مكة والمدينة، وهو في السادسة من عمره، وقد ترك يتم النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه أثراً عميقاً، فكان قد ولد يتيم الأب، ثم فقد أمه في طفولته، لكن جده عبد المطلب كفله ورعاه، غير أن جده ما لبث أن توفي بعد أن أوصى ولده أبا طالب برعايته، وكان قد بلغ الثامنة، ولد لا يعرف أباه، في السادسة توفيت أمه، في الثامنة توفي جده، وقد وردت روايات كثيرة تفيد عطف أبي طالب عليه، وتعلقه به، ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه أنه صحبه في رحلته إلى الشام، ولعل ضيق حال أبي طالب قد دفعه إلى العمل بمساعدته، فرعى له غنمه كما رعى لأهل مكة على قراريط .
الأنبياء مفتقرون إلى الطعام والشراب :
الآن الأنبياء من خصائصهم في القرآن:
﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
( سورة الفرقان الآية : 20 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/09.jpg
وأكل الطعام دليل قطعي على أن وجودهم ليس ذاتياً، الإنسان يستمد في الطعام والشراب قدرته على الحركة، إذاً: هو مخلوق، إذاً: هو مفتقر إلى الطعام والشراب، النبي مفتقر في وجوده، وفي استمرار وجوده إلى الطعام والشراب، إذاً: ليس إلهاً، هو مفتقر مرة ثانية إلى تحصيل ثمن الطعام والشراب، إذاً:
﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾
( سورة الفرقان الآية : 20 )
هذا دليل أنهم بشر، والمقولة التي أرددها كثيراً، لولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، قال تعالى:
﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾
( سورة الفرقان الآية : 20 )
من ضروريات الشريعة التي نصت عليها في حفظ الإنسان ومصالحه :
أيها الأخوة, ربنا عز وجل خلق فينا حاجات، خلق فينما حاجة إلى الطعام والشرب حفاظاً على الفرد، وخلق فينا حاجة إلى المرأة حفاظاً على النوع، وخلق فينا حاجة لتأكيد الذات http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/10.jpg
هذه الحاجات الأساسية تدفعنا إلى العمل، ولولا هذه الحاجات لما رأيت شيئاً على وجه الأرض، لما رأيت مسجداً، ولا بناء، ولا جسراً، ولا رأيت زراعة، ولا صناعة، ولا اختراعاً ، ولا آلة، فالله عز وجل قهرنا بالعمل عن طريق هذه الحاجات .
الآن وأنت تعمل من أجل أن تكسب مالاً كي تأكل، قد تكون صادقاً أو كاذباً ، منصفاً أو جاحداً، عفيفاً أو غير عفيف، مخلصاً أو خائناً، أنت من خلال العمل تمتحن، لكن حرفة الإنسان، أي عمله يمكن أن تكون عبادة من أرقى العبادات، لكن العلماء قالوا: العمل إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت فيه الطرق المشروعة، وأردت منه كفاية أهلك ونفسك ومن تعول، وأردت منه أيضاً خدمة المسلمين، ولم يشغلك عن فريضة، ولا عن واجب ديني انقلب العمل إلى عبادة، لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات، وعبادات المنافق سيئات، لأنه يرائي بها ، بينما عادات المؤمن كسبه للمال وحرفته .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/11.jpg
أيها الأخوة، لكن أوثق شيء بالإنسان حرفته وزوجته، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
" إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب "
( أخرجه الحاكم عن ابن مسعود في المستدرك)
هنيئاً لمن كانت حرفته متوافقة مع منهج الله، والويل لما بنيت حرفته على إيذاء المسلمين، أو على إلقاء الرعب في قلوبهم، أو على بضاعة محرمة، أو على سلوك فيه معصية، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، وكل إنسان، وأنا أنصح الشباب: اختر حرفة ترضي الله تسعد بها، واختر زوجة ترضي الله تسعد بها .
قيمة العمل في الإسلام :
أيها الأخوة, فالعمل شرف، وأن تضيء شمعة أفضل من أن تلعن الظلام ألف مرة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/12.jpg
والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا أشياء كثيرة، جاءه أنصاري يسأله مالاً، فقال: أعندك شيء ؟ قال: عندي قعب والحلس، يعني إناء وقطعة قماش، وليس عندي غير هاتين، قال: ائتني بهما، فعرض الحاجتين على أصحابه، قال: من يشتري هذه؟ فقال صحابي: أنا أشتريها بدرهم ، قال: من يزيد على ذلك؟ قال صحابي آخر: أنا أشتريها بدرهمين، فباع النبي الحلس بدرهمين، وجاء بصاحبيهما، وقال: خذ الدرهمين فاشترِ طعام بدرهم قدمه لأهلك، واشترِ بدرهم آخر قدوماً، وائت إلي، فشد النبي عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة عصاً لهذا القدوم، وقال: اذهب، واحتطب، ولا أرينك لخمسة عشر يوماً، وجاء بثمانية دراهم، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا خير لك من أن تسأل الناس أعطوك أو منعوك .
أخواننا الكرام، الحقيقة دقيقة جداً:
" ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر "
[أخرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري في سننه)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/13.jpg
النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق كان يرعى الغنم، أنا لا أعتقد أن هناك حرفة من حيث دخلها، ومن حيث بساطتها، ومن حيث مكانتها أقل من رعي الغنم، هل رأيتم راعي غنم يعطيك بطاقة فيها عنوانه، وهواتفه، وموقعه على اﻹنترنت؟ أقل حرفة على وجه الأرض أن ترعى الغنم، وهذا وسام شرف للنبي لا تخجل من أية حرفة ما دامت شريفة، لا تخجل من أي عمل ما دمت تبتغي به وجه الله، لا تخجل من عمل تكسب منه رزقك، ولكن اخجل من معصية، أو اخجل من مذلة، أو اخجل أن تكن يدك هي السفلى، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً في وقت العمل يقرأ القرآن، قال: من يطعمك؟ قال: أخي ، قال: أخوك أعبد منك، وأمسك بيد عبد الله بن مسعود، وكانت خشنة من العمل، فرفعها، وقال: هذه اليد يحبها الله ورسوله .
ما واجب المؤمن اتجاه دينه ؟
فلذلك المؤمن يعمل، ويعمل بتفوق، وأقول لكم هذه الكلمة، واحفظوها عني الآن لأسباب كثيرة: إن لم تكن متفوقاً في دنياك لا يحترم دينك، لأن القوي في كل شيء لا يفهم إلا لغة القوة، لكن قد يكون إنسان له شأن عند الله كبير، والدليل: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/14.jpg
" رب أشعث أغبر ذي طمرين, مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره "
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
ولكن من أجل أن تنصر هذا الدين يجب أن تكون متفوقاً في اختصاصك، وفي حرفتك، وفي صنعتك، إن كنت طالباً كن الأول، وإن كنت صانعاً فكن متقناً لصنعتك، وإن كنت تاجراً فكن تاجراً كما وصف النبي التجار، لأنهم يحشرون مع النبيين والصديقين, قال عليه الصلاة والسلام:
" إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا "
( ورد في الأثر)
اختر حرفة تضمن لك دينك :
أيها الأخوة الكرام، هناك من يرى أن رعي الغنم حرفة فيها صفاء، وفيها هدوء، وفيها تأمل، وفيها تفكر، إنسان إذا كان في عمله، بمكان هادئ، وبعيد عن الضجيج، وعن المدينة، وعن النساء الكاسيات العاريات، في شوراع بدمشق فيها كل المعاصي والآثام، في أماكن عمل بعيدة، لكن فيها راحة نفسية، فيها هدوء، فاختر حرفة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
" يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَماً يَتّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ المَطَرِ يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ "
( أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري في الصحيح)
هناك مهن متعلقة بالنساء الكاسيات العاريات، هذه مهن مظنة فتنة, وفساد، وانحراف ، وفي مهن قد تكون خشنة لكنها أصفى للنفس، وأحظى للعبد عند ربه، فحرفتك مهمة جداً، لأنها ألصق شيء بك، وكذلك زوجتك هي ألصق شيء بك .
مواقف شهدت لمحمد بن عبد الله قبل النبوة :
أيها الأخوة, وشهد النبي صلى الله عليه وسلم في شبابه حين بلغ العشرين من عمره حلف الفضول، الذي تداعى زعماء قريش لعقده وتواثقوا بينهم، ألا يجدوا بمكة مظلوماً إلا نصروه، ولا صاحب حق مسلوب إلا أعادوا إليه حقه، هم مشركون، عبّاد أوثان، لكنهم أرادوا إحقاق الحق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
" خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا "
( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
وحينما أسلم أحد أصحاب النبي, قال له يا فلان:
" أسلمت على ما أسلفت من خير "
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح )
فالنبي عليه الصلاة والسلام شهد حلف الفضول . قصة حلف الفضول :
ولهذا الحلف قصة: أن رجلاً من زبيد باع سلعة للعاص بن وائل السهمي، فماطله في الثمن، فشكا الزبيدي إلى قبائل قريش والأحلاف، فلم يلتفتوا إليه، فوقف عند الكعبة، وأنشد بأعلى صوته قائلاً:
يا آل فهر لمظلوم بضاعتــه ببطن مكة نائي الدار والنفــر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن أثت كرامتــه ولا حرام لثوب الفاجر الغــدر
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/15.jpg
فأثار هذا الشعر نخوة الزبير بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى زعماء قريش، فاجتمع بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تميم في دار عبد الله بن جدعان، وتم عقد هذا الحلف الذي حضره محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، وقد أشاد به بعد نبوته، من هنا قال بعض العلماء: " الدنيا تصلح الدنيا لا الآخرة تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم "، من هنا قال العالم نفسه: " إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة "، من هنا طريق النصر, قال النبي: " فإنما تنصرون، وترزقون بضعفائكم "
( أخرجه أبو داود في سننه)
الضعيف ينبغي أن تطعمه إن كان جائعاً، أن تكسوه إن كان عارياً، أن تعلمه إن كان جاهلاً، أن تعالجه إن كان مريضاً، أن تؤويه إن كان مشرداً، أن تنصفه إن كان مظلوماً، حتى نستحق نصر الله عز وجل .
ماذا نستنتج من حلف الفضول ؟
فلذلك هناك ملمح كبير جداً في أن النبي عليه الصلاة والسلام حضر حلف الفضول ، وأشاد به بعد بعثته، إذاً: الشيء الصحيح من الطرف الآخر نأخذه، أنت إذا التقيت مع الطرف الآخر ليكن عقلك مفتوحاً، في ميزات كبيرة جداً نجدها في العالم الغربي، لذلك قال بعض العلماء: " إن ثقافة أي أمة ملك البشرية جمعاء، لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع العسل الذي استخلص من زهراتنا؟ " .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1304/ar-1304/16.jpg
لذلك سئل أحد المفكرين: ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغرب؟ قال: نأخذ ما في رؤوسهم، وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا، وإحساسهم ملكهم، والمعرفة قدر مشترك بين كل الشعوب .
فأنت حينما ترى شيئاً إيجابياً في العالم الغربي ينبغي أن تأخذه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أثنى على حلف الفضول بعد بعثته، وحضره قبل البعثة .
وهناك حلف آخر هو حلف المطيبين، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن شهود هذا الحلف، وأثنى عليه بقوله صلى الله عليه وسلم:
" شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأن غلام فما أحب أن لي حمر النعم وإني أنكثه "
( ورد في الأثر)
أي شيء جيد نأخذه عن الآخرين، ونتقوى به، نحن حينما نقاطع دولة معادية نقاطع بضائعها الاستهلاكية، أما برامجها وإنجازاتها العلمية ينبغي ألا نقاطعها، هذه نقوي بها المسلمين .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السابع )
الموضوع : زواجة من السيدة خديجة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الإسلام دين الفطرة:
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ننتقل في هذا الدرس إلى زواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة.
بادئ ذي بدء، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أشدكم لله خشية أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر, أتزوج النساء، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي ))
( أخرجه أحمد في مسنده)
فالإسلام دين الفطرة, قال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الروم الآية: 22 )
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾
( سورة فصلت الآية: 37 )
من آياته الدالة على عظمته:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
( سورة الروم الآية: 21)
إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بدين الفطرة، وهو قدوة لنا، وإسلامنا العظيم جمع بين الحاجات والقيم، وجعل المصالح مع المبادئ في وقت واحد.
ما الذي كان يشغل الرسول قبل نزول الوحي ؟
أيها الأخوة, كان عليه الصلاة والسلام شاباً من الشباب الذين يشار إليهم بالبنان، في الأعم الأغلب الشباب التائهون الشاردون عن أمر الله عز وجل ضائعون، إما أن يتظاهروا بأشياء يتوهمون أنها تجذب الفتيات إليهم، وإما أنهم يبالغون بالقوة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أفقٍ أعلى, قال تعالى:
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النجم الآية: 7 )
كان يحمل هموم البشرية، كان يبحث عن خلاص البشرية، كان يرى ما حوله من تصادم، وضعف، وقهر، وظلم، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام شاباً متميزاً، هذا قبل البعثة، والذي يؤكده علماء السيرة أن الأنبياء معصومون بعد الوحي، وقبل الوحي.
ماذا تعني السيدة خديجة بالنسبة للرسول ؟
أيها الأخوة الكرام، كان زواج الرسول من السيدة خديجة رضي الله عنها امرأة لا كالنساء،
(( كمل من الرجال الكثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع منهن السيدة خديجة ))
(ورد في الأثر)
لو قرأتم سيرتها لوجدتموها المرأة الأولى في العالم التي كانت في أعلى درجات الوفاء لزوجها، لذلك حينما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة بعد عشرين عاماً من الصراع مع الكفر والشرك، دعته بيوتات مكة ليبيت عندهم, فقال: (( انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ))
(ورد في الأثر)
ركز لواء النصر أمام قبرها، ليعلم العالم كله، أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، والحقيقة أن السيدة خديجة كانت سند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الداخل, دققوا فيما سأقول: أعظم النساء من أضافت إلى جمالها جمال أخلاقها، وأعظم النساء أيضاً من أضافت جمالاً ثالثاً وهو جمال عقلها، فإذا اجتمع في المرأة جمال الشكل، وجمال الخلق، وجمال العقل، فهي امرأة لا كالنساء، والمرأة كما تعلمون أيها الأخوة في الإسلام مساوية مساواة تاماً للرجل من حيث التكليف، ومن حيث التشريف، ومن حيث المسؤولية.
أيها الأخوة، يقول بعض العلماء: الرجال العظماء في أمس الحاجة إلى امرأة عظيمة، ولقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنما النساء شقائق الرجال ))
(أخرجه أحمد في مسنده عن أنس )
فهذه المرأة التي عندك هي شقيقتك، بمعنى أنه ينبغي أن تكون متكاملاً معها, قال الرسول:
(( إنما النساء شقائق الرجال ))
(أخرجه أحمد في مسنده عن أنس )
وقال أيضاً:
(( النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟ ))
(أخرجه ابن حبان عن أنس )
الأخ الكريم الذي عنده فتاة مؤمنة، محجبة، تتلو كتاب الله أناء الليل وأطراف النهار، ينبغي ألا يتسرع في تزويجها، ينبغي أن يبحث لها عن طالب علم، أن يبحث لها عن شاب يقدر دينها، ويقدر ثقافتها الإسلامية، وورعها، وانصرافها إلى أعمالها الصالحة، فلذلك تعد المرأة للعظماء سندهم من الداخل، وأصاب من قال: وراء كل عظيم امرأة.
لمحة مختصرة عن سيرة خديجة بنت خويلد:
أيها الأخوة, خديجة بنت خويلد فهي امرأة ذات شرف ومال، كانت تكلف الرجال وتضاربهم في مالها، وحقيقة المضاربة، وقد أتينا على ذكرها هي الطريق الواضح النظيف للاستثمار، والحاجة إلى استثمار المال حاجة متأصلة في كل مجتمع بشري، هناك الشيخ الكبير، والموظف المتقاعد، هناك الطفل الصغير الذي ورث مالاً، هناك الأرملة، هناك المرأة التي لا تحسن التجارة، فيأتي شاب في ريعان الشباب مكتمل الرجولة، عنده خبرة عالية فيشتغل بهذا المال، يأخذ بعض الربح، ويعطي صاحب المال بعضه الآخر، هذا الطريق النظيف الآمن للاستثمار المال، لكن الذين جمعوا الأموال، ولم يكونوا في المستوى المطلوب، ضعفوا ثقة الناس بالقناة الشرعية النظيفة، وقووا ثقة الناس بالمصارف الربوية، فكان عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، أول شريك مضارب، المال مال خديجة، والجهد جهد النبي صلى الله عليه وسلم طبعاً قبل البعثة.
ما هو السبب الذي دفع السيدة خديجة إلى أن يتاجر الرسول في أموالها ؟
فلما بلغ خديجة رضي الله عنها عن رسول الله أمانته, وعفافه, وأخلاقه العالية، طمحت أن تعمل معه في التجارة، وكانت تعطيه أفضل ما تعطي بقية التجار, ولكن أقول لكم هذه الكلمة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأمانة غنى ))
( ورد في الأثر)
أثمن شيء تملكه على الإطلاق أن تكون أميناً، أنت بأمانتك تملك أكبر ثروة في الأرض، ألا وهي ثقة الناس بك.
لذلك ضاربت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسفار، كان أهم هذه الأسفار إلى الشام، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج في مالها، وخرج معه غلامه ميسرة حتى قدم الشام، وكان التوفيق حليف رسول الله، وعاد بالتجارة، وقد ربح الضعفين، فسرت السيدة خديجة أيما سرور.
رغبة السيدة خديجة من زواجها من الرسول:
أيها الأخوة, هذه السيدة الوقور التي هي أرقى بيوتات مكة طمحت بالزواج من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أرسلت له امرأة اسمها نفيسة، فخاطبت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: ما يمنعك من أن تتزوج؟ فقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم كان شاباً: ما بيدي لأتزوج به، قالت: فإني كفيت لك ذلك، قال: فمن هي؟ قالت: خديجة، قال: ومن لي بذلك؟ فقالت: علي ذلك، هذه البداية.
لذلك ورد في الأثر: أنه من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة قام ليلها، وصام نهارها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في النكاح ))
(أخرجه ابن ماجة في سننه)
فهذه المرأة ساهمت في تقريب وجهات النظر بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين خديجة، وأشارت إلى السيدة خديجة أن الطريق سالك للزواج من رسول الله، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا ابن العم، إني قد رغبت فيك لقرابتك، وشرفك في قومك، وأمانتك, وحسن خلقك, وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها.
ما هي نظرة مجتمعاتنا حول موضوع عرض الفتاة على الشاب ليتزوجها ؟
أيها الأخوة, التقاليد عندنا تمنع أن تعرض فتاة نفسها على شاب لحيائها ولخجلها، لكن التقاليد أيضاً تمنع أن يعرض أب فتاته على شاب توسم فيه خيراً، لكن سيدنا شعيب ماذا قال؟
﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾
( سورة القصص الآية: 27 )
لذلك أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون كساد الفتيات، كل إنسان غارق بهمومه، لكن نحن كمؤمنين ينبغي أن نسعى لتزويج الشبان الأطهار من الفتيات المؤمنات، هذا عمل عظيم، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما عرض عليه الزواج من خديجة، قبل ذلك, وكانت خديجة كما يقولون: أوسط النساء نسباً، وكانت أعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، وكل قومها كان حريصًا على ذلك لو يقدرون عليه.
أنا أقول كإسقاط من هذه السيرة لواقعنا: الشاب المؤمن الذي يرجو رحمة الله، ويخافه، ويتقرب إليه، له مكافئة عند الله عاجلة، ألا وهي زوجة صالحة تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، والشابة المؤمنة التي ترجو رحمة الله، وتخشى ربها، وتطيع نبيها، وتحفظ كتاب ربها، لها عند الله مكافئة أيضاً أن يرزقها شاباً مؤمناً يعرف قيمتها، ويحفظها، لذلك الزواج بيد الله عز وجل ثمنه الاستقامة على أمر الله، وثمنه العفة.
زواج السيدة المصون من رسول الله:
أيها الأخوة، لما جاء هذا العرض المغري لرسول الله من نفيسة أولاً، ومن خديجة ثانياً، عرض هذا على أعمامه، وفاتحهم برغبته، فما كان منهم إلا أن سارعوا لتلبيته، والمضي لما يريد فذهب أبو طالب، وحمزة، وغيرهم إلى عم السيدة خديجة عمر بن الأسد، كان أبوها قد مات في حرب الفجار، وخطبوا إليه ابنة أخيه، وساقوا إليها الصداق عشرين بكرة، أي ناقة، قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت .
يروى أن أبا طالب وقف يخطب في حفل الزواج قائلاً: إن محمداً لا يوزن به فتاً من قريش، إلا رجح به شرفاً ونبلاً، وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال قِلٌ، فإن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، هذه خطبة النكاح، خطبها عمه أبو طالب.
فقال عند ذلك ولي خديجة عمها عمر: هو الفحل الذي لا يجدع أنفه، وأنكحها منه، وله 25 سنة، ولها يومئذ 40 سنة، وقد حضر العقد بنو هاشم، ورؤساء مضر، وكان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الشام بشهرين.
القضية بدأت تجارة، وانتهت بزواج، والمؤمن حصيف، إذا عُرضت عليه فرصة لا يفوتها، وهذا خير ساقه الله إليه، أو هدية ساقها الله إليه.
عدد أفراد أسرة الرسول:
أيها الأخوة, بقي النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة إلى أن توفيت في الـ 65، وبقي النبي معها تقريباً ربع قرن.
ولدت السيدة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، فهو أبو القاسم، وقد ورد في بعض الأحاديث:
(( من دعي فلم يلبي فقد عصا أبا القاسم ))
(ورد في الأثر)
ثم ولدت له زينب، ثم أم كلثوم كوكبة الإسلام، ثم فاطمة، ثم رقية، كما يروي في الطبراني في المعجم الكبير، ثم عبد الله الملقب بالطيب أو الطاهر، فأما القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام، مات القاسم بعد سن تمكنه من ركوب الدابة، ومات عبد الله وهو طفل، وأدركت البنات الإسلام فأسلمن جميعاً، وهاجرن إلى المدينة، وماتوا جميعاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر.
ما هي الحكمة الربانية التي شاءت بأن تجعل النبي يعيش في هذه الظروف ؟
قد يسأل سائل: مات أبوه قبل أن يعرفه، وماتت أمه وهو في السادسة، ومات جده وهو في الثامنة، وماتت بناته جميعاً عدا فاطمة، وماتا ولداه القاسم وعبد الله قبل الإسلام، ولم يبقَ من ذريته إلا فاطمة، بل مات ابنه إبراهيم من مارية القبطية، لا شك أن هناك حكمة ما بعدها حكمة، ولا شك أن هناك حكمة بالغة أنه ليس من نسله ولد ذكر، فكروا، وابحثوا، ودققوا, لو أن لهذا النبي الكريم أباً عظيماً تعزى فضائله، وتعزى شمائله إلى تربية أبيه، وكأن النبوة ألغيت، لو أن له أماً قديرةً، حكيمة، حصيفة، أيضاً تعزى فضائله لأمه، أراد الله جل جلاله أن تكون هذه الفضائل كلها بسبب قربه من الله عز وجل، فهذا من الحكمة أنه لم يعرف أباه كما أن أمه لم تسهم في تربيته، وكان يتيماً وكأن هذا الإنسان العظيم قدوة لكل يتيم، واليتيم أحياناً يكون مكسوراً فله سيد الأنبياء وهو اليتيم أسوة حسنة.
لو أنه له ولداً عاش من بعده، وله ذرية فهو ابن رسول الله، ولم يكن معصوماً ربما انتقلت البغضاء إلى أبيه، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا سلمان الفارسي, فقال:
(( يَا سَلْمَانُ! لاَ تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! كَيْفَ أُبْغِضُكَ، وَبِكَ هَدَانَا اللّهُ؟ قَالَ: تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي ))
(أخرجه الترمذي في سننه)
هناك حكمة بالغة جداً أن النبي الكريم ليس له ذرية ذكور من بعده.
أيها الأخوة, السيدة خديجة كانت المثل الأعلى لكل نساء العالمين، واست زوجها، وقدمت له كل ما يحتاجه من حنان، وعطف، وتأييد، ومال، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
(ورد في الأثر)
الحقيقة وقفت مع النبي الكريم في أحلك أيامه، وفي أصعب أيامه، وكانت كما قلت قبل قليل: سنده من الداخل، ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:
(( خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد ))
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما )
ولكن الآن دققوا في كلمة قالتها للنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه الوحي:
(( دثروني دثروني, فقالت له: والله مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا, إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ))
( أخرجه مسلم في الصحيح عن جابر )
كيف عرفت ذلك؟ استنبطت هذا من فطرتها.
كلمة للشباب:
أيها الأخوة, أنا أخاطب الشباب، وأخاطب الشابات مستحيل وألف مستحيل أن يعامَل شاب مستقيم ورع، يخاف الله عز وجل, ويؤدي عباداته، ويدفع نفسه إلى طاعته، كما يعامل شاب تائه متفلت، هذا تناقض مع عدل الله, قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21)
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 18)
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36)
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
( سورة القصص الآية: 61)
دققوا في هذا الكلام، لا يمكن أن تعامل أيها الشاب التائب، لأنه ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب، لأن الله يباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، وما من شيء أحب إلى الله من شابة تائبة، إن الله يباهي بها الملائكة، فهذا الذي يمشي في طريق الحق له عند الله مكافأة في الدنيا والآخرة، والدليل:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾
( سورة الرحمن الآية: 46)
قال علماء التفسير: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة.
نساء دخلوا في عالم البطولة وتألق ذكرهن في عالم الوجود:
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ))
( أخرجه أحمد في مسنده )
مرة ذكرت قصة أيها الأخوة، لأريكم عظمة المرأة، فرعون عنده ماشطة تمشط شعر ابنته، مرة في أثناء تمشيط شعرها وقع المشط على الأرض، فقالت: بسم الله، قالت ابنة فرعون لماشطتها: ألك رب غير أبي؟ قالت: الله ربي وربك، ورب أبيك، فقالت البنت: سأخبر أبي، قالت: أخبريه، فلما أخبرت أباها أنها تعبد إلهاً غيرك، أنت لست إلهها، إلهها هو الله، فأتي بها، وأتى بأولادها الأربعة، وجاء ببقرة من نحاس، وأضرم فيها ناراً، وأمسك ولدها الأول، وقال لها: ألك رب غيري؟ قالت: الله رب وربك، فألقاه في النار حتى تفحم، ثم أمسك ولدها الثاني، وقال: ألك رب غيري؟ قالت: الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، أمسك ولدها الثالث، قال: ألك رب غيري؟ قالت: الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، أمسك الرابع، الرابع رضيع، فلما قال: ألك رب غيري؟ بكت، تضعضعت، فأنطق الله الغلام كما ورد في الحديث الشريف، قال: اصمدي يا أمي، أنت على حق، فقالت: الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، ثم ألقاها في النار حتى تفحمت، وانتهى الأمر.
النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء عروجه إلى السماء شم رائحة ما شم مثلها قط ، فسأل جبريل: ما هذه الرائحة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون.
يمكن أن تكون المرأة بطلة، ويمكن أن تكون المرأة في أعلى مستوى عند الله عز وجل، السيدة خديجة من هذا المستوى.
أنا أتمنى على الأخوة أن يقرؤوا سيرة السيدة خديجة، لعلي فصلت كثيراً في سيرة هذه المرأة العظيمة في عدد كبير من الأشرطة، أتمنى على أخواتنا النساء أن يقرأن سيرة هذه المرأة العظيمة لتكون هذه المرأة قدوة لهن في معاملة الزوج.
آسية امرأة فرعون كانت تحت طاغية من كبار طواغيت الأرض، هذا الطاغية يقول:
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
هذا الطاغية يقول:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
( سورة النازعات الآية: 24)
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
( سورة التحريم الآية: 11)
لم يستطع هذا الطاغية بكل جبروته أن يحمل آسية على أن تعبده من دون الله.
هكذا يكون الزوج:
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام من أعلى الأزواج وفاء لزوجته خديجة، فلما ماتت كان يبعث باللحم حين يذبح فيطعم صديقاتها، ويكثر في مدحها، الآن إذا تزوج الزوج امرأة جديدة يتقرب إليها بذم السابقة، ما في مثلك أنت، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان وفياً بعد موتها، " لذلك قال عليه الصلاة والسلام، وقد سأله رجل توفي والداه: ماذا بقي علي من بر والدي؟ قال عليه الصلاة والسلام: صلّ عليهما، وأن تدعو لهما, وأنا تصل صديقاهما وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، وأن تنفذ عهدهما ".
( ورد في الأثر)
فمن تمام الوفاء أن تصل أصدقاء أبيك، وصديقات أمك، سيدنا رسول الله بعد أن ماتت هذه الزوجة العظيمة كان يصل صديقاتها بقطع اللحم تقرباً إليهم، ووفاء بعهد خديجة.
فضل السيدة خديجة رضي الله عنها:
أيها الأخوة, يروي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
(( ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب ))
( أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح)
هذه بشارة من الله مباشرة لهذه المرأة.
أخواننا الكرام، باب البطولة مفتوح على مصراعيه، وإله الصحابة إلهنا، والظروف نفسها، وكل إنسان يمكن أن يكون بطل، وكل فتاة يمكن أن تكون بطلة.
في رواية أخرى, تقول:
(( ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، ربما ذبح الشاة ثم يقطعها عطاء، ثم يبعثها لأصدقاء خديجة، فربما قلت له مرة من شدة الضجر كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول إنها كانت وكانت وكانت، وكان لي منها الولد ))
( ورد في الأثر)
مرة قال:
(( قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء ))
(أخرجه أحمد عن عائشة رضي الله عنها في مسنده)
أيها الأخوة, من أروع ما سمعت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( الحمد لله الذي رزقني حب خديجة ))
(ورد في الأثر)
عد حبها رزقاً، الحمد لله الذي رزقني حب خديجة.
وأنا أقول لكم أيها الأخوة كلامًا خطيرًا جداً، الحب تصنعه أنت، كيف؟ إذا كنت وفياً, إذا كنت كريماً، إذا كنت رحيماً, تحبك زوجتك، تحبك محبة لا حدود لها، وتقطف أنت ثمار هذه المحبة، والبغض يصنع بأيدينا، الإهمال، عدم الإصغاء، عدم الاحترام، الحرمان أحياناً، الإهانة، السخرية، البغض نصنعه بأيدينا، والحب نصنعه بأيدينا، وكانت السيدة عائشة تسال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف حبك لي؟ يطمئنها، ويقول: كعقدة الحبل، تسأله من حين لآخر، كيف العقدة؟ يقول: على حالها.
ومرة حدثته عن أبي زرع ومحبته لأم زرع، ووفاؤه لأم زرع، وكرمه على أم زرع، قال عليه الصلاة والسلام: أنا لك كأبي زرع لأم زرع، لكنني لا أطلقك، لأن أبا زرع طلق أم زرع في النهاية، تعلم من هذه الشمائل العالية، تعلموا هذا السلوك العظيم لسيد المرسلين.
صفات السيدة خديجة الخُلقية:
أيها الأخوة، هذه المرأة لم تشارك قومها لهوهم وسفاحهم وتبرجهم، بل لزمت بيتها وتاجرت بمالها من دون أن تحتك بنفسها مع الرجال، كانت امرأة في القمة، وما عرف عنها تبرج ولا اختلاط، وكانت تتمثل بفطرتها القويمة، ولقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( كُلّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرّتْ بالمَجْلِسِ، فَهِيَ زَانِيَةً ))
(ورد في الأثر)
السيدة خديجة أيها الأخوة واست زوجها، ووقفت معه في أصعب الأيام، وكانت معه في أحلك الليالي، وما تكبرت عليه في مالها، والله أنا اطلعت على قصص عديدة، من شباب أخطؤوا كثيراً حينما تزوجوا بنساء غنيات، صفة المرأة الغنية على زوجها ذي الدخل المحدود الاستكبار والاستعلاء والمن، لكن امرأة غنية جداً وتزوجت رسول الله، وهو فقير جداً، ومع ذلك من أعظم صفاتها أنها ما تكبرت عليه في مالها بل أنفقت منه بإذنه، ولم تكن القوامة لها، القوامة له وهي تنفق عليه بإذنه، فكانت مثلاً أعلى للنساء من بعدها.
حصن الزواج وبركته:
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خَيْرٌ النّكَاحِ أَيْسَرَه ))
( أخرجه أبو داود في سننه)
(( أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا ))
(أخرجه أحمد في مسنده)
(( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة ))
( أخرجه أحمد عن عائشة في مسنده)
جاء رجل للإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما, قال: إن لي بنتًا, فمن ترى أن أزوجها له؟ قال: زوجها من يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وكانت عائشة رضي الله عنها, تقول: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟
خديجة قدوة لكل من آمنت بهذا النبي:
أيها الأخوة الكرام، أنا أرى أن هذه السيدة خديجة رضي الله عنها التي أكرم الله بها رسوله هي قمة في الكمال، وقدوة لنساء المسلمين، فينبغي أن نحرص على قراءة سيرتها، وعلى معرفة كمالها في معاملتها لزوجها، وينبغي أن نعرف كمال النبي صلى الله عليه وسلم في وفائه لها، وفي تقديره لها، على كل قال تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
( سورة البقرة الآية:201 )
قال علماء التفسير: المرأة الصالحة حسنة الدنيا، فإذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك، وإذا أمرتها أطاعتك، عليكم بذات الدين تربت يداكم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 07:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثامن )
الموضوع : بناء الكعبة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ما المقصود بكلمة بيت التي وردت في الآية الكريمة ؟
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، والموضوع اليوم عن بناء الكعبة، الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 96 )
أيها الأخوة، الله عز وجل في كل مكان, يقول الله:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
ما معنى أن يتخذ الله له بيتاً في الأرض؟ قال علماء التفسير: هذه معية العلم, قال تعالى:
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
( سورة مريم الآية: 3 )
سيدنا زكريا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/01.jpg
لو أنك خاطبت ربك بقلبك يسمعك، ما معنى أن يتخذ الله بيتاً في الأرض, ويقول؟
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً﴾
( سورة آل عمران الآيات: 96 ـ 97)
المعنى: أن الله جلت حكمته مراعاةً للإنسان، أو للنزعة المادية في الإنسان اتخذ له بيتاً، وقال: يا عبدي تعال إلى بيتي، لماذا يقول الحاج: لبيك اللهم لبيك؟ يعني تلبية لندائك يا رب، تعال يا عبدي لأريحك من هموم أثقلت ظهرك، تعال كي تذوق طعم القرب مني، تعال كي تذوق طعم محبتي، فالله عز وجل اتخذ بيتاً في الأرض لنفسه ليكون هذا البيت رمز التوحيد، ورمز العبودية لله.
أيها الأخوة، أنت تصلي في بلدك، وفي مسجدك، وفي غرفتك، وتصوم في بلدك، وتزكي في بلدك، وتشهد أن لا إله إلا الله في بلدك، إلا أن الحج وحده يقتضي أن تذهب إلى بيت الله الحرام، الحج يقتضي تفرغاً كاملاً، فيه بذل، فيه جهد، فيه نفقة، فيه ترك أهل، ترك أولاد، ترك منصب، ترك وظيفة، ترك غرفة نوم، ترك أشياء مريحة في بلدك، ترك مكانة، ترك سمعة، تذهب إلى هناك لأنك دفعت الثمن باهظاً، هناك يتجلّى الله عليك تجلياً يناسب هذا الثمن الذي دفعته.
موقع مكة المكرمة حسب خارطة أقاليم جغرافية الأرض في العالم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/02.jpg
بالمناسبة، في بحث من الإعجاز العلمي يؤكد أن مكة المكرمة هي الوسط الهندسي للأرض، لذلك هناك العالم القديم، آسيا، أوربا، إفريقيا، أقينوسيا، والعالم الجديد أمريكا، المدن التي في أقصى أطراف العالم القديم تبعد عن مكة المكرمة 8500 كم، أي مدينة على أطراف العالم القديم، فمكة في وسط العالم القديم، فإذا أضفنا إلى العالم القديم العالم الحديث تبعد مكة عن أي مكان كوسط هندسي في العالمين القديم والحديث 13500 كم، البحث مودع في جامعة في القاهرة، مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي بين العالم القديم والعالم الحديث، ولا يقابلها في الطرف الآخر مدينة، بل لا يقابلها يابسة أصلاً، يقابلها المحيط الهادي.
أقوال المؤرخين حول موضوع بناء الكعبة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/03.jpg
أيها الأخوة، بعض المؤرخين ذكروا أن البيت العتيق انهدم مرتين بعد أن بناه سيدنا إبراهيم عليه السلام بفعل السيول، وبنته قصي بن كلاب بعد أن انهدم في المرة الأولى، وجرهم في المرة الثانية، أما المؤرخ الماوردي يذكر أن أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم قصي بن كلاب، وهو جد من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، وسقفها بخشب الروم، والنخل، على أن المهم هنا بناء قريش للكعبة البناء الثالث، علاقة هذا الدرس بالسيرة النبوية أنه مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بنيت الكعبة للمرة الثالثة.
هذا ورد بنص الصحيحين، البخاري ومسلم، قبيل بعثة النبي، وقد يسأل سائل: ما علاقتنا ببناء الكعبة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له من العمر 35 عاماً، وله موقف رائع في أثناء بناء الكعبة.
ما هي الأسباب التي دفعت قريش لإعادة بناء الكعبة ؟
أيها الأخوة، يعود سبب بناء قريش للكعبة إلى جملة عوامل: منها أنها كانت قامة ارتفاع الكعبة تساوي قامة الإنسان، أو فوقها بقليل، ولم يكن لها سقف، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة المتطاولة، وكانت الكسوة تدلى على جذر الكعبة من الخارج، وتشد من أعلى الجذر في بطنها بلا سقف، تركوا القماش يشد إلى داخل الكعبة، وكانت البئر التي جعلها إبراهيم عليه السلام خزانة داخل الكعبة يوضع فيها ما يهدى إليها من أموال وحلي، وقد امتدت أيدي اللصوص إلى خزانة الكعبة عدة مرات.
الله عز وجل كلفنا أن نكون مع الحق، وأن نقاوم الباطل، إلا أن امرأة من قريش ذهبت تجمر الكعبة، أي تبخرها، والبخور يحتاج إلى جمر، فطارت من مجمرها شرارة، فاشتعلت النار في كسوة الكعبة والتهمتها، وكانت الكسوة توضع فوق بعضها بعضاً، وكل كسوة توضع فوق التي قبلها، فصار هناك كمٌّ كبير من الكسوات، اشتعلت كلها، فلما اشتعلت تهدمت الكعبة، ثم أعقب ذلك الحريق سيل جارف غمر الكعبة حتى دخل خوفها، فجزعت قريش لذلك جزعاً شديداً، وخافوا أن تنهدم، وخشي القوم إن قاموا بهدمها وبنائها أن ينزل عليهم العذاب، وأخذوا ينظرون ويتشاورن، ويدرسون الأمر في روية وتؤدة.
كيف نفهم هذه الآية ؟
سؤال: ألم يقل الله عز وجل:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 97 )
كيف امتدت إليها أيدي اللصوص؟ وكيف ضربت قبل 26 عاماً؟ في عام 1400 اقتحمتها قوات الأمن، وذهب قتلى كثيرون في هذا الاقتحام، كيف نوفق بين قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 97 )
وقد قتل مئات بل ألوف؟ الدقة البالغة أيها الأخوة, أن هذه الآية أنهت, بمعنى يا عبادي اجعلوه آمناً، أو ينبغي أن يكون آمناً، وأمن الكعبة أمر تكليفي، وليس أمراً تكوينياً، يشبه هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول:
﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
( سورة النور الآية: 26 )
ألا تجد امرأة طيبة تحت زوج خبيث, ألا تجد زوجاً طيباً عنده امرأة خبيثة, ما معنى الآية؟ في بعض الآيات القرآنية صيغتها خبرية، لكنها تعني الإنشاء، وهذا أبلغ, قوله تعالى:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾
( سورة البقرة الآية: 233 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/04.jpg
يعني أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، هذا أبلغ لأن أي أمر يقتضي العصيان، لو قلت لابنك: اشتر بهذا المبلغ هذه الحاجة، ورد لي الباقي، يفهم من هذا الأمر أنه بإمكانه ألا يرد الباقي، كل أمر ينطوي فيه احتمال معصيته، فالأمور القطعية المصيرية ينبغي أن يأتي الأمر على شكل خبر, قال تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
( سورة البقرة الآية: 233 )
يعني من شأن الوالدات أن يرضعن أولادهن، ولا تجد على وجه الأرض أم لا ترضع ولدها, قال تعالى:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 97 )
يعني: اجعلوه آمناً, قال تعالى: ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
( سورة النور الآية: 26 )
أي اجعلوا الطيبون للطيبات، هذه صيغة خبر يراد بها الإنشاء، وهذا من بلاغة القرآن الكريم.
تفسير بسيط للأمرين التكويني والتكليفي مع ذكر مثال على ذلك:
أيها الأخوة, كما تعلمون هناك أمر تكلفي، وهناك أمر تكويني، كيف؟ الجواب هو التالي: طريق فيه لوحة مكتوب عليها ممنوع المرور، هذا أمر تكليفي، لكن أي سائق بإمكانه أن يمشي فيدفع الثمن، وهو مخالف، لكن لو وضع على مدخل هذا الطريق قطع إسمنت مسلح، مكعبات، ارتفاع الضلع متر، هذا أمر تكويني، والأمر التكليفي أمر الله عز وجل ونهيه، والأمر التكويني فعلُه، فالحفاظ على أمن بيت الله الحرام أمر تكليفي، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 97 )
بصيغة صيغة خبرية.
إذاً: البئر التي جعلها إبراهيم عليه السلام خزانة داخل الكعبة ليوضع فيها ما يهدى إليها من أموال وحلي، وقد امتدت إليها أيدي اللصوص إلى خزانة الكعبة عدة مرات, أمر تكويني أم تكليفي؟ تكليفي, قال تعالى:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾
( سورة محمد الآية: 4 )
علام ترمز الكعبة ؟
أيها الأخوة، لا بد من حقيقة، لا يمكن أن تكون الكعبة وثناً، أرقى المخلوقات هو الإنسان، يأتي بعده الحيوان، يأتي بعده النبات، يأتي بعده الجماد، الجماد شيء يشغل حيزاً، له طول وعرض وارتفاع، وله وزن، هذا الجماد ـ دقق ـ.
النبات شيء يشغل حيزاً، له طول وعرض وارتفاع، لكنه ينمو، افترق النبات عن الجماد بالنمو.
الحيوان شيء يشغل حيزاً، له طول وعرض وارتفاع، وينمو، ويتحرك.
أما الإنسان شيء يشغل حيزاً، له طول وعرض وارتفاع، وينمو، ويتحرك، ويفكر، إذاً: الله عز وجل ميز الإنسان بقوة إدراكية, قال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
( سورة الرحمن الآية: 1-4 )
فأنت مكرم بهذه القوة الإدراكية، والقوة الإدراكية غذائها العلم، والقلب غذاءه الحب، والجسم غذاءه الطعام والشراب، والإنسان المتفوق هو الذي يتحرك على الخطوط الثلاثة، التفوق يعني أن تغذي عقلك بالعلم، وأن تغذي جسمك بالطعام والشراب، وأن تغذي قلبك بالحب، التطرف أن تغذي جهة على حساب جهة, فالكعبة ليست وثناً، وإنما هي رمز.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/05.jpg
لو واحد جاء بقماش أخضر، وداس عليه بقدمه، هل يحاسب؟ لا، لو جاء بقماش أبيض، وداس عليه بقدمه, هل يحاسب؟ لا، لو جاء بقماش أحمر، ووضعه على الأرض، وداس بقدمه عليه, هل يحاسب؟ لو جاء بمستطيل ثلثه أخضر وأحمر وأبيض, وفيه نجمتان وداس عليه بقدمه يساق إلى السجن، لماذا؟ لأنه رمز الوطن.
فالكعبة ليست وثناً، ولكنها رمز التوحيد، نحن لا نعبد حجارة، سيدنا عمر وضع يده على الجرح حينما قبل الحجر الأسود، مع أن بعض الروايات تبين أنه يمين الله في الأرض، وأن بعض الروايات تبين أنه: (( من فاوض الحجر الأسود فإنما يفاوض يد الرحمن ))
[ ورد في الأثر]
ولكن سيدنا عمر عملاق الإسلام, يقول: " أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أن رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ".
نحن لا نعبد أحجاراً، ولكن الكعبة رمز التوحيد، رمز العبودية لله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾
( سورة آل عمران الآيات: 96 ـ 97)
فهذا الذي داس بقدمه على مستطيلات ذات ألوان ثلاثة هي رمز الوطن يساق إلى السجن، وقد يحكم سنوات وسنوات تأديباً له على تجاوزه على رمز الأمة.
الاتفاق الذي تم بين قريش على تجديد بناء الكعبة:
أيها الأخوة, بالنهاية استقر رأي قريش قبل بعثة النبي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الخامسة والثلاثين من عمره على إعادة بناء الكعبة، الحياة متواضعة جداً، وخشنة جداً، فسمع زعماء قريش أن سفينة رومية تحطمت قرب الشعيبية هي ميناء مكة القديم، فركب الوليد بن المغيرة ومعه نفر من زعماء قريش، واشتروا خشبها لاستخدامه في سقف الكعبة، واستعانوا بنجار رومي يسمى باقوم، وتعاونوا، وتراكضوا بالنفقة، أي جمعوا النفقة من بعضهم، واختلفوا في بنيان مقدم البيت، فقال أبو أمية بن المغيرة: يا معشر قريش، لا تنافسوا، ولا تباغضوا، فيطمع فيكم غيركم.
الإيمان فطري، الآن تستمعون إلى بعض الأقوال، هذه من بقايا بعثة الأنبياء:
يا معشر قريش، لا تنافسوا، ولا تباغضوا، فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزئوا البيت أربعة أجزاء، أربعة جدران، وربعوا القبائل، فلتكن أربعاً، يعني كل مجموعة قبائل يسمح لها أن تبني جداراً واحداً، لأن شرف بناء الكعبة شرف كبير.
أنا سمعت عن عالم كبير جليل في مصر توفي رحمه الله كان في مكة المكرمة يعمل أستاذاً في الجامعة، فلما وسع الحرم نقل التراب بيده، واشتغل فاعلاً بالمفهوم الدمشقي، لينقل التراب في أثناء توسعة الحرم، شرف كبير.
لهذا البيت قدسية قديمة جداً، توارثتها الأجيال جيلاً عن جيل، قال: ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة، وعلى جوانبها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/06.jpg
أخواننا الكرام، القرعة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان هناك خلاف بين أولادك، خلاف بين زوجاتك، إن كنت من ذوي التعدد، خلاف بين من حولك، بين شركائك، نظام القرعة نظام مريح جداً.
كل مجموعة قبائل أخذت جداراً، هناك جدار الشامي، واليمني، والجنب الشرقي والغربي، ولما أجمعت قريش على هدم الكعبة أخرجوا ما كان فيها من مال وحلي، وجعلوه عند أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى، وأخرجوا كبير الأصنام هبل، ونصبوه عند المقام، ولما أرادوا الشروع في الهدم ظهرت لهم حية كانت داخل الكعبة، وكشت، أي أخافتهم، وفتحت فاها فهابوها، فقال لهم الوليد بن المغيرة: ألا أيها القوم, ألستم تريدون هدمها لإصلاحها؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله لا يهلك المصلحين.
يقول عبد العزى: لا تدخلوا في عمارة البيت إلا من طيب أموالكم، ولا تدخلوا فيه مالاً من ربا، ولا من مال ميسر، ولا مهر بغي ـ من ربح نواد ليلية ـ ولا مظلمة أحد من الناس مصادرة، وجنبوه الخبيث من أموالكم، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ففعلوا، ثم وقفوا عند المقام، ودعوا الله أن يذهب عنهم تلك الحية، فأقبل طائر كبير فاختطفها, هذا كلام قيل قبل البعثة، هذا يؤكد أن الإيمان فطري، وأن أصول الإيمان مزروعة في قلب كل إنسان.
أنا كنت في القاهرة، وعند الأهرامات برنامج اسمه الضوء والصوت، يعرض تاريخ الفراعنة، لا أنسى كلمة قالها أحد الفراعنة سمعتها بأذني، قال: أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.
الدين أصل في كيان الإنسان، الذي أدهشني أن هذا الكلام قبل البعثة، وقبل القرآن، وقبل الوحي.
دعوة لك أيها المسلم:
أيها الأخوة, السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها لما رأت النبي مضطرباً بعد مجيء الوحي، ماذا قالت له؟ قالت: والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، من أين جاءت بهذا؟ هذا من الفطرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/07.jpg
أنا أقول لكم أيها الأخوة، ما دام الإنسان مطيعاً لله، ما دام محسناً، ما دام مستقيماً، والله الذي لا إله إلا هو لا يخزيه الله أبداً، ولو افتقر إلى كل مقومات الحياة، ما دام مستقيماً، لم يبن مجده على أنقاض الناس، ولا غناه على فقرهم، ولا أمنه على خوفهم، ولا عزه على ذلهم، ولا حياته على موتهم، ما دام منضبطاً، دققوا أيها الأخوة:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21)
محياهم في الدنيا, قال تعالى:
﴿وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21)
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعامل المستقيم كالمنحرف، والصادق كالكاذب, والعفيف كالعاصي، والمخلص كالخائن, قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 18)
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36 )
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
( سورة القصص الآية: 61 )
شروط الدعاء المستجاب:
أيها الأخوة, الآن هناك استنباط دقيق، لا سمح الله ولا قدر، لو لم تكن مستقيمًا، ووقعت في أزمة، ودعوت الله، فإن الله يجيبك، قال علماء العقيدة: للدعاء شروط لا يستجاب الدعاء إلا إذا توافرت هذه الشروط:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 186)
يجب أن تؤمن، ويجب أن تستجيب، ويجب أن تخلص، الدعاء يستجاب، لكن يستثنى من ذلك دعاء المضطر والمظلوم، المضطر يستجيب الله له لا بأهليته للدعاء، ولكن برحمة الله، والمظلوم يستجاب له لا بأهليته للدعاء، ولكن بعدل الله لذلك:
(( واتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ الله حِجَاب ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما ]
رجل يعد الرجل الثاني عند هارون الرشيد، فجأة وجد نفسه في السجن، زاره أحد أقرباءه، فقال له: لعل دعوة مظلوم أصابتنا،
(( واتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ الله حِجَاب ))
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما )
اتقوا دعوة المظلوم، ولو كان كافراً، هؤلاء مشركون، الإله هبل وضعوه في مقدم البيت، و مع ذلك دعوا ربهم أن ينجيهم من هذه الحية المخيفة، أقبل طائر كبير فاختطفها، و ألقى بها في أجياد، فاعتبروا ذلك دليلاً على رضاء الله عز وجل عن عملهم.
مشكلة حدثت أثناء بناء الكعبة:
أيها الأخوة, تقدم الوليد بن المغيرة بمعول في يده، وبدأ في الهدم بمفرده، ما أحد عاونه أبداً، لأنهم خائفون أن الإله يدمره، لأنه هدم الكعبة.
الحقيقة أحيانا هناك وسوسة، واحد يطوف حول الكعبة، وجد لوزة فملأ الحرم ضجيجاً وصراخاً، من صاحب هذه اللوزة؟ فقال له: عمر كلها يا صاحب الورع الكاذب، يعني كلها وأرحنا.
فبدأ الوليد بن المغيرة وحده بهدم الكعبة، والباقون خائفون، حتى أمسى، ولما أصبح سليماً اشتركوا معه في الهدم، يعني جعلوه ضحية، وافتدوا به، حتى بلغوا حجارة لا يطيق على تحريكها إلا عدد كبير من الرجال، فاتخذوا في ذلك أساساً للبناء، ولما جمعوا ما أخرجوه من النفقة وجدوها أقل من أن تبلغ بهم عمارة البيت كله فتشاوروا، واستقر رأيهم على أن يقتروا على القواعد، ويحذروا ما يقدرون عليه، القواعد حجار وبلاط، لكن بعد ذلك حجارة فقط.
كل شيء جمعوه من أموال ما كفى لبناء الكعبة، القسم الآخر عبارة عن حجار قد صفت بعضها فوق بعض.
أيها الأخوة، الحقيقة أن حجر إسماعيل من الكعبة، قصر بهم المال ينبغي أن يبنى فوق حجر إسماعيل، وأن تكون الكعبة متصلة بحجر إسماعيل، حجر إسماعيل هو دليل أن المال الذي استخدمته قريش لبناء الكعبة لم يكن كافياً.
فالإمام البخاري رحمه الله تعالى روى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجر: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/08.jpg
(( أمن البيت هو؟ قال: نعم ))
[ ورد في الأثر]
إذا أكرم أحدكم الله بعمرة أو بحج، وطاف حول الكعبة ضمن الحجر طوافه مرفوض، وغير مقبول، لأن الحجر من الكعبة، يجب أن يطوف حول الحجر، فالسيدة عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم:
(( الحجر أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً، قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ))
[ ورد في الأثر]
لو أن بابه على مستوى الأرض لكان الدخول إليه سهلا، الآن هناك سلم متحرك، كسلم الطائرة، وفيه تكييف.
الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي إلى الله:
أيها الأخوة, يقول المصطفى صلوات الله عليه:
(( ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، وأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الحجر بالبيت، وأن ألزق بابه بالأرض لفعلت ))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
ماذا يستنبط من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؟ أحياناً هناك شيء ينكره من حولك إنكاراً شديداً، فأنت إذا تلطفت بهم، طبعاً لا يدخل في الحلال والحرام، ولم تستفزهم، ولم تحرجهم, فأنت حكيم.
فكان عليه الصلاة والسلام حكيماً، من الصعب أن آتي بأمثلة كثيرة، هناك أشياء هي من الشرع، لكن ليس هناك مناسبة للحديث عنها إطلاقاً، يقول لك: حكم الإماء في الإسلام، الآن ليس هناك إماء، دائماً هناك أسئلة استفزازية، فالأولى إذا كان الشيء مرفوضًا في الثقافة المعاصرة، مشروعًا في الثقافة الإسلامية، وغير مطبق، وغير موجود فالداعية الحكيم لا يثير هذه الموضوعات أبداً.
أخواننا الكرام، هذا النص من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ولولا أن قومك حديث عهد بكفر, وأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الحجر بالبيت، وأن ألزق بابه بالأرض لفعلت ))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
شخص في بلد إسلامي رأى جماعة غير مسلمين، دعاهم للإسلام، وهو جاهل، طيب كيف ندخل في الإسلام؟ قال, قولوا: أشهدوا أن لا إله إلا الله، شهدوا، طيب ماذا بعد ذلك؟ قال لهم: الطهور في كل الدين، ما اختار إلا الطهور، قالوا: لا نريد، قال لهم: أنتم مرتدون، وفيها قطع رقابكم، قالوا له: والله شيء جميل، بالدخول قص من تحت، وبالخروج قص من فوق، هذه دعوة إلى الله عز وجل؟ الطهور حق، ولكن واحد أسلم حديثا ما وجدت في الدين إلا الطهور، أنا آتي بأمثلة بناء على قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: لولا أن قومك حديث عهد بهذا الدين لفعلت كذا وكذا، لكن راعى مشاعرهم، فأنت كداعية يجب أن تراعي المشاعر، يجب أن تختار أجمل الكلمات, قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت الآية: 33)
انظر إلى مدى حكمة النبي في تدبير الأمور:
أيها الأخوة, اختلفت قريش في موضع الحجر الأسود، من يرفعه؟ ومن يحمله؟ وكل فريق أراد أن يذهب بشرف وضعه في مكانه.
نحن عندنا اختلاف طبيعي، نحن عشية العيد سمعنا صوتًا يشبه المدفع، قلنا: لقد أثبت العيد، ولكن غير متأكدين، هذا خلاف، يا ترى انفجار بالجبل لفتح طريق، أم مدفع العيد، نفتح الإذاعة، فإذا ثبت أنه العيد جاء الخبر الصادق، وحسم الموضوع، وهذا الاختلاف الطبيعي أساسه نقص المعلومات، صاحبه معذور, قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾
( سورة البقرة الآية: 213 )
نقص المعلومات يؤدي إلى اختلاف، لكن عندنا اختلاف قذر, قال تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
( سورة آل عمران الآية: 19 )
بسبب الحسد اختلفوا، اختلاف مصالح، اختلاف تنافس، اختلاف كبر، اختلاف سيطرة، اختلاف مكاسب، هذا الاختلاف القذر، عندنا اختلاف حيادي لا محمود ولا مذموم، وعندنا اختلاف محمود, قال تعالى:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
( سورة المطففين الآية: 26)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/09.jpg
إنسان يرى أن أعظم شيء تأليف الكتب، وهو جاد في هذا المضمار، إنسان يرى أن أعظم شيء تأليف القلوب، تسليك الناس إلى الله، إنسان يرى أن أعظم شيء بناء المساجد، فكل إنسان يرى عملاًَ صالحاً في مقدمة الأعمال، هذا اختلاف رحمة، هذا اختلاف محمود، اختلاف تنافس.
قريش أوشكت أن تقتتل من أجل الحجر الأسود، من يحمله؟ ومن يضعه في مكانه؟ فأشار عليهم أبو أمية حذيفة بن المغيرة أن يحكموا أول من يطلع عليهم من باب بني شيبة، رضوا بذلك، طلع عليهم محمد بن عبد الله، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا، فلما أخبروا الخبر أمر بثوب، فوضع فيه الحجر الأسود، وطلب أن يتقدم من ربع من أرباع قريش رجل أن يأخذ بزاوية من زوايا الثوب القبائل قسمت أربعة أقسام، وكل مجموعة اختارت رجلا يمسك بطرف الثوب، والنبي عليه الصلاة والسلام أمسك الحجر، ووضع بيده الشريفة في مكانه الصحيح، وحسم الخلاف كلياً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ليس منا من فرق، انظروا إلى حكمته، انظروا إلى تواضعه, انظروا إلى أنه قبل الأطراف كلها، فالحكمة ضالة المؤمن, قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
الدروس والعبر التي يمكن أن نستنبطها من موضوع بناء الكعبة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9292/10.jpg
أيها الأخوة، هذا موضوع بناء الكعبة نستنبط منه أشياء كثيرة، إذا ورد شيء في النصوص، ولسنا بحاجة إليه، ولا علاقة له بعقلنا، وفيه استفزاز أحياناً، ليس من الحكمة أن تستفز مشاعر الناس، فتكون عندهم منفراًَ لا داعية إلى الله عز وجل.
مثلاً: في الإعجاز العلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببعض الحالات المرضية أن يعالج الإنسان ببول الإبل، وثمة بحث في أكثر من ثلاثين صفحة المراجع باللغة الإنكليزية حول صواب هذا التوجه، لكن الإنسان حديث عهد بالإسلام، تقول له: النبي أمر أن تستطب ببول الإبل، هذه لا بد لها من تمهيدات كثيرة جداً، فلا تكن استفزازياً، الشيء غير موجود عندنا الآن، وغير مطروق، وفيه نص صحيح، ويحتاج إلى شرح طويل إياك أن تستفز به أحداً، انطلاقاً من هذا النص.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 07:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( التاسع )
الموضوع : بشارات النبي في التوراة والإنجيل وأخلاقه وأصدقائه قبل البعثة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. القيم الأخلاقية تتجلى في هذه الأركان الثلاث:
أيها الأخوة، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكيماً غاية الحكمة في تصرفه في وضع الحجر الأسود في مكانه، عقب ذلك أصبح عند قومه الصادق الأمين، والشيء الذي يلفت النظر أن النجاشي حينما سأل سيدنا جعفر عن الإسلام, فقال:
(( أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، و نقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه ))
[ أخرجه أحمد عن أم سلمة في مسنده]
كأن هذه الصفات الثلاث الصدق والأمانة والعفاف أركان القيم الأخلاقية، هذا الإنسان إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، نعرف أمانته وصدقه وعفافه، أما النسب فتاج يتوج به المؤمن، ولا قيمة للنسب من دون إيمان، والدليل:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
( سورة المسد الآية: 1-2)
هل المقصود دراسة السيرة لذاتها أم المنهج النبوي فيها ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9294/01.jpg
أيها الأخوة، قد يسأل سائل: لماذا التركيز على السيرة النبوية؟ الحقيقة ليس التركيز على شخص النبي مع أنه سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، ولكن التركيز على منهج النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي وحده أقواله تشريع، وأفعاله تشريع، وإقراره تشريع، وكمله الله عز وجل, وعصمه من أن يخطئ في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره، وهو قدوة للبشر، بل إن البشر خُلقوا ليكونوا على شاكلة محمد صلى الله عليه وسلم، فالبحث في سيرة النبي بحث في المنهج القويم الذي ينبغي أن يتبعه الإنسان العاقل، نحن في هذه الدروس نبحث عن منهج أمثل كي نسلكه، وكي يكون النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنا.
العناية الإلهية عامة شاملة لجميع من آمن بالنبي ولا تخص النبي بمفرده:
أخواننا الكرام، يقول علماء السيرة: الله جل جلاله كان يكلأ النبي صلى الله عليه وسلم، ويحفظه ويحوطه من جاهلية الجاهلية، يا ترى هل هذا شيء خاص بالنبي؟ فكل واحد منا موضع عناية الله عز وجل، بل يمكن أن نقول: إن الإنسان في العناية المشددة، لك رب كريم يرعاك رعاية تامة, فبطولتك أن ترضى عنه في المكاره كما في إقبال الدنيا.
الآن الإنسان حينما يتحرك، حينما يدرس، أو حينما يعمل، أو حينما يتاجر، أو حينما يسافر، أو حينما يتزوج، هذه الحركة حركة الإنسان في الحياة تكشف معدنه، في الامتحان يدرس ويكتب، أو يغش بالامتحان، في التجارة يصدق أو يكذب، ورد في بعض الآثار:
(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ))
[ ورد في الأثر]
فحركة الإنسان في الحياة مجال لامتحانه, قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 30 )
ما معنى اﻹنسان ميسر لما خلق له ؟
إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( كلٌّ ميسَّر لما خُلق له ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
يعني أي إنسان على الإطلاق
(( ميسَّر لما خُلق له ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
لماذا خُلق الإنسان؟ خُلق لجنة عرضها السموات والأرض، الدليل:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
فما منا واحد من ذكر وأنثى إلا وخُلق للجنة، إلا وخُلق ليسعده في الدنيا والآخرة، لذلك ولأن الله يعلم حقيقة الإنسان، وخصائص الإنسان، فالله جل جلاله ييسر كل مخلوق لما خُلق له، أي ييسره للجنة، فقد يقتضي أن تكون من أب معين، ومن أم معينة، وقد يقتضي أن تكون في زمن معين، وقد يقتضي أن تكون في مكان معين، وقد يقتضي أن تكون ذكراً، وقد يقتضي أن تكون أنثى، وقد يقتضي أن تكون لك ملامح خاصة، فكل دقائق حياتك دليل من تصميم الله عز وجل، ليكون عوناً لك لما خُلقت، هذه حقيقة مطلقة،
(( كل ميسر لما خُلق له ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
أنت خُلقت للجنة، أنسب شيء لك أن تكون كذا أو كذا، في المكان الفلاني، في الزمان الفلاني، من الأب الفلاني، من الأم الفلانية، بخصائص معينة، هذا كله في خدمة هدفك الذي خُلقت من أجله وهو الجنة، وليس في الإمكان أبدع مما كان، وكلما ازددت إيماناً ازددت رضا عن الله عز وجل, قال تعالى:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
( سورة البينة الآية: 8 )
النبي قدوة لنا ولكل مبتلى:
أيها الأخوة, النبي صلى الله عليه وسلم اشتغل بالتجارة، وقد روي أنه شارك السائب ابن أبي السائب قبل بعثته، كان له شريك، وكان تاجر، فلما كان يوم الفتح فتح مكة، جاءه السائب, فقال له:
(( مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري ))
[ رواه وأحمد عن أبي السائب في مسنده ]
يعني لا يجادل ولا يدافع، النبي صلى الله عليه وسلم كان شريكاً مضارباً بمال خديجة، ورعى الغنم، وذاق مر الحياة وحلوها، وذاق النصر والقهر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وموت الولد، وطلاق البنات، فكل ما يعتري الإنسان في حياته ذاقه النبي صلى الله عليه وسلم، وكانمثلاً أعلى.
إليكم هذه القاعدة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9294/02.jpg
أيها الأخوة، دققوا في هذه القاعدة التي سأضعها بين أيديكم، البطولة ليس أن تنجو من مشكلة أو من مصيبة، أو من محنة، أو من امتحان، أو من ابتلاء، البطولة أن تقف الموقف الكامل من هذا الابتلاء، قد يبتلى الإنسان بزوجة سيئة، بطولته أن يقف الموقف الكامل منها فيصبر عليها فيرقى عند الله.
قد يبتلى بابن متعب، قد يبتلى بجار، قد يبتلى بصديق، قد يبتلى بالفقر، قد يبتلى بالمرض، قد يبتلى أن يفقد حريته لأمد، فليست البطولة ألا تصيبك مصيبة، ولكن البطولة أن تقف الموقف الكامل من أي شيء يصيبك.
ما هو الثناء الرفيع الذي أطلقه الله على رسوله ؟
أيها الأخوة, شمائله كانت كريمة، وفكره كان صائباً، ورأيه كان راجحاً، ومنطقه كان صادقاً، ونهجه كان أميناً، حتى وصلت كمالاته إلى الذروة، لذلك أثنى الله على خلقه, فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم الآية: 4 )
وقد يكون الإنسان ذا خُلق، أما أن يكون على خُلق، أيْ متمكن فصعب، أحياناً الإنسان يستفز، فينشأ عنده صراع، ينتقم أو لا ينتقم، لو أن في النهاية انتصر على نفسه، ولم ينتقم، نقول: فلان ذو خُلق، أما إذا كان على خُلق، أي ليس عنده صراع، الموقف الكامل بديهي عنده، هو في أعماق الكمال، هو في قيم الكمال، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم الآية: 4 )
ما المقصود من كلمتي المداهنة والمداراة ؟
أيها الأخوة، حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم كان تاجراً، وشريكاً للسائب بن السائب، وكان لا يداري ولا يماري، لا بد من وقفة متأنية عنده المداراة والمداهنة، ما هي المداهنة؟ المداهنة أن تضحي بدينك من أجل دنياك، قال تعالى:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 9 )
أن تضحي بفرائضك، أن تضحي بطاعتك، أن تضحي بكلمة الحق تلقيها في موطن صعب، فحينما تضحي بدينك من أجل دنياك فهي المداهنة، أما حينما تضحي بدنياك من أجل دينك فهي المداراة، فالمؤمن يداري ولا يداهن، والمنافق يداهن ولا يداري، قد ينزل المؤمن عن بعض حقه، يعني تطييباً لقلب خصمه، قد ينزل الجار عن بعض حقه تطييباً لقلب جاره، يتنازل عن دنياه من أجل رأد الصدع, ولمّ الشمل, وتطييب القلوب، أما المنافق فيضحي بدينه من أجل دنياه.
آثار النبوة التي كانت ترافق محمد قبل البعثة:
شيء يلفت النظر، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عصمه الله من الكفر قبل البعثة، وجنبه عبادة الأوثان التي عبدها قومه، فلم يعبدها، ولم يقدم لها القرابين، ولم يكن يأكل مما يذبح على النصب، وكان يستمسك بإرث إبراهيم.
كان عليه الصلاة والسلام يطوف بالكعبة المشرفة، وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة مرة، فلمس زيد بعض الأصنام، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حلف زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مس منها صنماً حتى أكرمه الله بالوحي، وكان التعري عند الطواف مألوفاً في الكعبة، وعصم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف عرياناً.
مرةً استخدم أجيراً، فتعرى هذا الأجير ليغتسل أمام الملأ، فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الأجير:
(( لا أراك تستحي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك ))
[ورد في الأثر]
فقبل البعثة، وقبل الوحي كان عليه الصلاة والسلام قمة في الحياء، وقمة في الخجل، وقمة في الورع.
اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة لما جددت قريش بناء الكعبة، كما ذكرت في الدرس الماضي، فاقترح عليه عمه العباس أن يرفع إزاره، ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيداً عن الناس، فلما فعل سقط على الأرض مغشياً عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره، كان أشد حياء من العذراء في حجرها.
شهادة قريش على خلق النبي قبل البعثة:
أيها الأخوة, النبي عليه الصلاة والسلام عرف بالصدق والأمانة، وصلة الأرحام، ومساعدة الضعفاء، والبذل في الخير، فكانت قريش تلقبه بالأمين.
الإنسان مقسم إلى ثلاثة أثلاث، الثلث الأول يعرفه كل الناس، فلان الفلاني ابن فلان، طويل، قوي، مثقف، طبيب، مهندس، تاجر، عامل, فلاح، هذا الثلث الأول، وثلث آخر لا يعرفه إلا المقربون إليه، من هؤلاء زوجته، من هؤلاء شريكه، من هؤلاء من هو معه ليلاً نهاراً، وثلث ثالث لا يعلمه إلا الله، والخطورة دائماً في هذا الثلث الأخير، فالإنسان له الظاهر، والله يتولى السرائر.
فالسيدة خديجة من ألصق الناس به، لما جاءه الوحي، وخشي النبي شيئاً, وذكر للسيدة خديجة وهي زوجته، قالت: والله لا يخزيك الله أبداً, هذه كلها دلالات على خلق النبي محمد عليه الصلاة والسلام قبل بعثته.
أهمية الصحبة وخطورتها في الإسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9294/03.jpg
أيها الأخوة، من هم أصدقاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة؟ قالوا: قل لي من تصاحب, أقل: من أنت؟ الإنسان دائماً يصاحب من كان على شاكلته، فالكامل يحب الكامل, والصادق يحب الصادق، والأمين يحب الأمين، والعفيف يحب العفيف.
كقاعدة علمية: كل شخصية فيها تقريباً ألف سمة، والشخصية الثانية فيها ألف سمة، كم سمة مشتركة بين الشخصيتين؟ هذه وراء المحبة والألفة، فكلما زادت النقاط المشتركة بين شخصيتين ازدادت المحبة والألفة، فأنت مثلاً يمكن أن تجلس مع أخ مؤمن عشر ساعات دون أن تمل منه، السبب لأن نقاط التشابه في شخصيتك تقابل نقاط التشابه في شخصيته، هناك نقاط مشتركة بين الشخصيتين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9294/04.jpg
فأصدقاء النبي صلى الله عليه وسلم, أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، هؤلاء أصدقاءه قبل البعثة، وأقول لكم: لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، ولا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، لذلك اعتنِ عناية فائقة بأصدقائك، هم عونك على طريق الإيمان، قال تعالى:
﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 27)
﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 28)
أيها الأخوة، أهم شيء في الحياة أن يكون أخ لك في الله ينصحك وتنصحه، ويرشدك وترشده، ويأخذ بيدك وتأخذ بيده، هؤلاء الثلاثة عُرفوا بالأخلاق العالية، والنظرة السليمة، والبعد عن الرذائل، والتثقف بثقافة حسنة من معرفة الأحساب والأنساب، كما عُرفوا بإكرام الضيف، والإنفاق بالخير، وهذه الخصال الحميدة قربتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا أصدقاءه قبل البعثة.
أقول لكم من أعماق قلبي: اعتنوا بأصدقائكم، ابحث عن صديق تزداد به علماً، وتزداد به قرباً من الله.
بالمناسبة أيها الآباء، أيتها الأمهات، دققوا في أصدقاء أولادكم، في الدراسة النفسية أن الطفل أو الشاب يتأثر 40 % من مجموع التأثير بمعلميه، وأبيه وأمه، ومرشده، وكل من معه، ويتأثر 60 % من أصدقائه، فالأب الصالح، والأم الصالحة يدققا في أصدقاء ابنهما، لأن هؤلاء الأصدقاء إما أن يأخذوه إلى الهلاك، أو إلى الرقي في الدنيا.
إليكم بعض نصوص التوراة والإنجيل التي تبشر بظهور النبي في آخر الزمان:
أيها الأخوة، بشارات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة توراة السامرة، وإنجيل برنابا، في هذين الكتابين المقدسين نصوص صريحة تبشر بظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص إنجيل برنابا على التصريح برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مثال ذلك ما ورد في الإصحاح الحادي والأربعين عن إخراج آدم وحواء من الجنة، حيث نص على ما يلي:
فاحتجب الله، وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس، فلما التفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا في إنجيل برنابا.
وقد أيدت المخطوطات التي عُثر عليها في منطقة البحر الميت حديثاً ما ورد من إنجيل برنابا المذكورة.
وحين تحدث السيد المسيح عليه السلام إلى الحواريين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم أنه قادم إلى العالم، سأله الحواريون: ما معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي سيأتي إلى العالم؟ أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله، ومثل هذه البشارات تتكرر في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة، إذاً: هناك بشارات في التوراة والإنجيل تبشر بظهور النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الإصحاح الثاني من إنجيل لوقة, قوله: الحمد لله في الأعالي، وعلى الدنيا السلام، وللناس أحمد، هذا في إنجيل لوقة.
والإصحاح السادس عشر من إنجيل لوقة يرد قول المسيح: إن لم أنطلق يأتيكم الفار قليط، الفار لقيط هو لفظ سرياني مشتق من فاران، بمعنى مكة، وجبل فاران هو جبل حراء، والقليط بمعنى المتحنث المتعبد، ويأتي بمعنى الحامد وأحمد، هذا أيضاً في إنجيل لوقة، أما القرآن الكريم فالآية فيه صريحة:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
( سورة الصف الآية: 6 )
أيها الأخوة, قبل أن أمضي في متابعة هذه الفكرة, أقول لكم هذه الآية:
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
( سورة البقرة الآية: 146 )
بربكم, هل هناك معرفة أصدق، وأقوى، وأمتن، وأعمق، وأكثر بديهية من معرفة الأب لابنه؟ هل هناك أب على وجه الأرض, يقول لابنه من أنت؟
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 146 )
صفات النبي محمد كما وردت في الكتب السابقة:
أيها الأخوة, أما صفات النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته فقد وردت في كل من التوراة والإنجيل بشكل صريح، كما أخبر الله تعالى في الكتاب العزيز, بقوله:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
( سورة الأعراف الآية: 157)
من؟ رسول الله:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 157)
نصوص كثيرة في التوراة والإنجيل، وآيتان واضحتان صريحتان صارختان في القرآن الكريم تؤكد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، وتؤكد صفات النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً: فالأخبار متوافرة بمعرفة أهل الكتاب بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله تعالى بذلك عن أهل الكتاب كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 89)
أقوال ممن أسلموا في عصر النبي وسمعوا ممن أخبروا في كتبهم عن ظهوره:
أيها الأخوة، هناك فكرة دقيقة جدا، يقول ابن إسحاق عن رجال من الأنصار: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه, لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا هم أهل كتاب، عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا و بينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون, قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وارم، ولاشك أن يهود المدينة كانوا يعرفون أن زمان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد اقترب، لكنهم توهموا أنه منهم، وكانوا يزعمون أنه منهم، ويتوعدون به العرب, وقد بين الله سبحانه وتعالى أنهم يعرفونه بصفاته، وإنما أنكروا نبوته وجحدوها لما تبين لهم أنه من العرب, قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 89)
ملك الروم هرقل كان يقول حينما استلم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم: وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، كنت أعلم أنه خارج، يعني سيظهر نبي، ولم أكن أظن أنه منكم أيها العرب.
خلاصة الدرس:
أيها الأخوة، في هذا الدرس تحدثتا عن بشارات النبي في كتب أهل الكتاب التوراة والإنجيل، وعن أخلاق النبي صلى الله عليه وسام, وعن أصدقائه قبل البعثة.
وإلى لقاء أخر في موضوع فقه السيرة النبوية.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( العاشر )
الموضوع : نزول الوحى والبعثة النبوية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ماذا يعني سن الأربعين ؟
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وموضوع اليوم نزول الوحي والبعثة النبوية.
أيها الأخوة، بدأ نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون عاماً، وسوف نقف وقفة متأنية عند كلمة ( أربعين عاماً )، لأن هذا السن سن النضج، قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
( سورة فاطر الآية: 37 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/01.jpg
قال الإمام القرطبي: " النذير سن الأربعين "، فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة,
(( من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار ))
[ورد في الأثر]
قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 37 )
ورحم الله القائل:
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
الفرق بين كلمتي التراث والوحي:
أيها الأخوة، قصة بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بنص صحيح من حديث عروة بن الزبير.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/02.jpg
هناك من يظن أن الإسلام تراث، التراث أرضي، الإسلام وحي السماء، فرق كبير بين الثقافات التي هي من صنع البشر, وبين وحي السماء الذي هو من عند خالق البشر، كما أن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، إذاً: بين وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وبين ثقافات الأرض كما بين الأرض والسماء.
إذا قلنا: وحي فهذا شيء آخر، حق صُراح، ليس فيه باطل ولا شك، لا يعدّل، ولا يبدّل، ولا يغيّر, ولا يطوّر، ولا يحذَف منه، ولا يضاف عليه، لذلك هؤلاء الذين يتحدثون عن تجديد الخطاب الديني قد يقصدون إلغاء الخطاب الديني، أو تفريغه من مضمونه، لأنه ما من تعريف جامع مانع للتجديد في الدين إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، الدين توقيفي.
لذلك قال العلماء: الأصل في العبادات، وفي العقائد الإسلامية الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي الثبوت والدلالة، لكن الدنيا الأصل فيها الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت.
بدايات نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام:
أما الحديث الصحيح الذي روي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:
(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ, فَقَالَ:
(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ))
[أخرجه مسلم عن ابن عباس في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/03.jpg
إما أن تكون بشارة، وإما أن تكون لفت نظر، الرؤيا طريق مباشر بين العبد وربه، فكان عليه الصلاة والسلام قبل نزول الوحي يرى الرؤيا الصالحة فتأتي مثل فلق الصبح، ولعل الرؤيا الصالحة من تكريم الله للإنسان,
(( وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ( أي يتعبد) اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ, قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
الإنسان أحياناً يسعد إلى الأبد بلحظة تفكير صادقة, قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة آل عمران الآيات: 190 ـ 191 )
إذًا: كان عليه الصلاة والسلام يتفكر في غار حراء الليالي ذوات العدد، فعلى كلِّ مؤمن أن يتفكر كل يوم بعض الوقت في خلق السموات والأرض.
أصل معرفة الدين معرفة الآمر:
أيها الأخوة، إذا كان في القرآن الكريم آية فيها أمرٌ, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تأتمر، وإذا كان في القرآن الكريم آية فيها نهي, ماذا تقتضي هذه الآية؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/04.jpg
أن تنتهي، وإذا كان في القرآن الكريم مشهد من مشاهد يوم القيامة, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تبادر إلى أسباب الجنة، وأن تبتعد عن أسباب النار، وإذا كان في القرآن الكريم قصص الأولين, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تتعظ، وأن تجتنب أسباب هلاك الأمم، وإذا كان في القرآن الكريم 1300 آية كونية ماذا تقتضي هذه الآيات؟ أن تتفكر في هذه الآيات، وهذه الآيات في الحقيقة هي منهج بحث عن الله عز وجل.
وقد قال بعض العلماء: " من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة "، أنت حينما تجول في آيات الله الدالة على عظمته تعرف الله، ومعرفة الله أصل الدين، وهذا الذي يقع في العالم الإسلامي من تفلت لا بسبب جهل المسلمين بأحكام الفقه، ولكن بسبب جهل المسلمين بالذات الإلهية، إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر, تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر, تفننت في التفلت من الأمر.
كيف يسير المؤمن في هذه الدنيا ؟
أيها الأخوة, سيدنا نُعيم ابن مسعود زعيم قبيلة غطفان، جاء المدينة ليحارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، وهو في خيمته، وقد أصابه أرق، خاطب نفسه، وقال: يا نُعيم، ما الذي جاء بك إلى المدينة؟ لتقاتل هذا الرجل الصالح, ماذا فعل؟ أَنتهك عرضاً؟ أسلب مالاً؟ أسفك دماً؟ أين عقلك يا نُعيم؟ أنا أتمنى عليكم جميعاً أن تخلو أحيانا بأنفسكم، أن تفكر من أنا؟ ماذا هدفي في الحياة؟ ماذا بعد الموت؟ ماذا أعددت لآخرتي؟ دقق في أعمالك، في حرفتك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في تربية أولادك، هل حرفتك ترضي الله أم لا ترضي الله؟ لا ينبغي أن تأخذك الدنيا، قال تعالى يصف عباده المؤمنين, قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/05.jpg
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
ما معنى هوناً؟ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي هوناً، كان إذا مشى كأنه ينحط من جبل، السيدة عائشة كانت تقول: " رحم الله عمر، ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع".
إذاً: ما معنى, قوله تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
أي يمشي بتؤدة فكرية، لا يسمح للدنيا أن تأخذه، لا يسمح للدنيا أن تنسيه هدفه، لا يسمح للمصائب أن تنقله إلى اليأس والقنوت، واعٍ، متبصر، متفائل .
المرحلة الأولى التي نزل بها الوحي على النبي على شكل مادي مرئي:
أيها الأخوة,
(( وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ( أي يتعبد) اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ, قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي- معنى غطني أي عصرني، لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام، تأمل، حلم، لا، الوحي شيء مادي ـ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي ـ أي عصرني ـ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ـ أي التعب والإعياء ـ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ - جاء الوحي على شكل مادي ـ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال َ)) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/06.jpg
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق الآية: 1-5)
(( فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي ـ أي دثروني، ضعوا علي الدثارـ فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة الشورى الآية: 29 )
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾
( سورة فصلت الآية: 37 )
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم الآية: 21)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/07.jpg
عظيم عظماء الأرض، سيد ولد آدم، حبيب خالق الأكوان، أصابه خوف, من الذي هدأ روعه؟ زوجته، أريت إلى هذا الدور الخطير، لذلك السيدة خديجة كانت سنده من الداخل، وحينما توفيت سُمي العام الذي توفيت فيه بعام الحزن,
(( حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
أيها الإخوة، لم يكن هناك وحي، ولا حديث شريف، ولا أحكام، قالت هذه الزوجة العظيمة: كلمة الفطرة، قالت له:
(( كَلَّا، وَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
لا يخزيك الله أبداً أيها المسلم إذا كنت كما أراد الله ورسوله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/08.jpg
أيها الأخوة، أيها الشباب، دققوا فيما سأقول: أنت أيها الشاب ما دمت مستقيماً، ما دمت غاضاً لبصرك, ما دمت صادقاً في كلامك، ما دمت أميناً على ما ائتمنت عليه، ما دمت باراً بوالديك، لك هذه البشارة، هذه البشارة قانون، والله لا يخزيك الله أبداً، في أي عصر، في أي مكان، في أي مصر، في أي ظرف, صدق القائل:
كن مع الله تـر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعك
قيمة المرأة الواعية في بناء العش الزوجي:
أيها الأخوة, الإنسان إذا تزوج، واختار زوجته بطريقة تروق له، واكتفى بمتعة أن يملأ عينيه من محاسنها، ولم تكن في مستواه الفكري http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/09.jpg
فهذا الزواج لا ينجح، وسريعاً ما يمل كل طرف صاحبه، لكن إذا كانت الزوجة على جانب من العلم يحصل بينك وبينها مشاركة فكرية، مشاركة وجدانية، فهذا الزواج ناجح, أنت تسعد بزوجة تشاركك همومك، تشاركك في مبادئك، وفي قيمك, وفي طموحاتك، فلذلك تعلُّم الفتاة له معنى كبير، لأنك إن علّمت شاباً علّمت واحداً، أما إن علّمت فتاة علمت أسرة بأكملها.
السيدة خديجة أكبر دليل على أنها كانت سند النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن أبلغ شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه حينما فتح مكة، ودعاه سادة قريش ليبيت عندهم، قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها، ليعلم أهل الأرض أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، هذه الحياة الزوجية الراقية، أن تكون زوجتك قريبة من طموحاتك، ومن همومك، ومن أهدافك.
المعاني الدقيقة التي يمكن أن نستنبطها من حديث ورقة بن نوفل:
أيها الأخوة,
(( فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/10.jpg
معنى ذلك أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، من بدء الخلق إلى يوم القيامة، ليمتحن الله المؤمنين، ولولا هذه المعركة لما كانت جنة، أليس الله قادراً أن يخلق الكفار في قارة، والمؤمنين في قارة؟ أليس الله قادر أن لا يكون هناك بدر، ولا أحد، ولا الخندق، ولا فتح مكة، وكل الناس مؤمنون مسالمون؟ عندئذٍ ليس هناك جنة, قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾
( سورة البقرة الآية: 214 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/11.jpg
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 10-11)
لذلك حينما تأتي المحن تكون بعدها المنح، حينما تأتي الشدائد يكون بعدها شَدة إلى الله عز وجل.
فالشدائد والضغوط تصنع الرجال، وتصنع البطولات، وقد تكون سبباً لدخول الجنة، الدنيا ليست دار جزاء وإنما دار ابتلاء، واسم الله عز وجل العدل محقق في الدنيا جزئياً، بينما هو محقق يوم القيامة كلياً, قال تعالى:﴿يَبدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
( سورة يونس الآية: 34 )
﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾
( سورة طه الآية: 15 )
ليست العبرة أن تسلم من كل مصيبة، العبرة أن تقف الموقف الكامل مع كل مصيبة.
الأدلة من الكتاب على أن الوحي حقيقة خارجة عن كيان النبي وليس بيده جلبه أو دفعه عنه:
1- في فترة غياب الوحي على رسول الله في أول مرة ينزل عليه:
أيها الأخوة, ثم لم يلبث أن توفي ورقة، وفتر الوحي فترة، حزن النبي له حزناً شديداً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/12.jpg
لكن كان جبريل يتبدى للنبي صلى الله عليه وسلم، ويقول له: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، كان يرى جبريل من حين إلى آخر، لأنه لما فتر الوحي تألم النبي عليه الصلاة والسلام والدليل:
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
( سورة الضحى الآية: 1-3)
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
( سورة مريم الآية: 96)
أكبر عطاء تناله من الله أن تكون لك مع الله مودة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾
( سورة مريم الآية: 96)
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان في أعلى درجات سعادته حينما جاءه الوحي، فلما غاب عنه طويلاً، ما الحكمة أنه غاب عنه؟ الحكمة أن هذا الوحي ليس في مقدور النبي أن يجلبه، ولا أن يدفعه، هو منفصل عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم.
2- حادثة اﻹفك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/13.jpg
أيها الأخوة، أوضح دليل أنه لما اتهمت السيدة عائشة رضي الله عنها، واتهمت في أخطر وأثمن ما تملكه فتاة على وجه الأرض، في شرفها، وطهارتها، وعفتها، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس عنده دليل إثبات، ولا دليل نفي، وتألم أشد الألم، ولهطت الأفواه، وأرجف الناس في المدينة، وشاعت قصتها، الزوجة الأولى، السيدة الأولى، تتهم بعفتها؟ قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ ﴾
( سورة النور الآية:11 )
امتحن المؤمنون، المؤمنون الصادقون ظنوا بزوجة نبيهم خيرا، وقالوا:
﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾
( سورة النور الآية: 16 )
بينما المنافقون ولغوا في حديث الإفك، وارتاحوا له، لماذا تأخر الوحي في تبرئتها قريباً من أربعين يوماً؟ لو أن الوحي بملك النبي لجاءت بعد دقيقة آية تبرّئها، هذا دليل قوي جداً على أن الوحي ليس بملك النبي، الوحي منفصل عن رسول الله انفصالاً كلياً، ديننا دين وحي، ديننا ليس تراثاً، وليس ثقافة، دين وحي.
المسؤولية التي أنيطت بالنبي اتجاه أمته:
أيها الأخوة، يروى أن السيدة خديجة دعت النبي e إلى أخذ قسط من الراحة، بعد ما أصابه ما أصابه، فقال كلمة, والله كلما ذكرتها اقشعر جلدي: انقضى عهد النوم يا خديجة، هل تحمل هم المسلمين؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/14.jpg
هل تحمل متاعبهم؟ هل تفكر بالتخفيف عنهم؟ هذا الذي يعيش لذاته لا وزن له عند الله، هل فكرت يوماً لحل مشكلة لمن حولك؟ حل مشكلة شاب، تزويج شاب تزويج فتاة، مساعدة ضعيف، معالجة مريض، هل فرحت لخير أصاب المسلمين؟ هل تألمت لشر أصابهم؟ أم لا يعنيك ذلك إطلاقاً، والله ما لم نحمل هموم بعضنا، ما لم نسعى لتخفيفها، فلا وزن لنا عند الله إطلاقاً، كان عليه الصلاة والسلام, يقول:
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ]
لأنه كان يحمل هم البشرية، وكلما اتسعت دائرة اهتمامك ارتقى مقامك عند الله, قال تعالى:
﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴾
( سورة طه الآية: 1-2)
هذا الشقاء المقدس, قال تعالى:
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾
( سورة طه الآية: 3)
المرحلة الثانية التي أتى بها الوحي للنبي بعد انقطاع عنه:
أيها الأخوة، لقد كان بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول صدر سورة
﴿اِقْرَأْ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/15.jpg
نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، إلى طريق الله المستقيم، المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة.
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( بينَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السّمَاءِ، فَرَفعْتُ رَأْسِي فإذَا المَلَكُ الّذِي جَاءَنِي بِحراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْباً، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمّلُونِي، زَمّلُونِي، فَدَثّرُوني))
[أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله في الصحيح]
فأنْزَلَ الله تعالى قوله:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾
( سورة المدثر الآية: 1-5)
أيها الأخوة، قال لها: انقضى عهد النوم يا خديجة، وقد ثبت أن الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الاثنين، كما أن المشهود أن ذلك حصل في شهر رمضان، قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 185)
والوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين, قال تعالى:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾
( سورة النساء الآية: 163 )\
مسؤولية المسلم اتجاه أقربائه ومن يلوذ به:
أخواننا الكرام، أقرباؤك لهم ميزة، أنه ليس بينك وبينهم حاجز، أنت هل تستطيع أن تمشي في الطريق، وأن تمسك بيد إنسان، وأن تقول له: تعال معي إلى المسجد؟ لا تستطيع، أما أخوك، ابن أخيك، ابن عمك، ابن خالتك، صديقك، زميلك، جارك، قال تعالى:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 214)
ينبغي أن تستغل أن هؤلاء الأقرباء الذين هم حولك واثقون منك، ليس هناك حاجز بينك وبينهم، فلذلك:
﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾
( سورة المدثر الآية:2-3)
عرفهم بعظمة الله عز وجل، دلهم على الله, عرفهم واجبهم اتجاه دينهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/16.jpg
اسمعوا هذه الكلمات: من أطاع مخلوقاً, وعصا خالقاً ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن طاعة هذا المخلوق أثمن عنده من طاعة الله، فكلمة الله أكبر قالها كاذباً, من أطاع زوجته, وعصا ربه ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، من غش المسلمين، وجاء ليصلي، وقال: الله أكبر فهو كاذب، لأنه رأى أن هذا المبلغ الكبير الذي حصله من غش المسلمين أكبر عنده من الله، لذلك الله أكبر يجب أن تستند إلى واقع، وإلا أصبحت كلمات المسلمين كلمات مفرغة من مضمونها، لا تعني شيئاً، تقول: الله أكبر، وكل شيء عندك أكبر من الله.
أوصاف الوحي كما بينها النبي:
أيها الأخوة, الآن إليكم بعض أوصاف الوحي، كان عليه الصلاة والسلام يعاني من التنزيل بشدة, فكان جبينه يتفصد عرقاً، في يوم الشديد البرد، وكان وجهه يتغير، ويبدو عليه علامات التعب الشديد، وكان جسمه يسخن، يقول زيد بن ثابت: فأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، وكان يركز ذهنه بشدة لحفظ القرآن، فيحرك به لسانه وشفتيه من شدة اهتمامه، فنزل قوله تعالى:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾
( سورة القيامة الآية: 16-19)
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ القرآن الكريم يدفعه إلى التعجل في تلقيه، والشوق إليه، وقد بينت ذلك الآية الكريمة:
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
( سورة طه الآية: 114)
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم, كيف يأتيه الوحي حين قال:
(( أَحْيَانا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ))
[أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح]
الصلصلة صوت الحديد إذا اصطدم بعضه ببعض,
((وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَي، فَيَفْصِمُ عَنّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يَتَمَثّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُول ))
[أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح]
وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة، استغرق نزول الوحي 23 سنة، منها 13 عاماً بمكة المكرمة، وهذا هو المشهور، وعشر سنين في المدينة، وهذا المتفق عليه.
تفسير ظاهرة الوحي:
أيها الأخوة، إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية، حيث تلقى النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله بوساطة جبريل عليه السلام، وبالتالي فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام، ولا بالتأمل الباطني، ولا بالاستشعار الداخلي، بل إن الوحي يتم من خارج الذات المحمدية المتلقية له، ودون أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أي أثر في الصياغة والمعنى http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9293/ar-9293/17.jpg
القرآن الكريم وحي متلو، وتنحصر مهمة النبي صلى الله عليه وسلم بتلقي الوحي، وحفظ الموحى به وتبليغه، أما بيانه وتفسيره فيتم عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوبه، وبلفظه، كما تدل على ذلك الأحاديث المحفوظة، وهو أسلوب مغاير تماماً لأسلوب القرآن الكريم, قال تعالى:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42 )
ديننا ليس تراثاً، وليس ثقافة، ولكنه وحي السماء، وقد قال الله عز وجل:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
( سورة المائدة الآية: 3 )
قال علماء التفسير: الإتمام عددي، والإكمال نوعي، أي أن عدد القضايا التي عالجها الوحي تامة عدداً، وأن طريقة المعالجة التي تمت كاملة نوعاً، وأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص، وأي حذف منه اتهام له بالزيادة.
ومع دروس قادمة في فقه السيرة نتابع فيها الأحداث التي مرت بالنبي عليه الصلاة والسلام مسلسلة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الحادى العاشر )
الموضوع : إلقاء الضوء على مضامين هذه الدعوة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. إليكم هذه المقدمة التي تتحدث عن فلسفة الأشياء:
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/01.jpg
درجت كتب السيرة أنها تتحدث بعد الوحي الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم عن فحوى الدعوة الإسلامية، لذلك هذا الدرس مخصص لإلقاء الضوء على مضامين هذه الدعوة الإسلامية.
كمقدمة فلسفية: الجماد شيء يشغل حيزاً له أبعاد ثلاثة، له طول وعرض وارتفاع، وله وزن، أليس كذلك؟ أما النبات فشيء يشغل حيزاً، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، لكنه ينمو, أما الحيوان فشيء يشغل حيزاً، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، ينمو ويتحرك, أما الإنسان فشيء يشغل حيزاً، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، ينمو، ويتحرك، ويفكر.
لذلك ميز الله الإنسان بالقوة الإدراكية، وما لم يلبِ الإنسان حاجة عقله إلى العلم هبط من مستوى إنسانيته إلى المستوى الذي لا يليق به.
ماذا تعني كلمة اقرأ ؟
أيها الأخوة, أول كلمة نزلت من القرآن الكريم، وأول كلمة جاء بها الوحي, هي قوله تعالى:
﴿اقْرَأْ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/02.jpg
أي تعلم، لأن الإنسان خُلق ليعرف الله، الدليل:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الطلاق الآية: 12)
علة وجودك في الأرض أن تعرف ربك من خلال خلقه، قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق الآية: 12)
لذلك أول كلمة نزلت بالوحي، هي قوله تعالى:
﴿اقْرَأْ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/03.jpg
أيها الأخوة، أزمة أهل النار وهم في النار, هي الجهل, قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الملك الآية: 10 )
لأن كل إنسان مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، ولا يتحقق هذا إلا إذا طبق تعليمات الصانع, الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تُتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة، قال تعالى:
﴿اقْرَأْ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
ينبغي على المسلم أن يتجه نحو العلم الذي يفضي به إلى معرفة ربه وخدمة دينه:
أيها الأخوة, الآن بالعالم يطبع في اليوم الواحد من الكتب بلغة واحدة لا نستطيع أن نقرأها في 200 عام، ماذا نقرأ؟ قال تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/04.jpg
يجب أن يكون الهدف أن تؤمن بالله، ليس هناك علم من أجل العلم فقط، العلم من أجل أن تعرف الله، وأن تعبده، وأن تسلم، وتسعد في الدنيا والآخرة, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات الآية: 56)
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/05.jpg
هذه القراءة الأولى، ما لم تكن القراءة تتجه نحو الإيمان بالله فلا قيمة لهذه القراءة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع, ومن أذن لا تسمع، وأعوذ بك من هؤلاء الأربع ))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
(( دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده، فإذا رجل تحلق الناس حوله، سأل سؤال العارف, من هذا؟ قالوا: هذا نسابة، فقال: وما نسابة؟ قالوا: يعرف أنساب العرب، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علم لا ينفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به))
[ ورد في الأثر]
إذاً: ما لم يكن الهدف من طلب العلم الإيمان بالله، الإيمان بالله خالقاً، ومربياً، ومسيراً، الإيمان بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، الإيمان بأن أسماء الله تعالى حسنى، وأن صفاته فضلى، فهذا العلم لا يُعتد به، بل هو حرفة من الحرف، أبداً.
عندنا حِرف يدوية، وعندنا حِرف فكرية، آلاف الحِرف تعتمد على الفكر، لكن العلم الذي أراده الله عز وجل هو العلم به، العلم الذي يسمو بالإنسان.
أقسام العلوم التي تتعلق بالذات الإلهية وبيان أشرفها:
أيها الأخوة، هناك علم بخلقه، وهناك علم بأمره، وهناك علم به، فالعلم بخلقه اختصاص جامعات العالم، الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والمنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التربية، والطب، والهندسة، والفلك، والجغرافيا، والتاريخ, واللغة، واللغات الأجنبية، وجامعات العالم متخصصة في هذه العلوم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/06.jpg
أما العلم بأمره هو معرفة الحلال والحرام، وأحكام الفقه، والأحوال الشخصية، وفقه البيوع، وفقه المواريث، هذا العلم بأمره من اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، أما العلم به فهو شيء آخر، العلم به يقتضي المجاهدة، ولا يقتضي المدارسة، العلم بخلقه، والعلم بأمره, يقتضيا المدارسة، وقد قال بعض العلماء الكبار: " جاهد تُشاهد ".
أنت حينما تطبق منهج الله عز وجل، وحينما تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وحينما تضبط إنفاقك وإيرادك، وحينما تضبط جوارحك، وحينما تضبط بيتك، وحينما تضبط عملك، عندئذٍ يسمح الله لك أن تعرفه معرفة تسعد بها في الدنيا والآخرة.
مضامين الدعوة الإسلامية هي:
1- قراءة بحث الإيمان:
أيها الأخوة, قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/07.jpg
العلم لا مبرر له إلا أن يكون وسيلة لمعرفة الله، ثم لطاعته، ثم للسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة، هذه القراءة الأولى القراءة الإيمانية, قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
الغرب كله مع النعمة، لكن المؤمن مع المنعم، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/08.jpg
من خلق الإنسان؟ من خلق الحيوان؟ من خلق النبات؟ الشجرة تعمل بصمت، بلا صوت، وبلا دخان، وبلا ضجيج، تعطيك ثمار شهية بألوانها، وروائحها, وحجمها، وقوامها، وفائدتها، من خلق البقر؟ تعطيك الحليب ومشتقاته, من خلق الفواكه والثمار؟ من خلق السموات والأرض؟ من خلق النجوم؟ من خلق الأطيار؟ من خلق الأسماك؟ من خلق أنواع النباتات؟ من خلق هذا الطفل الذي يملأ بيتك فرحة؟ من خلق هذا؟ قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
هذا الخلق يدل على علم، وعلى حكمة، وعلى رحمة، وعلى قدرة، وعلى جمال، إذاً: ينبغي أن تتفكر في خلق السموات والأرض، ينبغي أن تقف عند هذه الآيات.
أخواننا الكرام، مثل واضح جداً أن الإنسان إذا كان فقيراً، ولم يتح له في كل حياته أن يلعق لعقة عسل واحدة، لكنه قرأ كتباً عن النحل ففاضت عيناه بالدموع من عظمة الله عز وجل في خلق النحل والعسل، هذا الإنسان الفقير الذي لم يذق طعم العسل حقق الهدف الأول من خلق النحل والعسل، لأنه تعرف من خلالهما إلى الله، والذي كان غنياً مترفاً، وأكل من العسل كميات كبيرة، ولم يعرف ربه من خلال خلقه فهذا عطل الهدف الأكبر من خلق النحل والعسل، فلذلك لما النبي عليه الصلاة والسلام رأى هلالاً, قال:
(( هلال خير ورشد))
[ أخرجه أبو داود عن قتادة في سننه]
انظر إلى آيات الله في جسمك أيها الإنسان:
1- في موضوع أصل التكوين:
قد تقول: أنا كيف أعرف المجرات؟ هناك 230 ألف مليار مجرة، أرقام يصعب تصديقها، وكل مجرة فيها ملايين الملايين، والكون لا نهاية له، وبعض المجرات تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
( سورة العلق الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/09.jpg
نقول لك: أنت ينبغي أن تتعرف إلى الله من خلال خلقه، ولكن عندك آية بين جنبيك, هي قوله تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾
( سورة العلق الآية: 1-2)
ألست متزوجاً؟ تقول: نعم، عندك أولاد؟ تقول: نعم، هذا الابن, كيف أصبح طفلاً سوياً؟ في اللقاء الزوجي, الإنسان يفرز أكثر من 300 مليون نطفة إلى 500 مليون، والنطفة الواحدة لا ترى بالعين، تحتاج إلى مجهر، نطفة واحدة تدخل إلى بويضة، والبويضة حجمها كحجم حبة الملح، ضع لعابك على طرف إصبعك، وضعه على ملح بأقل ضغط، ترى حبات صغيرة لا ترى بالعين المجردة، البويضة حجمها كحجم حبة الملح، والنطفة أصغر بكثير، فهذا المخلوق آية من آيات الله التي تدلك على معرفته.
2- في الدماغ:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/10.jpg
دماغ 140 مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، على 14 مليار خلية قشرية، على 300 ألف شعرة، على 130 مليون عصية ومخروط بشبكية العين، على 800 ألف عصب بالعصب البصري، على 35 مليون عصارة هاضمة بالمعدة على طريق في الكليتين طوله 100 كيلومتر، مليون نترون، على أوعية دموية طولها 150 ألف كيلومتر، على أسناخ رئوية مساحتها 200 متر مربع, قال تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين الآية: 4)
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾
( سورة البلد الآية: 8-11 )
- في الشعر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/11.jpg
يا أيها الأخوة الكرام، ما هذه الحكمة الرائعة أن الإنسان ليس له أعصاب حسية في شعره؟ لو فيه أعصاب حسية بشعره, أين يذهب؟ إلى المستشفى، اعمل عملية حلاقة، لأنه تحتاج إلى تخدير كامل، ألا تنظر إلى حكمة أن الشعر ليس به أعصاب حس، توزع الأعصاب، شيء لا يحتمل، هناك شعر في الأنف، لكن ليس بالفم شَعر، فكرت في هذا, لو في الفم شعر شيء لا يحتمل، وحلاقته صعبة، يمكن أن يقص لسانه الحلاق في أثناء الحلاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾
( سورة البلد الآية: 8-10 )
4- في بقية أعضاء الجسد:
أيها الأخوة, هذه المثانة، لو ما فيها عضلات لاحتاج الإنسان إلى إفراغها إلى ربع ساعة، وقد لا يستطيع http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/12.jpg
أما بالعضلات ففي دقائق، حكمة بالغة، لو أمضينا سنوات في الحديث عن حكمة خلق الإنسان لا ننتهي, قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾
( سورة البلد الآية: 8 )
بالميليمتر مربع في العين مئة مليون مستقبل ضوئي، بينما أعلى آلة تصوير رقمية احترافية في الميليمتر مربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي، فالله عز وجل قال:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
( سورة العلق الآية: 1-2)
علقة، طفل، دماغ، عينان، أذنان، أنف، فم، لسان, مريء، لو علقت إنسانًا من رجليه، ثم سقيته الماء، الماء ينتقل إلى المعدة، عن طريق العضلات بالمريء، تتقلص بشكل متزامن، فتنقل الماء إلى المعدة، وأنت نائم نوم عميق تأتي إشارة من الفم أن اللعاب كثر، إشارة إلى الدماغ، الدماغ مستيقظ، يتخذ قرار إغلاق القصبة الهوائية، وفتح المريء، يبلع ريقه، وهو نائم, كم مرة؟ مئات المرات، أما عند طبيب الأسنان, فيقول لك: افتح فمك، الريق ينزل، يضع لك شراقة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/13.jpg
وأنت نائم تأتي إشارة من العضلات التي تحت الجهاز العظمي أنه انضغطنا، الأوعية ضاقت، ضعفت التغذية، يأتي أمر للعضلات الإنسان يتقلب على جهة ثانية، الله قال:
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
( سورة الكهف الآية: 18 )
لولا التقلب لنسلخ لحم الإنسان، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
( سورة العلق الآية: 1-2)
هذه القراءة قراءة الإيمان، إذاً: العلم في خدمة الإيمان، قال تعالى:
﴿اقْرَأْ﴾
( سورة العلق الآية: 1)
2- قراءة شكر وعرفان:
القراءة الثانية: قراءة شكر وعرفان, قال تعالى:
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
( سورة العلق الآية: 3)
لا شك أن أحد أخواننا الكرام فتح كتابًا، وقرأ أنه تم طبعه في عام 1932، هو ولد 1938، في أثناء طبع هذا الكتاب كان شيء في الأرض اسمه سعيد نورسي؟ لا, قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
( سورة الإنسان الآية: 1 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/14.jpg
كلنا جميعاً لنا وجود, لنا قيد نفوس بالنفوس؟ معنا هويات، الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، ثم منحك نعمة الإمداد، أمداك بالطعام والشراب والدفء، وما شاكل ذلك، فهناك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
( سورة العلق الآية: 3)
القراءة الأولى قراءة بحث وإيمان، القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، إذاً: من أجل أن تتعلم من أجل أن تؤمن، وأن تتعلم من أجل أن تشكر.
أنت حينما تؤمن، وحينما تشكر, حققت الهدف من وجودك، لذلك قال تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
إذا آمنتم، وشكرتم, يتوقف العلاج الإلهي، تتوقف المصائب، يتوقف كل شيء، لأنك إن حققت الهدف من وجودك فلا داعي لكل المصائب.
ما المقصود بكلمة البيان في الآية , ومن أجل ماذا ؟
أيها الأخوة, لكن الله من أجل أن تعرفه منّ عليك بنعمة البيان, قال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن الآية: 1-4 )
البيان أن تُعبر عن حاجاتك، وعن أفكارك، وعن مشاعرك شفهياً، هذا البيان الشفهي، والبيان أن تتلقى أفكار الآخرين ومشاعرهم، وحاجاتهم شفهياً، هذا الاستماع، لكن الإلقاء والاستماع يحتاج إلى لقاء، لكن أنت حين تكتب مقالاً، أو تؤلف كتاباً، يأتي إنسان لم يلتقي بك، لكنه قرأ كتابك فانتفع به، قال تعالى:
﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
( سورة العلق الآية: 4)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/15.jpg
بالقلم تتنقل المعارف من مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، وبالترجمة تنتقل المعارف من أمة إلى أمة، كلمة بليغة جداً, قال تعالى:
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
( سورة العلق الآية: 3-4)
أعطاك البيان، كم لغة في الأرض؟ ثلاثة آلاف لغة، الإنجيل إلى كم لغة مترجم؟ إلى 1300 لغة، القرآن الكريم إلى كم لغة مترجم؟ إلى 30 لغة فقط، وحي السماء، أرأيت إلى عنايتهم بكتابهم، وإلى تقصيرنا بكتابنا، قال تعالى:
﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
( سورة العلق الآية:4)
هذه قراءة شكر وعرفان.
3- قراءة وحي وإذعان:
القراءة الثالثة: قراءة وحي وإذعان، من أين نأتي بها؟ قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
( سورة العلق الآية:3-4)
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق الآية: 5 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/16.jpg
أنت إذا نظرت إلى الشمس تعلم أن لها خالقاً، لكن أحكام الزكاة, من أين أتتنا؟ من الوحي، أحكام الزواج, من أين أتتنا؟ من الوحي، المحرمات من النساء, من أين أتانا ذلك؟ من الوحي، المحرمات من الطعام؟ من الوحي، العبادات، أداء الصلوات، أحكام الحج, أحكام العمرة، المعاملات، القرض، الحوالة، الكفالة، من الوحي، فأنت ينبغي أن تقرأ قراءة بحث وإيمان، ثم ينبغي أن تقرأ قراءة شكر وعرفان، ثم ينبغي أن تقرأ قراءة وحي وإذعان, فمضمون الدعوة, هي قوله تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق الآية:1-5)
أهمية الوحي في حياة الإنسان:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/17.jpg
أخواننا الكرام، أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به بالوحي، أنت عندك محل تجاري، وبحاجة إلى ميزان، فاشتريت ميزانا من أرقى الأنواع، لكن هذا الميزان مصمم لمحل تجاري من خمسة غرامات إلى خمسة كيلو، خطر في بالك أن تزن به سيارتك، وضعته بالأرض، ومشيت فوقه، كسرته، أخي لم يشتغل هذا الميزان؟ أنت استخدمته بخلاف تعليمات الصانع، هذا الميزان محدود من خمسة غرامات إلى خمسة كيلو، سيارتك وزنها طن وربع، الشركة الصانعة محترمة جداً، كتبت لها وزنها على مكان بالسيارة، قالت لك: 1392 كيلو وزنها, فأي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به, قال تعالى:
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق الآية: 3 - 5)
4- قراءة عدوان وطغيان:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/18.jpg
القراءة الرابعة: قراءة عدوان وطغيان، قنبلة خارقة حارقة، لو ألقيناها على ملجأ سماكته متر اسمنت مسلح، تخرق هذه المسافة، وتحترق في داخل الملجأ، تقتل ألف واحد، خارقة حارقة، هناك قنبلة انشطارية، هناك قنبلة ذكية هناك سلاح جرثومي، هناك سلاح كيميائي، هناك صواريخ مدمرة، هذا العلم علم إفناء البشرية، علم السيطرة على الكون، علم نهب الثروات، هذا علم أيضاً، لكن وراءه شياطين، وراءه وحيد القرن، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق الآية: 3 - 5)
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾
( سورة العلق الآية: 6 )
نموذج طرحه القرآن من الأقوام الطاغية الذين أفسدوا الأرض وأهلها:
الله عز وجل أعطانا أنموذجاً لقوم طغاة، نموذج متكرر، إنهم قوم عاد, قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 6-8)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/19.jpg
تفوقوا في شتى المجالات، جيش قوي، فن واسع جداً لإفساد أهل الأرض، على المطارات، على الطرقات، على المعامل، على الاقتصاد، على عملة غالية جداً، قال تعالى:
﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 8)
مع التفوق في شتى المجالات غطرسة, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
الله عز وجل ما أهلك قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
يعني ما كان فوق عاد إلا الله، أعطانا الله مثلا، ماذا فعلت عاد؟ قال:
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
( سورة الفجر الآية: 11-12 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/20.jpg
عندهم أداتان فعالتان، عندهم قصف، وعندهم إفساد بالأفلام، جهة شكلها خماسي تقصف، وجهة نساء كاسيات عاريات لإفساد البشر، هل أفسدوا بلادهم؟ لا، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 11)
كلها، ليس في بلادهم، دقق في كلام الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
( سورة الفجر الآية: 11-12 )
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 13-14 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/21.jpg
سرعة الريح الآن كم؟ 160، لا تبقي ولا تذر, قال تعالى:
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾
( سورة الحاقة الآية: 6-7 )
طيب، ماذا فعلوا؟ قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾
سورة الشعراء الآية: 128-129)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/22.jpg
تفوق عمراني يفوق حد الخيال، وتفوق صناعي يفوق حد الخيال، قال:
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
( سورة الشعراء الآية: 130 )
تفوق عسكري يفوق حد الخيال، تفوق علمي يفوق الخيال, قال تعالى:
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 38 )
من تفوق عمراني، إلى تفوق صناعي، إلى تفوق عسكري، إلى تفوق علمي، إلى غطرسة، إلى إفساد وطغيان، إلى تفوق في شتى الميادين.
هناك إشارة دقيقة جداً، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى ﴾
( سورة النجم الآية: 50 )
معنى ذلك هناك عاد ثانية، ترونها وتسمعون أخبارها كل يوم، وهي أتت من أجل الحرية والديمقراطية طبعاً، فلذلك قوم عاد في القرآن يمثلون الأمم الطاغية متفوقون في العلم كثيراً، ما نوع علمهم هذا؟ من النوع الرابع، هذا العلم الذي يعد جريمة في حق الإنسان.
احذر يا عبد الله من الغفلة عن صراط ربك:
أيها الأخوة الكرام، هذا مضمون سورة اقرأ التي نزلت أول ما نزلت من وحي السماء, قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق الآية: 1-5)
لكن الإنسان حينما يغفل عن الله عز وجل, يقول الله عز وجل:
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾
( سورة العلق الآية: 6)
﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
( سورة العلق الآية: 7)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/23.jpg
الإنسان في قبضة الله، في أية لحظة هو في قبضة الله، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾
( سورة العلق الآية: 6 - 7)
إذا استغنى عن طاعة الله يطغى، فلذلك قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
( سورة الليل الآية: 1-12)
أصناف البشر:
1- صنف صدق بالحسنى وعمل لها:
أخواننا الكرام، صدقوا أن البشر الآن على اختلاف مللهم، ونحلهم، وألوانهم، وأعراقهم, وأجناسهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، ودياناتهم، لا يزيدون عن نموذجين، أول نموذج, هو قوله تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/24.jpg
﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل الآية: 5-6)
يصدق أنه مخلوق للجنة، فبناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبناء على هذا التصديق بنى حياته على العطاء، يعطي كل شيء، يعطي وقته، وماله، وجهده، وخبرته، ووقته من أجل الله، وبناء على هذا التصديق بنى حياته على العطاء الرد الإلهي, قال تعالى:
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
( سورة الليل الآية:7)
الله يختار له شكل معين, قدرات معينة، جنس معين، أب معين، أم معينة، حرفة معينة، دخل معين، إمكانات معينة، كي تكون له عون على بلوغ الجنة.
2- صنف كذب بالحسنى ولم يعمل لها:
النموذج الثاني, هو قوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/25.jpg
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل الآية: 8-9)
هذا النموذج الثاني كذب بالحسنى، وصدق الدنيا، الدنيا هي كل شيء عندهم، هي محط رحالهم، ونهاية آمالهم، بناء على هذا التكذيب بالآخرة والتصديق بالدنيا استغنى عن طاعة الله، وبناء على هذا التكذيب بالآخرة والتصديق بالدنيا بنى حياته على الأخذ.
إذاً: يبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني قوته على ضعفهم، ويبني أمنه على خوفهم، ويبني غناه على فقرهم، ثم يبني حياته على موتهم، هذا الإنسان يسير لخلاف ما خلق له، يسير إلى الشقاء في الدنيا, والهلاك في الآخرة.
خاتمة الدرس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-9/9295/ar-9295/26.jpg
أيها الأخوة, قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾
سورة العلق الآية: 1-7)
هذه السورة أول سورة نزلت من وحي السماء، وفيها إشارات إلى مضامين الدعوة الإسلامية.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتقل في درس قادم إلى الدعوة السرية، أول ما بدأت سرية إلى أن مكن الله المؤمنين، وأصبحت دعوة جهرية.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-03-2018, 08:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثانى العاشر )
الموضوع : سرية الدعوة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
غربة المسلم المنضبط بمنهج الإسلام في عصر التفلت:
أيها الأخوة, مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وصلنا إلى موضوع الدعوة السرية, فالدعوة الإسلامية بدأت سرية لأربع سنوات بدءاً من نزول الوحي، وقد ورد: " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء "
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
الحديث عن الغربة موضوع دقيق في هذا الدين، حينما تشعر أن الناس أخذتهم الدنيا، وأنهم لم يعبؤوا بمنهج الله عز وجل لا بد من أن تشعر بغربة، فالمسلم غريب في الناس، لأن قيمه تتناقض مع قيم الناس، عرف أنه خُلق للجنة، وعرف أن الجنة هي عطاء لا نهائي، وعرف أن هذه الجنة لها ثمن، وأن ثمنها معرفة الله وطاعته في الدنيا، فلذلك حينما آمن باليوم الآخر لا بد من أن تنعكس كل مقاييسه، فمقياس المؤمن يُحس أنه ناجح وفالح لا فيما يأخذ بل فيما يعطي، همه الأول العطاء، بينما الغافل عن الآخرة همه الأول الأخذ، فلا بد من تناقض واضح بين مبادئ المؤمن ومبادئ غير المؤمن، ما الذي يسعدك أن تأخذ أم أن تعطي؟ ما الذي يسعدك أن تستهلك جهد الآخرين أم أن تقدم جهدك لهم؟ ما الذي يسعدك أن يعيش الناس لك أم أن تعيش للناس؟ ما الذي يسعدك أن تقتنص لذة عابرة أم أن تنال سعادة أبدية؟.
لذلك القضية مصيرية، الإنسان في عصر التفلت، في عصر الانحراف يشعر بالغربة، لذلك حينما قال عليه الصلاة والسلام: " كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ "
[ ورد في الأثر]
بيان النبي لأمته محدودية الدعوة إذا كان الإسلام في زمن غربة:
أيها الأخوة, لا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام وضح أشراط الساعة، لكن أنت حينما ترى شحاً مطاعاً، مادية مقيتة، يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، حينما يعبد الدرهم والدينار، حينما يعبد شهوته، حينما يعبد بطنه، حينما يعبد فرجه، حينما بعبد خميصته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد البطن، تعس عبد الفرج، تعس عبد الخميصة "
[ ورد في الأثر]
المال يُعبد من دون الله, قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾
( سورة الفرقان الآية: 43 )
اللذائذ الحسية هي شغل الناس الشاغل، ولا بد من وقفة متأنية عند اللذة وعند السعادة،اللذة الحسية طابعها مادي، اللذة تأتيك من الخارج، تحتاج إلى وقت, إلى صحة، إلى مال، تأتي اللذة من الطعام، من الشراب، من البيت، من البستان، من المرأة, أما السعادة تنبع من الداخل، اللذة متناقصة وتنتهي بالكآبة، أما السعادة متنامية وتنتهي بالجنة.
الآن في كبر وإعجاب، كل إنسان بجهله الفاضح يرى نفسه محور العالم، تعرض عليه قضية، نص حديث، حكم فقهي، يفكر، ما أعجبني هذا! هو المرجع، هو المقياس، هو الفيصل، هو الحكم, صدق القائل:
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ
قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((" إذا رأيت شحاً مطاعاً وَهَوًى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ))
[ ورد في الأثر]
الحديث له عدة روايات,
(( فلزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، ودع عنك أمر العامة، وعليك بخاصة نفسك ))
[ ورد في الأثر]
يعني أقرباءك، أخوانك، أصدقاءك، زملاءك، جيرانك، الذين تعرفهم معرفة يقينية، والذين تطمئن لهم، في هذه الظروف الصعبة، حينما يشرد الناس عن منهج الله, وحينما يبتعدون عن أوامر الشرع، وحينما تحل الشهوة محل القيم، وحينما تحل القوة محل الرحمة، وحينما يعد العقل المغلق البعيد عن الوحي مرجعاً لكل شيء عندئذٍ نكون في زمن الغربة، لذلك: " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء "
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
يبدو أن حينما تكون الغربة مستحكمة ينبغي أن نقلد النبي صلى الله عليه وسلم في أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل دعوة محدودة وليست دعوة عامة.
الحكمة الربانية في انتشار الدعوة الإسلامية في جميع العشائر التي تضمها قريش:
أيها الأخوة, بدأت الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة بشكل سري، وتتراوح مدة هذه المرحلة بين ثلاث وأربع سنوات، وكانت مكة تخضع لقريش بعشائرها الأربعة عشر، لكل منها كيانها الخاص، مع تحالفها ضمن إطارها العام، وكان من المتوقع أن ينتشر الإسلام في عشرية النبي صلى الله عليه وسلم ثم في قريش التي ينتمي إليها أخيراً, ولكن الذي حصل على خلاف ذلك، حصل أن الإسلام انتشر في كل العشائر من دون استثناء، وهذه من حكمة الله عز وجل.
أيها الأخوة, هذه الميزة أن الإسلام انتشر في كل العشائر كانت ميزة إيجابية يمكن أن تعود بالخير العميم على الدعوة الإسلامية في مراحل قادمة، لنأت بالأمثلة:
أبو بكر الصديق من عشيرة تميم التيمي، عثمان بن عفان أموي، الزبير ابن العوام أسبي، علي بن أبي طالب هاشمي، مصعب بن عمير داري، عمر ابن الخطاب عدوي، عبد الرحمن ابن عوف زهري، عثمان بن مظعون جمحي.
إذاً: العشائر كلها انتشر فيها الإسلام على قدر المساواة، إذاً: الإسلام لا يفرق بين عشيرة وعشيرة، ولا بين قبيلة وقبيلة، ولا بين أبيض ولا أسود، ولا بين قريب وبعيد, الإسلام بالتعبير المعاصر أممي، كل من دخل في الإسلام فهو منا ونحن منه، كل ما دخل في الإسلام له ما لنا، وعليه ما علينا.
تقسيم القرآن للبشر:
أيها الأخوة, لا يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، كل التقسيمات التي تواضع الناس عليها تقسيمات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان, تقسيمات من صنع البشر، تقسيمات نحن اخترعناها، أما في الحقيقة الناس صنفان، الناس رجلان، الناس نموذجان، واحد عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، وواحد غفل عن الله, وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه, فشقي في الدنيا والآخرة، ولن تجد نموذجاً ثالثاً.
هذا تقسيم القرآن، هذا تقسيم الواحد الديان، هذا تقسيم السماء، تقسيم الأرض مئة ملة وملة، ملل، ونحل، وطوائف، ومذاهب، وأديان, وأعراق، وأنساب، وغني وفقير، وأبيض وأسود، ودول الشمال ودول الجنوب، والعرق الأصفر، والعرق الآري، والعرق السكسوني، هذه تقسيمات الأرض ما أنزل الله بها من سلطان، وما لم تعتمد تقسيم السماء، وما لم تعتمد القيم التي رجحها القرآن للتمييز بين البشر فأنت بعيد عن الإيمان, قال عليه الصلاة والسلام:
(("سلمان منا أهل البيت ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
فارسي, كذلك قال النبي: (( نعم العبد صهيب ))
[ورد في الأثر]
رومي, قال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
( سورة المسد الآية: 1)
من قريش، هذا الإسلام, قال تعالى:
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
( سورة المسد الآية: 2 )
ما لم نعتمد قيم السماء لن نقف على أقدامنا.
هذه نماذج من الرعيل الأول الذين تشرب الإسلام أفئدتهم فحكموه بينهم:
أيها الأخوة, لا أريد أن تبقى هذه الأفكار نظرية يجب أن تكون عملية، يجب أن تحب المؤمن كائناً من كان، يعني سليمان بن عبد الملك خليفة أموي كبير، حج بيت الله الحرام، وصل إلى مكة المكرمة، ومعه الوزراء والأمراء، وأمراء الجيش، والخواص، والحاشية، ومعه أولاده، سأل أحد خواصه, من عالم مكة؟ فأشير إلى إنسان ابن رباح أسود اللون، مشلول القدمين، رأسه كالزبيبة، أنفه أفطس، هذا عالم مكة، اقترب منه وسأله وأثنى عليه، وقال: أنت الذي تفتي في الحرم، اختلف مع أولاده في قضية, فتوجها إليه وكان حوله جمع غفير, فقال له: مكانك أمير المؤمنين، هؤلاء جاؤوا قبلك، فانتظر حتى وصل إليه، فسأله: فأجاب، قال لأحد أولاده: يا بني, أرأيت إلى ذلي أمامه؟ عبد أسود، حبشي، أفطس الأنف، مشلول القدمين، هو سيد علماء مكة، يقف خليفة المسلمين أمامه ذليلاً, وينتظر دوره، هذا هو الإسلام.
أيعقل أن يكون سيدنا بلال العبد الحبشي، يأتي أبو بكر الصديق ليشتريه من أمية بن خلف، وأمية بن خلف, يقول: والله لو دفعت لي درهماً لبعته لك، فيقول الصديق: والله لو طلبت مئة ألف لدفعتها لك، ويضع يده تحت إبطه, ويقول: هذا أخي حقاً، هذا هو الإسلام، هذا أخي حقاً.
أما سيدنا عمر خرج إلى ظاهر المدينة ليستقبل بلالاً، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم إذا ذكروا الصديق, قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا.
ما لم تكن هذه القيم محكمة في حياتنا فالطريق إلى الله ليست سالكة.
نموذج آخر من نساء الصحابة حطم الإسلام قيم الجاهلية فيها:
أيها الأخوة, صحابي جليل عنده فتاة بارعة الجمال، توفي زوجها، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أصحاب النبي رجل فقير لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، اسمه جليبيب أعور، دميم الخلقة، قصير القامة، أسمر اللون، كل عيوب الجسد مجتمعة فيه، إضافة إلى فقره الشديد، فقال له النبي الكريم: يا جليبيب ألا تتزوج؟ قال: يا رسول الله, من يزوجني؟ يعني على ماذا أتزوج؟ ليس معي شيء, وأنا بهذا الشكل، النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجة من الفهم، قال: اذهب إلى بيت فلان, وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني ابنتكم، ما في تناسب أبداً، فتاة بارعة، والنبي علم أنها بارعة الجمال، وهذا الذي أرسله ليتزوجها أمامه، فطرق بابه، وقال: إن رسول الله يخطب ابنتكم، فتوهموا أنه يخطبها له، فهشوا وبشوا وطاروا من الفرح، قال: ليخطبها لي، صعق الأب، قال له: أريد أن أستأمر أمها, فذهب إلى أمها, وبدأ الحديث كما بدأ جليبيب توهمت أن هذه البنت لرسول الله، فلما قال هي لجليبيب, قالت: معاذ الله، مستحيل، سمعت البنت حوار الأب والأم، فقالت: أنا موافقة, ورسول الله لن يضيعني. هذا الإسلام يا أخوان، شيء لا يحتمل، ما في أي تناسب بينه وبينها, لكن أراد النبي أن يحطم قيم الجاهلية، هذا مؤمن، جمع له بعض المال ليشتري به حاجاته الأساسية, ويوم عرسه نودي بالجهاد، فذهب إلى معركة أحد، وكان استشهاده في هذا اليوم, كأن الصحابة الكرام أناس غير هؤلاء البشر، كأن هؤلاء الصحابة الكرام اصطلحوا مع الله فوضعوا تحت أقدامهم كل قيم البشر المادية.
لو عدنا إلى قيمهم، وإلى مبادئهم لتحقق وعد الله فينا بالنصر، نحن إسلامنا إطار خارجي، المضمون غير إسلامي، وحينما نعود إلى الله يتم النصر الذي وعدنا به ربنا، ذكرت هذه القصص الصارخة ليحطم الإسلام قيم الجاهلية، قيم القوة، قيم الوجاهة، لذلك هذه الجاهلية عادت على شكل أوسع وأشد.
ما الحكمة الربانية بأن جعل طريق النصر غير معبد ؟
أيها الأخوة, من هم السابقون إلى الإسلام؟ لا تنسوا أن الله عز وجل حينما قال:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
( سورة الواقعة الآية: 10- 11)
يعني أحياناً تكون القوة بيد المسلمين، فالذي ينخرط في الإسلام له ميزات كثيرة, لكن هل تعلم ما البطولة؟ أن يكون الإسلام ضعيفاً، وأن يكون متهماً بالإرهاب، وأن يكون الإسلام ملاحقاً، وأن يكون المسلم في الدرجة الدنيا في المجتمع في نظر الأقوياء والأغنياء ومع ذلك يسلم.
بربكم سؤال دقيق, أريد أن تتأملوا فيه، لماذا كان النبي ضعيفاً؟ حينما مر على عمار بن ياسر وهو يُعذب، هل استطاع النبي أن يخلصه؟ قال:
(( اصبروا يا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة ))
[أخرجه الطبراني عن عثمان بن عفان في المعجم الكبير]
النبي يرى أصحابه يعذبون ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، لماذا لم يكن النبي قوياً كأقوياء الأرض؟ لعل أحدهم يتوهم أن الدعوة عندئذٍ تكون سهلة، لا، الأقوياء إذا دعوا إلى شيء أقبل الناس بمئات الملايين، لا قناعة، ولا رغبة، ولا إيماناً، ولا حباً، ولكن خوفاً فقط، الله عز وجل جعل هذا الدين أساسه الحب، أساسه أن تأتي طائعاً، أساسه أن تأتي مختاراً، أساسه أن تأتي محباً، الحب أساس العلاقة بين العبد وربه، لأن الله سبحانه وتعالى قادر أن يهدي الناس جميعاً قسراً, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
( سورة هود الآية: 118 )
فالله عز وجل أردنا أن نأتيه مختارين، أن نأتيه محبين، أن نأتيه بمبادرة منا, لماذا كان النبي ضعيفاً في بدء الدعوة؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك شيئاً يغري الناس، ولا شيئاً يخيف الناس، فالذي يؤمن به يؤمن به إيماناً حقيقياً عن قناعة، وهذا الذي أراده الله عز وجل، بعد حين أصبح النبي قوياً، لكن في بداية الدعوة الإسلام ضعيف، والمسلم يعاني من متاعب كبيرة جداً.
ما هي الحكمة الإلهية في تداول الأيام بين الناس ؟
أيها الأخوة في ظرف قوي فيه الكفر، وفي ظرف اشتدت شوكة أهل الضلال, وفي ظرف أصبح المؤمن متابعاً، وكل حركة وسكنة يحاسب عليها، في ظرف صعب يأتي شاب يلتزم طريق الحق، وينتعش قلبه بهذا الدين العظيم، ولا يخشى في الله لومة لائم هذا هو الأجر،هذا هو السبق, أما إذا قوي الدين، والذي يدخل عندئذٍ في الدين, ليس له أجر من سبق, فلذلك قال تعالى:
﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ،أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
( سورة الواقعة الآية: 10- 11)
بالمناسبة شاءت حكمة الله أن تكون القوة متداولة بين بني البشر, قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 140 )
فقد يأتي وقت أهل الكفر أقوياء جداً، يملكون ناصية الدنيا، معهم أسلحة فتاكة, وقد يأتي وقت يكون أهل الإيمان أقوياء جداً، لكن جئنا في زمن ضعف المؤمنين، فلو أن الله جعل القوة بيد المؤمنين إلى أبد الآبدين, لأصبح معظم أهل الأرض منافقين، تحقيقاً لمصالحهم، وضماناً لسلامتهم، ولو أن الله جعل القوة مع أهل الكفر والعناد لخرج الناس من دين الناس أفواجاً، فالحكمة تقتضي أن تكون الأيام متداولة بين بني البشر, قال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 140 )
إليكم أوائل ممن دخلوا في الإسلام:
1- من النساء خديجة زوجة الرسول:
أيها الأخوة, أول من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من البشر كما هو واضح من حديث بدء الوحي عندما بشرته وصدقته فيما أخبرها به خديجة، لذلك قال:
(( مرة كذبني الناس وصدقتني "))
[ ورد في الأثر]
والنبي عليه الصلاة والسلام كان في أشد الوفاء لها في حياتها وبعد وفاتها، أحياناً قيسوا على ذلك، إنسان يتزوج وهو فقير, يتزوج امرأة ترضى به وتعتني به وتخلص له، بعد حين يغتني, هذا الإنسان بعد أن اغتنى يريد امرأة أخرى، ينسى وفاءها, وينسى إخلاصها، وينسى أنها رضيت به، وينسى أنها وقفت معه في أيامه العصيبة، يتمنى امرأة أخرى، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يمدح خديجة طوال عمره، حتى مرة ضجرت عائشة, وقالت: ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال: لا والله لا والله لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها, هذا هو الوفاء، وكما تعلمون لما فتح مكة المكرمة، ودعي إلى أي بيت في بيوتات مكة, قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر،وهذا أعلى درجة من الوفاء.
بالمناسبة الدعاة الكبار إلى الله عز وجل الذين أرادوا تغيير جذري في المجتمع يلقون معارضة كبيرة، من حكمة الله لهم أن الله يخصهم بامرأة صالحة تخفف من أعبائهم، ومن تكذيب الناس لهم، ومن المؤامرات التي تحاك ضدهم.
الحديث الشريف الذي ورد بحق أم المؤمنين خديجة بنت خويلد:
لذلك السيدة خديجة كانت سند النبي من الداخل، ويجب أن تعلموا أيها الأخوة علم اليقين, أن المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف وفي التشريف وفي المسؤولية، وربما أقول: إن قلامة ظفر امرأة مؤمنة صالحة تائبة عابدة منيبة تعدل مئة ألف رجل شرد عن الله عز وجل، هذا هو الدين، أما الجاهلية لها مقاييس أخرى، حتى إنه قد ورد في الأحاديث الشريفة هذا النص ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: (
( يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح ]
رب العزة يسلم عليها، وجبريل يسلم عليها, قال: (( فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح ]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة وزجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ ورد في الأثر]
(( ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله))
[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة في المعجم الكبير]
2- من الصبيان علي بن أبي طالب:
أما من الصغار, فسيدنا علي بن أبي طالب كان يعيش في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تأثر بالنبي فكان أول من أسلم من الصغار، أو من الشباب، وكان في العاشرة من عمره.
أيها الأخوة, لا أغبط إلا شاباً في مقتبل حياته أقبل على الدين, ومن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة.
3- من الموالي زيد بن حارثة:
من أوائل من أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله، مرةً خطر في بالي خاطر أن هذا زيد بن حارثة مولى لرسول الله، أهدته له خديجة، لماذا لم يعتقه النبي؟ جاءت في السيرة لما جاء أبو زيد وعمه ليفتديانه من رسول الله, قال: لا، لا أريد شيئاً دونكم زيد، فلما عرضوا عليه, قال: لا والله لا أترك محمد، ماذا رأى منه؟ رأى منه كمالاً أنساه أباه وأمه، هذا المؤمن، المؤمن محسن، فزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي.
4- من الرجال أبو بكر الصديق:
أما من اسلم من الرجال، من خارج بيت النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق الجمهور هو أبو بكر الصديق، جاء في بعض الروايات
(( ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر))
[ ورد في الأثر]
كان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه، محبباً لهم، سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش, وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله, وإلى الإسلام من وثق به من قومه.
ممن أسلم على يدي أبو بكر:
أسلم على يديه، عثمان بن عفان، كل أعمال عثمان بن عفان بصحيفة سيدنا الصديق،والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص, وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك هذا الصديق في أعلى مرتبة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويذكر أن عبد الله بن مسعود أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وأنه أسلم وهو غلام.
لكل مقام مقال:
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))
[أخرجه الطبراني عن عويمر بن ساعدة في المعجم الكبير ]
من أعظم إكرام الله لرسوله أنه أحاطه بأصحاب في أعلى مستوى، وكلما علا شأنك عند الله يجمعك الله بأناس يعرفون قيمتك.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 06:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثالث العاشر )
الموضوع : كتاب الوحي : أهمية اللغة العربية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ما الحكمة من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً ؟
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وننتقل اَليوم إلى كتاب الوحي، ولا بد من موضوعين:
الأول: أمية النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، موضوعان تمهيديان لموضع كتابة الوحي.
الموضوع الأول: ما الحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً؟ وقد يتبادر إلى الذهن أن الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، فلو أن النبي كان يقرأ ويكتب، وهو معلم البشرية فكيف نجمع بين أن الأمية نقص في شخصية الإنسان، وبين أن الأمية من صفة النبي عليه الصلاة والسلام؟
الكلام الجامع المانع المختصر المفيد أن أمية النبي وسام شرف له، وأميتنا وصمة عار بحقنا، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبقى وعاء النبي طاهراً من كل ثقافة أرضية، لأن الله تولى بذاته العلية تعليمه, قال تعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴾
( سورة النجم الآية: 5-6 )
فلأن الله تولى تعليمه، ولأن هذا النبي مشرع، وقد أُمر الناس باتباعه، إذاً: هو معصوم، لذلك أميته أن وعاءه ليس فيه إلا وحي السماء، قال الله عز وجل:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم الآية: 3-4)
لو أنه على ثقافة أرضية، وبدأ يدعو إلى الله, لكان السؤال المتكرر كل يوم: يا رسول الله! هذا الذي تقوله من وحي السماء أم من ثقافتك؟ قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم الآية: 3-4)
وما لم نعتقد اعتقاداً جازماً بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن الله عصمه من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره لا نكون على عقيدة سليمة، ولأن الله عصمه أمرنا أن نأخذ عنه، قال تعالى:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7)
كيف عصمه؟ جعل كل وعائه المعرفي ممتلئاً من وحي السماء، هذه حقيقة أولى، أما نحن فقال عنا النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما الحلم بالتحلم ))
[ورد في الأثر]
لا أسمح أن يقول إنسان: أنا أتعلم من الله مباشرة، أما الآية التي يذكرها كل من يدعي هذه الدعوة فهي:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 282)
ليس هذا هو معناها، لو أن المعنى كما يتوهم القائل لكانت الصيغة على الشكل التالي: واتقوا الله يعلمكم الله، جواب الطلب، واتقوا الله يعلمكم الله، لكن الآية لها معنى آخر:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 282)
لمَ لا تتقونه؟ لأنه يعلمكم دائماً، علمكم بالكون، وعلمكم بالوحي, وعلمكم بالأنبياء، وعلمكم بالرسل، وعلمكم بالدعاة، وعلمكم بأفعاله، وعلمكم بالتربية النفسية، هو يعلمكم دائماً لماذا لا تتقون الله؟
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
( سورة البقرة الآية: 282)
لأن الله يعلمكم، أما أن تفهم أنه يكتفي أن تتقي الله فيأتيك العلم اللدوني، هذا مجال كبير للشطط والشطح هو أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم.
إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( إنما ))، النبي أفصح العرب، فإذا قال: (( إنما ))، إنما أداة قصر، يعني ليس هناك من سبيل إلى العلم إلا بالتعلم بالنسبة لنا، أما النبي كان أمياًَ وأميته وسام شرف، تولى الله تعليمه, قال تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 48 )
لكن ما دام الموضوع قد تشعب، في الدين أصول وفروع، الأصول أن تعرف الله, والفروع أن تعرف منهجه، فأنت بآياته التكوينية والكونية والقرآنية تعرفه، وأنت في الأحكام الفقهية تعبده، بالكون تعرفه وبالشرع تعبده.
اللغة التي أنزل بها القرآن:
أيها الأخوة، ننتقل إلى موضوع آخر، وهو أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 2)
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً ﴾
( سورة طه الآية: 113 )
﴿قُرْآَناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾
( سورة الزمر الآية: 28 )
﴿فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً﴾
( سورة فصلت الآية: 3 )
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 3)
وآخر آية, قوله تعالى:
﴿حُكْماً عَرَبِيّاً﴾
( سورة الرعد الآية: 37 )
فالله سبحانه تعالى شرف هذه الأمة بأن جعل وحيه يتنزل باللغة العربية، وقد يسأل سائل: لماذا كانت العربية مشرفة بوحي السماء؟ الحقيقة أن الذي يدرس فقه اللغة يعلم علم اليقين أن الطرف الآخر الذي لا يحابي هذه الأمة إطلاقاً يعترف أن اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية، لكنها تضعف بضعف قومها، وتقوى بقوة قومها.
من خصائص اللغة العربية:
1- اﻹعراب:
أيها الأخوة, ما معنى اللغة العربية من أقوى اللغات الإنسانية؟ لها خصائص، من هذه الخصائص الإعراب.
إن الذي قتل زيداً هو عمرٌ، إذا قلت: قتل عمرٌ زيداً، ما دام رفعت عمر, إذاً: هو الفاعل، تتميز اللغة العربية بالإعراب، والإعراب في اختزال للمعاني، الضمة تعني أن هذا هو الفاعل، والفتحة تعني أن هذا المفعول به، فمن أولى خصائص العربية الإعراب، فلذلك الذي يقرأ العربية يفهم فيقرأ، في بعض اللغات الأخرى يقرأ فيفهم، أما نحن فينبغي أن تفهم حتى تستطيع أن تقرأ صحيحاً، هذا يحتاج إلى بديهة، وإلى أن تلقي نظرة إلى كلمة أو كلمتين قادمتين، كي تعرف أن هذا الفعل مبني للمجهول أو للمعلوم، وأن هذا هو الفاعل، لذلك تعد هذه اللغة من أرقى اللغات الإنسانية لأن فيها الإعراب.
2- الاشتقاق:
أخواننا الكرام، هناك ظاهرة الاشتقاق، اللغة العربية كلماتها كالأسرة، الجد هو المصدر، والأولاد الفعل الماضي والمضارع والأمر، والمجرد والمزيد، والزيادات لها معاني دقيقة، وزن فاعل غير فعل، وزن تفاعل غير فعل، وزن استفعل غير فعل، فصيغة استفعل لها معنى، على وزن استغفر، استرحم، استرشد، وفاعل فيها المشاركة قاوم، وناضل، وشارك واستكتب طلب الكتابة، فالأفعال لها أوزان، وأوزانها مجردة ومزيدة، وعندنا أحد أبناء الفعل الماضي، والفعل المضارع، والفعل الأمر، واسم المكان، واسم الزمان، واسم الآلة، والصفة المشبهة باسم الفاعل، واسم التفضيل، وعندنا صيغ كثيرة جداً، ثم صيغ مبالغة اسم الفاعل، فعول، فعيل، مفعال، عندنا اسم فاعل واسم مفعول، واسم آلة، واسم زمان، واسم مكان، وصيغة مشابهة اسم الفاعل، هذه كلها صيغ، فعندنا اللغة أسرة.
3- اتساعها في التعبير:
من خصائص العربية التي جعلها الله لغة لقرآنه اتساعها في التعبير, ضربت مثلاً مرة: هناك نظر, واستشف، يعني نظر مع التمطي، واستشف، نظر مع اللمس، و حدج، نظر مع المحبة، وفي الحديث الشريف:
(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ))
[ورد في الأثر]
هناك نظر مع الاستمتاع، نظرت إلى منظر جميل، تقول: رأى، رأى بقلبه، رأيت العلم نافعاً، رأيت الأمانة غنى.
هناك لاح، السماء ملبدة بالغيوم، وفيها فجوات، فلاحت طائرة، يعني ظهرت، ثم اختفت، وأنت تمشي في الطريق رأيت باباً مفتوحاً، التفت إليه، فإذا امرأة فغضضت البصر، أي لمح، لاح شيء، ولمح شيء.
الآن حدق؛ اتسعت حدقت العين، حملق؛ ظهر حملاق العين، باطن الجفن أحمر، شخص نظر مع الخوف، سمع انفجارًا، فخاف، نقول: شخص، نظر إنسان على تاجر المخدرات بازدراء، نظر شزراً، شخص، ولاح، ولمح، وحدق، وحملق، واستشف، ورأى، العربية واسعة جداً في التعبير، وكلما اتسعت اللغة في التعبير جاءت العبارة لطيفة، قال الله:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾
( سورة طه الآية: 18 )
ما معنى أهش؟ أضرب, لا، أشير, لا، هناك لمس، لكن ما فيها ضرب، معنى دقيق جداً، قال تعالى:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾
( سورة طه الآية: 18 )
إذاً: اللغة العربية متسعة بالتعبير.
4- الحروف تناسب بعض المعاني:
شيء آخر، الحروف فيها تناسب بعض المعاني، الحرف وحده فيه معنى، فكل كلمة فيها غين فيها اختفاء، غيبة، غاب، غريب، غيبوبة، وكل شيء فيه تكرار في راء، مر، جر، كر، خر، وكل كلمة فيها سين فيها شيء نفسي، حس، أنس، سر، سؤال، سرور، وكل كلمة فيها قاف فيه اصطدام طرق، لصق، سيدنا عمر, يقول: " تعلموا العربية فإنها من الدين ".
5- قابلة للاختزال أو الاختصار:
من هذه اللغة خصيصة أخرى، أنها قابلة للاختزال، لو وقف أربعة صحفيين ليأخذوا حديث مسؤول كبير باللغة العربية وحدها فقط يمكن أن تكتب كلامه، أما بأي لغة أخرى تحتاج إلى لغة أخرى اسمها لغة الاختزال، لن تستطيع بلغة أخرى أن تكتب ما يقال، إلا العربية بإمكانك أن تكتب ما يقال، عدد الحروف قليل، والمعاني كثيرة، والدليل اكتب باللغة الإنكليزية، محمد عشرة حروف، عدهم بالعربي أربعة حروف محمد( م ح م د )، لذلك هذه اللغة فيها اختزال.
المرأة لها جمال، أما الرجل فجماله فصاحته، فلا تعجب أن يدخل وفد على خليفة كبير كسيدنا عمر بن عبد العزيز يتقدمهم غلام، يغضب الخليفة، فيقول: أيها الغلام، اجلس وليقم من هو أكبر منك سناً، فيقول هذا الغلام: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكانت في الأمة أحق منك بهذا المجلس.
غلام آخر دخل على عبد الملك بن مروان، وكان من كبار خلفاء بني أمية، فوبخ حاجبه، وقال له: ما شاء أحد أن يدخل علينا إلا دخل, حتى الصبية, فابتسم هذا الغلام الصغير، وقال: أصلح الله الأمير، إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني، أصابتنا سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، ومعكم فضول أموال، فإن كانت لنا فعلامَ تحبسوها عنا؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا، وإن كانت لله فنحن عباده، فقال: والله ما ترك لنا هذا الغلام في واحدة عذراً.
سيدنا عمر يمشي في طُرق المدينة، أطفال عدة يلعبون، فلما رأوه هابوا وفروا، واحد منهم بقي واقفاً، لفت نظره، قال: يا غلام، لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير، لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
يعني ما الذي يمنع أن نعلم أبناءنا اللغة الفصحى؟ أن نعلمهم المطالعة، أن نعلمهم الكتابة، أن نعلمهم إلقاء الكلمات، لأن جمال الرجل فصاحته.
عدد اللهجات التي تكلم بها القرآن:
فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، لكن ورد أن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، يعني على سبع لهجات، ولكل قبيلة لهجة، وكان عليه الصلاة والسلام يخاطب الرجال بلهجاتهم، سأله مرة واحد: هل من أمبر أمصيام من أمسفر؟ يعني هل من البر الصيام في السفر؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام ليس من أمبرٍ أمصيامٌ في أمسفر، أجابه بلهجته، فتيسير على العرب الذين استقبلوا هذا الدين العظيم نزل هذا القرآن على سبعة أحرف، أي على سبعة لهجات.
لذلك قريش تسهل، وتميم تحقق, ما معنى ذلك؟ الهمزة إما أن تحقق، وإما أن تسهل، إذا قلت: ملايكة لهجة قريش، أما إذا قلت: ملائكة لهجة تميم، فتميم تحقق، وقريش تسهل، إذا قلت: تأريخ لهجة تميم، إذا قلت: تاريخ لهجة قريش، فكل همزة إما أن تحقق، وإما أن تسهل، بل إن كتابة الهمزة لها قاعدة تنتظمها، الهمزة تكتب على الحرف لو سهلت قرأ ذلك الحرف، تكتب الهمزة في بئر على نبرة، لو سهلتها تقول: بير، تكتب مؤمن على واو لو سهلتها تقول: مومن، تكتب تأريخ على ألف لو سهلتها تقول تاريخ.
إذاً: القرآن الكريم فضلاً عن أنه نزل عربياً نزل بلهجات العرب، وهذا تسهيلاً للذين أمروا أن يتلقوه بالإيمان والتعظيم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أقرأني جبريل القرآن على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
لكن هناك تعليق، الآن اللغة موحدة، أنا لا أرى حاجة كبيرة جداً إلى أن تقرأ كل القراءات، لأنه الآن نحن جميعاً, نقول: إبراهيم، لا داعي لأن تقول: إبراهام، هي قراءة، فالآن بعد ما توحدت اللغة فليس هناك من ضرورة أن تتحف الآخرين بكلمات غير مألوفة، مع أنها قراءات.
الحكمة الإلهية في اختيار الجزيرة العربية مكاناً لبعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام:
الحقيقة أن الذين يحسنون الكتابة كانوا قلة في مكة، وقلة في المدينة، والحقيقة أن الأمة التي اختارها الله لهذه الرسالة العظيمة أمة عاشت في الصحراء، وثقافتها محدودة جداً، وهناك حِكم قد لا نكشفها الآن، في هذه الأماكن الممتدة، وفي هذه الحياة البسيطة، ليس هناك نفاق، وليس هناك تعقيد، وليس هناك كذب، في بالصحراء حياة رائعة جداً، النبي أقرها، فيها المروءة، والشهامة، والشجاعة، والفصاحة، صفاء الذهن، وهناك حكم كثيرة أن الحياة ليست معقدة، تصور لو في هذا العصر جاء نبي، ماذا تقرأ في الأخبار؟ تصور الأخبار التي سوف تغطي ظهور نبي في هذا العصر، يتصلوا بعالم نفس, فيقول: هذا معه عقدة نفسية، يتصلون بعالم اجتماع، فيقول: هذا يحب أن يسيطر على مجموعة كبيرة، عنده شذوذ في علاقاته الاجتماعية.
أيها الأخوة، أحد كبار علماء النفس يتهم الأنبياء بالشذوذ، قال: لأنهم يحبون أن يجلسوا مع الرجال، لحكمة بالغة أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء في مكان، وفي زمان بسيط، لو أنه جاء في هذا الزمان لرأيت العجب العجاب من التكذيب والسخرية والاستهزاء، فلذلك لحكمة بالغةٍ بالغة كانت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام في بلاد بسيطة، وفي علاقات اجتماعية بسيطة.
كاتبو الوحي:
اشتهر أيها الأخوة من كتاب الوحي زيد بن ثابت، مع أنه أسلم بعد الهجرة، واقتصرت الكتابة بذلك على ما نزل في المدينة من كتاب الوحي زيد بن ثابت، ولم يكتب من السور المكية شيئاً، وأول من كتب آيات التنزيه من مكة المكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش رجل اسمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح، ممن كتب في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد، وأبان ابنا سعيد بن العاص ابن أمية، وحنظلة ابن الربيع الأسدي، ومعيقل ابن أبي فاطمة، وعبد الله ابن الأرقم الزهري، وشرحبيل ابن حسنة, وعبد الله ابن رواحة، وغيرهم، وكان أُبي ابن كعب هو أول من كتب له بالمدينة، هؤلاء كتاب الوحي، كتاب قليلون لكن هذا الكتاب كُتب.
الفرق بين معجزة النبي وبين المعجزات السابقة:
هناك موضوع ثالث لا بد من الإشارة إليه، وهو أن الكتب السماوية السابقة الله عز وجل أمر بحفظها بأمر تكليفي، ولا بد من التفريق بين الأمر التكليفي، والأمر التكويني, الأمر التكليفي لك أن تأتمر، أو ألا تأتمر، كما تقرأ لوحة: ممنوع المرور، والطريق سالك لك أن تسلك هذا الطريق مع أنه ممنوع، لكن إذا خالفت تدفع الثمن، ولك أن تأتمر، لكن الأمر التكويني فعل الله، والأمر التكليفي أمره، فالكتب السماوية السابقة أُمر الأنبياء بحفظها تكليفاً، والأنبياء حفظوها، والدليل:
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾
( سورة المائدة الآية: 44 )
حفظوها تكليفاً، لكن أتباعهم ما حفظوها، لذلك أضيف على الكتب السماوية السابقة ما ليس منها، فيها إضافة، وتبديل، وتحوير، وتزوير، ذلك لأن المعجزة منفكة عن الكتاب، لا يوجد علاقة بين الكتاب والمعجزة، سيدنا عيسى أحيا الميت، والإنجيل كتاب الله، سيدنا موسى جعل البحر طريقاً يبساً، وكتابه التوراة، لكن القرآن الكريم له استثناء خاص، ذلك أنه كتاب لكل البشر, قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 107)
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾
( سورة البقرة الآية: 119 )
وهو آخر الكتب، وسيبقى إلى يوم القيامة، حتى إن السيد المسيح يتلو القرآن الكريم حينما يعود إلى الحياة, قال تعالى:
﴿يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾
( سورة البينة الآية: 2-3)
فالقرآن الكريم لأنه كتاب لكل البشر، ولأنه كتاب ينبغي أن تكون معجزته فيه، معجزة النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن، فإذا فقد الكتاب معجزته فقد قيمته، لذلك تولى الله بذاته حفظ كتابه، فقال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
( سورة الحجر الآية: 9 )
أنت حينما آمنت بهذا الكون الذي ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، وحينما آمنت بأن هذا القرآن كلامه من خلال إعجازه، وحينما آمنت بأن هذا الذي جاء به نبيه من خلال كتابه أخبرك القرآن أن الله تولى حفظه، وأنا لا أريد أن أدخل في متاهة الأدلة التفصيلة على أن هذا الكتاب حُفظ، أن تعتقد أنه محفوظ، وأن الذي تقرأه الآن هو الكتاب نفسه الذي جاء نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه قضية إيمانية تؤكدها الآيات القرآنية، لذلك قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
( سورة الحجر الآية: 9)
المواضيع التي يضمها القرآن:
أيها الأخوة، هذا القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، والذي نزل على قلب سيد المرسلين، وهو آخر الكتب، نزل على آخر الأنبياء والمرسلين، هذا القرآن الموضوع الأول الذي عالجه هو التوحيد، لذلك يمكن أن تقول: إن كل الكتب السماوية جاءت بالتوحيد، والدليل:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 25)
والتوحيد ألا ترى مع الله أحدا، التوحيد أن ترى أنه لا معطي ولا مانع إلا الله، ولا خافض ولا رافع إلا الله، ولا معز ولا مذل إلا الله، والتوحيد أن تعتقد أن الله لم ولن يسلمك إلى غيره, قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
وبعد التوحيد جاء التشريع، ومعظم القرآن المكي يؤكد معنى التوحيد، ومعنى الربوبية، ويؤكد اليوم الآخر، ثم جاءت آيات التشريع في المدينة المنورة تتحدث عن المعاملات التي إن صحت صحت العبادات.
وإن شاء الله نتابع هذا الموضوع في درس قادم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الرابع العاشر )
الموضوع : فحوى الدعوة فى مكة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
بيان الحقيقة الكبرى التي جاء بها الأنبياء:
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ننتقل اليوم إلى فحوى الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة، وردود الفعل التي نتجت عن هؤلاء الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم.
أيها الأخوة، هذا الدين الإسلامي الذي من وحي السماء، لو أردنا أن نلخصه بكلمة واحدة, نقول: توحيد، إله واحد، هو الذي خلق الكون، هو المسير، هو الفعال، هو الرزاق، هو المحيي المميت، هو الباسط القابض، هو المعز المذل، هو المعطي المانع، هو المغني المفقر، هو الذي يمنح الصحة، هو الممرض، حينما تؤمن أن كل شيء بيد الله تكون قد عرفت حقيقة هذا الدين، هذا الدين دين التوحيد، نزل في بيئة تعبد أصناماً متعددة، أصناماً من صنع البشر, قال تعالى:
﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
( سورة الصافات الآية: 95- 96 )
مرةً عبدوا صنماً من تمر، فلما جاعوا أكلوه، في هذه البيئة التي تقوم على عبادة الأصنام، وهي أحجار لا تنفع ولا تضر، ولا تميت ولا تحيي، نزلت آيات القرآن الكريم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله عز وجل ينبغي أن يعبد وحده، وينبغي ألا يعبد معه إله آخر، إن كان ظاهراً، وإن كان باطناً، الوحدانية المطلقة هي القضية الأساسية التي قامت عليها دعوة الأنبياء، هذا الدين دين التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, بل إن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً هو التوحيد, قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 25)
ما هو سبب مشكلات العالم الإسلامي ؟
أيها الأخوة، الخوف من ضعف التوحيد، القلق من ضعف التوحيد، النفاق من ضعف التوحيد, المعصية من أجل الرزق من ضعف التوحيد، الأمراض النفسية على كثرتها من ضعف التوحيد.
أيها الأخوة، لو أن طفلاً ارتفعت حرارته، وأخذناه إلى طبيب أعطاه خافضا للحرارة، نقول: ليس هذا بالطبيب، لأن ارتفاع الحرارة عرض من أعراض مرض التهابي إنتاني، فإذا لم يعالج أصل المرض فلا يعد هذا الطبيب طبيباً.
مشكلات العالم الإسلامي اليوم لا تعد ولا تحصى، يتوهمها بعضهم أمراضًا اجتماعية، والحقيقة هي ليست أمراضًا اجتماعية، هي في مجموعها أعراض لمرض واحد، إنه البعد عن الله، وضعف التوحيد، لماذا يعصي الإنسان الله من أجل الرزق؟ لأن توحيده ضعيف، لأنه رأى أن الرزق بيد فلان، لماذا يزل الإنسان؟ من ضعف التوحيد، لماذا ينافق؟ من ضعف التوحيد، لماذا ينخلع قلبه خوفاً؟ من ضعف التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, لذلك لو تتبعتم آيات القرآن الكريم، تجد دعوة كل نبي هي:
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 32 )
الإنسان خلق عبداً لله لا لغيره:
أيها الأخوة، قريش تعبد اللات والعزى، تعبد آلهة منتصبة في الحرم المكي، والكعبة من آثار سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فقوم يعبدون آلهة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تنفعهم ولا تضرهم، ولا ترزقهم، ولا تحييهم ولا تميتهم.
الإنسان أيها الأخوة لا يليق به أن يكون لغير الله، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، لكن الإنسان لله وحده،
(( عبدي خلقت لك ما في السموات والأرض، ولم أعيَ بخلقهن، أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
إليكم هذه القصة نستنبط منها معاني التوحيد:
أيها الأخوة, كإسقاط على حياتنا اليومية، لا يمكن أن تسعد إلا إذا كنت موحداً، لا يمكن أن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً، لا يمكن أن تكون جريئاً إلا إذا كنت موحداً، لا يمكن أن تشعر بقيمتك الإنسانية إلا إذا كنت موحداً.
لما الحسن البصري قام بمهمة العلماء التي أوكلت إليهم، وهي التبيين، والذي قاله في الحجاج وصل إليه، فقال لجلسائه: يا جبناء، والله لأروينكم من دم، وأمر أن يؤتى به ليقطع رأسه، وجيء بالسياف، ومد النطع، وأرسل الجنود ليأتوا بالحسن البصري، وهو جالس يتميز غضباً، دخل الحسن البصري، فرأى السياف والنطع، وعرف القصة كلها، جاء ليقطع رأسه، وتوجه إلى الله الذي بيده كل شيء, قائلاً: يا مؤنسي في وحشتي، يا ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، ودخل فإذا بالحجاج يقول له: يا أبا سعيد، تعال إلى هنا، وما زال يقربه حتى أجلسه إلى جانبه على السرير، وسأله بعض الأسئلة، وودعه إلى باب القصر، وقال: يا أبا سعيد، أنت سيد العلماء، ما الذي حصل؟
ماذا نفهم من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟
أيها الأخوة، أضع بين أيديكم حقيقة خطيرة، ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن ))
[أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح ]
لماذا يصف النبي أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن؟ من أجل أن تطمئن، هذا الذي تخافه قلبه بيد الله، هذا الذي تخشى أن يبطش بك قلبه بيد الله، لذلك أن تكون قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن من أجل أن تكون في اطمئنان, قال تعالى:
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
( سورة طه الآية: 45- 46 )
فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النازعات الآية: 24)
فرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
بكل جبروته وقوته، وبكل وزنه، وبكل ظلمه ما استطاع أن يقنع امرأته أن تعبده من دون الله، لمَ لم يقتلها؟ ما الذي منعه؟ مع أن قتل الإنسان سهل عليه، الأمور بيد الله, كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً.
ما هو مفهوم التوحيد الصحيح ؟
أيها الأخوة، أنا مضطر أن أقول هذه الحقيقة: التوحيد كفكرة واضح، التوحيد كفكرة من السهل أن تستوعبها، لكن أن تعيش التوحيد هذا شيء كبير، من معايشة التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن يد الله وحدها تعمل في كل شيء، أن ترى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
أن ترى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
( سورة آل عمران الآية: 128 )
أن ترى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف الآية: 26 )
أن ترى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
أن ترى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
أن ترى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد الآية: 19 )
أن ترى: ﴿فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
ما هو الشرك الخفي ؟
أيها الأخوة، 95 % من المسلمين لا يرون أن الأمر بيد الله، يرون بيد زيد أو عبيد، وفلان بإمكانه أن يعطي أو أن يمنع، أن يقرب أو أن يبعد، أن يرفع أو أن يخفض، لذلك الناس على أنهم مسلمون يعبدون آلهة من دون الله بشكل غير مباشر، وهذا معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم, يقول:
(( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، أما إني لست أقول: إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله ))
[ورد في الأثر]
يقول الإمام علي رضي الله عنه: " الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء ".
نملة سمراء تمشي على صخرة صماء، في ليلة ظلماء، هل لها صوت؟ الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، أدناه أن تحب على جور، لك قريب غني, وهو ظالم لكنك تحبه، لأنك إذا زرته قدم لك الهدايا الثمينة، وإن دعاك إلى بيته أطعمك أطيب الطعام، وإن رافقته في نزهة أنفق عليك المال الكثير، تحبه مع أنه ظالم، هذا شرك، وأدناه أيضاً أن تبغض على عدل، إنسان نصحك بكل أدب فتبغضه، كيف تجرأ عليك؟ هذا من الشرك.
ملخص التوحيد:
أيها الأخوة؟ ليس إلا الله، مهما تعمق الإنسان فيها لا ينتهي، هناك أشخاص مخيفون في الحياة، هناك أسلحة فتاكة، وأمراض عضالة، وفيروسات قاتلة, قال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
( سورة الفلق الآية: 1-2 )
لكن كل هذه التي خلقها الله ـ دقق: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
( سورة الزمر الآية: 62)
بيده إن أراد وصلت إليك، وإن أراد أبعدها عنك، علاقتك معه، وليست مع الأشياء المخيفة.
أيها الأخوة، كلما تعمقت في التوحيد امتلأ قلبك أمناً, قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 81-82)
كلما تعمقت في التوحيد توكلت على الله، كلما تعمقت في التوحيد رضيت نفسك، كلما تعمقت بالتوحيد ازدادت عزتك،
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس, فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ورد في الأثر
الصدمة التي فوجئت بها قريش:
أيها الأخوة, بلد يعبدون الأصنام، وآلهة عديدون، فيأتي نبي كريم, ويقول: إن هم إلا أوهام في أوهام، وليس إلا الله الواحد الديان، لا إله إلا الله، هؤلاء القوم دهشوا، وصعقوا لهذه الدعوة التوحيدية، عندهم آلهة كثيرون، فإذا فحوى دعوة النبي أن الإله واحد، هم يعتقدون أن هذه الحياة:
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾
( سورة المؤمنون الآية: 37 )
ليس ثمة غيرها, قال تعالى: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾
( سورة المؤمنون الآية: 37 )
موقف النبي من ردة فعل قريش:
فإذا بهذا النبي الكريم يقول: لا، الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية، الحياة الآخرة هي الحياة الأبدية، الحياة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الحياة الآخرة أساسها التكريم, قال تعالى:
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
الحياة الآخرة ليس فيها تعب ولا نصب، ولا فقر ولا مرض، ولا زوجة سيئة ولا ولد عاق، ولا جار مزعج، ولا إنسان ظالم، الحياة الآخرة نعيم مقيم,
(( أعددت لعبادي الصالحين ـ دققوا ـ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))
[ أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح ]
لذلك لم يصدقوا، قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 37 )
الأسئلة التي تتفجر على ألسنة الشاردين عن اليوم الآخر:
أيها الأخوة، لو أغفلنا الدار الآخرة لتفجر مليون سؤال، لماذا فلان غني وفلان فقير؟ لماذا فلان بيته أربعمئة متر، وفلان لا يجد غرفة في رأس الجبل يتزوج فيها؟ لماذا إنسان يأمر بقتل شعوب بأكملها، ويتصدر في المجالس، ويتبجح ويتغطرس، وأناس يموتون قهراً؟ إذا لم يوجد آخرة، يتفجر مليون سؤال.
فلذلك، ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن الكريم كركني التوحيد واليوم الآخر، في اليوم الآخر تسوى الحسابات، في اليوم الآخر يؤخذ للمظلوم من الظالم، وللمغتصب ماله من المغتصب، في اليوم الآخر يؤخذ كل ذي حق حقه.
الأسلوب الذي كان يستخدمه رسول الله في بيان دعوته:
أيها الأخوة, دائرة المرئيات محدودة، لعلك زرت بضع مدن في العالم، لكن دائرة المسموعات, تستمع في الأخبار إلى مئتي مدينة، أما دائرة الخواطر فلا تنتهي، أي شيء واقع أو غير واقع خاطر.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يستخدم أسلوب التصوير، كيف بين الفرق بين الدنيا والآخرة؟ اذهب إلى مدينة الساحل، ولتكن اللاذقية، واركب قارباً، وأمسك بإبرة، واغمسها في الماء، واسحبها بما رجعت بماء البحر, قال عليه الصلاة والسلام:
(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه ))
[ورد في الأثر]
يقول الله لنا, وهو خالق الأكوان:
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
( سورة النساء الآية: 77 )
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
( سورة الإنسان الآية: 27)
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾
( سورة الضحى الآية: 4-5)
لمن أعطى الدنيا, وماذا أعطى من أحبه ؟
أحد الأشخاص كان صالحاً، قال له أحدهم: لقد اغتبتني، قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك.
أنت حينما تعلم أن هذا الذي تغتابه سيأخذ حسناتك يوم القيامة، فضلاً عن وحدانية الإله والإيمان باليوم الآخر، تقذفه ضربتين, هذه الحياة الدنيا لا قيمة لها، كما قال سيدنا علي: " فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا " سيدنا محمد ما رأى أوربة، ما رأى أمريكا، ما رأى هذه المدن الجميلة، ما رأى هذه الحضارة المادية الرائعة، حياته خشنة جداً، غرفته لا تتسع لنوم زوجته وصلاته، فكان إذا أراد أن يصلي يجب أن تزيح زوجته جسمها عن مصلاه، فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، " فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا " الله أعطى الدنيا لمن لا يحب، أعطاها لقارون، أعطاها لفرعون، أما الذي يحبهم ماذا أعطاهم؟ قال:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
( سورة القصص الآية: 14 )
هل نستطيع أن نقدر كلمة عظيم التي وردت في القرآن الكريم ؟
أخوانا الكرام، هناك آية لا أعرف مدى تأثركم بها، كنت أمهد لها بتمهيد بسيط، أن طفلا قال لك: معي مبلغ عظيم، يعني 200 ليرة، موظف بالبنتاغون, قال: نحن أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً 200 مليار دولار، كلمة عظيم نفسها قالها طفل، فقدرتها بـ 200 ليرة، وقالها مسؤول كبير بالبنتاغون فقدرتها بـ 200 مليار دولار، كم تقدر كلمة عظيم من خالق السموات والأرض؟ قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 113)
الكسب الحقيقي أن تعرف الله،
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ورد في الأثر]
مجتمع قريش التي كانت تعيشه قبل البعثة , وبيان ردة فعلها من دعوة النبي:
أيها الأخوة, أعيد للمرة الثالثة, الإله واحد، وهناك يوم آخر، حياة أهل قريش ما فيها قيد أو شرط، شرب الخمر، زنا، أنواع الزنا لا تعد ولا تحصى، الزوج يقول لزوجته: اذهبِي إلى فلان، واستبضعي منه، فلان قد يكون ذكيًّا، لعله يأتينا غلام منه، المرأة لها عشرة أزواج، حينما تنجب ولداً, تقول: هذا ابن فلان، أنواع الإباحية في الجاهلية لا توصف، ربا مخيف، فإذا بهذا الدين الجديد يحرم عليهم الخمر، والزنا، والميسر، والربا.
لذلك طار صوابهم، واختل توازنهم، كيف أن هذا النبي العظيم تحمل هذه الدعوة؟ إله واحد، وهناك آخرة، وهناك محرمات، لكن طبقية مجتمع مكة لا تحتمل، هناك سادة وعبيد، العبد ليس له أي شيء إلا القهر والقتل، والعمل بلا مقابل، فإذا بهذا الدين يساوي السادة مع العبيد، كلكم من آدم وآدم من تراب، الناس سواء كأسنان المشط .
غير معقول، إله واحد، وهناك آخرة، ومحرمات، وما لنا ميزة على هؤلاء، كانت قريش تمنع العرب أن يطوفوا حول البيت بثيابهم، تأمرهم أن يطوفوا عراة، هكذا مزاجها، قريش تشبه الآن القطب الواحد، يجب أن يأتمر كل العرب بأمره، إله واحد، يوم آخر، محرمات، ومساواة، لا، هؤلاء الضعفاء لهم حق في أموالكم, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
( سورة المعارج الآية: 24-25 )
انظر إلى الفرق بين دعوة النبي وبين منطق الكبار:
أيها الأخوة, عندئذ طار صواب قريش، ما تحملوا ذلك، راودتهم فكرة أن يأتوا مجلس النبي، ولكن هناك سوقة عنده، وضعفاء، وعبيد، وفقراء، هم علية القوم، هم الأغنياء، هم الأقوياء، هم الآمرون، هم الناهون، فقالوا: إن لم يكن من بقائهم بد فليكونوا في مؤخرة الصفوف، لنا يوم ولهم يوم.
الآن بالمفهوم المعاصر، إنسان من الطبقة المخملية، لا يجلس مع إنسان ينظف الطرقات، مستحيل، في كبر، في المرحلة الأولى رفضوا أن يأتوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم قالوا:
﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾
( سورة هود الآية: 27 )
ما هو رد القرآن على التفاوض الذي اقترحته قريش مع النبي بشأن المستضعفين ؟
أيها الأخوة, بعد هذا قبلوا يومًا لهم، ويومًا لهؤلاء، ثم قبلوا أن يجلس هؤلاء وراء الصفوف، فإذا بالوحي العظيم, يقول:
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 52 )
ديننا دين المساواة، دين الفطرة، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى.
موقف للنبي أراد أن يرسخ في أمته هذا المبدأ:
مرة أحد أصحاب النبي في ساعة غفلة, قال لعبد أسود: يا ابن السوداء، فغضب النبي، فحتى يسترضي النبي، أبى إلا أن يضع رأسه على الأرض ليدوس على رأسه هذا العبد الأسود، هذا الإسلام، هذا الدين، ليس فيه طبقية، ما من إنسان أحسن من إنسان إلا بالتقوى, قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
ورد في بعض السير أن أبا سفيان وقف في باب عمر، فلم يؤذن له، أما صهيب وبلال فيدخلان ويخرجان بلا استئذان، وهو سيد قريش وشريف مكة، فلما دخل عليه عاتبه يقول له: أبو سفيان يقف في بابك وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان, قال له: يا أبا سفيان أنت مثلهما؟ هذا مجتمع آخر.
والله الذي لا إله إلا هو ما لم نحكم هذه القيم لن نستحق نصر الله عز وجل، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
فحوى الدعوة الإسلامية:
أيها الأخوة، الذي ينبغي أن نعلمه جميعاً أن هذه الدعوة التي أساسها التوحيد، وأساسها الإيمان باليوم الآخر، وأساسها افعل ولا تفعل، عندنا أمر، عندنا فرض، واجب، سنة مؤكدة، سنة غير مؤكدة، مستحب، مباح، شيء مكروه تنزيهاً، شيء مكروه تحريماً، حرام، هناك منهج، إله واحد، ويوم آخر، افعل ولا تفعل، والناس سواسية كأسنان المشط، وهناك أموال الأغنياء حق للفقراء، هذه الخطوط الكبيرة للدعوة الإسلامية، وكلها تتناقض مع طبيعة من نزل عليهم الوحي، وكلها تتناقض مع من توجه الوحي إليهم ليهديهم سواء السبيل.
هل هناك فرق بين الجاهلية الأولى وبين جاهلية هذا العصر ؟
أيها الأخوة الكرام، أخطر شيء في حياة المسلمين الشرك الخفي، صدقوا أيها الأخوة ليس هناك 5 % من المسلمين يدخلون اليوم الآخر في حساباتهم، يقول لك بلسانه: أنا مؤمن باليوم الآخر، أما سلوكه فلا يتضح هذا الإيمان، يأكل مالاً حرام، يعتدي على أعراض الناس، ولو بالنظر والكلام، يأخذ ما ليس له، يغتاب، فإذا آمنا بالله الإيمان الحقيقي فينبغي أن نستقيم على أمره.
فالجاهلية التي رافقت ظهور الإسلام سماها الله الجاهلية الأولى، ما معنى أن يسميها الجاهلية الأولى؟ المعنى أن هناك جاهلية ثانية نعيشها الآن، لذلك:
(( بدء الدين غريباً ويعود كما بدء، فطوبى للغرباء، أناس صالحون في قوم سوء كثير ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
إلى غد إن شاء الله:
أيها الأخوة، في درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الموضوعات، ونتابع الاستنباطات، ونلقي الضوء على حياتنا التي نحن في أمس الحاجة فيها إلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الخامس العاشر )
الموضوع : السيرة النبوية تعد من السنة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
ما هي الحكمة من الصراع بين الحق والباطل ؟
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا بد من كلمة بين يدي الموضوع السيرة النبوية تعد من السنة، لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أقواله وأفعاله وإقراره، وأفعاله هي تشريع، ونحن حينما نقف وقفة متأنية عند سيرته نكتشف من سيرته قواعد ينبغي أن نتبعها كي نسلم في الدنيا ونسعد، فلذلك المقصود من فقه السيرة أن نستنبط منها القواعد حتى تكون منهجاً لنا في حركتنا في هذه الحياة.
في الدرس الماضي بينت كيف أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قامت على التوحيد، وقامت على المساواة بين البشر، وقامت على بعض التكاليف؟ وهو الأمر الذي أثار قريش لذلك تحركت، ماذا فعلت؟ جاء أشراك إلى أبي طالب, فقال: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل أبناءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخل بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه.
إذاً: أي إنسان دعا إلى الله بإخلاص وصدق وشفافية كما يقولون يجب أن يوطن نفسه على أن يلقى معارضة، وهذه المعارضة ثمن الجنة، لولا الصراع بين الحق والباطل لما كانت جنة، ثمن الجنة أن تقبل التحدي، وأن تستعين بالله عز وجل، فقالوا: إما أن تخلي بيننا وبينه، وإما أن نكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً، وكان حكيماً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله.
الخطط الكيدية التي رسمتها قريش لمنع دعوة الرسول من الانتشار بين أفرادها:
الخطط الكيدية التي رسمتها قريش لمنع دعوة الرسول من الانتشار بين أفرادها:
1- استعانة قريش بأبي طالب للضغط على ابن أخيه لوقف الدعوة:
أيها الأخوة, فذهب الوفد لما تابع النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وأبو طالب ردهم رداً جميلاً، ولم يحرك ساكناً، عاد الوفد إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا، وسفه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.
الآن أبو طالب تأثر، هذا اسمه تصعيد، صعدوا الخصومة، أدخلوا أبا طالب كطرف في النزاع، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً لتسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه، فدعا أبو طالب ابن أخيه محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، وقالوا لي كذا وكذا، فأبقي علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ))
, ثم بكى النبي عليه الصلاة والسلام.
[ورد في الأثر]
بالتعبير المعاصر النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا كيف نكون رجال مبادئ؟ الرجال نوعان؛ رجال مصالح، ورجال مبادئ، وما أكثر رجال المصالح، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، أما رجل المبدأ لا يستجيب لا للضغوط ولا للمغريات، ولا يستجيب لسياط الجلادين اللاذعة، ولا لسبائك الذهب اللامعة، رجل مبدأ.
ما هو المطلوب من المسلم في هذا العصر ؟
أخواننا الكرام، أتمنى على كل مسلم في هذه الأيام في مجموعة نقاط في حياته اسمها الثوابت، هذه لا تخضع لا للحوار ولا للمساومة، ولا لأنصاف الحلول، المؤمن يقول كلمة لا بملء فمه، هذا المؤمن، وكذلك المؤمنة، امرأة فرعون، فرعون بطغيانه، وجبروته، وادعائه الألوهية لم يستطع أن يقنع زوجته أن تعبده من دون الله، قالت:
﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
( سورة التحريم الآية: 11 )
هذا الإنسان الإمعة سريعاً ما ينهار، سريعاً ما يبدل، سريعاً ما يغير، يقبل المساومة، يقبل أنصاف الحلول، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، هذا الإنسان لو هناك مئة مليون منه كأف، والواحد من أصحاب رسول الله كألف.
سيدنا خالد معه ثلاثون ألف مقاتل، واجه ثلاثة مئة ألف، فطلب النجدة من أبي بكر، وهو يعتقد أن يرسل له خمسين ألفًا، فجاء المدد واحد، اسمه القعقاع بن عمر، قال له: يا قعقاع، أين المدد؟ قال: أنا المدد، قال له: أنت ؟! قال له: أنا، وهذا الكتاب من أبي بكر، قرأ الكتاب، قال: والله يا خالد، والذي نفس محمد بيده، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
واحد كألف، والألف كأف، حال واحد في ألف أقوى من قول ألف في واحد، ألف إنسان متكلم لا يستطيعون أن يؤثروا بواحد، وواحد موصول بالله عز وجل يؤثر بألف.
يا ترى إذا ترك الإنسان المسلم شيئاً لله هل يمكن أن يضيعه ؟
أيها الأخوة, في حياتنا المعاصرة عُرض عليك صفقة أرباحها فلكية، لكن المادة محرمة، أو الطريقة محرمة، أو الأسلوب محرم، هل تقول: معاذ الله؟ وتضع هذا الربح الكبير تحت قدمك، عندئذٍ تنال الدنيا والآخرة، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له ومالنا,
(( ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))
[ورد في السيرة]
والله هناك قصص لا تعد ولا تحصى في تاريخ الدعوة، مؤمن صادق أمامه إغراء كبير، تحل بهذا المبلغ كل مشكلاته، لكن فيه شبهة، يضع هذا الثمن تحت قدمه، ويقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، والله تأتيه الدنيا وهي راغمة، والله زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق هذه المقولة لرسوله، (( ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))
فتاة يأتيها خاطب لا يصلي، ولا يلتزم بأوامر الدين، لكنه غني، وتقول: معاذ الله، أريد رجلاً مؤمناً يحفظ إيماني، ويعينني على أمر ديني، هذه الفتاه بهذا الموقف الصلب لا تستحق من الله أن يأتيها رجل من أعلى مستوى.
موقف أبو طالب من فعل النبي بعد عرض عليه رأي قريش بهذا الأمر:
أيها الأخوة, فلما ولى النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بكى ناداه أبو طالب، أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبداً ـ أخذ قرارًا ـ.
هذه القصة تبين قيمة المواقف المبدئية، أنت إنسان، وأنت لله، وكل شيء بيد الله، حياتك بيده، رزقك بيده، من هم فوقك بيده، من هم دونك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، صحتك بيده، الشرايين التاجية في قلبك بيده، أجهزتك بيده, كل شيء بيده، فلذلك المؤمن يرضي جهة واحدة ولا يعبأ بالباقين, قال تعالى:
﴿ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
( سورة يوسف الآية: 39 )
إذاً: أول حركة من حركات قريش أنها أتت أبا طالب كي يضغط على ابن أخيه ليكف عن دعوته، هذه المحاولة أخفقت.
2- عمدت قريش إلى إنزال الأذى والتعذيب بالمستضعفين:
الآن طبقوا خطة ثانية، عمدوا إلى المستضعفين في الأرض من المسلمين، أنزلوا بهم من الأذى والاضطهاد والتعذيب الشيء الكثير، أمر عليه الصلاة والسلام هؤلاء المستضعفين الفقراء الذين نكلت بهم قريش، بالهجرة إلى الحبشة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: لأنها أرض صدق بها ملك لا يظلم أحداً، فهاجر عدد من الرجال والنساء في السنة الخامسة، ثم لحق بهم مهاجرون آخرون بعد بضعة شهور، حتى وصلوا إلى 83 رجلاً مع بعض النساء، أن تنعم بالإسلام في هذه البلدة، وأن تنشأ هذه المساجد، وأن تقام هذه الدروس، بفضل أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين تركوا مكة، وهاجروا إلى أرض الحبشة خائفين.
وصف النبي لزماننا كما ورد في الحديث دليل صدقه:
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:
(( اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجره سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))
[ورد في الأثر]
أخوانا الكرام، نحن في هذا الزمان وصفه النبي وصفاً رائعاً, قال:
(( كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف، ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون ))
[ورد في الدنيا]
شاعر في عهد سيدنا عمر دخل السجن, لأنه قال في واحد:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فأنت الطاعم الكاسي
هذا البيت الذي دخل من نظمه السجن شعار كل إنسان الآن:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فأنت الطاعم الكاسي
قال له: أتزوجني ابنتك، قال له: أعندك بيت؟ قال: عندي بيت، قال: ائتني بالسندات الرسمية لملكية البيت، جاءه بالسند، قال له: عندك عمل؟ قال: عندي معمل، قال: ائتني برخصة المعمل، وعليها اسمك، فجاءه بالترخيص الصناعي، وعليها اسم الخاطب، قال له: عندك مركبة؟ قال له: عندي، قال: ائتني برخصة المركبة، أب من أعلى درجة بالوعي، شاب وسيم، بيت بملكه، مركبة بملكه، معمل باسمه، وافق، الآن في مرحلة الخطوبة، كان عند عمه في محله التجاري، ودخل بعض التجار، وقال: هذا صهري, خاطب ابنتي، فتغير لون أحدهم، فانزوى به جانباً، وقال: كيف هذا صهرك؟ قال له: صهري، قال له: هذا ليس مسلماً، تعال إلى هنا، قال له: أنت ما سألت عن ديني أبداً، سألتني عن البيت والمعمل والمركبة، ولم تسألنِي عن ديني.
أيها الأخوة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: (( العبادة في الهرج ـ في زمن الفتن ـ كهجرة إلي ))
[ أخرجه أحمد في مسنده]
الشاب التائب والشابة التائبة التي تركل بقدمها كل مغريات الأزياء، وتحتشم، وتتحجب، والله هي مهاجرة في سبيل الله, (( إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
3- إرسال وفد إلى النجاشي لطرد هؤلاء من الحبشة وتسليمهم لقريش:
التاريخ يعيد نفسه، قريش خافت من أن ينتشر الإسلام خارج مكة، فأرسلت رجلين إلى النجاشي ملك الحبشة محملين بالهدايا القيمة بغية استعادة المهاجرين إلى مكة، فلما طلبا من النجاشي تسليمهم، استدعاهم النجاشي وسألهم عن أمرهم، فتحدث نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وعرض بإيجاز جوهر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بياناً لسيدنا جعفر في تعريفه للإسلام للنجاشي:
أيها الأخوة، كلمات سيدنا جعفر تكتب بماء الذهب، قال:
(( أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته, وعفافه ))
[أخرجه أحمد عن أم سلمة في مسنده]
أيها الأخوة، الصدق والأمانة والعفاف أركان الأخلاق، إن تكلم فهو صادق، إن عاملته فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباءنا من الحجارة والأوثان، هذا تعريف الإسلام من صحابي جليل، أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، هذا الإسلام، الإسلام مكارم أخلاق بعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر وخيره وشره، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك بالخلق زاد عليك في الإيمان,
(( وإنما بعثت معلم ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر في سننه ]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده ]
العبادات الشعائرية إن لم تسبقها عبادات تعاملية لا قيمة لها:
أخواننا الكرام، الصلاة التي هي عماد الدين، تسقط حينما لا تكون أخلاقياً، كيف؟ سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه:
(( أتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله! من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ في النّار ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح ]
(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثورا, قيل: يا رسول الله! جلهم لنا، قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))
[ورد في الأثر]
الصلاة طارت.
الحج: (( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))
[ورد في الأثر]
الحج طار.
الصيام: (( من لم يدع قول الزور، والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))
[أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة ]
(( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ))
[ أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة في سننه]
طار الصيام.
بقيت الزكاة:
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة الآية: 53 )
بقيت الشهادة: (( من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))
[ورد في الأثر]
ألا تكفي هذه الأدلة حتى تتيقن أن العبادة الشعائرية إن لم تسبقها عبادة تعاملية لا قيمة لها، ولا يقبلها الله عز وجل وقد تسقط, لذلك الدين مجموعة قيم أخلاقية.
إليكم توضيح هذه الحقيقة:
لأوضح لكم الحقيقة, حينما قال عليه الصلاة والسلام:
(( بني الإسلام على خمس ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
أركان الإسلام هي الأعمدة، وليس الإسلام، الإسلام هو البناء الأخلاقي، هذا كلام سيد الفصحاء، كلام مبعوث العناية الإلهية, كلام سيد الخلق، وحبيب الحق،
(( يا رسول الله! إن فلانة ـ دققوا ـ تكثر من صلاتها ـ الفرائض والضحى والأوابين وقيام الليل ـ وصدقتها، وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار ))
[أخرجه الترمذي في سننهئ
(( دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
النمام لا يدخل الجنة، العبادات الشعائرية لا تصح، ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، هذا كلام سيدنا جعفر،
(( أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))
[أخرجه أحمد عن أم سلمة في مسنده]
4- عمدت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة بحق النبي ودعوته:
الآن لجأت قريش إلى أسلوب آخر، أولاً لجؤوا إلى أبي طالب فلم ينجحوا، ولجؤوا إلى تعذيب الضعفاء من قريش فهاجروا، أرسلوا وفداً لاسترجاعهم فلم يفلحوا، الآن لجأت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة، لصد الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحملة الإعلامية، التاريخ يعيد نفسه, من هذه الاتهامات:
1- أنهم اتهموه بالجنون، وفي ذلك قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾
( سورة الحجر الآية: 6 )
يستطيع مواطن بأي دولة بالعالم الثالث, يقول لمن يقف على رأس هذه الدولة: مجنون، وينام في بيته, ماذا نستنبط؟ أن يقول هؤلاء لسيد الخلق وحبيب الحق: إنك لمجنون معنى ذلك أنه ضعيف، أليس كذلك؟ قال تعالى:﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾
( سورة الحجر الآية: 6 )
ما الحكمة من كون النبي ضعيفاً ؟
فما الحكمة من كون النبي ضعيفاً؟ لأن القوي لو جاء بهذه الرسالة لدخل الملايين المملينة بيوم واحد فيها، لا إيماناً، ولا حباً بالله، ولا طاعةً له، ولا عبادة له, وإنما خوفاً وطمعاً فقط، لو أن الأنبياء أقوياء لسقطت دعوتهم، الأنبياء ضعاف، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، بل:
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
قل:
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
( سورة هود الآية: 31 )
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 15 )
لا يعلم الغيب، ولا يملك لهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم، حكمة أن يكون النبي ضعيفاً، ليكون الإيمان به حقيقياً، ما عنده شيء يعطيه لمن يؤمن به، الناس لا يخافونه ولا يرجونه، لذلك الذي يؤمن برسول الله، وهو ضعيف، هذا أعلى درجة من الإيمان، لا يبتغي نفعاً، ولا يخاف ضيماً، إنما آمن بالله، وآمن برسوله، لأنه فعلاً رسوله، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾
( سورة الحجر الآية: 6 )
رد القرآن على هؤلاء المتغطرسين المستكبرين:
الله عز وجل رد عليهم، فقال:
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾
( سورة القلم الآية: 3 )
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾
( سورة هود الآية: 28 )
وفي آية ثانية:
﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾
( سورة القلم الآية: 51)
من هو المجنون ؟
النبي الكريم رأى في الطريق مجنون, فسأل سؤال العارف, فقال: من هذا؟ قالوا: هذا مجنون، قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله، هذا هو المجنون، وقد يسأل سائل: فلان معه دكتوراه، هذا ذكي وليس عاقلاً، أما إدراك شمولي بسر وجودك، وغاية وجودك، وطريق سلامتك، وسعادتك هذا العاقل، لذلك ما كل ذكي بعاقل، قال تعالى:
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾
( سورة القلم الآية: 3 )
2- اتهموه بالسحر، وفي ذلك قوله تعالى:
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾
( سورة ص الآية: 4 )
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 8 )
سؤال دقيق، قالوا: ساحر، وقالوا: كذاب، وقالوا: مجنون. ما الحكمة من هذه الإشاعات التي كانت تهدف بالنبي ؟
لماذا أثبت الله اتهام كفار قريش لرسول الله بأنه مجنون، وبأنه ساحر، وبأنه كذاب، ما الحكمة؟ لو ما جاءت في القرآن, القضية انطوت, لكن هذا أعلى إنسان بالأمة، أعلى إنسان بين بني البشر، سيد ولد آدم، سيد الخلق وحبيب الحق، فلماذا أثبت يا رب أنه مجنون في كتابك؟ هذا مواساة للدعاة إلى يوم القيامة، إذا اتهمت بأنك لست حضارياً, إذا اتهمت بأنك متزمت، إذا اتهمت بأنك غيبي، تبحث فيما وراء الطبيعة، إذا اتهمت بأنك محدود، سيد الخلق وحبيب الحق اتهم بأنه مجنون، وأثبتها الله في القرآن الكريم, فهو قدوة لك.
لماذا تتهم السيدة عائشة، وهي زوجة سيد الخلق، وهي الطاهرة العفيفة بأنها زانية في حديث الإفك، لماذا؟ من أجل أية مؤمنة إلى يوم القيامة اتهمت وهي بريئة، لها بالسيدة عائشة أسوة حسنة، لماذا دخل نبي كريم السجن؟ سيدنا يوسف، من أجل كل سجين بريء، اتهم ظلماً، مواساة له، لماذا كان ابن سيدنا نوح عاق؟ إكراماً لكل أب قدر الله له ابن سيئاً، لماذا كان والد سيدنا إبراهيم سيء مشرك، قد يواجه شاب أن أبوه سيء لا يصلي، يحارب الدين, يحارب الابن الذي يصلي، مواساة لهذا الشاب، هناك نبي زوجته سيئة جداً، امرأة لوط, قال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾
( سورة التحريم الآية: 10 )
الذي عنده زوجة سيئة يمكن أن يكون هذان النبيان أسوة له، الذي عنده عقم، سيدنا زكريا كان عقيما، سيدنا أيوب كان مريضا، الله عز وجل جعل الأنبياء نماذج إنسانية.
الحيرة التي انتابت الوليد بن المغيرة بشأن النبي عند مساءلة وفود العرب عنه:
الآن قد اقترب موسم الحج، فالوليد بن المغيرة خاف أن ينتشر خبر هذه البعثة، وهذا القرآن بين القبائل التي تأتي للحج، فتضعف مكانة قريش، أخذهم الهم، ماذا نفعل؟ ماذا نقول؟ لذلك قال لهم الوليد: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وأن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، أرادوا أن يتفقوا على رواية إذا جاءهم الوفد يعطونه إياها، طبعاً استبعدوا أنه كاهن، واستبعدوا أنه شاعر، إلا أنهم اتفقوا على أن يقولوا: إنه ساحر، لأنه يفرق بين الأقارب، فأنزل الله في الوليد, قال تعالى:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾
( سورة المدثر الآية: 11- 23)
استكبر عن الإيمان، فَقَالَ بالنهاية:
﴿ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾
( سورة المدثر الآية: 24 )
هذا النبي ساحر, قال تعالى:
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾
( سورة المدثر الآية: 25- 30)
أيها الأخوة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 4 )
3- اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالإتيان بالأساطير، ولا زلنا في الحملة الإعلامية التي أرادتها قريش كي يشوه سمعة النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
( سورة الفرقان الآية: 5)
واتهموا المؤمنين بالضلالة, قال تعالى:
﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴾
( سورة المطففين الآية: 32 )
هذه التهم التي وجهت قريش لرسول الله، (( لذلك ورد في بعض الآثار أن سيدنا موسى كليم الله أثناء المناجاة, قال: يا رب، لا تبقِ لي عدواً، قال: يا موسى، هذه ليست لي))
يعني لا بد من عدو للمؤمن، بل بعضهم, قال: المؤمن لا بد له من كافر يقاتله، ومن منافق يبغضه، ومن مؤمن يحسده، ومن شيطان يغويه، ومن نفس ترديه، العدو الثالث مؤمن، لكنه ضيق الأفق، يحسدك، بدل أن يسأل الله من فضله.
5- الأساليب التي اتخذتها قريش عند فشلها بإخفاق دعوة النبي لتنال الغيظ منه:
5- الأساليب التي اتخذتها قريش عند فشلها بإخفاق دعوة النبي لتنال الغيظ منه:
الآن لجأت قريش إلى حملة السخرية والاستهزاء، والضحك، والغمز واللمز والتعالي على رسول الله صلى الله وسلم وعلى المؤمنين، قال الله عز وجل:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 53 )
هؤلاء ينظرون إلى المؤمنين ازدراء واحتقاراً.
روى البخاري أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ساخرة مستهزئة: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله تعالى:
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾
( سورة الضحى الآية: 1-3)
إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
وروى البخاري أيضاً أن أبو جهل قال مستهزئا: اللهم إن كان هذا الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم, فنزل قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(سورة الأنفال الآية: 32- 34 )
وقال الله عن ضحكهم وغمزهم:
﴿ إِنَّ الّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهَينَ ﴾
( سورة المطففين: 29 ـ 31 )
أخواننا الكرام، هل تحبون أن أقول لكم من هو البطل؟ هو الذي يضحك أخيراً, قال تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
( سورة المطففين الآية: 34 )
لا تكن من الذين يضحكون أولاً، فالذي يضحك أولاً يبكي آخراً، قال تعالى:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
( سورة المطففين الآية: 34 )
ومن منطلق الاستعلاء والسخرية, قال المشركون: لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء، من هم؟ يعنون صهيباً وبلالاً وخباباً, لا يجلسون مع هؤلاء استكباراً وعلواً في الأرض، فقال الله عز وجل:
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 52)
ومر النبي صلى الله عليه وسلم بجماعة من قريش فهمزوه، واستهزؤوا به، فغاضه ذلك، فأنزل الله عز وجل:
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُون﴾
( سورة الأنعام الآية: 10 )
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
( سورة فصلت الآية: 26 )
إليكم هذه المواقف باختصار والحكمة من ذلك:
أيها الأخوة، هذه مواقف قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدؤوا بأبي طالب على أن يتخلى عن ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتجهوا إلى تعذيب المستضعفين، ثم اتجهوا إلى ترويج حملة إعلامية ظالمة، اتهموه بالشرك وبالسحر وبالكذب وبالأساطير، ثم اتجهوا بالاستهزاء به والسخرية منه، والغمز واللمز، وهذا كله يبين لنا أن حمل الرسالة عبء كبير، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهلاً لها، ولقد أقسم الله بعمره الثمين, فقال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
( سورة الحجر الآية: 72 )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السادس العاشر )
الموضوع : ما لاقى سيدنا محمد من الاذى
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ما هي الحكمة الربانية في خضوع الأنبياء لامتحانات صعبة في ظروف معينة في الحياة ؟
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقبل أن أبدأ الحديث عن فقرات هذا الدرس لا بد من مقدمة:
لماذا أدخل الله جل جلاله نبياً كريماً السجن؟ ـ سيدنا يوسف ـ لعل واحداً من المؤمنين الصادقين لسبب أو لآخر دخل السجن، فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة.
لماذا اتهمت السيدة عائشة بأعظم ما تعتز به المرأة بعفتها؟ إن أية امرأة إلى يوم القيامة اتهمت، وهي بريئة فلها في هذه السيدة أسوة حسنة.
لماذا كان ابن سيدنا نوح شقياً؟ لعل أباً بذل قصار جهده في تربية ابنه، لكن الابن مخير، واختار طريقاً آخر، هذا الأب المتألم أشد الألم، لعل له في هذا النبي الكريم نوح عليه السلام أسوة حسنة.
لماذا كانت زوجة لوط امرأة كافرة؟ لعل أي إنسان ابتلي بزوجة سيئة، فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة.
لماذا ابتلي سيدنا أيوب بالمرض؟ لعل أي مؤمن اختار له ربه مرضاً لحكمة بالغة, له في هذا النبي أسوة حسنة.
لماذا كان سيدنا سليمان ملكاً؟ أي إنسان ولاه الله أمر المسلمين قدوته هذا النبي الكريم، بالعدل، بالرحمة، بإحقاق الحق، بإبطال الباطل.
لماذا كان أحد أنبياء الله عقيماً ـ سيدنا زكريا ـ؟ لعل الله اختار لإنسان أن يكون عقيماً لحكمة بالغة, له في هذا النبي أسوة حسنة.
هؤلاء قمم البشر، هؤلاء نخبة البشر، ومع ذلك آتى الله بعضهم الملك، وجعل بعضهم ضعافاً، وجعل من بعضهم ذرية، ولم يجعل لبعضهم ذرية، إذاً: هؤلاء الذين اختارهم الله عز وجل ليكونوا قمم البشر كانوا قدوة للبشر.
انظر إلى التشابه بين اضطهاد المسلمين الآن وبين اضطهادهم في زمن البعثة , ماذا نستنتج ؟
أيها الأخوة، حينما نأخذ فقرات هذا الدرس، كيف نكلت قريش بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف تفننت في تعذيبهم، وفي إذلالهم، وفي إفقارهم، عندئذٍ يهون علينا ما يعانيه المسلمون اليوم في شتى بقاع الأرض من اضطهاد وحرب همجية قاسية لا هوادة فيها.
لذلك يجب أن نعلم أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، وأن من حِكم الله عز وجل أي يكون البشر فريقين، فريق على حق، وفريق على باطل، فريق يعيش للناس، وفريق آخر يعيش الناس لهم، فريق يملك قلوب الناس، وفريق يملكون رقاب الناس.
ماذا نستنبط من هذه المواقف ؟
أيها الأخوة، روى البخاري ومسلم في قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
عن ابن عباس, يقول: (( نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون قراءته سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, قال تعالى:
﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
أي بقراءتك فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن، قال تعالى:
﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
عن أصحابك، فلا تسمعهم: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
الآن هناك من يسب هذا الدين، ومن يتهم هذا القرآن الكريم بأنه كتاب قتال، كتاب قتل، كتاب إرهاب، التاريخ يعيد نفسه، وحينما قال الله عز وجل:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
( سورة الأحزاب الآية: 33 )
ماذا يستنبط؟ أن هناك جاهلية ثانية، هي أدهى وأمر,
(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله, قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله, قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟))
[ورد في الأثر]
وروى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه، وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو، وهو يصلي، يسترق السمع فرقاً منهم؛ أي خوفاً منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم، ولم يستمع، وإن خفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته لم يسمعوا شيئاً من قراءته، فأنزل الله قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
أي فيتفرقوا عنك، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دون علمهم، قال تعالى:
﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110 )
وعندما كان المسلمون يسبون أصنام الكفار أخذ المشركون يسبون الله تعالى عَدْواً بغير علم، فأنزل الله تعالى:
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 108 )
فقرات ثلاث, ماذا نستنبط منها؟ أن سيد الخلق، وحبيب الحق كان ضعيفاً، وقد تفنن المشركون في التنكيل بأصحابه، وفي إيذائهم، وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فإذا كنت ضعيفاً في وقت ما، وفي حقبة ما، وفي ظرف ما، لا تتألم كثيراً، سيد الخلق، وحبيب الحق كان ضعيفاً، ولم يستطع أن يدافع عن أصحابه، ولا أن يعطيهم شيئاً، وكان يقول لهم دائماً:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
( سورة الجن الآية: 21)
بل أبلغ من ذلك: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
( سورة هود الآية: 31 )
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾
( سورة الأعراف 188 )
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 15 )
أربع آيات، لا يعلم الغيب، لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً، لا يملك لنفسه نفعاَ ولا ضراً، يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم، هل يجرؤ الآن إنسان يعمل في حقل الدعوة أن يدعي أنه يعلم الغيب؟ هو كاذب إذاً، أن يدعي أنه بإمكانه أن ينفع أو أن يضر، كاذب، لا يجرؤ إنسان كائناً من كان مهما علا نجمه، ومهما سطع اسمه أن يعلم الغيب.
من هو المسؤول ؟
أيها الأخوة، هناك ملامح دقيقة جداً، لو أنك استفتيت إنسان ما، وأفتى لك بشيء، وأنت في غاية السرور، لأنك انتزعت من فمه فتوة لصالحك، هو المسؤول، أنا لست مسؤولاً، من قال لك ذلك؟ إذا استطعت أن تنتزع فتوة من فم سيد الحق, وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، الدليل:
(( وَلَعَلّ بَعْضَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً، فَإنّمَا أَقْطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النّارِ ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
أيها الأخوة، هذه من بديهيات الدين، أما هذا الجاهل الذي يستنطق من إنسان يعمل في الحقل الديني فتوى في شأن إيداع المال في البنك، أو فتوى بالاختلاط، أو فتوى بالغناء، أو فتوى بسفر المرأة دون محرم، هذا الذي يأخذ من أفواه من يعملون في الحقل الديني فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وينام ناعم البال، قرير العين، على توهم أن هذا الذي أفتى، هو المسؤول، من قال لك ذلك؟
(( وَلَعَلّ بَعْضَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً، فَإنّمَا أَقْطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النّارِ ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
هل يملك النبي النفع أو الضرر لنفسه ؟
أخوانا الكرام، الأمر واضح وضوح الشمس، مرةً ثانية:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
( سورة هود الآية: 31 )
من؟ سيد الخلق، وحبيب الحق: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 15 )
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
( سورة الجن الآية: 21)
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
هذه خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، وأي إنسان يدعي ما ليس للنبي فهو في باطل، وفي ضلال، وفي دجل، وفي إيهام، بل هو في غباء.
الأسئلة التي اقترحتها اليهود على قريش لتنال من جانب النبي:
أخوانا الكرام، أوفدت قريش نفراً منهم إلى المدينة، على رأسهم النضر بن الحارث، ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحونها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم اليهود: سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح, قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾
( سورة الكهف الآية: 83 )
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 85 )
لكن الله أبطل كيدهم عندما أنزل الله قرآناً في شأن الإجابة عن هذه الأسئلة، هذا يؤكد أن السماء توحي إليه بالحق, قال تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 44 )
لمن يكون الولاء والبراء في الدين:
أيها الأخوة، هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع كبير اسمه الولاء والبراء، الولاء أن توالي المؤمنين، أي أن تحبهم، وأن تنصرهم، وأن تنصحهم، وألا تسلمهم لأعدائهم، وألا تتعاون مع أعدائهم عليهم، ومن لم يكن موالياً للمؤمنين فليس مؤمناً، هذا الذي يتعاون مع الطرف الآخر ليقهر المؤمنين، الله ورسوله بريء منه، فاليهود تعاونوا مع قريش كي يحرجوا النبي صلى الله عليه وسلم، كي يسألوه أسئلة لا يعلمها، ولكن الوحي أجاب عن كل هذه الأسئلة وقهرهم، وهذا شيء واقع:
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 73 )
الأسلوب الجديد الذي استخدمته قريش مع النبي لينصرف عن دعوت
أيها الأخوة, الطرف الآخر يستخدم أسلوب الترغيب، لذلك قريش أرادت أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم.. فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها، إن قلت: إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً, (هم لا يفهمون الأشياء إلا بقيمهم، لا يفهمون دعوة لله خالصة، يفهمون دعوة من أجل المال، يفهمون دعوة من أجل المتع، يفهمون دعوة من أجل السلطان، وكأن هذا الإنسان عبر عن مكنون نفسه، ونفس قومه) إن كنت إنما تريد من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً, وإن كنت تريد شرفاً, (سيطرة، مكانة، هيمنة، سلطة) سودانك علينا، جعلناك سيدنا، فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطبيب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ منه.
فلما فرغ من قوله تلا النبي صلى الله عليه وسلم عليه صدر سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾
( سورة فصلت الآية: 13 )
أيها الأخوة، سمع هذه الآيات، وكأن صاعقة نزلت عليه، فعاد إلى قومه، وأخبرهم بما سمع، وقال: هذا الذي يقوله محمد ليس شعراً، ولا سحراً، ولا كهانة، وأقترح عليكم أن تدعو محمداً وشأنه.
وفي روايات أخرى من هذه الروايات: وإن كان بك الباءة؛ أي تشتهي النساء، زوجناك عشرة نسوة تختار من أي بيوتات قريش شئت.
أما الوليد بن المغيرة الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأن رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لمَ؟ قال: ليعطونك، فإنك أتيت محمداً لتعرض عنه، يعني إن أتيت محمداً أعرض عنه، وخذ من المال ما شئت، ثم قال الوليد عن القرآن: " والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة, مثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه يعلو، وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته ".
هناك من ادعى النبوة جاء بكلام ادعى أنه من عند الله، قال: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً.
سبحانك يا رب! المؤمن يشعر بكل خلية في جسمه أن هذا كلام الله، وأن هذا كذب وهراء، أليس كذلك؟ وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه يعلو، وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، يئست قريش من أسلوب الترغيب، لذلك المؤمن لا يلين لا لسبائك الذهب اللامعة، ولا يلين لسياط الجلادين اللاذعة، المؤمن رجل مبدأ,
(( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[ورد في الأثر]
أسلوب الترهيب التي قامت به قريش لتخويف من يتبع هذا الدين:
الآن لونت قريش في أسلوبها، واتبعت أسلوب الترهيب، كان أبو جهل إذا سمع عن الرجل أنه أسلم، وله شرف ومنعة، وبخه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك، وهو خير منك، والله لنسفهن حلمك، ولنضعفن رأيك، وإن كان تاجراً, قال له: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفاً ضربوه، وأغروا به، وحينما لم تثمر كل هذه الأساليب السابقة في صد النبي صلى الله عليه وسلم عن دينه لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء والتصفية الجسدية, قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾
( سورة الأنفال الآية: 36 )
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 21 )
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾
( سور غافر الآية: 51 )
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الروم الآية: 47)
هؤلاء الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين، وهؤلاء الذين حاربوه في مزابل التاريخ، في أسفل السافلين.
الغبي من يجهز حرباً ضد خصمه وهو لا يعرفه:
أيها الأخوة، ما من إنسان أشقى ولا أغبى ممن يقف في خندق مضاد للحق، هل تعلم من هو الطرف الآخر؟
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
( سورة التحريم الآية: 4 )
امرأتان، حفصة وعائشة, قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾
( سورة التحريم الآية: 4 )
خالق الكون, يقول: ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
( سورة التحريم الآية: 4)
ما معنى هذه الآية؟ معنى هذه الآية: أنك إذا فكرت أن تكون عدواً للحق، إذا فكرت أن تكون عدواً لله، إذا فكرت أن تكون عدواً لأنبيائه، إذا فكرت أن تكون عدواً لصالح المؤمنين، أنك إذا أردت أن تكون عدواً لعالم مخلص، يجب أن تعلم من هو الطرف الآخر، من هو خصمك، إنه الله الذي بيده كل شيء، لذلك أشقى إنسان على وجه الأرض الذي يحارب الله ورسوله، نهايته في مزبلة التاريخ، نهايته مع فرعون وقارون، ومع كل الظالمين الذين أذلهم الله عز وجل.
لم لم يستطع فرعون هذه الأمة بزعمه أن يطأ رقبة النبي عليه الصلاة والسلام ؟
أيها الأخوة، لقد استفحل إيذاء قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا في الدعوة السرية، بل في الدعوة العلنية، بعد أن أمر الله جل جلاله نبيه أن يظهر شعائر دينه، كالصلاة عند الكعبة، فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا جهل, قال:
(( هَلْ يُعَفّرُ مُحَمّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُم ـ يعني إذا سجد ـ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللاّتِ وَالْعُزّىَ لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأن عَلَىَ رَقَبَتِهِ، أَوْ لأُعفّرَنّ وَجْهَهُ فِي التّرَابِ, فَأَتَىَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَىَ رَقَبَتِهِ ـ كما حلف ـ فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقاً مِنْ نَارٍ، وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً، فقالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ دَنَا لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عُضْواً عُضْواً ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
( سورة المائدة الآية: 67 )
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
( سورة الطور الآية: 48 )
يجب أن تثق أن الله يحفظك، وأن الله لا يسلمك، وأن الله يدافع عنك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ لذلك نزل القرآن الكريم:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
( سورة العلق الآية: 6-19 )
ماذا قدم النبي وصحبه حتى وصل الإسلام إلينا ؟
أيها الأخوة,
(( روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله ابن عمر عن أشد ما صنع المشركون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه صلى الله عليه وسلم، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟ ))
[أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير في الصحيح]
هذه الدعوة التي وصلت إلينا بذل من أجلها الغالي والرخيص، بذل من أجلها النفس والنفيس، ينبغي ألا نضيعها، الإسلام وصل إلى هذه البلاد بفضل هؤلاء الصحابة الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما جاءه جبريل، وقال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي.
ما تخلى عن قومه، ودعا لهم بالهداية، واعتذر لهم فإنهم لا يعلمون، ودعا لهم هذا الإنسان الذي أقسم الله بعمره الثمين، قال له:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
( سورة الحجر الآية: 72 )
ألا ينبغي أن نقتدي بهذا النبي الكريم, ألا ينبغي أن يكون الوقت عندنا ثميناً أن نفعل فيه شيئاً لصالح المسلمين, أن نخفف من متاعبهم، أن نعزز مكانتهم، أن نحل مشكلاتهم، أن نأخذ بيد ضعيفهم، أن نطعم جائعهم، أن نكسو عاريهم.
إليكم هذا الإيذاء الذي توصل إلى النبي من أبناء جلدته:
روى بخاري ومسلم من حديث ابن مسعود, قال:
(( بَيْنَمَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيّكُمْ يَقُومُ إلَىَ سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ ـ يعني أحشائها ـ فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمّدٍ إذَا سَجَدَ, - نحن الآن بحبوحة، والحمد لله، معززون، مكرمون، نأتي إلى المساجد، نستمع إلى الدروس، نستمع إلى الخطب، ندخل إلى بيوتنا نصلي، نساؤنا محجبات، لا أحد يعترضنا، هذه نعمة كبيرة جداً، أما هؤلاء الأصحاب الكرام الذين دفعوا من أجل هذا الإسلام حياتهم، ودفعوا كل ما يملكون, نحن لا نعرف قيمة هذا الإسلام - فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمّا سَجَدَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَىَ بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالنّبِيّ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتّى انْطَلَقَ إنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ. فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ، تَشْتِمُهُمْ، فَلَمّا قَضَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إذَا دَعَا، فَوَ الّذِي بَعَثَ مُحَمّداً صلى الله عليه وسلم بِالْحَقّ لَقَدْ رَأَيْتُ الّذِينَ سَمّىَ ـ أي ذكر أسماءهم بالدعاء عليهم ـ صَرْعَىَ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمّ سُحِبُوا إلَىَ الْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح من حديث ابن مسعود]
ومرةً ضربوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أغشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: " ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟ فتركوه، وأقبلوا على أبي بكر، وحاولت أم جميل زوجة أبي لهب أن تعتدي عليه بحجر فحماه الله منها، فلم تره، فكانت تحمل الحطب كي تضعه في طريقه صلى الله عليه وسلم كما حكى القرآن ذلك:
﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾
( سورة المسد الآية: 4-5)
إليكم رحمة الباري جل جلاله:
إنسان يقرأ القرآن, فقرأ قوله تعالى:
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
( سورة طه الآية: 43-44 )
قال: يا رب، إذا كانت رحمتك بمن قال: أنا ربكم الأعلى, فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى؟ وإذا كانت رحمتك بمن قال:
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله؟ ورد في بعض الآثار القدسية: " أن يا داود، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، يا داود هذه إرادتي في المعرضين فكيف في المقبلين؟ ".
إذا كنت مطيعاً لرب العالمين، محباً له، محباً لأنبيائه، محباً لكتابه، محباً للمؤمنين، محباً للمساجد، محباً لعمل الخير فأبشر.
إليكم إسلام عمير بن وهب:
مرة أيها الأخوة، صفوان ابن أمية التقى بعمير بن وهب، فقال له عمير: يا صفوان، والله لولا صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، ولولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها لذهبت، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، صفوان عدو لدود، قال: يا عمير، أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، وأما ديونك فهي علي بلغت علي ما بلغت، فامضِ بما أردت، يعني اذهب، واقتل محمداً، وأرجنا منه، فسقى سيفه سماً، ووضعه على عاتقه، وركب ناقته، وتوجه إلى المدينة بحجة أنه أتى المدينة ليفك أسر ابنه، فلما وصل المدينة رآه عمر رضي الله عنه، فقال: هذا عدو الله جاء يريد شراً، وقيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سيدنا النبي لطيف، قال: يا عمر، أطلق سراحه، فأطلق سراحه، قال: يا عمير، ادنُ مني، فدنا منه، قال: يا عمير، سلم علينا، قال له: عِمت صباحاً يا محمد، قال له, قل: السلام عليكم، قال له: لست بعيد عهد بسلامنا، هذا سلامنا، كتلة غلظة، قال: يا عمير، ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت أفك ابني من الأسر، قال: يا عمير، وهذه السيف التي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال: يا عمير، ألم تقل لصفوان: لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه؟ وقف وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله, وأنت رسوله, وأسلم، أما صفوان فكان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة ليستقبل الركبان، فلعل الخبر السار بقتل محمد يصل إليه، ثم فوجئ أن عمير أسلم, قال تعالى:
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾
( سورة آل عمران الآية: 119 )
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 72)
المواساة التي قدمها جبريل عليه السلام للنبي:
أيها الأخوة,
(( روى الإمام أحمد من حديث أنس أن جبريل عليه السلام جاء ذات يوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وهو جالس حزيناً، قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، قال, فقال له: ما لك؟ قال: فقال له: فعل بي هؤلاء، وفعلوا، قال: فقال له جبريل عليه السلام: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: فانظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة، فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع، فأمرها، فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبي))
[أخرجه أحمد من حديث أنس في مسنده]
ويقول ابن كثير: إن غالب ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من أذى كان بعد وفاة عمه أبي طالب.
ما هي الحكمة الربانية في إصابة النبي وصحبه بهذا الأذى والتعذيب ؟
أيها الأخوة، إن شاء الله نتابع هذا في درس قادم، ولكن هذه الوقائع، وهذا الأذى، وهذا الاضطهاد، وهذا التنكيل، وهذا التعذيب، وهذا التكذيب، وهذا الازدراء، وهذه السخرية، وهذه الإهانة كلها صبت على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليبين الله لنا أن هؤلاء كانوا أهلاً للدعوة إلى الله, قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 35 )
أيها الأخوة، ونحن فلنصبر، وإن الله وعدنا وعوداً كثيرة، قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾
( سورة النور الآية: 55 )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السابع العاشر )
الموضوع :الهجرة الى الحبشة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ما معنى المستضعف في هذه الآية ؟
أيها الأخوة، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا إلى درس الهجرة إلى الحبشة، وقبل الحديث عن الهجرة لا بد من توضيح، دققوا في هذه الآيات، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
( سورة النساء الآية: 97 )
هل تصدقون أن المستضعف في الأرض إذا لم يهاجر وقع في وعيد رب العالمين، كيف؟ أنت ذهبت إلى بلد من أجل هدف واحد، أن تنال دكتوراه، فإذا منعتك الجامعة من أن تنتسب إليها، هل يمكن أن تبقى في هذا البلد؟ أنت جئتها من أجل هدف واحد، هو أن تنال شهادة عليا، فإذا منعت من أن تنتسب إلى الجامعة لا معنى لبقائك في البلد، لا بد من أن تتحول إلى بلد آخر، هذا مثل.
لو كبرنا المثل, أنت في الدنيا من أجل أن تعبد الله، الدليل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات الآية: 56)
فإذا حيل بينك وبين أن تعبد الله في أي بلد، لا بد من أن تغادر هذا البلد، قبل أن تغادر إن حاولت أن تصلح وأفلحت لا تغادر، إن استطعت أن تهيئ جواً تعبد الله فيه فلا تغادر، إن أقنعت الناس أن يغيروا فلا تغادر، أما إذا استحال عليك أن تعبد الله، وعلة وجودك في الدنيا أن تعبد الله فلا بد من أن تغادر، الآن نفهم الآية الكريمة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة النساء الآية: 97 )
ما معنى مستضعفين؟ إما أنك ضعيف من حيث القدرة، فمنعت أن تعبد الله، منعت من أن تحجب نساءك، منعت من أن تحجب بناتك، منعت أن تؤدي شعائر دينك، منعت أن تقيم فرائض الله عز وجل، أنت هنا ضعيف، ولم تستطع أن تصلح، ولا أن تغير، إذاً: ينبغي تغادر
المعنى الثاني: بلد فيه حرية، لكن نفسك ضعفت أمام مغريات الحياة، ضعفت أمام الشهوات، لم تستطع أن تقيم أمر الله لا قمعاً بل ضعفاً، هذا ضعف من نوع آخر.
فلذلك حينما تكون في بلد ويحال بينك وبين عبادة الله يجب أن تبحث عن بلد تستطيع أن تعبد الله فيه، وأن تحقق سر وجودك وغاية وجودك، والعلة التي جيء بك إلى الدنيا من أجلها، وهي العبادة.
لماذا أرسل النبي أصحابه إلى الحبشة ؟
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام ضعيفاً، ويعاني ما يعاني، ولكن عمه كان يحميه، بينما آحاد المسلمين كانوا معرضين للأذى والتنكيل، والتضييق، والضرب، والإيلام، والنبي عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 21 )
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة الآية: 128 )
فرحمة النبي صلى الله عليه وسلم دعت أصحابه المضطهدين الذين ينكل بهم، الذين يُضربون، الذين تصادر أموالهم، إلى الهجرة إلى الحبشة، ظناً أن فيها ملكاً عادلاً.
أنواع السفر في الإسلام:
بالمناسبة، ما حكم السفر في الإسلام؟ أعلى أنواع السفر من دون استثناء:
السفر الأول: لنشر الــــدعوة.
السفر الثاني: أن تسافر فراراً بدينك.
السفر الثالث: أن تسافر طلباً للـعلم.
السفر الرابع: أن تسافر طلباً للرزق.
والآن هناك سفر اسمه السفر السياحي، هذا حكمه حكم المسافر، فإذا أقام الصلوات الخمس، وغض بصره، ولم يرتكب معصية في هذا السفر فهو مباح ليس غير، أما إذا كان السفر مطية إلى ارتكاب المعاصي والآثام فهذا لا يجوز.
إليكم هجرة المسلمين إلى الحبشة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9305/01.jpg
كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، والذين هاجروا هم أحد عشر رجلاً، وأربع نسوة، خرجوا متسللين سراً حتى انتهوا إلى الشعيبية، منهم الراكب، ومنهم الماشي، وهذا الإسلام الذي تنعمون به اليوم، هذه المساجد، هذه الخطب، هذه الدروس، هذا الأمن الذي يشعر به المسلمون, من دفع ثمنه؟ أصحاب النبي عليهم رضوان الله، دفعوا ثمنه باهظاً، إنسان يسافر من مكة إلى الحبشة مشياً، الحياة شاقة جداً، والحر لا يحتمل، ووفق الله تعالى حينما وصلوا إلى الساحل سفينتين للتجار حملوا هؤلاء الصحابة إلى أرض الحبشة جميعاً بنصف دينار،
(( وقد ثبت من طرق صحيحة ما ورد عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وكانت ضمن من هاجر إلى الحبشة، في الهجرة الأولى، حيث قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يدفع عنهم هذا الأذى,- وحكمة أنه ضعيف ذكرتها مرتين من أجل تثمين من يؤمن به، ليس عنده شيء يعطيه، ولا قوة تحمي أتباعه، ولا يملك لهم نفعاً ولا ضراً، فالإيمان به إيمان خالص، لكن لو أن قوياً من أقوياء الأرض ادعى أنه جاءته النبوة، ودعا الناس إلى الإيمان به، والله لتجدن الملايين المملينة تؤمن به خوفاً منه، لا قيمة لهذا الإيمان، أراد الله عز وجل أن يكون إيمان الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم إيماناً حقيقياً لا رغبة ولا رهبة، لا طمعاً ولا خوفاً, كان عليه الصلاة والسلام في منعة من قومه بني هاشم، ومن عمه أبي طالب، - فقال لهم عليه الصلاة والسلام: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا ـ كما تقول أم سلمة ـ فخرجنا إليها إرسالاً حتى اجتمعنا فيها فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخشَ من هذا الملك ظلماً))
[ورد في الأثر]
وتروي الروايات أن سيدنا عثمان بن عفان كان أول من خرج مهاجراً، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أورد الإمام البخاري حديثاً بسند موصول عن أنس، قال: أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، يعني خبر وصولهما سالمين إلى الحبشة، فقدمت امرأة، فقالت له: لقد رأيتهما، وقد حمل عثمان امرأته على دابة، فقال عليه الصلاة والسلام:
((صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط))
[ورد في الأثر]
من معاني الهجرة إلى الله ورسوله:
1- إذا كان المهاجر هدفه خدمة أمته:
إنسان يذهب إلى بلاد الغرب ليدرس، تروق له الحياة، حياة جميلة جداً، بلاد جميلة، حاجات الإنسان مؤمنة، الدخل فلكي، الأمور كلها في خدمة الإنسان، ينسى وطنه، وينسى بلده، وينسى أمته، وينسى أن لحم كتفه من خير وطنه، فهو يسعى لكسب أكبر قدر من المال.
هذا الإنسان لو اتخذ قراراً بطولياً أن يعود إلى بلده المسلم، وبلده المسلم ليس بلداً متطوراً، بل هو بلد نامي، ليقدم علمه لهؤلاء المسلمين الذين هم أبناء جلدته، هذا الإنسان أنا أرى أن عودته إلى بلده، وتحمله بعض متاعب بلده في سبيل أن يقدم خدمات جلية لأمته الإسلامية هذا يعد عند الله مهاجراً.
2- المتمسك بدينه في زمن الهرج هي هجرة إلى رسول الله:
ومعناً آخر للهجرة، أن عبادة في الهرج، في زمن الفتن، وزمن الفسق والفجور، وفي زمن أن يغدو الدين ضعيفاً، وزمن أن الذي يعبد الله كالقابض على الجمر، وزمن النساء الكاسيات العاريات، وزمن يؤتمن الخائن، ويخوَّن الأمين، وزمن يضام الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، وزمن يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يقول كلمة، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، وزمن فيه موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لما يقتل، ولا المقتول فيما قتل, في هذا الزمن الصعب عبادة في الهرج كهجرة إلي.
من يعبد الله في آخر الزمان حيث الفتن, والاضطرابات، والضلالات, والشهوات، وكل شيء على خلاف ما هو عليه، في زمن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، هذه أيضاً هجرة إلى الله خالصة، لو وسعنا الهجرة أيضاً, قال عليه الصلاة والسلام:
((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
من النساء اللواتي هاجرن مع أزواجهن إلى الحبشة:
أيها الأخوة، بعد فتح مكة أغلق باب الهجرة،
(( لا هجرة بعد فتح مكة ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
الصحابة الكرام الذين هاجروا على رأسهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وغيرهم، وأما النسوة فهن رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة، وليلى امرأة عامر بن أبي ربيعة، وقد عرفت هذه الهجرة بالهجرة الأولى إلى الحبشة.
أرأيتم أيها الإخوة إلى العنصر النسائي, كيف أن الصحابيات الجليلات كن يشاركن أزواجهن السراء والضراء، والإقامة والسفر، والحلة والترحال؟
لماذا لم يهاجر الصديق إلى الحبشة ؟
أيها الأخوة، وللصديق قصة، ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يلتحق بالمهاجرين إلى الحبشة، في هذه الهجرة الأولى، بعد أن اشتد أذى قريش عليه، وهو سيد كبير في قومه، لكن الباطل أرعن، الباطل لا يعرف أقدار الناس، الباطل لا يميز الصالح من الطالح، فبعد أن اشتد أذى المشركين على سيدنا الصديق سلك طريقاً آخر، تشير الأخبار أنه سار في طريق اليمن، حتى إذا ما بلغ برك الغماد، حتى لقيه ابن الدغنة، وهو سيد قبائل القارة حلفاء بني زهرة القرشية، قال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، وأن أعبد ربي, فقال ابن الدغنة: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل ))
[ورد في الأثر]
فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وكان الصديق رضي الله عنه أشبه الصحابة برسول الله، وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، لذلك أجاره، معنى أجاره أي جعله في ذمته، هذه عادة مطبقة في الحياة الجاهلية، أن إنساناً شريفاً وجيهاً إذا أجار إنساناً لا يستطيع أحد أن ينال منه
أيها الأخوة، لي صديق لا أزكيه، ولكن أحسبه صالحاً وورعاً، وكان موظف بمكان، أمانته ظاهرة، استقامته ظاهرة، ورعه ظاهر، أدبه ظاهر، التزامه ظاهر, سمته حسن، سافر مرة مع من هو أعلى منه في الدائرة، وكان بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء، ليس عنده شيء محرم، فلما دعوا إلى طعام هذا الذي هو رئيسه في العمل منع أن يأتي إلى الطعام أي مشروب، فلما انتهى الطعام، سأل صديقي رئيسه، قال له: هل انتبهت أننا لم نضع على الطاولة مشروباً؟ قال له: نعم، قال له: هذا من أجلك، لأن دينك أصلي، حتى الفاسق، حتى المبتعد عن الدين إذا رأى مؤمناًَ، صادقاً، مخلصاً، ورعاً، أميناً, عفيفاً، له مكانة عنده.
فوافقت قريش على ذلك، واشترطت عليه أن تكون عبادته في داره، وألا يستعلم بها، وأن يتعبد ربه في بيته، وبعد مدة أخذ أبو بكر يجتهد بالقراءة في فناء داره، وكان رجلاً بكاء لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن، فيجتمع إليه أبناء ونساء المشركين يعجبون بقراءته، وينظرون إليه، ويستمعون القرآن مما أفزع قريشاً، ودفعها إلى مطالبة ابن الدغنة أن يكفه عن ذلك، فخيره ابن الدغنة بين الإسرار بعبادته، أو أن يرد عليه جواره، فرد أبو بكر عليه جواره، وقال: إني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله، وهكذا بقي أبو بكر بمكة إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجيراً بالله سبحانه وتعالى، يحتمل أذى المشركين بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن له بالهجرة.
دققوا في هذا النص:
((ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته, فتكيدوه أهل السماء والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ))
[ورد في الأثر]
الإشاعة التي أخبر بها المسلمون في الحبشة عن أهل مكة:
أيها الأخوة، بعد هجرة الحبشة الأولى لفترة قليلة حدث أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام، قرأ سورة النجم، وسجد في موضع السجود، فسجد معه كل من كان يسمعه من المسلمين ومن غير المسلمين، ماذا تستنبطون؟ المؤمن له وهج منوّر، المؤمن عليه سكينة، المؤمن عليه وقار، حتى الذي لا يعرفه يهابه، حتى الذي لا يعرفه يسعد بقربه.
وشاع في مكة أن قريشاً قد أسلمت، وبلغ المسلمين الذين هم في أرض الحبشة أن مكة أسلمت فرجع ناس منهم، منهم عثمان بن مظعون، فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحاً، فرجعوا، وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية، وقد ذكرت إحدى الروايات الصحيحة أنهم كانوا اثنين وثمانين رجلاً، سوى نسائهم وأبنائهم، وقيل: إن عدد النسوة في الهجرة الثانية كن ثماني عشرة امرأة.
إليكم مضمون الرسالة التي حملها وفد قريش إلى النجاشي:
أيها الأخوة، هذه الهجرة الأولى والثانية، قريش آلمها جداً أن يذهب المسلمون، ويتخلصوا من تعذيب قريش، ومن التنكيل بهم، ومن التضييق عليهم، ومن إيذائهم، وعاشوا في بلاد الحبشة في ظل ملك الحبشة النجاشي آمنين مطمئنين، فكادوا لهم.
أيها الأخوة، نية الكافر شر من عمله، كل الذي يفعله يتمنى أن يفعل أكبر منه، نية المؤمن خير من عمله، لذلك بادرت قريش بعد الهجرة الثانية، وبعد إخفاقها في منع المسلمين من الهجرة، ونتيجة تخوفها من انتشار الدعوة الإسلامية أرسلت وفداً مؤلفاً من عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة, هذا الوفد معه هدايا ثمينة إلى النجاشي، وإلى بطاركته بهدف أن يعيد لهم هؤلاء المهاجرين، لينكلوا بهم، ويعيدوهم إلى مكة، وحاول الوفد إقناع البطاركة عن طريق الهدايا، الإنسان أحياناً يقنع بالشيء، لا لأنه قانع به، ولكن لأن المبلغ كبير، المبلغ أقنعه، فهؤلاء عرفوا ضعف الإنسان، فتوسلوا إلى أن يجعلوا من البطاركة قوة ضاغطة على النجاشي كي يعيد إليهم هؤلاء، فأغروهم بهدايا ثمينة.
شيء آخر، صور هؤلاء المسلمون على أنهم غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين النجاشي، وأنهم جاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وبيتوا الأمر مع البطاركة على أن يشيروا على النجاشي بأي يسلمهم إليهم، ولا يكلمهم, آية قرآنية طبعاً وردت على لسان سيدنا سليمان:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( سورة النمل الآية: 27 )
هل حقق النجاشي في الأمر, وماذا كانت النتيجة ؟
النجاشي رأى أن يتحرى الأمر بنفسه، فدعا المسلمين، وطلب منهم توضيح الحقيقة، فانبرى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وتكلم نيابة عن أخوانه المهاجرين كما أسلفنا، قائلاً: ((أيها الملك، كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحل المحارم بعضنا من بعض، في سفك الدماء وغيرها، ولا نحل شيئاً ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف وفاءه، وصدقه، وأمانته، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة, وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))
[أخرجه أحمد عن أم سلمة في مسنده]
والله كلام رائع، فالنجاشي طلب من جعفر أن يقرأ عليه شيئاً مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه أوائل سورة مريم، فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته، وقال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين آمنين في بلدي، وأقسم بألا أسلمكم لأحد.
أخوانا الكرام، أتمنى عليكم جميعاً إذا كنت في موضع القيادة، ولو قيادة بيت، جاءتك ابنتك تشكو زوجها، تقبل كلامها على علاته، هذا الصهر اسأله، اطلبه على الهاتف، ما الذي أزعجك من ابنتي؟ لمَ لم تكن منصفاً؟ لمَ تأخذ كلام ابنتك على أنه منزل؟
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( سورة النمل الآية: 27 )
نحن نتوهم أن القاضي الذي في قصر العدل، لا، الأب قاض بين أولاده، الأب قاض بين بناته، الأب قاض بين أصهاره، الأب قاض بين أخوته، معظم الناس مكلفون أن يحكموا بين متخاصمين، قال تعالى:
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( سورة النمل الآية: 27 )
ماذا فعل عمرو بن العاص حينما وافق النجاشي كلام جعفر ؟
لكن هذه المحاولة أخفقت، لذلك في اليوم التالي جاء عمرو بن العاص, وقال للملك: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فاستدعاهم النجاشي، فسألهم، فقال جعفر: نقول فيه: هو عبد الله ورسوله، وكلمته، وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول، واستقر رأي النجاشي على منح المسلمين الآمان، فأقاموا في خير دار مع خير جار، أما القسيسين والرهبان الذين سمعوا قول جعفر، واستمعوا إليه، وهو يرتل القرآن فقد ذرفوا الدموع مما عرفوا من الحق، فأنزل الله تعالى قوله الكريم:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
( سورة المائدة الآية: 82- 83 )
المدة التي مكث فيها المسلمون في الحبشة:
أيها الأخوة، مكث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحبشة ما شاء لهم، ولقد توفي عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وليس لها أحد، فتكريماً لها خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، وتزوجها، وهي بالحبشة، من الذي زوجه إياها؟ النجاشي، ومهرها 4000 دينار, ثم جهزها من عنده، ولم يرسل إليها النبي بشيء، وقد بعثها النجاشي مع شرحبيل بن حسنة.
أخوانا الكرام، مرة جاء وفد النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من كرم أخلاق النبي أبى إلا أن يخدمهم بنفسه، وكان وفاؤه مضرب المثل.
القرائن والأدلة التي تفيد في إسلام النجاشي:
أيها الأخوة، وردت العديد من الدلائل التي تفيد إسلام النجاشي، فقد ورد في الأخبار أنه أسلم، ولذلك خرج عليه قومه، ولكنه حرص قبل محاربتهم أن يؤمن للمسلمين سفناً ليغادروا عليها إذا ما تعرض للهزيمة، وأنه كتب كتاباً يشهد بإسلامه، وقد أورد الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى بنفسه النجاشي، في اليوم الذي مات فيه, في العام التاسع للهجرة، وأنه صلى بالمسلمين عليه صلاة الغائب.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثامن العاشر )
الموضوع :اسلام سيدنا عمر بن الخطاب
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. لماذا خص النبي بدعوته أحد هذين الشخصين ؟
أيها الأخوة، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ووصلنا في فقرات السيرة النبوية إلى إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
بادئ ذي بدء كان عليه الصلاة والسلام, يقول:
(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
ويقصد عمر بن الخطاب، وعمرو بن هشام ( أبو جهل )، ولا بد من وقفة متأنية في شرح هذا الحديث:
النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة تقدم، بينما غير النخبة لا تقدم، بل تأخذ النخبة تحمل معك، وغير النخبة ينبغي أن تحملهم، النخبة كالأعمدة للحق، بينما غير النخبة غثاء كغثاء السيل، والذي يؤلم الآن أشد الألم المسلم مع الاحترام البالغ لأية حرفة، لكن لماذا المسلم في أدنى درجة؟ ولماذا غير المسلم في أعلى درجة؟ الاختصاصي باختصاص نادر غير مسلم، المهندس البارع غير مسلم، الطبيب الأول غير مسلم، مع أن الله سبحانه وتعالى وزع القدرات بين كل الشعوب والأمم توزيعاً عادلاً.
أيها الأخوة، حينما قال عليه الصلاة والسلام:
(( تناكحوا، تكاثروا، تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ))
[أخرجه البيهقي عن سعيد بن أبي هلال في سننه ]
والله الذي لا إله إلا هو لا أصدق ثانية واحدة أن يكون التباهي بالعدد، والدليل الأمة الإسلامية اليوم يزيد تعدادها على مليار و300 مليون مسلم، ثلث سكان الأرض، ويتربعون على ربع احتياطي نفط في العالم، ويحتلون أكبر موقع استراتيجي في العالم، وعندهم ثروات لا يعلمها إلا الله، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، ولا وزن لهم في الأرض، وليس أمرهم بيدهم، وليست كلمتهم هي العليا، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل.
كيف يحترم الطرف الآخر دينك أيها المسلم ؟
أيها الأخوة، اسمعوا مني هذه الكلمة: ما لم تكن متفوقاً في دنياك فلن يحترم دينك، أريد مسلماً صناعياً كبيراً، وأستاذاً جامعياً كبيراً، وخبيراً نادراً، لذلك عليه الصلاة والسلام طلب النخبة, قال:
(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
لا تقنع أن تكون رقماً لا معنى له، لا تقنع بأن تكون إنساناً لا يقدم ولا يؤخر، علو الهمة من الإيمان, صدق القائل:
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
الله يعطي من يشـاء فقف على حـد الأدب
أيها الأخوة، المسلمون اليوم في محنة كبيرة، وما لم يتفقهوا في العلوم، وفي الصناعات، وفي استخراج الثروات، وفي استصلاح الأراضي، وفي إنشاء السدود، لا أحد يقيم لهم وزناً, وويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وويل لأمة تلبس ما لا تنسج، وويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعها، النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة.
فإن أردتم لهذا الإسلام عزاً فتفوقوا، وما لم نتفوق الآن فلا تقوم لنا قائمة، هذه الحقيقة التي أنا قانع بها، طريق أن تعز الإسلام أن تكون قوياً بعلمك، بمالك، كن صاحب مشروع، هؤلاء القمم كانوا أشخاصاً عاديين في مقتبل حياتهم، أنا أطالبكم أن تكون همتكم عالية، علو الهمة من الإيمان.
ما هو سبب إسلام جيفري لانج ؟
مرةً أحد أكبر الملحدين في أمريكا كان طالباً في التعليم الثانوي، وانتقد أستاذ الديانة عندهم، فطرده والده من البيت، فاعتنق الإلحاد، وتابع دراسته، حتى صار أكبر عالم رياضيات في أمريكا، كان أستاذاً في جامعة سان فرانسيسكو، وكان متفوقاً إلى درجة أن أستاذه كان يقول له: اخرج من القاعة، وخذ علامة تامة، لأنه يربك أستاذه، أستاذه يستعين به أحياناً في بعض معضلات الرياضيات، عنده طالبة مسلمة من الشرق الأوسط، في أطروحتها مشكلة، فأرسلها إلى هذا العالم، يقول هذا العالم: رأيت فتاة من الشرق الأوسط تحضر دكتوراه في الرياضيات، وهي محجبة حجاباً تاماً، في حين أن فتيات أمريكا في الصيف يمشين في الطرقات شبه عرايا، فماذا في ذهن هذه الفتاة من مبادئ وقيم حتى ارتدت هذا الحجاب؟ قال: أعجبت بأنها إنسانة تملك مبدأ، أو تملك قناعة، ولم أجرؤ أن أنظر إلى وجهها لأنها قديسة، هكذا يقول، ورغبة أن أقدم لها كل خدمة، وعكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن، إلى أن أسلم، وهو الآن أكبر داعية في أمريكا، اسمه جيفري لانج، ما الذي جعله يسلم؟ فتاة تحضر دكتوراه في الرياضيات ومتحجبة.
الآن القوي لا يحترم إلا القوي، والعالم لا يحترم إلا العالم، فإن أردتم لهذا الإسلام عزاً فتفوقوا، وما لم نتفوق الآن فلا تقوم لنا قائمة، هذه الحقيقة التي أنا قانع بها، طريق أن تعز الإسلام أن تكون قوياً بعلمك، بمالك، كن صاحب مشروع، هؤلاء القمم كانوا أشخاصاً عاديين في مقتبل حياتهم، أنا أطالبكم أن تكون همتكم عالية، علو الهمة من الإيمان.
الخير العميم الذي نزل بالإسلام وأهله عند إسلام حمزة بن عبد المطلب:
سأريكم الآن ماذا حصل بعد أن أسلم سيدنا حمزة، وسيدنا عمر، علم حمزة بن عبد المطلب بعد عودته إلى مكة من الصيد، وذلك في السنة السادسة من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أبا جهل قد شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساء إليه إساءات بذيئة، فبادر إلى أبي جهل، وهو في مجلسه بين قومه فضربه بالقوس على رأسه فشجه شجة منكرة، وقال له: أتشتمه، وأنا على دينه؟ وانشرح صدر حمزة للإسلام، وعرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنع عنه الأذى، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه، كان حمزة قوياً، فلما انضم إلى الإسلام قوي الإسلام به.
وأنت حينما تكون قوياً، وتأتي إلى المسجد، وقد تكون صناعياً، أو تاجراً كبيراً، أو عالماً فذاً، أو أستاذاً جامعياً، وتجلس تقوي همة من حضر، فلان يحضر هذا المجلس، فلان أتى للمجلس، فلان صلى الجمعة، فلان حضر في هذا المسجد، أنت حينما تكون قوياً تدعم الحق وتنصره.
هل تفوق الأنبياء أمام التحديات التي وقفت في طريقهم؟
أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة جداً: أن الإسلام ينبغي أن يستخدم السلاح الفعال، يوم كان السحر متفوقاً في عهد موسى عليه السلام، ما نوع معجزة موسى؟ شيء يفوق إمكانات السحرة, قال تعالى:
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 107-108 )
ويوم كان الطب متفوقاً في عهد سيدنا عيسى, ماذا فعل هذا النبي الكريم؟ قال تعالى:
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 49 )
ويوم كانت العرب في أعلى درجات البلاغة والفصاحة جاء القرآن بأسلوب معجز، ونحن الآن حينما نتفوق يحترمنا أعداؤنا، حينما نأتي بشيء جديد، حينما نحل مشكلاتنا.
مرةً أحد أخوتنا الكرام متفوق تفوقاً كبيراً في هندسة الري، وحضر مؤتمرًا في فرنسا، وعرضت مشكلة حار بها المؤتمرون طوال أيام المؤتمر، فألقى محاضرة، وقدم حلاً لهذه المشكلة، دُهش المؤتمرون، وسألوه في أية جامعة درست؟ فقال بأعلى صوته: درست في جامعة دمشق.
كيف نوظف منهج القوة في الإسلام ؟
أيها الأخوة, قال تعالى:
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
القوي هو الله, ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض مستمدة من قوة الله، استدراجاً لغير المؤمنين، أو تمكيناً للمؤمنين، أو تسخيراً لغير البشر، هذه القوة وزعت بحكمة بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، القوة قوة العلم، وقوة المال، وقوة المنصب، فإذا وصلت إلى أحد هذه القوى خياراتك في العمل الصالح كثيرة جداً، وحينما تعلم أن سر وجدوك في الدنيا العمل الصالح, فالحالة التي تمكنك من الأعمال الصالحة حالة تتوافق مع دينك، القوي بماله يفتح مستشفى، يفتح ميتم, يؤسس مدرسة، يبني جامع، ينشر كتاب، يرسل بعثات إلى الخارج، لو أن واحداً من أهل الغنى أرسل فرضاً ألف طالب على نفقته إلى جامعات الغرب، وجاؤوا بأعلى الشهادات، وكانوا في خدمة المسلمين اختلف الوضع.
أيها الأخوة، إذا كان الطريق إلى القوة سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون غنياً، وإذا كان الطريق إلى منصب قوي سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تبلغ هذا المنصب، أما إذا كان طريق القوة في العلم، أو المال، أو المنصب يقوم على معصية الله فأن تكون فقيراً هو وسام شرف لك، وأن تكون ضعيفاً وسام شرف لك، وأن تكون محدود الإمكانات وسام شرف لك، العبرة أن تكون في طاعة الله.
خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا:
أيها الأخوة، أما سيدنا عمر فكان رجلاً قوياً مهيباً، وكان يؤذي المسلمين، ويشتد عليهم، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن ينصر دينه به.
لكن هناك ناحية دقيقة، الإنسان الذي لم يعرف الحق، وكان قوياً, ويحب الخير، ويحب ألا يؤذي أحداً، هذا الصالح يتولى الله أمره، لقوله تعالى:
﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 196 )
تجد إنسانًا في الجاهلية لا يصلي، ولا ينتمي إلى هذا الدين، لكن لا يحب أن يظلم، لا يحب أن يؤذي، لا يحب أن يعمل شيئاً لا يرضي ضميره، هذا الإنسان الصالح يتولاه الله بالهداية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح ]
وحينما أسلم بعض الصحابة, قال:
(( أسلمت على ما أسلفت من خير ))
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام في صحيحهما]
هناك توجيه لطيف، إن رأيت صديقاً لك لا يصلي، ولا يؤدي العبادات، لكنه لا يؤذي، عنده مروءة، عنده شهامة، لا يحب إلا أن يكون بطلاً، هذا الإنسان فاطمع به، وقدم له كل خير، فلعل الله سبحانه وتعالى يجعله يلتزم فيكون قوة للمسلمين.
صفات عمر قبل الإسلام:
أيها الأخوة, فكان عمر رجلاً قوياً مُهيباً، وكان يؤذي المسلمين، ويشتد عليهم، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن ينصر دينه به،
(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
قال سعيد بن زيد بن عمر، ابن عم عمر، وزوج أخته: والله لقد رأيتني، وأن عمر لموثقي ـ قيّده ـ وأخته على الإسلام قبل أن يسلم، يعني كان يشتد على ابنه عمه زوج أخته وعلى أخته، ماذا قال النبي عن أهل الطائف:
(( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ))
[ورد في الأثر]
اعتذر عنهم، واحد دخل إلى بستان أنصاري، وأكل من دون إذن، وساقه صاحب البستان إلى رسول الله على أنه سارق، فقال عليه الصلاة والسلام:
((هلا علمته إن كان جاهلاً ، وهلا أطعمته إن كان جائعاً قبل أن تنفجر، وقبل أن تصرخ))
[ورد في الأثر]
هل أديت واجبك نحو هذا الفقير ؟ علمته إن كان جاهلاً, أطعمته إن كان جائعاً.
ما هو سر إسلام عمر بن الخطاب ؟
أيها الأخوة, لم تصح رواية في تعيين وقت إسلام عمر، فقد جعل ابن إسحاق كاتب السيرة الشهير إسلامه بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة، والواقدي جعل إسلامه في نهاية السنة السادسة من البعثة النبوية، وكان عدد المسلمين أربعين مسلما، وفي رواية 56، منهم 11 امرأة، هؤلاء:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾
( سورة الواقعة الآية: 10 )
أخبرت أم عبد الله وهي مهاجرة إلى الحبشة أن عمر اطلع على استعدادها للهجرة، وأنه رق لها ولزوجها، على الرغم ما كان يلقون منه من البلاء والأذى قبل ذلك، ولأنها رأت منه رقة لم تكن تراها من قبل، قالت: قد أحزنه ما رأى من استعدادنا للخروج، لذلك مرة ثانية، إن رأيت قلباً رحيماً اطمع به، واعتنِ به لعل يكون هدايته على يديك، وإن رأيت ذكياً فاطمع به.
الآن يجب أن تعلموا سر إسلامه, كان في قلبه رقة، كان رحيم، لما سيدنا عمر تولى الخلافة، وسيدنا الصديق استخلفه، جاء من يلوم سيدنا الصديق لأن عمر فيما يزعمون شديد وقوي، فقال سيدنا الصديق: أتلومونني على أنني وليت عمراً؟ والله إنه أرحم الناس بكم، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
سيدنا عمر لما تولى الخلافة, قال: إن الناس هابوا شدتي، كنت خادم رسول الله وسيفه المسلول وجلواده، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، ثم كنت خادماً لأبي بكر وجلواده، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ, وأنا بذلك أسعد، ثم آلت الأمور إلي فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، وإنني سأضع رأسي ليدوس عليه أهل العفاف والتقوى، كان رحيماً، قال: والله لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه.
سيدنا عمر كان رحيماً، وأي قلب ليس فيه رحمة بعيد عن الله، وأي قلب ينبض بالرحمة قريب من الله عز وجل، الإنسان قبل أن يسلم، وقبل أن يؤمن، وقبل أن يلتزم، إن كان رحيماً هذه بشارة طيبة، لأن الله سيتولاه.
أيها الأخوة، سيدنا خالد أسلم متأخراً، فلما أسلم قال عليه الصلاة والسلام:
((عجبت لك يا خالد، أرى لك فكراً))
[ورد في الأثر]
لذلك ورد في الأثر:
(( أن أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))
[ورد في الأثر]
فهذه أم عبد الله طمعت في إسلامه في حين أن زوجها كان يائساً من إسلامه لما يرى من غلظته وقوته وقسوته على المسلمين.
أي القلبين أقرب إلى الله:
أخوانا الكرام، بالمناسبة إن كان هناك مؤشر للإيمان ومؤشر للرحمة, اعلم علم اليقين أن المؤشرين يتحركان معاً، بقدر إيمانك وبقدر رحمتك، والله عز وجل يقول:
﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
( سورة الزمر الآية: 22 )
أبعد قلب عن الله القلب القاسي، وأقرب قلب إلى الله القلب الرحيم، وهل تصدقون أن بغياً من بني إسرائيل رأت كلباً يأكل الثرى من العطش فرقت له، وأدلت بخفها مع نطاقها وملئت خفها ماء فسقت الكلب؟ فشكر الله لها وغفر لها، لأنها رحمت هذا الكلب، بينما امرأة:
(( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض ))
[ متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
كيف نوفق بين هذين الحديثين ؟
أيها الأخوة، هناك ملمح آخر يجب أن يكون واضحًا عندكم، حينما جاء جبريل عليه السلام، وسأل سيد الأنام، قال: يا رسول الله! أتحب أن تكون نبياً ملكاً، أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً أجوع يوما فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره" كيف نوفق قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
وبين قول النبي الكريم حينما سُئل أتحب أن تكون نبياً ملكاً, أم نبياً عبداً؟ التوفيق سهل، القوي بماله، أو القوي بعلمه، أو القوي بمنصبه أقدر على العمل الصالح من الضعيف والجاهل ومحدود الإمكانات، القوي أقدر والضعيف أقل قدرة، والغني أقدر والفقير أقل قدرة، والذي يحتل منصب رفيع أقدر من الذي لا يحتله، لأنه عنده قدرة في إحقاق الحق وإبطال الباطل.
إليكم الحكمة الربانية في توزيع الحظوظ في الدنيا بين البشر:
أيها الأخوة, هناك ملمح ينفعنا جميعاً، المئة قوي إذا امتحنهم الله بالقوة قد ينجح منهم 10 %، و100 غني لو امتحنوا بالغنى قد ينجح منهم 10 %, لكن الـ 100 ضعيف قد ينجح 90, والـ 100 فقير قد ينجح 90، فإذا كان الواحد إيمانه قوي جداً أنا أدعو له أن يكون قوياً بالمعنى المادي، لأن أعماله الصالحة كبيرة جداً، والله هناك أعمال صالحة كالجبال، والله بعض أغنياء المسلمين لهم أعمال كالجبال، ويحملون عبئا كبير جداً، أما إذا كان الإنسان ضعيفاً فهو أقرب إلى العبودية من القوي.
هناك مغامرة، إذا كنت قوياً قد لا تنجح، وإذا كنت غنياً قد لا تنجح، لذلك أجمل ما يقال في هذا المقام علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، لكن الرابعة أقوى شيء، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ أنت على دخل محدود، من طلاب المساجد، مستقيم، بيتك إسلامي، دخلك حلال، إنفاقك حلال، زوجتك محجبة، لا تقترف المعاصي، لو كان معك ألف مليون، أين تكون؟ لا نعرف، من يعرف ذلك؟ الله وحده، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
(( إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ))
[ورد في الأثر]
دعاء النبي لأحد العمرين دخل في طور الاستجابة الإلهية:
أيها الأخوة، لا زلنا مع سيدنا عمر، الله عز وجل استجاب لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم عمر، لكن عدة روايات لا ترقى إلى مستوى الصحة تتحدث عن سبب إسلام عمر، لكن أقواها أن هذا الخليفة الراشد يوم كان في الجاهلية يبدو أنه أصغى إلى تلاوة القرآن، وقد سمعها من سيد الأنام، والقرآن فيه روعة وبيان، وتصوير لمشاهد يوم القيامة، ووصف للجنة والنار، رقى قلبه.
أحياناً تلقي محاضرة، هذه المحاضرة تضيف إلى قناعتك بهذا الدين خمسة غرامات، ومحاضرة ثانية خمسة غرامات، تتنامى قناعتك إلى أن تصل إلى درجة الالتزام عندئذٍ تطبق، في البداية أنت لست قانعاً، كلما استمعت إلى درس، كلما فهمت آية، كلما وصلت إلى معنى حديث صحيح، كلما قرأت عن مشهد بطولي لأصحاب رسول الله، كلما اطلعت على آية في الإعجاز العلمي تتنامى قناعاتك، فإذا تنامت قناعتك, ما الذي يحصل؟ تدخل في طور آخر وهو التطبيق.
إن صح التمثيل: ميزان، كفة للقناعات، وكفة للشهوات، كفة الشهوات راجحة، لو أن الشهوات مثلناها بعشرة كيلو هذه المحاضرة خمس غرامات، الكفة راجحة، الشهوات راجحة، هذه المحاضرة خمسون غرامًا، هذه خمسمئة، إلى أن تتجمع القناعات إلى مستوى الشهوات، تدخل بالصراع، تحتار أفعل أو لا تفعل, عندك قناعات كثيرة، عندك قوى ضاغطة، أما إذا جاءت القناعات مئة كيلو، والشهوات عشرة كيلو دخلت في الأعماق,
(( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[ورد في الأثر]
استجاب الله تعالى لدعوة رسول الله فأسلم عمر، وأعز الله به الإسلام والمسلمين.
ما هي الثمرة التي اقتطفها المسلمون من إسلام عمر:
1- أن المسلمين صلوا بالبيت العتيق:
أيها الأخوة, أول ثمرة من ثمرات إسلام عمر أن المسلمين صلوا بالبيت العتيق، ولم يكونوا يجرؤون أن يصلوا في هذا البيت إلا بعد أن أسلم عمر، وبعد أن أسلم حمزة امتنع الكفار عن إيذاء المسلمين،
(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))
[ أخرجه الترمذي في سننه]
سيدنا عبد الله بن مسعود, قال: " لقد رأيتنا ما نستطيع أن نصلي بالبيت العتيق حتى أسلم عمر، وما زلنا أعزة منذ أسلم عمر "، إن إسلامه كان نصراً، وهو ما عناه حبر الأمة عبد الله بن عباس حينما خاطب عمر رضي الله عنه بعد حادثة طعنه، فقال له: فلما أسلمت يا أمير المؤمنين كان إسلامك عزاً، وأظهر بك الإسلام وأيده وقواه.
لذلك كن قوياً، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله، وكن غنياً إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، أما إذا كان طريق القوة سالكاً على حساب دينك فمرحباً بالضعف، وإذا كان طريق الغنى سالكاً على حساب دينك مرحباً بالفقر.
لذلك قالوا: فرق بين المداهنة والمداراة، المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، والمداراة بذل الدنيا من أجل الدين، والفرق كبير بينهما.
هل سلم عمر من أذى قريش ؟
أيها الأخوة, فما أن علم جميل بن معمر الجمحي بإسلام عمر حتى قام يجر رداءه، وعمر خلفه، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن عمر قد صبأ، كان مصطلحًا لمن يسلم، وعمر خلفه، يقول: كذب والله، ولكنني أسلمت، وشهدت أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فساروا، حتى لقد سال بهم الوادي من كثرتهم يريدون قتله، لولا أن أجاره العاص بن وائل السهمي، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الفاروق، أي الذي فرق بين الحق والباطل.
سر الفرق بين هجرة النبي سراً وهجرة عمر جهراً ؟
أيها الأخوة, سيدنا عمر رضي الله عنه كان رجل مبدأ، وقد أنشئ متحف في بريطانيا سمي كهف العدالة، فيه أقوال هذا الخليفة العظيم، وأحكامه السديدة، سيدنا عمر هناك من يصفه بأنه عملاق الإسلام، وكان هذا الخليفة الراشد قوياً، لكن قد يتساءل بعضكم: كيف يهاجر جهاراً نهاراً، ويتحدى المشركين، بينما النبي عليه الصلاة والسلام يهاجر سراً متخفياً؟ النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، وسيدنا عمر غير مشرع، لو أن النبي هاجر كهجرة عمر لعد اقتحام الأخطار واجباً، ولعد أخذ الحيطة حراماً, فهلكت أمة النبي من بعده، ولكن النبي مشرع، وسيدنا عمر وقف موقف شخصي.
إن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى موضوع جديد موضوع الحصار الاقتصادي الذي ضربه المشركون حول المسلمين، والتاريخ يعيد نفسه.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( التاسع العاشر )
الموضوع : مقاطعة المشركين لرسول الله
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . ما هو الأسلوب الذي يستخدمه أعداء الدين حينما يفشلون من النيل من أهل الحق ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9307/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، واليوم ننتقل إلى المقاطعة، ودخول المسلمين في شعب أبي طالب، وقبل أن أبدأ عن تفاصيل هذه المقاطعة يجب أن تعلموا علم اليقين أن الإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان، وأن المؤمن هو المؤمن، وأن الكافر هو الكافر، وأن أعداء الحق هم أعداء الحق، وأن التاريخ يعيد نفسه، ألا تُستخدم المقاطعة اليوم كإجراء كيدي من المسلمين؟.
المقاطعة أسلوب من الأساليب التي تدخل بين معركة الحق والباطل، والإنسان أيها الأخوة حينما يتوقع المتوقع لا يفاجأ، أنا أتمنى على كل أخ مؤمن أن يعلم علم اليقين أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، هكذا شاءها الله عز وجل، ليرقى المسلم إلى أعلى عليين، قال تعالى:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾
( سورة محمد الآية: 4 )
إليكم هذا المثال للتوضيح:
أضرب لكم بعض الأمثلة: لو أن إنساناً عنده مطعماً يبيع الخمر، وتاب إلى الله توبة نصوح، الذي يحصل أن الدخل لهذا المطعم يقلّ إلى العشر، أليس الله قادراً أن يجعل الدخل يتضاعف بعد التوبة؟ شيء بديهي، ولكن حكمة الله جل جلاله تقتضي أن يدفع هذا التائب ثمن قراره البطولي، ليكون هذا الثمن وسام شرف له يرقى به في أعلى عليين، هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
النتيجة التي يحصل عليها التائب بعد نجاحه في الامتحان الرباني:
أيها الأخوة, منع المشركون المسلمين من دخول بيت الله الحرام، وهذا المنع بالمنظور الاقتصادي هو حصار، هذا المنع يقلل العوائد، والآن السياحة في معظم بلاد العالم تعبد من دون الله من أجل السياحة نضحي بأخلاقنا، وبأعراضنا، وبقيمنا، وبمبادئنا، فالله عز وجل يقــول:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
ما النتائج؟
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
أي فقراً, قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9307/02.jpg
﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
وكأن هذه الآية تبين أن دفع الثمن لا بد منه، ولكن بعد ذلك حينما يعلم الله من هذا التائب الصدق والإصرار، وحينما يضحي هذا التائب بدخله الكبير إرضاء لربه العظيم، عندئذٍ يفتح الله عليه، ويعوض له هذه الخسارة، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
بعد حين، قال تعالى:
﴿ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
عندئذٍ لك الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فالإنسان هو الإنسان، والمؤمن هو المؤمن، والكافر هو الكافر، والمنافق هو المنافق، وملة الكفر واحدة .
ما هو السبب الذي دفع قريش إلى مقاطعة المسلمين ؟
لماذا كانت المقاطعة؟ ذلك لأن قريشاً حينما أرسلت وفداً إلى النجاشي, يطلب من النجاشي أن يعيد هؤلاء المهاجرين إلى قريش لينكلوا بهم، منعهم النجاشي، وحماهم، وأمّنهم في بلده، فأخفقوا، وحينما أسلم سيدنا الحمزة خفت حدة الإيذاء للمسلمين، وحينما أسلم سيدنا عمر بن الخطاب استطاع المسلمون أن يصلُّوا في بيت الله الحرام، وهم آمنون مطمئنون لذلك فكرت قريش بموضوع المقاطعة
الحديث الذي ورد بموضوع المقاطعة:
وقد ذكر البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد مكان خيف بني كنانة موضعاً تقاسمت فيه قريش؛ أي أقسمت على أن تناهض هذا الدين، وعلى أن تبقى على كفرها وشركها، وتحالفت على مقاطعة بني هاشم، بنو هاشم تعاطفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، هم أهله، فلما تعاطفت بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وسلم اتخذت قريش قراراً بمقاطعتهم جميعاً، إلا أنه لم تثبت رواية في تفاصيل حادثة مقاطعة قريش للمسلمين، وفي تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب، على الرغم من أن أصل الحادث ثابت، حدث المقاطعة ثابت، لكن التفاصيل التي وردت في كتب السيرة أسانيدها ضعيفة لم تثبت بعد، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تاريخياً، الحادث حادث المقاطعة ثابت تاريخياً، والموضع التي تمت فيه قرارات المقاطعة ثابت أورده البخاري في صحيحه، لكن التفاصيل موجودة، إلا أن الأحاديث التي أوردتها لا ترقى إلى مستوى الصحة .
ولقد وردت الأخبار عن المقاطعة، ودخول المسلمين الشعب في مراسيل عروة بن الزبير، وتلاميذه الزهري، وأبي الأسود، أما عن تاريخ بداية الحصار فإنه وقع بعد إخفاق قريش في استعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كثروا، وعزوا بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي منع المسلمين وأمنهم، وأن الإسلام بدأ ينتشر في القبائل, هاجها الأمر، واشتد بلائها على المسلمين في مكة، وعزمت قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد ذكرت لكم من قبل أن عمير بن وهب, قال لصفوان: لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، فقال له صفوان: أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، وأما ديونك فهي علي بلغت ما بلغت، فامضِ بما أردت، فلذلك عمر بن وهب سقى سيفه سماً، وامتطى راحلته، وتوجه إلى المدينة المنورة ليقتل محمداً صلى الله عليه وسلم، وصل إلى المدينة رآه عمر، فقال: هذا عدو الله عمير جاء المدينة يريد شراً، وقيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، دخل على النبي، وهو يقوده مقيداً، قال له عليه الصلاة والسلام: أطلقه يا عمر، قال عمر: هذا عدو الله جاء يريد شراً، قال: يا عمر أطلقه، فأطلقه، قال: ابتعد عنه، فابتعد عنه، قال: ادن مني يا عمير، فدنا منه، قال: اجلس، فجلس، قال: سلم علينا، فقال عمير: عمت صباحاً يا محمد، قال له: قل: السلام عليكم، قال: لست بعيد عهد بسلام الجاهلية، هذا سلامنا، قال له النبي الكريم: يا عمير، ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت أفك ابني من الأسر، قال: وهذا السيف الذي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال: يا عمير، ألم تقل لصفوان: لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه؟ وقف عمير، وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن الذي قلته لصفوان كان بيني وبينه، ولا يعلمه أحد إلا الله، وأنت رسول الله، وأسلم .
أما صفوان بن أمية فكان يتوقع خبراً ساراً للمشركين، كان ينتظر على أبواب مكة يسأل الركبان عن خبر سار، وهو قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أن عمير بن وهب قد أسلم .
الشروط التي اشترطها مشركو قريش في المقاطعة بحق النبي وصحبه ومن انحاز معه من أقربائه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9307/03.jpg
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام كان خبيراً بقلب العدو إلى صديق، بينما هناك أناس ببساطة بالغة يحولون أصدقائهم إلى أعداء، قلبه كبير، نفسه مشرقة، يأنس الإنسان به بل يأنس عدوه به .
الشيء الذي قد نفاجأ به أن قريشاً هاجها الأمر، واشتد بلاءها على المسلمين، وعزمت على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قرارها، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم، وأن يحموه، فدخلوا الشعب جميعاً مسلمهم وكافرهم، ولم يشذ عن ذلك إلا أبو لهب بن عبد المطلب، فقد انحاز إلى كفار قريش وظاهرهم وأجمع مشركو قريش أمرهم، وائتمروا بينهم على ألا يجالسوا بني هاشم وبني عبد المطلب، وألا يخالطوهم، وألا يبيعوهم، وألا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا، حينما حوصرت بعض البلاد الإسلامية أقول لكم نتائج المحاصرة:
راتب أعلى رتبة في الجيش وصل لمستوى علبة من علب البيض، حينما تكون المحاصرة يكون بلاء كبير، اسألوا الله العافية، لذلك قال النبي الكريم:
(( لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))
[أخرجه الترمذي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أنس ]
قريش قاطعت بني هاشم، وبني عبد المطلب، ليضغطوا عليهم كي يضغطوا على محمد صلى الله عليه وسلم، فيعود عن هذه الدعوة، بل كان شرطهم قاسياً جداً، هذه المقاطعة لا تنتهي حتى يسلموا محمداً ليقتلوه، هذا الثمن، وكتبوا بهذه المقاطعة صحيفة علقوها في جوف الكعبة المشرفة، في السنة السابعة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تمت هذه المقاطعة .
ما هي الحكمة الربانية في خضوع النبي لهذه الابتلاءات ؟
أيها الأخوة, ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال:
(( لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة، وما لي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))
[أخرجه الترمذي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أنس ]
وقد يسأل أحدكم: ما ذنب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم أن يذوق الخوف والأذى والجوع؟ الجواب: النبي قدوة لنا، قدوة لنا في السراء، وقدوة لنا في الضراء .
مثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم ذاق الفقر، كان إذا دخل البيت, يسأل: (( أعندكم طعام؟ يقال له: لا، يقول: فإني صائم ))
[أخرجه مسلم عن عائشة في الصحيح]
النبي صلى الله عليه وسلم ذاق الغنى، عقب بعض الغزوات سأله أمير من أمراء العرب: لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله، هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ذاق الفقر, فكان قدوة في الصبر، وذاق الغنى، فكان قدوة في العطاء، وذاق النبي النصر في فتح مكة، وقد كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، فكان متواضعاً، وذاق القهر في الطائف، فقال: (( يا رب، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى ))
[ورد في الأثر]
ذاق موت الولد دمعت عيناه:
(( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنهما في الصحيح]
وذاق تطليق ابنتيه، وذاق أن يقول الناس عن زوجته الطاهرة: زانية، حديث الإفك فصبر، وذاق الهجرة، اقتلع من جذوره، وبعض أصحابه وصف له مكة في أيام الربيع، فدمعت عينه، وقال: لا تشوقنا يا أُصيل، لذلك يقول الله عز وجل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 21)
الفترة التي عاشها المسلمون ومن شايعهم في زمن الحصار:
أيها الأخوة، جزم بعض كتاب السيرة أن المقاطعة استمرت ثلاث سنين، صمد خلالها المسلمون، ومن شايعهم من بني هاشم، وبني عبد المطلب، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، ولم يكن يأتيهم من الأقوات إلا خُفية، يعني تهريباً، وكان ممن يصلهم حكيم بن خزام، وهشام بن عمر العامري، وزهير ابن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وزمعة بن الأسود، وأبو البحتري بن هشام، وكانت تربطهم ببني هاشم وبني عبد المطلب صِلات كثيرة، ما الذي حدث بعد هذه المقاطعة؟ اشتد البلاء .
بعد سنوات ثلاث من هذه المقاطعة تلاوم رجال من قريش، يعني لام بعضهم بعضاً على ما حدث، واجمعوا على نقل الصحيفة، وقد أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبقَ فيها سوى كلمات الشرك والظلم، وهكذا انتهت المقاطعة، وكان خروج المسلمين من الشعب السنة العاشرة من البعثة .
ما الحكمة الربانية من هذه الشدائد التي يمر بها المؤمن في الحياة الدنيا ؟
أيها الأخوة، كل محنة وراءها منحة من الله، وكل شِدةٍ وراءها شَدةٌ إلى الله، ومن سياسة ربنا جل جلاله أنه إذا امتحن المؤمن، ونجح في الامتحان فله بعد الامتحان مكافئة كبيرة .
حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف، وحينما بالغ أهل الطائف في إيقاع الأذى به، بل ضربوه، وسخروا منه، وكذبوه، ورفع يديه إلى السماء, وقال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9307/04.jpg
(( يا رب، إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ورد في الأثر]
ما الذي حدث بعد الطائف؟ الذي حدث كان الإسراء والمعراج، وقد بلغ النبي سدرة المنتهى، وقد أعلمه الله عز وجل أنه سيد ولد آدم، وأنه سيد الأنبياء والمرسلين .
دققوا في هذا الكلام، المؤمن الصادق المستقيم، إذا ابتلاه الله بابتلاء وصبر، بعد هذا الابتلاء منحة كبيرة، وإذا شدد الله عليه فصبر بعد هذه الشِدة شَدةٌ إلى الله عز وجل:
((عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنّ أَمْرَهُ كُلّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرّاءُ شَكَر َ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ المُؤْمِنِ))
[أخرجه مُسْلِمٌ عَنْ أبي يحيى صهيب بن سنان في الصحيح ]
بل إن هذه الشدائد التي تصيب المؤمن وردت في القرآن الكريم على أنها نعم باطنة، قال تعالى:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
( سورة لقمان الآية: 20 )
هل يبقى حال الدنيا على ما هي عليه ؟
أيها الأخوة، الطاعات والابتلاءات تنقضي, وتبقى ثمرتها، والدنيا بمباهجها وشهواتها تنقضي أيضاً، وتبقى تبعاتها، يعني الشر ينتهي، ويبقى أجر الصبر، والخير ينتهي، وتبقى تبعة التفلت، لذلك سأل ملك وزيره: أنبئني بحكمة إن كنت فرحاً أحزن، وإن كنت حزيناً أفرح، فقال له: كل حال يزول, قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
( سورة النحل الآية: 127 )
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾
( سورة الإنسان الآية: 27 )
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾
( سورة الضحى الآية: 4)
﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
( سورة هود الآية: 49)
لما خرج قارون على قومه بزينته:
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾
( سورة القصص الآية: 79-80 )
أخوتنا الكرام، شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان عجولاً، لأنه إذا اختار الآخرة اختار شيئاً بعد الموت، قاوم رغبته، وقاوم جبلته، ولهذا يرقى .
هل توانى النبي عن دعوته أثناء هذه المقاطعة الظالمة ؟
أيها الأخوة، وعلى الرغم من المقاطعة، وما أصاب المسلمين من جرائها من معاناة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عن الدعوة، فقد كان يخرج في الموسم يلتقي من يقدم إلى مكة للحج، ويعرض عليهم الإسلام، كما كان يعرض ذلك على كل من يتصل به من مشركي قريش، فلإنسان المؤمن لا يغير ولا يبدل، هدفه ثابت، وقيمه ثابتة، وسلوكه ثابت، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 23 )
ولكن بعض الناس في معركة الخندق, يقول: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، لذلك قال الله تعالى:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 10-12)
ثم يقول الله عز وجل:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 23 )
خاتمة الدرس:
المقاطعة هي موضوع هذا الدرس، وملة الكفر واحدة، والمقاطعة تتكرر من حين لآخر على بلاد المسلمين، فعلينا أن نصبر، وأن نحتسب، وأن نصطلح مع الله عز وجل، لأنه إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً، فقد اصطلح مع الله .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 07:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( العشرون )
الموضوع : عام الحزن
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ما هو المنهج العلمي الذي يمكن أن نستنبطه من سيرة النبي ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا يخفى عن الأخوة الكرام أن العبرة من هذه الدروس أن نستنبط من فعل رسول الله e، ومن سيرته، ومن مواقفه القواعد الصحيحة في التعامل، بل إن الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقعت وهي مقصودة لذاتها، وقعت ليقف النبي صلى الله عليه وسلم منها موقفاً كاملاً يعبر به عن سلوك يرضي الله عز وجل.
ذلك أن الحقيقة حينما يعبر عنها بالسلوك تكون أقوى في التأثير، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لها وجه آخر، وهو أن هناك مثالية حالمة، هناك من لا يلتفت إليها، يقول: ليست واقعية، فالنفس تبتعد عن المثالية الحالمة، وعن الواقعية المقيتة، ولكن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تجمع بين المثالية والواقعية بحق يمكن أن نسميها واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، والناس لا يتعلمون بآذانهم فحسب، بل يتعلمون بعيونهم، ولعل موقف النبي صلى الله عليه وسلم الموقف العملي أبلغ في الدلالة على فهم النبي في كتاب الله من كلامه، الموقف العملي حدي، بينما الكلام يحتمل التأويل.
فرأيي في موضوع إذا كان كلامياً فكلامي يحتمل التأويل، بينما إذا كان رأيي في الموضوع سلوكياً، السلوك حدي، من هنا جاءت قيمة فقه السيرة النبوية، والنبي كما تعلمون صلى الله عليه وسلم مشرّع في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي صفاته، وألصق شيء في حياتنا من هذا الدين العظيم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ما معنى أن رسول الله أسوة حسنة لنا ؟
أيها الأخوة, نحن نتعلم من سيرة النبي الشيء الكثير، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 21)
لأن الله جعله أسوة حسنة أذاقه كل شيء، أذاقه الفقر قالت عائشة رضي الله عنها:
(( دَخَلَ عَليّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً, فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَإنّي صَائِم ))
[ أخرجه مسلم في الصحيح]
أذاقه الغنى،
((سأله رجل: لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟! قال: لا، قال: أشهد أنك تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أشهد أنك رسول الله ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
أذاقه القهر في الطائف، كذبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم بإيذائه، فقال دعاءه المشهور:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى ))
[ورد في الأثر]
أذاقه النصر في فتح مكة، فسألهم:
(( ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ورد في الأثر]
أذاقه موت الولد، فقال:
(( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ))
[ أخرجه البُخَارِيُّ عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهما في الصحيح]
أذاقه موت الزوجة، وأذاقه تطليق البنات، وأذاقه الهجرة، لأن الله سبحانه وتعالى أذاقه كل شيء وقف الموقف الكامل.
أخوتنا الكرام، حقيقة دقيقة جداً، ليست بطولتك ألا تصاب بمصيبة، ولكن البطولة أنه إذا أصابتك مصيبة أن تقف الموقف الكامل منها، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نقف من هذه المصائب الموقف الكامل؟.
المصيبتان الكبيرتان اللتان دخلتا على النبي في السنة العاشرة من بعثته:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/02.jpg
وننتقل في سيرته صلى الله عليه وسلم إلى حادثين مأساويين مؤلمين وقعا في السنة العاشرة، حتى سمى كتاب السيرة السنة العاشرة عام الحزن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد إنسانيين، الأول سنده من الداخل، والثاني سنده من الخارج، فَقَدَ خديجة زوجته الحبيبة، وفَقَدَ عمه أبا طالب الذي كان داعماً له في مكة.
فكانت مصيبة النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة بوفاة عمه أبي طالب، وزوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، في آخر السنة العاشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن غادر المسلمون، هذه بعد المقاطعة التي استمرت سنوات ثلاث، وكان أبو طالب يحوط النبي ويغضب له.
كل مقدر آت:
أيها الأخوة, النبي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة للهجرة أصيب بمصيبتين كبيرتين، لكن يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم دائماً، حينما قال مرةً:
(( لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا ))
[ أخرجه مسلم في الصحيح
الحقيقة الناصعة أن الله وحده حي وباق على الدوام، وأن كل حال يزول، وأن كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت, صدق القائل:
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
وإن كل ابن أنثى وإن طـالت سلامتـه يوماً على آلة حـــــدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــــور جـنازة فاعلـــــــم أنك بعدها محمـول
أيها الأخوة الكرام، أنتم كمؤمنين حينما توطنون أنفسكم على أن هذه الدنيا دار ابتلاء، منزل ترح لا منزل فرح، إذا أيقنا أنها دار ابتلاء لا نفاجأ، هكذا.
المصائب التي تصيب المؤمن حتى ترفعه إلى بلوغ المقام:
1- مصيبة الدفع:
أيها الأخوة, المصائب التي تصيب المؤمنين، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 155-157 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/03.jpg
مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع، ضعفت همته، أفرغت صلاته من الخشوع، قرأ القرآن فلم يشعر بشيء، تأتيه شدة تحثه على مضاعفة جهده، تنعقد صلته بالله عز وجل، يكون قد قفز قفزة، قفز وتابع، فكلما ضعفت همته، وكلما بطأ سيره، وكلما لانت إرادته، تأتيه شدة تدفعه إلى الله عز وجل، تعزز مسيرته، تقوي إرادته، تسرع خطاه إلى الله عز وجل، هذه مصيبة الدفع، لذلك ورد في الأثر: " أن أوحى ربك إلى الدنيا أن تشدّدي، وتكدّري، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي "
أيها الأخوة، رجل كان شارداً عن الله شروداً كثيراً، أصيب بأزمة قلبية، ودخل في العناية المشددة، وألقي في رُوعه أنه سيموت، فناجى ربه، وقال: يا رب، لا أريد أن أقابلك عرياناً وبلا عمل صالح، أعطني مهلة كي أقابلك على عمل صالح، مد الله في عمره، التزم، درس، تعلم، جاء إلى مسجدنا، تأثر كثيراً، ندم كثيراً، بكى كثيراً، قال لي مرةً وأنا أناجي ربي قلت: يا رب، كل هذه السعادة التي منحتني إياها عقب هذا المرض العضال، لمَ لم ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ من شدة سعادته.
يد الله يد رحيمة، يد كريمة، يد معطاءة، يد الله تعمل في الخفاء، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، الحزانى في كنف الله، الحزانى معرضون إلى الرحمة، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزن خلاق، الحزن يصنع البطولات، يصنع الأمجاد، ولكن الرخاء، والغنى، والصحة, ماذا تفعلان بالإنسان؟ لا تفعل شيئاً.
2- مصيبة الرفع:
أيها الأخوة, هناك مصيبة أيضاً تصيب المؤمنين، اسمها مصيبة الرفع، له عند الله مقام لم يبلغ هذا المقام بعمله الصالح، عمله أقلّ من بلوغ هذا المقام، فساق الله له شدة، إن صبر عليها ارتقى إلى هذا المقام، والآية المتعلقة بالمؤمنين هي قوله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 155-157 )
المصائب التي تصيب الكفار والمشركين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/04.jpg
أيها الأخوة, أما الكفار والمشركون فمصائبهم نوعان:
1- مصائب ردع.
2- مصائب قصم.
إذا في المليون واحد فيه الخير فمصيبته ردع، وإن علم الله أنه لم ينتفع بهذه المصيبة, قال تعالى:
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
( سورة هود الآية: 36 )
تأتي مصيبة القصم، يبطش الله به، للكفار والمشركين المصيبة مصيبة ردع إن كان ثمة بقية خير فيهم، أو قصم حتى ينتهي كلياً.
المصائب التي يبتلى بها الأنبياء:
أيها الأخوة, بقيت مصائب الأنبياء والمرسلين، هذه مصائب كشف، هؤلاء قمم البشر، ينطوون على كمال لا يظهر أبداً بالأحوال العادية.
إنسان يمشي على قدميه ليس في الشام، في الحجاز، درجة الحرارة 56، بلاد لا نبات فيها، جبال وصحارى، والحر لا يحتمل، في هذه البيئة القاسية الحارة مشى النبي على قدميه إلى الطائف، كم كيلو قطع؟ 80 كم، من هنا إلى النبك مشياً على القدمين، والجبال عالية، والطرق وعرة، وصل إليهم، ينتظر أن يؤمنوا به، ويدعموه، ويعززوا موقفه بعد موت عمه وزوجته، فما كان منهم إلا أن كفروا به، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم كي يضربوه، وألجئوه إلى حائط، ودعا ربه الدعاء المشهور، فقال:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ورد في الأثر]
جاءه ملك الجبال، قال: يا محمد ـ الآن أعطي صلاحية الانتقام ـ لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين.
إذا استفز إنسان إنسانًا، وتمكن منه يسحقه، قال: لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، ما تخلى عن قومه، ودعا لهم، واعتذر عنهم، ورجا لهم ذرية صالحة، هذا الموقف، هذه مصيبة أن تُكذب، وأن يُسخر منك، و تُضرب.
لكن مرةً خطر في بالي خاطر، لماذا سمح الله لهؤلاء الصبية أن يضربوا سيد الخلق e، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، ومن أقسم الله بعمره الثمين، ومن بلغ سدرة المنتهى في المقام الأعلى؟ لأن أية داعية إلى يوم القيامة لو أنه أوذي في طلب دعوته له في رسول الله e أسوة حسنة، جبر خاطر.
لماذا اتهمت السيدة عائشة في أعز ما تملك المرأة؟ لأن أية مؤمنة ليوم القيامة لو أنها اتهمت خطأ وظلماً وعدواناً وهي بريئة مما اتهمت به فلها في السيدة عائشة أسوة حسنة.
أيها الأخوة، هذه مصائب كشف للأنبياء والمرسلين.
المراحل التي يجتازها المؤمن أثناء التربية الإلهية حتى يحقق سعادته في الدنيا والآخرة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/05.jpg
أيها الأخوة, في حياة المؤمن مرحلة اسمها التأديب، ومرحلة اسمها الابتلاء، الطالب أجاب إجابة صحيحة، يقول له المدرس: متأكد؟ يقول: لا، أخطأت، لعله نقلها من صديقه أو سمعها منه, الآن يمتحن، الابتلاء ليس شرطاً أن يسبقه معصية، الابتلاء امتحان المصداقية، امتحان التأكد، فمرحلة يؤدب فيها المؤمن، ومرحلة يبتلى ويمتحن، وفي مرحلة يكرم، هذه المراحل تكون متمايزة أو متداخلة، لكن أطمئنكم أن حياة المؤمن إذا أدبه الله، واستقام على أمره، وإذا امتحنه ونجح في الامتحان لا تستقر ولا تستمر إلا على الإكرام، هذا معنى قوله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل الآية: 97 )
هذا معنى قوله تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن الآية: 46 )
هذا معنى قول بعض العلماء: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، هذا معنى قوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
( سورة الرعد الآية: 28 )
هذا معنى قول أحد العارفين:
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنـا
ولـــــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنـا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً في حبنـا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة لــــمت قتيلاً و اشتياقاً لقربنـا
إذاً: هذه المصائب، وتلك الإجراءات التي تقتضي سلامة المؤمن، وهي مرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، ومرحلة التكريم.
الدعوة البيانية:
أيها الأخوة، كتعليق دقيق جداً، ونحن في أمسّ الحاجة إلية، الله عز وجل كريم، لطيف، رحيم، في حديث قدسي يذوب القلب له، يقول ربنا جل جلاله فيما يرويه عنه النبي صلى الله عليه وسلم:
(( ما ترددت ـ الله لا يتردد ـ في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المسلم، يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له من الموت ))
[ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في الصحيح ]
ربنا عز وجل قبل أن يقبض عبده المؤمن يكره مساءته، هكذا الحديث،
(( أكره مساءته ))
هو يكره الموت، (( وأنا أكره مساءته ))
إذاً: الله عز وجل قبل أن يسوق للإنسان المصيبة لا بد من أنها ضرورية جداً، فلذلك الله عز وجل يبدأ بالهدى البياني، وأنت صحيح معافى، تتمتع بحواسك الخمس، ولك بيت وأهل وزوجة، ولا تشكو من شيء، يسمعك موضوعاً إسلامياً، يبين لك خطيب المسجد، وأنت جالس حكماً شرعياً، أو موقفًا لصحابي كبير، هذا اسمه الهدى البياني، بيان فقط، مرتاح، خطبة، درس، كتاب, مقالة، ندوة، يبين الله لك الحقيقة، أكمل موقف هذا للهدى البياني أن تستجيب لله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية: 24 )
فإن لم تستجب أخضعك الله لإجراء آخر، التأديب التربوي:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة الآية: 21 )
أكمل موقف في التأديب التربوي أن تتوب إلى الله، فإن لم تتب أخضعك الله لإجراء ثالث، الإكرام الاستدراجي, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
فإن لم تعُدْ إلى الله جاء الإجراء الرابع الذي لا بد منه، وهو القصم، هكذا، فأسأل الله لي ولكم أن نكون في المرحلة الأولى، الهدى البياني.
العمل الصالح إن لم يسبقه إيمان بالله لا قيمة له:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/06.jpg
أيها الأخوة, ولكن الشيء الذي أتمنى ألا أذكره أن أبا طالب رغم كل جهده في صون النبي e، وفي الدفاع عنه، وفي تعزيز مكانته لم يُسلِم، هذا المغزى خطير جداً، العمل الصالح إن لم يُبْنَ على الإيمان فلا قيمة له، وما من إنسان في أول البعثة قدم خدمة لسيد الأنام كعمه أبي طالب، ومع ذلك لم يُسلِم، وكان أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم، ويغضب له، وكان ينصره، وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعمائها حين حضرته الوفاة، فحرضوه على التمسك باللات والعزى، وعدم الدخول في الإسلام، وعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بإلحاح طالباً منه أن يتلفظ بالشهادتين ليشهد له بها يوم القيامة، وكان رد عمه عليه: لولا أن تعيرني بها قريش، يقولون: إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك، رفض أن ينطق بالشهادة، ولا أحب أن أكمل، وهذه حكمة بالغة أنه ما مِن عمل إن لم يُبْن على إيمان بالله فهذا العمل يكون هباءً منثورا.
أيعقل أن يموت الإنسان من دون إيمان بالله، وهذا الكون كله ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله؟ أنزل الله عز وجل بعد هذه الحادثة:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
( سورة القصص الآية: 56 )
فإذا كان منا مؤمن بخالق الأكوان فهو في نعمة كبيرة، هناك من لا يستطيع أن ينطق بالشهادة عند الموت، بل عند الموت يذكر الإنسان الشيء الذي كان مهتماً به في حياته، فالذي أمضى حياته في لعب النرد لا يذكر وقت مغادرة الدنيا إلا لعب النرد، والذي أمضى حياته في المعاصي والآثام لا يذكر إلا المعاصي والآثام.
إليكم هذه الروايات التي لا أصل لها في إسلام أبي طالب:
أيها الأخوة, هناك روايات تقول: أنه أسلم, هذه الروايات لا أصل لها، ليست موثقة، وليست صحيحة، فنحن لا علاقة لنا بذلك، الله عز وجل هو ربه، وهو يتولى أمره، ونحن نتألم ألماً شديداً، ونتمنى أن هذا الإنسان الذي أحاط الدعوة بكل طاقته، وأمدها بقوته، ودافع عن النبي صلى الله عليه وسلم لعل الله يقبل منه هذا العمل الطيب، وتقييم العباد من شأن الله وحده
أما ما نقله ابن إسحاق من أن العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال عليه الصلاة والسلام: لم أسمع، فهو خبر لم يصح.
ما معنى التألي على الله ؟
أيها الأخوة, لا نريد وهمًا مريحًا، نريد حقيقة مُرّة، الوهم المريح ما له قيمة، مثلاً: ما الذي يحدث الآن؟ يكون تاركًا للصلاة، ما توجه إلى القبلة في حياته، وماله حرام، وغارق بالمشروبات، يموت، يقول أهله: رأيناه في الرؤيا كبة نور، يرتدي ثيابًا بيضاء، هذا كلام لا يصح، أرح نفسك من تقييم الأشخاص، تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، وأنت حينما تقيم تطاولت على الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أحد أصحابه، وقد توفاه الله، واسمه أبو السائب، فسمع امرأة, تقول: هنيئاً لك أبا السائب، لقد أكرمك الله، لو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً، فسألها: ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قال: قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، وهو سيد الخلق، هذا سماه العلماء: التألّي على الله, أن تقول: فلان من أهل الجنة، من أنت؟ قل: أرجو أن يكون من أهل الجنة، أو تقول: فلان في النار، من قال لك ذلك؟ إذا تاب قد يسبقك، فأن تحكم على العباد مستقبلاً هذا تألي على الله، وهذا تطاول على الذات الإلهية.
بل إن العلماء السابقين رحمهم الله تعالى إن كلفوا بتقييم إنسان, يقولون: نحسبه صالحاً، ولا نزكي على الله أحداً.
لما استخلف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عمر بن الخطاب، وخوفه بعض الصحابة بأن عمر شديد على أصحابه، فقال الصديق: أتخوفونني بالله؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة: لمَ وليت عليهم عمر, لأقولن له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغيّر فلا علم لي بالغيب.
مثلاً: الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، هذا الإنسان العظيم الذي ترك الإحياء، قال بعد أن مات، ورآه بعض تلاميذه في الرؤيا، وقد قيل له: يا إمام، ما فعل الله بك؟ قال: لم ينفعني عملي من شيء، له أعمال كالجبال، لكن الله غفر لي بذويبية, كائن متحرك، حجمه أقل من واحد على مئة بالميليمتر، نقطة سوداء تتحرك على الكتاب، هذه الذويبية, قال: وقفت ذويبية على كلمة كتبتها لتشرب من الحبر، فانتظرتها، فرحمني الله بها، هذا خلل في الدين، أعمال، ومؤلفات، وهجرة في سبيل الحق، حتى يقنعك أن الدين ليس بالعمل، أما الحقيقة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم, قال تعالى:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
( سورة النحل الآية: 32 )
أي اقتسموا الجنة بأعمالكم، أما أصل دخولها فبرحمة الله.
المكانة التي تحتلها السيدة خديجة عند رسول الله:
أيها الأخوة, وقد فَقَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عمه سنداً كبيراً، إذ لم يعد بنو هاشم مستعدين لتقديم القدر نفسه من الحماية للنبي e لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسية، كما تبين من المقاطعة، أما خديجة بنت خويلد فإنها امرأة عملاقة، إنها امرأة تعلم النساء جميعاً, كيف تكون الزوجة؟ لا تنسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة دعاه سادتها لبيت عندهم، قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها، ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، أما خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين، في عام وفاة أبي طالب نفسه، وكانت خديجة وزيرة صدق.
أخوانا الكرام، هناك ملمح في هذه المرأة لا يصدق، حينما جاءه الوحي، وجاء إلى البيت مضطرباً عليه الصلاة والسلام، ماذا قالت له؟ لم يأتِ الوحي بعد، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتطعم الجائع، وتكسو العاري، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصل الرحم، وتعين نوائب الدهر، أنى لها هذه المعرفة؟ هذه الفطرة.
هل يمكن أن يتخلى الله عن عبده المؤمن المنضبط عند حدود شرعه ؟
أيها الأخوة: أي شاب مؤمن، مستقيم, يجب أن يتفاءل مهما تكون الظروف صعبة, قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة الآية: 18)
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36 )
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 )
أيها الأخوة, مستحيل، وألف ألف ألفِ مستحيل أن يعامل المستقيم كالمنحرف، والصادق كالكاذب، والأمين كالخائن، والمنصف كالجاحد، وأن يستوي هؤلاء مع هؤلاء، هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب ـ دققوا فيما سأقول ـ بل يتناقض مع وجو د الله، بأي زمان كنت، بأي مكان، بأي ظرف صعب، بأي حالة اضطراب، لك معاملة خاصة, قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 88 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9308/07.jpg
يا معاذ،
(( سأل النبي معاذ بن جبل، وكان رديفه على الدابة، ما حق الله على عباده؟ فقال: الله ورسول أعلم، فأعاد عليه السؤال ثانية، يا معاذ، ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسول أعلم، ثم سأله ثالثة، ما حق الله على عباده؟ فقال عليه الصلاة والسلام: حق الله على عباده أن يعبدوه، وألا يشركوا به شيئاً، ثم سأله يا معاذ ـ الآن دققوا ـ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: الله ورسول أعلم، سأله ثانية، وثالثة، ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
اطمئنوا، أنت إذا عبدت الله أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، لذلك:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 88 )
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الروم الآية: 47)
خاتمة الدرس:
أيها الأخوة الكرام، ننتقل في درس قادم إن شاء الله إلى رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهذا العام هو عام الحزن، لأن النبي فقد سنده من الداخل، وفقد سنده من الخارج، فسماه علماء السيرة عام الحزن، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الواحد و العشرون )
الموضوع : الرحلة إلى الطائف - المحن قبل المنح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. دلائل وعِبر رحلة النبي صلى الله عليه و سلم إلى الطائف
أيها الإخوة الكرام، توقفنا في دروس فقه السيرة النبوية عند مكان سبق رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، هذه الرحلة لها دلالات كثيرة، أنا لا أعتقد مسلماً واحداً لا يعرف مجمل هذه الرحلة، ولكن درسنا متعلق بفقه السيرة، فماذا نستفيد من رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ؟
1. كل محنة وراءها منحة
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2391/01.jpg
أيها الإخوة، ما من محنة تصيب المؤمن مطلقاً إلا وراءها منحة، وما من شِدة يقع بالمؤمن إلا وراءها شَدة إلى الله، المحنة تنتهي بمنحة، الشِدة تنتهي بشَدة، ذلك لأن هذه الدنيا في الأصل دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، لأن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى.
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
( سورة المؤمنين )
ويوم توطّن نفسك على أن هذه الدنيا دار ابتلاء لا تفاجَأ بالابتلاء، وفي الحديث عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ:
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))
[الترمذي]
فكلما زاد إيمانك اشتد بلاؤك الدعوي، وهناك بلاء عقاب.
أنواع الابتلاء:
أيها الإخوة، هذا الموضوع لا بد من أن نعرج على أنوع الابتلاء
1.مصيبة ردع أو مصيبة قصم:
هذه تنزل بالكفار والمشركين والشاردين. ﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
( سورة هود ).
الذي شرد عن الله عز وجل، والذي ابتعد عن الدين بُعداً كبيراً هذا إن كان فيه بقية خير يردعه الله، وإن لم يكن فيه خير يقصمه الله، لا علاقة لنا في هذا الدرس بمصائب القصم أو الردع،
2. ابتلاء دفع إلى الله:
لكن نحن إن شاء الله كمؤمنين علاقتنا بآية ثانية:
كل يوم تهديدات: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
( سورة البقرة ).
إذاً يبتلى المؤمن، ولكن هناك حقيقة، أن لك عند الله مرتبة، فإما أن تبلغها بالعمل الصالح، وإما أن تبلغها بالصبر على مصيبة، أيهما أهون ؟ إما أن تبلغها بعمل صالح تتألق به، وإما أن تصبر على مصيبة.
أنا أنصح الإخوة المؤمنين أنهم إذا شمروا لخدمة الخلق يبلغون مرتبتهم عند الله بعمل لا بصبر، وإلا فلا بد من أن يرحمنا الله عز وجل، هذه الدنيا ليست دار نعيم، لكنها دار ابتلاء، فالمؤمن مبتلى، والآية تقول:
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2391/02.jpg
لكن المؤمن بلاءه بسبب ضعف سيره إلى الله أحياناً، فيكون الابتلاء ابتلاء دفع إلى الله.
حدثني أخ أنه في زلازل تركيا لم تتسع المساجد في الأوقات الخمسة للمصلين، ولا الصحن، حتى أوجدوا ملحقات للمساجد عقب الزلزال.
أيها الإخوة، بين أن تخاف بعقلك وأن تخاف بعينك فرق كبير جداً، فكلما ارتقى عقل الإنسان خاف بعقله، وكلما هبط عقل الإنسان خاف بعينه، فالإنسان ضعيف التفكير عند الخطر يخاف، أما العاقل فيتوقع الخطر، فيستعد لعدم بلوغه بطاعة الله عز وجل،
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
فالمؤمن مصيبته مصيبة دفع، عنده سرعة بطيئة، وتهاون، فيجعل الله عز وجل له شبح مصيبة فيغدو إلى الله.
مرة سألني أحدهم سؤالا في دعابة فأجبت عليه بإجابة لطيفة، قال لي: ما ملخص دعوتك في الأعوام الثلاثين ؟ قلت له: إما أن تأتيه مسرعاً، وإما أن يأتي بك مسرعاً، اختر واحدة، إما أن تأتيه طواعية برغبتك وبمبادرة منك، وإما أن يأتي بك مسرعاً.
لي أخ التحق بالمسجد من سنوات عدة، قال لي: قبل أن اصطلح مع الله كنت أعمل في عمل تجاري درّ علي مبالغ كبيرة جداً، والله قال لي بالحرف الواحد: وضعت في جيبي 500 ألف، وتوجهت إلى بلد بعيد كي أستمتع، ولم آخذ معي أحداً، وصل إلى هذا البلد البعيد، وهو يحلم بأن يمضي شهراً كما يحب من دون قيد، من دون ضابط، من دون رقابة، من دون محاسبة، من دون تكليف، وإذ آلام في ظهره، قال: فدخلت إلى المستشفى، وأجريت الفحوص، نتائج التشخيص سرطان في العمود الفقري، قال لي: عدت أدراجي إلى الشام أتنقل من مسجد إلى مسجد، ومن شيخ إلى شيخ، وتاب الله عليه.
فإما أن تأتيه مسرعاً، وإما أن يأتي بك مسرعاً، عند الله أساليب تدع الحليم حيران.
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
( سورة البروج ).
هناك فتاة تحب أن تتوظف في التدريس، وهي متفلتة، سافرة، لا تصلي، قدمت أوراقها الثبوتية فطولبت بشهادة صحية من مشفى المجتهد، ذهبت إلى المشفى، وأجرت فحصاً شاملاً، فكان الجواب سلّ رئوي، وهو مرض مُعدٍ، فعلم أهلها بذلك، وابتعدوا عنها، وجعلوها تقبع في غرفتها، واستخدموا لها أدوات خاصة بها، وبقيت تبكي، وتبكي، وتَبكي، وقد رأت مصيرها الأسود، ثم خطر لها أن تتوب إلى الله، وأن تصطلح معه، وأن تبدأ بالصلاة، وأن تبدأ بالحجاب، وبعد أن تابت إلى الله عز وجل ذهب أخوها إلى المستشفى ليتأكد من النتيجة، فإذا بالنتيجة ليست لها، بل لغيرها، لكن الله سبحانه وتعالى أتى بها مسرعة، فإما أن تأتيه مسرعاً، أو يأتي بك مسرعاً.
إذاً الكفار والمشركون مصائبهم مصائب ردع أو قصم، أما المؤمنون فمصائبهم مصائب دفع أو رفع.
2. مصيبة الطائف كانت مصيبة كشف
درسنا السيرة النبوية، ما نوع مصيبة الطائف للنبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال العلماء: هي مصيبة كشف، لأن النبي صلى الله عليه و سلم ينطوي على كمال لا يمكن أن يظهر إلا بهذه الطريقة.
للتقريب: عندك مركبة قوة محركها ألف حصان، هذه المركبة لا تبدو ميزاتها في الطريق السهل، ولا في الطريق النازلة، ولا في الطريق الصاعدة صعوداً بطيئاً، تبدو ميزاتها في طريق يكاد يكون حائطاً.
فالنبي عليه الصلاة والسلام ينطوي على كمال لا يظهر إلا بهذه المصيبة، لذلك كانت مصائب الأنبياء والمرسلين مصائب كشف، لأنها كشفت لهم عن كمالهم.
لو أن إنسانًا يحمل دكتوراه، وأخطأ المتكلم، وقال له: أستاذ، يقيم عليه الدنيا ولا يقعدها، فكيف إذا لم يرفق بأية صفة علمية !؟ فكيف إذا تهجمتَ عليه !؟ فكيف إذا نظرت إليه نظرة قاسية !؟ فكيف إذا شتمته !؟ فكيف إذا ضربته !؟ .
سيد الخلق وحبيب الحق أغرى أهل الطائفُ صبيانهم أن يضربوه، ماذا فعل ؟ الآن إذا كانت زوجة أحدهم أكبر منه بخمس سنوات يندب حظه طول حياته، يقول: غلطت !؟ وأخذتها كبيرة، سيدنا الصديق كان مما يؤثر عنه أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط، والدعاء المعروف !؟ والله يحتاج الآن كل مسلم وكأنه معنا:
(( اللهم إليكَ أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس ))
[الجامع الصغير عن عبد الله بن جعفر]
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ـ مليار وأربع مئة مليون ـ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
[أبو داود وأحمد]
النبي عليه الصلاة والسلام نصِر بالرعب مسيرة شهر، وأمته حينما تركت سنته التزمت بالرعب مسيرة عام.
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ))
3. مصيبة للمؤمنين هي دفع أو رفع
أحدهم أصابه الله بمرض، وأنا والله لا أزكي على الله أحدا، لكنني أحسبه مستقيماً استقامة تامة، وأحسبه بذل كل ما في وسعه لتعليم النشء الجديد وهدايته، وهو ملتزم، وصالح، وزوجته محجبة، دخله حلال، أصيب بمرض، قلت له: أشد الناس بلاء الأنبياء، والنبي أشدهم بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر إيمانه.
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
( سورة الطور الآية: 48 ).
من الخطأ الكبير الشنيع أن تتوهم أن المصائب كلها من نوع واحد، هناك مصيبة قصم والعياذ بالله.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2391/03.jpg
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))
[مسلم]
فالمصيبة لأهل الدنيا الشاربين، الكافرين، المشركين، مصيبة قصم أو ردع، لكن للمؤمنين هي مصيبة دفع أو رفع.
وفي الأثر: " وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ".
إذا وصلنا إلى القبر، وقد طهرنا الله من أدران الدنيا، من شهوات الدنيا، من شبهات الدنيا، فنحن في خير كبير، أخطر مرض لا أعراض له، كالسرطان، فإذا كان لمرض أعراض فهذا نعمة كبيرة، في البدايات يتحرك المريض، أما الأمراض الوبيلة التي ليس لها أعراض كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
( سورة الأنعام ).
4. المؤمن يرضى بكل الشدائد إذا كان الله راضىٍ عنه
من دون أعراض، موت مفاجئ، أما المؤمن فهو مبتلى، مذنب تواب، إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ))
أيْ: يا رب إن كانت هذه الشدة التي أنا فيها لا علاقة لها بمحبتك لي ورضاك عني فأنا لا أبالي.
فليتك تحلو و الحياة مـــريرة و ليتك ترضى والأنام غِضـابُ
و ليت الذي بيني و بينك عامـر و بيني وبين العالمين خــرابُ
وليت شرابي من ودادك سائـغ وشربي من ماء الـفرات سرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هيّن و الكل الذي فوق الـتراب تراب
هذا المؤمن يرضى بكل شيء، لكنه يقلق أشد القلق أن يغضب الله عليه.
أطع أمرنا نرفع لأجلك حــجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحـــبنا
ولذ بحمانا و احتمِ بجـنـــابنا لنحميك مما فيه أشرار خـــلقنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــل وأخلص لنا تلق المسرة و الــهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكـن فما القرب والإبعاد إلا بأمـــرنا
فلو لاح من أنوارنا لك لائــح تركت جميع الكائنات لأجلـــنا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى سهولته قلنا له:قد جهلـــــتنا
لذلك: (( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ))
إذا كان هذا الذي أصابني لا علاقة له بمحبتك، ولا برضوانك فلا أبالي.
سيدنا عمر رضي الله عن عمر له كلمة رائعة، كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله ثلاثًا ـ كلمة رائعة جداً ـ كان إذا أصابته مصيبة قال: الحمد لله ثلاثًا، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ـ صلاتك، صيامك، غض بصرك، دخلك، إنفاقك، بيتك، زوجتك، بناتك، سهراتك، لقاءاتك، كلامك، كله وفق منهج الله ـ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، كل شيء في الدنيا يعوَّض، بل إن أكبر مرض في الدنيا ينتهي عند الموت، وموته على الإيمان خير من الدنيا وما فيها.
جاءتني خاطرة، قبل أيام كنت في الطريق فرأيت جنازة، حدثت نفسي لو أن هذا الذي في النعش مات على الإيمان، مِمَّ استراح ؟ استراح من ارتفاع الدولار، واستراح من الضغوط، واستراح من القلق، واستراح من شبح حرب أهلية، أليس كذلك ؟ واستراح من مكر الأعداء، عددت أكثر من ثلاثين بندًا، استراح منها لو أنه مات على الإيمان طبعاً.
الموت راحة كل المؤمن
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2391/04.jpg
لذلك عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ:
(( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ))
[ متفق عليه ].
العبد المؤمن إذا مات استراح من عناء الدنيا، انتهى التكليف، انتهت الفتن، انتهت النساء الكاسيات العاريات، انتهى عقوق الأبناء، انتهت الزوجة السيئة، انتهى الشريك الصعب، إذا مات العبد المؤمن استراح من عناء الدنيا، دققوا الآن:
(( وإذا مات َالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشّجَرُ وَالدّوَاب ))
البلاد الجماد، والعباد البشر، والشجر النبات، والدواب الحيوانات.
الفرق بين الأنبياء و الأقوياء
لذلك أيها الإخوة، في الأرض زمرتان: أقوياء وأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء أخذوا، ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا، ولم يأخذوا، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم، وبعد موتهم ، وبعد 1400 عام من موتهم، اذهب إلى المدينة المنورة، ملايين، من الهند، من باكستان، من الصين، من بنغلادش، من الشرق الأوسط، من المغرب، الكل يبكي أمام قبره، ما التقوا معه، ماذا أعطاهم ؟ والله هذا شيء لا يكاد يصدق، يا رب، ما هذا الإنسان ؟ يقف الإنسان أمام قبره بكل أدب، ويقول له: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام عليك يا سيدي يا حبيب الله، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت بالله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
نحن الآن ماذا قدمنا للإسلام ؟
النبي صلى الله عليه و سلم ذهب إلى الطائف، وكذبه أهلها، وسخروا منه، واستهزؤوا به، وقال أحدهم له: والله لو أنك صادق فيما تقول لمزقت ثياب الكعبة، ثم ضربوه، حتى سال الدم من أعضائه، ماذا قدمت أنت ؟ الرحلة بالطائرة من المدينة إلى جدة أو بالعكس تستغرق خمسا وثلاثين دقيقة، المقاعد مريحة ووثيرة، والطائرة مكيفة، مع طعام، مع ضيافة، أما النبي صلى الله عليه و سلم فقد قطعها في الهجرة في اثني عشر يوماً، ودمه مهدور، ومئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ في الله، وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ مثلي ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس رضي الله عنهما ]
إنه بشر، ولأنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ].
سيدنا خالد هذا الذي فتح هذه البلاد، قال: " خضت مئة معركة، وليس في بدني موضع إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء ".
بماذا أنت مطالب اليوم ؟ بحضور مجلس علم فقط في مسجد فيه سجاد، وتدفئة، وصوت ، بماذا أنت مطالب اليوم ؟ بأداء الصلوات، بصيام رمضان، بغض بصرك، بتربية أولادك.
سيدنا ابن رواحة عينه النبي عليه الصلاة والسلام القائد الثالث في مؤتة، أول قائد كان زيد بن حارث، حمل الراية، وقاتل بها حتى قتل، جاء بعده سيدنا جعفر، أمسك الراية، وقاتل بها حتى قتل، جاء دور ابن رواحة، وكان شاعراً، أنا عددت كم يستغرق الوقت لبيتين من الشعر، قال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت وإن توليت فـــقد شقيت
تردد عشر ثوانٍ، لا بتقديم ماله، بل بتقديم نفسه، قال عليه الصلاة والسلام:
أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني أراه يطير في الجنة بجناحين، وسكت، فلما سكت النبي صلى الله عليه و سلم قلق أصحاب رسول الله على أخيهم عبد الله، قالوا: يا رسول الله، ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذها عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه ، هبط مقامه، لماذا ؟ لأنه تردد عشر ثوان بتقديم روحه لله.
بماذا أنتم الآن مكلفون ؟ فقط بحضور درس علم، من أجل أن تعرفوا ربكم، بماذا انتم مطالبون ؟ بخمس صلوات، كل صلاة ثلث ساعة، بماذا أنتم مطالبون ؟ ماذا قدمنا ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2391/05.jpg
موضوع الطائف أيها الإخوة امتحن الله به سيد الخلق وحبيب الحق، فكشف هذا الامتحان كماله صلى الله عليه و سلم، قلت قبل قليل: إن واحدًا يحمل لقب دكتور، وإذا قال له أحدهم: أستاذ، لا يتحمل، تعاتبه، فكيف إذا لم يقل لك شيئًا ؟!
بالمناسبة، يمكن ما من إنسان على وجه الأرض فيما أعتقد يحب إنساناً كحب الصدِّيق لرسول الله صلى الله عليه و سلم، لكن العجب لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، ما قال: رسول الله، وما قال: نبي الله، كان يقول: يا حبيبي يا رسول الله، قال:
(( أَمَّا بَعْدُ ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ] وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ... إِلَى الشَّاكِرِينَ ))
[متفق عليه]
ليرسخ التوحيد، العبادة لله وحده، من كان يعبد محمداً، فالنبي عليه الصلاة والسلام ضُرب، وكُذب، واستهزأ به، وأعلن أن يا رب، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، وإن كان بك عليّ غضب يا رب فإني أستسمحك عذراً، فاغفر لي يا رب، يا ترى أنت لك مناجاة مع الله ؟ تخاطبه، جلست صباحاً بعد الصلاة، قبل أن تنام، تستغفره، تعلن عن محبتك له، في الصلاة يقول لك الإمام: سمع الله لمن حمده، يعني أنا يا عبدي استمع إليك، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وإن كان في غضب لك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، أنا ما رأيت دعاء بليغًا جامعًا مانعًا شاملا عميقًا كهذا الدعاء، ما هذا الموقف، يا رب، هذه المصيبة إن عبرت عن غضبك فأنا أقلق لها أشد الغضب، ولك العتبى حتى ترضى، وإن لم يكن لها علاقة برضاك عني ومحبتك لي فلا أبالي، أنا أتحملها، لكن الأدب، لكن عافيتك أوسع لي أريد لي، لا تسأل الله الابتلاء، قد لا تحتمل، قل: لكن عافيتك أوسع لي، تأدب مع الله، نحن في محنة كهذه المحنة.
الحزن خلاق
إخوانا الكرام، الحزن خلاق، الحزن يجعل للإنسان يتألق، أنا رأيت ماسة في استنبول بمتحف مشهور جداً اسمه ( توبي كبي )، بلغوني أن ثمن الماسة 150 مليون دولار، والماس فحم، لو أتينا بفحمة سوداء بحجم هذه الماسة كم ثمنها ؟ ولا ليرة، كيف تحول الفحم إلى ماس ؟ من شدة الضغط، ومن شدة الحرارة.
معنى ذلك لما يبتلي الله المؤمن، ويخوفه، يفقره أحياناً، يخوفه من عدو ، ويلجأ إلى الله، ويراجع نفسه، ويتوب، ويناجي ربه يتألق، لأن المصائب محك الرجال، والحزن خلاق، الحزانى في كنف الله، الحزانى معرضون للرحمة.
(( إن الله تعالى يحب كل قلب حزين ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2391/06.jpg
ادخل إلى مسجد تجد عددًا كبيرًا من الناس، أنا والله لا أبالغ، لكن بحسب رغبتي 90% من الحاضرين تألقوا مع الله بسبب شدة أصابتهم سابقاً.
أعرف رجلا بعيدًا عن الدين بُعد الأرض عن السماء، يحمل شهادة عليا بفرع نادر، وجميل الصورة، ومتفلت في مزاحه، وفي لسانه، وفي عقيدته، يستهزأ، تزوج فتاة تروق له، فأنجبت له بنتاً صغيرة، كاد عقله يذهب بحبها، فإذا هي تصاب بمرض عضال في دمها، أنا أعرفه شارداً، أعرفه غارقاً في المعاصي والآثام، أعرفه بعيداً عن الدين، فجأة وجدته في حال لا يصدق من الإنابة والتوبة والخشوع، سألته: ما الذي حصل ؟ قال: هذه البنت الصغيرة أصابها مرض عضال، لم أبقِ طبيباً إلا وعرضتها عليه، ثم باع بيته، وذهب بها إلى بريطانيا، ولم تشفَ من مرضها، بعد هذه المحاولات اليائسة ألهم أن إذا تبت إلى الله أنا وزوجتي لعل الله يشفيها، بدأ يصلي، وحجب زوجته، والتزم في مسجدي، ثم شفاها الله، وبعد حين دُعيت إلى عقد قران من قِبله لابنته، وألقيت كلمة، ولما انتهت الكلمة سألته: هيَ هي ؟! قال: هيَ هي، والله بكيت، قلت: يا رب، هذا المرض الخبيث جاء كضيف فهدى الأب والأم، وانصرف بسلام، هذا فعل الله عز وجل. ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة السجدة ).
لكن البطولة أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه مسرعاً، قبل أن يأتي بك مسرعاً، هذه بطولة كبيرة، وأنت معافى صحيح، ليس عندك مشكلة، آمن في بيتك، عندك زوجة وأولاد، وعندك عمل، وتصلي، وتدعو، وتناجي.
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو أن يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله ))
الإسراء والمعراج مكافأة لمحنة الطائف:
أيها الإخوة، محنة الطائف أوصلت النبي الكريم إلى الإسراء والمعراج.
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
( سورة الإسراء ).
لو أنك تتغتع في حفظ القرآن تقول: إنه على كل شيء قدير،
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
يعني يا محمد سمعتك في الطائف، وهذه المكافأة، أنت سيد الخلق، وحبيب الحق، الإسراء والمعراج هي المنحة بعد المحنة، الإسراء والمعراج هي الشَدة إليه بعد الشِدة ، فاطمئن، ما من محنة تبتلى بها كمؤمن إلا وراءها منحة من الله، ما من شِدة تقع بك إلا وراءها شَدة إلى الله.
الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مقصودة لذاتها
أيها الإخوة، الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مقصودة لذاتها، ليقف النبي منها الموقف الكامل، ضُرب، وهذا شيء لا يصدقه العقل، وهو سيد الخلق، من أجل ماذا، إذا دعا إنسان إلى الله في بلد صعب، وحقِّق معه، وتلقى بعض الكدمات فإن له برسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة، له بالنبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، إذا اتهمت امرأة في أعلى درجة من الشرف والطهر والعفاف في عفافها فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة، إذا كان لأب بار بأبنائه ابن عاق فله بسيدنا نوح أسوة حسنة، إذا كان لإنسان زوجة سيئة فله بسيدنا لوط أسوة حسنة، إذا كان لإنسان أب سيئ جداً فسيدنا إبراهيم أسوة حسنة، إذا كان الإنسان عقيمًا فمَن أسوته الحسنة ؟ سيدنا زكريا، إذا كان الإنسان مريضًا فأسوته سيدنا أيوب، هؤلاء قمم البشر، وكل نبي يغطي مشكلة في المجتمع، حتى تحب الله وأنت في هذه المشكلة.
ماذا أثر عن سيدنا عمر ؟ كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصب عليها ".
أحيانا يقع حادث سير، لكن ليس ثمة جروح، الضرر في المركبة فقط، وتصليحها سهل، وقد تكلِّف مالاً، أما لو قطعت إصبع فشيء صعب، فكل لمصيبة مصيبة أكبر منها، وأكبر المصائب أن تكون المصيبة في الدين، كشارب خمر، أو زان، أو مَن ينكر ما علم بالدين للضرورة، هذه مصيبة، بنت منحرفة، هذه مصيبة، ابن عاق، هذه مصيبة، دخل حرام، هذه مصيبة، ألِف المعصية والإثم، هذه مصيبة، " الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ".
أيها الإخوة، محنة الطائف كانت سبب الإسراء والمعراج، وفي الإسراء والمعراج أعلم الله نبيه أنه سيد الخلق، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللّه، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
[ رواه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ].
هذا هو المقام المحمود، ولا يكون إلا لواحد من الخلق، (( وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللّه، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى فقرات السيرة النبوية العطرة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثانى و العشرون )
الموضوع : الإسراء والمعراج - المعجزة خرق لنواميس الكون
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الإسراء والمعراج:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ومع موضوع الإسراء والمعراج، ولقد بينت لكم في درس سابق أن كل محنة تصيب المؤمن وراءها منحة من الله عز وجل، وأن كل شِدّة تقع بالمؤمن وراءها شَدّة إلى الله عز وجل، فالشر المطلق في الكون لا وجود له، بل إن وجود الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، لكن هناك شر نسبي موظف للخير المطلق. ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 21 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2932/01.jpg
أيها الإخوة، ذهاب النبي إلى الطائف، وتكذيب أهل الطائف، وسخرية أهل الطائف، وإيذاء أهل الطائف كلها محنة جاء وراءها هذه المنحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد الخلق جميعاً، وسيد ولد آدم، وسيد الأنبياء والمرسلين، وجاءت هذه المنحة فضلاً عن أنها جاءت بعد الطائف جاءت بعد موت زوجته الحبيبة خديجة، وكانت هذه الزوجة هي الزوجة المثالية التي أثنى الله عليها في نصوص كثيرة، وكانت هذه الزوجة أكبر سند لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الداخل، وحينما فتح النبي مكة المكرمة قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر، وهذا يؤكد أن المرأة في الإسلام مكرمة أعظم التكريم، مشرفة أعظم التشريف، ومسؤولة أعظم المسؤولية.
الإسراء أيها الإخوة معجزة، والدليل: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 1 ).
فكلمة ] سُبْحَانَ [ في مطلع الآية تعني أن هذه الحادثة ليست وفق قوانين الأرض ، في الأرض هناك مكان، وزمان، ومسافات، وسرعات، وإمكانات. ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
( سورة القمر ).
لكن إذا قال الله عز وجل: ﴿ سُبْحَانَ ﴾
أي هذه الحادثة ليست وفق قوانين الأرض، بل هي وفق القدرة المطلقة لله عز وجل.
علاقة السبب بالنتيجة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2932/02.jpg
أيها الإخوة، هذا ينقلنا إلى أن ربنا جل جلاله جعل لكل نتيجة سببًا، بل جعل الكون وفق نظام السببية، ونظام السببية يعني أن الأسباب تأتي قبل النتائج، وعقل الإنسان لا يفهم شيئاً من دون سبب، ولكن لئلا يتوهم الإنسان أن السبب خالق النتيجة فأحياناً تعطَّل الأسباب، وأحياناً تُلغى.
سيدنا آدم جاء من دون أب ولا أم، ألغي سبب الولادة، وأحياناً يعطل السبب، فيلغى، فيأتي آدم عليه السلام من دون أب ولا أم، وأحياناً يلغى، تجد شاباً وشابة متزوجين ولا ينجبان، حينما تخرق هذه القواعد، وتلك القوانين لكي يعلم الإنسان أن السبب لا يخلق النتيجة، ولكن السبب يأتي قبل النتيجة، لكن الذي يخلق النتيجة هو الله جل جلاله، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
لذلك أيها الإخوة، الغرب ألّه السبب، وعبده من دون الله، فوقع في الشرك ، والشرق لم يأخذ بالأسباب، فعصى، وكلاهما على خطأ، والصواب أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذه بطولة، الحالات المتطرفة سهلة، أن تكون قاسياً سهل جداً، وأن تكون ليناً أسهل، لكن البطولة أن تجمع بين القسوة واللين، فهذا الذي أمامك يحار، يحبك ويخاف منك، المواقف المتوازنة صعب جداً.
لذلك أن تأخذ بالسباب، وتعتمد عليها اعتماداً كلياً شيء سهل، وهذا تفوق فيه الغرب، وألا تأخذ بالأسباب هذا أيضاً شيء سهل، وهذا تواكل، لكن أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الكامل للمؤمن، يدرس ويفتقر في دعائه إلى الله، يراجع مركبته قبل أن يسافر، ويقول: يا رب، أنت الحافظ، يأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.
المعجزات:
أيها الإخوة، الآن هناك سؤال: لماذا كانت المعجزات ؟ لأن الله سبحانه وتعالى كل هذا الكون يشهد بكماله، وحكمته، ورحمته، وقدرته، وعلمه، ورأفته، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، لا بد من أن برسل أنبياء ورسلاً لخلقه، والأنبياء معهم منهج الله، هناك أشياء مسموح أن تفعلها، وهناك أشياء ممنوع أن تفعلها، لذلك مع النبي منهج، وهذا المنهج يحد من حرية الإنسان، فردُّ الفعل الطبيعي التكذيب: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾
( سورة الرعد الآية: 43 ).
فلابد من أن يشهد الله بأنبيائه ورسله أن هؤلاء هم رسل الله عز وجل، من هنا كانت المعجزة، فالإسراء والمعراج أمرٌ غير مألوف عادة، ولكنه مقبول عقلاً، لأن: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الحشر ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2932/03.jpg
﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
( سورة النحل ).
لكن بحسب قوانين الأرض هو غير مألوف، غير مألوف أن ينطلق النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم يعرج إلى السماء، ويعود، ولا يزال فراشه ساخناً، هذا غير مألوف، لذلك قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
لذلك إذا اعتمد الإنسان على عقله فقط، ولم يعتمد على وحي السماء فقد لا يصدق المعجزات، لكن يجب أن نعلم جميعاً أن هذا العقل الذي أودعه الله في الإنسان هو كهذه العين تماماً، لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين المرئي، وكذلك العقل لا قيمة له من دون وحي يستنير به، فحاجة العين إلى الضوء كحاجة العقل إلى الوحي، أو حاجة العقل إلى الوحي كحاجة العين إلى الضوء.
إذاً المعجزات مهمتها أن تعتقد أن النتيجة لا يخلقها السبب، ولكن السبب يرافق النتيجة، والذي يخلق النتائج هو الله، لذلك قال علماء العقيدة: عندها لا بها، يعني عند إرادة الله أن يفعل هذا الدواء فعله، لا أن الدواء وحده يفعل فعله.
الإسراء والمعراج تسلية للنبي :
شيء آخر، لماذا عانى النبي e ما عان قبل الإسراء والمعراج ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة لنا، قدوة في السراء وفي الضراء، قدوة في تصديق الناس، وفي تكذيبهم، هم كذبوه، ثم صدقوه، كان فقيراً، وكان غنياً، أصابه المرض، عانى من بعض زوجاته، مات بعض أبنائه، لولا أن النبي e بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر.
أيها الإخوة، وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد هذه الغمر من المآسي والأحزان، والحزن خلاّق، والحزن يصنع الرجال، وهؤلاء الذين ربوا في النعيم، وألفوا النعيم، هؤلاء لا يملكون مقاومة للشدائد إطلاقاً، وإن ملكوا مقاومة فمقاومتهم هشة، لا تصمد لا أمام ضغوط الحياة، ولا أمام إغراءاتها، لكن الله سبحانه وتعالى يربي عباده المؤمنين، فالسراء ضروري، والضراء ضروري، والله عز وجل يذيقنا من رحمته، ويمتحننا أحياناً، فلذلك بعد هذه الغمرة من المآسي والأحزان والشدائد المتلاحقة كان ذلك تسلية لنفس النبي ، ومواساة له، وتكريماً، وتشريفاً، تماماً أيها الإخوة كيف أن الإنسان يمشي في الصحراء، والصحراء حارة، والسير فيها شاق، لكن بعد حين يصل إلى واحة، والواحة ظل نخلة، وغدير ماء، فيستريح، ومن سياسة الله جل جلاله مع عباده المؤمنين أنه تأتيهم بعد الشدائد واحات يستريحون فيها.
أحيانا يتجلى الله عز وجل عليك بالسرور، يكون فيك تعب سابق، وهموم، وضغوط، وامتحانات، وابتلاءات، لأن الله رب العالمين، وهو الحكيم، وهو الذي يحب عباده، فيريحهم أحياناً، هذه واحات في طريق الصحراء.
الإسراء والمعراج ثابتان بالكتاب والسنة:
أيها الإخوة، إن الإسراء والمعراج حادثتان متلازمتان ومترادفتان، وهما ثابتان في نص القرآن الكريم، الإسراء والمعراج، الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، والمعراج من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى، وقد وردت هاتان الحادثتان فضلاً عن أنها وردت في بعض آيات القرآن الكريم، وردت أيضاً في السنة النبوية الصحيحة، في صحيح البخاري، فلقد نص الكتاب العزيز على أن معجزة الإسراء قد تمت ليلاً حين تم انتقال النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف بأرض فلسطين، والآية التي تلوتها عليكم مرات عديدة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2932/04.jpg
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
أما المعراج فهو انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا، وتجواله في ملكوت الله تعالى.
﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾
( سورة النجم ).
أكبر كلمة تدل على الله آياتُه، وآيات الله عز وجل قد تكون كونية، وهي خَلقه، وقد تكون قرآنية، وهي كلامه، وقد تكون تكوينية، وهي أفعاله، إذاً المعراج انتقال النبي صلى الله عليه وسلم وتجواله في السماوات وفي ملكوت الله تعالى في رحلة تجاوز حدود التصور المادي، وتصل إلى حدود الإعجاز الإلهي.
الفرق بين المعجزة والإعجاز:
سألني أخ كريم: هل هناك فرق بين الإعجاز العلمي وبين المعجزة ؟ الفرق كبير جداً.
المعجزة أيها الإخوة خرق لنواميس الكون، أنت إنسان، وانتقالك من مكان إلى يكون مكان بحسب سرعتك، والسرعة القصوى التي صنعها الإنسان الطائرة، ألف كيلومتر في الساعة، والمركبة الأرضية مئة كيلومتر في الساعة، مركبات الفضاء 60 ألف كيلومتر في الساعة، هذه السرعة القصوى.
ضربت مثلا: أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بُعْده عنا أربع سنوات ضوئية، كم يبعد ؟ الضوء يقطع في الثانية 300 ألف كم، في الدقيقة ضرب 60 = " 18000000 "، في الساعة ضرب 60 = ” 1080000000 "، في اليوم ضرب 24 = "25920000000"، في السنة ضرب 365 = " 9460800000000"، في الأربع سنوات ضرب أربعة = "37843200000000 "، هذا هو الرقم، وهذه المسافة التي يبعد عنا فيها نجم يعدّ أقرب نجم إلى الأرض، لو أردنا أن نقطعها بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، لقطع مسافة تعدّ أقصر مسافة على الإطلاق بين الأرض وأقرب نجم ملتهب، عدا الشمس طبعاً، لكن هناك الآن نجوم تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية، لذلك قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
( سورة الواقعة ).
إذاً: تصل إلى حدود الإعجاز الإلهي، المعجزة خرق لنواميس الكون، العصا تصبح ثعباناً مبيناً، الميت يحيه سيدنا عيسى، الجبل ينشق عن ناقة، سيدنا إبراهيم يوضع في نار مشتعلة فلا يحترق، فالمعجزة خرق لنواميس الكون، أو تعطيل لنواميس الكون، أو إلغاء لنواميس الكون، والإسراء معجزة، وأنت لا تستطيع أن تصل إلى أمريكة بالطائرة إلا بعد 17 ساعة، أما أن تنتقل في ثانية واحدة فهذا خرق لقوانين الكون، لذلك الإسراء معجزة، أما الإعجاز العلمي فموضوع آخر.
إذا كان هناك إشارة في القرآن إلى قضية علمية لم تكن معروفة وقت نزول الوحي، إشارة إلى ظاهرة علمية، نحن في الأرض في مكان فيه ضوء، وفي مكان فيه أشعة شمس، ذلك أن أشعة الشمس حينما تنعكس على ذرات الهواء، تعكسها ذرات الهواء على ذرات أخرى، الذرات الأخرى التي انعكست عليها أشعة الشمس تضيء، وعندنا في الأرض مكان فيه ضوء، ومكان فيه أشعة شمس الشمس ، هذا واضح، هذه الظاهرة سماها العلماء انتشار الضوء، لكن لو انطلقنا إلى الفضاء الخارجي بعد أن تنتهي طبقة الهواء، وطبقة الهواء تزيد سماكتها عن 65 ألف كيلومتر، وهناك مركبات الفضاء إذا صعدنا إلى الفضاء الخارجي بعد أن نجتاز طبقة الهواء نجد ظلاماً دامساً، لا نرى شيئاً في سماء.
انطلق رائد فضائي بمركبته من الأرض، وصعد في أجواء الفضاء، بعد وقت من الزمن صاح عبر اللاسلكي أنني أصبحت أعمى لا أرى شيئاً، قال بالحرف الواحد: لقد أصبحنا عمياً، وكان بمركز المركبة الفضائية، وهو المكان التي انطلقت منه المركبة الفضائية عالم من علماء الفلك الكبار عربي مصري مسلم، سمع هذا العالم بأذنه رائد الفضاء يقول: لقد أصبحنا عمياً، إذاً بعد طبقة الهواء هناك ظلام دامس، افتح القرآن: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾
( سورة الحجر ).
هذه آية في الإعجاز العلمي، وهي إشارة لشيء لم يكن على عهد النبي e، ولم تكن معروفة عند النبي e، وبعد 1300 عام تقريباً اتفق أن الفضاء الخارجي الأصل فيه الظلمة القاتلة، هذا هو الإعجاز.
لذلك الإسراء والمعراج معجزة، لكن هناك آيات تسمّى في علم العقيدة آيات الإعجاز العلمي، هذا واضح، وأما المعراج فهو انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وتجواله في ملكوت الله تعالى في رحلة تتجاوز حدود التصور المادي، وتصل إلى حدود الإعجاز الإلهي لتصل به إلى سدرة المنتهى، وليطلع بحواسه ودون شك على آيات الله الكبرى، وأعلى مكان وصل إليه إنسان هو سدرة المنتهى، هذا المكان بلوغه تكريم، وأيّ تكريم، واحتفاء بالنبي عليه أتم الصلاة والتسليم، وأيّ احتفاء، هذا المكان يبين للنبي أنه سيد الأنبياء والمرسلين، وأنه سيد ولد آدم ولا فخر، وأن الله سبحانه وتعالى وعده بمقام محمود ، وهذا المقام المحمود لا يتاح إلا لواحد من خلقه، ويرجو النبي عليه الصلاة والسلام كما يقول في بعض الأحاديث:
(( وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
[ رواه مسلم وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ].
أيها الإخوة، لكن الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى قال عن المعراج: ﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾
( سورة النجم ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2932/05.jpg
لذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه كان يمشي في الطريق، فرأى أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه حنظلة، رآه يبكي، قال: يا حنظلة، ما لك تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولمَ يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، وهذه شكوى يشكو منها معظم المؤمنين، يقول لك: أنا في البدايات كان لي أحوال لا توصف، بعد حين ضعفت هذه الأحوال، سيدنا الصديق في أعلى درجات الأدب والتواضع قال له: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله، فانطلاقا إليه، وحدثاه بالمشكلة، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))
[ رواه أحمد في مسنده والترمذي عن حنظلة الأسيدي].
(( إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا ))
[ رواه ابن سعد عن عطاء مرسلا ].
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام بلغ سدرة المنتهى، معنى ذلك أن مقام النبي هذا يدل على أن صاحبه لا ينقطع عن الله إطلاقاً، فهو في صلة دائمة بالله.
معنى شق صدر النبي :
أيها الإخوة، ورد أيضاً أنه في هذه الرحلة العجيبة أنه تمّ شق صدر النبي e مرة ثانية، ولكن لعلّي وقفت في درس سابق عند شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام، وأحب أن أؤكد لكم أننا إذا فهمنا شق الصدر على أن الله سبحانه وتعالى شق صدره، وأخرج منه علقة سوداء هي حظ الشيطان منه، وأنه بهذا صار سيد الأنبياء والمرسلين، هذا كلام ليس مقبولاً إطلاقاً، لأن هذه الحادثة تشير إلى إرهاص للنبوة في وقت مبكر، أيْ إشارة إلى النبوة في وقت مبكر، ولا تعني كما يتوهم بعضهم أن هذا حظ الشيطان نزع من صدر سيد الأنام، وبقي في صدر الخلائق، فلو أن هذا الحظ من الشيطان نزع من كل منا لكنا أنبياء ومرسلين، هذا كلام مرفوض، بل هو إرهاص من إرهاصات النبوة، وإشارة مبكرة، لأن الشر ليس شيئاً مادياً، ولو أن نزع هذه العلقة يلغي الشر في الأرض لكان هذا لكل الناس، لأن الله يحب كل عباده، فلا تقف كل هذه الاستنباطات التي ما أرادها الله عز وجل على قدميها، هذا إذا أردت أن ترمز للشر بعلقة سوداء، وأن ترمز للخير بشيء آخر.
وبعد الانتهاء من شق الصدر، وغسله أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وهو راكب ظهر البراق، والبراق ورد في صحيح البخاري، فقد ذكر انس قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
أيها الإخوة، هذه معجزة، أنْ تركب كائناً ليس مألوفاً عند البشر في وقت معلوم، تصل به إلى بيت المقدس، وفي بيت المقدس صلى النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الأنبياء، ووصف هيأتهم، ثم عرج به إلى السماء السابعة ماراً بما قبلها من السماوات، حيث التقى بالأنبياء آدم ويوسف وإدريس وعيسى ويحيى وهارون وموسى وإبراهيم عليهم السلام، طبعاً نبينا سيد الأنبياء والمرسلين قاطبة، لذلك هيأه الله للمقام المحمود، هذه نقطة تؤكد لنا أن الله سبحانه وتعالى اختص هذه الأمة بهذا النبي الكريم الذي هو سيد الأنبياء والمرسلين، وصلاته بالأنبياء تعني أنه إمامهم، وتعني أن كل الأنبياء والمرسلين يقتبسون من نوره صلى الله عليه وسلم، لذلك هو رحمة للعالمين.
دوائر الدين: حسية وعقلية وإخبارية:
بالمناسبة أيها الإخوة، نحن إيماننا باليوم الآخر إيمان تصديقي، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، نحن أمام نصوص في القرآن الكريم تشف عن حقيقة الدار الآخرة، وتصف نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، فنحن إيماننا بنعيم أهل الجنة، وبعذاب أهل النار إيمان تصديقي، أي صدقنا الخبر عن الله عز وجل.
وكما تعلمون أيها الإخوة، قضايا الدين يمكن أن توضع في حلقات ثلاث:
أول حلقة: الحلقة الحسية، أنا حينما أرى أشياء كثيرة ليست طاهرة في هذا الماء، لا أشربه، لأنني رأيت هذه الأشياء غير طاهرة في عيني، هذه قضية حسية، أو سمعت صوت امرأة في أذني، فلم أسمح لها بدخول البيت، لأن البيت الذي أنا فيه ليس معي أحد من محارمي، مثلاً، أسمع الصوت بأذني، وأرى الشيء بعيني، وألمس الثوب بيدي عند شراءه، هذه الدائرة الحسية أداة اليقين بها الحواس الخمس.
ولكن هناك دائرة عقلية أداة اليقين بها العقل، أنا حينما أرى آثار أقدام أقول: هذه الأقدام تدل على المسير، وحينما أرى جدول ماء أقول: هذا الماء يدل على الغدير، هذه الدائرة الثانية، الدائرة العقلية، وهي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، أداة اليقين فيها العقل ، والإنسان بعقله يمكن أن يصل إلى الله، لا أن يحيط به، يؤمن بالله واحداً، وموجوداً وكاملاً، بعقله، ويؤمن أن القرآن الكريم كلام الله، لأن فيه آيات الإعجاز، وبعقله يدرك أن الذي جاء بكتاب الله عز وجل هو رسول الله.
لكن عندنا دائرة ثالثة، هنا الشاهد، هذه دائرة الإخباريات، ليس فيها شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، ولا فيها شيء ظهرت عينه وآثاره.
الدائرة الثالثة تتحدث عن شيء غابت عينه، وغابت آثاره، ليس له أيّ دليل، لكن الله أخبر به، فالدليل الوحيد الخبر الصادق، هو الدليل الوحيد على قضايا الدين الكثيرة، فموضوع اليوم الآخر إخباري، وموضوع الجن إخباري، وموضوع الملائكة إخباري ، وموضوع الحوض يوم القيامة إخباري، وموضوع الجنة إخباري، وموضوع النار إخباري وموضوع قصة خلق العالم من آدم وحواء إخباري، هناك آلاف الموضوعات الإخبارية ليس لها أي دليل مادي إطلاقاً.
لذلك بالمناسبة، أنصح الإخوة الدعاة، وأيّ مؤمن ألا يطرح موضوعاً إخبارياً أمام إنسان لا يزال أصل الدين مهتزاً عنده، يلهيك، تقول له: الملائكة، يقول لك: أين الملائكة ؟ تقول له: الجن، يقول لك: أثبت أن هناك جناً، تقول له: الجنة، يقول لك: من دخلها، ثم عاد وأخبرنا ؟ تقول له: البشرية بدأت بآدم وحواء، يقول: لا، يقول داروين: بدأت بالقرد، مثلاً، فلذلك القضايا الثالثة القضايا الإخبارية هذه لا يمكن أن تثبتها بدليل، إلا دليل واحد أن الله أخبر بها.
إذاً كل قضايا اليوم الآخر إخباريات، أليس كذلك ؟ إلا عند النبي صلى الله عليه وسلم وحده من بين الخلائق، رآها في المعراج، رأى أهل الجنة يتنعمون، ورأى أهل النار يتصايحون، رأى كل شيء، ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا ﴾
﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾
منزلة الصلاة في الإسلام:
لذلك قال كتاب السيرة: لقد رأى خلال هذه الرحلة السماوية الفريدة الجنة ونعيمها، ووصف أنهارها، وبخاصة الكوثر، كما رأى النار ومن يعذب فيها، وسمع صرير أقلام الملائكة الكاتبين، ورأى البيت المعمور في السماء السابعة، وما يدخله من الملائكة، كما وصف سدرة المنتهى، كما وصف جبريل عليه السلام، الذي قدم له خمراً ولبناً، فاختار e اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة، وفرضت على أمته في المعراج خمسون صلاة في اليوم والليلة، ثم خفضت إلى خمس صلوات، ففريضة الصلاة هي الفريضة التي لا تسقط بحال، بل هي الفريضة التي تتكرر فرضت في المعراج، لأن:
(( الصلاة عماد الدين، مَن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر بسند ضعيف]
ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة طهور، تطهر النفس من الأدران، والصلاة حبور، أي سرور، والصلاة معراج المؤمن، فهي طهور، وحبور، وسرور، ومعراج، والصلاة عقل.
(( ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها ))
[ ورد في الأثر ].
والصلاة ذكر، والصلاة قرب. ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
( سورة طه ).
﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
( سورة العلق ).
والصلاة ذكر لله عز وجل. ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 ).
قالوا: ذكر الله أكبر ما فيها، وقال بعض العلماء: ذكر الله لك في الصلاة أكبر مِن ذكْرك له، لأنك تذكره تعبّداً، لكنه يذكرك تفضلاً، لذلك الفريضة الأولى أداة اتصال المخلوق الضعيف الطارئ الجاهل مع أصل الوجود، وخالق الوجود هي الصلاة، لذلك أيها الإخوة إن صحت الصلاة صح الدين، وإن لم تصح لم يصح الدين، وأول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة صلاته، فإن صحت فاز وربح، وإن لم تصح خاب وخسر.
بالمناسبة أيها الإخوة، في الأثر:
(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها، ولا يتغير حالها ))
[ رواه الديلمي عن حارثة بن وهب ].
يبدو أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن أخطر فريضة في هذا الدين هي الصلاة، لذلك فرضت والنبي صلى الله عليه وسلم في سدرة المنتهى، فرضت مباشرة من قبل الذات الإلهية.
أيها الإخوة الكرام، الحديث عن الصلاة حديث يطول: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
( سورة المعارج ).
في أصل خَلقه. ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
( سورة المعارج ).
نحن الآن في هذه المحن التي تحيط بنا في أمسّ الحاجة إلى إحكام الاتصال بالله عز وجل، كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة:
(( أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلاَلُ ))
[أخرجه أبو داود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2932/06.jpg
الصلاة طهور، الصلاة نور، ترى بها الحق حقاً والباطل باطلاً، الصلاة حبور، وسعادة كبيرة، الصلاة عقل، الصلاة عروج، الصلاة ذكر، الصلاة قرب، الصلاة بعد عن الفحشاء والمنكر.
إخواننا الكرام، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تتصل برب الكائنات، وأن تكون في الظلمات، بل الآية الدقيقة جداً: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 ).
أيْ من خلال اتصالك بنا طهُر هذا القلب، وصار رحيماً، الصلاة تطهر، وتزكي، تخلّي وتحلّي، تزيل وتوجب: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 ).
معنى ذلك أنك إما أن تتصل بالله فيغدو القلب رحيماً، وتنعكس الرحمة ليناً، فيلتف الناس حولك، أما المنقطع عن الله عز وجل فيمتلئ قلبه قسوة وغلظة، فينفض الناس من حوله. ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 ).
أيها الإخوة الكرام، إن شاء الله في درس قادم نتابع فقرات الإسراء والمعراج، وأن الإسراء والمعراج أضخم حدث جاء بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معجزة تؤكد أن هذا الإنسان الذي أرسله الله هو رسول الله حقاً، وأن الكتاب الذي جاء به هو كتاب الله حقاً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثالث و العشرون )
الموضوع : دعوة النبى للاوس و الخزرج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. رحلة الطائف وأثرها على النبي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/01.jpg
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد تحدثنا في الدرس السابق عن الإسراء والمعراج، وبينت لكم أن كل محنة تصيب المؤمن وراءها منحة من الله عز وجل، وأن كل شِدة تلم بالمؤمن وراءها شَدة إلى الله عز وجل، فكيف بسيد الأنبياء، وقد وقف بالطائف، وقد بالغ أهل الطائف في تكذيبه والسخرية منه، بل دفعوا صبيانهم إلى إيقاع الأذى المادي فيه، ودعاؤه الذي أُثِر عنه أن يا رب:
(( إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
والحقيقة أن هذه محنة عظيمة، وإذا صح أن الخط البياني للدعوة وصل إلى النهاية الصغرى في الطائف فقد جاء بعد الطائف الإسراء والمعراج، وهو الرد الإلهي مكافأة الله عز وجل، وتسلية النبي عليه الصلاة والسلام عن وحشة أهل الأرض بأنس السماء، لذلك أعلمه الله بالإسراء والمعراج أنه سيد الأنبياء والمرسلين، وأنه سيد ولد آدم، وأنه حبيب رب العالمين، وكل المحن في الدنيا تنقضي ويبقى ثوابها، وكل اللذائذ غير المشروعة في الدنيا تنقضي، ويبقى عقابها. الإسراء والمعراج بالروح والجسد
أيها الإخوة، من الثابت أن الإسراء والمعراج كانا بالروح وبالجسد، وهؤلاء الذين يتوهمون أن الإسراء والمعراج كانا بالروح فقط وقعوا في وهم الكبير، لأن كلمة ( عبد ) تعني جسمه وروحه، وهو في سدرة المنتهى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
( سورة النجم ).
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾
( سورة النجم ).
الإسراء والمعراج معجزة خارج القوانين
شيء آخر، هناك من يخشى أن يذكر هذه المعجزة، إن الإسراء والمعراج ليسا على قوانين الدنيا، بل هما استثناء من قوانين الله عز وجل، والدليل قوله تعالى:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
( سورة الإسراء ).
كفاية الله أمر المستهزئين بالنبي
بعد الإسراء والمعراج كانت هناك كفاية الله رسولَه صلى الله عليه وسلم أمر المستهزئين، فقد أقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد الإسراء والمعراج على أمر الله تعالى صابراً محتسباً.
قرار المؤمن وعدم تأثره بالظروف
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/02.jpg
فإذا اتخذ مؤمنٌ قراراً مصيرياً بمعرفة الله وطاعته، لا يتأثر لا بالظروف ولا بالأحداث، ولا بإقبال الدنيا ولا بإدبارها، لا بالغنى ولا بالفقر، لا بالتكذيب ولا بالتصديق، هذا اسمه قرار مصيري، والمؤمن الصادق كما قال الله عز وجل:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
( سورة الأحزاب ).
المؤمن راسخ كالسفينة العملاقة في البحر، بينما المؤمن ضعيف الإيمان كأنه قارب تتلاعب به الأمواج كيف شاءت، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد الإسراء والمعراج أقام على أمر الله تعالى صابراً محتسباً. مراحل حياة المؤمن
بالمناسبة أيها الإخوة، أبين لكم الحقيقة التالية، وهي: أن في حياة كل مؤمن مرحلة تأديب، ومرحلة ابتلاء، ومرحلة تكريم، هذه المراحل قد تكون متداخلة، وقد تكون متمايزة، فإنه يمكن مثلا أن يؤدب المؤمن في يوم واحد على عمل لا يرضِي الله، ويبتلى، ويمتحن، وهو مستقيم على أمر الله ويكرم، أو أن تكون مرحلة بأكملها مرحلة تأديب، ومرحلة بأكملها مرحلة ابتلاء، ومرحلة بأكملها مرحلة تكريم، لكن أطمئنكم أن حياة المؤمن لا تستقر إلا على التكريم.
معاملة الله للمؤمن
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/03.jpg
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة ).
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم ).
هذه آيات كثيرة تبين أن معاملة الله للمؤمن معاملة متميزة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مؤدياً إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التعذيب والأذى والاستهزاء ، وكان عظماء المستهزئين خمسة نفر، دائماً هناك رؤوس للإيمان، وهناك رؤوس للكفر وهذه سنة الله في خلقه، وأقول لكم مرة ومرة أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية لكن قد يسأل سائل لماذا كانت معركة أزلية أبدية ؟ لأن الحق لا يثبت إلا بالتحدي، ولا ينمو إلا بالتحدي، وهذا الذي يؤكده قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾
( سورة الأنعام الآية 111:).
معركة الحق مع الباطل أزلية
شاءت حكمة الله أن يجعل
﴿ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾
من النبي ؟ قمة كبرى من قمم البشر، قمة في العلم، قمة في الخلق، قمة في الأدب، قمة في البيان قمة في الجمال، ومع ذلك له عدو من شياطين الإنس والجن.
إذاً معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، الحكمة أن الحق يقوى بالتحدي.
أضرب مثلا: قد يصدر كتاب فيه انحرافات خطيرة جداً عن منهج الله، وهو يوصف بأنه كتاب إسلامي، ما الذي يحصل ؟ تقوم الدنيا ولا تقعد، طلاب العلم يلجؤون إلى شيوخهم، الدعاة يردون على هذا الكتاب، تنشأ حركة نشطة جداً تثبت دعائم الإيمان، وهذا الذي يحصل من دون أن يشعر هؤلاء الأعداء للدين، ومن دون أن يريدوا يقدمون خدمة لا ندركها سريعاً، يقومون بخدمة سلبية، حينما يثيرون الفتن، يثيرون الشبهات، والناس يردون عليهم، يثبت الإيمان في قلوب المؤمنين، وهذا دور الشيطان ، وله دور إيجابي قد يغيب عن معظم الناس، يلقي وسوسة، ماذا تفعل أنت ؟ تسأل أستاذك، هذا السؤال يدفع الأستاذ إلى توضيح هذه الشبهة في درس عام، معنى ذلك أن هذا الذي توضح يثبت الإيمان في قلوب المؤمنين، إذاً معظم نشاطات المؤمنين الدعوية أساسها أن هناك شبهة طرحت، أو أن هناك ضلالة انتشرتْ.
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112 ).
وحي الشيطان زخرف من القول
الزخرف ؛ المعاصي والآثام أيها الإخوة فيها أخطار مدمرة، يأتي الشيطان فيخفي الآثار المدمرة المهلكة، ويظهر إيجابيات المتعة، يزينها لك، يعرضها بأسلوب مزخرف ، وحينما تتفلت الفتاة تفلتاً كبيراً يسمى هذا حضارة، وتقدماً، وعلماً، ونمط حياة عصريًا، فيه انفتاح، وإدراك، وروح رياضية، هذه كلها كلمات مزخرفة يعبر بها عن الاختلاط الآثم، والشهوات الماجنة باسم فن، باسم فتاة ( سبور )، باسم عقل منفتح، باسم روح رياضية، باسم هذا،
﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾
جريمة، وانحراف، وشذوذ، تحت اسم روح رياضية ، ومرونة، وتفهّم، وحياة معاصرة، واقعية،
﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112 ).
ما دام الله سمح به ففيه حكمة بالغة. ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام ).
قال: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 113 ).
من الذي يصغي لهذا الكلام الذي المزخرج، المزخرف ؟ الذي لم يؤمن بالآخرة آمن بالدنيا فقط، دعوة إلى المعصية، دعوة إلى التفلت، دعوة إلى الانحلال، ما في آخرة بذهنه، وكأن الله فرز الناس، لذلك قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 179 ).
عملية فرز.
الإسراء والمعراج فرز للناس
صدقوا أيها الإخوة أن الإسراء والمعراج فرز، كيف ؟ هناك من كفر بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد الإسراء والمعراج، ما صدق به، وما قبِل منه هذا أن يذهب إلى القدس، وأن يعرج إلى السماء، وأن يبلغ سدرة المنتهى، وأن يعود، وفراشه لا يزال ساخناً، ففرز الله عز وجل المؤمنين في الإسراء والمعراج، وفرز المؤمنين في الهجرة، لذلك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/04.jpg
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت ).
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة آل عمران ).
فنحن في دار ابتلاء، وطنوا أنفسكم لا بد من الابتلاء، وهذا الذي يجري الآن في العالم الإسلامي ابتلاء امتحان، إما أن نصمد، وأن نثق بأن الله لا يتخلى عنا، وإما أن نصطلح مع الله عز وجل، وإما أن نقيم الإسلام في نفوسنا، وفي بيتنا، وفي أعمالنا، وإلا نكون قد سقطنا من عين الله. ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾
يجب أن نكون موحدين، كل شيء يقع أراده الله، وسمح به، لحكمة بالغةٍ بالِغةٍ بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
عظماء المستهزئين بالنبي :
وكان عظماء المستهزئين خمسة، خمسة نفر، وكانوا ذوي شرف في قومهم، وأورد ابن إسحاق رواية عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أنه ذكر فيهما أسمائهم، وهم:
الأسود بن المطلب بن أسد من بني أسد، والأسود بن عبد يغوث من بني زهرة، والوليد بن المغيرة، من بني مخزوم، والعاص بن وائل بن هشام، من بني سهم، والحارث ابن الطلالة، من بني خزاعة.
فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى قوله: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر ).
هذا قانون، لا بد من ابتلاء، لا بد من عدو، وطنوا أنفسكم على أن للحق أعداء وطنوا أنفسكم على أن المؤمن مبتلى، من الذي ابتلاه الله ؟ سيد الخلق وحبيب الحق، هل تتصورون أن نبيه الكريم، وحبيبه، ومن جعله الله سيد الأنبياء والمرسلين يذهب مشياً على أقدامه إلى الطائف ليلقى التكذيب والسخرية والضرب ؟!. ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنين ).
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ:
(( الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، حَتَّى يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ ذَاكَ، فَإِنْ كَانَ صُلْبَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ ذَاكَ، فَمَا تَبْرَحُ الْبَلَايَا عَنْ الْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ فِي الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ ))
[رواه أحمد]
الله عز وجل كفاه، لذلك الله عز وجل لا يتخلَىعن المؤمنين، لكنه يعالجهم ، ويمتحنهم، يؤدبهم، أو يبتليهم، أو يكرمهم، لابد من ذلك، لكن حينما ترى إصرار النبي عليه الصلاة والسلام على نشر هذا الدين هذا درس لنا، والنبي قدوة لنا أيضاً، النبي عليه الصلاة والسلام يعرض نفسه على القبائل، وكل شيء معروض فيه صعوبة بالغة.
أنت حينما تدخل محلا تجاريًا وأنت مندوب مبيعات تعرض على صاحب المحل بضاعتك، في المئة محل تسعون منهم لا يبالون، لسنا بحاجة، شيء صعب جداً أن تعرض جوهرة ثمينة على من لا يعرف قيمتها.
لذلك الدعاة حينما يعرضون دعوتهم على أناس يرفضونها، بل يستهزئون بها، بل لا يقيمونها تقييماً صحيحاً، يعانون من حالة صعبة جداً، لكن الثواب على قدر المشقة.
حرص النبي على الاجتماع بالناس
حرص النبي عليه الصلاة والسلام على الاجتماع بالناس، النبي لم يكن في برج عاجي فكري، كان مع الناس، كان يمشي في الأسواق، بل من صفات الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، أي أنهم مفتقرون في وجودهم إلى تناولوا الطعام والشراب، وليسوا آلهة، بل هم يفتقرون ثانية لتأمين ثمن الطعام والشراب فيمشون في الأسواق، فالإنسان حينما يعرف أنه بشر، وأنه تجري عليه كل خصائص البشر، وحينما ينتصر على بشريته، ربما أعلى الله مقامه بين البشر، لا تصدق أن هناك عطاء إلهي إلا بعد ابتلاء.
﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾
( سورة البقرة الآية: 124 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/05.jpg
ببساطة بالغة، من دون ابتلاء، من دون امتحان، من دون درس قاس، أن تصل إلى أعلى مقام هذا مستحيل، فالنبي عليه الصلاة والسلام عانى ما عانى.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجة أحمد في مسنده]
أيها الإخوة الكرام، كان عليه الصلاة والسلام في موسم الحج، وفي فترات عقد أسواق العرب حيث كان يلتقي بذوي الشأن من رؤساء القبائل وغيرهم، وكانوا يطالبون الرؤساء بحمايته دون أن يُكرِه أحداً على قبول دعوته.
نحن الآن في بحبوحة كبيرة جداً، نأتي إلى المسجد ونحن آمنون، قرأت البارحة في موقع معلوماتي ببلد إسلامي في شمال إفريقيا كل إنسان يريد أن يصلي يجب أن يصلي في مسجد واحد، ويعطى بطاقة إلكترونية، يجب أن يبرز هذه البطاقة لمسؤول في المسجد ، فإن لم يكن قد ذكر فيها هذا المسجد فممنوع دخوله، مسموح أن يدخل خمس مرات، تريد معاملة طويلة، لا بد لا من بطاقة إلكترونية، وعليها اسمك ورقمك، واسم المسجد، شيء لا يحتمل، من أجل أن تؤدي الصلاة في المسجد، نحن في بحبوحة، يجب أن نعرف فضل الله علينا في ممارسة شعائر الإسلام، ونسأل الله أن يتم فضله علينا، تدخل أيّ مسجد، تحضر أيّ درس علم، تحضر أي خطبة، تحجب فتياتك، لا أحد يحاسبك، تدخل إلى بيتك، تصلي، تقوم الليل، تقرأ القرآن، يجب أن تعلموا إيجابيات ما يعيشه الناس في هذه البلدة، نحن في بحبوحة كبيرة، ولا يعرف قدر هذه البلدة إلا من ذهب إلى بلاد أخرى.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))
[أحمد]
فعليكم بالشام في آخر الزمان، الداخل إليها برضائي، والخارج منها بسخطي.
مباشرة النبي الدعوة في مواسم الأسواق
وقد نقل الإمام أحمد رواية ربيعة بن عباد الدؤلي، وكان من شهود العيان الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواسم الأسواق، وهو يباشر الدعوة: قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم به المجاز يتبع الناس في منازلهم، يدعوهم إلى الله عز وجل .
إخوانا الكرام، لعل أشقى الناس على الإطلاق هذا الذي يقف في خندق معادٍ للحق، تعرض عليه الإسلام بكل أدب، بكل تواضع، بكل وضوح، بكل دليل، يرفض.
(( يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تتقد وجنتاه، وهو يقول: أيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم ))
[ رواه البيهقي ].
لماذا كان النبي ضعيفا ؟
سؤال: لماذا كان النبي ضعيفاً إلى هذه الدرجة ؟ لو أنه قوي، لو أعطى أمرًا لمشت مسيرة من خمسة ملايين، لكنه ضعيف، ما الحكمة من ذلك ؟ لماذا أراد الله أن يكون الأنبياء ضعافاً في أول دعوتهم ؟ لأن قيمة الإيمان أن تؤمن وأنت حر، هل تتصورون أن النبي عليه الصلاة والسلام يمر على آل ياسر وهم يعذبون، وماتوا تحت التعذيب، يقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، ما كان يستطيع إنقاذهم، ولا تخفيف العذاب عنهم، لأنه ضعيف، ومع ذلك آمن به من آمن، فقيمة الإيمان أن تؤمن من دون ضغط، لذلك أقول هذا كثيراً: في المجتمع أقوياء وأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، لكن الأنبياء ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك رقبة تسيرها كما تشاء، وبين أن تملك قلباً، البطولة أن تملك القلوب، لا أن تملك الرقاب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء أخذوا، ولم يعطوا والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، بينما الأنبياء يمدحون في غيبتهم، اذهب إلى العمرة، تجد أمام قبر النبي e عشرات، بل مئات الألوف، من شتى بقاع الأرض يبكون، ولن يلتقوا به، ولم يأخذوا من ماله، ولم ينَلْهم شيء من فضله، لماذا هؤلاء يبكون وقد مضى على وفاته 1400 عام ؟ هؤلاء الأنبياء، هؤلاء الذين جاؤوا الحياة فأعطوا، ولم يأخذوا، فيقول هذا الرجل الأحول الذي تفتقد وجنتاه:
(( لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم، وأن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من بني مالك ))
النبي ضعيف، يدعو إلى الله، وهناك من يقول له: تباً لك، ألهذا دعوتنا ؟ وكان عليه الصلاة والسلام قد عرض نفسه على كِندة، وبني كلب، وبني حنيفة، وكان ردهم قبيحاً.
أشق الناس من يقف في وجه دعوة الإسلام
والله أيها الإخوة، حينما تقف يوم القيامة أمام رب العزة، ويعرض عليك موقفك من أهل الحق، تفننت في تكذيبهم، تفننت في إهانتهم، تفننت في الافتراء عليهم، وهم أناس أطهار صادقون، هذا أشقى إنسان على وجه الأرض حينما يقف في خندق معادٍ للحق، لذلك هنيئاً لمن كان للحق ناصرا، وويل وألف ويل لمن كان عدواً للحق.
كما عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة، ومحارب، وفزارة، وغسان، ومرة، وسليم، وعبس وبني النضر، وبني البكاء وعذرة، وربيعة، وبني شيبان، هؤلاء كذبوه، والوضع صعب جداً أن تعرض حقاً على من لا يريده، أن تعرض شيئاً ثميناً على من لا يعرف قيمته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/06.jpg
وكان عليه الصلاة والسلام مما يقوله في المواسم هل من رجل يحملني إلى قومه ، فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل.
قصة العداء بين أهل الحق وأهل الباطل
إن ملة الكفر واحدة، الكفر هو الكفر من آدم إلى يوم القيامة، الكفر يعادي الحق بلا سبب، بدأ الكفر من قابيل، وهابيل ما فعل شيئًا، ما فعل شيئاً إلا أنه تقرب إلى الله بقربان فقبِله الله، تقرب إلى الله من ثمن ما عنده، هذا هابيل، بينما قابيل قدم قرباناً فلن يتقبل منه:
﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾
( سورة المائدة الآية:27).
ما فعل معك شيئاً، هذه قصة البشرية، الكافر عدو للمؤمن، ولو كان ملكاً، هذه قصة العداء بين أهل الحق والباطل، فكان عليه الصلاة والسلام مما يقوله في المواسم:
(( هل من رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ ؟ فَإِنّ قُرَيْشاً قَدْ مَنَعُونِي أَن أُبَلّغَ كَلاَمَ رَبّي عز وجل ))
[ رواه أحمد عن جابر بن عبد الله، ورجاله ثقاة].
الدعوة فيها عقبات
الدعوة مرت بمضائق خطيرة جداً، الدعوة مرة بعقبات كأداء، الدعوة مرت بصعوبات كبيرة جداً، ولكن الله سبحانه وتعالى على هذا الصبر، وعلى هذا الجلد وعلى هذه الهمة العالية، وعلى هذا الحرص على هداية الخلق جعله سيد الأنبياء والمرسلين.
وأنت أيها الأخ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، حجمك عند الله بحجم دعوتك بحجم حرصك، بحجم رحمتك، بحجم حرصك على هداية الخلق.
تروي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز كان يخاطب الناس ويقول:
(( يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ))
[ رواه الطبراني عن منبت الأزدي ]
حرص النبي على دعوة قومه ورحمته بهم
وكان الناس يزدحمون عليه، غير أنهم لن يتجاوبوا مع دعوته، ومع ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يواصل الدعوة فلا يسكت، بل يكرر مقولته، هذا هو الثبات، والإنسان أحيانا يتكلم مع إنسان عشر دقائق، يقول لك: ما فيه خير، قطعه وارتاح، لكن النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الحرص على هداية الخلق، الله عز وجل ينتظر منك أن تلح في دعوتك إلى الله، أن تلح في دعوتك إلى الله وأن تقلد النبي عليه الصلاة والسلام في إصراره وفي ثباته، وفي حرصه، وفي رحمته.
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة ).
لذلك قالوا: أرحم الخلق بالخلق سيد الخلق، ومع ذلك قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 ).
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 58 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2933/07.jpg
رحمة النبي أعلى رحمة بين بني البشر، ومع ذلك ليست بشيء أمام رحمة الله عز وجل.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: (( قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا، وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))
[متفق عليه]
أنت حينما تعرف رحمة الله تذوب محبة له، كان عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس في سوق ذي المجاز بقوله: (( يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ))
وكان الناس يزدحمون عليه، غير أنهم لم يتجاوبوا مع دعوته، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يواصل الدعوة فلا يسكت، بل يكرر مقولته، وحينما يعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل كان يقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوني، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به.
عرض النبي على القبائل وموقفها منه
بعد الإسراء والمعراج، وبعد تخلي قريش عنه، وبعد اضطهادها له، ولا سيما بعد موت زوجته، وعمه أبي طالب، بدأ النبي عليه الصلاة والسلام يعرض نفسه على القبائل، ولا أحد يستجيب، لكن رحمة الله كانت من جهة الأوس والخزرج في المدينة ، فمكث عليه الصلاة والسلام يتبع الناس في منازلهم، وأسواقهم بعكاظ ومجنة، وفي مواسم الحج في منى، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن، أو من مضر فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتينك، ويمشي بين رجالهم، وهم يشيرون عليه بالأصابع، ماذا فعل ؟ ماذا اقترف ؟ ما الذي فعله حتى يحذر الناس منه ؟ هذه معركة الحق والباطل، إما أن تكون على الحق، والكلمة الثانية قاسية جداً، وإما إنك على الباطل قطعاً، الدليل:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة القصص ).
موقف أهل يثرب من دعوة النبي :
أيها الإخوة، لقد كان أهل يثرب من الأوس والخزرج أكثر الناس تجاوباً مع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتعبير العامي: الله جبار الخواطر، وأنا أقول لكم: ما مِن إنسان دعا إلى الله بإخلاص إلا هيأ الله عز وجل له من يقتنع بدعوته، الله جبار الخواطر، الكل أعرض عنه، لذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
( سورة محمد ).
الاتصالات الأولى بالأنصار
هنيئاً لمن استجاب إلى الله عز وجل، وكانت الاتصالات الأولى بالأنصار قد تمت في مواسم الحج والعمرة، وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على سويد بن الصامت، غير أنه لم يعلن إسلامه، كما أنه لم يبعد عنه، وقد استحسن ما سمع من القرآن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج في حرب بعاث، وكان رجال من قومه يقولون: إنه مات مسلماً، ما أجاب النبي e، لكنه اقتنع بالقرآن، ومات بعد حين.
وفد الأوس والخزرج في الحج وعلاقتهم بالنبي e:
ويذكر جابر بن عبد الله الأنصاري مجيء أعداد من الأوس والخزرج إلى الحج ، وعلاقتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: فأوينا وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبقَ دار من الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، فجعل الله عز وجل نصرة هذا الدين في المدينة، فكان يأتي الرجل من المدينة إلى مكة يلتقي بالنبي e، ويعلن إسلامه، والنبي يقرئه القرآن، ويعود إلى أهله، فيقنع أهله بالإسلام، فيسلموا، وهكذا.
وكانت الأوس قد سعوا بمحالفة قريش على الخزرج الذين كانوا أكثر منهم عدداً ، فقدم أبو الخير أنس بن رافع في وفد من بني عبد الأشهل لهذا الغرض، فسمع بهم النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء ودعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال أحدهم، وهو إياس بن معاذ: أيْ قوم هذا ؟ والله خير ممن جئتم له، فانتهره أبو الحيسر فصمت، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، ورجعوا المدينة، وجرت الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث، ثم مات إياس بن معاذ، وكان قومه يسعونه يهلل الله، ويكبر، ويحمده، ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه مات مسلماً، فقد استشعر الإسلام في لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس.
حال المسلمين اليوم وواجبهم في الدعوة
الباطل قوي، والكفر قوي، وهو يملك كل شيء، والإسلام ضعيف، والمسلمون ضعاف، كيف نحن اليوم ؟ نحن ضعاف، والطرف الآخر أقوياء جداً، وكلمتهم هي النافذة، الإعلام لهم، القوة لهم، الأسلحة لهم، القرار لهم، لكن هذا لا يمنع أن نكون صادقين في الدعوة إلى الله، وأن نكون صادقين بأن الله لا يتخلَى عنا، وهذه السيرة فيها إسقاطات كثيرة جداً على واقع المسلمين اليوم.
ومع أن هذين الرجلين من الأوس كانا قد استشعرا الإسلام فإن المصادر لن تذكر قيامهما في الدعوة في وصف قومهما، فإن البداية المثمرة للأنصار حين الاتصال بهم كانت مع وفد الخزرج في موسم الحج عند عقبة منى، الذين لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس معه، وكلمهم، ودعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وقد وذكر ابن إسحاق إسلامهم وقيامهم بالدعوة إلى الله. أيها الإخوة الكرام، ننتقل إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم إلى بيعة العقبة الأولى، ويجب أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يتخلَى عن المؤمنين في كل الظروف، وفي كل العصور.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الرابع و العشرون )
الموضوع : بيعة العقبة الاولى - الاعتناء باولادنا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد بينت لكم من قبل أن السنة النبوية تعني أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وإقراره، فقد عصمه الله عن أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، لذاك قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 ).
سيرة النبي تطبيق لما جاء به
ميزة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحق الذي جاء به مطبق من الناحية العملية، وحقيقة ما جاء به النبي كان قدوة لنا في تطبيقها، والمثُل العليا لا تعيش إلا بالمثُل الأعلى، والقيم لا تعيش إلا بواقع تطبق فيه، فلذلك تأخذ السيرة النبوية بعداً خاصاً حينما نجد أن المثالية التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، ودعا إليها طبقها في حياته، وصح أن نقول: هي المثالية الواقعية، أو الواقعية المثالية .
بيعة العقبة الأولى
تعريف البيعة:
ننتقل في هذا الدرس إلى فقرة من السيرة النبوية، وهي بيعة العقبة الأولى.
البيعة مأخوذة من البيع، والبيع والشراء أوسع نشاط بشري على الإطلاق، بل إن الله جل جلاله جعل الإيمان به وطاعته، والعمل الصالح تجارة، والتجارة قوامها البيع والشراء. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الصف ).
ذلك لأن البيع والشراء أوسع نشاط بشري على الإطلاق، فأنت كإنسان لا بد من أن تشتري لتجلب مصالحك ومنافعك، وقد تلتهن البيع.
أيها الإخوة الكرام، لا بد من آية مناسبة جداً للبيع والشراء، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾
( سورة التوبة الآية: 111).
هناك مشترٍ، وهناك بائع، وهناك ثمن، المؤمنون باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، والمشتري هو الله، والثمن هو الجنة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2934/01.jpg
أيها الإخوة، أحياناً يدخل في معنى البيع والشراء القرض، قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة ﴾
( سورة البقرة الآية: 245 ).
أيّ عمل صالح تفعله موجه إلى إنسان، أو إلى مخلوق كائنًا من كان فهو قرض حسن لله عز وجل، وسيعوضه عليك أضعافاً مضاعفة يوم القيامة، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
وأحياناً يأتي البيان الإلهي متماشياً مع طبيعة الإنسان، فالإنسان يطمئن بالكتابة، ولا يطمئن بعقد شفهي، إذا كان العقد موثقاً مكتوباً، معه وصل، معه سند، العقد مسجل عند كاتب العدل، ترتاح نفسه، لذلك الله عز وجل يقول: ﴿ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾
( سورة المجادلة الآية: 21 ).
ربنا عز وجل كتب على نفسه الرحمة، كي نطمئن أن الوعد الإلهي وعد محقق، وكأنه عندكم أيها البشر مكتوب.
لقاء العقبة الأولى
ورد في السيرة النبوية أن في السنة التالية للقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد الخزرج، وقد تحدثت عنه في درس سابق، في السنة التالية للقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد الخزرج جرت البيعة الأولى، ومن منا يتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وحده، أسلمت معه خديجة زوجته، وابن عمه علي بن أبي طالب، الذي كان طفلاً صغيراً ، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعدد قليل يعدّ على أصابع اليد من أصحاب رسول الله، من منا يصدق أنه بعد 1400 عام وزيادة المسلمون يعدون مليار وثلاثمئة مليون.
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾
( سورة إبراهيم الآيات: 23 ـ 24 ).
أيها الإخوة الكرام، مادام الحديث عن بيعة العقبة، وعن هذه الدعوة الفتية التي حمل لواءها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى الله عليه حينما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾
( سورة الأحزاب ).
ولا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت ).
أي لم تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل،
﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
وكل من اهتدى بدعوته، وكل من خشع قلبه لدعوته، وكل من تاب بسبب دعوته، وكل من اصطلح مع الله بسبب دعوته، كل أعماله، وأعمال ذريته وإلى يوم القيامة في صحيفته، لذلك:
(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))
[الجامع الصغير عن أبي رافع]
الرواية الأولى:
(( وَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ رواه البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه ].
الرواية الثانية:
(( أن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ أخرجه أحمد من حديث معاذ وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ].
الرواية الثالثة:
(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))
[الجامع الصغير عن أبي رافع]
لذلك ما دمنا في الحديث عن بيعة العقبة، وما دمنا في الحديث عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي طارت في الآفاق حتى وصلت إلى مشارف الصين شرقاً، وإلى مشارف باريس غرباً، ما دام الحديث عن هذه الدعوة فيجب أن أعلمكم، وهذه أمانة التبيين أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، طالبوني بالدليل، ولا تقبلوا شيئاً من دون دليل، ولا ترفضوا شيئاً من دون دليل، الدليل أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
( سورة العصر ).
التواصي بالحق ربع أركان النجاة، أي أن الإنسان لا ينجو إلا إذا آمن بالله ، وعمل صالحاً، وتواصى بالحق، وتواصى بالصبر، فلا ينجو الإنسان إلا إذا بحث عن الحق، ثم عمل به، ثم دعا إليه، ثم صبر على البحث عنه، ثم العمل به، والدعوة إليه، هذا الدليل الأول.
والدليل الثاني: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
( سورة يوسف الآية: 108 ).
فأي متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يدعو إلى الله، ومن لم يتبع رسول الله فإنه لا يحب الله، والدليل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 31 ).
إذاً الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولكن دعوة فرض العين محدودة ، أي في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، حضرت درس علم، استوعبت منه شرح آية ينبغي أن تنقلها إلى الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( بلِّغوا عني ولو آية ))
[ رواه البخاري والترمذي وأحمد في مسنده عن ابن عمرو ].
استمعت إلى خطبة، لك أخت، ولك أصهار، ولك شريك، ولك زميل، ولك جار، ولك صديق، ولك سهرة كل ثلاثاء، ماذا تقول في هذه اللقاءات ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2934/02.jpg
إخواننا الكرام، أعرض عليكم عرضًا، احرص أن تحضر خطبة لخطيب تثق بعلمه، وتثق بورعه، وخذ منه شيئاً في هذه الخطبة، واجعل هذا الشيء الذي نقلته عنه موضوع حديثك مع من يلوذ بك طوال الأسبوع، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( أمرني ربي بتسع، خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[التبريزي في مشكاة المصابيح عن أبي هريرة]
إن صمت فأنت تفكر في آلاء الله، وإن نطقت فأنت تذكر الله عز وجل، (( وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
أسوق لكم هذه الحقائق، لأن بيعة العقبة الأولى بيعة متواضعة جداً، وبيعة العقبة الثانية بيعة أوسع شمولاً، ومن خلال هاتين البيعتين انتقل المسلمون من بلد قمعوا فيه، واضطهدوا، وكذبوا، ونكل الكفار بهم إلى بلد آمن كان منطلقاً إلى بلد إسلامي نشر الحق في الآفاق، لذلك قالوا: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، كيف ؟
سيدنا موسى، وهو مع أهله أراد أن يقتبس ناراً: ﴿ لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴾
( سورة طه ).
ناجاه الله عز وجل، هو أراد أن يقتبس قبساً من نار كي يتدفأ أهله بها، فإذا بخالق السماوات والأرض يناجيه: ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي *إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴾
( سورة طه ).
أيها الإخوة، أنا أدعوكم من خلال هذه السيرة النبوية، ومن خلال هذه الأحداث المشجعة دعوة إسلامية عمّت الآفاق، بدأت من بيعتين متواضعتين من عدد لا يزيد على أصابع اليد، وكان بعدها الإسلام كما ترون.
في السنة الثانية من لقاء النبي مع وفد الخزرج جرت بيعة العقبة الأولى، فقد حضر 12 رجلاً، 10 منهم من الخزرج، واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط الرجال الذين أسلموا من الرجال في السنة السابقة قد تركز ضمن قبيلتهم، ما معنى هذا الكلام ؟ حينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
( سورة الشعراء ).
الحكمة من بدء الدعوة بالأقربين
لماذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بعشيرته الأقربين ؟ هل تعلمون لماذا ؟ لأن الحواجز بين الإنسان وغيره ليست موجودة بين القريب والقريب، مثلاً:
لو أنك تمشي في الطريق، وأنت متوجه إلى درس في هذا المسجد، هل تستطيع أن تقول لإنسان يمشي إلى جانبك: تعال امشِ معي إلى هذا الدرس، يخاف منك، يقول لك: ما الدرس ؟ من يحضر هذا الدرس ؟ من يلقي هذا الدرس ؟ أما إذا نظرت إلى صهرك، أو إلى أخيك، أو إلى ابن عمك، لا يخاف منك، لا يتوقع شيئاً غير متوقع، لذلك هذا منهج ،
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
أنت لك أولاد، لك إخوة، لك أولاد عم، لك أولاد خال لك أولاد خالة، لك جيران، لك أصدقاء، لك زملاء في العمل، هؤلاء تعرفهم، ويعرفونك، وتثق بهم، ويثقون بك، هؤلاء خاصة نفسك.
الرجال الذين التقى بهم النبي عليه الصلاة والسلام ركزوا دعوتهم على قومهم، لذلك أيها الإخوة ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أنْ:
(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ))
[أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجه ].
مادية مقيتة، يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل، يحلف البائع أحياناً بربه، وبنبيه، وبالأمانة، وبالكعبة، أن ثمن شراء هذه السلعة أعلى مما دفع المشتري، والحقيقة ليست كذلك، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، لذلك:
(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً ))
الشح المطاع المال، وفي آخر الزمان يبيع الرجل دينه بعرض من الدنيا قليل ، (( وَهَوًى مُتّبَعاً ))
الجنس.
(( وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))
مادية مقيتة، وشهوات جامحة، وكبر ما بعده كبر، هذه من علامات قيام الساعة، (( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))
نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم
(( فالزم بيتك ))
ليس معنى هذا ألا تخرج، اخرج إلى عملك، لكن ليسَعْك بيتك، وأدِّ عملك، ولا تنغمس في وحول البشر.
﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
( سورة الكهف ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2934/03.jpg
(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فلزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، و فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ عنك الْعَامة ))
سقت هذا الحديث من أجل كلمتين: (( فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ ))
قال علماء الحديث: " ليس معنى خاصة نفسك أولادك، بل الجيران، والأصدقاء، والزملاء، والأقرباء، ومن تثق بهم، إذاً:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
بيعة العقبة الأولى حضرها 12 رجلاً، 10 منهم من الخزرج، و2 من الأوس مما يشير إلى أن نشاط الرجال الذين أسلموا من الخزرج من السنة السابقة قد تركز ضمن قبيلتهم بشكل رئيسي، وإن كانوا قد تمكنوا في اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.
قانون العداوة والبغضاء
إخوتنا الكرام، نحن إذا تفلتنا من مهج الله تخلق بيننا عداوة لا تعد ولا تحصى، الدليل:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة المائدة ).
هذا قانون العداوة والبغضاء، يطبق على الزوجين، وعلى الجارين، وعلى الشريكين، وعلى الأسرتين، وعلى القبيلتين، وعلى الشعبين، وعلى الأمتين، وعلى الحضارتين، هذا الصراع في العالم، لماذا العدوان ؟ لماذا سفك الدماء ؟ لماذا قتل الأبرياء ؟ لأن المتحاربين تفلتا من منهج الله، ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
أحياناً على مستوى الأسرة، على مستوى الأب والأبناء، على مستوى الزوج وزوجته، على مستوى الشريك وشريكه، على مستوى الجار وجاره ، على مستوى الأخ وأخيه، لماذا المسلمون ممزقون ؟ لأنهم تفلتوا من تطبيق منهج الله، الثمرة مجازا، أو النتيجة الطبيعية للتفلت العداوة والبغضاء، لا أحد يحب أحد.
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾
( سورة الحشر الآية: 14 ).
بأس المسلمون بينهم، أما إذا طبقنا منهج الله يغدو الأخ الكريم حبيباً.
والله أيها الإخوة، رواية أرويها كثيراً، لكن لا أرتوي منها، النبي عليه الصلاة والسلام عقب معركة أحد تفقد أصحابه، سأل عن سعد بن الربيع، لم يعرف أحد مصيره، أرسل صحابياً إلى أرض المعركة كي يتفقده أهو بين القتلى، فإذا به بين الجرحى، قال له الصحابي الكريم: يا سعد، أنت بين الأحياء أم بين الأموات ؟ جراحك يسيرة أم خطيرة ؟ قال له: أنا مع الأموات، إنسان في النزع الأخير، يغادر الدنيا، والذي سبب هذه المغادرة أنه أسلم، وأنه مشى مع النبي الكريم e، وأنه خاض هذه المعركة، فقال هذا الصحابي الجليل: أقرئ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبي عن أمته، وأقرئ أصحابه السلام، وقل لهم: لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
والله أيها الإخوة، مما يلفت النظر أنني قرأت سير أصحاب الرسول، ودرّستها بفضل الله عز وجل، ما وجدت قاسماً مشترك بين كل هؤلاء الصحابة في سيرهم إلا قاسماً واضحاً صارخاً كبيراً، أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند مغادرة الدنيا، إنسان ينازع ، وسيموت، لأنه أسلم، ولأنه خاض هذه المعركة، يقول: أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، لذلك حينما بقول عليه الصلاة والسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2934/04.jpg
(( تحفة المؤمن الموت ))
[أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر ].
الموت عرس المؤمن، وهو عند الناس أكبر مصيبة أن يموت الإنسان، أما عند المؤمنين الموت تحفة وعرس.
قالت ابنة سيدنا بلال لأبيها: واكربتاه يا أبتِ، وهو على فراش الموت، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
وازنوا بين حياة مؤمن كلما اقترب من لقاء الله استبشر، ووازنوا بين حياة إنسان متفلت إذا شعر بوخزة في قلبه لا ينام الليل خوفاً، إذا جاء التخطيط مخيفاً، تنهار معنوياته لأنه لم يعد للآخرة، أعد للدنيا ولم يعد للآخرة، لأن هذا الأبد خسره، لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 12 ).
بيعة العقبة خطوة أولى لائتلاف الأوس والخزرج
هذه البيعة كانت بداية ائتلاف القبيلتين المتنازعتين المخاصمتين قبيلة الأوس والخزرج، كان هذا اللقاء في بيعة العقبة الأولى بداية ائتلاف هاتين القبيلتين تحت راية الإسلام، الإسلام يجمع، لذلك أعداء المسلمين في بداية عصر النهضة أرادوا تفتيت الجامعة الإسلامية، أنتم أكراد، وأنتم عرب، وأنتم طورانييون، الذي حصل أن جمع الأمة الإسلامية تفرق، والآن قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة القصص الآية: 4 ).
وإن لكل عصر فرعون. ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾
( سورة القصص الآية: 4 ).
أينما حلّت هذه القوة العظمى تصنف المجتمع إلى طوائف، وتثير الأحقاد بينهم، ألا ترون إلى ذلك في العراق، في لبنان، وفي أي مكان ؟ صرّح أحد كبار زعمائهم مرة فقال: أنا لا يعجبني العالم أن يكون 200 دولة، أنا أتنمى أن يكون العالم 5000 دولة، وسياستهم في إثارة الفتن الطائفية لا تخفى عن أحد أبداً، ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾
كان هنالك أوس وخزرج، فصار الأمر هو دين الإسلام، هل يخطر في بالك أن الإمام البخاري ليس عربياً، إطلاقاً، معظم علماء المسلمين ليسوا عرباً، ذابوا في بوتقة الإسلام، الإسلام أممي، كل من أسلم له ما لنا، وعليه ما علينا، ولا فرق بيننا وبينه أبداً.
إذاً بيعة العقبة الأولى بداية ائتلاف القبيلتين المتنازعتين المتحاربتين المتخاصمتين، تحت راية الإسلام، وكان الصحابي الجليل عبادة بن الصامت قد شارك في بيعة العقبة الأولى، لذلك فإنه من مصادر المعلومات الأساسية والدقيقة عنها، معلوماتنا عن بيعة الأولى نأخذها من الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وقد وردت روايته عن البيعة في الصحيحين.
بالمناسبة نحن مع الأسف الشديد لم يتح للتاريخ الإسلامي رجال باحثون، ومدققون كما أتيح للحديث الشريف من رجال بحثوا، ومحصوا، وفرزوا، وأزالوا الضعيف والموضوع عن الصحيح، طبعاً شيء طبيعي، لأن الله في عليائه تولى حفظ قرآنه، ومن لوازم حفظ قرآنه حفظ سنة نبيه، لكن التاريخ الإسلامي لم يتح له ذلك.
إذاً رواية عبادة بن الصامت عن البيعة التي وردت في الصحيحين، وأوردها ابن إسحاق في السيرة بشكل أوضح وأكمل:
بنود بيعة العقبة
قال عبادة بن الصامت:
(( كنت فيمن حضر العقبة الأولى، فكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض الحرب على ألاّ نشرك بالله شيئا ـ البند الأول ـ ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف ـ هذه المعاني وردت في آية كريمة ـ فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غششتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم ))
البيعة إذاً على: (( ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني ))
إن تسعة أحكام الفقه متعلقة بالمال والنساء، ولا شيء يردي الإنسان كالمال والنساء، وكل فضائح أهل الأرض إما فضيحة جنسية أو فضيحة مالية، (( ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ))
لأن الأبوة رسالة،
(( ولا نأتي ببهتان ))
بكذب وافتراء،
(( نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ))
إما عمل ندعيه ولم نفعله، أو شهوة نفعلها ولا نعترف بها،
(( ولا نعصيه في معروف ))
والمعصية هنا مقيدة بالمعروف.
النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية، وأمر عليها أنصارياً ذا دعابة، هكذا ورد في الرواية، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2934/05.jpg
(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم].
إنّ العقل لا يعطل أبداً، بل إن الطاعة مقيدة بالمعروف، أما حينما توسع بعض الجهال فأمروا إخوانهم، وتلاميذهم بأوامر غير معقولة، وغير شرعية جانبوا الصواب، وابتعدوا عن الحق، لماذا نفسر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أُحد من الرماة الذين عصوه، قال العلماء: إنهم عصوا أمراً تنظيماً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، نحن الآن إذا كانت زوجة إنسان لا تنجب، أو مريضة، أو هناك مشكلة، لا يحب أن يفصح بها، وتزوج امرأة ثانية، فكأنه زنا عند الناس، كيف ؟ ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 12 ).
ما فعل شيئاً، هناك ضرورات، وبعد أن تمت البيعة، وأراد المبايعون العودة إلى يثرب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم الصحابي الجليل مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن، وليعلمهم الإسلام، وليفقههم في الدين.
الإلقاء بعد التلقي
كتعليق اسمحوا لي به: أنت أيها الأخ الكريم هل يعقل أن تستمع إلى الدروس طوال عمرك ؟ وأن تتلقى طوال عمرك ؟ متى تلقي الدروس ؟ ومتى تنطق بالحق ؟ ومتى تعلم بعد أن تعلمت، ومتى تشرح بعد أن شُرح لك ؟ ألا تحب أن تلقى الله بعمل صالح ، فلماذا لا توطن نفسك على أن تنطق بالحق ؟ لماذا لا تحاول أن تنقل الهدى إلى إنسان، ألا يغريك عطاء الدعاة إلى الله ؟ ألا تغريك هذه الآية ؟
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت ).
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
الإلقاء بعد التلقي السعادة في خدمة الخَلق
أيها الإخوة الكرام، أكثر مرض يشكَى إلي، يقول: معي كآبة، كلمة شائعة وذائعة، الحقيقة أن الإنسان إذا بقي في ذاته تأتيه الكآبة، أما إذا خرج عن ذاته ليقدم الخير للآخرين تذهب عنه الكآبة.
والله مرة قرأت كلمة في مجلة مترجمة، بعد نهاية المقالة كتبوا حكمة، لكن هذه الحكمة تغلغلت إلى أعماق أعماقي، والقصة من 30 عامًا أو 40 عامًا: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين ".
اخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق، إن أسعدت الآخرين فأنت أسعدهم، نحن ألا نقول في الصلاة على رسول الله اللهم صلِ على أسعدنا محمد، هو أسعد الخلق، أنت حينما تخرج من ذاتك لتقدم الخير للآخرين، كلمة طيبة، أو معروفاً، أو مالاً، أو حكمة، أو خبرة، أو خدمة، تشعر أن الله يحبك، وان الله قبل هذا العمل.
لذاك كانت السيدة عائشة، هكذا ورد في السيرة تعطر الدرهم الذي تدفعه صدقة، فلما سئلت عن سر هذا قالت: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، أنا أحب أن أعطرها.
حينما تخرج من ذاتك تعرف معنى السعادة الحقيقية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2934/06.jpg
وقبل حلول موسم الحج للسنة 13 من البعثة عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ما أصابه من نجاح وتوفيق من الله سبحانه وتعالى في مهمته.
الدعوة تحتاج إلى نفس طويل، لأن بناء النفوس ليس سهلاً، والحقائق مع أدلتها ليست سهلة، وإقناع الإنسان أن يستقيموا ليس أمرا سهلاً، أتحبون توضيحاً لذلك ؟
قد يحضر إنسان خطبة، أو درس علم، أو يسمع محاضرة، أو يقرأ كتابًا، إن صح أن للقناعات الإسلامية وحدة تقاس بها، نسمي عشر وحدات، لكن لا تنسوا أن الشهوات ألف وحدة، فالعشرة أمام الألف لا تصنع شيئاً، والدرس الواحد لا يصنع إيمانًا، بالضبط لما يكتب الإنسان على عيادته " الدكتور فلان "، طبيب، ماذا تستنبط أنت من كلمة الدكتور فلان ؟ معه وثيقة إتمام مرحلة، ومعه شهادة إعدادية ومعه شهادة ثانوية، ونال علامات فوق 230، وكان متفوق جداً، ودخل كلية الطب، وأول سنة درس العلوم، والسنة الثانية تشريح، والثالثة فيزيولوجيا، والرابعة علم الأمراض، والخامسة علم الأدوية، وسنتين تطبيق، بعد هذا أخذ إجازة بالطب، بعد هذا ذهب إلى أمريكا، وبقي سبع سنوات لأخذ بورد، حتى جاء إلى بلده فسمح له أن يكتب " الدكتور فلان "، فهناك نفَس طويل.
فهذا الذي يتكلم قبل أن يتعلم، ينطق قبل أن يتقن، هذا لم يسلك الطريق الطبيعي الذي أراده الله، لكن هذه الدعوة إلى الله إذا نجحت فنجاحها لا يقدر بثمن. ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾
هذه النفس البشرية: ﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
( سورة المائدة الآية: 32 ).
كيف ؟ أنت بجهد كبير، بنفس طويل، بمتابعة، وبإصرار، وببذل، وتضحية أقنعت إنسانًا أن يؤمن ويستقيم، أن يستقيم مع الله، وأن يصطلح معه، وإذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً، فقد اصطلح مع الله، هذا الإنسان، أولاً بعد ما اصطلح مع الله، واستقام على أمره لن يتزوج إلا شابة مؤمنة، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، ولم يعمل عملاً إلا مشروعاً ، وسوف يربي أولاده تربية إسلامية، وقد ينجب إلى يوم القيامة من ذرية ثلاثة ملايين، وكلهم على هذا النسق، إذاً كل أعمال هذا الذي هديته إلى الله في صحيفتك، الدليل: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
( سورة الطور الآية: 21 ).
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾
أي: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم،
﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
لذلك أيها الإخوة، أقول لكم هذه الكلمة من القلب: لم يبقَ في أيدي المسلمين ـ وهذا حالهم ـ من ورقة رابحة إلا أولادهم، أولادهم هم المستقبل، فإذا أردت أن تقدم لهذه الأمة عملاً لا يقدر بثمن فربِّ ابنك تربية إسلامية، نشئه على العلم، ومعرفة الله، وطاعة رسول الله e، وعلى الخُلق الكريم، إذا قدمت للمجتمع شاباً مؤمناً منضبطاً فقد قدمت للأمة خدمة لا تقدر بثمن، لأن أعداء المسلمين لا يراهنون عليك، أنت بعيد عن طموحهم، لكنهم يراهنون على أولادك، لذلك حتى برامج الكرتون تبنى على الإلحاد والإباحية، وأنت لا تدري، حتى البرامج التي نستوردها للأطفال، ويتعلقون بها أشد التعلق تهدم الدين، تهدم العقيدة، تهدم السنة، فلذلك إذا أردتم أن تقدموا لأمتكم شيئاً، وهي في محنة ما بعدها محنة، والعالم كله يحاربها، وكأن حرباً عالمية ثالثة أعلنت على المسلمين، فاعتنوا بأولادكم، ألحقوهم بالمساجد، ليكونوا معكم في الدروس، أكرموهم، أحسنوا إليهم، اعتنوا بصحتهم، بدراستهم، بأخلاقهم.
كنت مرةً في القاهرة في أحد الأعياد، ولعله عيد الأضحى، فلفت نظري أن هناك تقليداً بالقاهرة، أن الأسر في معظمها لا تسمح لأولادها أن يذهبوا في العيد وحدهم، خوفاً عليهم، مهما علت مرتبة الأب، قد يكون وزيرًا، يأخذ بنفسه أولاده ليلعبوا بإشرافه.
هنا يقع في بعض الأعياد من المخازي في أثناء لعب الأطفال، وفي الساحات العامة ما يندى له الجبين، ابنك أمانة في عنقك، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( خير كسب الرجل ولده ))
[الجامع الصغير عن أبي بردة بسند ضعيف]
فلذلك بأيدينا أولادنا، هم ثمرة قلوبنا، وهم أملنا، وهم أمتنا في مستقبلها، فاعتنوا بالأولاد، وبينت لكم أن 12 رجلاً هم قوام بيعة العقبة الأولى، هم نواة العالم الإسلامي اليوم، والأمل كبير، الله عز وجل لا يتخلى عنا، وهذا الدين دينه، ولا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له.
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع بيعة العقبة الثانية.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الخامس و العشرون )
الموضوع : بيعة العقبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. بيعة العقبة الثانية: دلالاتها
الحياة دون عمل صالح وقت ضائع وعيش تافه
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، والموضوع اليوم بيعة العقبة الثانية، ولكن قبل أن نبدأ في الحديث عن هذه البيعة يمكن أن نقول: إن الإنسان حينما يسمح الله له أن يكون علَماً من أعلام الدعوة، أو حينما يكون جندياً من جنود الحق، أو حينما يكون أداة للخير، فهذا أعظم عطاء لله عز وجل.
(( أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر ))
[ رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/01.jpg
إن هذا الإسلام العظيم الذي انتشر في الخافقين، والذي يعد المسلمون اليوم مليارًا وثلاثمئة مليون، بداية هذا الدين من بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، فالذين كانوا في هذه البيعة أو في تلك هم أعلام الأمة، فما لم يكن لك دور في بناء هذا الدين، أو في نشر هذا الحق فحياة الإنسان عندئذٍ تافهة لا معنى لها، ولو كان غنياً، ولو كان قوياً، لأن الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، وصحة الصحيح، ومرض المريض، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم.
إنّ الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب ولمن يحب، أعطاه لقارون، وهو لا يحبه، أعطاه لسيدنا عثمان، وهو يحبه، إذاً ليس المال مقياساً، أعطى المُلك لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، إذاً ليس الملك مقياساً، لكن كما قال الله عز وجل: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/02.jpg
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
( سورة يوسف ).
فإذا كان نصيبك من الله علم وحكمة فهذا من نوع عطاء الله لأنبيائه ولأحبابه ولأوليائه، فانظر ما العطاء الذي خصك الله به.
أيها الإخوة، حديث شريف يقصم الظهر، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( بَادِرُوا بالأَعْمَالِ سَبْعاً، هَلْ تُنْظَرُونَ إِلاّ إِلّا فَقْرًا مُنْسيًا، أَوْ غِنًى مُطغيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِداً، أَوْ هَرَمًا مُفْنِدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدّجّال، فَشَرّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ، أَوْ السّاعَةِ ؟ فالسّاعةُ أَدْهَى وَأَمَرّ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ].
هذا الكلام أيها الإخوة أسوقه لكم لنعلم علم اليقين أن حياة من دون عمل صالح حياة تافهة، والذي يقدم على الله من دون عمل صالح لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا، بل له عند الله صغار، لأنه أمضى حياته في مصالحه وشهواته ونزواته، لذلك لما قرأت عن بيعة العقبة الثانية وجدت هؤلاء الذين حضروها هم عماد هذا الدين، كلٌّ ركنٌ ركين.
حيثيات بيعة العقبة الثانية ومعانيها
أيها الإخوة، في العام التالي الذي تلا بيعة العقبة الأولى قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مسلمي الأوس والخزرج 73 رجلاً وامرأتان، وترون أن النساء كن في البيعة الأولى وفي بيعة العقبة الثانية، فالمرأة كما هو ثابت مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية وهي شبه الرجل عند الله، لكن للمرأة خصائص، وللرجل خصائص، وخصائص كل منهما كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بهما.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/03.jpg
فبايعوه بيعة العقبة الثانية، وقد بينت لكم في اللقاء السابق أن الحياة الدنيا دار تكليف، لا دار تشريف، ودار عمل لا دار أمل، ودار دفع ثمن الآخرة، فلذلك هذه البيعة التي بايع بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نبيهم من نوع بيع النفس.
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾
( سورة التوبة الآية: 111 ).
المؤمن باع نفسه لله، أعطى من ماله، أعطى من وقته، أعطى من جهده، أعطى من خبرته، أعطى من صحته، من أجل أن يسعد في الدار الآخرة إلى أبد الآبدين.
إذاً: بايعوه أن يمنعوه إذا قدم عليهم، الآن هناك تفاصيل، إذا قدم عليهم، وهاجر إليهم بايعوه، أي منعوه مما يمنعون منه نسائهم وأبناءهم وأنفسهم.
الجماعة المؤمنة رحمة والفرقة عذاب
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/04.jpg
إن المؤمن يعيش في جماعة، ومن نظلم الجماعة أن الكل للواحد، والواحد للكل، وأنتم قد لا تشعرون بقيمة الجماعة، لأن انتماء الإنسان في هذا الأيام إلى نفسه، همه بيته فقط، همه أولاده، همه دخله، لا يهتم بشأن المسلمين، وكلما نمت روح الجماعة في مجتمع ما، كان هذا المجتمع أقوى وكان أقرب إلى الله، لأن الله عز وجل يقول:
(( يدُ اللهِ مع الجماعة ))
[ رواه الترمذي عن ابن عباس ].
وفي رواية:
(( يد الله مع على الجماعة من شذ شذ في النار ))
[ رواه الحاكم عن ابن عمر ].
(( عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنّ الشّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ))
[رواه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر ].
(( فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))
[رَوَاهُ أبُو دَاوُد عن أبي الدرداء ].
فوعدوه على أن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم ، وهذه البيعة هي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الدعوة، حيث أصبح للإسلام دار يمكن أن يتخذ قاعدة للانتشار، وهو ما حصل بالفعل، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة.
بيعة العقبة الثانية تحوُّلٌ كبير في الدعوة إلى الله إخوتنا الكرام، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في مكة المكرمة مُنعوا أن يجابهوا أحداً:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
( سورة النساء الآية: 77 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/05.jpg
لم يكن هناك إذن في مكة المكرمة أن يجابه المسلمون أحداً، مع أن قريشاً بالغت في التنكيل بهم، وفي تعذيبهم، وفي مقاطعتهم، وبأعمال لا تحصَى، ومع ذلك التوجيه القرآني، وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام يمنع أن تكون هناك مواجهة بين المسلمين في مكة، وبين أعدائه، وقد يسأل أحدكم: لماذا ؟ لأن البيت الواحد فيه مسلم، وفيه مشرك ، فلو سُمح بالمواجهة لكانت حرباً أهلية، المسلمون في مكة ليس لهم كيان، مؤمنون متفرقون يجمعهم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ليس لهم كيان، لذلك كانت بيعة العقبة تحولاً كبيراً في الدعوة إلى الله، صار هناك مكان يضم المسلمين، ثم صار هناك كيان، ثم صار هناك مجتمع، وعلى رأس هذا المجتمع رسول الله، عندئذٍ لما كان هناك كيان مستقل له قيادة مؤمنة، قال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾
( سورة الحج ).
لذلك هذه البيعة كما قلت قبل قليل: كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة، حيث أصبح للإسلام داراً يمكن أن يتخذ قاعدة للانتشار، وهو ما حصل بالفعل، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة.
تفاصيل بيعة العقبة الثانية ومعانيها
الآن يحدثنا الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري عن تفاصيل بيعة العقبة الثانية فيقول:
خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني تواعدنا معه ـ بالعقبة من أوسط أيام التشريق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/06.jpg
اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك في يوم النحر، والأيام الثلاثة اسمها أيام التشريق، فهذه البيعة كانت في أوسط أيام التشريق، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين ـ الإسلام ضعيف، سيد الخلق لن يستطع أن يعدهم في وضح النهار، بعد ثلث الليل، وخرجوا متخفين ـ حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن 73 رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مَن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة
إنّ الأمر في البدايات صعب، لكن من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، وقد تدخل على إنسان حصل علماً عالياً، ودرس 44 سنة، ولم ينم الليل، ولم يعرف طعم الحياة، بعد هذه الدرجة العلمية العالية جداً قد يأتيه دخل كبير، وقد يحظى باحترام كبير، هذه المكانة وهذا الدخل من هذه السنوات الطويلة التي أمضاها في طاعة الله، فمن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، حتى جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم، معه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه.
أثر القرابة وشأنها في الدعوة
كما ترون علاقات القرابة لها شان كبير في الدعوة، لذلك قال تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الشعراء ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/07.jpg
وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، وأن يتوثق له، فلما جلس كان أول المتكلمين العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج ـ وكانت العرب إنما يسمون الحي من الأنصار الخزرج ـ قال: يا معشر الخزرج، إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، منعنا محمداً من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز في قومه، ومنعة في بلاده، وإنه قد أبى إلا الانحياز لكم، واللحاق لكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه، ممن خالفه فأنتم، وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه. الوضوح والبيان في بداية الدعوة والعمل
هذا يعلمنا أنك أيها الأخ في كل أعمالك كن واضحاً، كن واضحاً في البداية ، وضح كل شيء، وبيّن كل شيء، واستفهم عن كل شيء، كلما كان الأمر واضحاً في البداية كان ناجحاً في النهاية، لذلك أكثر المشكلات التي تتفاقم بين المسلمين، لأن البداية ليست واضحة، لذلك قيل: " الجهالة في الإِسقاط لا تفضي إلى المنازعة ".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/08.jpg
فالعباس بن عبد المطلب قال كلاماً دقيقاً، قال: يا معشر الخزرج، إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز في قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم واقون له لما دعوتموه إليه، مانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده.
مرة ثانية: في عقد الزواج وضح كل شيء، في عقد الشراكة وضح كل شيء، في عقد البيع وضح كل شيء، في أي اتفاق، أو أي بيع، أو أي شراء، أو أي عمل، كن واضحاً في البداية تسترح في النهاية.
فقلنا له: لقد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قضية أن تكون خادماً للحق، أن تكون جندياً للحق، أن تكون جندياً للحق، أن تسخر إمكاناتك للحق، أن تسخر وجاهتك للحق، هذا مقام كبير عند الله، الآية الكريمة التي خاطب الله سيدنا موسى عليه السلام: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
( سورة طه ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/09.jpg
أنت لي، قال: فلتكلم النبي عليه الصلاة والسلام فتلا القرآن، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام في حلف معهم، يمنعونه من خصومه كما يمنعون نساءهم وأبناءهم، فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعك مما نمنع منه أزواجنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلق، ورثناها كابراً عن كابر، قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إننا بيننا وبين الرجال حبالاً، إن بيننا وبين الرجال ـ أي اليهود الذين كانوا في المدينة ـ حبالاً وإنا قاطعوها، ـ يعني اليهود ـ فهل عفيت إن نحن فعلنا ذلك، أيْ قطعنا علاقاتنا مع اليهود، وانضممنا إليك، فعل عفيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا، هل يمكن هذا ؟!
أرأيتم إلى هذه الصراحة، وإلى هذه الجرأة، وإلى هذا الأدب، وإلى هذا الاستفهام وإلى ذاك التوضيح ؟
مرة ثانية: إن تسعين بالمئة من مشكلات الزوجين ناتجة عن الجهالة، وعدم التوضيح والمخادعة، كن واضحاً إذا خطبت امرأة، كن واضحاً إذا شاركت إنساناً.
إن أيّ كلام فيه جهالة، ضبابي، في تعمية، في مخاتلة تتفجر بعده الأحداث، هنا العباس بن عبد المطلب قال: هو في عز ومنعة، فإذا انحاز إليكم فهل أنتم مانعوه مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم ؟ من الآن قولوا، وهذا الأنصاري بالمقابل قال: يا رسول، الله إن بيننا وبين القوم حبالاً، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن أظهرك الله، ونصرك أن تدعنا، وأن تتركنا إليهم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الأوفياء، وسيد الأسخياء، وما عرف التاريخ أوفى من رسول الله، قال:
(( بل الدم الدّم، والهدم الهدم، أنتم مني، وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ))
قصة: عبرة وموعظة
لذلك جاءت الأنصار عقب معركة حنين، حين أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حديثي العهد بالإسلام الغنائم، بل معظم الغنائم، ولم يعطِ الأنصار شيئاً ، فوجدوا عليه في أنفسهم، وخافوا أنه إذا انتصر، وأظهره الله أن يعود إلى مكة، ولا يبقَى معهم، فجاءه سيد الأنصار سعد بن عبادة، قال: (( يا رسول الله، إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم من أجل هذا الفيء الذي وزعته، ولم يأخذ منه الأنصار شيئاً، فقال: أين أنت يا سعد ؟ فقال سعد: ما أنا إلا من قومي، فقال: اجمع لي قومك، فجمع له الأنصار، وألقى كلمة تكتب بماء الذهب، قال:
يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم، من أجل لعاعة تألفت بها قوم ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار، مقالة إن قلتموها صدقكم الناس، أما إنكم إن شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم به: أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك ))
[السيرة النبوية بسند صحيح]
أرأيت إلى هذا الوفاء ؟ وهو في قمة نجاحه، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/10.jpg
(( يا معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ألم تكونوا أعداء فألف بين قلوبكم، يا معشر الأنصار، أوجدتم علي في أنفسكم من أجل لعاعة تألفت بها قوماً حتى يسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ قال: فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظا ))
أيها الإخوة، هذه القصة أين مكانها في السيرة ؟ مع وفاءه أم مع رحمته ؟ أم مع تواضعه ؟ أم مع وضوحه ؟ أم مع حنكته في القيادة ؟ طوق الحادثة، وامتص النقمة، وأعلن عن وفائه للأنصار، وفي رواية أخرى:
((بل المحيى محياكم، والممات مماتكم ))
((ولو سلك الأنصار شعباً، وسلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ))
أنا لا أصدق أن في العالم كله إنسان أوفى من رسول الله، قال: (( بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنتم مني، وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ))
قال كعب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، منهم تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس ))
هؤلاء النقباء هم نخبة، هؤلاء الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد هذه البيعة قام العباس بن عبادة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل مِنى غداً بأسيافنا، نحارب معك غداً، فقال عليه الصلاة والسلام: لم نؤمر بهذا.
كما قلت قبل قليل: هناك توجيه رباني ألا يواجه المسلمون أحداً في مكة، فقال عليه الصلاة والسلام: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا إلى رحالهم.
وفي صباح اليوم التالي ـ الآن دققوا ـ في صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعوتهم له بالهجرة، هم سألوا عامة أهل الخزرج، فقال المشركون: وحلفوا بالله بأنهم لم يفعلوا كذلك، هم سألوا أناساً ما حضروا بيعة العقبة، فأسموا بالله أنهم ما فعلوا كذلك، أرأيت إلى قول الله عز وجل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة الحج الآية: 38 ).
((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه ))
[ أخرجه ابن عساكر عن كعب بن مالك ].
فحلفوا أنهم لم يفعلوا ذلك، مرة النبي أرسل سيدنا حذيفة في معركة، وكان البرد شديداً، والجوع أشد، والقلق أشد وأشد، فأمره النبي أن ينطلق إلى معسكر العدو، وأن يجلس بينهم ليستمع إلى أخبارهم، وماذا يزمعون أن يفعلوا، فجلس، فقال أبو سفيان: لعل فيكم غريباً، ليتفقد كل منكم صاحبه، فسيدنا حذيفة بتوفيق الله عز وجل بادر، وأسرع إلى من على جنبه، قال له: من أنت ؟ هو المطلوب، قال له: من أنت ؟ فأجابه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/11.jpg
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أحياناً الله عز وجل يحمي دعوة كبيرة جداً بشيء بسيط جداً، هذا الإسلام العظيم، وهذا الدين القويم الذي يدين له ثلث الأرض، كيف حماه الله في الغار ؟ بالعنكبوت، العنكبوت نسج، فاستنبطوا أن هذا الغار ليس فيه أحد، والدليل العنكبوت، لو كان فيه أحد لخرق هذا النسيج.
إن من تمام عظمة الله أن يكافئ عباداً بأقل الأشياء، وأضعفها، ويمكن أن يدمر إنساناً بأقل الأسباب.
وفي صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوتهم له بالهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم، وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام، وعاد الأنصار إلى يثرب، وهم ينتظرون هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين بلهف كبير. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآيات: 38 ـ 39 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/12.jpg
إذا دعيت إلى خير فبادر إلى فعل الخير، لأنك إن لم تبادر فسيأتي من يبادر: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾
( سورة التوبة الآية: 39 ).
آية دقيقة جداً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
إن لم تبادر فغيرك سيبادر، إن دعيت إلى عمل صالح، واعتذرت وتنصلت، وجئت بالحجج الواهية يأت غيرك، ويأخذ شرف هذا العمل، لذلك إذا دعي الإنسان إلى خير من تمام توفيقه ومن تمام عقله أن يسارع، قال تعالى:
﴿ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين )
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾
( سورة الصافات )
هذه بدايات الإسلام، وبدأ الدين غريباً، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( أناس صالحون في قوم سوء كبير ))
وقد قال الإمام مالك: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/13.jpg
صلح أولها بإخلاص لله، وصلح أولها بمحبة رسول الله، وصلح أولها بالتضحية بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، فما لم نعد سيرة السلف الصالح في التفافنا حول النبي صلى الله عليه وسلم فليس هناك من أمل أن نتقي كيد الكائدين، وعدوان المعتدين.
أيها الإخوة الكرام، حقيقة دقيقة جداً يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 ).
وهذه الآية إلى يوم القيامة، لكن في حياة النبي، ما دام شخص النبي بين ظهرانيهم فهم في مأمن من عذاب الله، ولكن بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملإ الأعلى فلها معنى آخر: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2935/ar-2935/14.jpg
أي أن سنتك مطبقة فيهم، إذا طبقنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم فنحن في مأمن من عذاب الله.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
( سورة الأنفال ).
أما إذا لم نطبق، وخالفنا ثم ندمنا، واعتذرا واستغفرنا، أيضاً فنحن في مأمن آخر ، نحن آمنون إذا طبقنا منهج النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن آمنون إذا استغفرنا الله بعد التقصير في تطبيقه.
والشيء الدقيق جداً أن الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة آل عمران ).
فعلامة محبة الله في قلبك أنك تتبع النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الإخوة الكرام، أرجو الله في دروس قادمة أن نتابع فقه السيرة، وننتقل بعدها إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والهجرة حركة، والإسلام حركي، وليس سكونياً، والهجرة بمعناها الواسع وهذا بإمكاننا أن نطبقه، من هجر المنكر أو هجر المعصية أو المخالفة فهو عند الله مهاجر.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السادس و العشرون )
الموضوع : الهجرة -1- المفاهيم العامة للهجرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في دروس سابقة بعد بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية إلى الهجرة، ونحن على مشارف ذكرى الهجرة. مفهومات الهجرة في الإسلام
المفهوم الأول: الهجرة حركة
بادئ ذي بدء، الهجرة حركة، وليست سكوناً، لذلك الإسلام حركي، وليس الإسلام سكونياً، أي أنك استمعت، وأعجبت، وأثنيت، ومدحت، وقدرت، وأكبرت، ولم تفعل شيئاً فأنت لست على شيء. ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 68 ).
ويا أيها المسلمون، لستم على شيء حتى تقيموا أحكام القرآن في حياتكم، الإسلام حركة، سلوك، التزام، عطاء، صلة، مجاهدة، فإذا بقي الإنسان معجباً بالإسلام إعجاباً نظرياً، أو إعجاباً سكونياً، أو إعجاباً لا يسبر عملاً، هذا فالإنسان أبعد شيء عن حقيقة هذا الدين.
كان من الممكن أن يستمر الإسلام في مكة المكرمة بترتيب إلهي، أن يخضع أهل مكة إلى النبي، ويبقى النبي في مكة، ولكن لماذا شاءت حكمة الله أن تشتد المعارضة في مكة، وأن يبالغ القرشيون في التنكيل بأصحاب النبي، وأن يبدو الطريق مسدوداً للدعوة في مكة، عندها كانت الهجرة.
هذا الدرس بليغ، ما لم تتحرك، ما لم تلتزم، لك حرفة لا ترضي الله ينبغي أن تتركها، لك سلوك لا يرضي الله ينبغي أن تتوب منه، لك علاقة مشبوهة ينبغي أن تقطعها، اعتقدت أن العلاقة مع هذا الإنسان تنفعك مع الله ينبغي أن تقيمها، أما أن تبقى ساكناً، وهذا من أصعب ما يواجه المسلمون به اليوم أعداءهم، سكون، انتظار، ماذا يفعل بنا ؟ دون حركة، دون سعي، دون تفكير في المستقيل، لذلك المفهوم الأول للهجرة يعني الحركة ، المسلم كائن متحرك، وليس كائناً ساكناً، والإنسان يميل إلى السكون، والقعود، والاستسلام ويندب حظه، ويندب أعداءه، ويندب الظروف الصعبة التي يمر بها، ليس هذا من الإسلام في شيء.
النبي عليه الصلاة والسلام واجه أعتى أنواع الظلم، والكفر، والاضطهاد، والتنكيل أصحابه يعذبون أمامه، ولا يملك شيئاً، يقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.
المفهوم الثاني: هجرة المعاصي
أيها الإخوة، أوسع معنى للهجرة أنها حركة، والإسلام حركة، وفي معنى واسع آخر ذكره النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
(( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))
[ رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمرو ].
أنت مهاجر، بعد ما أُغلق باب الهجرة من مكة إلى المدينة هو في الحقيقة مفتوح بين كل مدينتين يشبهان مكة والمدينة، أما الهجرة بالذات من مكة إلى المدينة فأُغلق بابها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ))
[ متفق عليه عن ابن عباس].
لكن بين أيّ مدينتين تشبهان مكة والمدينة الهجرة قائمة بينهما.
المعنى الثاني الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام الذي يوسع معنى الهجرة الضيق:
(( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))
تركت هذه الحرفة التي بُنيت على معصية، فأنت مهاجر تركت هذه السهرة التي فيها اختلاط فأنت مهاجر، تركت هذه العلاقة التجارية التي فيها شبهة فأنت مهاجر تركت إيداع المال في مؤسسة ربوية، وأخذت رأس مالك فأنت مهاجر
(( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))
أعطى النبي عليه الصلاة والسلام مفهوماً ثالثاً للهجرة، الأول حركة: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾
( سورة الأنفال الآية: 72 ).
أول مفهوم حركي.
المفهوم الثاني: أن تترك ما نهى الله عنه فأنت مهاجر .
المفهوم الثالث: هجرة المعاصي
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))
[ رَوَاهُ مُسلِم عن معقل بن يسار رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ].
أي في زمن الفتن، في زمن النساء الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، في زمن الفضائيات، في زمن الإنترنت، في زمن أن يعم الفسق والفجور أهل الأرض، في زمن أن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، في زمن لا يأمر الناس فيه بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، في زمن أن يأمر الناس بالمنكر، وينهون عن المعروف، في زمن أن يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، في زمن أن تضيع الأمانة، وأن يكذب الصادق، وأن يصدق الكاذب، وأن:
(( يكون الولد غيظا، والمطر قيظا، وتفيض اللئام فيضا، وتغيض الكرام غيضا ))
[رواه الخرائطي من حديث عائشة والطبراني من حديث ابن مسعود ].
في زمن يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغيّر، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، في زمن موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ؟ المقتول فيمَ قُتل، تطهير عرقي، في زمن التناقضات، في زمن أن تحتقر الأَمَة ربّتها التي ربّتها، تقول: أمي دقة قديمة، هي مثقفة، في زمن أن يوسد الأمر لغير أهله، في زمن أن ترتكب المعصية على قارعة الطريق، في زمن أن يكون الفجار هم علية القوم، في هذا الزمن:
(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))
إذا عبدت الله في زمن الفتن، في زمن أن يمس الناس غبار الربا، في زمن أن يُكذب الصادق، ويصدق الكاذب، فهذه العبادة بنص الحديث الصحيح القدس:
(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))
أول مفهوم: الحركة.
المفهوم الثاني: أن تدع ما نهى الله عنه.
المفهوم الثالث: أن تعبد الله في زمن الفتن.
توقيت الهجرة بالمفهوم العام
ولكن متى ينبغي أن تهاجر ؟ ومتى ينبغي ألا تهاجر، أنا أتكلم عن الهجرة بالمفهوم الواسع.
أضرب مثلاً: أُرسلتَ ببعثة إلى بلد غربي لتنال الدكتوراه، من جامعة بالذات، إذا مُنعت من دخول هذه الجامعة، وقرار إيفادك ينص على هذه الجامعة، ولم يسمح لك بالانتساب إلى هذه الجامعة أيعقل أن تبقى في هذا البلد ؟ الجواب: لا، علة وجودي الوحيدة في هذا البلد أن أنتسب لهذه الجامعة، وأن أنال الدكتوراه، فإذا مُنعت من أن أنتسب إليها فلا معنى للبقاء في هذا البلد، هذا المثل.
التطبيق: هل يعلم الأخ المؤمن ما علة وجوده في الأرض ؟ أن يعبد الله.
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات ).
سبب الهجرة العامة ودليلها
أن يعبد الله بالمفهوم الواسع، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، فإذا كنت في مكان، وحيل بينك وبين أن تعبد الله، وحيل بينك وبين أن تحقق علة وجودك في هذا المكان، هل تبقى في هذا المكان ؟ إن كان في الإمكان أن تعبد الله في مكان فابقَ فيه، وإذا كان في الإمكان أن تصلح هذا المكان ليتاح أن تعبد الله فيه فابقَ في هذا المكان، أما إذا مُنعت أن تعبد الله، وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً في هذا المكان فعليك أن تغادر هذا المكان إلى مكان تعبد الله فيه، هذا كلام، ما الدليل ؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، الدليل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة النساء الآية: 97 ).
معنى الاستضعاف في الأرض
المعنى الأول: عدم الاستطاعة لعبادة الله
ما معنى مستضعفين ؟ أي لا نستطيع أن نفعل شيئاً وفق اختيارنا، لا نستطيع أن نعبد الله، لا نستطيع أن نؤدي شعائر الإسلام، لا نستطيع أن نصلي، لا نستطيع أن نحجب نساءنا، لا نستطيع أن نفعل شيئاً يرضي ربنا،
﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾
يعني كان الذي يتولى الأمر يمنع الناس أن يحققوا شعائر دينهم.
المعنى الثاني: الضعف أمام الشهوات
هناك معنى آخر:
﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾
أي: ضعفنا في مكان ما أمام الشهوات، أمامي كأس من الماء شربت من رشفة، قلت: هذا العمل في بلاد المسلمين بمَ يقيم ؟ هل يعدّ الذي شرب الماء قد ارتكب منكراً ؟ لا يعد منكرا أبداً، هذا الماء ماء عذب زلال أنزل الله من السماء، فاختزن في الأرض، وظهر ينبوع، وشربنا منه، والناس شركاء في ثلاث، في الماء، والإنسان خلق فيه، أو خلقت فيه حاجة إلى الماء.
أقسمت إلى أحد الإخوة الكرام البارحة أن الزنا في بلاد الغرب كشربة الماء تماماً، ويستحيل أن تجد فتاة عذراء هناك، بل إن الفتاة العذراء متهمة في عقلها، فإذا كان الإنسان في بلد كهذا البلد المعاصي ترتكب على قارعة الطريق، وفي الحدائق، وأمام الناس، ترتكب الفاحشة العظمى في الطريق فليهاجر.
كنت أضرب على هذا بعض الأمثلة:
إن شاباً أعجبته فتاة هناك فاستأذن والده بالزواج منها، والأب كان زير نساء، هذا مصطلح معروف، قال: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، فأحجم عنها، ثم أعجبته فتاة ثانية، فاستأذن والده، قال: لا يا بني، إنها أختك أيضاً، وأمك لا تدري، أعجبته فتاة ثالثة، فقال: لا يا بني، إنها أختك أيضاً، وأمك لا تدري، هذا الشاب ضجر فأخبر والدته، قالت له: خذ أين شئت، فأنت لست ابنه، وهو لا يدري، هكذا.
فإذا كنت في هذا البلد، في بلد غربي ترتكب فيه الفواحش على قارعة الطريق وضعفت أمام شهوتك، هذا الضعف من نوع آخر، هناك ضعف قمع، وضعف غلبة، غلبتك شهوتك، فإذا كنت في بلد ضعفت أمام شهواتك، ولأن الشهوات مستعرة، وسبلها ميسرة أيضاً فهاجر من هذا البلد، متى أهاجر ؟ إذا كنت مستضعفاً.
الترغيب في سكنى بلاد الشام
الاستضعاف الأول: أن أُمنع من تأدية شعائر الإسلام، نحن في فضل كبير، والحق يقال: المساجد ممتلئة، وعامرة بالمصلين، ولك أن تفعل كل ما يأمرك به الدين، ولك أن تحجب فتياتك، ونساءك.
نحن في بلد تكلم عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَمْرِ بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ، فَحَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ أَلَا، فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))
[أحمد]
(( طوبى لمن له فيها مربض شاة ))
كحجم هذه الطاولة، (( طوبى لمن له فيها مربض شاة، الداخل إليها فبرضائي، والخارج منها بسخطي ))
[ورد في الأثر]
هناك أحاديث صحيحة في الترغيب والترهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين فضل السكنى بالشام، ذكرت هذا من أجل أهمس من آذان من اغتربوا، وأقاموا في بلاد الغرب، وضعفوا أمام أولادهم، حيث لا تستطيع إذا رأيت مع ابنتك في غرفتها الخاصة شاباً في فراشها، إذا غضبتَ فأنت لست حضارياً، أنت لست مهذباً، لأن هذا الذي ينام معها جاء بطلب منها، هو مدعو، وأنت إنسان همجي حينما ترى ابنتك تحتضن شاباً في غرفتها أو هي في المدرسة فتنهاها عن ذلك، لذلك تؤخذ إلى دوائر الشرطة كي توقع تعهداً ألا تغضب مرة ثانية إذا رأيت شاباً مع ابنتك، في مثل هذه البلاد لا يعاش فيها، لذلك:
(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))
[ رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن جرير ].
لي طالب أقام في بلد بعيد ادعت زوجته التي هي حلاله، أنه التقى بها وهي ليست راضية فحُكم عليه بسنتين سجنا، هذا اسمه بالقانون الغربي اغتصاب الزوجة، زوجته وهو بحاجة إليها حلاله، (( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))
لأن عندهم الزواج عقد بين شخصين، لا بين ذكر وأنثى، قد يكون العقد بين رجلين، أو بين امرأتين، أو بين رجل وامرأة ، والإجهاض مسموح به، والزوجة ليست مطالبة أن تتابع زوجها، لها أن تسكن في مكان آخر، وهذا حديث يطول عن مؤتمر السكان، وعن توصيات مؤتمر السكان، وعما يفرض على العالم الإسلامي من إباحيات مؤتمر السكان.
﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً ﴾
( سورة النساء الآية: 97 ).
﴿ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾
كم نوعًا من الضعف ؟ ضعف قمع، وضعف غلبة شهوة، فمثل هاتين الحالتين إذا كنت ترجو الله والدار الآخرة ينبغي أن تهاجر إلى بلاد المسلمين، إلى بلاد تؤدي فيه الصلوات بحرية، إلى بلاد تستطيع أن تحجب بناتك.
أيها الإخوة الكرام، هذه علة الهجرة، لكن المشكلة أن هؤلاء المسلمين الذين أقاموا في بلاد الغرب وجدوا الحياة هناك طرية، والعيش رغيداً، والحاجات موفرة، وفي حريات، وفي إباحية والإنسان فيما يبدو له حقوق كثيرة جداً محققة هناك، فآثروا دنياهم على أخرتهم، لذلك لا توازن بين دولة متقدمة جداً، وبين بلد إسلامي متخلف، وازن بين الدنيا والآخرة.
في رمضان كنت مدعواً إلى طعام الإفطار فجلس إلى جانبي رجل عرّفني عن نفسه بأنه رائد فضائي سوري، ركب مركبة فضائية وصل إلى منطقة انعدام الوزن بين الأرض والقمر، قلت له: هذا الجنين الذي في بطن أمه حجمه بعد أن يبلغ الابن تسعة أشهر 750 سم مكعبًا، وهو جالس في مكان مرتاحًا، هناك سائل أمينوسي، يحقق له الدفء والراحة ، طعامه وافر، ليس عنده مشكلة، حينما يعلم أنه سيخرج يتألم أشد الألم، لكن غاب عنه أنه سيخرج من ضيق الرحم، إلى سعة الدنيا، سوريا وحدها فيها ساحل، وفيها شمال، وفيها جنوب، وفيها شرق، وفيها بادية، أليس كذلك ؟ وفي بلاد أوربا، وفي بلاد أمريكا، وفي بلاد آسيا، إفريقيا، أقينوسيا، استراليا، وفي ريادة فضاء.
في الأثر:
(( ينتقل المؤمن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا ))
فهذا الذي آثر الدنيا ما عرف الآخرة، وقد خسر أكبر خسارة.
أعظم خسارة تتحقق أن تخسر الآخرة، فهذا الذي آثر الدنيا على الآخرة ما عرف قيمة الآخرة، لذلك يقول: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ* يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾
( سورة الفجر ).
فهذا الذي استمرأ الحياة في بلاد يعصى الله فيها على قارعة الطريق، ويضعف الإنسان أمام شهواته هناك، هذا الذي فعل ذلك خسر الآخرة، فلذلك الهجرة جزء لا يتجزأ من الدين.
مفهومات الهجرة الضيقة وتطبيقاتها
أيها الإخوة، لو وصلنا إلى مفهوماتها الضيقة: قد تكون في حرفة لا ترضي الله يقتضي مفهوم الهجرة أن تدعها إلى حرفة ترضي الله.
حدثني أخ قال لي: في رمضان الماضي وأنا راكب مركبتي متجهًا إلى أحد المساجد لأداء صلاة التراويح، استوقفه شرطي لمخالفة، قال لي: أعطيته خمسين ليرة فرفضها، توهمت أنه لم تعجبه، أعطيته مئة ليرة، قال له: لا تحاول، أنا تائب إلى الله، ولن آخذ منك قرشاً واحداً، قال له: انظر إلى يدي، أنا أنقل الرمل مساء لئلا آخذ درهماً حراماً، هذا الشرطي مهاجر، أليس كذلك ؟ والقصة لها تتمة رائعة، فهذا الإنسان عنده معمل ألبسة درجة أولى أعجب بتوبة هذا الشرطي فأخذه إلى معمله وكسا أهله جميعاً بأحدث الألبسة، هذا شرطي مهاجر.
لما تنتقل فجأة في وضع فيه معصية إلى وضع في طاعة فأنت مهاجر عند الله، سهرة لا ترضي الله، فيها لعب نرد، وفيها غناء، فيها مقاهٍ، فيها نساء كاسيات عاريات، والسهرة عمرها عشر سنوات، بعد أن عرفت الله أنا أعتذر، أنا لا أجلس في مثل هذه الجلسات، أنت مهاجر.
لك حرفة مبنية على معصية غيّرها.
حدثني أخ قال لي: عندي مطعم، من خمس وعشرين سنة مسموح فيه الخمر، قال لي: والله أرباحي فلكية، أنا متعاقد مع 18 شركة أجنبية، والأسعار عشرة أمثال، لكن فيه خمر، تاب إلى الله، بعد أن تاب إلى الله هبط الدخل إلى واحد من عشرين، لأن 18 شركة ألغوا العقد معه باعتبار إلغاء الخمر، لأنهم أجانب، صاحب هذا المطعم ما تصنيفه عند الله ؟ مهاجر، هذا هجر المنكر.
امرأة سافرة، ولها مكانة اجتماعية، فلما عرفت أن الحجاب جزء من الدين تحجبت، وقطعت كل علاقاتها مع من كنّ على شاكلتها فهي مهاجرة،
(( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))
إنْ ثيابك، أو في بيتك، أو في علاقاتك، أو في حرفتك، أو في عملك.
قال لي أخ: أنا منعَم عليّ والحمد لله، وأسافر دائماً بالدرجة الأولى، أنا مرة دعيتُ لمؤتمر، طبعاً الداعي أمير بالخليج، بالدرجة الأولى، قرأت بطاقة الطائرة 50 ألفًا، 25 ألفًا زيادة على الضعف، يضعون معطفك في مكان، هناك كأس عصير، وهناك بعض المجلات الزائدة، وثمة أخوان لنا كرماء، بعد أن عرفوا الله ألغوا الدرجة الأولى من حياتهم، لأن الزيادة في هذا المال الفقراء أولى بها، السفر كله ساعة مثلاً أو ساعتين فأوقف الدرجة الأولى، هذا مهاجر، اركب طائرة ولا مانع، وحقق أعمالك، لكن لا داعي أن تدفع الضعف من أجل أشياء بسيطة جداً، والناس في أمسّ الحاجة لهذا المبلغ.
لو أردت أن أسرد عليكم أنواع من الهجرة لا تعد ولا تحصى، لمجرد أن تنتقل من موقع إلى موقع، من حرفة إلى حرفة، من علاقة إلى علاقة، من نمط إلى نمط، من سلوك إلى سلوك، من مكان إلى مكان.
أحد الإخوة الكرام حج بيت الله الحرام، لشدة ما امتن الله عليه بحالة مسعدة عاهد الله ألا يغادر بلده إلا إلى الحرمين الشريفين، هذا أيضاً مهاجر،
(( والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))
أردت بهذا الدرس أيها الإخوة أن يكون حول مفهومات الهجرة، ونحن على مشارف ذكرى الهجرة.
لماذا اختار سيدنا عمر رضي الله عنه التأريخ الهجري ليبدأ من هجرة النبي ؟ الهجرة حركة، لذلك أعيد عليكم هذه الآية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾
الضعف نوعان: ضعف قمع، وضعف خضوع للشهوة.
﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾
هل هناك وعيد أشد من هذا الوعيد ؟.
كنت في مؤتمر في لوس أنجلوس، وعقب إلقاء المحاضرة قالت لي امرأة محجبة هذه الكلمة، قالت لي: أنا فلانة أخت فلان، فلان صديقي الحميم في الشام، قلت لها: أهلاً وسهلاً فبكت فوراً، خير إن شاء الله، قالت لي: ابني ملحد، وابنتي راقصة، هذا ثمن الإقامة هناك.
﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾
لذلك الوعيد،
﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾
أيها الإخوة الكرام، قضية الهجرة تدخل في حياتنا اليومية، في بعض الحرف التي لا ترضي الله، في بعض البيوت في أمكان لا ترضي الله، حولك طبقة من المجتمع المخملي، نساءهم كاسيات عاريات، مع الاستمرار بهذه المنطقة يأتيك ضغط من بناتك عليك كي يقلدن ما يرين بأعينهن، فيجب أن تغادر إلى مكان محافظ.
الهجرة حركة أيها الإخوة، الهجرة موقف، لكن أخطر شيء بالموضوع:
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾
أسوق لهذه الآية هذا المثل:
أنت مهما كنت متعمقاً بالدين، وهمما عظمت هذا الشرع العظيم، ومهما أثنيت على هذا القرآن العظيم، ومهما اعتززت بهذا الدين القويم، إن لم تطبقه فلا قيمة لك عند الله أبداً، تماماً كما لو أن إنساناً يعاني من مرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، وهو قابع في غرفة مظلمة قميئة، لا ترى ضوء الشمس، وهو فصيح اللسان يتحدث عن الشمس، وعن قيمتها، وعن أشعتها، وعن نصاعتها، وعن تألقها في كبد السماء، وعن أنها شمس عظيمة، كل هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر، ما لم يتعرض لأشعة الشمس.
لذلك القرآن الكريم بآية واحدة لخصت القرآن كله، أين الآية ؟ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى ﴾
الآن تلخيص القرآن: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف ).
إن أردت لقاء الله عز وجل بالمعنى الواسع، إن أردت أن تتصل به، إن أردت أن يتجلى على قلبك، إن أردت أن تكون محظياً عنده، إن أردت أن تكون في مقعد صدق عنده، إن أردت السلامة والنجاة:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
هناك جانب عقدي، وجانب سلوكي، العقدي: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
والجانب السلوكي:
﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾
إذاً: الإسلام حركة، ونحن في عيد الهجرة، ونحن في مفهوم الهجرة، أوسع مفهوم الحركة، يليه أن تدع ما نهى الله عنه، يليه أن تعبد الله في زمن الفتن، (( العبادة في الهرج كهجرة إليّ ))
والهجرة بين مكة والمدينة أغلقت لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ))
بينما الهجرة من أي مدينتين تشبهان مكة والمدينة قائمة إلى يوم القيامة، والمستضعف ينبغي أن يهاجر، أي الذي مُنع من أداء شعائره الدينية، أو ضعفت نفسه أمام الشهوات المستعرة في تلك البلاد، والعقاب جهنم،
﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾
الوعيد مخيف، لأنك حينما لا تستطيع تحقيق علة وجودك ببقائك في هذا البلد أو في بلد لا تستطيع أن تؤدي به شعائر الله، ولا أن تقيم أمره، أو أن تضعف أمام شهواتك هذا بلد يلغي آخرتك، والإنسان كما ترون وكما تسمعون في قبضة الله، بثانية واحدة انتهى أحد زعماء إسرائيل، ثانية واحدة، خثرة بالدماغ، والناس جميعاً يدعون له بطول البقاء ثانية، هذا الذي يؤثر الدنيا على الآخرة، إنسان غبي أحمق، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع أحداث الهجرة، وأسبابها، وبعض الوقائع التي كانت بها.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السابع و العشرون )
الموضوع : الهجرة -2-تفاصيل الهجرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الهجرة، وكان الحديث عن مفهومات الهجرة:
الهجرة حركة، والهجرة ترك ما نهى الله عنه، والهجرة قائمة بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة.
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))
[ رواه مسلم].
وكان الحديث المطول حول قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾
( سورة النساء ).
الآن ندخل في التفاصيل. اختيار يثرب مكانا للهجرة
في هذا الدرس الثاني للهجرة، الآن لم يكن اختيار يثرب داراً للهجرة مما اقتضته الظروف ظروف الدعوة فقط، إنما كان ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى.
التعليق: إن كل حدث وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان من قِبل العناية الإلهية مقصوداً لذاته، لأن السنة النبوية المطهرة هي أقواله، وأفعاله، وإقراره، أفعاله كما يقول بعض العلماء: أبلغ في الدالة على معرفته بالله، وفهمه لكلامه من أقواله، لماذا ؟ لأن القول يحتمل التأويل، بينما الفعل حدّي، إذاً كل أفعاله كانت تشريعاً، النبي وحده، ولا أحد سواه أقواله تشريع، وأفعاله تشريع، وسكوته تشريع، وصفاته تشريع.
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 ).
﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾
( سورة النساء الآية: 80 ).
ولأن أمر الله تعالى واضح جلي، قطعي الثبوت والدلالة في وجوب طاعة رسول الله، في أقواله، وأفعاله، وإقراره، إذاً ينبغي أن تكون أفعاله معصومة عن الخطأ لأنه مشرع.
رؤية النبي يثرب في المنام
إذاً يجب أن نأخذ أحداث السيرة النبوية على أنها أحداث أرادها الله عز وجل لعبرة بالغةٍ بالغة ليقف النبي e منها الموقف الكامل، عندئذٍ يكون هذا الموقف تشريعاً، الله عز وجل هو الذي اختار يثرب، فقد ورد في حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ ))
[البخاري عن عائشة]
(( إِنِّي أُرِيتُ ))
ورؤيا الأنبياء حق، ورؤيا الأنبياء أمر.
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
( سورة الصافات الآية: 102 ).
رؤيا الأنبياء أمر، والله عز وجل هو الذي اختار يثرب لتكون داراً للهجرة، لذلك ورد في بعض الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة مهاجراً، قال:
(( اللهم ! إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك ))
[ رواه الحاكم عن أبي هريرة ]
فكانت المدينة المنورة، لذلك الذين يزرون مكة والمدينة يؤكدون أن الجو العام في مكة جو إجلال، بينما الجو العام في المدينة جو جمال، روحانية النبي مهيمنة على هذه المدينة النبوية، إذاً:
(( إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ ))
وفي حديث آخر:
(( رأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِب ))
[ البخاري عن أبي موسى]
من أسباب الهجرة
إنّ أسباب الهجرة لا تخفى على أحد، حيث كان الابتلاء والاضطهاد سبب هجرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله إلى المدينة التي اختارها الله، والحقيقة أن المدينة وظيفتها الأولى في الهجرة تأمين ملاذ آمن للدعوة، لذلك المكان أو أيّ مكان يحول بينك وبين عبادة الله ينبغي أن تغادره، لأن علة وجودك أن تعبد الله، وإذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ))
[ متفق عليه عن ابن عباس].
أي أن باب الهجرة أغلق بين مكة والمدينة بعد الفتح، لكن الحقيقة أن الهجرة قائمة ومفتحة أبوابها على مصاريعها بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة.
وقد بينت في درس سابق أن الإنسان إذا كان ضعيفاً ضعف قمع على أن يعبد الله ينبغي أن يهاجر، وإن كان ضعيفاً ضعف غلبة على أن يعبد الله فينبغي أن يهاجر، إما أن يضعف أمام قوى الشر، وإما أن يضعف أمام الشهوات، إذاً سبب الهجرة توفير مكان آمن للدعوة، ولعبادة الله جل جلاله هدف الهجرة، والسبب اضطهاد المؤمنين والصحابة الكرام في مكة.
كان المؤمنون قبل الهجرة يفرّ أحدهم بدينه إلى الله تعالى، وبالمناسبة السفر مشروع لأهداف متعددة، يقع في أعلاها الجهاد في سبيل الله، وبعد الجهاد يقع الفرار بالدين، وبعد الفرار في الدين يقع الدعوة إلى الله، ثم يقع التماس الرزق، فبين أن يهاجر المرء أو أن يسافر ليجاهد في سبيل الله، أو ليفر في دينه، أو ليطلب العلم، أو ليتمس الرزق، هذه الأهداف المشروعة التي وردت في هذا الدين العظيم.
أما الآن فهناك سياحة، وسفر من أجل ارتكاب الموبقات، وهناك سفر من أجل انتهاك المحرمات، وسفر هدفه الفاحشة، فكان السفر الذي يرقى بالإنسان إلى أعلى عليين أن يسافر المسلم ليجاهد، يسافر ليفر بدينه، يسافر لطلب العلم، يسافر ليلتمس الرزق، الآن يسافر ليزداد بعداً عن الله، يسافر ليقترف الفواحش والآثام.
الأمور أيها الإخوة بمقاصدها، أن تقيم الأمر بمقصده، فأي سفر كان من أجل التحلل من منهج الله عز وجل هو سفر لا يرضي الله، وفي بعض البلاد التي تأمر رعاياها ببعض أحكام الدين كالحجاب مثلاً تجد منظراً عجيباً في المطارات، أن المرأة التي كانت قبل قليل محجبة ما إن دخلت إلى الطائرة حتى خلعت حجابها، وظهرت بأبهى زينتها، وكان تعليق بعض المراقبين بهذه الظاهرة غير المقبولة أن هذا الدين الذي يعتنقه إنسان في مكان، ويتفلت منه في مكان، هو دين جغرافي.
كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى، لأن قريشاً يضطهد من يتبع الرسول لكن ثمة سؤال أتمنى أن نقف عنده وقفة متأنية:
ما الحكمة من كون الرسول ضعيفا ؟
ما الحكمة أن يكون الرسول ضعيفاً ؟ الدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما مر بعمار بن ياسر يعذب لم يستطع تخليصه، فما كان منه إلا أن قال:
(( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ))
[السيرة النبوية بسند صحيح]
لماذا كان النبي ضعيفاً ؟ أو ما الحكمة أن الله شاءت إرادته أن يكون النبي ضعيفاً.
(( لاَ أَملِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّا وَلاَ نَفْعاً ))
[ الترمذي عَن أَبي هُرَيْرَةَ ].
بل: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 ).
لماذا ؟ لأنه لو كان قوياً كأقوياء هذا العصر، وجاء بهذه الرسالة لآمن به الملايين المملينة، لا عن قناعة، ولا عن إيمان، ولا عن عبادة، ولكن آمنوا خوفاً منه، وهذا الإيمان لا قيمة له عند الله إطلاقاً، لذلك كانت حكمة الله عز وجل أن يجعل سيد الخلق ضعيفاً، لا يملك لا لهم ولا لنفسه نفعاً ولا ضرا، ليكون الإيمان برسول الله إيماناً حقيقياً ، لكن بعد حين الله جل جلاله يتفضل عليه بالقوة.
أحوال المؤمن مع الله تعالى
بالمناسبة، كل مؤمن له مع الله أحوال ثلاثة، وهذا الكلام ينطبق على كل مؤمن:
الحال الأول: حال التأديب، إذا كان هناك مخالفات.
الحال الثاني: حال الابتلاء وهو مستقيم.
الحال الثالث: حالم التكريم.
أنت بين التأديب، والابتلاء، والتكريم، وقد تكون هذه الأحوال الثلاثة متداخلة، وقد تكون متمايزة، مرحلة تأديب، ومرحلة ابتلاء، ومرحلة تكريم، أو في اليوم الواحد تكون معاملة من الله أساسها التأديب، ومعاملة أخرى أساسها الابتلاء ومعاملة ثالثة أساسها التكريم.
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت ).
هل تعتقدون أن الإنسان بإمكانه أن يقول: أنا مؤمن، دون أن يمتحن، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون ).
الله عز وجل قادر أن يحجم كل إنسان، أو أن يعيده إلى حجمه الطبيعي، قل ما شئت، لكن الله يسوق لهذا الإنسان بحكمة بالغة ظروفاً تكشفه على حقيقته، لذلك الله جل جلاله لا تخفى عليه خافية. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر ).
علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
كان المؤمنون قبل الهجرة بين أي يفرّ أحدهم بدينه إلى الله تعالى مخافة أن يُفتتن، وكان من هو مفتون بدينه، وكان من هو معذب في أيديهم، وكان من هو هارب إلى بلاد أخرى، فهم بين معذب، ومفتون، وهارب، ومضطهد، وفارّ بدينه.
(( ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، ألا إن سلعة الله الجنة ))
[ رواه الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ].
الحكمة من الأمر بالصبر في مكة وعدم القتال
إن جنة عرضها السماوات والأرض لا تأتي بركعتين وليرتين، بل تحتاج إلى جهد كبير، ومن طلب الجنة بغير عمل فطلبه ذنب من الذنوب، يقول حَبر الأمة عبد الله بن عباس: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( فيقول لهم اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال ))
[ ورد في الأثر]
هناك توجيه إلهي هو في الحقيقة تشريع، وهو أنّ الله عز وجل لا يقبل بالتعبير المعاصر حرباً أهلية. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
( سورة النساء الآية: 77 ).
هذه الآية في مكة، البيت الواحد فيه مؤمن وفيه مشرك، فلو سمح بالقتال في مكة لكانت هذه الحرب حرباً أهلية، ولأحرقت الأخضر واليابس، وقد قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 ).
بل إن الثالثة هي أصعب ما في الحياة الدنيا.
شيء آخر، الدعوة لا تنمو إلا بالسلام، فلما انتقل الصحابة الكرام إلى المدينة حيث الأمن والسلام والهدوء نمت قدراتهم، وازداد نشاطاتهم، وأقبلوا على ربهم، هذا شأن الإنسان، أؤكد لكم هذا المعنى مرة ثانية: أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾
( سورة الفتح ).
متى كان هذا الفتح ؟ كان هذا الفتح في صلح الحديبية، وكانت مناسبة هذا الفتح للسلام، و الأمن، والاستقرار، هذا ما ينقص المسلمين اليوم، فقد تهاونوا سابقاً وقصروا، ولم يعدوا العدة لأعدائهم، فتفنن أعداؤهم في إرهابهم، وفي تخويفهم، وفي تهديدهم، وفي الضغط عليهم، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 ).
إذاً أنت حينما تعد العدة تحقق هدفاً لا يكون إلا بها، أنك ترهب أعداءك، وكم من دولة قوية عندها أسلحة قوية لا تحتاج أن تستخدمها إطلاقاً، لكن وجود السلاح يلقي الرعب في قلوب الأعداء، والذي يحصل الآن من تدنيس للمصحف، ومن تشويه لمكانة النبي عليه الصلاة والسلام هو بسبب ضعف المسلمين، هذا الذي يحدث تحصيل حاصل، لذلك المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( فيقول لهم اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال ))
لمّا هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واستقر المسلمون، وكان لهم كيان، وقيادة، وأتباع، عندئذٍ نزل قوله تعالى:
﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾
( سورة الحج ).
من أوائل من هاجر من الرجل والنساء
وهذه أول آيات القتال، الآن أول المهاجرين، كلن مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم، أول من هاجر إلى المدينة، وكانا يقرآني الناس القرآن كما ورد في آثار السيرة النبوية، في حين وردت روايات أخرى تفيد أن أول من هاجر هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وذلك بعد أن آذته قريش على أثر رجوعه من هجرته إلى الحبشة، فتوجه إلى يثرب قبل بيعة العقبة بسنة واحدة، على أنه يمكن الجمع بين الخبرين في أن هذا الصحابي أبو سلمة وصل إلى المدينة، لا هجرة، ولكن فراراً بدينه، وكانت قبل بيعة العقبة، وكأن الذي أشار إلى أن أول من هاجر هو مصعب بن عمير أراد هذا الإنسان الكريم لأنه هاجر هجرة بأمر النبي بعد بيعة العقبة الأولى والثانية، وقد بينت أحداث السيرة والمصادر المعتمدة الكثيرة، من أساليب قريش في محاولتها عرقلة هجرة المسلمين إلى يثرب، وإثارتها للمشكلات في وجه المهاجرين، كالإرهاب مثلاً، وحجز الزوجات، والأطفال، وسلب الأموال، أو الاحتيال لإعادة من هاجر منهم، لأن هؤلاء المسلمين إن لم يهاجروا هم في قبضتها، وتحت سيطرتها، فإذا هاجروا تفلتوا من قبضتها، ونجوا من سيطرتها، لذلك كانت قريش تمنع الهجرة، إما بسلب الأموال، أو بحجز الزوجات، أو بالتهديد، أو بالوعيد.
لكن الصحابة الكرام كانوا على استعداد لا حدود له ليفتدوا أنفسهم بكل ما يملكون.
إنّ أم سلمة رضي الله عنها لها قصة عجيبة، تأتي في سير الصحابة، وكيف كانت مع زوجها الأول، وكيف أن قريشاً انتزعتها وطفلها من زوجها، وكيف أن رحلة العذاب قد استمرت قرابة سنة، قبل أن يتاح لها أن تسترجع ابنها، وأن تلحق بزوجها، زوجها هاجر، وقد أخذوها وكانت برفقته، ومنعوها أن تهاجر، وأخذوا ابنها رهينة، ومضى عام حتى استطاعت أن تصل إلى المدينة، وأن تأتي بولدها إليها.
الحقيقة أن لقصة أم سلمة تفاصيل مذهلة، كما قال عليه الصلاة والسلام.
(( فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة ].
لم يكن مسلماً عثمان بن طلحة، فرقّ لها، رقّ لامرأة زوجها في المدينة، وهي محجوزة في مكة، هي مؤمنة، وقومها ليسوا مؤمنين، فما كان منه إلا أن اصطحبها مع طفلها قرابة أسبوعين من مكة إلى المدينة على ناقة لها، وناقة له، ولم ينظر إليها، هذا قبل أن يسلم، كان إذا أراد أن يريحها ينيخ ناقتها، ويبتعد كثيراً، ثم حين يزمع أن يتابع السير، يوقظ الناقة يدعوها إلى أن تركب الناقة، ويلتفت إلى جهة أخرى، ثم ينطلق بهذه الناقة، وكان مشركاً قبل أن يسلم، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى إنساناً دخل في الإسلام يقول له يا فلان:
(( أسلمت على ما أسلفت من خير ))
[ رواه أحمد في مسنده عن حكيم بن حزام وهو متفق عليه ].
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (( فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ))
وكتعقيب على هذه الحقيقة: إن الله عز وجل يتولى الصالحين، فأيّ إنسان صالح ولو لم يكن يعرف الله عز وجل ما دام صالحاً يتولاه، ويأخذ بيده إلى الإيمان.
إن صهيب الرومي منعه زعماء قريش من الهجرة بحجة أنه كان قد أتى إلى مكة فقيراً، فقالوا له: فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون هذا أبداً، ليس هناك هجرة، جئتنا فقيراً، واغتنيت بين أظهرنا، الآن تريد أن تخرج مع المال، لن نسمح لك بذلك، ما فعل صهيب ؟ عرض عليهم أن يجعل لهم المال كله في مقابل أن يخلوا سبيله، عندئذٍ وافقوا على ذلك، وبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:
(( ربح صهيب، ربح صهيب، ربح صهيب ))
إذا دفعت كل مالك، واستطعت أن تؤمن، وأن تنجو فأنت الرابح الأول، من هنا قيل: مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح.
يروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبر هجرته، حيث تواعد مع عياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص السهمي على الالتقاء في مكان بعيد عن مكة، وكيف أن هشام بن العاص قد حبس عنهما، وفتن، فافتتن، ثم تحدث عن خبر وصولهما إلى ظاهر المدينة ونزولهما في بني عمر بن عوف، وخروج أبي جهل بن هشام وأخيه الحارث إلى عياش بن أبي ربيعة، وإقناع إياه بضرورة العودة إلى مكة ليبر بقسم أمه التي نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراه، وكيف حذره عمر منهما، وقوله له: يا عياش، << إنك والله إن يريد القوم إلا ليفتونك عن دينك، فاحذرهم >>.
إذاً أُخِذ مال مسلم كله، وحُجِزتْ زوجة آخر وطفله كرهينة، ومنعوا الثالث بالقوة أن يهاجر، وفي بعض الطريق أوثقاه، وربطاه، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن، يقول سيدنا عمر: كنا نقول: ما والله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر ببلاء أصابهم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى فيهم. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
( سورة الزمر ).
أيها الإخوة، المتاعب التي تحملها أصحاب رسول الله أكبر من أن توصف حتى وصل الدين إلينا، وقدم إلينا على طبق من ذهب، ماذا يطلب من المؤمنين اليوم ؟ يطلب الحفاظ على دينهم ، وأداء العبادات، وفعل الخيرات، أما الصحابة الكرام فتنوا، وقتّل بعضهم، وحبسوا، وأخذت أموالهم، وحجزت عنهم زوجاتهم، وكانوا أبطالاً بحق، بل إن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا نخبة، كان عليه الصلاة والسلام كان يقول:
(( إن الله اختارني واختار لي أصحابا ))
[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]
لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة
ومن أعظم نعمة ينعم الله بها عليك أن يكون الذين حولك على شاكلتك، ومن تكريم الله للإنسان أن يحاط بمن هو على شاكلته، يقدرهم ويقدروه، ويحبهم ويحبوه، ويعينهم ويعينوه، لذلك قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
( سورة التوبة ).
أي أنكم لا تستطيعون أن تتقوا ربكم إلا إذا كنتم مع المؤمنين، مع الصادقين ، والحمية عن أهل الشرك والكفر ضرورية، لكن البعد عن أهل الصلاح والتقوى خطأ كبير. ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
( سورة الكهف ).
(( وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ))
[ رواه أحمد عن النعمان بن بشير بسند حسن]
وإن الله مع الجماعة، ويد الله مع الجماعة.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ))
[رواه الترمذي]
(( فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ))
[ أحمد]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ ))
[ أحمد]
أيها الإخوة الكرام، تآمرت قريش على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن علم المشركون بما تم بين النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار في العقبة الثانية، ورأوا المسلمين يهاجرون إلى يثرب جماعات وأفرادا، وقد أرّخ الزهري لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال:
" مكث عليه الصلاة والسلام بعد الحج بقية ذي الحجة، ومحرم، وصفر، ثم إن المشركين اجتمعوا يعني على قتله، وقد تواترت الأخبار بأن خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة كان يوم الاثنين، وكان دخوله المدينة يوم الاثنين أيضاً، وحادثة تآمر قريش على قتل النبي نأخذها بالتفصيل إن شاء الله في درس قادم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثامن و العشرون )
الموضوع : الهجرة -3-لن نمكن فى الارض قبل ان ننتصر على انفسنا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
إشارة القرآن إلى هجرة النبي
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ومع موضوع بدأنا به في الدرس الماضي، وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب.
أيها الإخوة، أشار القرآن الكريم إلى هجرة النبي عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى:
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة التوبة ).
حقائق مهمة لهذه الأمة
إله النبي هو إلهنا
أيها الإخوة، الحقيقة الأولى، ونحن في أمسّ الحاجة إليها أنّ إله محمد صلى الله عليه وسلم الذي نصره في الهجرة هو إلهنا، وكما نصر نبيه وأصحابه الكرام يمكن أن ينصرنا.
تقديم أسباب النصر
ولكن إذا قدمنا الأسباب التي نستحق بها أن ننتصر، قال تعالى:
﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 126 ).
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 ).
لذلك نسال الله أن ننتصر على أنفسنا حتى ننتصر لله، حتى نستحق أن ينصرنا على أعداءنا.
هذه أول حقيقة: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ ﴾
من هو الثاني ؟ صدّيق الأمة.
" ما طلعت شمس على رجل بعد نبي خير من أبي بكر ".
هو صديق المسلمين.
(( أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر ))
[ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي حُجيفة ].
(( ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك ))
[ ورد في الأثر ].
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾
الله عز وجل ينتظر منا أن ننصر دينه، فإن تخاذلنا نصر هو دينه، وحرمنا هذه المرتبة العلية في نصر دينه، لذلك لا تنسوا هذه الكلمة: لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، فقد ينصره الله بالرجل الفاجر، ولكن لنقلق على أنفسنا فيما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً له، أعلى مرتبة ينالها الإنسان أن يكون جندياً للحق، وأخس مرتبة يكونها الإنسان أن يكون في خندق مناهض للحق، لعل أشقى البشر من عاندوا الرسل، أبو بكر وعمر هم في أعلى عليين، وأبو جهل وأبو لهب في أسفل سافلين، هم في مزبلة التاريخ، بين أن تكون في أعلى عليين إذا نصرت الحق وأهله، وبين أن يكون الإنسان في أسفل سافلين إذا كان في خندق معادٍ للحق.
هنا ملمح يحضرني، لماذا قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
( سورة التحريم ).
هذه آية فيها تساؤل كبير من أجل امرأتين ضعيفتين.
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
لو أن امرأتين انتقدتا النظام هل يعقل أن تستنفر القوى البحرية والجوية والبرية، وكل القوى ؟ مستحيل ! ما معنى الآية ؟ معنى الآية إذا كنت في خندق معادنٍ للحق فاعلم من هو الطرف الأخر، أشقى إنسان من وقف في خندق معادنٍ للحق، من أراد أن يطفئ نور الله
إخوانا الكرام، بربكم لو أن إنسانًا توجه إلى الشمس، ونفخ بفمه يريد أن يطفئ نورها بماذا نحكم على عقله ؟ بالجنون. ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 32 ).
المصائب فرزٌ ومحن ومنح
إذا كان ضوء الشمس يستحيل أن تطفئه، فهل تستطيع أن تطفي نور الله ؟ لذلك كلمة أقولها لكم لعلهم قاسية: ما ضر الصحابة نبح الكلاب، وما ضر البحر أن ألقى فيه غلام بحجر، ولو تحول الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا الدين ما أثاروه إلا على أنفسهم، والذي حصل من تطاول على سيد الخلق وحبيب الحق فيه خير لا يعلمه إلا الله، ولكن في المستقبل، لأن كتاباً صدر مرة وصف بيوت النبي وصفاً لا يليق بمقام النبوة، (سلمان رشدي)، ثم أسلم بسبب هذا الكتاب 20 ألف بريطاني، لأنهم ما صدقوا هذا الوصف، فبحثوا عن الحقيقة فاهتدوا، وأنا أطمئنكم أن مئات من الألوف سوف يبحثون عن الحقيقة، وسوف يدخلون في دين الله أفواجاً، وأن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام ).
إخواننا الكرام، الشيطان الذي هو رأس الإضلال في الكون، والذي يريد دائماً أن يغوي الإنسان، وأن يدعوه إلى المعصية، وأن يصرفه عن الطاعة، لو أنه يستطيع أن يفعل ما يريد لما أمده الله إلى يوم يبعثون، ولكن لأن الله يوظف كيده للخير المطلق ما أبقاه يتوهم أنه يضل البشر، كل شيء فيه شر هو شر نسبي، موظف للخير المطلق، والشر المطلق لا وجود له في الكون، ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
وهذه عملية فرز.
﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
( سورة الأنعام ).
هذه عملية فرز، وحديث الإفك عملية فرز، المؤمنون الصادقون ظنوا بأنفسهم خيراً، والمنافقون فرحوا بهذه الأخبار. ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 179 ).
عملية الفرز والامتحان والابتلاء مستمرة طوال الحياة، وهذا الذي حصل نوع من الابتلاء، ونوع من الامتحان، ونوع من الفرز، لذلك الإله الذي نصر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام موجود، وهو إلهنا، ولماذا لا ينصرنا ؟! وزوال الكون أهون عليه من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين. ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾
( سورة غافر ).
﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم ).
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
( سورة النور الآية: 55 ).
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات ).
ومرة ثانية: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ولكن لابد من دفع الثمن، نحن نقرأ في التاريخ أن الفرنجة حينما احتلوا القدس ذبحوا 70 ألفاً من المسلمين، وكتّاب التاريخ يقفزون فجأة إلى أن صلاح الدين فتح القدس، ولم يسفك دماً، وكأنه فعل معجزة، وكأنه فعل أسطورة، وهذا لأن صلاح الدين الأيوبي استحق النصر بعد خمسين عاماً من إزالة المنكرات، ومن تعليم الطلاب العلم الشرعي، هناك جهود جبارة بذلها هذا القائد البطل توجت بفتح القدس، فإذا أغفلنا هذه الجهود شعرنا أننا أمام أسطورة، أو أمام معجزة، وليس هناك أساطير ولا معجزات، لا ننتصر إلا بالصلح مع الله، لا ننتصر إلا بالتوبة، ما نزل بلاء لا يرفع إلا بالتوبة. ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران ).
سيدنا صلاح الدين حينما أخرج الغزاة من الشرق قال: لم يعودوا ما دمنا رجالاً، لكنهم عادوا، عادوا مرتين، عادوا في المرة الأولى حينما دخل قائد الجيش الفرنسي إلى مقامه، وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين، وعادوا ثانية إلى العراق، وإلى أفغانستان، ولسان حالهم يقول: ها قد عدنا يا صلاح الدين.
النصر له ثمن
النصر له ثمن، ثمنه طاعة الله عز وجل، أما توقع النصر من دون طاعة فغباء وسذاجة، أما انتظار معجزة فغباء وسذاجة، أما انتظار أن يأتي شيء غير مألوف فننتصر غباء وسذاجة.
أيها الإخوة،
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
معية الله عامة وخاصة ومعنى: إن الله معنا، ودققوا في هذا الكلام، والكلام كبير، وخطير، معية الله معيتان:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 ).
هذه معية عامة، يعني معكم بعلمه فقط، هو مع الكافر، مع المنافق، مع الملحد مع العاصي، مع الفاسق، مع المؤمن بعلمه ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
إذا وضع إنسان في محله التجاري آلة تصوير، وهو في مكتب في الطابق الثاني، وهو يرى كل من يدخل، وكل من يخرج، هو مع كل الزبائن، يرى بعلمه فقط، لكن إذا جاءت المعية خاصة فلها معنى رائع، لها معنى نحتاجه نحن اليوم، إذا قال الله: إن الله مع المؤمنين، فإن الله معهم بالتأييد والنصر، والحفظ، والتوفيق، إن الله مع المؤمنين، المعية الخاصة لها معناً إيجابي يحتاجه المؤمن أشد الاحتياج.
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
إخوتنا الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بكل الأسباب، وأغلق كل الاحتمالات، وسد كل الثغرات، وغطى كل الحاجات، مع أنه الإنسان الأول الذي يستحق النصر، لذلك المنهج النبوي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أخذ بالأسباب كلف من يأتيه بالأخبار، وكلف من يمحو الآثار، وكلف من يأتيه بالطعام، وكلف من يدله على الطريق، ولم يدع ثغرة إلا وغطاها، سار باتجاه الساحل، واختبأ في غار ثور ليخف الطلب، ولماذا وصلوا إليه ؟ ولماذا سمح الله لهم أن يصلوا إليه ؟ ليبين الله لنا أن اعتماد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن على الأسباب وقد أخذ بها، لكن اعتماده كان على رب الأرباب، لذلك لما وصلوا إليه، وقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله لو نظر أحدهم لموطأ قدمه لرآنا قال:
(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))
[ أخرجه البخاري عن أبي بكر]
إذاً: يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، إذاً إذ يقول لصاحبه وقد وصل المطاردون إلى الغار: ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾
هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء عطاء لا يوصف، إذا أنزل الله على قلبك السكينة أنت أغنى الناس، وأنت أقوى الناس وأنت أحكم الناس، وأنت أعلم الناس، وأنت أكرم الناس، فإذا حجبها عنك وكانت الدنيا بيديك أنت أفقر الناس، وأنت أجهل الناس، وأنت أضعف الناس، وأنت أبعد الناس عن الصواب.
﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾
تسكن لها، ترتاح لها، تسعد بها، ترضى بها، تطمئن بها،
﴿ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾
والله عز وجل عنده جنود لا نراها.
مرة أراد أعداؤنا أن يخطفوا عدداً كبيراً جداً من المصلين ليلة القدر في جنوب لبنان، وهيئوا خطة محكمة جداً، وضعوا في طائرتين مروحيتين 125 ضابط مغوار، كل واحد كلّف تدريبه 5 ملايين، يتقن اللغة المحلية، والعامية، والسلاح الأبيض، والصراع الياباني، واستخدام أعقد الأجهزة والأسلحة، الخطة أن يخطفوا المسلمين من المساجد، ليأخذوهم رهائن يبادلون عليهم أسراهم الذين أسروا في جنوب لبنان،
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾
فوقعت الطائرة الأولى على الطائرة الثانية فوق مستعمرة في إسرائيل، ومات كل الضباط، ولم تُمْنَ إسرائيل بهزيمة بشرية في نخبة ضباطها من تاريخها منذ أن أسست وحتى الآن كهذه المأساة، لأن الله تدخل وانتهى كل شيء، اعترفوا بتسعين، ثم أوردوا البقية في حوادث طرق.
إن الله عز وجل إذا كنا معه كان معنا، وإذا اصطلحنا معه نصرنا، وإذا كنا معه كنا أقوياء، وإذا كنا أقوياء لن يستطع العدو أن يسخر من نبينا، ولا أن يدنس مصحفنا، ولا أن يستفزنا بأن تقف امرأة وتخطب في كنيسة خطبة الجمعة، وتصلي بالرجال، وعلى مرأى خمسين مندوب وكالة صحافة، هذا استفزاز للمسلمين.
الذي يحصل الآن استفزاز، أنتم ضعفاء، سندنّس مصحفكم، ونسخر من نبييكم، لو كنا أقوياء لما تجرؤوا، لو كنا مطبقين لقوله تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 ).
لما تجرؤوا.
المعركة حياة أو موت
أيها الإخوة، معركتنا مع أعداءنا معركة حياة أو موت، معركة وجود أو لا وجود، فلا بد من أن نتعاون، وأن تصطلح، وأن نعود إلى الله.
﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾
يقول قائد الطائرة العليا كما هو مسجَّل في الصندوق الأسود في آخر كلمة قالها: أنا أسقط، ولا أدري لمَ أسقط، وليس ثمة سبب في الطائرة يدعو إلى السقوط، الله عز وجل عنده جنود لا يعلمها إلا هو، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))
[ متفق عليه عن جابر ]
لكن أمته حينما تركت سنته هزمت بالرعب مسيرة عام، نخاف من أي تهديد، وننسى أن الله بيده كل شيء. ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة آل عمران ).
أيها الإخوة الكرام، ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾
أحد الجنود أن يلقي الله في قلبك الخوف، أحياناً يقلّل عدوك بك، أو التكثير، وإلقاء الرعب، وإلقاء الخوف.
التنبيه إلى معنى خطير في الآية ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
لو أن واحداً من الإخوة الكرام قرأ الآية على النحو التالي متوهماً أن الواو الثانية حرف عطف، وقال: وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمةَ الله هي العليا، المعنى خطير، ولا يليق بمقام الألوهية، أيْ: جعل كلمة الذين كفروا السفلى بعد أن كانت عليا، وجعل كلمة الله العليا بعد ما كانت لا سمح الله سفلى، هذا المعنى مستحيل، انظر إلى ضمة واحدة تغيير المعنى.
إذا كان الواحد ضعيفًا في الإعراب ووقف، وتمثل بقول أحد الأصحاب الكرام:
ولست أُبالي حين أَقتُل مسلماً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
إلى جهنم وبئس المصير، والبيت:
ولست أَبالي حين أُقتل مسلماً.
شهيد إلى جنة عرضها السماوات والأرض، بين جنة عرضها السماوات والأرض وجهنم وبئس المصير حركة واحدة، بين أن تقول: حين أَقتل مسلماً، أو حين أُقتل مسلماً فرق.
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
الواو ليست واو عطف، هي واو استئناف، لو عددناها واو عطف كان المعنى: وجعل كلمة الله هي العليا بعد أن لم تكن عليا، هذا مستحيل، أما الواو هنا فواو استئناف:
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
وقف:
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
دائماً،
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
دائماً، هذا واضح.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أيها الإخوة،
﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
من أدق معاني عزيز حكيم أي أن كل الخلق يحتاجونه، بل إن كل شيء يحتاجه في كل شيء، ﴿ عَزِيزٌ ﴾
الشيء العزيز إذا احتاجه الناس، وكان نادراً، احتاجه الناس وكان نادراً، أما إذا قلت:
﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾
يحتاجه كل شيء في كل شيء، ويستحيل أن تحيط به،
﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
إخواننا الكرام، في معامل الحديد روافع أساسها مغناطيسي، سطح حديد كبير جداً محاط بوشيعة كهربائية، فإذا وضع هذا السطح فوق عشرين طنًّا من الحديد حملها، ونقلها إلى مكان آخر، ولا يستطيع إنسان أن ينزع عن هذه الرافعة قطعة، لكن العامل الذي يدير هذه الرافعة لو ضغط على زر عشر الميلي وقطع الكهرباء كل هذا الحديد الذي تحمله الرافعة يسقط.
إنْ رأيت قوياً، متغطرساً، طاغية، لئيماً، خسيساً، معتدياً، مجرماً، سفاحاً بثانية واحدة خثرة بالدماغ ينتهي، ألم تروا ذلك ؟ بثانية واحدة انتهى، الاسم المخيف انتهى، لأن الإنسان في قبضة الله، ومعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾
( سورة الأنفال الآية: 59).
يعني أن الكافر في قبضة الله، في أي لحظة هو في قبضته، معنى: ﴿ سَبَقُوا ﴾
أي تفلتوا من عقاب الله، أو أرادوا شيئاً ما أراده الله، لذلك يقولون: خطة الكافر تستوعبها خطة الله، لهذا أي شيء وقع أراده الله، وأي أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الزخرف ).
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف ).
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف الآية: 51 ).
قد يصنع مصنع الطائرات طائرة، ويبيعها، أمر هذه الطائرة ليس بيد مدير المعمل، يقول لك بعتها، وأمرها ليس بيدي، لكن الله عز وجل يقول: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر ).
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف الآية: 51 ).
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا ﴾ً
( سورة الكهف ).
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 ).
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه ﴾ِ
( سورة هود الآية: 123 ).
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
( سورة الغاشية ).
هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد سكينة، التوحيد أمن التوحيد راحة، التوحيد سعادة، التوحيد ثقة بالله، التوحيد تفاؤل، ونحن في هذه الظروف الصعبة نحتاج إلى التوحيد، نحتاج أن لا نرى مع الله أحدا. ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
( سورة الأنفال الآية: 16 ).
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
( سورة الأنفال ).
أيها الإخوة الكرام، هذه آية الهجرة:
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
هناك زيادة قرأتها مرة في كتاب لا أذكره، يبدو أن عين أحد المطاردين وقعت على عين الصديق، فقال: يا رسول الله، لقد رأونا، فقال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الأعراف ).
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب، ماذا فَقَد من وجدك، وماذا وجد من فَقَدك.
(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه، وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ].
أيها الإخوة الكرام، هذا هو التوحيد:
(( أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك وملك الملوك قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع، أكفكم ملوككم ))
[ رواه الطبراني عن أبي الدرداء ].
(( فإن صلاحهم لكم صلاح ))
[رواه الطبراني عن شيخه الحسين بن محمد بن مصعب الأسناني ].
آية الهجرة موضوع هذا الدرس.
وكان حقًّا علينا نصرُ المؤمنين
أيها الإخوة، النصر بيد الله، وإن كنت بطلاً فحقّق شروط النصر، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم ).
إذا كنت بطلاً تحقق شروط النصر، لأن الله سبحانه وتعالى لا يريد ألا ينصر عباده المؤمنين، ونحن في محنة، وإن شاء الله هذه المحنة تتبعها منحة، ونحن في شِدة وإن شاء الله تتبعها شَدة إلى الله، ونحن في العناية المشددة، نحن نمثل إنسان معه التهاب معدة حاد، وشفاء هذا المرض محقق، وسهل جداً، ولكن يحتاج هذا المريض إلى حمية تامة، بينما الطرف الآخر معه ورم خبيث، ولا أمل في شفائه، لو أن الطرف الآخر سأل طبيباً ماذا آكل ؟ يقول له: كل ما شئت. ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
( سورة الأنعام ).
لكن الذي معه التهاب معدة حاد، الطبيب المخلص يقيم الدنيا عليه ولا يقعدها إذا أكل أكلة تؤذي التهاب معدته، لذلك نحن في العناية المشددة، ونحمل حملاً ثقيلاً، لأن الله ينتظر منا أن نتوب إليه. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
( سورة القصص ).
وفي درس قادم إن شاء الله ندخل في تفاصيل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن كان الدرس الماضي كان هجرة أصحابه إلى المدينة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( التاسع و العشرون )
الموضوع : الهجرة -4- الصحبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الأكارم، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا بد من كلمة تمهيدية. كلمة تمهيدية
سيرة النبي كتاب وسنة
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/01.jpg
لو أنه لم يكن كتاب وسنة لكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة، لأنه :
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم).
فأقواله، وأفعاله، وإقراره، وصفاته منهج لبني البشر، هو سيد الخلق وحبيب الحق.
لكن لا بد من ملاحظة ثانية:
أحداث السيرة مقصودة للتشريع
إن كل الأحداث التي وقعت في عصره كانت مقصودة من قِبَل الله عز وجل ليقف منها الموقف الكامل المشرع، أفعاله تشريع يمكن أن نستنبط من أفعاله قواعد، وقوانين ومناهج في السلامة والسعادة، هو إنسان متميز أقسم الله بعمره الثمين، إله خالق السماوات والأرض يقسم بعمر إنسان، قال:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/02.jpg
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
( سورة الحجر ).
والمقولة التي أرددها كثيراً: أن الكون قرآن صامت، وأن القرآن كون ناطق ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، هو زوج كامل، وأخ كامل، وأب كامل وجار كامل، وقائد كامل، وزعيم كامل، فلذلك ما خاطبه الله عز وجل باسمه أبداً: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾
( سورة مريم الآية: 12 ).
﴿ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 55).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/03.jpg
ولم يرِد في القرآن الكريم يا محمد: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 67 ).
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾
( سورة التحريم الآية: 9).
إذاً بادئ ذي بدء الأحداث التي وقعت في حياة النبي كانت مقصودة لذاتها، ليقف النبي منها موقفاً كاملاً مشرعاً لنا، لذلك إذا قال الله عز وجل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
( سورة الأحزاب الآية:21 ).
كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا إن لم نعرف سيرته، هذا ينقلنا بالمناسبة إلى قاعدة في أصول الفقه وهي:
ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض
أنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الصلاة فرض، هل تتم من دون وضوء ؟ لا، إذاً الوضوء فرض، ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما تتم السنة إلا به فهو سنة، قياساً على هذا، إذا قال الله:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/04.jpg
هذا أمر يقتضي الوجوب، كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا إن لم نعرف سيرته ؟ تكاد معرفة سنة النبي العملية تكون فرض عين على كل مسلم، لينفذ الآية، أضرب على ذلك مثلا:
السيدة عائشة أم المؤمنين زوجة سيد العالمين، الطاهرة، العفيفة، الحَصان اتهمت بأغلى ما تملكه امرأة، اتهمت بعفتها، لماذا ؟ لتكون أسوة حسنة لكل فتاة طاهرة عفيفة، حَصان اتهمت كيداً بأثمن ما تملكه.
إذاً هؤلاء الصحابة الكرام هم قدوة لنا أيضاً، لأنهم عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عقد زعماء قريش اجتماعاً خطيراً في دار الندوة، حيث تشاوروا في أضمن الوسائل للتخلص من الرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم لخص مؤامرتهم، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 30 ).
أي ليسجنوك.
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ﴾
﴿ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾
( سورة الأنفال ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/05.jpg
مرة ثانية: معركة الحق والباطل أرادها الله عز وجل، لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن المؤمن لا يرقى إلا بالصبر والبر والتضحية، ولأن الكافر لعله يهتدي إذا مع المؤمن، ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾
أيها الإخوة، بيّن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حصار المشركين لبيت صلى الله عليه وسلم ابتغاء قتله، هذا يعني أنه لا يجب أن تضعف إذا أراد بك الأعداء شراً، الله عز وجل يسمح لهم بالبدايات، ولكنهم لن ينجحوا، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة الأعراف ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/06.jpg
الأمور تدور، وتدور، وتدور، ولا تستقر إلا على نصر المؤمن، لذلك ينبغي ألا تضحك أولاً، بطولتك أن تضحك آخر، إن الذي يضحك أولاً يضحك قليلاً، ثم يبكي كثيراً ، أما الذي يضحك آخر يبكي قليلاً، ثم يضحك كثيراً، ثم جنة عرضها السماوات والأرض. ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
( سورة المطففين ).
لا تفرح بالضحك المبكر، افرح بالضحك المتأخر.
حينما يولد الإنسان كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا وافته المنية كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحك وحده. ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس ).
حصار المشركين لبيت النبي ابتغاء قتله
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/07.jpg
بيّن عبد الله بن عباس حصار المشركين لبيت النبي صلى الله عليه وسلم، الآن هؤلاء الصناديد، كفار قريش، أبو لهب، أبو جهل، هؤلاء الذين قاوموا الدعوة، وحاربوا النبي، ونكلوا بأصحابه، أين هم اليوم ؟ في مزبلة التاريخ، والذين وقفوا معه، أبو بكر عمر، عثمان، علي، طلحة، الزبير، ابن مسعود، هؤلاء الصحابة الكبار أين هم ؟ في أعلى عليين.
إخواننا الكرام، امشِ في سوق الحمدية في يوم مزدحم، كل هؤلاء الذين تراهم بعد مئة عام تحت الأرض، وكل الذين كانوا قبل مئة عام كانوا مثلنا، بيوت، وهموم وشركات، ودعاوى في القضاء، وزواج، وطلاق، وسفر، وحضر، وتهنئة، وحفلات، انتهى كل شيء، الموت ينهي قوة القوي، وينهي ضعف الضعيف، وينهي صحة الصحيح ، وينهي مرض المريض، وينهي غنى الغني، وينهي فقر الفقير، وينهي وسامة الوسيم ، وينهي دمامة الدميم، ولا يبقى إلا العمل الصالح الذي عملته تقرباً إلى الله عز وجل، فالدنيا زائلة.
شدة حب الصحابة للنبي
سيدنا علي، وهذه تضحية كبيرة، لأن المشركين ائتمروا على قتل النبي e، وضع مكانه علي بن أبي طالب، واحتمال أن يدخلوا عليه فجأة، ويقتلوه دون أن يتحققوا قائم، فلذلك أبو سفيان قال مرة: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً.
امضِ يا رسول الله بما أردت، نحن معك، والله لو خضت هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل، صل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، ودع ما شئت، فو الذي بعثك بالحق للذي تأخذه أحب إلينا من الذي تدعه لنا، هكذا الصحابة، أما صحابة نبي آخر فقالوا:
﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾
( سورة المائدة ).
الصحابة الكرام أكرم الله نبيه بهم، فقال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله اختارني، واختار لي أصحابي ))
[ رواه الطبراني عن عويمر بن ساعدة ].
حصار المشركين لبيت النبي ابتغاء قتله
أما نحن فحاجة ماسة إلى هذا الدرس http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/08.jpg
ينقصنا الحب لا المساجد، المسجد النبوي كان سقفه من سعف النخيل، وأرضه من الرمل، هنا سجاد مدفأ من تحته، ثريات، أعمدة، سقف شامخ، المساجد أرقى الآن بكثير، والكتب والمجلدات، والمؤتمرات، والأشرطة شيء لا يصدق، لكن لا حب بيننا، لا أقول: نحن بالذات، ليس هناك حب بين المسلمين، الأمة الإسلامية ممزقة، لماذا ؟
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 14 ).
كلما اقتربت من الله أحببت أخاك، وكلما ابتعدت عنه تنافست معه، فالذي كان بين الصحابة من حب وود لا يعلمه إلا الله، أُخوة صادقة، يؤدون صلاة العشاء مع رسول الله، ثم يفترقان صحابيان، وقبل الفجر يلتقيان فيعانق أحدهما الآخر ويقول لأخيه: وا شوقاه غاب عنه ست ساعات فقط، وا شوقاه، هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
حرص النبي على ردِّ أمانات المشركين مع خطورة الوضع
هنا نقطة دقيقة، أناس كثيرون يذهبون إلى بلاد الغرب، ويشترون بطاقات ائتمانية ليستخدموها في المحلات التجارية، ويشترون بمبالغ طائلة، ويعودون إلى بلدهم ولا يدفعون شيئاً من هذه الديون المترتبة عليهم، ظناً منهم بغباء ما بعده غباء، وسذاجة ما بعدها ساذجة، وجهل ما بعده جهل أنهم كفار، لماذا أبقى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه وعرضه للخطر، خطر القتل، من أجل ماذا ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/09.jpg
من أجل أن يرد الودائع لأصحابها، من أصحاب الودائع ؟ كفار، أرأيتم إلى فهمنا السقيم ؟!!
إخواننا الكرام، أنت إذا أسأت إلى مسلم يقول الناس: فلان أساء إلى فلان فقط ، أما إذا أسأت إلى غير المسلم فإنه يتهم الإسلام بالإساءة، أنا أرى أن الخطأ مع المسلم أقلّ بكثير من الخطأ مع غير المسلم، لماذا أبقى علي في فراشه، وعرضه للقتل ؟ من أجل أن يرد ودائع المشركين إلى أصحابها، لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 ).
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((من غش فليس منا ))
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ].
مطلقاً، لو كان عابد وثن ينبغي ألا تغشه، إسلامنا إنساني، معظم الأنظمة في العالم أنظمة عنصرية، تعطي شعبها، ترفع مستوى شعبها، تهيئ فرص العمل لشعبها على حساب بقية الشعوب، هذه أنظمة غير إنسانية، أما الإسلام فدينٌ إنساني، والإسلام أممي، وكل من دخل في الإسلام له ما لنا، وعليه ما علينا، من دون أي تمييز، لذلك فإن إنسانًا من هؤلاء أفتي له أن هؤلاء غير المسلمين لك أن تأخذ أموالهم، فأخذ أموالهم بجرم فقد أخذ المال الحرام ، وأودع السجن، مضى عليه في السجن سنوات، أعطي كتابًا في السيرة، فلما وصل إلى هذه الفقرة، رأى نفسه مجرماً، كان متوهماً أنه فعل صواباً:
(( اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافرا، فإنها ليس دونها حجاب ))
[ رواه أحمد في مسنده عن أنس ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/10.jpg
هذا درس بليغ في السيرة، ضحى بابن عمه علي، واحتمال قتله قائم، من أجل أن يرد الودائع إلى أصحابها المشركين، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا مات أحد صحابته الكرام، وكان هذا الصحابي من أقرب الناس إليه يسأل: أعليه دين ؟ فإن قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، من عادة الصحابة أن يقول أحدهم: علي دينه يا رسول الله، كي يصلي عليه، فيقبل النبي هذه الضمانة، ويصلي عليه، يسأله بعد يومين أأديت الأمانة ؟ قال: لا، أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الخامس يقول له: لقد أديت الدين، فيقول عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.
كم في المسلمين مَن يأكل الأموال بالباطل زوراً وبهتاناً ؟ وهذا القضاء، أنا لست متشائماً، ولكن أتمنى ألا تعتبوا على الله إذا بدا لنا أنه تخلى عنا، لا تعتبوا على الله، البنية التحتية، الطبقة المسلمة أقل طبقة عندها أخطاء كثيرة جداً.
قال سيدنا عمر لأحد أصحابه: هل تعرف فلانًا ؟ قال له: نعم، قال له: هل جاورته ؟ قال: لا، هل سافرت معه ؟ قال: لا، هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: إنك لا تعرفه إذاً.
وقفت عند هذه النقطة لأن هناك أناسًا كثيرين يبيحون لأنفسهم أخذ أموال غير المسلمين، وهذا خطأ كبير، الأمانة لا تجزأ، والاستقامة لا تجزأ، وما هو حرام حرامٌ، مع من يلوذ بك، ومع من لا يلوذ بك، مع من يدين بدينك، ومع من لا يدين بدينك.
وكما تعلمون انتقل النبي إلى غار ثور، وقام المشركون بتقفي أثره.
الأخذ بالأسباب والتوكل على الله
الحقيقة عودًا على بدء، ذكرت لكم في أول الدرس أن كل الأحداث التي وقعت في أحداث النبي مقصودة لذاتها، النبي علمنا أن نأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم نتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، علمنا ذلك والله عز وجل شاءت حكمته أن يصل المطاردون إليه، لماذا ؟ ما الحكمة ؟ الحكمة أنه أخذ بالأسباب تعبداً لله، ولم يعتمد عليها، لكنه اعتمد على الله، فلما وصلوا إليه كان واثقاً من الله قال:
(( يَا أَبا بَكْرٍ، مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا ؟ ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/11.jpg
إذاً الدرس الثاني: ينبغي أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وينبغي أن تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.
في روايات ليست قوية جداً نسيج العنكبوت رواية ضعيفة، والحمامتان الوحشيتان أيضاً رواية ضعيفة، والشجرة التي نبتت في وجه الغار الرواية ضعيفة، لكن من حكمة الله جل جلاله أنه إذا أراد أن يحفظ إنساناً يحفظه بأقل الأسباب، وأحياناً يدمر إنساناً بأتفه الأسباب، وإنّ نقطة دم لا يزيد حجمها على رأس الدبوس تتجمد في مكان من الدماغ تصيبه بفقد وعيه كلياً، إذاً نحن في قبضة الله عز وجل.
وحين أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب جاء صلى الله عليه وسلم متقنعاً إلى منزل أبي بكر رضي الله عنه في وقت لم يعتد أن يزوره فيه في نحر الظهر، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار، وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه وقائع ما جرى فقال:
(( فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر، في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا بها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي ))
الإسلام حبٌّ ونصرة وحسن معاملة
إخواننا الكرام، الإسلام حب، فإذا فرغت الإسلام من الحب فهو نصوص، وأفكار وأدلة، وحجج فقط، غدا كجثة بلا روح، انظر إلى وردة صُنعت من البلاستيك تضعها في البيت أيامًا معدودة، ثم تملّ منها، وقد تلقيها في القمامة، أما الوردة الطبيعية فلا تشبع من النظر إليها، ولا من شمها، لأنه فيها حياة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/12.jpg
إخواننا الكرام، تصور بيتًا فيه براد، غسالة، مكيف، سخان، كل الأجهزة الكهربائية من دون استثناء، و دون أن أذكرها جميعاً، لكن ليس فيه كهرباء، كلها لا معنى لها إطلاقاً، مملة، تأخذ حجماً، نحن في أمسّ الحاجة إليه، فإذا سَرَت الكهرباء في البيت فكل آلة لها قيمة كبيرة جداً، صدقوا، ولا أبالغ: إذا كنت مؤمنًا كان الهدف واضحًا، الآخرة واضحة، إيمانك قوي، تعرف حقيقة الكون، وكيف سُخر لك، تعرف حقيقة الدنيا، وكيف أنها دار عمل، وليست دار أمل، ودار تكليف لا دار تشريف، دار سعي، وليست دار جزاء http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/13.jpg
إن علمت الحقيقة تماماً، الزواج له معنى كبير جداً، أكبر من أن تحقق متعة كنت محروماً منها، أكبر بكثير، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: << والله أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة إلا ابتغاء ولد صالح ينفع الناس من بعدي >>، الزواج له معنى، والعمل تختار فيه نفع للمسلمين، فينقلب عملك عبادة، وأنت في معملك، وأنت في مكتبك، وأنت في دكانك وأنت في صفّك، وأنت أستاذ في الجامعة، وأنت مهندس، لأن الحرفة التي تكون في الأصل مشروعة، وتسلك فيها الطرق المشروعة، وتبتغي بها كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين، ولم تشغلك عن واجب، ولا عن فرض، ولا عن عمل صالح، ولا عن طلب علم، انقلبت حرفتك إلى عبادة، هكذا المسلم، يسعد في عمله، لأنه عبادة، فإذا جلس مع زوجته وأولاده يسعد بهذا الجلوس لأنه عبادة، وإذا أخذ أهله نزهة هذه النزهة عند الله عبادة لأنه متن العلاقة مع زوجته وأولاده، وخفف عنهم أعباء الحياة، ولا يقطعون وادياً، ولا يطئون موطأ، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح.
فإذا سرت الكهرباء كانت الأجهزة كلها ثمينة، وكلها لها فائدة، أما من دون إيمان فلا حياة، بل كانت الحياة مملة، حياة فيها ضجر، فيها قلق، فيها إحباط، فيها تشاؤم، فيها خوف، فيها رعب.
الإذن بهجرة النبي إلى المدينة
السيدة عائشة قالت: << بينما كنا نحن يوماً جلوسًا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال له أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، يعني لأمر جللٍ، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، بالهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، يعني أنا صاحبك بالهجرة.
والله أيها الإخوة، مرة كنت في عقد قران، وقام خطيب فقال كلمة جيدة، لكن فيها كلمة هزت أعماق أعماقي، النبي عليه الصلاة والسلام يقول لسيدنا معاذ: والله يا معاذ إني لأحبك، هذا وسام شرف، أن يحبك أهل الإيمان، وأحياناً الفسقة يحبون بعض الناس، لأنهم على شاكلتهم، فقل لي من يحبك أقلْ لك من أنت، هل يحبك أهل الإيمان ؟ هل يحبك المقربون إلى الله ؟ هل يحبك المنصفون ؟ هل يحبك العاملون في طاعة الله عز وجل، قال: والله يا معاذ إني لأحبك، أما سيدنا سعد فقال:
(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه مسلم عن علي وعن سعد بن أبي وقاص ].
هذا خالي أروني خالاً مثل خالي، كان يداعبه، وما فدى أحداً بأمه وأبيه إلا سعد بن أبي وقاص.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/14.jpg
سيدنا عمر الفقيه العملاق، قال لسعد بعد وفاة رسول الله: << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له >>. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات ).
فقال أبو بكر: الصحبة ؟ يعني هل أكون صاحباً لك ؟ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: نعم، فقال أبو بكر: فخذْ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، فقال عليه الصلاة والسلام: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قطعت نطاقها قطعتين على شكل سريدة، وربطت بها فم الجوربين، الذين فيهما غذاء الصاحبين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/15.jpg
أيها الإخوة، ألك أعمال تذكرها من حين لآخر تعتز بها، وتقول: يا رب اجعلها في ميزان حسناتي ؟ ألك أعمال ؟ ألك بطولات ؟ ألك إنفاق ؟ ألك خدمة للناس ؟ ألك موقف فيه بطولة ؟ فيه جرأة، فيه ورع، فيه زهد، هذا الذي يمكن أن تعتد به يوم القيامة إذا وقفت للحساب بين يدي الله عز وجل.
لو أن الله سبحانه وتعالى أوقف أحدنا يوم القيامة، وقال: يا عبدي ؟ ماذا فعلت من أجلي ؟ ماذا يقول أحدنا ؟ يا رب، تزوجنا، لك الزواج، اشترينا بيتًا، ذهبنا إلى النزهات، أقمنا سهرات رائعة جداً، تحدثنا في السياسة طوال السهرة، وسمعنا الأخبار، وحللنا، والسهرة كانت مختلطة، ماذا فعلت من أجلي ؟ هل واليت فيّ ولياً ؟ هل عاديت فيّ عدواً ؟ هل بذلت من مالك ؟ هل بذلت من وقتك ؟ هل بذلت من جاهك ؟. ماذا أعددْنا ليوم القيامة من عمل صالح ؟
إخواننا الكرام، هذا أخطر موضوع ماذا أعددنا يوم القيامة إذا قيل لنا ما عملكم يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله ))
[ أخرجه مسلم عن أبو داود، الترمذي، النسائي، عن أبي هريرة ].
هل تعلمون من له الويل ؟
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/16.jpg
الويل لمن ؟ لمن ليس له عمل، هذا في الذي له عمل ينقطع، فكيف بالذي ليس له عمل، لكن البطولة أن يكون لك عمل لا ينقطع، أن تكون أمة، أن تكون في قلوب أمة، أن تدع أثراً تبكي عليه السماء والأرض، بدليل أن الله جل جلاله يصف أهل الدنيا الكفار بأنهم حينما يموتون لا تبكي عليهم السماوات والأرض، أما المؤمن بالمعنى المخالف فتبكي عليه السماء والأرض.
أريد قبل أن أختم الدرس أن نكون متيقنين أن يكون حجمنا عند الله بحجم عمله الصالح.
حينما غرقت الباخرة العبارة قبل أسابيع، ومات ألف رجل وامرأة قرأت في صحيفة حينما كنت في العمرة بمقابلة مع أحد الذين نجوا، لفت نظري أن هذا الناجي وهو يصارع الموت ثلاثة أيام شريط حياته رسم أمامه حَدثاً حدثاً، موقفاً مَوقفاً، كلمةً كَلمةً ، حَركةً حركةً، سَكنةً سَكنةً، هذا حق، الإنسان قبل أن توافيه المنية يذكر كل أعماله من دون استثناء.
يا قييس، إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك.
أخطر شيء عملك، أنت رجل، كنت تاجراً، هل كنت صادقاً ؟ هل كنت أميناً هل نصحت المسلمين ؟ أنت كنت محامياً، هل قبلت دعوى أنت واثق أنها لن تنجح ؟ ولكنك كسبت الوقت، وكسبت أتعاباً لا تستحقها، أنت طبيب، هل كبرت الأمر على المريض أم كنت معتدلاً في وصف مرضه ؟ بكل حرفة في آلاف الطرق الغير مشروعة في كسب المال في أية حرفة.
وجوب الاستفادة من السيرة النبوية
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2939/ar-2939/17.jpg
فلذلك أيها الإخوة، نحن يجب أن نستفيد من هذه السيرة، الحياة مواقف، الحياة مواقف بطولية، الحياة التزام، الحياة صبر، الحياة تضحية، من لم يكن له مثل هذه الأعمال هو ميت كحي، وحي كميت.
ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت ميت الأحياء.
والله عز وجل وصف أهل الدنيا بأنهم.
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
( سورة النحل الآية: 21 ).
قد يكون ضغطه 8 ـ 10ـ 8 ـ 12 ـ هذا أفضل ضغط، ونبضه ـ70 ـ وفحص دمه فحصًا كاملا، فكان كله طبيعيًّا، وهو عند الله ميت، لأنه ليس له عمل صالح له، والغنى والفقر بعد العرض على الله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-05-2018, 04:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثلاثون )
الموضوع : الهجرة - 5 - قصة الهجرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. القوة الإدراكية
أيها الإخوة الكرام، لا يغيب عنكم أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية هذه القوة الإدراكية تقتضي أن تبحث عن الحقيقة، فمجرد أنك تبحث عن الحقيقة فأنت تنتمي إلى صنف البشر، الذين كرمهم الله عز وجل قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/01.jpg
لأن الله كرمك بالقوة الإدراكية ؛ إذاً هي الحاجة العليا عندك، فما لم تُلَبَّ هذه الحاجة يسقط الإنسان من هذا المستوى الرفيع الذي كرمه الله به، وأنت حينما تأتي إلى بيت من بيوت الله تأتي كي تتعرف إلى الإنسان المكرّم الذي جعله الله سبحانه وتعالى على رأس البشرية مقاماً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( سَلُوا اللّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإنّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنّةِ لاَ تَنْبَغِي إلاّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللّهِ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ))
[ رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ].
ونحن في الصلاة عقب الأذان نقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قمة البشر، وجعله الله قدوة لنا وأسوة، من هنا كان من الواجبات الحتمية على كل منا أن يعرف سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 21 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/02.jpg
فكيف يكون النبي أسوة حسنة لنا، ونحن لا تعرف سيرته ؟ وهذا الذي ذكرته من قبل ما لا يتم الفرض به فهو فرض، وما لا يتم الواجب به فهو واجب، وما لا تتم السنة به فهو سنة، فإذا كان كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 ).
إذاً فمعرفة سنة النبي القولية فرض عين، وما دام الله عز وجل يقول: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة ).
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
كيف يكون النبي لنا أسوة حسنة ما لم نعرف سيرته؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/03.jpg
السؤال كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم لنا أسوة حسنة ما لم نعرف سيرته ؟.
إذاً مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية.
وصدقوا أيها الإخوة، لو لم يكن كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بأبعادها ودلالتها كتاباً وسنة، إلا أن السيرة العملية تتميز بأنها حدية في الاستنباط، فالإنسان قد يقول كلمة وقد تؤوّل يمنة ويسرة، أما إذا سلك سلوكاً فالسلوك حدي، فإذا ألقى عليكم إنسان محاضرة في الحجاب يا ترى هل يعد الوجه عورةً أم ليس بعورةٍ ؟ ماذا قال ؟ أما إذا رأيته مع زوجته، وقد سترت وجهها ؟! هذا موقفه، الموقف العملي حدي، والموقف الكلامي يحتمل التأويل.
السيرة العملية أصدق تطبيق للقرآن
لذلك قال بعض العلماء: إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية أصدق في فهمه لكتاب الله من أقواله، لأن أقواله تحتمل، مثل:
إذا قال الله عز وجل:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
(سورة الشمس ).
قد يتبادر إلى الذهن أن الله خلق فيها الفجور، نعوذ بالله من هذا المعنى، لكن الآية تعني أن الله سبحانه وتعالى فطر النفوس فطرة عالية جداً، بحيث لو أن النفس البشرية أخطأت لعلمت أنها أخطأت من دون معلم، تعرف ذاتياً أنها أخطأت، ألهمها أنها فجرت حينما تفجر، وألهمها أنها اتقت حينما تتقي، هذا المعنى.
فدائماً النص يحتاج إلى تأويلات. ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
( سورة يونس الآية: 39 ).
فأنت مثلاً تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ ﴾
( سورة السجدة الآية: 13 ).
( لو ) حرف امتناع لامتناع، لو جئتني أكرمتك، امتنع إكرامي لك بامتناع مجيئك إلي. ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
( سورة السجدة).
هذه الآية ينبغي أن تسأل عنها أهل الذكر، وأهل الذكر هم أهل القرآن، قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة النحل ).
ما معنى الآية ؟ الإنسان دائماً وأبداً يحاول أن يمحو خطأه لغيره، كل شيء سلبي في حياة الإنسان يقول لك: قضاء وقدر، هكذا أراد الله عز وجل، هذه كلمة حق أريد بها باطل.
والمعنى: يا عبادي، إذا زعمتم أنني أجبرتكم على المعاصي والآثام، وأنها من قضائي وقدري فأنتم مخطئون، لو أنني أجبركم على شيء ما لما أجبرتكم إلا على الهدى.
ولو شئنا أن نلغي اختياركم، وأن نلغي تكليفكم، وأن نسلبكم حريتكم، وأن نجبركم على شيء ما، ما أجبرناكم إلا على الهدى، ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
هذا هو المعنى الصحيح، لكن الذي تزعمون أن أخطائكم من إجبار الله لكم فأنتم واهمون،
﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/04.jpg
أي لأحاسبكم حساباً عسيراً على ما تقترفونه من آثام، وما تتهمون به ربكم أنه أجبركم على ذلك، هذا المعنى.
لذلك النص يحتاج إلى تأويل، لكن الفعل لا يحتاج إلى تأويل الفعل حدي، لذلك كان اختيار هذه الدروس فقه السيرة النبوية.
أيها الإخوة، أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
وقل رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق
(( كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ، ثُمّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي منْ لَدُنْكَ سُلْطَانَاً نَصِيراً ))
﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾
( سورة الإسراء ).
ألا يخطر في بالكم أيها الإخوة أن كلام الله معجز، وإعجازه في إيجازه ؟ فلمَ قال الله عز وجل: ﴿ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
؟ يعني: يا رب اجعلني صادقاً، كلمة واحدة، أعمال لا تعد ولا تحصى تدخلها صادقاً، وتخرج منها غير بصادق، لست بصادق، فالبطولة لا في الدخول بل في الخروج.
لذلك مرةً معاوية بن أبي سفيان التقى بأحد دهاة العرب الكبار عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو، ما بلغ من دهائك ؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، فقال له معاوية: لست بداهية، أما أنا والله لا أدخل مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، هذا مستوى أرقى.
إذاً:
﴿ رَبّ أَدْخِلْنِي ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/05.jpg
تقول: أنا إذا تزوجت، سأقيم الإسلام في بيتي، سأحجب زوجتي، سأربي أولادي، سأنشئهم على طاعة الله، فإذا دخلت إلى عالم المرأة، وحملتك زوجتك على معصية تقول: ما بيدنا شيء، دخلت مدخل صدق، لكنك لم تخرج مخرج صدق.
تقول: سأنشئ مستشفى هدفه معالجة الفقراء والمساكين، بعد أن تشعر بقيمة المال الذين دخلوا هذه المستشفى تأتيهم الجلطة من الفاتورة، دخلت مدخل صدق، لكن لم تخرج مخرج صدق.
إخواننا الكرام، صدقوا أن طريق القمة صعب جداً، لكن النزول من القمة إلى الحضيض سهل جداً، إذا كان الطريق إلى القمة طريقًا فيه أكمات، وصخور، وغبار، و حر، وجهد كبير، والطريق من القمة إلى الحضيض زلق، هو طريق الغرور، لذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة، بل أن تبقى فيها، لا أن تصل إلى المنبر، بل أن تبقى فيه، لا أن تصل إلى هذا المكان، بل أن تبقى فيه باستمرار.
لذاك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة دخلها مطأطأ الرأس تواضعاً لله عز وجل، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره،
﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
إخوانا الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في بدر انتصروا، والآية تقول: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 ).
أي أنتم مفتقرون إلى الله، النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه الكرام وهم خيرة الخلق، ومعهم سيد الخلق لم ينتصروا في حنين، لماذا ؟ لأنهم قالوا:
(( ولا يُغلَبُ اثنا عشَرَ ألفاً مِنْ قِلةٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس ].
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة).
درس بليغ
إخواننا الكرام، درس بليغ تحتاجه كل يوم، بل كل ساعة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/06.jpg
إن قلت: الله، تولَّك الله، وإن قلت: أنا تخلَّ الله عنك، ولست أكرم على الله من أصحاب رسول الله، لست أكرم على الله من أصحاب النبي الذين باعوا حياتهم في سبيل الله، ومع ذلك لم ينتصروا، فحينما تعتز بقوتك أو بمالك، أو بنسبك، أو بمنصبك يتخلى الله عنك، وحينما تفتقر إلى الله يتولاك بالرعاية، لذلك قبل أن تقدم على أي عمل، قبل أن تقدم مشروعاً، قبل أن تقابل مسؤولاً قبل أن تقف موقفاً عصيباً قل: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، يا ذا القوة المتين، هذا معنى قوله تعالى حينما أُمر بالهجرة : ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾
انطلاق النبي إلى غار ثور بصحبة أبي بكر:دروس وعبر
وقد انطلق النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله، فلبس علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثوبه، ونام في مكانه، واخترق النبي صلى الله عليه وسلم حصار المشركين دون أن يروه بعد أن أوصى علياً بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به، فجاء أبو بكر وعلي نائم، وأبو بكر يحسب بأن نبي الله في بيته، فقال: يا نبي الله، فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه في الغار، قال: وجعل علي يرمي بالحجارة كما كان يرمي نبي الله، وهو يتضور، فقد لف رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك للئيم ـ توقعوا أن النبي في البيت ـ كان صاحبك نرميه فلا يتضور، وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك، إذاً النبي خرج من بيته إلى غار ثور.
مرة ثانية للتذكير: الذي انتقل من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر لمَ لم ينتقل من مكة إلى المدينة بلمح البصر؟ لأنه قدوة لنا، هذا يذكرنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجر نهاراً جهاراً متحدياً، قال: من أراد أن تثكله أمه، أو أن يتيم ولده، فليلحق بي إلى ذلك الوادي، وقد يسأل سائل: أيعقل أن يكون عمر بن الخطاب أشجع من رسول الله ؟ الجواب: لا، وألف لا، ولكن عمر ليس مشرّعاً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرّع، النبي مشرع، ويجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه عامر بن أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما، ويعينهما على الطريق، وحمل أبو بكر رضي الله عنه ثروته ليضعها تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إخواننا الكرام، المال قوة، والمنصب قوة، والعلم قوة، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، لأن المؤمن القوي يحمل معك، والمؤمن الضعيف ينبغي أن تحمله، وفرق كبير بين من يحمل معك، وبين من تحمله، ولكن المؤمن الضعيف على العين والرأس، لكن لا بد من تعليق، وهذا التعليق نحن في أشدّ الحاجة إليه، اسمعوا:
إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون قوياً، لأن فرص العمل الصالح المتاحة للقوي ليست متاحة للضعيف، فالقوي بجرة قلم يحق حقاً، ويبطل باطلاً، يقر معروفاً ويزيل منكراً بجرة قلم، والضعيف هو يزاح من عمله بجرة قلم، وفرق كبير بينهما، لكن إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، أما إذا كان طريق القوة على حساب دينك وقيمك، ومبادئك الضعف وسام شرف للإنسان.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/07.jpg
لذلك الأهداف النبيلة لا يمكن إلا أن يختار لها الإنسان وسائل نبيلة، الوسيلة من جنس الهدف، أما عند الأعداء فالهدف يبرر الوسيلة، الغاية تبرر الوسيلة، عند المسلمين لابد للهدف النبيل من وسيلة نبيلة، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون غنياً، لأنك إذا كنت غنياً يمكن أن تنشئ ميتماً، و مستشفى، ومعهداً شرعياً، وأن تزوج الشباب، وأن تربي الأيتام، وأن تكون لك أعمال كالجبال.
<< حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي >>.
يقول أحد العلماء: " مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، أطيب ما فيها العمل الصالح ".
يا رب، لا يطيب الليل إلا بمناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك.
والله أيها الإخوة، هؤلاء الذين سمح الله لهم أن يعملوا الأعمال الصالحة هم في قمم السعادة، هؤلاء الذين سمح الله لهم أن يكونوا جنوداً للحق، هم في قمم السعادة، إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون غنياً، أما إذا كان طريق الغنى سببه الكذب والاحتيال، وأن يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل الفقر وسام شرف لك، الأهداف النبيلة لا بد لها من وسائل نبيلة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/08.jpg
لذلك صهر النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم، بقي مشركاً، وقد احتجزت بضاعته التي كانت معه في طريقه إلى مكة، ووقع أسيراً، أجارته زوجته، وكانت في المدينة، فالنبي أجاره، قيل له بحسب النظام القائم: إنك إذا أسلمت، فهذه البضائع تصبح ملكاً للمسلمين، على أساس دار الحرب ودار السلم في الحروب، لأن أموال المحارب هي غنائم، قال كلمة والله لا أنساها، قال: والله ما أحب أن أبدأ إسلامي بهذا، مغطى، ذهب إلى مكة، ووزع الأموال على أصحابها، وبرأ ذمته تماماً، ثم شهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فالأهداف النبيلة يجب أن تسلك إليها الوسائل النبيلة، وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/09.jpg
والله أيها الإخوة لو يعلم أصحاب الأموال كم يستطيعون أن يصلوا إلى درجات الجنة بأموالهم لما ترددوا لحظة.
لأن روح الميت ترفرف فوق النعش، تنادي الأهل، هكذا ورد في الأثر: " يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي ".
ورد في الأثر أيضاً: " أن الله يوقف عبدً أعطاه مالاً، يقول له: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب لن أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يسأل عبداً آخر أعطاه مالاً قال: عبدي، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب، أنفقت على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خيراً حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، قال الله عز وجل: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ".
تنبيه خطير:
إن الرجل ليعبد الله ستين عاماً، ثم يضر بالوصية فتجب له النار، يريد ألا يعطي البنات شيئاً، يخص ثروته الذكورَ، متوهماً بوحي من الشيطان أنك إذا أعطيت البنات انتقل المال إلى أسر غريبة، هل أنت أحكم من الله ؟! النبي عليه الصلاة والسلام لم يسمح له بتوزيع الأموال، تولاها الله بذاته، الفرائض أين أحكامها ؟ في القرآن الكريم.
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه في الغار ثلاث ليال تمكن المشركون خلالها من اقتفاء آثارهم إلى الغار، وقد ذكرت كثيراً أن حكمة وصول المطاردين إلى الغار ليعرف العالم كله أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخذ بالأسباب لم يعتمد عليها، ولكنه اعتمد على الله، وهذا الموقف دقيق جداً، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء فيما يبدو، ويجب أن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/10.jpg
العالم الغربي أخذ بالأسباب واعتمد عليها، وألهها، فوقع بالشرك، والعالم الشرقي لم يأخذ بها مدعياً أنه متوكل على الله، وهذا ليس توكلاً بل تواكلاً، وقع في المعصية.
حينما تجري مراجعة للمركبة تامة، وتعتقد أنه لم يحدث حادث لأنك أجريت مراجعة تامة المكبح، والزيت، والعجلات، وتوهمت أنك في مأمن للحادث، أنت أخذت بالأسباب، واعتمدت عليها، لكن المؤمن يعتقد مع أنه أخذ بالأسباب لو أن الله أراد أن يؤدبه لألغيت الأسباب، لذلك الحكمة يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وبعد ذلك يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم يا رب، طبعاً سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وتعتمد عليها، وسهل جداً ألا تأخذ بها، وأن تتواكل على الله، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب بشكل دقيق، ثم تتوكل على الله، وكأنك لم تأخذ بالأسباب.
الحالة الثالثة صعبة تحتاج إلى علم عميق، وإيمان دقيق.
إخواننا الكرام، هذا أخطر شيء يعاني منه العالم الإسلامي، ينتظر أن تقع معجزة، لن تقع معجزة، لأن المسلمين لم يأخذوا بالأسباب، لم يعدوا لعدو القوة التي أمرهم الله بها، فالأولى أن نأخذ بالأسباب إن أخذنا بها الآن تولّنا الله عز وجل.
قال أحدهم: سأصلح العالم كله في عشر سنوات، العالم كله، القارات الخمس، الدول كلها، ومضت السنوات العشر، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، قال: إذاً سأصلح بلدي في خمس سنوات، السنوات الخمس مضت، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، قال: إذاً سأصلح مدينتي في سنتين، والسنتان مضتا، ولم يفعل شيئاً، قال: إذاً سأصلح بيتي في عام، مر العام، ولم يصلح البيت، قال: إذاً سأصلح نفسي أولاً، وقرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
(سورة الرعد الآية: 11 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/11.jpg
إخواننا الكرام، بالمناسبة ذكرت قضية أنا أراها حساسة جداً ولا أبالغ، مليون شيء يمكن أن تفعله في ظل هذه الظروف الصعبة، في ظل الضغوط، في ظل العقبات، في ظل حرب عالمية ثالثة أعلنت على المسلمين في شتى بقاع الأرض، يمكن أن تفعل مليون شيء دون أن تُسأل، دون أن تحاسب، ألا تستطيع أن تكون صادقاً ؟ ألا تستطيع أن تكون أميناً ؟ ألا تستطيع أن تكون متقناً لعملك ؟ ألا تستطيع أن تعتني بأهل بيتك ؟ ألا تستطيع أن تعتني بصحتك ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/12.jpg
ألا تستطيع أن تربي أولادك ؟ كل هذه الأعمال بإمكانك أن تفعلها من دون أن تحاسب عليها، لكنْ يأتي إبليس ليزهدك بكل ما تستطيع، ويدفعك إلى ما لا تستطيع، هذا من تلبيس إبليس، يزهدنا فيما نستطيع، ويقحمنا فيما لا نستطيع، هنا الإشكال.
لذلك قالوا: أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، لكنْ ماذا تملك أنت ؟ تملك نفسك، وتملك أسرتك، وتملك عملك، إذا كل مسلم أقام الإسلام في نفسه، وفي بيته، وفي عمله، وانتهى كل شيء. ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 286).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2940/ar-2940/13.jpg
الذي تطمح إليه لا تستطيعه جميع الدول الإسلامية مجتمعة، تهمل ما أنت قادر عليه، وتقحم إلى ما لا تستطيع أن تفعله، هذا من تلبيس إبليس، من تلبيس إبليس أن تنصب نفسك وصياً على المسلمين، تقيمهم، وتكفر من تكفر، وتبدع من تبدع، هذا أيضاً من تلبس إبليس، تحرك، اعمل، أقول لكم من القلب:
(( انتهى عهد النوم يا خديجة ))
[ورد في الأثر]
السيدة خديجة التمست من النبي أن يأخذ قسطاً من الراحة، فقال: يا خديجة انقضى عهد النوم، ونحن الآن ينبغي أن نقول: انقضى عهد النوم، ويجب أن نقول أيضاً: وانتهى عهد الكلام، نريد عهد العمل، لأن الطرف الآخر يريد إفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، وإذلالنا، وإبادتنا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الواحد و الثلاثون )
الموضوع :الهجرة - 6 -اهمية قصة الهجرة للمسلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الهدف من القصة القرآنية:
القصة توضيح للحقائق:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/01.jpg
وقد ذكرت لكم من قبل أن القصة اعتمدها القرآن الكريم كأسلوب في توضيح الحقائق، فقال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 111 ).
أي أن القصة إطار تعبيري له تأثير بليغ، فالقصة فيها حوادث، وفيها شخصيات، فيها حوار، فيها تحليل، قد نفهم من القصة أضعاف ما نفهم من الكلام المباشر، لذلك كما أنها أداة تعبيرية عالية جداً مؤثرة جداً فينبغي أن يعتمدها الآباء، والمعلمون والمرشدون، والدعاة، كذلك قد تكون القصة أخطر أداة لتدمير المجتمع، هي سلاح ذو حدين، فحينما تصور القصةُ الرذيلةَ على نحوٍ نعجب بها فإن مجتمعاً بأكمله قد يدمر بسبب هذا الإطار التعبيري، لكن حينما نقرأ قصة سيد الأنبياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، حينما نقرأ قصة القمم نسمو إليهم، لذلك يبين الله للنبي عليه الصلاة والسلام أنه يثبت قلبك يا محمد بسماع قصة نبي دونك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/02.jpg
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
(سورة هود الآية: 120 ).
إذاً: إذَا كان قلب سيد الخلق، وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه فلئن يزداد إيماننا، ويزداد قربنا من الله، وفهمنا لهذا الدين بسماع قصة سيد المرسلين.
القصة حقيقة مع البرهان عليها:
ملاحظة ثانية أضعها بين يدي إخوتنا الكرام، وهي أنا القصة حقيقة مع البرهان عليها، أنها حدثٌ وقع حقيقةً، وقد أكدّت بوقوعها، لذلك هناك تجاذبات بين من يقول: هذه مثالية لا جدوى منها، وهذه واقعية حقيقية، جاء الإسلام بمثالية الواقعية، أو بواقعية مثالية، المثالية تُتهم بأنها حالمة، والواقعية تُتهم بأنها مقيتة، أما أن يأتي دين عظيم فيجعل من الواقع مثالياً، ويجعل من المثالية واقعاً فهذا الذي حصل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/03.jpg
لو قرأتم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ـ ونحن نقرأها ـ لوجدتم أن هذا الإنسان بشر، لولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، ونحن الآن مع إنسان يعيش معنا، يتحمل الضغوط نفسها، والمغريات نفسها، والعقبات نفسها، والصوارف نفسها، وينجو بدينه وإيمانه، هذا إنسان بطل، لكن تزداد قيمة بطولته بأنه يعيش معنا، ويتحمل الظروف نفسها، والمغريات نفسها، لذلك القصة دائماً مؤثرة جداً.
أحياناً قد تلقي على ابنك نصائح كثيرة جداً في الاستقامة، فإذا وصل إلى سمعه قصة إنسان لم يستقم فدُمر، فهذه القصة أبلغ من ألف محاضرة، لذلك أنا أُهيب بالآباء وبالمعلمين والدعاة إلى الله والمرشدين أن يعتمدوا القصة في توجيههم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/04.jpg
ركب مرة معي إنسان في المركبة، ولا يجمعني معه شيء، طلب أن أوصله إلى مكان قرب بيتي، قلت له: تفضل، أريد أن أعظه موعظة بليغة بشكل غير مباشر، ذكرت له هذه القصة، قلت له: هناك إنسان له أرض شمالي جدة، وهذا الإنسان لعله من البدو، لما توسعت جدة كثيراً، وامتدت طولاً وعرضاً اقترب البناء من أرضه، فنزل إلى مكاتب عقارية ليبيع أرضه متوهماً أن سعرها ارتفع كثيراً، المكتب الذي اشترى منه الأرض اشتراها بربع ثمنها، كان محتالاً كبيراً، هو صدق، وباعها بهذا الثمن البخس، وأنشِئ بناء على هذه الأرض من 12 طابقاً، والذين اشتروا هذه الأرض شركاء ثلاثة، الأول وقع من سطح البناء فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، انتبه الثالث، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه، وأعطاه أمثال القيمة التي دفعها، فقال له هذا البدوي باللغة البدوية: ترى أنت لحقت حالك، هذه قصة.
إن الله بالمرصاد، فإن لم تستجب فهناك تدمير.
أنا أقول لكم: القصة لها تأثير جداً فاعتمدوها في توجيه أطفالكم، واعتمدوها في توجيه شبابكم، ولعل قصة واحدة أبلغ من مئة محاضرة، والله عز وجل يقول:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
قصة النبي في غار ثور:
حينما تقرأ أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق دخل إلى غار ثور، ومعه الصديق، وقد أخذ بكل الأسباب من دون استثناء، لم يدع ثغرةً إلا سدّها، لم يدع احتمالا إلا وغطاه، لم يدع سبباً إلا أخذ به، وقد علّمنا درساً لا يُنسى في أخذ الأسباب، ويكاد المسلمون اليوم يدفعون ثمناً باهظاً لأنهم لم يأخذوا بالأسباب، والحقيقة أنه ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، ومن السهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، ومن السهل جداً أن تتواكل على الله زاعماً أنك متوكل، وليس هذا هو التوكل، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، فالنبي e أخذ بالأسباب، كما بينت لكم من قبل، فقد اختار خبيرًا للطريق، وذهب مساحلاً على عكس توقع الخصوم، وقبع في الغار أياماً ثلاثة، وهيأ من يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالطعام والشراب، ومن يمحو الآثار، ومع ذلك وصلوا إليه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/05.jpg
أيها الإخوة، المعنى الدقيق من وصول المطاردين إليه يكمن في أن النبي عليه الصلاة والسلام لو أنه أخذ بالأسباب، واعتمد عليها لانهارت قواه حينما عثر عليه المطاردون، ولكنه أخذ بالسباب تعبداً لله عز وجل، فلما وصلوا إليه قال:
(( يَا أَبا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ].
إذاً أنت مكلف أن تأخذ بالأسباب، وأن تتوكل على رب الأرباب.
الرواية هنا: ومكث النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاث ليال تمكن المشركون خلالها من اقتفاء آثارهم إلى الغار، وقد بكى الصديق.
إخواننا الكرام، أقول هذا كثيراً: عندنا مساجد ضخمة جداً، عندنا كتب ومؤلفات وجامعات ومؤتمرات، ومهرجانات، عندنا كل شيء، لكن ينقصنا الحب، لكن المسلمين في الأعم الأغلب لا يحب بعضهم بعضاً، وهذا سبب ضعفهم، وهذا سبب فرقتهم.
فلذلك الصديق بكى، وأنت هل لك ولاء لإنسان ؟ هل مِن إنسان تقدم كل ما تستطيع لعل الإسلام يقوى بكما ؟ هل بينكما تعاون وتعاطف ورسالة وجدانية ؟ لكن النمط السائد أن كل إنسان يشكك فيه، وكل إنسان يفسر عمله تفسير سيئًا، وكل إنسان تضعف الثقة به، وكل إنسان يفترى عليه، لذلك من علامات آخر الزمان أنه يكذب الصادق، ويصدق الكاذب، يخون الأمين، ويؤتمن الخائن، لا داعي إذا ذهب إنسان إلى بلاد الغرب ليبين للطرف الآخر حقيقة النبي عليه الصلاة والسلام، تقوم عليه الدنيا ولا تقعد، ما فعل ؟ هو مجتهد، والمجتهد بين الأجر والأجرين، نحن مشكلتنا أنه لا يحب بعضنا بعضاً، وإن بأسنا بيننا، وهذا كلام مختصر مفيد: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/06.jpg
هذا الإسلام توقيفي من عند الله عز وجل، ومعنى توقيفي أنه لا يزاد عليه ولا يحذف منه، فالزيادة عليه تعني اتهامه بالنقصان، والحذف منه تعني اتهامه بالزيادة، الآن إن أضفنا عليه أصبحنا شيعاً وأحزاباً وفرقاً، وتخاصمنا، وتجادلنا، وتقاتلنا، وصار باسنا بيننا، وإن حذفنا منه ضعفنا وأصبحنا في مؤخرة الأمم، فهذا الدين لا يضاف عليه ولا يحذف منه، وكل ما يقال عن التجديد في الدين، وهي كلمة رائجة جداً اليوم، لماذا هي رائجة ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/07.jpg
لأنه ما يعقد من مؤتمرات لتجديد الخطاب الديني هدفها إلغاء الخطاب الديني، أو هدفها الالتفاف على الخطاب الديني، وتفريغه من مضمونه، ليغدو شكليات وقضايا لا يعنى بها أكثر المجتمع، لذلك احفظوا هذه الكلمة: التجديد لا يعني إلا شيئاً واحداً، أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، أصل الدين من عند الله، كماله مطلق توقيفي، كامل نوعاً تام عدداً، فالتجديد يعني أن تنزع عن الدين كل خرافة، وكل دجل، وكل بدعة ليست منه، هذا التجديد.
عندنا في دمشق بناء منطقة الحجاز، قبل سنوات جُدّد، ضُرب بالرمل، و أزيلت الطبقة السوداء المتراكمة عليه من عشرات السنين، فعاد للحجر نصاعته وجماله، هذا التجديد، لا أن تضيف غرفة ؟ هذا ممنوع، لا أن تضيف طابقًا ؟ هذا ممنوع، تحذف غرفة ؟ وهذا ممنوع أيضا.
الدين توقيفي، وتجديده يعني أن أنزع عنه كل ما علق به مما ليس منه.
حقائق مستنبطة من بكاء الصِّدّيق في غار الثور:
إن الصديق بكى، وأريد أن أستنبط بعض الحقائق.
لك أخ في الله تحبه جداً ؟ لك أخ في الله تعينه كثيراً ؟ يؤلمك ما يؤلمه ؟ يفرحك ما يفرحه، دققوا: علامة المنافق أنه يفرح بمصائب المؤمنين، وعلامة المنافق أنه يتألم لخير أصاب المؤمنين، الدليل:
﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾
( سورة آل عمران الآية:120 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/08.jpg
لمجرد أن تفرح بمصيبة ألمت بالمؤمنين فأنت في خندق النفاق، ولمجرد أن تتألم لخير أصاب المؤمنين فأنت أيضاً في خندق النفاق، وهذا مقياس دقيق تمتحن به نفسك.
إخوانا الكرام، والله الذي لا إله إلا هو لا تكون مؤمناً حقاً إلا إذا فرحت لخير أصاب أخاك كما لو أنه أصابك أنت، وتتألم لمصيبة حلت بأخيك كأنها حلت بك، هذا هو الدين.
التعليق على كلمة بكى
لقد بكى الصديق خوفاً على سلامة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي الكريم قال عن الصديق: (( ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك ))
قال عن الصديق ـ النبي وفيّ أيضاً ـ .
(( ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر ))
(( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح ))
[ أخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر ؛ ورواه البيهقي ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/09.jpg
وقد بكى الصديق خوفاً على سلامة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يرى أقدامهم عند فم الغار، وقال: يا نبي الله، لو أن أحدهم طأطأ بصره لرآنا، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:
(( يَا أَبا بَكْرٍ، مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا ؟ ))
احفظوا هذه الكلمة: إذا كان الله معك فمن عليك ؟ يخدمك عدوك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ يتطاول عليك ابنك، إذا كان الله معك يخدمك عدوك، وإذا تخلى عنك يتطاول عليك أقرب الناس إليك.
وفي رواية قد ذكرتها لكم من قبل أنه قال له: لقد رأونا، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الأعراف ).
هل الإنسان مسَيَّر أم مخيَّر ؟
إخواننا الكرام، هناك موضوع دقيق جداً يحير بعض المؤمنين، الموضوع ينطلق من قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إِنّ القُلُوبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله يُقَلّبُهَا كَيْفَ يشاء ))
[ رواه أبو عيسى عن النّوّاسِ بنِ سِمْعَانَ وأُمّ سَلَمَةَ وعبد الله وعَائِشَةَ وأبي ذر].
الإنسان مسير ؟ لا هو مخير، معنى الحديث: أنك إذا واجهت عدواً فلا تخف منه، هو بيد الله، إذا أراد الله أن ينصرك عليه ألقى هيبتك في قلبه، وإذا أراد الله أن يؤدبك به نزع هيبتك من قلبه، قلبه بيد الله.
كن مع الله تر الله مـــعك و اتـرك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطـاك من يمنــعه ثم من يعطي إذا مـا منـعك
كيف ما شاء فكن في يــده لك إن فرق أو إن جمــعك
في الورى إن شاء فظاً ذقته وإذا شاء عليهم رفــــعك
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/10.jpg
أنت حينما تعلم أن كل من حولك، وكل من هم دونك، وكل من هم فوقك، وأن كل قوى الأرض، وأن أصحاب الأسلحة الفتاكة بيد الله عز وجل، وما كان الله ليسلمك إلى غيره، ثم يأمرك أن تعبده، يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123).
وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله عائد إليه، هذه الثقة ترفع معنوياتنا، لأن المسلمين بفهم قاصر للأحداث التي ألمت بهم حصلوا حالة تشبه الإحباط، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾
لكن بشرط: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران).
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة آل عمران).
يصف الله جل جلاله هذا الحدث في الغار بقول: ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
(سورة التوبة الآية: 40 ).
أنواع معية الله: عامة وخاصة:
بالمناسبة أيها الإخوة، أريد أن أبين لكم أن معية الله معيتان، معية عامة ومعية خاصة.
1 - المعية العامة
المعية العامة ؛ أي الله جل جلاله مع كل الخلق بعلمه، مع الكافر، مع الملحد مع القاتل، بعلمه.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية:4 ).
هذه معية عامة يشترك بها كل الخلق، لكن الله حينما يقول: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الأنفال ).
2 - المعية الخاصة
﴿ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
(سورة التوبة ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/11.jpg
هذه معية خاصة، تعني معية التوفيق، معية التأييد، معية الحفظ، معية النصر لذلك إذا كان الله معك فمن عليك ؟ المعية الخاصة لها ثمن، المعية العامة بلا ثمن، لأن الله مع كل مخلوق، أما الخاصة: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
( سورة المائدة الآية 12 ).
هذا ثمن المعية، وهناك ظروف القلق والخوف والضغوط والتهديدات والمشكلات لا يعلمها إلا الله نحن في أمسّ الحاجة إلى أن نكون في معية الله عز وجل.
وقد أن أخفقت قريش في العثور عليهما، فأعلنت حينها عن مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما.
الحكمة من وجود مؤمن وكافر:
إخواننا الكرام، مرة ذكرت وأعيد، وأكرر: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/12.jpg
كان من الممكن أن يكون الكفار في كوكب، والمؤمنون في كوكب، لا حروب، ولا نفاق، ولا كفر، ولا بدر، ولا أحد، ولا الخندق، ولا اجتياح، ولا احتلال، المؤمنون في كرة، والكفار في كرة، أو كان من الممكن أن يكون المؤمنون في قارة، والكفار في قارة، آسيا وإفريقيا مؤمنون، أمريكا وأستراليا كفار، وكان من الممكن أن يكون المؤمنون في حقبة من ألف إلى ألف وخمسمئة، فقط، الخمسمئة إلى الألفين فيها مؤمنون، ولكن الله شاءت حكمته أن يكون المؤمنون مع غير المؤمنين في أماكن واحدة، إذاً هناك معركة بين الحق والباطل معركة أزلية أبدية، أقول هذه العبارة الحديثة: المؤمن الصادق يحترم قرار الله عز وجل، لقد أراد الله أن يجمعنا، وأراد الله أن تكون معركة بيننا، هي معركة الحق والباطل، لأن الإيمان لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن المؤمنين لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية، وقد سمح الله لنا أن نضحي من أجل جنة عرضها السماوات والأرض، ولأن الكفار عباد الله، لعلهم يهتدون مع المؤمنين، فيجب أن تحترم قرار الله عز وجل، ومعركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية.
ترصد وتتبع الكفار لآثار النبي وأبي بكر:
يقول أبو بكر رضي الله عنه أُخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلاً، يعني شرعوا بالتعبير الحديث بالحاسة السادسة، مراقبة شديدة، فانطلقا ليلاً، وقد تحدث أبو بكر عن بداية رحلة الهجرة فقال: أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر أحد، حتى رُفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لن تأتي عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، وجد صخرة كبيرة لها ظل، فمهّد مكانًا لينام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نمّ يا رسول الله، وأنا أنفض ما حولك، فنام، هذا هو الحب، وهذا أول ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، وذكر أبو بكر خبر قدوم راعٍ مقبل إلى الصخرة يريد منها شيئاً مثل الذي أرادوا، أن ينام في ظلها، وعرف أبو بكر منه أنه رجل من أهل مكة ، ورضي أن يحلب لهم من شاة له، وطلب منه أبو يكر أن ينظف لهم الضرع قبل الحلب من أجل النبي الكريم، وكره أن يوقظ النبي صلى الله عليه وسلم ليشرب، فانتظره حتى استيقظ، فشرب، ثم أمر بالرحيل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/13.jpg
إن هذه خدمة صادقة، خدمة محب، وكان عليه الصلاة والسلام يردف أبا بكر معه على راحلته، وكان إذا سأل أحد أبا بكر عن رسول الله: مَن هذا ؟ يقول: هذا رجل يهديني السبيل، وهذه كناية، أو تورية، أن تقول كلاماً له معنيان، فيفهم السامع المعنى الذي لا تريده، وأنت تضمر المعنى الذي تريده، وفي كتب البلاغة مثل هذا كثير، كقول الشاعر:
يا سيداً حاذَ لطفاً له البرايا عبيدُ أنت الحسينُ جفاكَ فينا يزيدُ
يعني أنت كالحسين، رسول الله، والذي أوقع الخلاف بيننا وبينك لسنا نحن، ولكنه يزيد.
يا سيداً حاذَ لطفاً له البرايا عبيدُ أنت الحسينُ جفاكَ فينا يزيدُ
مديح البيت، هو أراد غير ذلك، أراد أنت الحُسين، أنت لست حسناً، لكنك حُسين، تصغير، وجفاك فينا يزداد مع الأيام، يزيدُ فعل مضارع، أنت الحُسينُ جفاكَ فينا يزيدُ، وفي بالبلاغة أنماط لطيفة جداً، وهذه تورية:
يا سيداً حاذَ لطفاً له البرايا عبيدُ أنت الحُسينُ جفاكَ فينا يزيدُ
مرة دخل إنسان على الحجاج، فقال له: أنت قاسط عادل، هذا مديح، قال لجلسائه: أتدرون ماذا قال لي ؟ قالوا: ماذا قال ؟ قالَ: قال لي: أنت ظالم كافر، كيف ؟ قال: ] وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [ ، قال له: أنت قاسط، العادل مقسط، والظالم قاسط، عادل:
﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
( سورة الأنعام ).
أيْ عدلت عن الإيمان إلى الكفر، قال لهم: قال لي: أنت ظالم كافر.
إذاً هو رجل يهديه السبيل، على سبيل التورية، ففهِم السائل أنه يدله على الطريق، وأراد الصديق أنه رجل يهديه السبيل إلى الله، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ))
[ أخرجه ابن عدي في الكامل والبيهقي في السنن عن عمران بن حصين ].
أنت بهذا لم تكذب.
خطب أحدهم فتاة، سألوه: أين البيت ؟ قال لهم: في حي مالكي فوافقوا مباشرة، من دون قيد أو شرط، ولا سألوا عن علمه، ولا عن عمله، في حي لبيت بالمالكي ثمنه 50 مليونا، ثم تبيَّن أن هناك شارعا باسم شارع المالكي في منطقة بابيلا الريفية، هو ما كذب، لكن ورّى، هذا اسمه في الفقه تدليسا، أن توهم السامع بشيء، وتقصد شيئا آخر .
قال له: هو رجل يهديني السبيل، فيحسبه السائل دليلاً لطريقه، وهو يكني عن السبيل بسبيل الخير والهدى والصلاح.
قصة سراقة بن مالك في مطاردته للنبي :
الآن الذي بقي علينا، والحقيقة أنّ هذه القصة قصة سراقة ترفع معنوياتنا جميعاً، لأن سراقة طمع بمئتي ناقة، وأراد قتل النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه شعر أن هذا الإنسان ممنوع منه، قال له: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟
إن مثل هذا مثلُ رجلٍ ملاحق، وعليه مذكرة بحث، ومتهم بأنه من منظمة إرهابية، ولو اعتقل لقتل، قال له أحدهم: كيف بك إذا سكنت البيت الأبيض ؟ هذا كلام غير معقول إطلاقاً.
يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ثم لبس سواري كسرى حقيقة.
إخواننا الكرام، في درس قادم إن شاء الله نتابع فقرات السيرة النبوية، ولكن أتمنى عليكم أن تنقلب هذه الاستنباطات، وتلك الدروس والعبر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى منهج لنا.
الحاجة إلى قراءة السيرة قراءة جديدة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2836/ar-2836/14.jpg
مرة ثانية: السنة النبوية هي أقواله، وهي أفعاله، وهي إقراره، وهي صفاته ، وأبلغ شيء في السنة أفعاله، لأنها حدية الاستنباط، حدية لا تحتمل التأويل، لكن الكلام يحتمل التأويل، أما السلوك فلا يحتمل التأويل، فهي أصدق في التعبير عن فهمه للقرآن الكريم من فقرات سنته الأخرى، والسيرة قصة مشوقة، صحيح أن الأحداث تعرفونها جميعاً، لكن الجديد في هذا الدرس التحليل، نحن في حاجة أن نقرأ السيرة قراءة جديدة، قراءة مرتبطة بواقعنا، مرتبطة بحاجاتنا، مرتبطة بمشكلاتنا، مرتبطة بطموحاتنا، مرتبطة بآمالنا فالسيرة النبوية منهج، وكنت أقول دائماً: لو لم يكن في الإسلام كتاب وسنة لكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحدها كتاباً وسنة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثانى و الثلاثون )
الموضوع :الهجرة - 7 - قصة سراقة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. دلالات ودروس من حادثة سراقة مع النبي :
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى حديث سراقة، والحديث عن سراقة حديث ذو دلالات كثيرة، ذلك أن الإنسان حينما يهزم من داخله ينتهي، قد يهزم في دولة أو في معركة وهو واثق من نصر الله له فقصة سراقة تعلمنا دروساً كثيرة، أبرز هذه الدروس:
1 – وضعية النبيe قبل الهجرة وتآمر الناس على قتله:
أن إنساناً وصلت دعوته إلى النهاية الصغرى إلى الحضيض، بعد أن خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة، وبعد أن أخفقت قريش في ملاحقته وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/01.jpg
أرأيتم إلى ضعف كهذا الضعف، إنسان ملاحق، مهدور دمه، موضوع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ومع ذلك كانت ثقته بنصر الله لا حدود لها، أحياناً في هذه الظروف الصعبة التي تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ورد في بعض الأحاديث الصحية:
(( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ، كغثاء السيل ))
[ رواه أبو داود عن ثوبان ]
لا وزن لهم إطلاقاً، لمَ يا رسول الله ؟ قال: يصيبكم الوهن.
(( قيل: وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ ))
2 – صبر النبي والصحابة في مواجهة الضغوطات:
لذلك كان السلف الصالح الواحد بألف، ومع تأخر المسلمين وضعفهم الألف بأفٍّ واحد كألف، وألف بأف.
للتوضيح:
سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه جاءه استنجاد من قائده خالد بن الوليد في معركة من المعارك، وطلب منه خالد 50 ألف جندي، لأنه معه 30 ألفًا واجه 300 ألف، طلب النجدة، فإذا بالصديق رضي الله عنه يرسل له رجلاً واحداً، اسمه القعقاع بن عمرو ، ولولا أن التاريخ يؤكد هذه القصة لما أمكن أن تقبل، لما وصل القعقاع إليه قال: أين المدد ؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت ؟! قال له: أنا، ومعه كتاب، فتح الكتاب يقول الصديق رضي الله عنه: يا خالد، لا تعجب أن أرسلت إليك بواحد، فو الذي بعث محمد بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، وانتصر.
3 – قانون النصر والتمكين: يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/02.jpg
مليار وثلاثمئة مليون، وفي رقم أحدث مليار ونصف، ليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لأن القصة كلها كما يلي: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة النور الآية: 55 ).
هل نحن مستخلفون ؟ لا والله. ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾
( سورة النور الآية: 55 ).
هذا قانون: ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾
( سورة النور الآية: 55 ).
4 - واقع المسلمين وتجرؤ الأعداء على دينهم ورسولهم:
هل نحن ممكَّنون في الأرض ؟ يرسمون النبي عليه الصلاة والسلام بصور لا يستطيع داعية في الأرض أن يصفها. ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
هل المسلمون آمنون ؟ كل يوم تهديد، كل يوم وعيد، كل يوم عدوان، كل يوم قصف، يقول الله عز وجل: ﴿ يَعْبُدُونَنِي﴾
( سورة النور الآية: 55 ).
إن صح التعبير أن الله جل جلاله وتباركت أسماءه فريق أول، وأن المؤمنين فريق ثانٍ، الفريق الأول هو الله عز وجل، وعد بالنصر والتمكين والنصر والتطمين، وعلى الفريق الثاني أن يعبده، فإذا أخلّ الفريق الثاني بما عليه فالله جل جلاله في حل من وعوده، ولا تنسوا أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾
كقانون للمؤمنين: ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/03.jpg
إخواننا الكرام، هذا في القرآن، أما في السنة فقد أردف النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذ بن جبل:
(( يا معاذ، هل تدري ما حق اللَّه على عباده ؟ وما حق العباد على اللَّه؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة ـ قال: فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ـ هذا واضح، ثم سأله: يا معاذ، هذا كلام دقيق جداً وفيه بشارة ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: ألا يعذبهم ))
[ متفق عليه ].
أنشأ الله لنا حق عليه، الإله العظيم، خالق السماوات والأرض، أنشأ لك حقاً عليه، وقال طالبني به، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/04.jpg
هناك شاهد آخر:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 ).
استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الله تعالى لو قبِل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه، فكل مؤمن مستقيم على أمر الله له عند الله حق ألا يعذبه، الآيات المطمئنة: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
(سورة الجاثية).
حياة الشاب المؤمن هي من تقدير الله عز وجل، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامل شاب مستقيم عفيف ورع، مؤدٍ لعباداته كما يعامل شاب متفلت.
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
5 – معية الله: عامة وخاصة:
أنا أطمئن الإخوة الكرام، الحضور والمستمعين، لكنني أبين أن معية الله عز وجل لها ثمن، معية الله معيتان معية عامة، ومعية خاصة، المعية العامة هو معنا بعلمه، هو مع كل إنسان، حتى الكافر حتى العاصي، حتى المنافق، حتى الفاجر، معهم بعلمه، ولكن الله عز وجل إذا قال: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة الأنفال ).
أي معهم بالتوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ.
6 – المعنويات العالية: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا:
أيها الإخوة، يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
( سورة التوبة الآية: 51 ).
ولم يقل: علينا.
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/05.jpg
الذي أريد أن أوضحه في هذا الدرس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف رده أهلها شر رد، كذبوه واستهزؤوا به، وأغروا صبيانهم أن يضربوه، وقال:
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، غير أن عافيتك أوسع لي ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ].
كان قد خرج من مكة وقد أخرجه أهلها، ولما أراد أن يعود إليها يقول سيدنا زيد بن ثابت، وكان رفيقه في هذه الرحلة: يا رسول الله، كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله ناصر نبيه ))
[ ورد في الأثر]
معنوياته عالية جداً، وفي الهجرة وقد أهدر دمه، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ولحقه سراقة وأدركه، وغاصت قدما فرسه في الرمل، وعلم سراقة أن هذا الرجل ممنوع منه، قال: يا سراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ يعني أنا سأصل إلى المدينة، وسأؤسس دولة، وأنشئ جيشاً، وسأحارب أقوى دولتين في الأرض، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوز كسرى، ولك يا سراقة سوار كسرى.
قصة عدي بن حاتم مع النبي:
إخواننا الكرام، عدي بن حاتم بن ملك الغساسنة، وقعت أخته سفانة أسيرة عند النبي عليه الصلاة والسلام، ولها قصة، ولكن حينما أطلق النبي سراحها قالت: يا عدي، اذهب إلى هذا الإنسان الطيب، رأيت فيه خصالاً تعجبني، يطعم الفقير، ويفك الأسير، ويحمل الكل، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن نبياً فلم تزل في عز ملكه، عدي بن حاتم توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، إلى المدينة، ودخل عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم سأله من الرجل ؟ قال: عدي بن حاتم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أنزلوا الناس منازلهم ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة ].
وكان عليه الصلاة والسلام يعرف قدر من حوله، فقام بي إلى بيته، وهذا عرف عالمي، إذا دعوت ضيفاً إلى بيتك فهذا تكريم ما بعده تكريم، يقول عدي بن حاتم، وهو لا يعلم أهذا الإنسان نبي أم ملك ؟ يقول عدي بن حاتم: فقال: قم بنا إلى البيت، وانطلق بي إلى البيت، وإنه لعامد بي إلى البيت في الطريق لقيته امرأة ضعيفة، فكلمته، فوقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها، فقال عدي: والله ما هذا بأمر ملك، فلما وصلا إلى البيت، إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عدي: دفع إلي وسادة من أدم محشوة ليفاً، فقال: اجلس عليها، ما في ببيته غير هذه الوسادة، فقلت: بل أنت تجلس عليها، قال: بل أنت قال: فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض، قال إيه يا علي بن حاتم ألم تكن ركوسياً ـ دين بين النصرانية والصابئة ـ قال: بلى، قال أو لم تكن تأخذ في قومك بالمرباع ؟ تأخذ ربع أموالهم ؟ قال: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل في دينك، فانتبه عدي، قال: فعلمت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/06.jpg
الآن ثلاثة أسئلة وجهها النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم معنا في هذا الزمان، إيه يا عدي بن حاتم، يعني تكلم، ثم قال له: لعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وايم الله ليوكشن أن تسمع بالمرأة في أرض بابل تحج البيت على بعيرها لا تخاف، يعني سوف ينتصر، وسوف يؤسس المسلمون دولة عظيمة تفضي السلام والأمن على كل البقاع، ولعله إنما يمنعك يا عدي من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم من فقرهم، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي، إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم الآن:
هناك فقر في المجتمع الإسلامي، وأعداء المسلمين العالم كله، كثرة العدو، والفقر، وما ترى من تشرذمهم، وتفرقهم.
ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، الأقوياء ليسوا مسلمين، الأقوياء من الطرف الآخر، ولقد عاش عدي حتى رأى هذه البشارات الثالث قد حققت.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/07.jpg
أرأيت إلى التفاؤل ؟ هدفي الوحيد من قصة سراقة أن ترتفع معنويات المسلمين الله لا يتخلى عنهم، لكنه يعالجهم، نحن في العناية المشددة، وهذه نعمة ما بعدها نعمة تماماً كما لو سأل مريض قد أصيب بورم خبيث منتشر في كل جسمه، سأل الطبيب: ماذا آكل ؟ وما الأكلات التي تمنعني أن آكلها ؟ يقول له الطبيب: كُلْ كلَّ شيء، لأن أمْره انتهى، لذلك: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
( سورة الأنعام).
فرق كبير بين أن تكون في العناية المشددة، وبين أن تكون خارج العناية المشددة، فالنبي عليه الصلاة والسلام تفاءل أن يستتب الأمن والنظام في ربوع العالم الإسلامي ، وتفاءل للمسلمين أن يغتنوا حتى يفيض المال فيهم، وحتى لا يوجد من يأخذه، وتفاءل أن الأعداء سوف ينقلبوا أصدقاء.
عصمة الله نبيّه من سراقة بن مالك:
أيها الإخوة، وحصلت المعجزة الثانية حين عصم الله جل جلاله رسوله صلى الله عليه وسلم، وحماه من سراقة بن مالك، الذي طلبهم طمعاً في جائزة قريش، فقد علم سراقة بخبرهم من رجل من بني مدلج، رآه عن بعد وهم مرتحلون مع الساحل، فاتبعهم سراقة وهم في مكان من الأرض، وينقل البخاري حديث سراقة حيث يقول:
(( وقد كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المئة ناقة، كان سراقة يرجو أن يرد النبي على قريش ويأخذ المئة ناقة، قال: فركبت فرسي على أثره، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا، قال: ثم أخرجت قداحي ـ سهامي ـ فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه .
سنة الله في أنبيائه: النصر والتمكين:
قصة موسى وقومه مع فرعون:
قال سيدنا موسى وهارون:
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾
(سورة طه ).
فرعون بطاش جبار. ﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/08.jpg
أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان.
هناك قصص في التاريخ عجيبة، شرذمة من بني إسرائيل ومعهم موسى عليه السلام متجهون نحو الغرب ونحو البحر: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾
( سورة طه الآية: 78 ).
طاغية جبار، متغطرس، حاقد، لئيم، قلبه كالحجر، لا يرحم، معه عدة وعتاد وسلاح فتاك. ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾
( سورة الشعراء الآية: 61 ).
المؤمنون مع سيدنا موسى في اتجاه البحر.
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾
رأوا فرعون وراءهم، وو يتبعهم بأسلحته، وجبروته، وقسوته، وحقده، وبطشه، وتألهه:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء).
هل هناك أمل ؟ بمقياس الأرض، بموازين الأرض دولة بكل ثقلها، بكل أسلحتها بكل مدرعاتها، بكل أجهزتها، بكل طيرانها، بكل ما تملك من قوة تتبع شرذمة قليلة أمامها البحر، كم احتمال نجاة ؟ ولا واحد بالمليون.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
(سورة الشعراء ).
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟
يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
كن مع الله تــر الله معك و اترك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاه من يمنــعه ثم من يعطي إذا ما مـنعك
فإنك بأعيننا:
أيها الإخوة، يقول سراقة: فركبت فرسي على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا، قال: ثم أخرجت قداحي ـ أي أسهمي ـ فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر ـ المرة الثالثة ـ فسقطت عنه قال: فقلت ما هذا ؟ فلما بدا لي القوم، ورأيتهم يعني رأى النبي وصاحبه، ومن يقود الناقة، فلما رأيت القوم، ورأيتهم عثر بي فرسي للمرة الرابعة، وذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فقال رسول لأبي بكر: قل له: وما تبغي منا ؟ فقال له ذلك أبو بكر، قال: قلت ـ سراقة ـ تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، فقد أدرك سراقة أن هذا إنسان غير عادي، لأنه أصر أول مرة والثانية، والثالثة، والرابعة، وكل مرة تغوص قدما فرس سراقة، ويقع عن فرسه، لكن المئة ناقة تتلألأ له فكان مصراً على أن يقتل محمدًا عليه الصلاة والسلام، أما في المرة الرابعة أدرك أن هذا الإنسان ممنوع من أن يناله أذىً، قال الله عز وجل قال:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 ).
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟
. أجمل كلمة أقولها لكم: قال بعض العلماء: هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لكل مؤمن من هذا الخطاب نصيب http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/09.jpg
وأنت أيها المؤمن إذا كنت مستقيماً ومخلصاً، ومتوجهاً إلى الله فإنك بأعين الله، فإنك بعين الله ترعاك، بقدر إيمانك واستقامتك وإخلاصك، فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه ).
أين أنا ؟ لذلك لما رأى سراقة أن النبي e إنسان غير عادي ممنوع من أن يناله أحد بأذى قال: أريد أن تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، فكتب لي كتاباً في عظم، أو في رقعة، أو في خرقة، ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فلم أذكر شيئاً، أراد أن يكون هذا سراً بينه وبين النبي، ويبدو أنه حينما أيقن أنه ربما قُتل، وأن النبي e لم يقتله، وإنه إنسان ممنوع من أن يناله بأذى، أراد وفاء مع النبي أن يعتم عليه كل خبر، فلم أذكر شيئاً مما كان، ثم حكى خبر لقاءه برسول الله e بعد فتح مكة وإسلامه.
مقام ومنزلة النبي عن المسلمين بين الحقيقة والواقع:
أنا أتصور هؤلاء الذين عاملوا النبي كإنسان عادي لما كشفت لهم الحقيقة أنه رسول الله، ماذا الذي حصل لهم ؟
سهيل بن عمر حينما فاوض النبي e في صلح الحديبية قال النبي لعلي بن أبي طالب: اكتب: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله، قال: امحُ رسول الله، لو آمنا بك رسولاً لما فاوضناك، امحُ، قال: امحها يا علي، ند لند، فإذا علمت أن هذا الإنسان هو سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، كيف نتأدب بعد مماته ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 1).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/10.jpg
لا تقدم اقتراحات، ولا تنتقد توجيهات، ولا تقل: دعوة النبي لغير هذا العصر، ولا تقل: الحياة كانت محدودة، كل هذا من باب تقديم اقتراحات فيها تطاول على مقام النبي عليه الصلاة والسلام.
هناك معنى آخر أحب أن أضيفه إليكم: أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية:33).
المعنى الآن الظاهر: ما دام النبي بين ظهراني صاحبته الكرام فهم في مأمن من عذاب الله، لكن ماذا نفعل في هذه الآية بعد وفاة رسول الله ؟ قال علماء التفسير: مادامت سنة النبي e قائمة في أمته فأمته في مأمن من عذاب الله، أما إذا نالهم العذاب إذاً هم ليسوا على منهجه، ولم يستغفروا، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
( سورة الأنفال ).
وقد نذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من رسول الله وأبي بكر حتى سمع قراءة رسول الله e وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، كما ذكر أنه عرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً، وأن وصيته كانت أنه أخفِ عنا
العناية الإلهية المشددة دليل خير وعافية:
أيها الإخوة، موضوع سراقة أمضينا فيه وقتاً طويلاً، لكن أهم شيء في هذا الموضوع يجب أن تكون واثقاً بأن الله لا يتخلى عن المؤمنين، لكنه يعالجهم، لكنه يؤدبهم لكنه يشدد عليهم، وقد ورد في الأثر:
(( أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتضيقي على عبدي المؤمن لأني أحب أن أرحمه ))
[ ورد في الأثر]
وقد ورد في بعض الآثار القدسية:
(( لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته ))
[ ورد في الأثر]
إخوتنا الكرام، استبشروا إذا كنتم في العناية المشددة، استبشر إذا تابعك الله عز وجل، استبشر إذا جاء عقب تقصير، أو مخالفة العقاب الإلهي، معنى ذلك أنك ضمن العناية المشددة.
إذا كان معك التهاب معدة فقط، وليس معك ورم خبيث، ما دام هناك تشديد، وتضييق ومتابعة، وعقاب، وتأديب، معنى ذلك أنت في العناية المشددة، والمرض الذي سبب فوق هذه المصيبة قابل للشفاء، أما إذا أعطى الله الإنسان كل ما يشتهي وهو يزداد كفراً وعناداً ومعصية فهذا خارج العناية المشددة، هذا كلام دقيق، معنى ذلك أنه يرجى منك الخير.
وصدقوا أيها الإخوة أن 90% ممن ينجو من أخطار الدنيا كانت نجاته بسبب معالجة إلهية حكيمة.
والله مرة أحد الإخوة له أخ بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء، أخ شارد، غارق في كل أنواع المعاصي والآثام، وله شبكة علاقات نفيسة مع الأقوياء، ومع المنحرفين، ثم أصيب بأزمة قلبية حادة أدخِل على أثرها إلى المستشفى، وإلى غرفة العناية المشددة، بعد هذا التقيت معه، وقال لي وهو على سرير العناية المشددة انه قال: يا رب أعطني فرصة أتوب إليك، أنا لا أرضى أن آتي إليك وأنا بهذه الحال، فالله عز وجل أعطاه فرصة، والأزمة أزيحت عنه، واستعاد صحته، ولزم دروس العلم، وتابع هذه الدروس، ثم مرة قال لي: وأنا أناجي ربي، قلت له: يا رب، كل هذه السعادة بسبب الإقبال عليك على إثر هذه المصيبة التي أصابتني ! لمَ لم ترسل لي هذه المصيبة من عشر سنوات ؟ تمنى أن تأتي في وقت مبكر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/11.jpg
أنت حينما تنالك عناية الله بشيء يزعجك في الأول. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة ).
لعلي ذكرت هذه القصة سابقاً، لكن هنا مناسبة جداً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2837/ar-2837/12.jpg
فتاة تحمل شهادة ثانوية، وتحب أن تكون معلمة، إنها سافرة، ولا تصلي، ولا تعتقد أن الدين سبيل سعادتها، فطلب منها فحص صدر، ذهبت إلى مستشفى حكومي، وفُحص صدرها، فإذا بتقرير يؤكد أنها مصابة بمرض السل، فلما علم أهلها ابتعدوا عنها، وخافوا من العدوى، وجعلوها تقبع في غرفة خاصة، ولها أدواتها الخاصة، وثيابها الخاصة، وحاجاتها الخاصة، وبكت، وبكت، وانهارت، ويأسِت إلى أن قررت أن تصلي، ثم قررت أن تتحجب، ثم ذاقت طعم القرب من الله، لكنّ أخاها من باب الفضول ذهب إلى المستشفى ليستطلع الخبر، فإذا بالتقرير أعطي لها خطأ، هي سليمة، لكن أعطي لها تقرير إنسان آخر، إذاً الله عز وجل ساق لها شبح المصيبة، حتى حملها على التوبة، لذلك قال تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان الآية: 20 ).
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثالث و الثلاثون )
الموضوع :الهجرة - 8 - قصة ام عبد - قصة حاطب بن بلتعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. قصة أم معبد:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ننتقل إلى حديث أم معبد.
مَن هي أمُّ معبَد ؟
قصة أم معبد وردت في كتب السيرة، النبي عليه الصلاة والسلام في طريق الهجرة إلى المدينة، أو في القسم الأخير من الرحلة مر بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة جذة، الحياة في البادية قاسية جداً، والمرأة في البادية تكون أيضاً قاسية، تحتبي والاحتباء كما قالوا: حيطان العرب، أي أن الإنسان في الخيمة ليس هناك جدران يستند إليها يضع يديه أمام ركبتيه ـ هكذا ـ فيتوازن، لذلك قالوا: الاحتباء حيطان العرب، ثم تطعم، وتسقي من يمر بها، وهذا مِن عادات كرم، لذلك العرب كان في الجاهلية كرماء جداً، وكانوا شجعان، وكانوا شرفاء، هم في الجاهلية.
أغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
فائدة دعوية: الاهتمام بمن فيهم خيرٌ:
هناك قصص رائعة جداً، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه إنسان كان مشركا ًوأسلم يقول له:
(( أسلمت على ما أسلفت من خير ))
[متفق عليه عن حكيم بن حزام ].
وكان يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة ].
ماذا يفيدنا هذا الكلام ؟ أنت أيها الأخ المسلم إن رأيت صديقاً لك أو زميلاً أو قريباً لا يصلي، وليس ملتزماً إطلاقاً، لكنه لا يكذب، لكنه يحب خدمة الناس، لكنه لا يخون، لا يأخذ ما ليس له، تعجبك صفاته ولا تعجبك عبادته، لا يصلي، أنا أنصحك: هذا الإنسان اهتم به، لأن أخلاقه الفاضلة هذه سوف تقوده إلى الإيمان، لذلك قال النبي الكريم:
(( أسلمت على ما أسلفت من خير ))
وقال:
(( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))
والذين أسلموا مع رسول الله، وكانوا أبطلاً كانوا في الجاهلية أخلاقيين، إذاً اِطمع واعتني بكل من حولك ممن كان أخلاقياً، وقد ورد في القرآن الكريم آية دقيقة ، بعضهم يفهمها بشكل دقيق، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة الأعراف ).
الصالح الذي لا يكذب، والذي يرحم الناس، والذي لا يخون، والذي يحب أن يقدم خدمات للناس هذا إنسان صالح، لو لم يعجبك دينه فهذا سينتهي به صلاحه إلى الإيمان، لذلك اعتنِ به.
كرم أم معبد ومعجزة النبي في حلب الشاة العجفاء:
فأم معبد وزوجها أبو معبد كانوا كرماء، وكانوا يطعمون كل من يمر بهم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، هل عندك شيء نشتريه منك ؟ مسافة طويلة، الآن تركب سيارة مكيفة، والسرعة 180 كيلومترا، تحتاج إلى أربع ساعات ونصف، أما المسافة فيقطعها الراكب على ناقة في 12 يوماً، فقالت: والله لو عندنا شيء ما بخلنا به عليكم، والشاء عازب، أيْ ليس في ضرعها حليب، وكانت سنة شهباء قاحلة، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، أيْ في طرف الخيمة، فقال: ما هذه الشاة ؟ قالت: خلّفها الجهد، فمن شدة هزالها وضعفها لم تستطع أن تذهب مع أخواتها إلى المرعى، خلّفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها ؟ ما هذا الأدب ؟! أيام يدخل إنسان يجلس على الطاولة مكان صاحب البيت يستخدم الهاتف مكالمة خارجية، ولا يستأذنه، قال لها: أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حليب فاحلبها، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمّى الله، ودعا الله فتفاجت عليه ودرّت، فدعا بإناء لها فحلب فيه حتى عَلَته رغوة، فسقاها فشربت حتى روَت، وسقا أصحابه حتى رووا، ثم شرب
تواضع النبي صلى الله عليه وسلم:
متى شرب ؟ آخر الناس شرباً، كان عليه الصلاة والسلام في خدمة أصحابه، وكان واحداً منهم، وكان يقدمهم عليه، ومرة كان مع أصحابه في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاة، فقال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها فقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا له: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أصحابه.
كان إذا دخل عليه أعرابي لا يعرف من هو محمد، ماذا تستنبطون ؟ يجلس مع أصحابه على الأرض من دون أي تميز، فهذا السؤال له روايتان، الرواية الأولى:
قال الأعرابي: أيكم محمد ؟ فقال أحد الصحابة القريبين منه: ذاك الوضيء الذي به وضاءة في وجهه.
الرواية الثانية: قال النبي الكريم: قد أصبت، أنا.
إذاً كان متواضعاً، كان مع أصحابه قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
مرة وهو قائد الجيش، وزعيم الأمة، ونبي الأمة، وآخر الرسل، وبعد الإسراء والمعراج سيد ولد آدم، سيد الخلق، وحبيب الحق، في بدر الرواحل قليلة والصحابة أكثر من ثلاثمئة، فقال:
(( كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ـ سوى نفسه كجندي في هذه المعركة ـ فركب الناقة، وانتهت نوبة النبي في ركب الناقة، أراد أن ينزل فتوسلا صاحباه أن يبقى راكباً، فقال كلمة والله لو رددتها ألف مرة لا أرتوي منها، قال: ما أنتما بأقوى مني على السير ))
( أحمد )
كان يتمتع بلياقة عالية جداً.
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف ))
[ رواه مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه ].
(( ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا بأغنى منكما على الأجر ))
أنا أريد أجر المشي.
أحيانا يطلق الله لسانَ الإنسان فيترفّع عن أي عمل صالح يراه تافهاً، هو للدعوة فقط، لإلقاء الكلمات، ليجلس في الصف الأول دائماً، ليُحترم، ليقوم الناس له، أما أن يطعم قطة مثلاً، أو أن يسعف كلباً مقطوعاً، أو أن يقوم بخدمة مسجد فهذه هو فوق ذلك، سيد الأمة، وحبيب الحق، قال: ولا أنا بأغنى منكما عن أجر المشي، أريد أن أمشي كي أكسب الأجر مثلكم، هذا التواضع.
إنّ أيّ داعية أيها الإخوة لا يقلد النبي عليه الصلاة والسلام في سيرته مع أصحابه لا يفلح، فإذا كان ثمة إنسان على الأرض يستحق أن نخدمه بلا مقابل كان هو رسول الله، ومع ذلك خدمه سيدنا ربيعة، وفي اليوم السابع قال: يا ربيعة: سلني حاجتك، قال: أمهلني يا رسول الله، فأمهله، فلما سأله ثانية قال: ادعُ الله لي أن أكون معك في الجنة، قال له: من علّمك هذا ؟ النبي يقصد حاجة مادية، لأنه خدمه، شعر النبي عليه الصلاة والسلام أن خدمة ربيعة له دَين عليه، هناك من يقول: لي عليكم فضل، تعالوا قدموا لي خدماتكم، هذا بعيد عن أصول الدعوة بُعْد الأرض عن السماء، يجب أن تكون في خدمة إخوانك، يجب أن تكون آخرهم شرباً، سقى أم معبد، وسقى أهل البيت، وسقى أصحابه، ثم شرب آخر واحد منهم.
إخواننا الكرام، معركة الخندق كانت من أقسى المعارك، أصحابه جاعوا جوعاً شديداً، وبردوا برداً شديداً، والخطر كبير جداً، والإسلام قضية ساعات، وينتهي حتى أن بعض الذي كان مع رسول الله قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ كأنه انسلخ من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
( سورة الأحزاب ).
الجوع شديد جداً، والبرد شديد، والخوف شديد، والخطر شديد، وجاءت قريش ومن لف لفها ليستأصلوا الإسلام كلياً، الإسلام بقي له ساعات، صحابي جليل يحب النبي حباً جما انسلّ إلى بيته عنده شاة صغيرة، وأمر أهله أن تذبحها، وأن تطبخها ليأكل النبي صلى الله عليه وسلم.
أنا تساءلت: هل يعقل أن يأكل النبي وحده أو مع صاحبيه ؟ مستحيل، وألف ألف ألف مستحيل، فهو جاء بها سراً، وقال: يا رسول الله، كل هذه أنت وصاحبك، فنادى لكل أصحابه، وكان في معركة، هذه من معجزاته الحسية، ما بقي واحد إلا وأكل، سبحان الله !!! المغزى أنه لا يمكن لنبي أن يتميز على من معه، أبداً، هو واحد منهم، لذلك قال بعضهم:
يا من جئت الحياة وأعطيت ولم تأخذ، يا من ملكت القلوب، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً فوق الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
وجوب محبة النبي عليه الصلاة والسلام:
إن الذين افتدوه بأرواحهم لهم الرابحون، هؤلاء عرفوا قدره، فإذا عرفت قدر رسول الله فلا بد من أن تهيم به حباً.
واللهِ إنّ هذا الذي رسم النبي عليه الصلاة والسلام بصور لا تليق بمؤمن حينما يكشف له الغطاء يوم القيامة أنا أتصور أنه يقول لله عز وجل: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى، لا يحتمل، أعلمت من رسمت ؟ رسمت سيد الخلق وحبيب الحق، رسمت الذي أقسم الله بعمره الثمين، رسمت الذي عفا عن خصومه.
(( ما تظنون أني فاعل بكم قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ رواه ابن أبي شيبة عن صفية بنت شيبة ]
إخواننا الكرام، محبة رسول الله جزء من الدين، قال: والله يا رسول الله ـ سيدنا عمر ـ إني أحبك أكثر من أهلي، وأولادي، ومالي، إلا نفسي التي بين جنبي، فقال النبي الكريم: لما يكمل إيمانك يا عمر، إلى أن جاءه ثانية وقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي، وأهلي، وأولادي، ومالي، قال: الآن يا عمر. ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
( سورة النساء ).
أحد أركان الإيمان أن تحب النبي العدنان، محبتك له دليل إيمانك، لأن الرحيم يحب الرحيم، والكريم يحب الكريم.
رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه:
مرة أحد الصحابة، اقبلوا مني هذه القصة، مع أنها غريبة جداً، كتب إلى قريش اسمه حاطب بن بلتعة: إن محمداً سيغزوكم، سرب معلومات، قبل الغزو، فاخذوا حذركم، فجاء النبي الوحي، وأخبره بما فعل حاطب، فطلب النبي الكتاب الذي أرسله حاطب مع امرأة خرجت من المدينة إلى مكة، تبعها صحابيان، وصلا إليها، أين الكتاب ؟ فأنكرت، فقال أحدهما: لنأخذنّ الكتاب أو لننزعن الحجاب، خافت فأعطتهم الكتاب، فتح الكتاب، حاطب بن بلتعة يقول: إن محمداً سيعزوكم فخذوا حذركم، جاؤوا بالكتاب إلى النبي الكريم، واستدعى حاطبًا، هذه بالتعبير الحديث خيانة عظمى، بكل الدول والشعوب والتاريخ والحاضر والماضي والمستقبل عقابها الإعدام، فإذا شاء الله في القريب العاجل أنْ هيأنا خطة لفتح القدس فرضاً، وسرّب واحد الخبر أن ثمة خطة، ماذا يفعل به ؟ إعدام، قال له: ما هذا يا حاطب ؟ فبكى، قال له: والله ما كفرت، ولا ارتدت، ولكنني لصيق بقريش، وأنا واثق أنا الله سينصرك، أردت بهذا الكتاب أن يكون لي عند قريش أحمي بها أهلي وأولادي ومالي، فقال عليه الصلاة والسلام: إن صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً.
هذه أخلاق أنبياء.
جاءه عكرمة، من أبوه ؟ فرعون قريش، عكرمة بن أبي جهل أبو جهل أكفر كفار قريش، وألد أعداء النبي، ولم يدع أسلوباً في التنكيل لرسول الله إلا فعله ومات عكرمة، قتل، جاء ابنه مسلماً، فقال عليه الصلاة والسلام: جاءكم عكرمة مسلماً فإياكم أن تسبوا أبا، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت.
إذا كان أخ من إخوانك أبوه كان بعيدًا عن الدين بُعدًا كثيرًا فلا تحرجه، لا تحمر وجهه، ولا تقل: أبوك ما كان مؤمنًا ؟ ما كان يصلي ؟ كن لطيفاً، عتّم على الموضوع.
فلذلك من رأى النبي عليه الصلاة والسلام بديهة هابه، ومن عامله أحبه.
صحبة الصالحين أحد الوسائل القرب من الله:
بعض الصحابة خدم النبي عليه الصلاة والسلام حينما تنتهي مدة خدمته يقول له النبي: انصرف بعد العشاء، من شدة تعلقه برسول الله يبقى نائماً على طرف الباب، هذه الكمال، لو التقيتم بإنسان موصول بالله تجدون فيه الأنس، والروحانية، والمحبة، والكلام الجيد، والتعليقات اللطيفة، تشعر بأنس لله عز وجل، لذلك قالوا: صحبة الصالحين أحد الوسائل القرب من الله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 35 ).
صحبة الصالحين وسيلة من وسائل القرب من الله عز وجل، يؤكد هذا أن سيدنا حنظلة كان في أحد طرق المدينة يبكي، رآه النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: ما لك يا حنظلة تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال له: ولمَ ؟ قال نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى.
حال المؤمن بالجامع حال متألق، يحس بإقبال، وبأنس، وبمحبة لله، يعقد نيات طيبة جداً، فسيدنا الصديق من كماله قال له: أنا كذلك يا أخي.
أحيانا يشكو لك إنسان ابنه، فتقول له: لا، أنا ابني الحمد لله راقٍ جداً، وفهيم، خفف عنه قليلاً، قل له: والله هذه مشكلة عامة.
قال له: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله، فلما عرضا على النبي هذه المشكلة قال عليه الصلاة والسلام: (( أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحكتم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم))
( الترمذي عن حنظلة )
فأنت حينما تأتي إلى المسجد لتستمع إلى درس علم، إنك تُشحن كما يُشحن الهاتف الخلوي.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : (الرابع و الثلاثون )
الموضوع :الهجرة - 9 - قصة ام معبد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا بد من وقفة سريعة حول حكم الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، لأن هذه قضية اُختلف فيها. بسطُ القول في حكم الاحتفال بالمولد النبوي:
أولاً: يجب أن نعلم علم اليقين أنه ما لم يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لم لا يتم الواجب به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، هذه قاعدة أصولية متفق عليها أرأيت إلى الوضوء هو فرض، لأن الصلاة وهي فرض لا تؤدى إلا به، إذاً هو فرض.
الآن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هذه قاعدة أصولية ثانية، ما لم تكن قرينة تصرف عن الوجوب إلى شيء آخر، كأن يقول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
(سورة الكهف الآية: 29 ).
هذه لام الأمر، هذا أمر تهديد، أو أمر إباحة. ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
( سورة البقرة الآية: 187 ).
إباحة، أو أمر ندب: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾
( سورةالنور الآية: 32 ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/01.jpg
مادام هناك قرينة تصرف عن الوجوب فالأمر يأخذ معنى الإباحة، ويأخذ معنى الندب، ويأخذ معنى التهديد، ما لم تكن هذه القرائن فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، حينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 ).
خذوه أمر، هذا أمر يقتضي الوجوب، التطبيق كيف نأتمر بما أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف ننتهي عما عنه نهانا، إن لم نعرف ما الذي أمرنا، وعن أي شيء نهانا، إذاً معرفة سنة النبي القولية فرض عين، وإذا قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
(سورة الأحزاب ).
كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا حسنة إن لم نعرف سيرته، كيف عامل زوجته كيف عامل أولاده، كيف عامل جيرانه، كيف عامل أصحابه، كيف كان في سلمه، كيف كان في حربه، كيف كان في الفقر، كيف كان في الغنى، كيف كان في السراء، كيف كان في الضراء، إذاً ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم.
حينما تحضر درس فقه السيرة لا تظنن أن هذا الحضور من نوافل العلم، بل من واجبات العلم، بل من الفرائض التي افترضت على المؤمنين، لأنهم مأمورون أن يأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمرهم، وقد نهوا أن ينتهوا عن كل شيء نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/02.jpg
إذاً معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، لأن تنفيذ أمر الله عز وجل:
﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾
لا يتم إلا بمعرفة الأمر، ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين، لأن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لك، وهذا لا يتم إلا إذا عرفت سيرته.
الآن إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
( سورة هود الآية: 120 ).
إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً عندما يسمع قصة نبي دونه فلأن يقوى إيماننا إذا سمعنا قصة سيد الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 69 ).
يعني اعرفوا رسولكم، فإذا جلست في مكان، في بيت، في مسجد، في دعوة من أجل أن تتعلم شمائل النبي، وأخلاق النبي، ومنهج النبي، وكمال النبي فهذا من صلب الدين، الآية السادسة: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
( سورة سبأ الآية: 46 ).
﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/03.jpg
وتتفكروا في منهج النبي صلى الله عليه وسلم، في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، في سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
إخواننا الكرام، الاحتفال بعيد المولد أي أن نجتمع في أي يوم من أيام العام من دون استثناء، وأن نحدث الناس عن سيد الأنام هذا من الدعوة إلى الله، هذا من صلب النشاط الدعوي في الإسلام، لكن إياك أن تقول: إن الاحتفال بعيد المولد عبادة، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، أما العبادات فبالعكس، الأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، لا تسمِّ الاحتفال بعيد المولد عبادة، سمِّه نشاطاً دعوياً، سمّه تعريف الناس برسول الله، سمّه شرح الشطر الثاني من كلمة التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/04.jpg
بالمناسبة أيها الإخوة، لا يمكن أن تعيش المُثل إلا بمثل أعلى، وتكاد مشكلة المسلمين اليوم أنهم فقدوا المثل الأعلى، لذلك ضاعوا، واختلفوا، وأصبح بأسهم بينهم المثالية تحتاج إلى مثل، القيم الأخلاقية تحتاج إلى كائن متحرك ترى صدقه، ترى أمانته ترى عفافه، ترى كماله، من هنا كانت صورة النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة بشكل عملي، لو لم يكن في الدين إلا سيرة النبي لكفت، لأنها في الحقيقة كتاب وسنة، ولكن ليست قولاً بل عملاً.
ولبعض العلماء رأي دقيق جداً، وأنا أحترمه، أن دلالة أفعال النبي على فهمه لكتاب الله أدق من دلالة كلامه على فهمه لكتاب الله، لأن الكلام يؤول، بينما الفعل لا يؤول، الفعل حدي، أما الكلام فاحتمالي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/05.jpg
يقول أحدهم: أنا أصلي بغير وضوء، ما هذا الكلام ؟ يمكن انه يصلي على النبي بغير وضوء، يقول: أنا أفرّ من رحمة الله، وهو يعني من المطر، يقول: أنا أحب الفتنة، وهو يحب أولاده . ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾
(سورة التغابن الآية: 15 ).
يقول: أنا أكره اليقين، واليقين هو الموت.
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر ).
فالكلام يؤول، أما الفعل فلا يؤول، هذا الموضوع القصير بدأت به الدرس لأننا في ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام، ونتابع السيرة.
مرور النبي عليه الصلاة والسلام بخيمة أم معبَد ومعجزته مع الشاة العجفاء:
أيها الإخوة الكرام، في طريق النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مر بخيمة أم معبد، أم معبد امرأة لها خيمة مرّ بها النبي عليه الصلاة والسلام مع صاحبه أبي بكر، قال: وكانت امرأة برزةً، معنى برزة أي برزت محاسنها، هذا قول، معنى برزة أي امرأة موثوق برأيها وعفتها، والقول الثاني أرجح، أو إن كشف وجهها، أو كهلة لا تتحجب كما تتحجب الشابات، هذه المعاني وردت في كلمة برزة، يرجح عندي أنها امرأة موثوق برأيها وعفتها، وأنها كهلة لا تتحجب، أو لا تخفي وجهها، وكأن الحجاب من الفطرة، هذه امرأة لم تسلم بعد، الحجاب من الفطرة، ورد في القاموس أن المرأة البرزة هي الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشابات.
أيها الإخوة، وكانت امرأة برزةً جلدة، ليس بين جلدها وعظمها لحم كثير ، يعني أنها ممتلئة، ولكنها ليست بَدِينة، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي، قال بعض العلماء: الاحتباء حيطان العرب، الخيمة ليس فيها حائط تستند إليه، بل إن القماش لا يحتمل أن تستند إليه، إذاً كان العرب وهم في الصحراء يشبكون أصابعهم أمام ركبهم، وهذا هو الاحتباء.
إذاً هذه المرأة كانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تطعم، وتسقي من مرَّ بها يسألاها، النبي عليه الصلاة والسلام مع صاحبه سألاها: هل عندك شيء نشتريه ؟ فقالت: والله لو عندنا شيء ما أعوزتكم إلى القرى، لو عندنا شيء نبيعكم إياه ما حملتكم على أن تسألوني، لأطعمتكم من تلقائي نفسي، لأن صفة الكرم والشجاعة من أبرز صفات الصحراء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/06.jpg
ثمة إنسان في الصحراء كان من لصوص الخيل، وأرض تصنع الألم من شدة الحر، مرّ به فارس على فرسه، فرقّ له، ودعاه إلى ركوب الخيل، فما إن ركب هذا اللص الخيل حتى دفع صاحبها نحو الأرض، وعدا بها لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: يا هذا، وهبتُ لك الفرس، ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن تشيع هذا الخبر في الصحراء، فتذهب منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما في الصحراء.
والآن الذين يمنعون الماعون، تقترض فلا تؤدي، يقترض فلا يؤدي، الآن معظم الناس يمتنعون عن الإقراض الحسن، هذا الذي اقترض، ولم يؤدِ منع الماعون، هذا الذي استعار حاجة فأتلفها منع الماعون، أنت حينما تسيء لمن أحسن إليك تمنع الماعون.
أيها الإخوة، ثم قالت: والشاء عازب، معنى عازب لا يدرّ ضرعها، وكانت سنة شهباء، أي لا نبات فيها ولا مطر http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/07.jpg
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، يعني في جانب الخيمة، فقال: ما هذه الشاة ؟ قالت: خلّفها الجهد عن الغنم، أي التعب والمشقة والنصب، فقال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، هي أضعف من أن تعطي اللبن، فقال عليه الصلاة والسلام بأدب جم: أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حليباً فاحلبها، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ضرعها، مسح ضرعها وسما الله ودعا، فتفاجت عليه، معنى تفاجت أي فرقت ما بين رجليها كي يسهل عليه حلب ضرعها، فتفاجت عليه ودرت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، معنى يربض أي يشبع يروي، الرهط أهلها زوجها وأولادها، فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها، سقى أم معبد، لم يشرب هو، سقاها أولاً فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب هو، ساقي القوم آخرهم شرباً، وحلب فيها ثانياً فملأ الإناء، ثم غادره عندها، وارتحلوا، فما لبس أن جاء زوجها يسوق أعنزاً عجافاً، أي هزيلة من شدة الجوع، وتساوتن هزالاً، أي كل عنزة تشبه أختها في هزالها، لأن السنة شهباء، قاحلة فلما رأى اللبن، قال أو معبد: من أين هذا والشاء عازب لا تدرّ ؟! ولا حلوبة في البيت، قالت: والله مر بنا رجل مبارك، ومن حديثه كيت وكيت، قال: والله إني أراه صاحب قريش الذي تطلبه، وضعوا مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، صِفِيه لي يا أم معبد.
وصف أم معبَد للنبي صلى الله عليه وسلم الخَلْقية والخُلقية :
هذا هو درس اليوم صفيه لي يا أم معبد، ومرة واحدة في درس السيرة نصف شكل النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أدق وصف ورد عن أم معبد، لكن أصحابه الكرام من شدة هيبته، ومن شدة مكانته إذا جلسوا معه كأنهم على رؤوسهم الطير، لن يصفوا، لكن أم معبد وصفته قالت:
<< هذا الرجل ظاهر الوضاءة، الوضاءة ؛ النظافة والحُسن، ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، الكلمة كالكائن الحي، يولد ويشب ويهرم ويموت >>.
هناك كلمات كثيرة جداً في التاريخ العربي الآن ليست مستخدمة، أضرب لكم مثلا، قال بعض الشعراء في الجاهلية:
مدخوصة بنحيص الدحص باذلها له صريفٌ صريفُ القعو في المسد
هل فهمتم شيئًا ؟ هذه لغة عربية، كلها كلمات الآن غير مستعملة، فهذا الوصف رائع جداً، إلا أن أكثر كلماته تحتاج إلى شرح.
<< رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، يعني نظيفاً، حَسن الوجه، أبلج الوجه، وجه مشرق، ليس عبوساً قمطريرا، حسن الخلق، كامل، لم تعبه سجلة، ما هي السجلة ؟ ضخامة البطن، لم تعبه سجلة، ما له بطن كبير، التجار أحياناً يستخدمون البطن الكبير بمعنى آخر، ولم تزرِ به صعلة، الصعلة صغر الرأس، ليس بطنه كبيراً، ولا رأسه صغيراً وسيم، وسيم يعني جميل.
وأجمل منك لم ترَ قط عينٌ وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبرأ من كل عيـبٍ كأنك خلقت كما تشـاءُ
وسيم قسيم، معنى قسيم له من كل أنواع الحسن قسم، والحسن قد يكون طولا، وقد يكون بياضًا...إلخ، له من كل أنواع الحسن نصيب، قسم، في عينيه دعج، عيناه واسعتان، وبياضها شديد النصوع، وسواد بؤبؤها شديد السواء، وهذا هو الحور في اللغة شدة بياض العين مع شدة سوادها، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، والأشفار رموش عينه طويلة، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، بحة، الآن كبار قراء القرآن الكريم له بحة محببة جداً، بحة الصوت فيها أنس، النفس تطرب لهذه البحة، في صوته صحل، وفي عنقه سطع، عنقه طويلة ـ في رأس ملزوق بالكتف وفي عنق جميل ـ وفي لحيته كثاثة، شعره غزير، أكحل في سواد في جفنه، طبيعي من دون كحل أكحل، أزج، ومن أدق ما قال العلماء وعلماء اللغة في أزج: يعني حواجبه طويلة ورقيقة ومنقطعة بين العينين، بياض ناصع بين الحاجبين، حاجب طويل ورقيق ومعرج، أقرن يميل مع العين، طويل ورقيق ومنعرج، وبين الحاجبين بياض ناصع، أزج أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه.
دخل عليه رجل أصابته رعدة، قال: هوّن عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة، حتى أن أصحابه الكرام قالوا: من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه.
إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلم علاه البهاء، أجمل الناس، وأبهاهم من بعيد ، هناك إنسان تراه عن بُعد جميلا، إذا اقترب منك والعياذ بالله، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، جميل على البعد وعلى القرب، حلو المنطق، كلامه جذاب بالتعبير الحديث، متحدث لبق، يأسر القلوب بكلامه، لا ندْر، معنى ندر أي قليل الكلام، قد تسأل الطبيب: ما الوضع ؟ أخذ مبلغًا كبيرًا، لا يتكلم ولا كلمة، خذ الدواء فقط، المريض يحب أن يفهم ما وضعه، هل الحالة صعبة ؟ سهلة ؟ علاجها سهل ؟ عيب بالإنسان في قلة كلامه، هناك إنسان قلة كلامه جفاء لمن حوله، وإنسان لا يحتمل من كثرة كلامه، كان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق، منطقه لا ندر ولا هدر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن كأنه عقد، الحبة الأكبر، الأصغر، الأصغر، نظم الكلام فن، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة، لا هو طويل تشنأه العين من طوله، ولا هو قصير تقتحمه العين من قصره، لا هو قصير يقتحم، ولا طويل يصعب أن تنظر إليه.
قال رجل قصير لرجل طويل: الطقس عندك كيف فوق ؟ لأن ثمة مسافة طويلة.
ربعة، أي ليس بالطويل ولا بالقصير، معتدل، لا تقتحمه عين من قصر، ولا تشنأه عين من طول، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، معه اثنان حادي الإبل وسيدنا الصديق، الغصن بين غصنين، النبي الكريم كغصن أنضر الأغصان الثلاثة، أجملهم وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود، أي التف الناس حوله، محشود مخدوم، لا عابس ولا مفند، هناك إنسان ينتقد دائماً مُتعب، ظله ثقيل، كل شيء ينتقده، لا عابس ولا مفند، لا ينتقد، قال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش، يعني هذه الصفات الكاملة.
بالمناسبة أيها الإخوة، هذا الإنسان الكامل، الجميل، الرحيم، الكامل المتواضع، الأخلاقي، الذي يوحى إليه، الذي معه القرآن، الذي آتاه الله المعجزات الفصيح، الحكيم، كل هذه الكمالات قال له الله أنت أنت بالذات، على كل هذه الخصائص:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 158).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/08.jpg
فالواحد لو لم يكن نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه قرآن، ولا معجزات، وليس فصيحاً، وليس جميلاً، ومع ذلك فهو غليظ قال له:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾
أنتَ أنت بالذات:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
( سورة آل عمران ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/09.jpg
قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي تطلبه، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وأصبح النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى المدينة.
هذا أدق وصف مر بالسيرة النبوية للنبي عليه الصلاة والسلام في شكله أولاً، وفي أخلاقه، وفي تواضعه وأدبه، وحسن صحبته مع إخوانه.
هذا الدرس الوحيد في فقه السيرة متعلق بشكل النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جمعت لكم بعض الأحاديث الشريفة حول خَلقه صلى الله عليه وسلم، وقد علمنا النبي الكريم أن أحدنا إذا وقف أمام المرآة، ورأى شكله حسناً، له عينان، وله أنف طبيعي، وله حجم معتدل، شكله تام، كان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي ))
[ أحمد عن عائشة]
لأنه قيل:
جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر المجوس
أحد الناس كان أنيقًا جداً، جميل الصورة، تكلم كلامًا بذيئًا، فقال له أحدهم: إما أن تتكلم وفق هندامك، وإما أن ترتدي ثياباً وفق كلامك.
أحاديث في وصف النبي عليه الصلاة والسلام:
إخواننا الكرام، تجلس مع مؤمن والله لا أبالغ 30 عامًا، تصحب مؤمناً 30 عامًا لا تستمع منه إلى كلمة نابية، أبداً، لسانه مضبوط.
(( قلت: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول ؟ فقال: ثكلتك أمك يا ابن جبل وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟ ))
[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ].
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[ أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق ].
(( مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه))
[ رواه عن أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض رضي اللّه عنه ]
(( وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِها في جَهَنَّم سيعين خريفاً ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/10.jpg
كان عليه الصلاة والسلام:
(( أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير ))
[ متفق عليه ]
كل واحد منا إذا كمل الله عز وجل خَلْقه فعليه أن يسعى ليكمل أخلاقه.
وكان عليه الصلاة والسلام: أبيض مليح الوجه، ولا تنسوا مرة ثانية الدعاء المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام إذا وقف أحدكم أمام المرآة، ورأى شكله حسناً أن يقول: (( اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي ))
[ أحمد عن عائشة]
وكان عليه الصلاة والسلام مربوعاً، عريض ما بين المنكبين، كث اللحية تعلوه الحمرة، بالتعبير الدارج على كل خد وردة، تعلوه حمرة، لقد رأيته في حُلةٍ، يقول راوي الحديث: رأيته في حُلةٍ ما رأيت أحسن منه.
إخواننا الكرام، الإنسان بحاجة إلى الجمال، إذا رتب بيته، نظف بيته، رتب محله التجاري، أنا لا أقول: أن تشتري أشياء غالية، لكن الجمال لا يحتاج إلى جِمال، بل يحتاج إلى ذوق فقط، المسلم كما وجه النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( حسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس ))
[الحاكم في المستدرك عن سهل بن الحنظلية ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/11.jpg
كان عليه الصلاة والسلام:
(( ضخم الرأس، واليدين، والقدمين، حسن الوجه، لم أرَ قبله ولا بعده مثله ))
[ رواه البخاري ].
وكان عليه الصلاة والسلام:
(( وجهه مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا ))
[ رواه مسلم عن جابر بن سمرة ].
كان عليه الصلاة والسلام : (( إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر ))
[ متفق عليه ].
لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( إذا كان الوجه الحسن رجلاً لكان رجلاً صالحاً ))
وكنا نعرف ذلك، مسرور.
وكان عليه الصلاة والسلام: (( لا يضحك إلا تبسما ))
[ رواه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن جابر بن سمرة ].
هناك ضحك فيه قلة أدب، يضحك الإنسان، لكن كان ضحكه تبسمًا، هناك شخص يقلب للوراء، وعن عائشة قالت:
((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم ))
[ أخرجه الشيخان والترمذي عن عائشة رضي الله عنها ].
الإنسان أحيانا يضحك فيفتح فمه، ترى أعمق حلقه، تقول السيدة عائشة:
((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم ))
ويقول سيدنا جابر:
(( فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَإِلَى الْقَمَرِ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ ))
[ رواه المحفوظ عن جابر بن سمرة ].
الله عز وجل جميل، ويكسب المؤمن جمالا، ولو كان ملونًا، سيدنا بلال ملون، أنا متأكد أن في وجهه نورًا، والإنسان يكون لونه أحيانا فاتح جداً، واستوفى الجمال البشري، لكن فيه ذنوب ومعاصٍ وآثام وخبث، فتجد في وجهه فتورًا وغبرة. ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾
(سورة عبس ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/12.jpg
أيها الإخوة، أبو طالب وصف النبي عليه الصلاة والسلام شعراً قال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطعم اليتامى، ويمنع الأرامل من أن تُظلمن.
أيها الإخوة الكرام، الحياة الدنيا كما يقال: ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة، والإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، ومن أدق تعريفات الإنسان أنه زمن، أو أن أثمن شيء يملكه هو الزمن، وأن الزمن رأس ماله، وأن هذا الزمن إما أن ينفق استهلاكاً، وإما أن ينفق استثماراً، فإذا طلبت العلم، وتعرفت إلى سيد الخلق، وسرت على منهجه، أنشأ الله له حق عليه أنا أخاطب الشباب، المستقبل مخيف لكنك إذا كنت مع الله مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامل الشاب المؤمن كما يعامل الشاب المتفلت http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/13.jpg
قال تعالى، دققوا في هذه الآية أيها الشباب، سمعتَ خبرًا أنه مما يلفت النظر أن رواد المساجد في دمشق ـ خبر أذيع قبل يومين ـ من الشباب، وأنا أخاطب الشباب، وريح الجنة في الشباب: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 ).
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعامَل شاب مؤمن يخاف من الله كما يعامَل شاب فاسق.
(( ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب ))
[ أخرجه أبو المظفر السمعاني في أماليه عن سلمان ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2839/ar-2839/14.jpg
(( إن الله تعالى يباهي بالشاب العابد الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي، ترك شهوته من أجلي ))
[ أخرجه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ].
إذاً: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: " يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
حضور درس فقه السيرة مما يجب على كل مسلم، لماذا ؟ ليعرف عن النبي أخلاقه، ليعرف عن النبي شمائله، ليعرف عن النبي رحمته، ليعرف عن النبي تواضعه ليعرف عن النبي حكمته، ليعرف عن النبي عفته.
سيدنا جعفر لما سأله النجاشي حدثنا عن نبيكم، قال: (( أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار حتى بعث الله إلينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه ))
( أحمد عن أم سلمة )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الخامس و الثلاثون )
الموضوع :الوقائع التى حصلت قبل الهجرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقبل أن ننتقل إلى وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لا بد من أن نستكمل بعض الوقائع التي حصلت قبل الهجرة، من هذه الوقائع: وقائع قبل الهجرة:
انشقاق القمر:
هناك جدل طويل حول هذه الآية، يا ترى وقعت أم لم تقع ؟.
بادئ ذي بدء، خرق النواميس، وخرق السنن إن كان هذا لنبي أو رسول فهو معجزة، وغير النبي إن جاء بخرق السنن فهو كرامة، وإن جاءت الظواهر غير مألوفة على يد ضال فهي ضلالة، خرق النواميس بين أن يكون معجزة، وبين أن يكون كرامة أو ضلالة.
المعجزة تكليف إلهي للأنبياء من أجل التحدي:
الأنبياء مكلفون من قِبل الله عزوجل أن يتحدوا بالمعجزات أقوامهم، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما انتقل من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وعاد إلى بيت المقدس، ثم عاد إلى مكة، ولا يزال فراشه ساخناً، كان يتمنى ألا يقول هذا للناس، لأنهم من دون هذه المعجزة لا يصدقون نبوته، لكن الأنبياء مكلفون من قِبل الله عزوجل أن يتحدوا بمعجزاتهم أقوامهم، لأن المعجزة هي شهادة الله للبشر أن هذا الإنسان الذي أجريت على يده رسول من عند خالق البشر.
أما السيدة مريم الصديقة فقد أنجبت غلاماً من دون أب، لأنها ليست نبية، هي كرامة، وإذا تعاون إنسي مع جني، وجاءوا بأخبار من غيب الحاضر فهذه ضلالة، إن كان الهدف تعميق الإيمان من قِبل إنسان ليس نبياً فهي كرامة، وإن كان الهدف خرق الناس عن الله عزوجل فهي ضلالة، ونحن ودققوا فيما سأقول: لسنا مكلفين أبداً أن نصدق كرامة لم يرد فيها نص صحيح، وإلا أصبح ديننا دين كرامات ومنامات، وضاعت معالم هذا الدين، ومن الثابت عند العلماء أن الولي الحق يستحي بكرامته كما تستحي المرأة لما لا تستطيع إظهاره، لكن الموقف الشرعي أن الكرامة ينبغي ألا تنكرها لأنها واقعة، وينبغي ألا تذكرها لأنك لست مكلفاً كوليّ أن تنطق بها، بل ينبغي أن تكتمها لأنها بينك وبين الله.
أعظم الكرامات: كرامةُ العلم:
ولكن اسمعوا هذه الكلمة: إن أعظم كرامة على الإطلاق، ولا تحتاج إلى خرق العادات، إنها كرامة العلم، قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء ).
ولي مع هذه الآية وقفة متأنية، لو أن طفلاً قال لك: معي مبلغ عظيم لقدرته بـ200 ليرة، ولو قال مسؤول كبير في وزارة حرب دولة عظيمة: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً لقدرته بـ 200 مليار من عملتهم، فإذا قال ملك الملوك، وخالق السماوات والأرض:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾
فاعلم علم اليقين أن أعظم كرامة على الإطلاق هي كرامة العلم.
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 ).
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
( سورة المجادلة ).
الأدلة والنصوص على ثبوت انشقاق القمر:
الآن انشقاق القمر معجزة حسية، للنبي عليه الصلاة والسلام، إلى النصوص:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم:
(( أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما ))
[ رواه ابن مسعود عن أنس ].
هذا الحديث رواه ابن مسعود في كتاب المناقب، وكان الإمام البخاري قد رواه في صحيحه، وكتاب البخاري من أصح الكتب بعد كتاب الله.
وعند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
(( انْشَقّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقَالَ لَنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا ))
وعن أنس رضي الله عنه قال:
(( إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر ))
وعن أنس أيضاً قال:
(( إنّ أَهْلَ مَكّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرِيَهُمْ آيةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرّتَيْنِ ))
فنزلت: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾
( سورة القمر ).
هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في مسنده.
وعن أنس:
(( سَأَلَ أَهْلُ مَكّةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم آيَةً فانَشَقّ القَمَرُ بِمَكّةَ مَرّتَيْنِ، فَنَزَلَتْ:
اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ))
عن عبد الله بن مسعود أنه قال:
(( بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنىً، إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا ))
وفي غير صحيح مسلم من كتب الحديث ومؤلفات السيرة روت واقعة شق القمر على لسان عدد غير قليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، لكن الذي يؤكد هذا أن كتب التاريخ الهندي والصيني تشير إلى حادثة انشقاق القمر، وقد أرَّخوا لها، هذه النصوص. والآن إلى تعليق معاصر.
التعليقات العلمية المعاصرة حول انشقاق القمر:
أيها الإخوة، في محاضرة بكلية الطب بجامعة كرديف، في مقاطعة ونز في غربي بريطانيا، من عدة سنوات قال أحد علماء مصر، وهو متفوق في موضوع الإعجاز العلمي، وجه له أحد الحضور من المسلمين سؤالا عن الآيات في مطلع سورة القمر : ﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾
وهل تمثل هذه الآية ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله ؟ فأجبتُ: لأن هذه الواقعة تمثل إحدى المعجزات الحسية التي وقعت تأييداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة الكفار ومشركي قريش.
وقبل أن أتابع.
التفسير العلمي للأحداث:
إخوتنا الكرام، هناك مصطلحات ثلاثة، هناك تفسير علمي، وهناك إعجاز علمي، وهناك معجزة نبوية، وكل مصطلح له حدوده وأبعاده.
التفسير العلمي: كُسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزامن هذا الكسوف مع موت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام بشكل عاطفي، وباندفاع لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ظنوا أن الشمس كُسفت لموت إبراهيم، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وقف في أصحابه خطيباً وقال:
(( يَا أَيّهَا النّاسُ، إِنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَان مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ، وَلا لِحياتِهِ ))
[ رواه البخاري ومسلم عن عائشة رض الله عنها ].
أي لا علاقة لكسوف الشمس لموت إبراهيم، ماذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم لظاهرة الكسوف ؟ قدم تفسيراً علمياً.
ومرة كنت في العمرة، سمعت وأنا بمكة المكرمة أخباراً كثيرة عن أن ضياء يشع من قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى كبد السماء، سمعت هذا مرات كثيرة، فلما وصلت إلى المدينة فيما بين المغرب والعشاء كان هناك درس في الفقه يلقيه عالم جليل توفي ـ رحمه الله تعالى ـ أنا استمعت لهذا الدرس، وفي نهاية الدرس قال:
حدثني أمير المدينة بأن إدارة الحرمين وضعت أشعة الليزر فوق قبر النبي عليه الصلاة والسلام لتهتدي الطائرات إلى مكان قبر النبي، وهي في أعالي الجو، هذا التفسير العلمي، والذي سمعته بمكة كان تفسيراً غير علمي، أنوار النبي صلى الله عليه وسلم تشق أطباق السماء، هي في الحقيقة أجهزة يشع منها أشعة الليزر.
إذاً عود نفسك أن تفسر التفسير العلمي، والنبي عليه الصلاة والسلام لأنه أمين على وحي السماء قال: لا، لا علاقة لكسوف الشمس بموت ابني، وكلما كنت ورعاً كنت أميناً على الدعوة إلى الله، لا تخلط الحقائق بالأوهام، ويجب أن تفسر الأمور تفسيراً علمياً.
التفسير العلمي لا يتناقض مع التفسير التوحيد:
لكن بالمناسبة، التفسير العلمي لا يعني أن تهمل التفسير التوحيدي، وقع زلزال، وللزلزال تفسير علمي، اضطراب في قشرة الأرض، من هو مسبب الأسباب ؟ الله جل جلاله، ولا بد من حكمة ما بعدها حكمة من أفعاله جل جلاله، إذاً التفسير العلمي لا يتناقض مع التفسير التوحيدي.
أما الإعجاز العلمي فشيء آخر، الله عزوجل يقول في القرآن آية، سأتلوها بعد قليل.
بين الإعجاز العلمي والمعجزة:
من الإعجاز: كأنما يصعّد في السماء:
حينما صعد رائد فضاء إلى الفضاء الخارجي، بعد أن تجاوز طبقة الهواء التي يزيد سمكها عن 65 ألف كم، بعد أن تجاوز رائد الفضاء هذه الطبقة صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياً، لأن أشعة الشمس حينما تُسلط على ذرات الهواء ذرات الهواء تعكسها على ذرات أخرى، فيكون ما يسمى انتثار الضوء، فأنت في الأرض ترى مكاناً فيه ضوء واضح، ومكان فيه أشعة شمس، أما إذا ألغي الهواء ألغي انتثار الضوء، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء ما رأوا إلا ظلاماً دامساً، فقال أحدهم، وكان ثمة عالم ذرة كبير مصري في قاعدة انطلاق هذه المركبة بفلوريدا سمع بأذنه قول رائد الفضاء: " لقد أصبحنا عمياً "، هذا إعجاز علمي لماذا ؟ لأن قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾
( سورة الحجر ).
متى كان هذا ؟ حديثاً، بعد 1400 عام، الآية متى نزلت ؟ قبل 1400 عام معنى ذلك أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
الإعجاز العلمي يعني أن معنى الآيات الكونية لا يمكن أن تعرف وقت نزول الوحي، لكنها عرفت في وقت متأخر جداً، أما معجزات الأنبياء فهذه موضوع ثالث لا علاقة لها لا بالأول ولا بالثاني، هي خرق لنواميس الكون، ولا يمكن أن تفسر وفق قوانين الكون، لذلك قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 1 ).
من المعجزات: معجزة الإسراء والمعراج:
فالإسراء والمعراج لا يمكن أن يفسر وفق قوانين الأرض، هو خرق لقوانين الأرض وهو معجزة نبوية، هي في الحقيقة شهادة من الله، على أن هذا الإنسان رسول الله عليه الصلاة والسلام واضح المعجزة النبوية ؟ هذه لا تفسر وفق قوانين الكون، بينما الإعجاز العلمي إشارة سابقة جداً إلى قضية عُرفت بعد حين، أما التفسير العلمي فعله النبي عليه الصلاة والسلام ويفعله تقليداً له كل داعية صادق.
هل انشقاق القمر من الإعجاز أم من المعجزات ؟
هذا الإنسان سأل: هل تمثل هذه الآية:
﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾
ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله ؟ فأجاب هذا العالم: بأن هذه الواقعة تمثل إحدى المعجزات الحسية التي وقعت تأييداً لرسول الله عليه الصلاة والسلام في مواجهة كفار قريش، وإنكارهم لنبوته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وأن المعجزات خوارق للسنن، وعلى ذلك إن السنن الدنيوية لا يمكن لها أن تفسر المعجزات الحسية التي جاء بها الأنبياء، ولولا ورودها في كتاب الله، وفي سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما كان علينا نحن المسلمين أن نؤمن بها، أنا لا أؤمن إلا بخرق للنواميس ورد فيه نص صحيح، من كتاب الله أو من سنة رسوله، أما أن أدع الحبل على غاربه، أن أصدق كل الناس هذا لعب بدين الله، نص الآية:
﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾
( سورة القمر ).
يقول هذا الأستاذ: وبعد انتهاء حديثي وقف رجل بريطاني من الحضور واستأذن أن يضيف شيئاً على إجابتي، فأذنت له، ثم بدأ بتعريف نفسه، على أن اسمه داوود موسى بدكوك، وأنه مسلم، يرأس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم أضاف:
إن هذه الآيات في مطلع سورة القمر كانت هي السبب في إسلامه، في أواخر السبعينات من القرن العشرين لأنه ببحث مستفيض في الأديان، كان يبحث بحثاً مستفيضاً عميقاً في الأديان كلها، إذ أهداه أحد المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وأنه فتح هذه الترجمة لا على التعيين، فإذا الترجمة تترجم تفسير قوله تعالى:
﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾
طبعاً عدّ هذه خرافة، فلما قرأ هذه الآيات أغلق التفسير المترجم باللغة الإنكليزية، ووضعه في مكان قصي، وانتهى الأمر، غير معقول، وأكبر خطأ أن تفهم المعجزات بعقلك، لأن عقلك مرتبط بنواميس الكون، والمعجزات في خلق الله تعالى، إن الله على كل شيء قدير، ثم شاء الله تعالى أن يشاهد هذا الإنسان الذي لم يكن مسلماً، الآن مسلم، أن يشاهد على شاشة التلفاز البريطاني ( بي بي سي ) برنامجاً عن رحلات الفضاء، استضاف فيه المذيع البريطاني المعرف جميس بلاك ثلاثة من علماء الفضاء، وذلك سنة 1978، الآن دققوا، وفي أثناء الحوار كان المذيع ينتقد الإسراف على رحلات الفضاء بإنفاق ملايين الدولارات، رحلة ( أبولو ) كلفت 25 مليار دولار، والأرض وأهل الأرض يتضورون جوعاً، وملايين البشر في أمس الحاجة إلى هذه الأموال الطائلة، والمرض والجهل والتخلف يعصفان بسكان الأرض، كان جواب العلماء الذين يحاورهم هذا المذيع: أنه بفضل هذه الرحلات تم تطوير عدد من التقنيات المهمة التي تطبق في مجالات التشخيص والعلاج الطبي والصناعة والزراعة وغيرها.
فيما أعلم هناك نسيج ينسج في الفضاء الخارجي، يمكن أن يستخدم رقعة لقلب معطوب، وقطعة هذا النسيج لا تزيد على هذا الحجم قد تكلف 50 ألف ليرة، هذا النسيج نُسج في الفضاء الخارجي، فإذا وسع فيه قلب معطوب يتحمل الانقباض والانبساط لعشرات السنين.
فعلماء الفضاء قالوا: المبالغ التي أنفقت على هذه الرحلات كبيرة جداً، إلا أننا انتفعنا بها كثيراً، وبأثناء هذا الحوار جاء ذكر أول رحلة نزل فيها رجل على سطح القمر وقد كلفت أكثر من مئة مليار دولار، حينما هبط رجل على سطح القمر هذه الرحلة كلفت أكثر من مئة مليار دولار، وعندئذٍ جلس المذيع يتابع عتابه على هذا الإسراف، فقال العلماء: إن هذه الرحلة قد أثبت لنا حقيقة لو أنفقنا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ما صدقنا أحد، فسأل المذيع ما هي هذه الحقيقة ؟ فأجابوا: إن هذا القمر قد سبق له أن انشق، ثم التحم، الموضوع ليس له علاقة إطلاقاً بالأديان، ولا بالإسلام، ولا بالقرآن، ندوة بين علماء الفضاء الثلاثة وبين مذيع في إذاعة بريطانيا، البي بي سي، وأجابوا أن هذا القمر قد سبق له أن انشق ثم التحم، وأن آثاراً محسوسة تؤيد هذا الحدث قد وجدت على سطح القمر، وقد صورت هذه الآثار إلى الأرض، وعرضت على علماء كبار من علماء الأرض، ومن دون استثناء أثبتوا جميعاً أن القمر كان قد انشق ثم التحم، فقال السيد بلكوك هذا الذي أهدي له ترجمة المصحف، فلما فتحه لا على التعيين، جاء على قوله تعالى:
﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾
وعدّ هذا خرافة، ووضع التفسير في مكان قصي، فقال السيد بلكوك: حينما سمعت ذلك قفزت من الكرسي الذي كنت أجلس عليه أمام التلفاز، وقلت: معجزة تحدث لمحمد قبل 1400 سنة، ويرويها القرآن بهذا التفصيل العجيب يسخر الله من يثبتها للمسلمين في عصر العلوم والتقنية الذي نعيشه، ويرصد هذا المبلغ الكبير ؟! لا بدأن يكون هذا الدين حقاً، وعدت إلى ترجمة معاني القرآن الكريم أقرأها بشغف شديد، وكانت آيات افتتاح سورة القمر هي السبب المباشر لقبولي الإسلام ديناً، لذلك قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾
( سورة فصلت الآية:53 ).
من المتكلم ؟ هو الله، من المخاطب ؟ المؤمنون، يتحدث عن من ؟ عن الكفار. ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
( سورة فصلت الآية:53 ).
والشيء الذي لا يكاد يصدق أن كل مكتشفات الغربيين وردت بشكل أو بآخر في القرآن الكريم، مثلاً:
سرعة الضوء في القرآن والعلم الحديث:
النظرية التي جاء بها انشتاين، والتي أحدثت انعطافاً خطيراً في مفاهيم الحركة والضوء والسرعات، هذه النظرية التي اسمها النظرية النسبية، والتي تؤكد أن السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء، وأن أي جسم سار مع الضوء أصبح ضوءاً، كتلته صفر، وحجمه لا نهائي، وأننا افتراضاً إذا سرنا مع الضوء توقف الزمن هذا الدرس، فيه منبع ضوئي، ونحن نعكس بوجوهنا هذه الموجات الضوئية، نعكسها كموجات تنطلق نحو الفضاء الخارجي، فإذا قُدر لإنسان أن يركب مركبة سرعتها كسرعة الضوء يجب أن يرى هذا المنظر إلى مليون عام قادم، ونحن بعد أعوام لا تزيد على مئة نكون جميعاً تحت التراب، إذا سار الجسم مع الضوء توقف الزمن، لو قُدر لنا أن نركب مركبة تسبق الضوء يجب أن نرى معركة بدر، كما هي، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة القادسية، واليرموك، إذا سبقنا الضوء تراجع الزمن، فإذا قصرنا عن الضوء تراخى الزمن، هذه النظرية التي قلبت مفاهيم الفيزياء في هذا العصر وردت في كلمات عدة في آية واحدة، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾
( سورة الحج ).
والعرب الذين خوطبوا بالقرآن يعدون السنة القمرية، والقمر يدور حول الأرض دورة كل شهر:
لو أخذنا مركز الأرض ومركز القمر، ووصلنا بينهما بخط، ما هذا الخط ؟ القمر يدور حول الأرض، أخذنا مركز الأرض ومركز القمر، وصلنا بهما بخط هذا الخط هو نصف قطر الدائرة الذي هو مسار القمر حول الأرض، كيف نعرف طوله ؟ المسافة بين الأرض والقمر، زائد نصف قطر الأرض، زائد نصف قطر القمر ضرب اثنين القطر، ضرب 14, 3، المحيط، ضرب اثني عشر، ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في عام، ضرب ألف، ألف عام، يمكن لطالب من طلاب المرحلة الثانوية أن يأخذ البعد بين الأرض والقمر مع نصف قطر الأرض، مع نصف قطر القمر، ثم يضاعف هذا الرقم ويضربه في 14, 3، ثم في اثني عشر، ثم في ألف، أنا معي الآن رقم كبير جداً يساوي عدد كيلو مترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، واضح ؟.
قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ﴾
ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، لو قسمنا هذا الرقم على ثواني اليوم لكانت سرعة الضوء الدقيقة مئتين وتسعة وتسعين ألف، وتسعمئة واثنين وخمسين، فما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، إن أردنا أن نعرف سرعة الضوء في الثانية نقسم الرقم على ثواني اليوم 60 بـ 60 بـ 24، هذه النظرية العملاقة مدرجة في كلمات عدة في آية واحدة من آيات القرآن الكريم، واضح ؟.
أيها الإخوة، هذا الإنسان الذي عدَّ انشقاق القمر خرافة، ووضع الكتاب الذي قدم له هدية في مكان قصي، لما رأى علماء الفضاء في حوار مع مذيع بريطاني في ( بي بِي سي ) يؤكدون أن القمر قد انشق، ثم التئم، وأن كل من رأى الصور أثبت أن القمر قد انشق وأن هذا مصداق قول الله عزوجل: ﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾
لذلك: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 28 ).
ثمة رجل ملحد سبب إلحاده أنه كان طالباً في المرحلة الثانوية، وجاءه أستاذ دين لم يرتح له هذا الطالب، فانتقد هذا الأستاذ أمام أبيه، أبوه كان متعصباً جداً، فطرده من المنزل، هذا الشيء وقع في مدينة اسمها سان فرانسيسكو في أمريكا، فلما طرد هذا الابن من بيت أبيه، لأنه انتقد أستاذ الديانة أعلن إلحاده، وأنكر الأديان كلها، لكنه كان يتمتع بذكاء ما بعده ذكاء، تابع دراسته، ووصل إلى الجامعة، ودخل كلية الرياضيات، ومن طرائف ما كان يروي أن أستاذه الكبير يقول له: اخرج من القاعة، ولك علامة تامة، لأنه كان يربك أستاذه، واعتنق الإلحاد، وأصبح من أكابر أساتذة الرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، أستاذ لهذا الملحد الذي علمهم في الجامعة جاءته فتاة شرق أوسطية في أيام الصيف الحارة، والفتيات في أمريكا شبه عرايا، هذه الفتاة محجبة حجاباً كاملاً، تُحضر دكتوراه في الرياضيات، القضية بالغة، فاستعان أستاذه بتلميذه، وأرسل هذه الطالبة إلى هذا الشاب الملحد الذي هو أستاذ الرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، يقول هذا الأستاذ: أنا حينما نظرت إلى هذه الفتاة، وعلمت أنها شرق أوسطية، وهي محجبة حجاباً كاملاً قال: أنا غيرت نظرتي بفتيات الشرق الأوسط، دكتورة في الرياضيات، ومحجبة حجاب كامل، والفتيات شبه عرايا في أمريكا، يقول: أنا تهيبت أن أدقق في وجهها، ورأيتها قديسة، بل رأيتها تنطوي على قناعات لا تملكها معظم الفتيات، وتمنيت أن أقدم لها كل خدمة، لكنني في اليوم نفسه عكفت على قراءة القرآن، وأنا أبحث عن خرافة في هذا الكتاب أو عن خطأ علمي، لأنني لست مؤمناً بالأديان كلها، وصل إلى خطأ، هي قوله تعالى، طبعاً وصل إلى خطأ بتصوره: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾
( سورة يونس الآية: 92 ).
يخاطب الله فرعون: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾
( سورة يونس الآية: 92 ).
له صديق حميم اسمه المسيو بوكاي من فرنسا، هذا رئيس المشرحة في باريس قال له: تقول لي دائماً إن الكتب المقدسة هي من عند الله تعالى انظر إلى هذه الآية:
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾
هذا من ستة آلاف عام، قال له: هذا الإنسان التي تحدثت عنه الآية جاءنا من مصر إلى باريس، واستقبل استقبال الملوك، ورممت أنا جثته وعندي صورته، فرعون، وآثار الملح في فمه، فرعون موسى الذي مات غرقاً لا يزال جسمه كما هو، وقبل سنوات عدة لعلها عشر سنوات أخذ إلى باريس كي ترمم جثته من بعض التعفنات، قال له: لا، هذا الذي قال عنه القرآن رممته بيدي، وهو في متحف مصر.
هذا الإنسان أستاذ الرياضيات بجامعة سان فرانسيسكو اسمع جفري لانك، وألف كتاباً، ووجهه لبناته، عنوانه: لماذا أسلمت، وهو الآن من كبار الدعاة الإسلاميين في أمريكا، ويوم كنت في أمريكا كان من المقرر أن ألتقي به، لكن مواعيد السفر تضاربت مع موعد اللقاء، وقد تُرجم كتابه إلى العربية، ودرست فقرات طويلة من كتابه في جامع العثمان في دمشق، إنها رحلةٌ من الإلحاد إلى الإيمان.
لذلك سيدنا خالد حينما أسلم عاتبه النبي، كيف عاتبه ؟ قال: عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً، معنى ذلك أن كل الذي تفوق في فهمه، وفي إدراكه، وفي محاكمته، يجب أن يسلم، من هنا ورد في الأثر:
(( أن أرجحكم عقلاً، أشدكم لله حباً ))
( ورد في الأثر )
فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السادس و الثلاثون )
الموضوع : قصة الفيل مع ابرهة ين صباح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة المؤمنون، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية.
وصلنا إلى نهاية رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولكن أردت أن أوضح بعض الحوادث التي وردت في كتب السيرة الموسعة في مكة المكرمة قبل أن ننتقل إلى مرحلة المدينة.
قصة أبرهة والفيل: إسقاط على واقع المسلمين اليوم:
قصة تتصل بواقع المسلمين أشد الاتصال وهي قصة الفيل:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ *تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾
( سورة الفيل ).
المسلمون اليوم في أمسّ الحاجة إلى الدروس والعبرة التي يمكن أن تستنبط من هذه القصة، ذلك أن أخطر شيء في حياة الأمة أن تهزم من الداخل، أن تشعر بالإحباط أن يقول قائل: انتهى المسلمون، هذا أخطر شيء يصيب الأمة، لذلك هذه القصة لها دلالات ويستنبط منها عبر ودروس نحن في واقعنا الجديد في أمسّ الحاجة إلى هذه الدروس.
تفاصيل حادثة الفيل واستنباطاتها:
ذكر ابن إسحاق أن أبرهة بن الصباح، كان عاملاً للنجاشي ملك الحبشة على اليمن، العامل يقابله اليوم المحافظ، في بعض البلاد الوالي، في السودان الوالي، كان أبرهة بن الصباح عاملاً للنجاشي ملك الحبشة على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة، فبنى كنسية بصنعاء، وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة لم يبنَ مثلها، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب.
الاستنباط الأول: لا للانهزام من الداخل:
يمكن أن ينشأ صراع بين جهة وجهة، بين أمة وأمة، بين شعب وشعب، بين فئة وفئة، بين قوم وقوم، وفي قواعد للنصر أن الأقوى ينتصر، لكن حينما يكون الصراع بين الأرض والسماء، فالنتيجة محسومة سلفاً.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾
( سورة الأنفال الآية:36).
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 12).
أقول: هذه الآيات، وأخاف خوفاً شديداً أن يفهم منها أن نقعد عن العمل، أو أن نتوكل توكلاً ما أراده الله، أو أن نستسلم بمصير المجهول، لكن هذه الآيات من أجل ألا ننهزم من الداخل: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
( سورة آل عمران ).
فهذا أبرهة أراد أن يلغي الحج إلى مكة المكرمة، طبعاً دين إبراهيم له آثار، من آثار دين إبراهيم أن مكة المكرمة يقصدها العرب حجاجاً، سمع رجل من بني كنانة مقالة أبرهة فدخل الكنيسة ليلاً فلطخ قبلتها بالعذرة، يعني بالنجس، فلما علم أبرهة سأل: من الذي اجترأ على هذا ؟ قيل: رجل من أهل ذلك البيت من مكة، سمع بالذي قلت ففعل ما فعل، فحلف أبرهة ليسرن إلى الكعبة حتى يهدمها.
وقبل سنة أو سنتين طالعتنا الصحف أنه ينبغي أن تقصف مكة المكرمة في أثناء موسم الحج، انتقاما لما جرى في 11 من أيلول، وأن هذا الصحفي الذي اقترح هذا الاقتراح شُل نصفه، وهو في ريعان الشباب، كلمة حق أقولها لكم، لك أن تخاصم، وقد يكون الحق معك، وقد يكون الحق مع خصمك، إلا في حالة إذا فكرت أن تخاصم السماء، أن تخاصم رب الأرض والسماء، إذا فكرت أن تكون في خندق مضاد للدين فالنتيجة محسومة سلفاً.
شاهد يؤيد هذه الحقيقة:
الله في بعض آيات القرآن الكريم يخاطب زوجتي رسول الله عائشة وحفصة:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
( سورة التحريم ).
في الآية تساؤل كبير، يا رب، امرأتان ضعيفتان ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
أيعقل أن امرأتين انتقدتا النظام، فيحدث استنفار القوى الجوية، والبحرية، والبرية، هذا غير معقول ! ما معنى الآية ؟ معنى الآية: أنك أيها الإنسان إذا أردت أن تكون في خندق مضاد للحق فاعلم من هو الطرف الآخر، لذلك لا تقلقوا على هذا الدين، بل ينبغي أن نقلق جميعاً على أنفسنا ما إن سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً لهذا الدين.
عودة إلى تفاصيل غزو أبرهة للكعبة بفيله:
أقسم أبرهة ليهدمن الكعبة، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، فسأله أبرهة أن يبعث إليه بفيله، كان هناك فيل عظيم جداً عند النجاشي، وكان له فيل يقال له محمود، لم يُرَ مثله عظماً وجسماً وقوةً، فبعث به إليه، فخرج أبرهة سائراً إلى مكة، فسمعت العرب ذلك فأعظموه، ماذا أعظموه ؟ أعظموا أن يفكر أبرهة بهدم الكعبة، ورأوا جهاد أبرهة حقاً عليهم جميعاً، فخرج ملك من ملكوك اليمن يقال له ذو نفر، فهزمه أبرهة، وأخذه أسيراً، وكاد يقتله، فقال أيها الملك: استبقني خيراً لك، فاستبقاه وأوثقه، سار معه، وكان أبرهة كما تروي الروايات رجلاً حليماً، فسار حتى إذا دنا من بلاد خثعم سار باتجاه مكة، حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي، ومن اجتمع إليه من قبائل العرب، فقاتلوهم فهزمهم أبرهة، فأخذ نفيلاً، فقال له أيها الملك: إنني دليلك بأرض العرب، أنا دليلك، وهذه خيانة، ولي على قومي يد السمع والطاعة، يعني أمري نافذ في قومي، فاستبقني خير لك، فاستبقاه، وخرج معه يدله على الطريق، فلما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقال له أيها الملك: نحن عبيدك، أرأيت إلى النفاق ؟ أرأيت إلى الذل، وهذا ما يجري في العالم اليوم، نحن عبيدك، ونحن نبعث معك من يدلك، فبعثوا معه أبا رغال.
هذا الذي خان أمته، وهو مولاً له، حتى خرج إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وأسوأ شيء في حياة الإنسان أن يموت على معصية.
هناك مطعم في الشام تاب صاحبه عن بيع الخمر فيه، وذهب إلى الحج، وعاد فوجد أن الربح اليومي هبط هبوطاً مريعاً، فعاد إلى بيع الخمر، وبعد أربعة أيام وافته المنية.
أشقى الناس من يموت على معصية.
قال ابن إسحاق: وهو الذي يُرجم قبره، وأحياناً يرتكب الإنسان خيانة فيلعنه الله، وتلعنه الملائكة، ويلعنه الناس أجمعون، وبعث أبرهة رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مصفود على مقدمة خيله، وأمر بالغارة، الآن اقترب من مكة، بعث أبرهة رجل يقال له الأسود بن مصفود على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، على إبلهم ومواشيهم، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب 200 بعير، غزوة جادة، تصدى لها رجلان مع قومها، فانتصر أبرهة، وأخذ الملكين أسرى معه، ثم أمر هذا الذي جاء به من الحبشة أن يأخذ أموال أهل مكة، فأخذ لعبد المطلب200 ناقة، وكل أموال الحرم أصبحت بحوزة الأسود مصادرة لصالحه، ثم بعث أبرهة رجلاً من حميّر إلى أهل مكة، فقال: أبلغ شريفها أنني لم آتِ لقتال، بل جئت لأهدم البيت، مهمة محدودة، أنا جئت لأهدم البيت، فانطلق فقال هذا الرجل من حميّر هذه المقولة لعبد المطلب، قالها كما سمعها بالتمام والكمال ـ الآن دققوا ـ فقال عبد المطلب: سنخلي بينه وبين ما جاء له، ما هذا الكلام ؟ فإن هذا بيت الله، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وأن يخلي بينه وبين ذاك فو الله ما لنا به قوة، فإذا الله سمح للقوي فنحن ضعاف، وإذا أراد الله أن يحمي بيته فهذا شأن الله، هكذا قال، لكنه قال كلاماً صحيحاً يحتاج إلى دراية، فانطلق هذا الرسول إلى الملك فكان ذو نفر، الملك الأول الذي أسره كان صديقاً لعبد المطلب، فأتاه عبد المطلب، أتى صديقه ملك اليمن، قال: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل فينا ؟ يني عندك حل لمشكلتنا ؟ فقال: ما غناء رجل أسير ؟ لا يأمن يقتل بكرة أو عشية، أنا أسير، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، إنه لي صديق، فأسأله أن يعظم خطرك عند الملك، خطة، سائس الفيل مقرب من الملك، وهو صديق ذي نفر، قال له: سأجعل هذا السائس يعظم أمرك عند أبرهة، فأرسل إليه، فقال لأبرهة: إن هذا سيد قريش عبد المطلب، يستأذن عليك، يريد أن يقابلك، وقد جاء غير ناصب لك، ولا مخالف لأمرك، ليس عنده نوايا عدوانية، وأنا أحب أن تأذن له.
الاستنباط الثاني: الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان:
إخوانا الكرام، الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 189 ).
والمؤمن هو المؤمن، والمنافق هو المنافق، والكافر هو الكافر، والخائن هو الخائن، والأمين هو الأمين، والله عزوجل قدم لنا نماذج بشرية.
نقاط مهمة من ثنايا القصة: مثال عن حوادث قديمة في التاريخ الإسلامي:
هذه القصة قبل أن أتابعها أريد أن أقف عند نقاط مهمة فيها.
غزوة الخندق:
سبق في التاريخ الإسلامي أن جهات قوية أرادت أن تعتدي على المسلمين وأن تستأصلهم من شأفتهم، وأوضح قريش ومن لف لفها. في غزوة الخندق قال الله تعالى يصفهم:
﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
( سورة الأحزاب ).
ثم يقول: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
( سورة الأحزاب ).
المخرج من الشدة إلى النصر والفرَج: الإيمان بوعد الله بالنصر والتمكين:
لذلك أنت حينما تؤمن ـ دقق ـ أن الأمر بيد الله، وأن الناصر هو الله، وأن النصر من عند الله، وأن الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بالنصر، ووعدهم ألا يجعل لأعدائهم عليهم سبيلا، وقال:
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات ).
وقال: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم ).
وقال: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
( سورة النور الآية: 55).
وأن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ولكن دققوا في هذه الكلمة، ولكن إذا هان أمر الله علينا هنا على الله. ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء ).
فإذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل فمن تقصيرنا، ومن ضعف إيماننا، ومن خالفتنا للكتاب والسنة، والله سبحانه وتعالى:
﴿ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾
( سورة هود ).
إخوتنا الكرام، الله عزوجل يقول: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
( سورة إبراهيم ).
الله عزوجل يصف مكر الطرف الآخر بأن جبالاً تزول منه، للتقريب، لكن في الواقع لا تستطيع قوى الأرض مجتمعة من آدم إلى يوم القيامة أن ينقلوا جبل قاسيون إلى درعا، بل لن تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تلغي هذا الدين.
مرة زرت متحفاً في بلد إسلامي، وكان هذا البلد في عصر حديث علمانياً، وأراد أن الذي أنشأ هذا البلد أن يلغي الإسلام كلياً، وزرت متحفاً في ذلك البلد، دهشت للبذخ الذي فيه، قلعة الاستقبال مساحتها 2000 متر مربع، مزينة بخمسة طن من الذهب، وجدت ساعة ثابتة التاسعة وخمس دقائق، فسألت الدليل السياحي ماذا تعني هذه الساعة ؟ قال: سيد هذا القصر حينما مات مَات التاسعة وخمس دقائق، فأقفلت هذه الساعة تخليداً لوقت موته، ثم قلت هذه الكلمة: ألف طاغية في الأرض أرادوا إلغاء الإسلام ماتوا والإسلام باقٍ، وشامخ كالطود . ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران ).
أريد من هذا الدرس أن هذه القصة رجل قوي جداً، لم يدخل في حساباته رب العالمين إطلاقاً، أراد إلغاء الكعبة، وسار لهدمها، والعقبات التي وقفت أمامه سحقها، وتابع سيره إلى الكعبة، ورب العالمين الذي خذل أبرهة وحمى بيته من الهدم موجود، هو ربنا وهو معنا. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 ).
قصة سيدنا يونس عليه السلام نتيجتها قانون عام: وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين
إلههم إلهنا، وربهم ربنا، والسنن سنن، والقوانين قوانين، أنا أعطيكم حالتين في القرآن يصعب تصديقهما، سيدنا يونس إنسان نبي كريم، وجد نفسه في بطن حوت، كم احتمال النجاة ؟ يستطيع الإنسان أن يقف على قدميه في بطن الحوت، وزن الحوت خمسون طنا لحما، وخمسون طنا دهنا، وخمسون طنا عظما، وتسعون برميلا زيت سمك، رضعة وليده 300 كغ، 3 رضعات طن من الحليب كل يوم، إنسان يجد نفسه فجأة في بطن حوت أو في فم الحوت، دققوا:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 87 ).
في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة فم الحوت: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
دقق في القاعدة، كانت قصة فأصبحت قانوناً:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
في كل مكان، وفي كل زمان، في بلد متخلف، وفي بلد متقدم، وفي بلد فقير، وفي بلد غني قديماً، وحديثاً، ومستقبلاً:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
" ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي ما تريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ".
إخوتنا الكرام، أنت حينما تضع ثقتك بالله فلا يمكن أن يخيّب ظنك، لذلك أنا الآن أُحدث محاولة رفع معنويات المسلمين، وألا يصدقوا أعدائهم، والله سبحانه وتعالى لا يتخلى عنا.
من فصول قصة أبرهة مع هدم الكعبة: موقف عبد المطلب:
قال ابن إسحاق:
كان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً، جميل كان، وقطعة كبيرة، جسيماً وسيماً، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه، الآن في موقف دقيق، طبعاً أبرهة جالس على سرير، قال: وكره أن يجلس معه على سريره، لأنه زعيم الأعداء، صعب، وكره أن يجلس معه على سريره، وكره أن يجلس عبد المطلب تحته على الأرض، فهبط أبرهة إلى البساط وجلس عليه، ودعاه فجلس معه، كان أبرهة ذكيا، فطلب منه عبد المطلب ـ دقق الآن ـ إنسان قائد جيش، جاء ليهدم الكعبة، قبلة الناس وقتها، وعبد المطلب زعيم مكة التقى بأبرهة، فسأله أن يرد عليه 200 البعير التي أصابها من ماله، معقول ! قال أبرهة لترجمانه قل له: إنك كنت أعجبتني حينما رأيتك، جسيما وسيما، ولقد زهدت فيك الآن، قال: لمَ ؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك، ودين آباءك وشرفك وعصمتك لأهدمه فلم تكلمنِي فيه، بل كلمتني في 200 البعير.
لا أقول لكم: قلدوا هذا الإنسان، هذا تاريخ، هذا الذي قاله، لكنه قال: أنا رب الإبل، أنا صاحبها، وللبيت رب يحميه، لا تخافوا، أنا رب الإبل، أسأل عنها، وللبيت رب يحميه، وهذا الإسلام هو دين الله.
نور الدين الشهيد قبل معركة حاسمة سجد لله عزوجل، وقال: يا رب ـ دققوا ـ من الكلب نور الدين حتى تنصره ؟ انصر دينك يا رب، ما هذا التواضع ؟! من أنا حتى تنصره ؟ انصر ديتك.
وأي شاب، وأية شابة حينما تفكر أو يفكر أن يقدم الشاب أي شيء لهذا الدين يجري الله عزوجل على يديه الخير.
أنا أتمنى أن يحمل كل منكم هم هذا الدين، وأن يسعى لنشره ولتوضيح أسراره، والدفاع عن نبيه، فالله عزوجل ربنا جميعاً، وهذا الدين دينُه، وسينصره، ولكن:
﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
( سورة محمد ).
قال له: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمنعه مني، يقصد من ؟ الله، يعني الله عزوجل، وقال: الله، لا يمنعه مني، أنا سأهدمه، أحمق إنسان هو الذي يعاند الذات الإلهية، من أنت ؟ أنت لا شيء، أقل من رأس دبوس من الدم المتخثر في شريان بالدماغ يكون بأعلى منصب عند أعدائنا بثانية واحدة ينتهي، ولا يموت، الإنسان في قبضة الله، قال له: ما كان ليمنعه مني، وأنا أتمنى أن نستفيد من هذا التجربة تكلم لكن إياك أن تحكم على المستقبل، ما من إنسان يحكم على المستقبل إلا يصنف مع الأغبياء، غبي، ومن كان يظن أن هؤلاء الذين رفعوا شعار لا إله فقط، في العالم الشرقي وعندهم قنابل يمكن أن تدمر القارات الخمس خمس مرات، أن يصحبوا دولة متخلفة ؟ تداعت من الداخل من دون حرب، يوم كانت بعظمتها وأوجها، من كان يصدق أن ينهار المعسكر الشرقي على أتفه سبب.
إخواننا الكرام ـ دققوا في هذا المثل ـ في معامل الحديد رافعات مغناطيسية ، سطح حديدي كبير جداً محاط بوشيعة كهرباء، ينشأ مغناطيس، فهذه الرافعة توضع أمام كتلة كبيرة جداً من الحديد، ولتكن عشرين طنا فتحملها، وما من قوة أرضية تستطيع أن تنزع قطعة منها، أما الذي على هذه الرافعة لو ضغط على زر أقل من عشر الميلي، وفصل الكهرباء كل شيء يقع، أنا أضرب هذا المثل، إذا أراد الله عزوجل إنهاء جهة قوية تنتهي بلمح البصر.
(( أنا اللّه، ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم، ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم ))
[ رواه الطبراني عن كعب ]
قال له عبد المطلب: أنت وذاك، قال له أبرهة: ما كان ليمنعه مني، يعني لا يستطيع، قال له: أنت وذاك، فأمر أبرهة بإبل عبد المطلب فردت له، هذا الذي وقع، ثم خرج عبد المطلب، وأخرج جيشاً الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في شعاب مكة، ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفاً عليهم من معرة الجيش، ففعلوا، وأتى عبد المطلب البيت، فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:
يا رب لا أرجو لهم سواك يا رب فامنع منهم حماك
إن عدو البيت من عـاداك فامنعنهم أن يخربوا قراك
وقال:
اللهم إن المرء يحمي رحله وحلالــه فامنع حلالك
جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبــــوا عيالك
إن كنــت تاركهم وكعبتنا فأمر بـــــدا لـك
أنا لا أدعوكم من خلال هذه القصة أن تستسلموا. ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 105 ).
لكن أدعوكم ألا تيأسوا، أن ألا تحسوا بالإحباط، أدعوكم إلى أن تشعروا أن الله لا يتخلى عنا، الله عزوجل يقول: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
( سورة إبراهيم ).
كان رجل في بلد مجاور إذا نظر إلى إنسان مات من خوفه، يسأله القاضي ما اسمك الثلاثي ؟ وماذا تعمل ؟ وأين تسكن ؟ وقد كتب بعض الحجج على يديه، لأنهلا يملك ورقة، لذلك هذا الذي يعرف الله يعد للمليار قبل أن يعصيه. ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
( سورة البروج ).
ثم توجه ـ أي أبرهة ـ في بعض تلك الوجوه مع قومه وأصبح، توجه أبرهة إلى مكة، وأصبح أبرهة بالمغمس، قد تهيأ للدخول، وعبأ جيشه، وهيأ فيله، فأقبل نفيل إلى الفيل فأخذ بأذنه فقال: ابرك محمود، اسمُ الفيل محمود، هكذا تروي الروايات، فإنك في بلد الله الحرام.
مرة في بعض الأماكن ساقوا إنسانًا مخلصًا عالمًا، وأخذوا قرارًا أن يأكله كلب لم يأكل شيئاً من سبعة أيام، وُضعا معاً في مكان واحد، فالذي ألجم الكلب هو الله، لم يتقدم، ولم يفعل شيئاً.
إخواننا الكرام. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
إذا كنت في كل حــــال معي فعن حملي زادي أنا في غنى
فليتك تحلو والحــياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني و بينك عامر وبيني وبين العالمـين خراب
إذا كنت قريباً من الله كنت كما قال الله عزوجل: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 ).
إخواننا الكرام، قصة ثانية سريعة لتعزيز معنى: إذا كان الله معك فمن عليك ؟
قصة سيدنا موسى وإحاطة فرعون بجنوده له ولقومه: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ سيدنا موسى مع شرمذمة من بني إسرائيل، قلّة مضطهدة، بالتعبير المعاصر مواطن من الدرجة الخامسة، عليه كل شيء، وليس له شيء، هربت من فرعون باتجاه البحر، وفرعون وراءه بقوته، بجنوده، بحقده، بظلمه، ببطشه.
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 61 ).
احتمال النجاة صفر، أمامهم البحر، وفرعون وراءهم. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ﴾
( سورة الشعراء الآية: 61 ـ 62 ).
أحد إخواننا الكرام كان في العمرة، وثمة عالم جليل هناك يروي هذه القصة، فسأل الأخ، قال له: ماذا قال موسى لقومه لما: ﴿ قال َأصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
؟ قال له:
﴿ قَالَ كَلَّا ﴾
هكذا الآية، قال له ما قال له
﴿ كَلَّا ﴾
قال له:
﴿ كَلَّا ﴾
بالنبرة، مستحيل.
﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء ).
أرأيت إلى ثقة المؤمن بالله عزوجل ؟
﴿ كَلَّا ﴾
مستحيل، وألف ألف ألف مستحيل أن يتخلى الله عن المؤمن،
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
بروك الفيل وعدم توجهه إلى جهة القبلة:
هذا الفيل برك، بعثوه فأبى، لعله أفقه منهم، فوجهوه إلى اليمن فهرول، وجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، وجهوه إلى المشرق ففعل ذلك، صرفوه إلى الحرم فبرك، شيء مؤسف جداً أن تكون البهائم غير المكلفة أقرب إلى الله من هذا المخلوق المكرّم الذي هو الإنسان، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾
( سورة الإسراء ).
إذا كان الجماد يسبح الله، والنبات، والحيوان، والعجماوات، والإنسان غافل عن الله فأين كرامة الإنسان ؟
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل مـا قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لــعمري في المقـال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن الـــمحب لـمن يحب يطيع
أطع أمرنا نرفع لأجلك حـجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــا
ولذ بحمانا و احتمِ بجنــابـنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شـاغل و أخلص لنا تلق المسرة والهنــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـــا
من تتمة هذه الأبيات:
فوا خجلي منه إذا قــال: لـي أي عبدنا ما قرأت كتابنـــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جـرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجـعاً وتنظر ما به جاء وعدنـــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مــذهباً وما خالفوا في منهج الحب شرعنا
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عننا لـــغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خـطابنا خلعت عنا ثياب العجب و جئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنــــــا
تدخُّل العناية الربانية وهلاك أبرهة وجنده: فأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبَابِيلَ
وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، الآن تدخل الله، فأرسل الله طيراً من قبل البحر مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجرين في رجليه، وحجراً في منقاره، فلما غشيت القوم لما وصلت إليهم وطارت فوقهم، أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلا هلك.
﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ﴾
( سورة الفيل ).
والطير الأبابيل من ضعاف الطير. ﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾
( سورة الفيل ).
أيْ سجّل على حجر اسم الذي ستميته. ﴿ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾
( سورة الفيل ).
وليس كل القوم أصابت، فخرج البقية هاربين يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعل هذا الداء، أو سبب هذا الداء تساقط أنامله حتى انتهى إلى صنعاء وهو مثل الفرخ.
والله مرة جاءتني رسالة بالبريد الإلكتروني، فيها صورة فرعون الذي هو فرعون موسى، والذي أخذ إلى باريس لترميم يديه، وقد أصابهما بعض الفطور، شهد الله تأثرت لهذه الصورة تأثراً لا حدود له، صرت أقول هذا الذي قال: ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
( سورة النازعات ) .
هذا الذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية: 38 ).
كم هو أحمق هذا الإنسان إذا تكبر، لذلك ناجى أحد المؤمنين رب العالمين فقال: يا رب، إذا كانت رحمتك بمن قال:
﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾
كيف ؟
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
( سورة طه ).
قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾
فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى ؟ وإذا كانت رحمتك بمن قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله ؟.
وبعث الله على أبرهة داء في جسده فتساقطت أنامله حتى انتهى إلى صنعاء، وهو مثل الفرخ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك.
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
( سورة الغاشية ).
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السابع و الثلاثون )
الموضوع :حلف الفضول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وموضوع اليوم كما ذكرت في درس سابق أننا وصلنا في تسلسل الأحداث إلى نهاية طريق الهجرة، ولكنني أردت أن أقف وقفات متأنية عند أحداث شهيرة حدثت قبل الهجرة، تحدثت عن انشقاق القمر، وسأتحدث اليوم عن موضوع حلف الفضول. دلالات حلف الفضول:
الحقيقة هناك دلالات كبيرة جداً لهذا الحلف الذي حضره النبي r قبل البعثة، وباركه بعد البعثة، مع أن الذين أقاموا هذا الحلف ليسوا على ما ينبغي أن يكونوا عليه، ولكن الخير يجب أن ندعمه أينما كان، أما التقوقع، والقطيعة، وإلغاء الطرف الآخر، والانزواء على الذات فهذا ليس من منهج النبي عليه الصلاة والسلام.
تفاصيل حلف الفضول:
روى ابن إسحاق قال: تداعت قبائل من قريش هم بنو هاشم، وبنو المطلب وبنو عبد العزة، وبنو زهرة، وتيم، تداعوا إلى حلف.
الإنسان بين الفطرة والصبغة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/01.jpg
أيها الإخوة، قبل أن أتابع، في الأصل الإنسان فطره الله U فطرة سليمة في الأصل، هذا هو الأصل، لذلك قال تعالى:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
( سورة الروم الآية: 30 )
أي إنسان على وجه الأرض كائن من كان فُطر على حب الخير، على حب المعروف، على حب العدل، على حب الرحمة، الفطرة تعني أن تحب الكمال، ولا تعني أن تكون كاملاً، لكن الصبغة تعني أنه بعد اتصالك بالله، وبعد اشتقاق الكمالات منه أصبحت رحيماً
لذلك عندنا موضوعان: موضوع الفطرة، وموضوع الصبغة.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾
، هذا موضوع الفطرة، فأيّ إنسان كائنًا من كان يحب أن يكون مؤمناً، يحب أن يكون مستقيماً، يحب أن يكون عفيفاً، يحب أن يكون صادقاً، يحب أن يكون محسناً، هذه حقيقة
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/02.jpg
لذلك لأن الإنسان مفطور فطرة كاملة تعذبه نفسه إذا أخطأ، وهذا تفسير الكآبة التي يقع بها من انحرف عن منهج الله عزوجل، ولولا هذه الفطرة السليمة التي فُطر الناس عليها لما شعر أحد الناس بألم حينما يخطئ، أي إنسان كائنًا من كان إذا خرج عن منهج الله، أو عن مبادئ فطرته يتألم أشد الألم.
ثمة فندق في ألمانيا كتب على السرير في الغرف: " إن قلقتَ في هذه الليلة فلم تنم فالسبب ليس في فرشنا، إنها وثيرة، ولكن في ذنوبك ".
مرة حدثني أخ كريم عن حادث سير وقع في لبنان، لإنسان كان يقود مركبته بسرعة، فدهس غلاماً صغيراً ذهب ليشتري حاجته لأبيه بعد الثانية ليلاً من بقالية تفتح طوال الليل، السائق تابع سيره، وكُتب الضبط ضد مجهول، وبقي السائق الذي ارتكب هذا الحادث عشرين يوماً لم يذق طعم النوم، مع أن أحداً لم يسأله، فذهب إلى طبيب نفسي فنصحه أن يؤدي دية القتل بشكل غير مباشر لأسرة الغلام من أجل أن ينام.
أنا أؤكد لكم: ما من واحد منا كائناً من كان، بأي مستوى ثقافي، بأي مستوى في الإيمان، يرتكب خطأ نهى عنه الرحمن، وأنكرته فطرة الإنسان إلا ويتألم، قال تعالى:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾
( سورة الشمس )
أي ألهمها حينما تفجر أنها فجرت، وألهمها حينما تتقي أنها اتقت، هذه خصيصة بالإنسان ـ أيها الإخوة ـ هي سبب احتمال العودة إلى الله من شدة الألم الذي لا يحتمل، لذلك:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾
يؤكد هذا المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما يأتيه إنسان في الجاهلية يعلن إسلامه يقول له:
(( أسلمتَ على ما أسلفتَ مِن خير ))
[ متفق عليه ]
أو يقول له:
(( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]
وهذا تشير إليه الآية الكريمة:
﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾
( سورة الأعراف الآية: 196 )
الصالح في علاقاته قبل أن يلتزم هذا الإنسان يتولاه الله بالرعاية والعناية، إذًا البشر من طبيعة واحدة.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
( سورة الأعراف الآية: 189 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/03.jpg
من خصائص واحدة، من مشاعر واحدة، وما مِن إنسان إلا وفيه جانب خير، وهذا الجانب الخيّر يتولاه الله بالرعاية، لذلك إذا كنت مؤمناً ورأيت إنساناً يرتكب بعض المعاصي والآثام من أجل أن تعينه على نفسه، انظر إلى جوانبه الإنسانية، وحاول أن تنميها.
سيدنا عمر رضي الله عنه له صديق مدمن خمر في الشام، أرسل له رسالة يحثه فيها على التوبة، ذكر له الآية:
﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾
( سورة غافر الآية:2 )
وكانت رسالة رقيقة جداً، قرأها وبكى، حتى حمله بكاؤه على التوبة، فلما بلغ عمر رضي الله عنه أن هذا الصديق الذي سقط، وعصى، ثم تاب ورجع، قال: << هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضل، كونوا له عوناً له على الشيطان، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه >>.
إذاً: إنّ كل إنسان ينطوي على فطرة سليمة، في علاقاتك كلها، وفي تربية من حولك، ومع أولادك، حتى ومع خصومك.
عودة إلى تفاصيل حلف الفضول:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/04.jpg
قال ابن إسحاق: هذه القبائل تداعت إلى حلف، والإنسان قهره الله على أن يعيش مع أخيه الإنسان، لماذا ؟ أي واحد منا يتقن صنعة واحدة، وهو يحتاج إلى مئة ألف صنعة أخرى يحتاج إلى ثياب، والثياب تحتاج إلى قماش، يحتاج إلى من يخيط القماش، يحتاج إلى مئة آلة وآلة تستخدم في الخياطة، ولكل آلة مصنع، ولكل مصنع عمال، يحتاج إلى الطعام والشراب، رغيف الخبز الذي تأكله ساهم فيه آلاف الأشخاص، بدءاً من زراعة القمح، إلى سقي القمح، إلى تسميد القمح، إلى حصاد القمح، إلى دراسة القمح، إلى تنظيف القمح بالماء، إلى تجفيف القمح، إلى طحن القمح، إلى خبز القمح، إلى أن يكون رغيفاً، إلى أن من يوصله إلى بيتك، الإنسان قُهر إلى أن يكون في المجتمع، لذلك العبادات الجماعية في الإسلام كثيرة جداً، وإنّ أجر الذي يصلي في جماعة يعدل 27 ضعفاً عن من يصلي وحده، الصيام عبادة جماعية، الحج عبادة جماعية، الخطاب جماعي.
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾
( سورة الفاتحة )
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
( سورة المطففين )
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
( سورة آل عمران الآية: 133 )
أما الأدلة من السنة:
(( يدُ اللهِ مع الجماعة ))
[ رواه إبراهيمُ بنُ ميمون عن ابن عباس ]
(( ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار ))
[ رواه الترمذي عن ابن عمر ]
(( عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنّ الشّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ))
[رَوَاهُ ابنُ المُبَارَكِ عن محمدِ بنِ سُوقَةَ ]
من ملامح حلف الفضول:
الملمح الأول: الانفتاح على الناس وعدم التقوقع:
أنا رأيت في حلف الفضول ملمحاً خطيراً جداً المسلمون في أمسّ الحاجة إليه، هذا التقوقع، هذا الانكفاء على الذات، تكفير الآخرين، ازدراء الآخرين، إلغاء وجود الآخرين، الاعتداد أننا أمة مثلا.
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
هذا صحيح وغير صحيح، صحيح إذا أمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، وآمنا بالله، وغير صحيح إذا تفلتنا من منهج الله، لأن الآية التي خُوطب بها أهل الكتاب تنطق علينا أشد الانطباق:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/05.jpg
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
الله عزوجل لكل المسلمين، على اختلاف شرائحهم، على اختلاف أطيافهم، ودائماً وأبداً، لما اُسأل عن زواج إنسان أقول إن صحت عقيدته، واستقامت سيرته، فهو مؤمن ورب الكعبة.
إذاً: نريد أن نستنبط من هذا الموضوع من ـ حلف الفضول ـ الانفتاح، الحوار مع الآخر، أن نقبل الآخر، ولو لم يكن كما نريد، أتريدون دليلاً قطعياً قرآنياً ؟ قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾
( سورة الروم )
من هم الروم ؟ أهل الكتاب.
﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/06.jpg
﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾
( سورة الروم )
من هم المؤمنون الذين سوف يفرحون بنصر الله ؟ الصحابة الكرام، من الذين انتصروا ؟ أهل الكتاب، إذا هناك قواسم مشتركة، هذه دعت الصحابة الكرام إلى أن يفرحوا بانتصار أهل الكتاب، مع أن لهم عقائد نحن لا نوافقهم عليها إطلاقاً، انتصروا على الفُرس الذين هم عَبَدة النار، إذاً هناك نسبية، قال الله عزوجل:
﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 167 )
هناك لون رمادي، ونقطة بين نقطتين، هناك نسبية، هناك أناس يرفضون النسبية إطلاقاً، يرفضون نقطة بين نقطتين، يرفضون لونًا رماديًا أبيض أو أسود، هذا الذي سبّب لنا أن يكون العالم كله معادياً لنا.
الملمح الثاني: التعايش مع الطرف الآخر:
وجدت في حلف الفضول ملمحاً رائعاً يحتاجه المسلمون اليوم كي يتعايشوا مع الطرف الآخر، ألم يسمح الله للمسلمين أن يقبلوا من أهل الكتاب الجزية، وأن يحموا دمائهم وأعراضهم، وأموالهم مقابل هذه الجزية، إذاً في تعايش، وقد قال الله عزوجل:
﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾
( سورة التوبة الآية: 7 )
وقد قال الله عزوجل:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 8 )
هؤلاء القبائل الذين تداعوا إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان لشرفه، ولسنه، فكان حلفهم عنده، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
إخواننا الكرام.
(( الظلم ظلمات يوم القيامة ))
[ رواه أحمد في مسنده والطبراني، والبيهقي، عن ابن عمر ]
الملمح الثالث: نصرة الضعيف والمظلوم:
واللهِ العظيم، لو أن أمة مسلمة ظلمت تنهزم، ويقوى عليها مجتمع كافر أقام العدل بين أفراد رعيته، هذا الكلام قال بعض علماء المسلمين: " إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة ".
أنا أريد أن تتنبهوا إلى أن الموقف العنيف، الموقف الأحادي، اللون الأبيض فقط، إلغاء الطرف الآخر، تكفيره دائماً، هذا ليس من حكم النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الذين عقدوا الحلف كان النبي عليه الصلاة والسلام بينهم، وكانوا جميعاً يعبدون أوثاناً، هذا قبل البعثة، و قال بعد البعثة: لو دعيت إلى حلف آخر لحضرت، ماذا يعني ذلك ؟ أنه يلتقي مع الطرف الآخر، وأنه يمكن أن يقيم جسور، يمكن أن يتعاون، المؤمن منفتح، وليس منغلقاً.
إذاً: تعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم، ممن دخلها، من سائر الناس إلا قاموا معه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/07.jpg
إخواننا الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام ودققوا في هذا الحديث، ولعل في هذا الحديث حلاً لمشكلات المسلمين:
(( إنما تنصرون بضعفائكم ))
[ رواه أحمد والنسائي عن أبي الدرداء]
كيف (( إنما تنصرون ـ بالصاد ـ بضعفائكم ))
لأن هذا ضعيف، بإمكاني أن أهمله، بإمكاني أن أسكته، بإمكاني أن أسحقه، بإمكاني أن أدمره، ضعيف لا يستطيع أن يتكلم، لا يملك قوة، ولا مالاً ، ولا قنوات سالكة مع الأقوياء، حينما أطعمه إن كان جائعاً، وأكسوه إن كان عارياً، وأعلمه إن كان جاهلاً، وأؤويه إن كان مشرداً وأنصفه إن كان مظلوماً، ما الذي يحصل ؟ الله عزوجل شكور، هو ضعيف أمامي، بإمكاني ألا أساعده، ولا يستطيع أن يقول كلمة، يكافئني الله عزوجل على هذا العمل بمكافئة من جنس عملي، فينصرني على من هو أقوى مني، إن أردنا أن ننتصر على قوة عاتية باغية طاغية، متعجرفة، قوية جداً، تملك أسلحة فتاكة جداً، إن أردنا أن ننتصر عليها فلننصر ضعفاءنا، هذا الملمح توحيدي.
لكن هناك ملمح تكتيكي، الأمة حينما تنصر ضعفائها يتماسك المجتمع، ويصبح صفاً واحداً، كالبنيان المرصوص، ولا يستطيع عدو خارجي أن يخترقه، ولا شيء يقوي الأمة كتماسكها، ولا شيء يعين على تماسكها كأن تنصر ضعفاءها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/08.jpg
إذاً: هؤلاء القبائل تعاقدوا، وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلفَ الفضول.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يزيد أنه سمع طلحة بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم: ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ))
هكذا كان عليه الصلاة والسلام، حينما أكرم النجاشي أصحاب رسول الله إكراماً شديداً، وأمنهم وحمامهم، وأحسنتم وفادتهم واستقبالهم، لما توفي النجاشي ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ صلى عليه صلاة الغائب، هل أقام النجاشي الإسلام في مملكته ؟ لا، حمى أصحاب النبي، هل أقام الإسلام في كل أرجاء مملكته ؟ لا، ومع ذلك يعده بعض أصحاب السيرة من أصحاب النبي، أو من التابعين الذين لم يروا النبي، وصلى عليه، أرأيت إلى هذا الاعتدال ؟ أرأيت إلى هذه المرونة ؟ أرأيت إلى هذه العلاقات الإنسانية ؟ هكذا ينبغي أن يكون المسلمون، العرب في جاهليتهم، قال الله عزوجل:
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
( سورة الأحزاب الآية: 33 )
الملمح الرابع: مكارم الأخلاق عند عرب الجاهلية الأولى:
فكانت هذه الآية الأولى إشارة إلى هناك جاهلية ثانية أدهى وأمر، في الجاهلية الأولى يقول عنترة:
أغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
قبل الإسلام، قبل قوله تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
( سورة النور الآية: 30 )
يقول عنترة:
أغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/09.jpg
في الصحراء قيم الشجاعة، قيم الكرم، حاتم طي ذبح فرسه الوحيدة إكراماً لضيفه، قيم رائعة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنما بعثت معلما ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[ رواه مالك عن أبي هريرة وغيره ]
معنى ذلك أن هناك مكارم أخلاق، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام ليتممها ، فالعرب في جاهليتهم، وقبل دخولهم في الإسلام كانوا أهل نخوة، وشهامة، وعزة، وكرامة لا يصلون على الضيم، ولا يقيمون على الظلم، يعظمون الحرمات، ويحافظون على المقدسات، ويجتمعون لرد المظالم على أصحابها، زعمائهم عقلاء، ولا مكان بينهم للسفهاء كما قال الله عزوجل:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾
( سورة النور الآية: 55 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/10.jpg
وعدهم بالاستخلاف، وبالتمكين، بالتطمين، وهم ليسوا مستخلفين، ولا ممكنين ولا آمنين، لماذا ؟ لأنه:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾
( سورة مريم )
أحياناً أمة النبي عليه الصلاة والسلام في حالات ضعفها وذوبانها بالحضارة الغربية، وانبهارها بها، وتفلتها من منهج الله، وباختراقها من قبل أعدائها، أصبحوا إذا اجتمع الناس فيما بينهم يجتمعون كالقطعان على الطعام والشراب، ويتحاورون كالطرشان، ويخطبون بألسنة الغربيين، يمشي أحدهم كالسكران، ويجلس كالوسنان، ويتكلم كالشيطان، هذه الجاهلية الثانية:
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
الثانية أدهى وأمر.
أيها الإخوة، قضية حلف الفضول قال عنه ابن هشام رحمه الله تعالى: " حلف عقدته قريش بينها على نصرة مظلوم بمكة، قال: ويسمى حلف الفضول ولم يذكر سبب تسميته، قال عليه الصلاة والسلام مرة ثانية:
(( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ))
الملمح الخامس: المبادرة إلى الأعمال النافعة مهما كان صغيرة:
قال الله عزوجل:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
( سورة المائدة الآية: 2 )
التعاون على البر والتقوى تنفيذ لأمر إلهي، قالوا: البر صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة. أنا كنت قبل قليل أحضر محاضرة في جمعية مكافحة التدخين والمواد الضارة قال وأنا أحد مؤسسي هذه الجمعية، عرض علينا طبيب متخصص بأورام الحنجرة صوراً لأورام خبيثة في اللثة، وفي سقف الحلق، وفي مقدمة الفم، وفي نيرة الأسنان، صور مخيفة، وانتهت إلى استئصال الفك بأكمله، صدقوا أيها الإخوة، لا تستطيع أن تتابع هذه الصور، قال الله عزوجل:
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 157 )
فإذا كنت إنساناً ناشطاً في عمل خيري، وقد يكون محدوداً، مكافحة التدخين هذه جمعية، جمعية الإعفاف لتزويج الشباب، صندوق العافية لمعالجة المرضى، الفضل لله عزوجل، فُتحت أبواب لتأسيس جمعيات تقدم خدمات للأمة، فأنت إذا كنت إيجابياً، ولم تكن سلبياً إذا كنت معطاء، ولم تكن مقتاراً، إذا كنت اجتماعياً، ولم تكن متقوقعاً، هل هذا يخالف منهج الله عزوجل ؟ أبداً، كن منفتحاً.
الملمح السادس: القوة والنخبة مطلوبة في الإسلام:
إخواننا الكرام، الطرف الآخر كيف يتعامل مع الإسلام ؟ الطرف الآخر ـ لن لتأبيد النفي ـ لم يقرأ كتاباً عن الإسلام، لماذا ؟ لأن المسلمين حجبوا عن الطرف الآخر دينهم، كيف ؟ أنت إذا رأيت إنسانا قذرا، يتسول، قميئا، منحرفا، له دين معين، دين غير سماوي، هل يخطر في بالك مرة واحدة أن تشتري كتاباً يتحدث عن دينه ؟ أبداً، لأن هذا المنظر، وهذا التخلف، وتلك القذارة، وهذا الانحراف حجبك عن أن تقرأ دينه، أما حينما ترى إنسانا نظيفا، منضبطا، معطاء، خير، أخلاقي، دون أن تشعر تسأل في أي جامع يحضر ؟ من علمه هذا ؟ من أمده بهذه الأخلاق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/11.jpg
أنا أذكر مرة أن طالباً عندنا في الجامع التحق بالمسجد في معهد التحفيظ، وكان في شهادة عامة، أعتقد في المتوسطة، وكان أبوه ينهاه عن الانضمام للمسجد نهياً لا حدود له، كان يعنفه، وكان يزجره، وأحياناً يضربه، فإذا بهذا الشاب نجح بتفوق على دمشق بأكملها، فأمره أبوه أن يأخذ معه أخاه إلى المسجد.
والله أقول لكم كلمة الآن، وأرجوكم ألا تطالبوني بالدليل، هذه قناعتي من دون دليل: لن يحترم ديننا إلا إذا تفوقنا في دنيانا، النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة، قال:
(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))
[ رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ]
فلما أسلم حمزة، وهو من وجهاء قريش، توقف إيذاء قريش للمسلمين، ولما أسلم عمر صلى المسلمون في الكعبة، لذلك أنا أحب النخبة، أما الضعاف فعلى العين والرأس، لعلنا نرزق بهم، لكن الذين يحدثون انعطافات كبيرة جداً في المجتمع هم النخبة، فكما أننا بحاجة إلى عدد كبير من المؤمنين الصادقين الطاهرين فنحن بحاجة أمس إلى نخبة متميزة تتمتع بكفاءات عالية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/12.jpg
قد تكون قوياً في علمك، وقد تكون قوياً في مالك، وقد تكون قوياً في منصبك، وكنت أقول دائماً: يجب أن تكون قوياً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على المؤمن القوي، لماذا ؟ لأن الخيارات المتاحة للأعمال الصالحة للقوي ليست متاحة لغيره، فالقوي يمكن أن يؤسس ميتما يأوي به الأيتام، يمكن أن يؤسس معهدا، يمكن أن يؤسس مستشفى، يمكن أن يزوج الشباب، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))
[ متفق عليه ]
هذه قوة المال، قوة المنصب، القوي في منصبه يحق حقاً ويبطل باطلاً، يقر معروفاً، ويزيل منكراً، أليس كذلك ؟ توقيع واحد، ممنوع الإعلان عن التدخين في كل بلادنا، توقيع ثانٍ، ممنوع تعاطي الدخان في كل وسائل المواصلات، البرية والبحرية والجوية، بتوقيع واحد يمكن أن تقر معروفاً، وأن تنكر منكراً، لذلك القوة مطلوبة، والعلم مطلوب، والمال مطلوب، لأن الأقوياء متاح لهم من الأعمال الصالحة ما لم يتح لغيرهم.
سؤال: ما دام النبي قد أثنى على الأقوياء إذاً أنت ينبغي أن تكون قوياً، ولكن لا بد من تفصيل:
إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله فيجب أن تكون قوياً، أما إذا كان سالكاً على حساب دينك فضعفك وسام شرف لك، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون غنياً، أما إذا كان على حساب دينك، بضاعة محرمة، وكذب، وربا، وغش واحتيال، فلا، كن فقيراً فالفقر وسام شرف لك.
الملمح السابع: لا بد من شباب طموح:
أنا أعطيكم أيها الإخوة الخيارات، أنا أتألم أشد الألم من شاب في مقتبل حياته ليس طموحاً ؟ لمَ لا تكون عظيماً ؟ لمَ لا تكون شيئاً مذكوراً ؟
مرةً سألت طلاباً لي في التعليم الرسمي، من يذكر اسم غني كبير عاش في دمشق عام 1893 ؟ وانتظرت، دقيقة، دقيقتين، ثلاث دقائق، أربع دقائق، خمس دقائق، أنا صامت ما أحد ذكر، فقلت لهم: وأنا مثلكم لا أعرف، لكن من منا ينسى صلاح الدين الأيوبي الذي رد الفرنجة ؟ من منا ينسى عمر بن الخطاب ؟ ابن الوليد ؟ الصديق ؟ هؤلاء الأعلام، لذلك قال سيدنا علي:
"يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني مات خزان المال وهم أحياء ـ هو حي ميت ـ والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/13.jpg
كم مرة يُذكر أبو حنيفة ؟ يمكن مليون مرة باليوم، الشافعي، ابن حنبل، مالك، هؤلاء الأعلام لأنهم قدموا شيئاً، أنا أتكلم مع الشباب الآن، لمَ لا تفكر أن تقدم شيئاً ؟ قدم شيئاً لأمتك، والله أنا أعمل في التدريس الجامعي، والله يأتي إلى سمعي طموحات من شباب أكبرهم، وأتمنى أن يكون هذا معمماً على كل الشباب، لمَ لا تكن عالماً كبيراً ؟ عالم ذرة كبير ؟ قال تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60)
ملمح بالآية دقيق جداً، السلاح القوي قد لا تستخدمه، لكنه يجعلك مرغوب الجانب، لا يفكر أحد أن يتطاول عليك، ولا أن يدنسك مصحفك، ولا أن يتهجم على نبيك، أليس كذلك ؟ لذلك ادرسوا، تعلموا، نالوا شهادات عالية، فكروا بتقديم شيء لأمتكم، حلوا مشكلات أمتكم، مشكلات البطالة، والسكن، والتعليم، عندنا مشكلات لا تعد ولا تحصى، شأن أكثر الدول النامية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/14.jpg
لذلك الأمة بشبابها، الكبار في السن هؤلاء يمثلون الماضي، نحترمهم ونجلهم، ولكنهم خُلقوا في زمن غير زمننا، وحديثهم عن أمجادهم السابقة، والذين يمثلون الحاضر، ليس بيدهم شيء، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، نحن عبيد إحسان، لا عبيد امتحان، الله يدبرنا أحسن تدبير، ما لنا إلا الله، كله شغل سيدك، أما الشباب فيمثلون المستقبل، ولم يبقَ في أيدي الأمة من ورقة رابحة إلا الشباب، عليهم المعول، أما حينما توازن بين شاب في عهد النبي سلمه النبي قيادة الجيش، عمره 18 عاماً، ركب الناقة والصديق يمشي في ركابه، شيخ الإسلام، قال: يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن، قال له: والله لا ركبت ولا نزلت، وما علي أن تغبر قدمايا ساعة في سبيل الله.
سيدنا الصديق أراد أن يبقي عمر إلى جانبه، عمر جندي في هذا الجيش، وله قائد، أسامة 18 عاماً، قال له: يا أسامة، أتأذن لي بعمر ؟ أرأيت إلى النظام والتسلسل ؟ هذه الحضارة من أين جاؤوا بها ؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/15.jpg
أيها الإخوة، أجري استبيان لدى الشباب، النتيجة مؤسفة جداً، أن 3 % من هؤلاء الشباب يعرفون أهدافهم، والباقون بلا أهداف.
الآن سندويشة، وببسي وعلى الملعب، أول حفنة طحين، أو تمرات، والسيف وعلى الجهاد.
الإسلام أيها الإخوة إذا أضفنا عليه تقاتلنا وتناحرنا، وكان بأسنا بيننا، وإذا حذفنا منه ضعفنا، لا تنسوا هذه القاعدة، تضيف عليه نتناحر، نصبح فرقاً ومذاهب وشيعا وأحزابا، وطوائف، وكلٌ يكفر الآخر، وبأسنا بيننا.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 159 )
أيها الإخوة، إذاً ينبغي أن يكون الإنسان ذا شأن، يكفي أن يكون ذا اختصاص
أن يقدم لأمته شيئاً ثميناً.
(( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ))
تحالفوا على أن ترد الفضول إلى أهلها، وألا يعزى ظالم مظلوماً، فقد بين في هذا الحديث الشريف لمَ سمي حلف الفضول، وكان حلف الفضول بعد حرب الفجار، الحروب تأكل الأخضر واليابس، ولا تبقي على شيء، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة، قبل المبعث بعشرين سنة كان عليه الصلاة والسلام في سن العشرين شابًا، وكان حلف الفضول أكرم حلف، وأشرف حلف كان في العرب، جاء بعد حرب طاحنة، والعرب في الجاهلية يدخلون في حروب طاحنة تستمر عشر سنوات لأسباب تافهة جداً، مد أحدهم رجله، وقال: من كان أشرف مني فليقطعها، فقطعها أحدهم ، فنشبت حرب عشر سنوات.
سبب حلف الفضول:
وكان أول من تكلم بهذا الحلف ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشترها منه العاصي بن وائل، وكان ذا قدر بمكة وشرف، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف، عبد الدار، ومخزوم، وجمح وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاصي بن وائل، بل انتهروه، فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فصاح بأعلى صوته: يا آل فهر،
لمظلوم بضاعته ببطن مكة ناء الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقضِ عمرته
يا الرجال وبين الحِجر و الحَجـــــر إن الــحرام لمن تمت كرامته
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/16.jpg
ولا حرام بثوب الفاجر الغدرِ.
وكانت هذه بداية حلف الفضول، فاجتمعت هذه القبائل، وقال الزبير بن عبد المطلب: مالي هذا مترك، يعني هذا ظلم، إنسان يبيع بضاعته، ولا يأخذ ثمنها، كم من إنسان أُكل ماله في المجتمعات الإسلامية، فصنع لهم ابن جدعان طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياماً، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونوا يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه، وعلى التأسي في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالوا: لو دخل هؤلاء في فضل من الأمر، ثم مشوا إلى العاصي بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه، وعندئذٍ سمي هذا الحلف حلف الفضول.
كن إنسانا مؤمنا، إيجابيا، اسعَ إلى حل مشكلات مجتمعك، لا تكن متقوقعاً، لا تكن متشدداً، لا تبتعد عمن حولك، ما من إنسان إلا وعنده شيء من الخير.
المغزى من سرد تفاصيل حلف الفضول:
أردت من هذا الحلف أن يكون منهجاً لنا، وقد حضره النبي في سن العشرين وإذا ظننت أنه يرفضه حينما أتته الرسالة، قال بعكس ذلك:
((لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ))
إذاً لا تكن متقوقعاً، كن منفتحاً، وساهم في حل مشكلات أمتك، وأرِ الطرف الآخر أن المسلم إيجابي، وخير، ويحب حل مشكلات أمته، ويحب أن يقدم لها شيئاً، لا تكن في برجا عاجيا، وتقل: هؤلاء ليس فيهم خير، وأنا لست منهم، لا.
لما ضُرب النبي في الطائف قال:
(( اللهم اهدِ قومي ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2842/17.jpg
ما تبرأ منهم، قال: (( اللهم اهدِ قومي ))
وما قال اللهم اهد هؤلاء.
أحيانا يسلك الإنسان طريق الإيمان قليلاً فينسحب من المجتمع، ويحتقر المجتمع ، ويستعلي عليه، أهذه أخلاق الأنبياء ؟ هل الأنبياء عاشوا في برج عاجي أخلاقي أم يعيشوا في برج عاجي فكري، وُصِفوا في القرآن:
﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
( سورة الفرقان الآية: 20 )
كانوا مع الناس، هذا الحلف فيه ملامح كثيرة المسلمون اليوم في أمسّ الحاجة إليه، فالطرف الآخر كي يتعرف إلى الإسلام لا بد من أن يراك إيجابياً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 03:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثامن و الثلاثون )
الموضوع :مقاطعة النبى صلى الله علية وسلم من قبل قريش
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/01.jpg
وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد بينت لكم في درس سابق أننا من حيث توالي الأحداث وصلنا إلى قرب المدينة المنورة، ولكن وجدت أن هناك موضوعات كبرى في السيرة مررنا عليها مرور الكرام تتصل بواقعنا أشد الاتصال ، لذلك سأقف عندها وقفات متأنية كي نستنبط من السيرة العظات والعبر.المقاطعة أسلوب من أساليب أهل البغي والعدوان:
اليوم الموضوع حول المقاطعة التي قاطع بها كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سنوات ثلاثًا، حتى اضطروهم إلى أن يأكلوا أوراق الشجر، ليست المقاطعة إذاً شيئاً جديداً، إنها أسلوب من أساليب أهل البغي والعدوان، لأن ملة الكفر واحدة، المؤمن هو المؤمن في كل زمان ومكان، والكافر هو الكافر في كل زمان ومكان.
الظروف التي سبقت المقاطعة:
أيها الإخوة، لا بد من إعطاء صورة مسبقة عن الظروف التي سبقت المقاطعة:
قريش أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من وجهائها ليعرضوا عليه كما تعلمون أجمل امرأة ليتزوجها، أو أن يكون زعيماً لهم، لا يقطعون أمراً دونه، أو ليكون أغناهم مالاً وقال قولته الشهيرة، قال هذا لعمه:
(( لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))
ومن الذي قاله لهم:
(( ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم ـ هذا رده ـ ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابه، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليّ أصبروا لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ))
[ السيرة النبوية ]
استنباطات من هذه المواقف:
خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت:
إخوتنا الكرام، أخطر استنباط من هذا الموقف المشرف للنبي عليه الصلاة والسلام أنك أيها الإنسان مخير مع ملايين الموضوعات خيار قبول أو رفض، لكنك مع الإيمان مخير خيار وقت فقط http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/02.jpg
فإما أن تؤمن في الوقت المناسب، وتنتفع بإيمانك، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان ولا ينفعك هذا الإيمان شيئاً، كإيمان فرعون حينما أدركه الغرق قال:
﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
( سورة يونس الآية: 90 )
فكان رد الله عليه:
﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾
( سورة يونس الآية: 90 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/03.jpg
لذلك قال الله عزوجل
﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾
( سورة الأنعام الآية: 158 )
أقول لكم أيها الإخوة، ما من إنسان على وجه الأرض في القارات الخمس من أيّ ملة، ونِحلة، ودين أرضي، أو سماوي، من أية طائفة، من أي مذهب، عند الموت تنكشف له الحقيقة التي جاء بها الأنبياء.
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق الآية: 22 )
الإيمان عند الموت لا يقدم ولا يؤخر، ولا ينفع، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليّ أصبروا لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ))
الدنيا كلها لا ترد المؤمن عن إيمانه:
عرضوا عليه أن يسأل ربه كي يسير عنهم الجبال، هذه الجبال السوداء عرضوا عليه أن يسأل الله أن يسيرها عنهم لتغدو أرضهم منبسطة، وسألوه أيضاً أن يفجر لهم الأنهار، وأن يحي لهم الموتى فإن فعل هذا يصدقونه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/04.jpg
﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً (93)﴾
( سورة الإسراء )
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾
( سورة الكهف الآية: 110)
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
( سورة هود الآية: 31 )
(( فَإِنّي لاَ أَملِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّا وَلاَ نَفْعاً ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
ضعف النبي سبيل إلى إيمان طوعي:
ما الحكمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ضعيفاً ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/05.jpg
يمر على أصحابه وهو عمار بن ياسر وهو يعذب ولا يملك أن ينجيه، يقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، لو أن النبي كان قوياً كأقوياء الأرض، وأعطى إشارة أن يؤمنوا به لآمن به الملايين المملينة، لا حباً بالله، ولا رغبة في عبادته، بل آمنوا به خوفاً منه، الله عليه الصلاة والسلام يريد الإيمان الذي يأتي طواعية، يأتي مبادرة يأتي من عند الإنسان، من دون قهر، من دون ضغط، من دون إكراه، لذلك يقول الله عزوجل:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
من أساليب الكفار: أسلوب التحدي:
أو عرضوا عليه أن يسأل ربه أن يبعث له ملكاً يصدقه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/06.jpg
وأن يجعل له جنات وكنوزاً، وقصوراً من ذهب وفضة، فكان جوابه: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾
ثم عرضوا عليه، وقد تحدوه أن يسقط السماء عليهم كسفاً، كما يقول ويتوعد فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل، فقالوا أما علم ربك أنا سنجلس معك ؟ ونسألك ؟ ونطلب منك ؟ حتى يعلمك ما تراجعنا به ؟ وما هو صانع بنا ؟ فليفعل ربنا بنا ما يشاء، ثم هددوه أشد أنواع التهديد، وقالوا: والله لا نتركك، وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، فقام عليه الصلاة والسلام وانصرف من عندهم، أغروه أن يكون ملكاً عليهم، أغروه أن يزوجوه أجمل فتاة في قريش، أغروه أن يكون أغناهم، فكان عليه الصلاة والسلام رجل مبدأ.
من أساليب الكفار: التهديد بالقتل:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/07.jpg
بل إن أبا جهل عزم على قتل النبي عليه الصلاة والسلام كل هذه المساومات لم تجدِ، لأن النبي صاحب مبدأ، والكلمة المشهورة:
(( والله يا عم: لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))
الحلول الوسط ليست حلولاً:
ثم عرضوا عليه مساومة أخرى، يعني يا محمد اعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/08.jpg
دائماً الحلول الوسط ليست حلولاً، ولكنها تجميد المشكلة، نعبد ربك وتعبد آلهتنا فجاء الرد القاطع:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾
( سورة الكافرون )
الحق لا يقبل المساومة، لكن المؤمن مسموح له أن يتعايش مع الطرف الآخر.
﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾
( سورة التوبة الآية: 7 )
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾
(سورة الممتحنة الآية:8 )
التعايش مع الطرف الآخر أمرٌ مطلوب:
إذاً التعايش مطلوب، مسموح أن تزورهم، أن تهنئ جارك غير المسلم بمولود جاءه، أن تقدم له هدية، أن تعاونه، كل هذا مسموح لك، أما أن تتخلى عن عقيدتك إرضاء له هذا غير مسموح، فالتوافق لا يكون، لكن التعايش يكون، لذلك الآن مع تنوع المذاهب والطوائف، والأديان، والاتجاهات، والملل، والنحل، يمكن التعايش، كل إنسان له مع ربه علاقة هو حر في أن يقيمها في أعلى مستوى، وينبغي أن يكون منهج الله عزوجل مطبقاً في الأرض، ومنهج الله يتسع لغير المسلمين، يتسع، بل إن صدر المؤمن واسع جداً للطرف الآخر http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/09.jpg
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أُنزل عليه من القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
دققوا الآن:
﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الروم )
من الذين انتصروا ؟ أهل الكتاب، هناك قواسم مشتركة بيننا وبينهم، بل إن الصحابة الكرام أثبت الله لهم أنهم فرحوا بانتصار الروم على الفرس، بانتصار من يعبد الله بطريقة أو أخرى، على من يعبد النار.
إذاً هناك في الإسلام ما يسمى النسبيةَ، والدليل:
﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 167 )
هذا موقف موضوعي، وحكم نسبي.
من أساليب الكفار: اقتراحُ تبديلِ القرآن:
ثم عرضوا عليه أن يبدل هذا القرآن الكريم، والآن يُعرض علينا أن نبدله، احذفوا لنا آيات أهل الكتاب، وآيات الجهاد، وآيات اليهود، وما من اتفاقية بين أعدائنا وبين دولة مسلمة إلا وهذه البنود الأولى لا بد من أن يبدل قرآننا، على الأقل هذه الآيات لا يمكن أن تدخل في المناهج، ولا في قراءة القرآن في الإذاعة عرضوا عليه أن يبدل قرآنه، فكان رد الله عليهم:
﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
( سورة يونس )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/10.jpg
وفي آية ثانية، ويا أيها الإخوة صدقوا أن الطرف الآخر من أول تاريخ البشر إلى نهاية الدوران، هذا همه:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)﴾
( سورة الإسراء )
لمجرد أن تتوافق معهم، وأن تلغي بعض الأحكام، وأن تعلن أن الزنا ليس جريمة كما ضغط على بعض البلاد الإسلامية، وأن تعلن أن الربا ليس حراماً، وأن تعلن أن الاختلاط موقف حضاري:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾
هم لا يعترضون لا على صلاتك ولا على صيامك، بل يشجعونك عليها، هذا عندهم فلكلور، لكنهم يعترضون على منهجك الاقتصادي، وعلى منهجك الاجتماعي، وعلى حجاب المرأة، وعلى محاسبة السارق أشد الحساب، هم يعلقون الآمال على تبديل.
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾
هناك تطبيع علاقات، إذا بدلت هذا الذي أوحي إليك، بدلته وافتريت علينا غيره.
سقوط خطط الكفار في الهاوية:
الآن أيها الإخوة، ولكن تأكدوا أن هذه الخطة لن تنجح، هناك كتاب مقدس أعد لنا اسمه الفرقان، مؤلف من 12 جزءاً، وقد طُبع منه جزءان، وقد وزع منه في البلاد العربية على المتفوقين، من بعض آيات هذا الفرقان:
يا محمد أأنت أضللت عبادي ؟ قال: يا رب، ضللت فأضللتهم.
هذه بعض آياته، وصدقوا أيها الإخوة أن كل الذين قلدوا القرآن الكريم تقليدهم هذا لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة:
والطاحنون طحناً، والعاجنون عجناً.
في بعض مواقع المعلومات فقرات من كتاب يسمونه فرقاناً، قرأتهُ قرأته للتسلية من أجل أن تضحك، سبحانك يا رب هذا القرآن الكريم مركز في أعماقنا، وأية كلمة أخرى لا تثير فينا إلا الضحك:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾
﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75)﴾
( سورة الإسراء )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/11.jpg
هذه محاولات أهل الكفر، من بداية البشرية وحتى نهاية البشرية.
﴿ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
إسلام حيض ونفاس لا مشكلة ! حيض، ونفاس، ووضوء، واستنجى، واستبرأ، ليس هناك مشكلة أبداً، أما إسلام عدم اختلاط، إسلام حجاب، إسلام كسب مال حلال من دون ربا، هذا يقلقهم.
قال بعض شياطينهم نصحهم قائلاً: يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ـ يعني لا في حل فيه ـ قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
سبب نزول آيات قصة أهل الكهف:
الحقيقة أيها الإخوة، الحق قوي، ولو كان أهله ضعافاً، الحق قوي، والباطل ضعيف ولو كان أهله أقوياء، لما رأوا صموده صلى الله عليه وسلم في وجه كل التحديات، ورفضه كل المغريات، وصلابته في كل مرحلة مع ما كان يتمتع به من الصدق، والعفاف، ومكارم الأخلاق، قويت شبهتهم في كونه رسولاً حقاً، فقرروا أن يتصلوا باليهود، حتى يتأكدوا من أمره صلى الله عليه وسلم، فلما نصحهم هذا الذي تكلم هذا الكلام بما سبق، كلفوه مع آخرين ليذهبوا إلى اليهود في المدينة، فأتاهم فقال أحبارهم: سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فإنه نبي مرسل، اليهود، لأن اليهود:
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
( سورة البقرة الآية: 146 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/12.jpg
فإن أجاب عن هذه الأسئلة فإنه نبي مرسل، وإلا فهو متقول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر، الأول ما كان من أمرهم ؟ فإن لهم حديثاً عجبا، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبأه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فلما قدم مكة قال جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قال به اليهود، فسألت قريش رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعد أيام سورة الكهف، عن الفتية:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)﴾
( سورة الكهف )
ونزل الجواب عن الروح:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾
( سورة الإسراء )
وأجابهم عن ذي القرنين الذي آتاه الله:
﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)﴾
( سورة الكهف )
تحدوه، ساوموه، فاوضوه، تنازلوا معه قليلاً، إنه رجل مبدأ، لذلك بعد كل هذه المحاولات اليائسة قرروا مقاطعته، وقبل أن يقاطعوه عرضوا على أبي طالب أن يسلمه لهم ليقتلوه، وإلا قاطعوا بني هاشم، آخر تحدي عرضوا على أبي طالب أن يسلمه لهم ليقتلوه، ثم إن أبى أخذت قريش هذا القرار في مقاطعة محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ومن يلوذ به يعني بني هاشم.
المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية:
الآن بدأ الدرس " المقاطعة ".
ملة الكفر واحدة، الكافر هو الكافر، المؤمن هو المؤمن، اجتمعوا في خيف بني كنانة، في مكان في وادي المحصب، فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم.
والله أشد أنواع المقاطعة التي تمت على الشعب العراقي ليست كواحد بالألف من مقاطعة قريش لرسول الله.
حتى يسلموا إليهم رسول الله للقتل، وكتبوا صحيفة فيها عهود ومواثيق ألا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً، وألا تأخذهم به رأفة حتى يسلموا محمداً للقتل.
قال ابن القيم: كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال كتبها النضر بن الحارث، والصحيح أن الذي كتبها بغيض ـ اسم على مسمى ـ بن عامر بن هاشم، فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فشلت يده، وعُلقت الصحيفة في جوف الكعبة.
يعني الآن لا بد من أن تجروا انتخابات، في فلسطين، أجريت، لا بد من أن تكون في إشرافنا، أوفدوا رئيس جمهورية سابق وأشرف على الانتخابات، لا بد من أن تعلنوا النتائج، أعلنوها، فلما فازت جهة لا يرضون عنها قاطعوها، والحصار الآن يشبه إلى حد ما الذي حوصر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وعُلقت الصحيفة في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم، وبنو المطلب، الآن مؤمنهم وكافرهم، إلا أبا لهب، وحُبسوا في شعب أبي طالب، وذلك فيما يقال ليلة هلال المحرم لسنة سبع من البعثة، وقد قيل غير ذلك، هذا الحصار استمر أعواماً ثلاثة، واشتد الحصار يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ]
قبل سنوات في أثناء في الطواف حول الكعبة كان الإنسان الضعيف العاجز يُحمل على نقالة، كنت أنظر إليه، إنسان بالثمانين كومة عظام يهز، أنا والله مع الأسف الشديد أرى المسلمين اليوم كهذا الإنسان، مستسلمين، لا يتحرك أحدهم، ولا يتكلم، ولا يبذل، ولا يقدم، هذا موقف سلبي لا يحتمل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/13.jpg
لذلك هذه المقاطعة تمت، لكن أصحاب النبي صمدوا، اشتد الحصار، قُطعت عنهم الميرا " القمح " حتى أكلوا أوراق الأشجار، فلم يكن المشركون يتركون طعاماً يدخل مكة، ولا بيعاً إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغ بهم الجهد مبلغه، جوع شديد، والتجئوا إلى أكل أوراق الأشجار، وإلى أكل الجلود.
أعاذنا الله وإياكم من الجوع، وعظمة من سنوات عليها أثر لا يزيد على غرامات من اللحم المقدد، هذه غنيمة كبيرة للجياع، حينما يجوع الإنسان، حبسوا أناساً في بعض البلاد الإسلامية فأكلوا جلد بعضهم بعضاً، شربوا بولهم، الإنسان فقير، فقير إلى كأس ماء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/14.jpg
مرة قالها هارون الرشيد إلى وزيره، أو وزيره سأله: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منع عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر، نعم لا يعرفها إلا من فقدها، أيكون هناك كأس ماء تشربه، أيكون هناك كسرة خبز تأكلها، أيكون هناك دواء تستعمله، أيكون هناك مأوى تؤوي إليه، أيكون هناك طعام تأكله، لذلك هذه محنة ما بعدها محنة، ولكن المحنة للمؤمن وراءها منحة من الله، وأن الشِدة للمؤمن، وراءها شَدة إلى الله.
حتى كان يُسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سراً، تهريبًا، وكانوا لا يخرجون من الشعب لشراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد إلى مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم بالسلعة قيمتها حتى لا يستطيعون شراءها.
قصص من واقعنا اليومي:
كل إنسان له موقف، معهد شرعي مكانه ضيق جداً، فاشترى أرضًا، ودفع نصف ثمنها، مع ارتفاع أسعار الأراضي جاء هذا المعهد تهديد من البائع، إما أن تدفع الستين مليون في عشرة أيام أو العقد باطل، ولن تستطيع استرداد النصف الأول، هذا موقف، استغل ارتفاع الأراضي، وضع شرطا تعجيزيا في عشرة أيام، والفضل لله تأمن المبلغ، لكن يوم القيامة هذا له موقف.
موقف آخر: رجل فقير جداً يعمل مستخدما في مدرسة، راتبه أربعة آلاف عنده، 8 أولاد، ورث أرضاً من شهر، الأرض مناسبة جداً لمسجد، محسن في الميدان كبير عافه الله أراد أن ينشئ مسجداً في هذا المكان، كلف أحد إخوتنا الكرام، الأرض مناسبة جداً، موقعها مناسب، مساحتها مناسبة، شكلها الهندسي مناسب، السعر مناسب، فدعا هذا المحسن الكبير كي يطلع على الأرض، فلما أعجبته وقع سند بـ 2 مليون ليرة، نصف ثمنها، فسأل صاحب الأرض هذا المحسن متى بقية الثمن ؟ قال له: عند التنازل قال: ما التنازل ؟! قال: تذهب إلى الأوقاف، وتتنازل عن هذه الأرض، لأنها سوف تصبح مسجداً، وبعدها تأخذ بقية الثمن، قال له: هذه الأرض سوف تكون مسجداً ؟! وما الذي يمنع ؟ قال له: أنا أبيع أرضاً تكون مسجداً ؟! والله أستحي من الله، والله أنا أولى بك أن أقدمها لله منك، ومزق الشك، وقد الأرض، والآن أطول مئذنة بعد القدم هذا هو المسجد، لو وقف هذا الإنسان يوم القيامة بين يدي الله عزوجل فقير، أربعة آلاف دخله، و8 أولاد، محروم، بيت غرفتين، متداع، وجاءه أربعة ملايين، واستحى من الله أن يبيع أرضاً تغدو مسجداً، هذا إذا وقف يوم القيامة بين يدي الله، وقف الثاني معكم عشرة أيام، إما أن تدفعوا، وإما العقد باطل، ولن تستردوا قيمة النصف الأول من الأرض.
﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه ِ﴾
( سورة الإسراء الآية: 84 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/15.jpg
دُعينا مرة لافتتاح مسجد في يعفور، الذي أنشأ هذا المسجد استقبلنا جميعاً، دعا معظم علماء دمشق وألقيت كلمات، وأكرمنا إكراماً شديداً، خرجت في هذا المسجد، فإذا في الضفة الغربية على الطرف الثاني من الطريق ملهى، سمعت أن فيه كل أنواع الموبقات التي لم تؤلف في هذا البلد، وأن صاحبه ـ أستخدم هذا التعبير بالذات ـ ( فطس ) بعد سبعة أيام من افتتاحه، فجاء في خاطري أنه يوم القيامة إذا وقف هذا الذي أنشأ لله مسجداً، ووقف إلى جانبه هذا الذي أنشأ ملهاً، فرق كبير، لذلك قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
( سورة القلم )
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
( سورة القصص )
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/16.jpg
والله أيها الإخوة أن ﴿ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
أن يستوي المحسن مع المسيء، والصادق مع الكاذب، والأمين مع الخائن، هذا الاستواء لا يتناقض مع عدل الله فحسب، بل يتناقض مع وجود الله، اطمئنوا، وإذا كنت شاباً مؤمناً صادقاً مستقيماً، والله زوال الكون أهون على الله من أن تعامل مثل ما بعامل الفاسق، أبداً.
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾
في الدنيا ؟
﴿ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
( سورة الجاثية )
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾
الآثار القاسية للمقاطعة الظالمة:
دققوا: وحتى كان يُسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع وكان لا يصل إليهم شيء إلا سراً، وكان حكيم بن حزام ربما يحمل قمحاً إلى عمته خديجة رضي الله عنها، وقد تعرض له مرة أبو جهل، فتعلق به ليمنعه فتدخل بينهما أبو البخترة، ومكنه من حمل القمح إلى عمته خديجة، تسلل، تهريب، بصعوبة بالغة جداً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/17.jpg
وكان أبو طالب يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم لأن المساومة على القتل، الآن الأمر بلغ القتل، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم يأمر أبو طالب رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يضجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه، أو بني عمه، فاضطجع على فراش رسول الله، وأمره أن يأتي بعض فرشهم، إجراءات أمنية مشددة، لأنه أُريد أن يقتل.
وكان عليه الصلاة والسلام والمسلمون يخرجون في أيام الموسم فيلقون الناس، ويدعون إلى الإسلام، وقد أسلفنا ما كان يأتي به أبو لهب.
هذه المقاطعة، هذا الإسلام الذي وصل إليكم، بذل من أجله الغالي والرخيص والنفس والنفيس حتى وصل إلينا، لذلك حافظوا عليه.
استنباط وعبرة: حافظوا على النعم بدوام شكرها:
مر عامان أو ثلاثة والأمر على ذلك، حينما حوصر العراق التضخم النقدي صار 23 ألف ضعف، أعلى مرتب كان مرتب لواء في الجيش، أو أستاذ جامعة خمسة آلاف دينار، وكان الدينار 250 ليرة، فصار أعلى مرتب في هذا البلد يساوي طبقا من البيض فقط، الخمسة آلاف دينار ثمن طبق بيض، هذه المقاطعة، اسألوا الله السلامة، موظفون كبار أصبح دخلهم لا يساوي طبق بيض، فاضطروا أن يعملوا سائقي تكسي ، وبائعي دخان في الطريق.
﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾
( سورة النمل الآية: 34 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/18.jpg
اسألوا الله أن يحفظ علينا نعمة الأمن في هذه البلاد، أن يحفظ علينا نعمة المأوى، أن يحفظ علينا نعمة الطعام والشراب.
(( يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قلما نفرت عن أهل فكادت أن ترجع إليهم ))
[ أخرجه ابن ماجه والحاكم عن عائشة]
والله في هذا المسجد جاءني رجل قال لي: الذي حصل في العراق لا يصدق، قلت: كيف ؟ قال لي: قبل أن يأتي العدو الأجنبي تغلق محلك التجاري صباحاً تجده مغلقاً، أما الآن فتجده مفتوحاً، وقد نُهب، ترسل ابنتك إلى المدرسة تعود ظهراً، الآن تُخطف، لا ماء، ماء من النهر ملوث، ولا وقود سائل، ننتظر عشر ساعات على محطة الوقود، ولا كهرباء، الهيروين يباع على الطرقات.
﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
ادعوا الله في جوف الليل أن يحفظ علينا النعم التي نعيشها.
وأخيراً مُزِّقت الصحيفة وفُكَّ الحصار:
مر عامان أو ثلاثة والأمر على ذلك، وفي شهر المحرم سنة عشر من النبوة نُقضت الصحيفة، وفك الحصار، وذلك أن قريشاً كانوا بين راضٍ بهذا الميثاق وكارهٍ له، حدث انشقاق، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهاً لها، وفي قصة نقض الصحيفة قصة طريفة:
قصة نقض الصحيفة:
كان القائم بهذا هشام بن عمر، من بني عامر بن لؤي، وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفياً بالليل بالطعام، كان يأتيهم ليلاً بالطعام، فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب.
والله، أنا لا أنسى موقف زعيم وقائد جيش غطفان في معركة الخندق الذي جاء ليحارب النبي عليه الصلاة والسلام، كان قابعاً في خيمته، اسمه نُعيم، خاطب نفسه فقال: يا نعيم، أنت عاقل، لمَ جئت إلى هنا ؟ من أجل أن تقتل هذا الرجل الصالح، ماذا فعل ؟ سفك دماً ؟ نهب مالاً ؟ انتهك عرضاً ؟ أين عقلك يا نُعيم ؟ فوقف، وتوجه إلى معسكر المسلمين، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي: نعيم ؟ قال: نُعيم، قال له النبي: ما الذي أتى بك إلينا ؟ قال له: جئت مسلماً، كان قائد جيش ليحارب النبي، فصار سيدنا نُعيم بن مسعود، وأنا لا أصدق أن هذا الإنسان أجرى الله على يديه أسباب النصر في معركة الخندق، قال له: مرني ماذا أصنع ؟ قال له: أنت واحد، قال له: ماذا أصنع ؟ قال له: خذل عنا، بذكاء ما بعده ذكاء أوقع بين قريش وبني قريظة، وجاءت الريح الشديدة، وقلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم.﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 25 )
﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾
( سورة الأحزاب )
﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
( سورة البقرة )
قال يا زهير، لحظة تفكير سليمة، يا زهير أترضى أن تأكل الطعام، وأن تشرب الشراب وأخوالك بحيث تعلم ؟ قال: ويحك فماذا أصنع، وأنا رجل واحد ؟ قال: أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال: قد وجدت رجلاً، قال: من هو ؟ قال: أنا أنا ثان، قال له زهير: نريد ثالثاً، فذهب إلى مُطعم بن عدي، فذكره أرحام بني هاشم، وبني عبد المطلب، ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم: ويحك ماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانياً، قال: من هو ؟ قال: أنا، قال: أصبحنا ثلاثة، قال: قد فعلت، فقال زهير: نريد رابعاً، فذهب إلى أبي البختري ابن هشام، فقال له نحواً مما قال للمطعم، فقال: هل من أحد يعين على هذا ؟ قال: نعم، قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: أصبحنا خمسة، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد فكلمه، وذكر له قرابتهم، وحقهم فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم، ثم سمى له القول، فاجتمعوا عند الحجون، وتعاقدوا على القيام بنقد الصحيفة، وقال زهير: أنا أبدأكم، فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير، وعليه حلة فطاف بالبيت سبعاً، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكة ؟ لا يباع، ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة للرحم الظالمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/19.jpg
إذا لم يكن في الأمة من يرد الظلم فلا خير فينا، وهذا درس بليغ لنا.
قال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق الصحيفة، فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها يوم كُتبت، قال أبو البختري: صدق زمعة، ولا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقر به، قال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كُتب فيها، وقال هشام بن عمر: نحواً من ذلك، فقال أبو جهل: هذا أمر قُضي بليل، أي مؤامرة، وتشوّر به بغير هذا المكان، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله ـ دققوا الآن ـ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/20.jpg
أطلع رسوله على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، يعني حشرة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله تعالى، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قال كذا وكذا، فإن كان كاذباً يعني ابن أخيه خلينا بينكم وبينه، سلمناكم إياه إن تقتلوه، وإن كان صادقاً رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: والله قد أنصفت، هذا خبر من السماء، أن الورقة في جوف الكعبة، مغلقة، الأرضة أكلتها، عدا اسم الله، وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل قام المُطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا بسمك اللهم، يعني باسمك اللهم نظلم.
الآن يعمل عمل خلاف الشرع، يقول: الله وفقني فيه، كيف وفقك الله فيه ؟
باسمك اللهم نظلم، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله، ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأى المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم كما أخبر الله عنهم:
﴿ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)﴾
( سورة القلم )
كلّ محنة وراءها منحة:
أعرضوا عن هذه الآية، وازدادوا كفراً إلى كفرهم، الملخص أن التهديدات التي نسمعها من حين لآخر بالمقاطعة ليموت إخوتنا في فلسطين جوعاً هذه ليست جديدة على تاريخ المسلمين، ولكن الله مع عباده:﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2844/ar-2844/21.jpg
كل محنة وراءها منحة، وكل شِدة وراءها شَدة.﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
( سورة يوسف )
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾
( سورة إبراهيم )
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
( سورة يونس الآية: 24 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾
( سورة الصافات )
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)﴾
( سورة آل عمران )
ثم يقول الله عزوجل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾
( سورة الأنفال الآية: 36 )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 04:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( التاسع و الثلاثون )
الموضوع :غار حراء وتعبد النبى فية وتفكيرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
سيرة النبي منهج في الحياة:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وأحب من حين لآخر أن أذكركم أن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لا تعني سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن تعني منهجاً لكل مسلم على نهاية الدوران، وأن كل مشكلات المسلمين المعاصرة لو طبقنا منهج النبي، ومواقفه، وتوجيهاته، إن من خلال أقواله، أو من خلال أفعاله لحلت مشكلاتنا، لأن الله سبحانه وتعالى بعثه رحمة للعالمين.
والنقطة الدقيقة جداً أنه بقدر ما ترى أن هذا الإنسان قدوتك فأنت مؤمن، وبقدر ما تتوهم أن حياته خاصة به، وأن منهجه لأمة في بدايات الحياة، لأمة الصحراء، أمة البساطة، ونحن نحتاج إلى قوانين وإلى أنظمة معقدة جداً بحكم حيتنا المعقدة، فأنت بعيد عن الإيمان، منهج النبي صلى الله عليه وسلم صالح لكل زمان ومكان، منهج النبي صلى الله عليه وسلم صالح لكل ظرف وبيئة، الدليل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 12 )
دققوا: الإنسان الذي يرجو المال مَن يكون قدوته ؟ كبار التجار، حينما يستمع إليهم، وكيف يربحون الملايين المملينة تذوب نفسه شوقاً ليكون مثلهم، ومن كان يريد منصبا رفيعاً، وجلس إلى أصحاب المناصب، وأصحاب القرارات تذوب نفسه شوقاً ليكون مثلهم، ومن كان همه الأول الاستمتاع بالحياة، والتقى بأناس انغمسوا في الشهوات إلى قمة رؤوسهم، وحدثوه عن مغامراتهم، وعن انحرافاتهم تذوب نفسه شوقاً ليكون مثلهم، ومن كان
﴿ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾
إذا استمع إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تذوب نفسه شوقاً ليكون على منهجه وعلى طريقه، فقل لي من الذي تراه عظيماً أقل لك من أنت.
إنّ المؤمن لا يرى أعظم من النبي، أما غير المؤمن فيرى الأقوياء، دون أن يشعر، في عقله الباطن يراهم قدوة، الذي أُغرم في جمع الدرهم والدينار يرى الأغنياء قدوة له، الذي أراد المناصب الرفيعة يرى أصحاب القرار قدوة له، الذي يرى أن الحياة متعة وكأس، وامرأة غانية يرى المنغمسين في الشهوات المنحطة قدوة له، فقل لي من تعظم أقل لك من أنت، قل لي من ترجو أن تكون على سيرته أقل لك من أنت، علامة إيمانك أنك لا ترى أعظم من النبي عليه الصلاة والسلام .
تحنُّث النبي في غار حراء وعلاقتنا بهذا التصرف:
أيها الإخوة، ننتقل في هذا الدرس إلى موضوع مررنا عليه سريعاً، وهو تحنث النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وما علاقتنا نحن بهذا التصرف ؟ إنسان يترك زوجته وأولاده، وبيته وأمنه، وفراشه، ويذهب ميلين ـ يعني 3 كم ـ في أوعر طريق، وفي أصعب مسلك، ليصل إلى غار طبيعي مترين بمتر، يجلس وحده، لا فيه تكييف، ولا هو بيت آمن، ولا فيه مطبخ، ولا فيه برّاد، ولا عصير، ولا قهوة، ولا شاي، ولا فضائية، ولا متعة بهذه الفضائيات، ولا فيه زوجة مزينة أمامه، ولا أولاد يملؤون البيت جمالاً، هو بين صخور، ماذا يفعل هناك ؟
ما علاقتنا نحن بهذا، والله الذي لا إله إلا هو ما لم يكن لك غار حراء فلن تكون مؤمناً، لكن لا أطالبك أن تصعد إلى جبل قاسيون وأنت تبحث عن مغارة، أطالبك أن تخلو بنفسك كل يوم في زاوية من بيتك، وأن تفكر من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ أين كنت قبل أن تولد ؟ وماذا بعد الموت ؟ ولماذا خلقنا ؟ ومن الذي خلقنا ؟ ولماذا جعل العمر قصيراً ؟ ولماذا يموت الإنسان فجأة ؟ وماذا بعد الموت ؟ وما حقيقة النفس ؟ هذه أخطر موضوعات يجب أن تعرفها.
لذلك إذا قرأتم قوله تعالى:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾
( سورة الكهف )
ألم تفكِّر في ساعة المغادرة ؟!!
والله أعرف إنسانًا من بلد آخر في شمالي إفريقيا بلغ الثمانين، وعنده أموال لا تأكلها النيران، وفي الثمانين أراد أن ينشئ كازينو، كيف يفكر ؟
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
إخوتنا الكرام، حينما تكتشف الحقائق يشعر الإنسان بفداحة الخسارة.
عرضت في ندوة تلفزيونية صورة فرعون، فرعون موسى حقيقة، وقد أخذ إلى باريس، ورممت يده من الفطور والعفن الذي أصابها، وهي مغلفة بالشاش، وقلت: هذا الذي قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
( سورة النازعات )
وهذا الذي قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
حينما أدركه الغرق قال:
﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
( سورة يونس الآية: 90 )
كل ذكائك، وكل بطولتك، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والتوفيق كل التوفيق، في أن تفكر في ساعة مغادرة الدنيا، إلى أين ؟
لذلك ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء، كان يفكر في ملكوت السماوات والأرض، كان يفكر بالحقائق الكبرى.
إخواننا الكرام، نحن أحياناً تستهلكنا الدنيا، تأخذنا، إنسان كل همه في تخفيف ضريبته، وكل همه في توسيع بيته، وكل همه في تزيين بيته، وكل همه في شراء مركبته وكل همه في الاستمتاع بالدنيا، وكل همه أن يسافر، وكل همه أن يلتقي، وكل همه أن يفتخر، وكل همه أن يستعلي على خلق الله، لكن هموم الأنبياء ما هي ؟
﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم )
﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)﴾
( سورة النجم )
أنت في أي أفق أنت ؟ في أفق حاجاتك الدنيوية ؟ هناك إنسان صغير جداً عند الله ، همه الوحيد أن يزداد دخله فقط، وإنسان همه أن يعرف ربه، وإنسان همه أن يهدي الآخرين، وإنسان همه أن يكون في مرضاة رب العالمين، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت.
ماذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء ؟ وماذا فعلنا نحن ؟
ماذا فعل النبي في غار حراء ؟
كان عليه الصلاة والسلام يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد، وكان يعتكف في كل سنة شهراً بأكمله، والسيدة خديجة كانت تأتيه بالزاد والطعام والشراب، ألك مع الله خلوة ؟ ألك مع الله مناجاة ؟ ألك تفكر ؟
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)﴾
( سورة الطارق )
ماذا بعد الموت ؟ ما مصيري بعد الموت ؟ حصلت على شهادة عُليا، ثم ماذا ؟ آخر شيء نعي، الدكتور فلان، أو المحامي فلان، أو المهندس فلان، أو الحاج فلان، أو عميد أسرتهم فلان، الطبيب فلان، مستشار سابقاً، السفير في بلد معين، بعد الموت لا سفارة، ولا منصب، ولا رتبة، ولا شيء.
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾
( سورة الأنعام الآية: 94)
إخواننا الكرام، تعبد النبي في غار حراء، تفكر في كليات الحياة، في حقائق الحياة الكبرى، لذلك لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم من الأربعين، ومن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، الآية الكريمة:
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
( سورة فاطر الآية: 37 )
يا أيها الناس احذروا، لقد جَاءَكُمُ النَّذيرُ، فما هو النذير ؟
1 – النذير هو القرآن:
معنى النذير كما جاء في تفسير القرطبي، قال: النذير هو القرآن الكريم، أنت في طريق السفر ترى شاخصة كتب عليها: منعطف خطر، أو تقاطع خطر، أو منحدر شديد، أو طريق زلق، أو ضباب، هذه اللوحات هي نذير، توضع في مكان مبكر، طبعاً اللوحة تكون قبل المنعطف الخطر، لا بعده، بعده لا قيمة لها، قبله، قبل التقاطع الخطر، قبل المنحدر الشديد.
فالقرآن بيّن أن هناك موتاً.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)﴾
( سورة المنافقون )
القرآن بين:
﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾
( سورة التغابن الآية: 14 )
الزوجة أحياناً تضغط على زوجها لإنفاق لا يملك أساسه، من شدة الضغط عليه يمد يده إلى الحرام، فيعاقب، ويفضح، وتكف يده فيرى أن أعدى أعداءه زوجته التي ضغطت عليه، القرآن يبين، فالقرآن نذير.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء )
ماذا يفعل الإنسان بالملايين المملينة ؟
من أغرب القصص: أن أكبر غني يهودي في بريطانيا اسمه " رود تشلد " من كثرة ثروته كان يقرض الحكومة البريطانية أحياناً، خزانته غرفة بأكملها، دخل مرة إلى خزانته، وأغلق الباب عليه خطأ، وصاح بأعلى صوته، قصره كبير، ومن عادته أن يغيب عن القصر كثيراً، فلما غاب عن أهله ظنوا أنه سافر، بقي يصيح ويصيح إلى أن أدركه الموت جوعاً وعطشاً، فجرح إصبعه، وكتب على الجدار: أغنى إنسان في العالم يموت جوعاً وعطشاً.
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
أحد كبار أغنياء لبنان أنشأ له قبراً في أجمل منطقة مطلة على بيروت، وله طائرة خاصة، وقعت الطائرة في البحر، دُفعت الملايين لانتشال جثته، لم يعثر عليه، لكن عثروا على طياره، وما تمكن أن يُدفن في هذا القبر.
هكذا الحياة، القرآن نذير.
2 – النذير هو النبي:
والنبي نذير:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45)﴾
( سورة الأحزاب )
(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ـ النبي نذير ـ ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإن عمل النار سهل بسهوة ))
[أخرجه ابن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]
(( الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن شداد بن أوس ]
القرآن نذير، والنبي نذير.
3 – النذير هو سن الأربعين:
وسن الأربعين هو النذير، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، لو أردت أن تمضي عشرة أيام في مصيف جميل اليوم السابع تنعكس خطتك، تقطع بطاقات العودة، تشتري الهدايا، تجمع الأغراض، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة.
(( من أتت عليه أربعون سنة، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار ))
[ أخرجه الأزدي، عن عبد الله بن مالك الهروي بسنده إلى ابن عباس ]
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول ؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لــعمري في المقال شنيع ؟
لـو كان حبك صادقاً لأطعت ه إن الـــمحب لمن يحب يطيع
***
سن الأربعين هو النذير، والذي بلغ الستين فإن معترك المنايا بين الستين والسبعين، فأيّة سنة تعيشها بعد الستين مكسب، إذا دخلنا في الأربعين دخلنا في أسواق الآخرة، فكيف إذا دخلنا في الستين ؟ فكيف إذا كان الإنسان في الستين مراهقاً ؟ همه امرأة لا تحل له، أين هو ؟
4 – النذير هو الشيب:
الشيب نذير، وقد ورد في بعض الآثار القدسية:
(( أن يا عبدي، كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك فاستحي مني فأنا استحي منك ))
(( أحب ثلاثة، وحبي لثلاثة أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد ))
[ ورد في الأثر]
شاب في مقتبل الحياة، مرجل يغلي، وهو طائع لله، ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب.
(( إن الله تعالى يباهي بالشاب العابد الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي، ترك شهوته من أجلي ))
[ أخرجه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ]
(( أحب ثلاثة، وحبي لثلاثة أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد ))
عنده تفاحتان يضعها في صحن، ويقول لك: تفضل، ما عنده غيرها، على فقره كريم.
(( وأحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد ))
يأكل مع الخادم، يُدعى فيلبي، بمكان بعيد، متواضع، يرى فضل الله عليه.
(( وأبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد ))
بالتعبير العامي عند الكبرة جبة حمرة، ويجري عملية شدّ للوجه، وعملية نفخ ، وعملية ترميم، وتعديل أنف، وزرع شعر، حتى يغدو شاباً.
ألا ليت الشباب يعود يوماً
***
كل سن له كماله في الإسلام.
(( وأبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد ))
على ماذا ؟
(( وأبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد ))
معه أموال لا تأكلها النيران، ويحاسب على الدرهم والقيراط، كان من أربعين عامًا سيارات إلى منطقة المهاجرين الأجرة فرنك، خمسة قروش، إلى آخر خط فرنك ونصف، سبعة قروش ونصف، على ما أذكر ذلك، هناك أغنياء يركبون إلى منطقة شورى فقط، ويمشون إلى آخر الخط، يقول: يمشي الحال، يوفر قرشين ونصفًا، هكذا، الشح يا مرض خطير، تماما كالسرطان مرض خطير.
﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾
( سورة الحشر )
لذلك القرآن نذير، والنبي نذير، والأربعون نذير، والستون نذير، والشيب نذير.
5 – المصائب نذير:
والمصائب نذير، أول شيء يضعف بصره فيضع نظارات، تسوس أسنانه فيركب جسرًا وأسنانًا متحركة، تتعب مفاصله، ينحنى ظهره، معه أسيد أوريك، معه شحوم ثلاثية، سمعه ضعيف، يده ترجف، ما معنى هذه التطورات ؟ لها معنى، يعني يا عبدي، قد قرب اللقاء بيننا، فهل أنت مستعد لذلك ؟ اللقاء اقترب، هناك دلائل، لكن كان من الممكن أن يتمتع الإنسان بشبابه حتى يموت، كان من الممكن، لكن شاءت حكمة الله أن يتغير شكل الوجه، فما منا واحد ما عنده صورة حينما كان صغيراً، هناك فرق كبير، إنسان صورته في العشرة غير التي في السبعين وغير التي في الثمانين، هذا التطور في تجاعيد الوجه، في شيب الشعر، في ضعف البصر، في ضعف القوة، في أعراض في الهضم، وفي القلب.
قال لي مرة أستاذ لي رحمه الله مداعباً، قال لي: سبحان الله ! أنا من خمسين سنة أنشط من الآن.
هذا نذير، تقدم السن، والأعراض، هذه تؤكد أن اللقاء قد اقترب، هل أنت مستعد ؟ طيب، المصائب نذير.
والله هذا الموضوع من أدق الموضوعات، نحن أحياناً بعض الدول تجري عرضًا عسكريًّا، يكون في دولة مجاورة عدوة، فهذا العرض العسكري سلاح المدرعات، سلاح الطيران، المشاة، الصواريخ، هذا العرض العسكري ما اسمه في الحقيقة ؟ اسمه رسالة إلى الدولة الفلانية، أحياناً تُجرى مناورات مشتركة بين دولتين، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نرسل رسالة إلى دولة ثالثة، نحن متحالفون ضد هذه الدولة، الآن الأسلوب الجديد أسلوب رسائل عملية، الآن المصائب التي يسوقها الله لعباده نذيرًا، الدليل:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة القصص الآية: 47 )
﴿ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)﴾
( سورة طه )
أنا سأوضح هذه الحقيقة بمثل، طبعاً هو مثل تركيبي:
طالب في الصف الخامس قال لأبيه مرة: أحب ألا أدرس، قال له: كما تشاء، ما نصحه، كما تشاء، غداً لا تذهب إلى المدرسة، بدأ من الغد لا يذهب إلى المدرسة، استيقظ الساعة العاشرة، شيء مريح، ليس هناك استيقاظ مبكر، ولا كتابة وظيفة، ارتاح، الساعة 12 أكل عشر بيضات، نزل إلى السينما مساء مع رفاقه، والله شيء حلو، قضى سنوات ظن أنه أذكى طالب على وجه الأرض، ارتاح من المدرسة، هذا كبر في السن، لا معه شهادة، ولا معه حرفة، ولا له محل، ولا طبيب، ولا مهندس، ومتزوج، ولا عنده أولاد، حقد على أبيه، جاء إلى أبيه وقال: يا أبت، أنا يوم قلت لك: أحب ألا أدرس لمَ لم تصفعني على وجهي ؟! لمَ لم تركلني بقدميك ؟! لمَ لم تعنفني ؟! أنت سبب شقائي.
كثير من الطلاب يكون أبوهم قاسيًا جداً، لكن يتفوقون في الدراسة، ويصبحون شيئًا مرموق في الحياة، يقول: الله يرحم الوالد لولا عنايته، لولا شدته، لولا أن تابعني لما كنت في هذه الحال.
صدقوا أيها الإخوة، لولا أن الله يسوق لهؤلاء المسلمين هذه المصائب لقالوا يوم القيامة:
﴿ لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
إذاً ما هو النذير ؟ المصائب.
ثمة رجل عنده بقالية، ويرتكب فيها الفاحشة، يضع لافتة: " نحن في الصلاة "، ويكون هو في الزنا، احترق المحل بأكمله، جدد المحل، وأعاد الكرة، احترق مرة ثانية، هنا في هذه البلدة، لولا أن الله يسوق المصائب للناس لم يرتدعوا.
الفهم التوحيدي للشدة والمصيبة:
إذاً النذير المصائب، أتمنى على كل أخ كريم أن يفهم الشدة فهمًا توحيديًا، الشدة حينما تأتي، المصيبة، الابتلاء له فهم أرضي، وله فهم شركي، وله فهم توحيدي، بطولتك أن تفهم الشدة والضيق فهماً توحيدياً، لا فهماً أرضياً، في الزلزال يقال: اضطراب في القشرة الأرضية، هذا تفسيرعلمي، لكن لا يكفي، أين الله ؟ لماذا أصاب هذا البلد بهذا الزلزال ؟
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾
( سورة هود)
مستحيل، لا بد من أن تفهم المصائب فهماً توحيدياً.
تروى قصة والقصة رمزية، أن طائرا التقى بسيدنا سليمان، قال له: يا سليمان الحكيم، ربك عجول أم مهول ؟ يعني أيمهل أم يعجل ؟ فسأل ربه، قال الله له: قل له: إنني مهول، على التراخي، فاطمأن، رأت أناساً يشوون لحمة فخطفتها، وطارت بها، لأن الله مهول، علقت باللحمة قطعة من اللحم المشتعل، لم ينتبه لها، وضع اللحمة في عشه، فاحترق العش كله، واحترق أولاده، فعاد إلى سليمان الحكيم، قال له: سألتك فقلت لي: مهول، هو عجول، فسأل ربه، قال له: قل له: هذا حساب قديم.
المصيبة رسالة من الله، اسمعوا هذا الكلام: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، كيف استدرج الله نخبة من أغنياء العالم إلى سواحل الهند في أيام البرد، بكانون أول بـ25 ؟ وهناك الجو دافئ، جو استوائي، والبحر رائع، والغابات العملاقة، والغابات الاستوائية، والمنتجعات من فئة السبع نجوم، أناقة، وانحطاط، وشذوذ، ودعارة، بلاد جميلة جداً، والذين في هذه البلاد أغنياء جداً، وجلسوا في أماكن من فئة العشر نجوم، فجاء زلزال تسونامي فأراهم النجوم ظهراً، 25 ألف من نخبة أغنياء العالم لقوا حتفهم هناك، كيف استدرجهم الله ؟ هذه رسائل، 400 ألف طفل معد للدعارة هناك، يقول بعض رؤساء هذه الدول مفتخرًا: ليس عنده بنت واحدة عذارء، بلاد تعيش على الجنس والدعارة، 300 ألف قتيل، 5 ملايين مشرد، لا يمكن أن يعاد بناءها قبل عشر سنوات، دُمر كل شيء، زلزال تسونامي هذا لا يلغي أن هناك مسلمين توفاهم الله، لكن كل إنسان يموت على نيته، المسلم له موت خاص، أو له حساب خاص.
إذاً المصائب نذير.
6 – موت الأقارب نذير:
وموت الأقارب نذير، إنسان ملء السمع والبصر يموت.
واللهِ لي قريب له مع بعض أصدقائه سهرة أسبوعية كل سبت، أحد هؤلاء الأصدقاء لطيف المعشر، مرح الروح، صاحب دعابة، صحته جيدة جداً، رشيق، يأكل بدقة بالغة الخضار، الفواكه السَّلطات، يمشي كل يوم، كل الوسائل طول العمر موفرة عنده، قال: أنا لا أموت، يطول عمري حتى أموت، هكذا قال، بالضبط، سُئل: لماذا ؟ قال: انظروا إلى صحتي، انظروا إلى نشاطي، رياضة يومية، أكل مدروس، راحة بال، ما عندي مشكلة، سمعتي طيبة، مرح بالبيت، كلام مقنع، السبت الثاني كان مدفونًا تحت الأرض.
﴿ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
الذي هو موت الأقارب.
هناك مجموعة من الشباب لهم سهرة أسبوعية، أحدهم شاب في مقتبل الحياة، بالثلاثينات، وقع في المعلب، ومات بخثرة بالدماغ، سكتة دماغية مع سكتة قلبية، اتعظ من حوله.
إذاً: النذير القرآن، والنبي، وسن الأربعين، وسن الستين، وشيب الشعر والمصائب، وموت الأقارب.
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
إذاً ماذا نفعل في غار حراء ؟ أو ماذا نفعل في غرفتنا الخاصة ؟ نفكر، أين كنا ؟ وماذا بعد الموت ؟ نفكر من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ فكر.
فائدة الحوار الداخلي:
أنا معجب إعجاب بلا حدود من سيدنا نعيم بن مسعود، لما فكر، هذا اسمه حوار نفسي، بالتعبير حوار داخلي، قال في نفسه: يا نعيم، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ كان زعيم قبيلة جاء ليحارب النبي الكريم في معركة الخندق، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ من أجل أن تقاتل هذا الرجلالصالح ؟ ماذا فعل ؟ سرق مالاً، انتهك عرضاً، سفك دماً ؟ أين عقلك يا نعيم ؟ في هذه اللحظة أشرق في قلبه نور الإيمان، وأسلم، وأجرى الله على يديه أن النصر في الخندق كان له سهم كبير فيه حيث شق التحالف، التحالف قديم، وليس جديدًا، دول التحالف، التحالف قديم، تحالف قريش مع اليهود، شقها بذكاء ما بعده ذكاء، وكتب الله للأمة الإسلامية النصر في هذه الموقعة على يد نعيم بن مسعود.
غار حراء من أجل التفكر:
غار حراء من أجل أن تفكر، غار حراء من أجل أن تفكر في خلق السماوات والأرض، أن تتفكر أين كنت ؟ وماذا بعد الموت، ولماذا أنا في الحياة الدنيا ؟ لئلا تنطبق الآية الكريمة:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
من أجل ألا تندم عند الموت، من أجل ألا تقول:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)﴾
( سورة الفجر )
من أجل ألا تقول:
﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً (29)﴾
( سورة الفرقان )
لكل منا غار حراء يتفكر فيه:
أيها الإخوة، غار حراء لرسول الله ولنا، لست مكلفًا الآن أن تصعد إلى قمة الجبل لا، في غرفتك الخاصة، في غرفة الضيوف، في غرفة فارغة، اجلس، وفكر بعد الصلاة من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ ماذا ينفعك ؟ بل لو رأيت نفسك شردت هنا وهناك في عندك قوة ردع، فكر بالموت، أنت تملك هذا البيت، حينما يأتي الأجل أين تُغسل ؟ بالحمام أم بالمطبخ ؟ أما بالصالون ؟ هذا كلام مزعج جداً، وبعدما يدفن الإنسان يباع البيت، أم يتركونه ؟ ماذا يفعلون بهذه السيارة ؟ يركبونها ؟ أم يبيعونها ؟هل يبقى الوئام لأولادك بعد موتك ؟ أم ماذا ؟ التفكر بالموت له آثار إيجابية جداً.
(( أكثروا ذكر هادم اللذات، فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره ))
[ رواه الترمذي، والبيهقي عن أبي سعيد، وأخرجه العسكري عن أنس ]
ثمة غني كبير بمصر وافته المنية، أولاده خافوا عليه أول ليلة في القبر، هذه أصعب ليلة، وقد ورد أن الإنسان حينما يوضع في قبره أول ليلة ينادى: أن عبدي، رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، فهم خافوا على أبيهم، أول ليلة فاستأجروا إنسانًا فقيرًا لدرجة غير معقولة، أعطوه عشر جنيهات على أن ينام الليلة الأولى في القبر مع أبيهم، هذا قبل، بل فرح بهذا المبلغ الكبير، من شدة فقره لبس كيس خيش، فتحه من أعلى من أجل رأسه، وفتحه من الطرفين، من أجل يديه، وربطه بحبل من عند خصره، لا يملك من حطام الدنيا إلا هذا الكيس، صنعه ثوبًا، فتحه من النصف، وأخرج رأسه منه، بفتحتين من الطرفين ليديه، وحبل عند خصره، فجاء منكر ونكير، فوجدا اثنين، هذا أمرٌ جديد علينا ؟! هذا خاف، فقام وتحرك، قال له: هذا ليس ميت، تعال نبدأ به، أجلسوه، هذا الحبل من أين أتيت به ؟ من البستان، كيف دخلت للبستان ؟ ارتبك، الآن كيف دخل، كيف أخذ الحبل، بعدها الكيس، عذبوه، كيف دخل للبستان، وما عرف كيف يجيب، كيف أخذ الحبل، استأذن، ما استأذن، اشتراها، بعدها الكيس، من أين أتى به ؟ ومن قصه له ؟ هذا صباحاً خرج من القبر، قال لهم: الله يعين أباكم.
فلذلك أيها الإخوة، لما تفكر تفكيرًا صحيحًا، من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ من خلقني ؟ لماذا خلقني ؟ ماذا يريد مني ؟ هل عملي صحيح ؟ تجارتي صحيحة ؟ كسب مالي صحيح ؟ إنفاقي صحيح ؟ هذا التفكر في خلق السماوات والأرض هو مضمون غار حراء ولابد لكل مؤمن من غار حراء يتفكر في خلق السماوات.
لذلك بعض العلماء قال: ماذا يفعل أعدائي بي، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة.
أحيانا يعيش الإنسان خارج بلده في غرفة، الظاهر شيء موحش، أما الحقيقة إذا فكر في ملكوت السماوات والأرض كانت هذه الغرفة المتواضعة سبب في سعادته في الدنيا والآخرة، فكر.
إخواننا الكرام، الإنسان من دون تفكير يهبط عن مستوى إنسانيته، لماذا أنا في الدنيا ؟ لذلك:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴾
( سورة المدثر )
إذا فكر الإنسان من دون وحي قد يهديه تفكيره دون أن يهتدي بوحي السماء إلى الضلال، فا كل تفكير صائب.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾
( سورة المدثر )
التفكير إلى أن تهتدي بنور الله .
لا بد لكل مسلم من خلوة:
أنا أتمنى عليكم من هذا الدرس البليغ أن تكون لك خلوة مع الله، تقرأ قرآن، تتفكر بملكوت السماوات والأرض، تناجي ربك ، تدعو ربك، تذكر الله، تستغفره، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، إما أن تذكر، وإما أن تقرأ القرآن، وإما أن تناجي الواحد الديان، وإما أن تدعو، وإما أن تصلي، هذه الجلسة تماماً كشحن الهاتف المحمول، إذا لم تشحنه ينتهي، ونحن بحاجة ماسة إلى شحن يومي، الشحن اليومي الصلوات الخمس، والشحن الأسبوعي بالصلاة الجمعة، والشحن الشهري بالثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، ثلاثة أيام، نصوم، والشحن السنوي برمضان، وشحن العمر مرة واحدة بالحج، عندك شحن في العمر مرة واحدة، وعندك شحن سنوي، وشحن شهري، وشحن أسبوعي، وشحن يومي، والله يكفر الخطايا من صلاة إلى صلاة، ومن جمعة إلى جمعة، ومن رمضان إلى رمضان، والحج.
((من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ))
[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ]
الذي أتمناه من هذا الدرس كيف أن النبي كان قدوة لنا في غار حراء، تفكر في ملكوت السماوات والأرض، تعرف إلى الله، ناجى ربه، أقبل عليه، استغفره، دعاه لا بد لكل واحد منا من جلسة مع الله عزوجل.
(( أوحى الله تعالى إلى موسى، أتحب أن أسكن معك بيتك فخر لله ساجدا ثم قال: فكيف يا رب تسكن معي في بيتي، فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))
[ رواه البيهقي عن أبي هريرة ]
لو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــــا وليت عنا لغيرنا
ولــــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحينا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة لـــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
ولــــــو لاح من أنوارنا لك لائح تــركت جميع الكائنات لأجلنا
فـــــــــما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قـلنا له قد جهلتنا
إخواننا الكرام، الواحد منا ذاق الطعام والشراب، وتزوج، وذاق طعم الزواج، وركب مركبة، وسكن بيتًا، وأنجب أولادًا، الدنيا لها سقف، لو معك مئة مليار هل تأكل خمسة كيلو لحم ؟ لا تستطيع، أوقية، حجمه 200 غ لحم، وبذلة واحدة، وتخت واحد ، الدنيا لها سقف، مهما كنت غنياً، لذلك فرق العلماء بين الكسب والرزق، الرزق ما انتفعت به فقط، الطعام الذي أكلته هو رزقك، والثياب التي ارتديتها هي رزقك، والبيت الذي تسكنه رزقك، والفراش الذي تنام عليه رزقك، وهذه التي أكرمك الله بها رزقك، وما سوى ذلك تحاسب من أين اكتسبته ؟ وفيما أنفقته ؟ لذلك:
((لا تَزُولُ قَدَمَ ابنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبّه حَتّى يُسْأَلَ عن خَمْسٍ: عن عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وعن شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِم ))
[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عن أبي برزة ]
عن ماله سؤالان: ((مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ))
نفكر، والشباب الصغار يحتاجون أكثر من غيرهم إلى التفكير، لأنه أمامهم خيارات واسعة جداً، أردت أن تكون طبيباً من أجل ماذا ـ دقق الآن ـ طبيب غني، عنده سيارة بي أم، سأصبح طبيبًا، الطبيب له مكانه بالمجتمع، دكتور، الطبيب ينتقي أجمل زوجة، مثلاً، إن كان التفكير هكذا فلا قيمة لهذا الاختصاص إطلاقاً، أما فكرت ـ أنا أكلم الشباب ـ الطبيب يستطيع أن يعالج المؤمنين، ويطمأنهم، وأن يدخل على قلبهم السرور.
والله مرة التقيت بطبيب ذكرني بحديث، والله اقشعر بدني، يقول هذا الطبيب:
((مَن نَفَّسَ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس اللَّهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة ))
[ رواه البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه ]
قال لي: أسأل الله أن أكون محسوباً على هذا الحديث، بين أن تجد طبيبًا دخله كبير، وبيته جميل، وزوجته جميلة، مركبته فارهة، ومحترم، وبين أن تمتهن الطب لتخدم المؤمنين، تتعلم لغة إنكليزية، بين أن تصبح مترجمًا فوريًا بالمؤتمرات، تعويضات مذهلة، وبين أن تترجم كتبًا إسلامية للعالم الغربي الذي يرانا إرهابيين، يختلف الوضع.
يا معشر الشباب اسمعوا وعوا:
فأنتم أيها الشباب، إذا كان لكم غار حراء فاختاروا حرفة تبتغون بها وجه الله، الفرق كبير جداً، تختار حرفة تبتغي بها وجه الله، أردت أن تكون تاجراً، فقد كان التجار من السلف الصالح إذا فتحوا محلاتهم التجارية يقولون: يا رب، نويت خدمة المسلمين، أصبحت تجارته عبادة، إذا قال الطبيب: يا رب نويت خدمة المؤمنين، إذا قال المهندس: يا رب، ألهمني أن ابني بناء لهؤلاء الشباب كي تؤويهم، إذا قال المعلم: يا رب، ألهمني أن آخذ بيد طلابي إليك، أن أعرفهم بك يا رب، لما تدخل غار حراء تخطط لحرفة ترضي الله.
أنا أخاطب الشباب أمامكم خيارات واسعة جداً، بين أن تختار حرفة من أجل الدنيا، وبين أن تختار حرفة من أجل الآخرة، والضابط لذلك:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
قد تشتهي أن تكون غنياً، لكن هذا الغنى يمكن أن ترقى به إلى أعلى درجات الآخرة، تنشئ مياتم، مستوصفات، معاهد شرعية، تزوج الشباب، تبني أبنية، الأغنياء أمامهم خيارات لا يعلمها إلا الله.
أنا أقول لكم: فكر ليكون لك غار حراء في بيتك، من أجل أن تخطط لمستقبلك ولآخرتك إن لم تخطط يخطط لك، إن لم تخطط تكن رقماً لا معنى له في خطة عدوك، لذلك غار حراء يعني التفكر، لأن الدنيا تأخذنا جميعاً أحياناً، من موعد لموعد، للقاء، لمشروع، لاجتماع، لسهرة، لندوة، وإلى متى أنت باللذات مشغول ؟ غار حراء يجب أن تتأمل، أن تفكر، أن تناجي نفسك، أن تقيم حوارًا داخليًا، هذا غار حراء، فالنبي قدوتنا في غار حراء، ويجب أن يكون لكل واحد منا غار حراء يناجي فيه ربه، يسأله حاجاته كلها، يستغفره، يذكره، يتلو كتابه، يستسمح منه أحياناً، يناجيه، يدعوه، هذا غار حراء من أجل أن تصح حركتك في الحياة مخططًا لها.
حكمة الله في اختيار نبيه لغار حراء:
وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفاً لتدبير الله له وليكون انقطاعه عن شواغر الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تتحول فيها طاقاته لاستقباله ما ينتظره من هذه البعثة العظيمة، فغار حراء نحن بحاجة إليه، ولكن مجزأ، وفي البيت، لابد من خلوة مع الله.
(( ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر ]
(( آية بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما ))
[ أخرجه سعيد ابن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-06-2018, 04:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الاربعون )
الموضوع : إعادة بناء الكعبة - بعض أخلاق وشمائل النبي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
مقدمة عن بناء الكعبة:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وألفنا في الدروس السابقة أن نعود إلى المرحلة المكية، ونأخذ من سيرة النبي ما نحن في أمسّ الحاجة إليه في علاقتنا، وفي طموحاتنا، وفي فهما لهذا الدين.
واليوم الحديث عن بناء الكعبة، لأنه في النهاية هناك ملمح خطير نحن في أمسّ الحاجة إليه، فالخمس وثلاثون سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة، والله عزوجل يقول:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران ).
الكعبة هي الوسط الهندسي للقارات الخمس:
سيدنا إبراهيم جدد بناء الكعبة، لكن الكعبة أول بيت لله في الأرض، بل إن علماء الجغرافيا يؤكدون أن الكعبة هي الوسط الهندسي للقارات الخمس، كيف ذلك ؟
لو أخذنا العالم القديم، آسيا، وأوربا، وإفريقيا، واستراليا، هذا العالم القديم، ووصلنا بخطوط بين كل النهايات لهذا العالم القديم، إن هذه الخطوط تتقاطع في مكة المكرمة، إذاً الكعبة هي الوسط الهندسي للعالم القديم يعني بين مكة، وبين أي طرف من أطراف العالم القديم، 8500 كيلومتر بالضبط، فإن أضفنا العالم الجديد أمريكا تكون مكة المكرمة أيضاً وسطاً هندسياً للعالم الجديد، فبين مكة وأطراف العالم الجديد 13 ألف كيلومتر.
إذاً: ولا يقابل الكعبة مكان يابس في الطرف الآخر، بل يقابل الكعبة المحيط الهادي، في أماكن في اليابسة مكان يقابله مكان في الطرف الآخر، إلا أن الكعبة لا تقابلها يابسة في الطرف الآخر، فالكعبة هي الوسط الهندسي للعالم القديم والعالم الحديث، هذا من حيث الجغرافيا.
ومن حيث القرآن الكريم:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾
الآن السؤال: ما معنى أنّ الله في كل مكان ؟ ألم يقل الله عزوجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 ).
ما معنى أن يتخذ بيتاً في مكان ما ؟ الجواب: أنه تمشياً مع الجانب المادي للإنسان اتخذ الله له بيتاً في الأرض، أنت في دمشق، الله عزوجل قال: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾
( سورة آل عمران الآية: 97 ).
أنت في الصلاة تصلي في بيتك، وفي مسجدك، وأنت مقيم بين أهلك وأولادك وفي مكتبك وعملك، والصيام كذلك، والزكاة كذلك، والنطق بالشهادة كذلك، لكن أداء فريضة بالحج لا بد من أن تغادر بلدك، وأن تترك وطنك، وأن تغادر بيتك، ومكتبك وزوجتك، وأولادك، هذه العبادة تحتاج إلى تفرغ تام، وكل إنسان حينما يسافر، ويتجشم مشاق السفر، ويدفع النفاق الكبيرة، ويحرم من بيته، من فراشه الوثير، من أهله، ممن حوله، من أولاده، ليكون مسافراً إلى مكان بعيد، بهذه الطريقة يشعر الإنسان أنه تجشم مشاق السفر من أجل تلبية دعوة الله عزوجل.
لذلك يقول الحاج: لبيك الله لبيك، كأنه يجيب الذات الإلهية أن يا عبدي، تعال إلي، تعال وزرني في بيتي، تعال، وذق طعم القرب مني، تعال، وأعلن توبتك عندي، تعال، واستغفرني، تعال، وأقبل علي، اخلع عنك كل الأقنعة المزيفة، ارجع إنساناً واحداً، لا تستطيع بثياب الحج أن تفخر بثيابك، ولا برتبك، ولا بتجارتك، ولا بمنصبك، حاج، إزار، ورداء، ولا شيء غيرهما، لذلك اتخذ الله له بيتاً، وجعل علامة الصدق في طلبه زيارة هذا البيت، وجعل هذه الزيارة تعبيراً حقيقياً عن شوق العبد إلى ربه، لذلك مستحيل وألف ألف مستحيل أن تزوره في بيته الحرام ولا يكرمك، ومن وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له، أتيته تائباً، أتيته طائعاً، من دون أن تعود بشيء ؟ تعود بالمغفرة، وتعود بالسكينة، وتعود بالحكمة، وتعود بالتأييد، وتعود بالتوفيق، وتعود بالنصر، هذه حكمة أن الله اتخذ بيتاً له، هو الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام. الشروع في بناء الكعبة وجمع الأموال الطيبة لذلك:
فقريش لخمسٍ وثلاثين سنة من مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم قامت ببناء الكعبة، وذلك لأن الكعبة كانت ردماً فرق القامة، ارتفاعها ضئيل جداً، ارتفاعها تسعة أذرع، من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم لكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها، كان فيها كنز سرقه اللصوص، وكانت مع ذلك تعرضت باعتبارها أثراً قديماً للعوادي التي هدت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف سيل مكة بعض أحجارها، وتصدعت جدرانها، فأوشكت الكعبة على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصاً على مكانتها، واتفقوا ألا يدخلوا في بنائها إلا طيباً.
هؤلاء الأناس الصادقون، الأطهار هم يسهمون في بناء الكعبة، لذلك بعض العلماء الأجلاء وقد توفاهم الله عزوجل كان في مكة المكرمة، وفي أثناء التوسعة ساهم، وهو في السبعين من عمره بحمل التراب، والخشب، والحجارة، وساهم في بناء بيت الله الحرام، هذا شرف أيها الإخوة، خدمة بيت الله شرف.
مرة التقيت بخادم جامع في أحد جوامع دمشق، لكن هذا الجامع شهد الله، فيه نظافة تفوق حد الخيال، وكأنه بيت سيدته عندها وسواس نظافة، النظافة غير معقولة ، السجاد دائماً ينظف بالمواد، يلمع، المرافق العامة كأنها من يوم بُنيت ز
مرة التقيت به وقد توفاه الله عزوجل قال لي: نحن عملنا بالقرآن، قلت له: أين في القرآن ؟ قال لي:
﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 125 ).
سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء، أمره الله أن يطهر بيت الله الحرام، أرأيت إلى هذه الآية ؟ هذه غطت خُدام المساجد، لذلك خدمة المساجد عمل عظيم، وقربة إلى الرب الكريم.
فوائد جليلة من مشروع بناء الكعبة:
1 - الفطر السليمة تعرف الأعمال الصالحة:
واتفقوا أيضاً ألا تكون النفقة على بنائها إلا من مال حلال، هذا قبل بعثة النبي معنى ذلك أن منهج الله مركوز في فطر الإنسان، بل لكلمة المعروف والمنكر ملمح دقيق جداً، سمى الله العمل الصالح معروفاً، كيف ؟ كلمة تبدو بلا معنى، معروف، من يعرفه ؟ ما هو حتى يكون معروفا ؟ لأن الفطر السليمة تعرف الأعمال الصالحة بفطرتها، بجبلتها ، بأصل خلقها، والفطر السليمة بجبلتها، وبأصل خلقها، تعرف المنكر، فالفطر السليمة تعرف المعروف وتنكر المنكر، لذلك الآن في بعض البلاد عندهم في القضاء نظام المحلفين، المحلفون أناس من قارعة الطريق، يؤخذون إلى المحكمة، وتعرض عليهم جريمة، هم على فطرهم، وعلى بديهتهم، ومن دون ضغوط، ومن دون طمع، ينطقون بالحق، هذه الفطرة السليمة.
ومرة في الساحل السوري، جاءت رياح عاتية فاقتلعت 150 بيتاً زراعياً، مرة كنت هناك، الذي لفت نظري، وأثار إعجابي أن معظم الناس على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وطوائفهم، أجمعوا على أن صاحب للبيت سيئ فدُمر بيته، بفطرهم، ولو أصغى الإنسان إلى صوت فطرته لعرف الحق.
فأردوا أن يقوم أناس أطهار ببنائها، وأن تكون النفقة من مال حلال، وأنت بفطرتك تعرف المال الحلال من المال الحرام، وتعرف الكسب المشروع من الكسب غير المشروع، وتعرف ما إذا كنت مستقيماً أو منحرفاً، صادقاً أو كاذباً، لأن الله عزوجل يقول:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
( سورة القيامة ).
فاتفقوا ألا تكون النفقة على بنائها فيها مهر بغي، أيْ امرأة بغي، مالها حرام ، ولا بيع رباً، ولا مظلمة لأحد من الناس، فاتفقوا على أن تكون النفقة على بناء الكعبة بعيدة عن كل شبهة، ليس فيها مهر بغي، ولا بيع رباً، ولا مظلمة أحد من الناس.
2 – تعظيم شعائر الله ومشاعره:
لقد كانوا يهابون هدمها، للكعبة قدسية كبيرة، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي، فأخذ المعول، وقال: اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين.
بالمناسبة:
﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
( سورة الحج ).
بقدر تقواك تعظم شعائر الله، تعظم القرآن، تعظم المساجد، تعظم أهل العلم، فهدم الركنين الوليد بن المغيرة المخزومي، ولم يصبه شيء، هو أراد الخير، أراد بناءها ، لكنه مركوز في أعماق النفوس أن الذي يهدمها يقصمه الله عزوجل لذلك:
(( إنما الأعمال بالنيات ))
[ متفق عليه عن عمر ]
لذلك تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، مادام هدم ركنين ونام، واستيقظ وما مات معناها ممكن نتابع الهدم يعني جربوا به، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ بالبناء فجزؤوا الكعبة وخصصوا لكل قبيلة جزءاً منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدا، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه " باقون ".
الآن يجب أن تروا من هو محمد عليه الصلاة والسلام، أتاه الله الحكمة، هناك خلاف بين علماء الدين حول عصمة الأنبياء قبل الرسالة، أو بعدها، والأرجح أنهم معصومون قبل الرسالة وبعدها.
3 – حكمة النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة:
ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضع مكانه الحجر الأسود، من ينال شرف أن يمسكه، وأن يحمله، وأن يضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليالٍ أو خمساً، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم.
سامحوني، كلما ابتعد الإنسان عن تطبيق جوهر الدين، يتعلق بالشكليات، امرأة سافرة، لكنها تحرص على صيام السابع والعشرين من رجب، سافرة سفورًا كليًّا !!! إذا تفلت الإنسان من منهج الله يحرص على الشكليات، وكأنه بهذه الشكليات يجبر نقصه، أو يرمم، أو يعوض، لاحظ إنسانًا لا يكتب، وعلى صدره أربعة أقلام دون أن يشعر، والذي لا يقرأ يقتني بعض الكتب في بيته، وقد يضعها بعكس الاتجاه الصحيح نحو الأسفل، هذه حالة اسمها التعويض، الإنسان الذي ينقصه شيء هناك يعوضه بشيء آخر.
فلذلك كادت القبائل تقتتل في أرض الحرم، كادت الدماء تسيل، من ينال شرف أن يمسك بالحجر الأسود، وهو يعبدون أصناماً آلهة.
هناك تناقض أيها الإخوة كبير جداً، من جهة يحرص على شيء، ومن جهة يضيع أشياء، وفي شخصية المسلم المعاصر مثل هذه التناقض، يحرص على أن يكون صيامه صحيحاً، ويخاف أنه إذا كان بين أسنانه حبة سمسم، ويخشى أن يكون قد أفطر، وهو يفعل المنكرات ولا يعبأ، هذه الشخصية المهزوزة شخصية التناقض، شخصية تتبع الصغائر، وتتساهل بالكبائر، هذه شخصية مرفوضة، حرب ضروس، ودماء تسيل، كادت بسبب من ينال شرف حمل الحجر الأسود، ووضعه في محله.
إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد، فارتضوا، هذا أسلوب قديم، أول إنسان يدخل عليهم من باب المسجد يحكموه في هذا الموضوع، وشاء الله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتها، كان محمد بن عبد الله هو أول داخل، فلما رأوه هتفوا، وقالوا: هذا الأمين، النبي عليه الصلاة والسلام ما عبد صنماً، ولا شرب خمراً، ولا أكل مالاً، ولا انتهك عرضاً، ولا سفك دماً، هذا الأمين رضيناه، هذا محمد ، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء، فوضع الحجر وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء.
الآن يقول لك: مائدة مستديرة، لو أنها مستطيلة من يجلس في هذا المكان ؟ هذا أوجه مكان، المكان هنا غير وجيه، فلئلا يكون هذا النزاع تكون المائدة مستديرة، وأنت حينما تقيم عقد قران، ويأتيك ضيوف كثر، وأنت محرج جداً من ضيف له قيمة ليس له مكان في الصف الأول، هذه تقاليد وعادات.
أما النبي الكريم كيف حل هذا الموضوع ؟
(( إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ))
[ الشمائل المحمدية]
كيف حل موضع، تفضل لا تفضل، قال: تيامنوا، يدخل على اليمين، كيف حل موضوع الضيافة ؟ ابدأ بيمين القوم، فالنبي عليه الصلاة والسلام جلس إلى يمينه غلام صغير، فلما جاءت الضيافة قال له: يا غلام، إلى جانبه الصديق، أتأذن لي أن أسقي الصديق قبلك ؟ قال: لا والله على لا آذن لك، هذا حقي، انظر إلى النظام، تشجيع الضيافة بدءاً من اليمين، مطلق اليمين، بدخول الأشخاص إلى مكان من اليمين، بخلاف حول شيء بالقرعة، شيء رائع جداً، عندك أولاد اختلفوا على من ينام على السرير الذي جانب النافذة، فيها إطلالة جميلة، اختلفوا، تقاتلوا، حل الموضوع بالقرعة، أنت بحاجة إلى أن تأخذ معك واحداً إلى هذه النزهة اختلفوا، حل الموضوع بالقرعة، كان عليه الصلاة والسلام يستخدم القرعة بين نساءه.
فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداءاً فوضع الحجر وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضي به القوم.
حينما تطبق تعليمات النبي تنتهي المنازعات إطلاقاً، إلا أن هناك ملمحًا دقيق جداً في بناء الكعبة، أن قريش قصرت بها النفقة، فالمال الذي جُمع لم يكن كافياً، قصرت بها النفقة الطيبة، ما اتفقوا أن كل إنسان ماله فيه شبهة، مهر بغي، مال فيه رباً، هذا مال ممنوع أن يسهم في بناء الكعبة، لذلك فأخرجوه من الجهة الشمالية نحو من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، إن أكرمكم الله بعمرة أو بحج الكعبة بالجهة الشمالية فيها قوس، هي الكعبة في الأساس مستطيلة، لكن النفقة قصرت بهم فوقفوا عند هذا المكان، وهذا القوس تابع للكعبة، والذي يطوف حول البيت، ويدخل بين القوس، والكعبة طوافه باطل، لأن الطواف حول الكعبة، فهذا من الكعبة.
4 – مراعاة الرأي العلم:
لكن الملمح الدقيق الدقيق هو أن النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال للسيدة عائشة: لولا أن قومك، بعد أن جاءت البعثة، وبعد أن أصبح النبي رسول الله، وبعد أن دعا إلى الله، وهو يعلم علم اليقين أن حدود الكعبة وراء الحطيم، لكن لئلا يثور عليه الناس قال لعائشة رضي الله عنها:
(( لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لأتممت بناء الكعبة ))
[ الترمذي، والنسائي]
هذا أهم ملمح أريده في هذا اللقاء، أنت حينما تراعي الرأي العام، حينما تراعي الجو العام، حينما تراعي التوجهات الجديدة، من دون أن تدفع هذا من دينك، يمكن لإنسان دعاك إلى طعام، وإنسان تعرفه، ويعرفك، من الداعي ؟ فلان، أنا فلان لا أثق بدخله، لا تثق بدخله، أنت مكلف أن تأتي إلى هذه الدعوة، هناك أشخاص يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على سبب تافه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان بإمكانه أن يتم بناء الكعبة، ولكن خشي من أن يأتيه نقد شديد، فرجح خيراً على خير، من هنا يقول سيدنا عمر: << ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشرين وفرق بينهما، واختار أهونهما >>.
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( دع خيراً عليه الشر يربو ))
[ ورد في الأثر]
أنت مأمور أن تصل رحمك، لكن لك خالة بناتها متفلتات، يستهزئون بدينك، فإذا ذهبت إليها جلسوا معك بثياب فاضحة، يتطاولون عليك، لأنك من سنّهم، فهذه الزيارة لا تريحك، إذاً:
(( دع خيراً عليه الشر يربو ))
ودرء المفاسد أهم من جلب المنافع .
(( مَنْ دُعِيَ فلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ ))
[ رواه أبو داود عن أبان بن طارق ].
أما دعوة إلى فلان لا ترضي الله، أنا لا أذهب، عدم ذهابي شر، وذهابي أشر ، أنا أتلافى أسوأ الشريين بأقلّ الشرين، هذا واضح، هذا من فقه الإنسان.
قال لها:
(( يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لأتممت بناء الكعبة ))
وصارت الكعبة بعد انتهاء بنائها ذات شكل مربع تقريباً، يبلغ ارتفاعه 15 م، وطول ضلعه الذي فيه حجر الأسود والمقابل له عشرة أمتار، والحجر موضوع على ارتفاع متر ونصف من أرضية المطاف، والضلع الذي فيه الباب، والمقابل له 12 م، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء، وهذه تسمى بالشادروان، وهي من أصل البيت، لكن قريشاً تركتها.
5 – الحق قديم:
إذاً: نستفيد أن الحق قديم، وأن الباطل والحق، والخير والشر، والحرام والحلال مزروع في أصل خلق الإنسان، وأن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، وأن النبي عليه أتم الصلاة والسلام كان حكيماً في أنه راع الظروف العامة، وكان منطقياً في أنه ما أراد أن تثور حول دعوته ثورة.
سيرة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة:
1 – الفكر الصائب والنظر السديد:
الآن نتحدث عن سيرة النبي الإجمالية في مكة، كان عليه الصلاة والسلام قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب ، والنظر السديد، ونال حظاً وافراً من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف وكان يستعين بصمته الطويل.
إخواننا الكرام، بلا مبالغة، ما من شيء يؤثر في الناس كالخُلق الحسن، والكلمة الرائعة التي قالها ابن القيم رحمه الله تعالى: " الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ؟.
النبي عليه أتم الصلاة والسلام مع أن معه وحي السماء، ومع أنه أوتي المعجزات، ومع كل ميزاته، قال الله له:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 ).
فمؤمن يصلي، ويدعي أنه قوي الإيمان، ويتعامل مع الناس بغلظة ؟! أو بقسوة ؟! أو بشدة ؟! أو بعدم حكمة ؟! أو أن يؤدي العبادات وينتهك الحرمات ؟! أو أن يأخذ ما ليس له ؟! إذاً كان عليه الصلاة والسلام طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب، والنظر السديد.
2 – أهمية الفكر الصائب والنظر السديد في حياة المسلم:
بالمناسبة: الفكر الصائب، والنظر السديد هدية الله للمؤمن، أما الذي انقطع عن الله عزوجل قال عنه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
( سورة محمد ).
قد يرتكب الذكي حماقة ما بعدها حماقة، فالفكر السديد، والموقف السليم والحكمة هذه هدية الله للمؤمن، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 ).
ونال حظاً وافراً من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف كيف ؟
3 – حكمة النبي عليه الصلاة والسلام:
إنسان ثارت حوله مشكلة، وهو النبي الكريم، جاءه زعيم الأنصار، وقال: يا رسول الله، إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، من هذا الفيء الذي منعته من الأنصار فقال: يا سعد، أين أنت من قومك ؟ فقال سعد: ما أنا إلا من قومي، فقال: اجمع لي قومك ، الآن هناك مشكلة، دققوا في حكمة النبي قال:
(( يا معشر الأنصار، بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم من أجل لعاعة تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ))
الآن دققوا: النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، كيف عاملهم ؟ كان بإمكانه كما يفعل الأقوياء، أن ينهي وجودهم، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، وكان بإمكانه أن يهملهم، وكان بإمكانه أن يعاتبهم، قال:
(( أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم به، أتيتنا مكذبا فصدقناك، وفقيراً فأغنيناك، وطريدا فآويناك ))
ذكرهم بفضلهم عليه، أحياناً تقول للطرف الآخر: أنا أخطأت، سامحني، انتهت المشكلة، وأحيانًا تدخل المحاكم 18 سنة، ولا تنام الليل كل يوم، وتدفع كل أموالك للمحاميين، لأنك أخطأت، وما اعتذرت، هناك حكمة، كلمة لطيفة تنهي مشكلة، حتى بين الزوجين، ارتكبت خطأ لا تقل أنت مخطئة، قل لها: أنا أخطأت، سامحيني، انتهت العملية كلها، فذكرهم بفضلهم عليه، هو قوي جداً، دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، قال:
(( أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم به، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فأغنيناك ))
ألم تكونوا أعداء فألف بين قلوبكم، ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله.
(( أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم ].
(( لو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ))
[ رواه قتادة عن انس بن مالك ].
فبكوا حتى سال الدمع من لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظا، إن كنت مع الله فأنت حكيم، وإن لم تكن معه ارتكبت حماقة تجرك إلى الويل والخراب.
4 – نفور النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة من المحرمات والأوثان:
إذاً: نال حظاً وافراً من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل، وإدمان الفكرة، واستهناك الحق، وطالع بعقله الخصب، وفطرته الصافية صحائف الحياة، وشؤون الناس، وأحوال الجماعات، فعافى ما سواها من خرافة، ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة، من أمره وأمرهم فما وجد حسناً منهم فشاركهم فيه، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذُبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيداً ولا احتفالا، بل كان من أول نشأته نافراً من هذه المعبودات الباطلة حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللاة والعزة.
قبل أن تأتيه البعثة، فطرته سليمة، فطرته تأبى أن يعبد صنماً، أو أن يُحلف بإله، أو أن يشرب خمراً، لذلك للنبي عليه الصلاة والسلام ملامح رائعة، يقول:
(( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة ].
فإذا أسلم أحد الجاهليين، وكان معروفاً بالشجاعة والكرم، وتلبية حاجات الناس يقول له يا فلان:
(( أسلمت على ما أسلفت من خير ))
[ متفق عليه ].
ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أحاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى بإتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخل العناية الإلهية للحيلولة بينه وبينها.
وكان عليه الصلاة والسلام يمتاز بقومه بخلال عذبة، وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأصدقهم حديثاً، وألينهم عريكة، وأعفهم نفساً، وأكرمهم خيراً، وأبرهم عملاً، وأوفاهم عهداً، وآمنهم أمانة، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع فيه من أحوال الصالحة، والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق.
5 – مركوز في أعماق الإنسان أن الله لا يضيع مؤمنا:
أعود إلى الفطرة، السيدة خديجة رضي الله عنها قبل أن تأتي البعثة حينما جاءه الوحي، وجاء إلى بيتها، أو إلى بيته، وقال: زملوني زملوني، دثروني دثروني، والله يا ابن العم لا يخزيك الله أبدا، إنك تقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، قبل أن يأتي القرآن، قبل أن يتحدث النبي العدنان، مركوز في أعماق الإنسان أن الله لا يضيع مؤمنا.
لذلك أيها الإخوة، أنا أخاطب الشباب، الذين في مقتبل حياتهم، الله عزوجل يقول:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل الآية: 97).
وقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 ).
كلمة موجهة للشباب:
أنا أقول للشباب، إن كنت مستقيماً، محباً، مقبلاً، صادقاً، يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله لن يضيعك، ولن يخزيك، يعني من سابع المستحيلات أن يعامل المستقيم كالمنحرف، والصادق كالكاذب:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾
﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية ).
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة ).
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم ).
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص ).
أيها الإخوة، المؤمن متفائل، والمؤمن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله لن يضيعه، قول السيدة خديجة مذهل: يا ابن العم، والله لن يخزيك الله أبداً، إنك تقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فأقر عينك بهذا.
أنا أخاطب الشباب الحياة صعبة، فرص العمل قليلة، تأمين البيوت صعب، الزواج صعب، أنت عليك أن تكون مستقيماً وعلى الله الباقي، لأن الله أنشأ لك حقاً عليه، قال: حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف.
أيها الإخوة، في السيرة ملامح رائعة جداً، أن السيدة خديجة لم يأتِ الوحي بعد، لم يأتِ القرآن بعد، لم يتكلم النبي بعد، مركوز في أعماق أعماقها أن المستقيم لن يضيعه الله عزوجل.
والله مرة أخ من إخوتي الكرام استيقظ صباحاً على صوت امرأته تولول، مالك ؟ قالت: ابنتي أصيبت بالشلل، قال كلمة تأثرت لها: والله ما كان الله ليفعل بي ذلك ، له ثقة بالله، ثم ثبت أن هناك مرضاً يشبه الشلل بعد ساعات يزول، له ثقة بالله عزوجل.
أنا أتمنى عليكم أن تثقوا بالله، لا يضيعك الله، كن معه، كن لي كما أريد كن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك.
(( من جعل الهموم هما واحدا، هم آخرته، كفاه اللَّه هم دنياه ))
[عن ابن مسعود ]
اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، هم في مساجدهم والله في حوائجهم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الواحد و الاربعون )
الموضوع : الوصول إلى المدينة المنورة وبناء جامع بقباء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته، وها نحن نصل معه إلى قباء. مع النبي صلى الله عليه وسلم في قباء:
أيها الإخوة، في يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول عام 14 من النبوة، وهي السنة الأولى من الهجرة، كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قباء، وقبل أن أتابع أقول:
سيرة الرسول منهج كامل:
إخوتنا الكرام، يجب أن نعلم علم اليقين أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منهج بكل ما في الكلمة من معنى، ذلك لأنه في مكة المكرمة لـ 13 عاماً قوى النبي الكريم الإيمان في قلوب أصحابه، فصار الواحد كالجبل في الإيمان , لكنهم ضعفاء، لكن بعض الأصحاب كان يعذب أمام النبي عليه الصلاة والسلام , ولا يملك شيئاً إلا أن يقول لهم:
(( صبراً آل يل سر فإن موعدكم الجنة ))
( السيرة النبوية ).
قوة الإيمان:
ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة ؟ بنى الإيمان، الإيمان أكبر كلمة، ذلك أنك إذا سألت ما هي أقوى قوة في الأرض ؟ قد يقول أحدهم: القنبلة الذرية أو النووية، في ثوانٍ تبيد ملايين، حرقاً وضغطاً، ولا تبقي ولا تذر، لا من البشر , ولا من الحيوان، ولا من النبات، ولا أي كائن حي، من هو الأقوى منها ؟ الذي صنعها بما آتى الله الإنسان من عقل، استطاع بهذا العقل أن يصل إلى الكواكب الأخرى، سافر إلى القمر، أرسل مركبة إلى المشتري، وبقيت هذه المركبة تسبح في الفضاء ست سنوات بأسرع سرعة صنعها الإنسان، 40 ميلا في الساعة، أسرع الطائرات الآن بين الـ900 والـ 1000 كم في الساعة، أما هنا 60 ألف كم في الساعة، إذاً الذي صنع القنبلة بقدراته العقلية هو أقوى منه، الآن القوة التي تحرك هذا الإنسان وتجعله يضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس، هي قوة الإيمان، الإيمان أقوى قوة في الأرض، يعني هل هناك أغنى من الحياة ؟ هل هناك أغلى على الإنسان من حياته ؟ حياة المؤمن يضحى بها رخيصة في سبيل الله، معنى ذلك أقوى قوة في الأرض قوة الإيمان، جئناكم بأناس يحبون الموت كما تحبون الحياة.
ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة ؟ بنى الإيمان في نفوس أصحابه، قوى الإيمان، لذلك الإيمان كلمة كبيرة جداً، فمنهج النبي أن الإيمان قوي وتمكن وتعزز في مكة المكرمة، لكنهم ضعاف، وقد جاء توجيه الله لهم ألا يقاتلوا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾
( سورة النساء الآية: 77 ).
قوة الحق:
لكن هذا الحق القوي يحتاج إلى قوة، قوة الحق تحتاج إلى حق القوة، لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، دخل في مرحلة أخرى، في مرحلة ثانية، دخل في مرحلة تأسيس كيان إسلامي، تأسيس دولة إسلامية، تأسيس دولة إسلامية، وحارب قريشاً حروباً ثلاثة، وبعض الغزوات إلى أن انتزع منهم اعترافاً بالكيان الإسلامي في صلح الحديبية، كنا في مرحلة تقوية الإيمان في مكة المكرمة. ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾
( سورة الشمس ).
﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
( سورة الفجر ).
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة النبأ ).
أما في المدينة فصار لهم كيان، وتشريع، وقوة، إذاً المسلمون اليوم ما لم يؤسسوا إيماناً قوياً كما فعل النبي بمكة، ثم يدعمونه بقوة كما فعل النبي الكريم بالمدينة، فلن يستطيعوا أن يحققوا رسالتهم.
خروج الأنصار لانتظار النبي على حب وشوق:
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة.
غدا بمعنى ؛ ذهب، راح ؛ عاد، سؤال لغوي: لو طرق إنسان باب بيت، وفتح ابن صاحب البيت، فقال له: يا بني، هل أبوك في البيت ؟ فقال الابن: الآن راح، قال له: سلم عليه، الابن كذب أم صدق ؟ معنى راح ؛ الآن أتى، هو في البيت، لكن طارق البيت توهم أنه خرج، غدا ؛ ذهب، راح ؛ عاد، قال العلماء: هو كاذب شرعاً، لأنه أوهم الطارق أن الأب ليس في البيت، لكنه صادق لغة، في الشرع هو كاذب، المؤدى أن تعطي المتكلم والسائل الواقع، هو يتوهم أنه ليس في البيت.
فكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه حتى يدركهم حر الظهيرة، لأن هناك حبا.
إخواننا الكرام، الإسلام من دون حب جسد من دون روح، جثة، إذا أفرغت الإسلام من الحب، من الود، من خفقان القلب.
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
( سورة الأنفال ).
(( أولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى ))
[ أخرجه الحكيم عن ابن عباس ].
لاتصالهم بالله عز وجل، الإيمان اتصال، الإيمان حال، الإيمان حب، الإيمان تضحية، الإيمان انضباط.
فلذلك كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم في أعلى درجات الحب، وحينما يزول الحب بيننا وتبقى المساجد الضخمة، وتبقى المكتبات العامرة، والمؤتمرات الباذخة وتبقى المظاهر الصارخة.
هناك مسجد زرته في الدار البيضاء بني فوق البحر، وكلف مليار دولار، مئذنته جامعة، أعلى مئذنة في العالم، وهي بناء أُعد ليكون جامعة بكل ما في الكلمة من معنى , جوامع كبيرة جداً فيها بذخ، وفيها زخرفة، ومؤتمرات، فنادق خمس نجوم، ومكتبات ومظاهر، وألقاب علمية، لكن ليس بيننا حب ولا اتصال بالله.
ملخص المعاملات:الاتصال بالله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/01.jpg
إخواننا الكرام، دققوا في هذا المثل:
التجارة فيها مئات، بل ألوف، بل عشرات الألوف من النشاطات، تاجر كبير يشتري محلا تجاريا، يشتري مكتب استيراد، يشتري مستودعًا، يعين موظفين، يعين محاسبة، إدارة، يعلن عن بضاعته، يسافر، يستورد، يعرض، يجول، أكثر من مئة نشاط، من ألف نشاط، من بضعة آلاف من النشاطات، كل هذه النشاطات تضغط في كلمة واحدة، بدءاً من شراء المحل والمستودع، مكتب الاستيراد، تعيين موظفين، السفر إلى الخارج، أخذ وكالات، استيراد بضاعة، عرض البضاعة، بيع البضاعة، نقل البضاعة شحن البضاعة، ثمن البضاعة، تحويل الثمن إلى المعامل نشاطات لا تعد ولا تحصى , وجلسات تحكيم بين التجار، وخلافات، وحسم أسعار، ومشكلات تنشأ في أثناء البيع والشراء , كل هذه التجارة تضغط بكلمة واحدة، فهي الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً.
بالمقابل النشاطات الدينية: إنشاء مساجد، إنشاء مكتبات، تعيين خطباء، إلقاء خطب، نقل خطب عبر الإذاعة، عقد مؤتمرات، نشاطات لا تعد ولا تحصى، كتب في السيرة، كتب في التاريخ، كتب في اللغة، كتب في التجويد، كتب في الأحكام الفقهية كتب في أصول الفقه، كتب في الفقه المقارن، كتب في تاريخ الفقه الإسلامي، كتب في أحكام المواريث، كتب في العلاقات العامة، كتب في العقيدة، كتب في الحديث، في علم مصطلح الحديث، مليون نشاط ديني، بين تعلم، وتعليم، وتأليف، وإنشاء مساجد وإدارات عامة، وجمعيات خيرية، الدين كله يضغط في كلمة واحدة الاتصال بالله، فإن لم يكن هناك اتصال بالله كل هذه المظاهر لا قيمة لها، كلام دقيق.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بنى الإيمان في مكة، وبنى كيان، مدني قوي في المدينة، فامتلك قوة الحق وحق القوة.
الجمع بين قوة الحق وحق القوة:
الآن لماذا قتل قابيل هابيل ؟ قابيل معه قوة، الأخ الأقوى، وهابيل معه الحق لكنه الأخ الأضعف، لكنه قُتل، ماذا كان ينقص هابيل، إضافة أنه على حق، وقدم قرباناً وتقبله الله منه، وأطاع الله وتزوج أخت قابيل، ينقص هابيل قوة قابيل، وماذا ينقص قابيل ؟ إيمان هابيل، فقابيل ملك حق القوة، وهابيل ملك قوة الحق.
لذلك النبي جمع بين قوة الحق في مكة، وبين حق القوة في المدينة، يعني كيف حق القوة ؟
الدول العظمى اخترعوا حقا لهم لأنهم أقوياء، اسمه " الفيتو "، أيّ قرار لا يعجبهم يستخدمون الفيتو فيلغى، هذا ما أنزل الله به من سلطان، هذا من اختراعهم، هذا من حق القوة، فالقوي يملي الشروط، والضعيف يقبلها.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن قوة الحق لا تكفي، كان في مكة يملك قوة الحق، لكن كان يرى أصحابه يُعذبون أمامه، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، أما في المدينة بنى كياناً إسلامياً، امتلك حق القوة.
لذلك عند الغربيين، الحق عندهم يعني القوة، القوة تصنع الحق، لذلك يكيلون بألف مكيال ومكيال، معهم حق القوة، لكن الحق عند المؤمنين ما جاء في وحي السماء هذا الحق، ما جاء بالوحيين، الكتاب والسنة، ولكن هذا الحق يحتاج إلى قوة.
لذلك أنت كمؤمن لا يكفي أن تكون مؤمنًا، صافي النفس، سليم الصدر، لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا نعمل ؟ الأمر ليس بيدنا، كله ترتيب سيدك، هذه الكلمات الفارغة التي ينطق بها المؤمنون أحياناً، ضعيف، مستسلم، يقبل الضغط، يقبل الذل، ما بيدنا شيء، نحن ضعاف، هكذا الله شاء، ماذا نفعل ؟ هكذا كان أصحاب رسول الله ؟ لا.
لما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة أسس كيانًا، وامتلك حق القوة، لذلك حارب قريشًا في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي الغزوات إلى أن انتزع من قريش القبيلة القوية المتغطرسة، المستكبرة، الجامحة، الطاغية، المنحلة، ربا على خمر، على زنا، على فوضى جنسية، هذه الفوضى العاتية المتكبرة انتزع منها اعترافاً بالكيان الإسلامي.
والعالم الإسلامي الآن ما لم يقتد برسول الله في انتزاع حق القوة فلن يستطيع أن يقيم الإسلام في بلاده، في الأرض هبابلة، وقبابلة، هبابلة أمثال هابيل، وقبابلة أمثال قابيل، الهبابلة مؤمنون والحمد لله، إن شاء الله مصيرهم إلى الجنة، لكن مذبوحون، أما القبابلة فكفار، وقتلة، ومجرمون، لكنهم أقوياء، فليت الهبابلة يأخذون من خصائص القبابلة، وليت القبابلة يأخذون من خصائص الهبابلة، هل هناك علاقة بين كلمة أهبل وهذه ؟ لا أعرف والله، نسحب هذه الكلمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/02.jpg
على كلٍ، أيها الإخوة، انطلقت من الحب، أتحب أخاك ؟ كان أصحاب رسول الله يصلون العشاء في المسجد النبوي، فإذا انطلقوا إلى البيت عانق الأخ أخاه وودعه، العشاء بالشتاء الساعة العاشرة، الفجر الساعة الرابعة، أو الثالثة، لما يلتقي الصحابي مع أخيه الذي ودعه قبل خمس ساعات يعانقه ويقول: وا شوقاه، غاب عنه خمس ساعات، هناك حب بينهم، وكان الصحابة الكرام إذا مشى الأول مع الآخر، وافترقا لشجرة بينهما، فإذا التقيا بعد الشجرة يقول الأول للثاني: السلام عليكم، نريد حباً كهذا الحب، نريد أن يكون المؤمنون أخوة.
(( قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون والصديقون والشهداء يوم القيامة ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني والحاكم، عن عبادة بن الصامت وعن معاذ ].
بوادر وصول النبي إلى المدينة:
فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم فلما آووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم ؛ على مرتفع من آطامهم لأمر ما، فبصر برسول الله وأصحابه من بعيد، فلم يملك اليهودي إلا أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فسار المسلمون إلى السلاح.
الآن هناك فضائيات، وأخبار، واتصالات، وكل شيء يقع في العالم يُعلم في ثوانٍ معدودة، صوتاً، وصورة، ومشهداً، وحركةً بالألوان، أما قديماً فلم يكن اتصالات، لاثنتي عشرة ليلة كان أصحاب النبي يغدون باكراً لاستقبال النبي، في النهاية وصل النبي، الآن تركب مركبة من مكة إلى المدينة تشعر بثقل الوقت، يا أخي ست ساعات، أربع ساعات ، وسرعتها 150 كلم، ومكيفة، يا أخي ست ساعات السفر متعب، النبي عليه الصلاة والسلام على ناقة اثني عشر يوماً، مع الخوف، والقلق، دمه مهدور، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، هؤلاء الصحابة الكرام، وعلى رأسهم النبي العدنان قدموا لنا هذا الإسلام، أما نحن فننتفع به، هم قدموه لنا، وبذلوا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ونحن ننتفع به، هم حملوا هذا الدين، ونحن حمَلَنا هذا الدين، فرق كبير جداً، هم حملوا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/03.jpg
إذا استقام الواحد منكم، وانضبط، واصطلح مع الله فهو معزز، مكرم، فالإسلام حملك، ورفع ذكرك، وأكرمك، أما الصحابة الكرام فحملوا لنا هذا الدين، وبذلوا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس.
وقال ابن القيم: " كبّر المسلمون فرحاً بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجوا للقائه، فتلقوه، وحيّوه بتحية النبوة، فأحدقوا به، مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي نزل عليه:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
( سورة التحريم ).
وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
وقال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً.
بالمناسبة: المسافر وحده شيطان، أما الثلاثة ركب، من السنة ألا تسافر وحدك.
دخول النبي المدينة وأدبه:
جلس النبي صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي أبا بكر ظناً أنه رسول الله، سيدنا الصديق واقف يستقبل الناس، والنبي جالس، وهو صامت، فتوهم الأنصار أن النبي هو أبو بكر، الآن دققوا في ذكاء وحكمة وأدب أبي بكر، أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، ما تكلم، أما حينما ظلله بردائه يعني أن هذا رسول الله.
أحيانا يمشي الإنسان مع شخص، الأول مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير دائرة، وزير، إذا مشيت إلى جانبه يحتار الناس، من الوزير ؟ تمشي وراءه خطوة فُهِم الأمر.
لذلك مرة رئيس فرنسا " ديكول " مشى وإلى جانبه رئيس تماماً، قال له: خطوة للوراء، ليعلم الناس أن في فرنسا رئيس جمهورية واحدًا.
هذا الأدب، فلما ظن الناس أن الصديق هو رسول الله قام وظلله بردائه، ما تكلم ، وأنت إذا كنت معاون مدير، وخرجتم إلى زيارة ميدانية ارجع خطوة، واضحة، تمشي إلى جانبه تمامًا، أمامه أيضاً ؟ الآن الأدب مع الأب ألا تسبقه، بل أن تتأخر عنه خطوة، وألا تجلس قبله، ألا تمشي أمامه وألا تجلس قبله، هذا من أدب الأبناء مع الآباء، الدين كله أدب.
إخوانا الكرام، رجل في الجاهلية كان من أجمل الرجال على الإطلاق، اسمه " زيد الخيل " مرة جاء النبي عليه الصلاة والسلام حسب الروايات أنه إذا ركب فرسه رجلاه تلمس الأرض إذا ركب الفرس، طويل، وجهه كالبدر، فجاء المسجد النبوي، أثناء خطبة الجمعة، فالنبي أعجب به، قال: من الرجل ؟ انظر النبي الكريم فيه لباقة.
هناك شخص لا يبالي بأحد، لا يبالي، وإذا بال فمِن بال يبول، لا من بالى يبالي، بال ؛ اهتم، مضارعه يبالي.
فالنبي قال: من الرجل ؟ قال له: زيد الخيل، أشهر إنسان قبل الإسلام من حيث الجمال، والقوة، والرجولة، فقال له: بل زيد الخير، عدل له اسمه، وأخذه إلى البيت، هذا إسلامه، عمر إسلامه ربع ساعة، أعطاه وسادة ليتكئ عليها، فقال زيد الخير: والله يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك.
إذا كنت جالسًا أمام إنسان عظيم هل تفعل هكذا ؟ فيها سوء أدب، رجل فوق رجل ؟ فيها سوء أدب، أو الرجلان متباعدتان فيها سوء أدب، أن تعبث بمسبحة فيها سوء أدب، أن تقرأ جريدة فيها سوء أدب.
ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ قال:
(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))
[ أخرجه ابن السمعاني عن ابن مسعود ].
ما رئي ماداً رجليه قط بين أصحابه، أبداً، من شدة أدبه ما رئي ماداً رجليه قط، فأعطاه وسادة إكراماً له لأنه ضيفه، ليتكئ عليها، قال: والله يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك.
عكرمة بن أبي جهل، أبو جهل أكفر الكفار، وأعدا أعداء النبي، ابنه جاء مسلماً، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟:
(( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ))
[ رواه الواقدي وابن سعد وابن عساكر، عن عبد الله بن الزبير ].
ما هذا الأدب ؟ المؤمن كله أدب، كله ذوق، أما الذي يقول لك: لا حياء في الدين قل له: كذبت، الدين كله حياء، والدليل قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
( سورة المؤمنون ).
من آداب القران والسنة:
كل أنواع الانحراف الجنسي تحت كلمة:
﴿ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
رأيت إلى الأدب القرآني ؟.
﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 189 ).
ألطف كلمة عبر بها عن اللقاء الزوجي. ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
( سورة النساء الآية: 43 ).
طفل جالس يفهم: ﴿ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴾
يعني يد الزوج مست يد الزوجة، هناك معنى أعمق:
﴿ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴾
﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ﴾
( سورة النساء الآية: 43 ).
الدين كله أدب، امرأة تشكو زوجها، منصرف عنها كلياً، ولا يقربها إطلاقاً، نهاره صائم، وليله قائم، فجاءت تشكوه لسيدنا عمر، قالت له: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوامٌ قوام، يبدو أنه كان مشغولاً فلم ينتبه لكلامها، قال لها: بارك الله لك بزوجك، قال له سيدنا علي: إنها تشكوه ولا تمدحه، انظر إلى الأدب، إن زوجي صوامٌ قوام، الآن تتصل امرأة بالهاتف تقول كلامًا غير لائق، أنه بعيدعنها امرأة بكلمات أخرى، انظر إلى أدب الصحابيات، إن زوجي صوامٌ قوام.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/04.jpg
مرة امرأة ثيابها مهملة، تهمل شكلها وأناقتها، التقت بالسيدة عائشة فشكت للسيدة عائشة زوجها الذي أعرض عنها كلياً، اسمه عثمان بن مظعون، فالنبي عاتبه، يا عثمان أليس لك بي أسوة ؟ إن لجسمك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، فأعطِ لكل ذي حق حقه، يبدو أنه انصاع لتوجيه النبي، واهتم بها، واعتنى بها وقاربها، فأصبحت عطرة نضرة، انتعشت، لبست، ترتبت، تزينت، فزارت السيدة عائشة وضع آخر، البارحة مهملة لثيابها، وشعرها، واهتمامها، ثاني يوم إنسانة أخرى تعجبت قالت لها: أصابنا ما أصاب الناس، انظر إلى هذا الأدب، أصابنا ما أصاب الناس، رأتها عطرة نضرة، فسألتها عن حالها ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس.
سيدنا الصديق وضع ردائه فوق رأس النبي ليظلله من أشعة الشمس، ما قال: لست أنا، غير لبقة، لما ظلله تبين أن الرسول هو رسول الله، وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يوماً مشهوداً لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.
وقد رأى اليهود صدق بشارة ما في كتبهم لظهور النبي عليه الصلاة والسلام، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام بقباء عند كلثوم بن الهدم، وقيل: بل عند علي بن سعد، والأول أثبت وجلس علي ابن أبي طالب ثلاثاً حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس.
الآن هناك اتجاه تكفيري منحرف، متشدد، أن مال الكفار حلال لنا، مثلاً: يذهب لأوربا، يشتري بعشرات ألوف الدولارات، ببطاقة ائتمان، ولا يدفع الثمن ويسافر، يعد نفسه بطلا ـ دقق ـ المشركون الذين يعبدون الأصنام وضعوا عند النبي أمانات لثقتهم بأمانته لمَ لم يعد هذا من حقه أن يأخذه لأنهم كفار ؟ أبقى ابن عمه علي ابن أبي طالب أياماً ثلاثة ليرد الودائع إلى أهلها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/05.jpg
فكل إنسان يسافر إلى بلد غربي ولا يدفع الثمن، يخالف مبادئ هذا الدين العظيم، بصراحة: ما دام هناك تمثيل دبلوماسي بالتعبير المعاصر بين دولتين فالدولة الثانية اسمها دولة آمنة، هناك اتفاقيات، أما مع دولة محاربة كإسرائيل أي شيء يأتينا من عندها هو غنائم، ممكن، هناك دار الحرب، ودار الإسلام، ودار الأمان، فدار الحرب أموال المحاربين غنائم للمسلمين، أما أموال الآمنين فحرام على المسلمين، أي مكان ذهبت في العالم المنحرفون كفار يحق لنا أن نأخذ أموالهم، كيف ؟ أليسوا مشركين ؟ عبدة أصنام أعطوا النبي ودائعهم لثقتهم بأمانته، فلما هاجر ما قال: إن هؤلاء كفار، عباد أصنام، أموالهم حلال لنا، أخذها ومشى، لا، أبقى ابن عمه أياماً ثلاثة كي يرد الأموال إلى أهلها.
لذلك أحياناً يرتكب المسلم بحق دينه جريمة، إذا كان ببلد غربي، ويحتال .
بالمناسبة، إذا أساء مسلم إلى إنسان ماذا يقول وهو مسلم: فلان أساء إليّ، أما إذا كان غير مسلم وأساء إليه مسلم يقول: الإسلام أساء إليّ، لذلك أنت أيها المسلم على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قِبلك.
أداء علي بن أبي طالب أمانات المشركين عند النبي:
ومكث علي بن أبي طالب بمكة ثلاثاً حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر مشياً على قدميه 480 كم مشياً على قدميه هم حملوا الإسلام لنا، ونحن الإسلام حملنا، حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم بقباء، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء، وكل إنسان اعتمر وذهب لزيارة النبي يعني من السنة أن يصلي بهذا المسجد وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، هذا أول مسجد أسس في المدينة بعد الهجرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/06.jpg
فلما كان اليوم الخامس يوم الجمعة ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله، فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مئة رجل، وبعد الجمعة دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ومن ذلك اليوم سمت بلدة يثرب بمدينة رسول الله لذلك ورد في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر قال:
(( اللهم ! إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك ))
[ ورد في الأثر عن أبي هريرة ].
لذلك يقال إن: المدينة أحب البلاد إلى الله، لأن فيها حبيبه. ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾
لماذا ؟ ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾
( سورة البلد ).
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
والذي يعتمر أو يحج يرى أن معاني الجلال في مكة المكرمة، بينما معاني الجمال في المدينة المنورة.
كنت مرة في العمرة فأنبئتن زوجتي كانت في محل بيع أقمشة، قالت إحدى النساء للبائع بعد أن قطع لها قطعة من القماش: من أجل رسول الله راعني، قال لها: والله لا آخذ ثمنها، هذه هدية، كلمة رسول الله كبيرة جداً، وتشعر أنت في المدينة روحانية النبي مسيطرة على أهل المدينة.
إذاً يعبّر عنها اليوم بالمدينة اختصاراً، هذه أل العهد، هي في الأصل مدينة رسول الله، ثم أصبح اسمها المدينة.
تقول: قائد الجيش فلان، في أثناء التداول تقول: جاء القائد، أل العهد.
إنه يوم تاريخي:
وكان يوماً تاريخياً أغر، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس، وكانت بنات الأنصار تتغنى بهذه الأبيات فرحاً وسروراً:
طلع الـبدر علينا مــن ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا مـــا دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
تنافس الأنصار للفوز بشرف استضافة النبي:
والأنصار أيها الإخوة، لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة، إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل النبي عنده في البيت، انظر إنه تنافس عجيب، كل واحد يعد شرفاً عظيماً أن يستقبل النبي، والآن النبي الكريم اختار واحداً من أصحابه، ونزل عنده كأنه قيمه وقيم الآخرين.
أنت أحياناً تقيم حفلا، تدعو زيداً، ولا تدعو عبيداً، أنت قيّمت، قيّمت زيداً بقيمة وعبيدًا بقيمة، قيّمت زيداً فدعوته، وقيّمت عبيداً تقييمًا سلبيًا فلم تدعوه.
دعوها فإنها مأمورة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2912/07.jpg
هناك مشكلة، كلهم أصحابه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، ودعوه أن ينزل عندهم، يقولون: يا رسول الله، هلم إلى العدد والعدة، والسلام والمنعة، نحن نحميك بأرواحنا، وعندنا عدة، وعدد وسلاح، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: خلوا سبيلها ـ للناقة ـ فإنها مأمورة، لم يعد هناط عتب أبداً، ما قبل دعوة واحد، بل قال: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم، فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت، وسارت قليلاً ثم التفتت ورجعت، وبركت في موضعها الأول، للتأكيد.
أحيانا يقول لك الكمبيوتر: اكتب كلمة السر، تكتبها، يقول لك: أعدها مرة ثانية، للتثبيت، أحياناً توقيعان: توقع على السند، للتثبيت.
فبركت، والنبي بقي على ظهرها، ثم وقفت، ثم سارت، ثم رجعت فبركت هذا المكان الذي أراده الله، وهو المسجد النبوي الشريف، وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم، وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله، هو رغبة النبي أن ينزل عند أخواله بني النجار، لكن لا يتمكن لئلا يميز، قال: دعوها فإنها مأمورة، والله عز وجل جعل هذه الناقة تقف في نبي النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم.
استضافة أبي أيوب الأنصاري للنبي:
بادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله، فأدخله بيته فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المرء مع رحله، يعني وقف بأرض بني النجار أرض أخواله أمام بيت أبي أيوب الأنصاري، فصار واضحًا جداً أن هذا هو المكان، فأبو أيوب الأنصاري أخذ رحل رسول الله مع على الناقة، الآن دُعي إلى بيت آخر قال: لا المرء مع رحله، في بعض الروايات: المرء حيث أهله، المرء حيث رحله.
وجاء أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي بيوت أهلنا أقرب ؟ يعني أي بيت أقرب إلى هذا المكان التي بركت فيه الناقة ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله، هذه داري، وهذا بابي، المكان الذي بركت فيه ناقة رسول الله أرض لبني النجار أخوال النبي، وهذه رغبته، الآن سأل: أي بيت أقرب إلى هذا المكان ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله، هذه داري، وهذا بابي، فقال: فانطلق فهيئ لنا مقيلاً نقيل فيه نستريح فيه، فقال: قوما على بركة الله، ويعد أيام وصلت زوجته سودة وبنتاه فاطمة، وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص لم يمكنها من الخروج، حتى هاجرت بعد بدر.
قالت عائشة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعك أبو بكر وبلال ، فدخلت عليها فقلت: يا أبي كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري أبيتن ليلة بواد وحـولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
فقالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال:
((اللهم ! حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد. وصححها. وبارك لنا في صاعها ومدها. وحول حماها إلى الجحفة ))
[ رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعبدة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ].
وإلى هنا ينتهي قسم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتبدأ مرحلة أخرى في سيرته، وهو إقامته في المدينة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثانى و الاربعون )
الموضوع : بناء شخصية الانسان المؤمن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. المرحلة المكية: أولويات ودروس وعبر:
1 ـ النبي بنى شخصية الإنسان المؤمن:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/01.jpg
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ونحن في هذه المحن التي يمر بها المسلمون في أمسّ الحاجة إلى الدروس والعبر المستنبطة من السيرة النبوية، يمكن أن نقسم السيرة النبوية إلى مرحلتين كبيرتين، المرحلة المكية ؛ وقد انتهت، وننتقل إلى المرحلة المدنية، وما لم يمر المسلمون بالمرحلة المكية أولاً التي تعني قوة الإيمان ثم بالمرحلة المدنية، التي تعني حق القوة فلن تقوم لهم قائمة.
ماذا فعل النبي الكريم بمكة ؟ هناك مرحلة ليس للمسلمين كيان، وليس معهم قوة، ولا يملكون شيئاًَ من القوى التي ترفع مكانتهم، إلا أنهم في مرحلة الضعف، امتلكوا قوة الحق، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/02.jpg
بادئ ذي بدء، بنى شخصية الإنسان المؤمن، الشخصية بناء، ترى الإنسان إيمانه ضعيف، نفسه مشتتة، ثقته بالله ليست كما ينبغي، عزيمته خائرة، همته ضعيفة، نفسه مشعبة، مشتتة،هذا الإنسان لا يصنع شيئاً، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم الواحد منهم بألف، بينما المسلم في آخر الزمان وقد ضعفت ثقته ولم يستقم عمله، ولم يبتغِ مرضاة ربه، الألف بل المئة ألف، بل المليون بأف، كما ترون، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم بنى شخصية مرء المسلم المؤمن، مؤمن بوجود الله، مؤمن بألوهيته، بربوبيته، مؤمن بأسمائه الحسنى، بصفاته الفضلى، مؤمن أن الأمر بيده، مؤمن أن الله لا يتخلى عن المؤمنين.
المشكلة أن كل واحد منا من دون استثناء ببساطة ما بعدها بساطة يدعي أنه مؤمن.
يمكن لإنسان يرتدي ثوبًا أبيض، ويضع سماعة في أذنه، وميزان حرارة في صدره، ونظارة، ويقول لك: أنا طبيب، وقد يكون أمياً، بينه وبين الطبيب الذي يحمل أعلى شهادة، وقد أمضى تسعة وثلاثين عامًا في الدراسة، واختص في اختصاص نادر، هذا طبيب، وذلك يدعي أنه طبيب، الطب عند الأول ثوب أبيض، ونظارة، وسماعة، وميزان حرارة فقط، وهو جاهل، والثاني أمضى 39 سنة يدرس حتى أصبح مكتبة متنقلة.
2 ـ النبي بنى الإيمان في صدور الناس:
فكلهم يدعي أنه مؤمن، النبي عليه الصلاة والسلام بنى إيماناً، الإيمان لا يأتي من دون جهد، وما من إنسان ينام ثم يستيقظ وقد أصبح دكتورا، ينام ثم يستيقظ وقد أصبح صاحب أكبر مؤسسة تجارية، هذه المراتب العلمية، والمؤسسات الناجحة جداً وراءها أدمغة، وراءها عقول، وراءها خبرات متراكمة، لذلك أنا أقف عند كلمة النبي عليه الصلاة والسلام بنى إيماناً في نفوس أصحابه، الإيمان أقوى من الجبال، الإيمان أساس الفضائل، وأس العزائم، وبلسم الصبر عند الشدائد، كلمة مؤمن في الميزان الإيماني ككلمة دكتوراه دولة في الميزان العلمي، بالضبط.
نال أحدهم الشهادة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والليسانس، والدبلوم والماجستير، والدكتوراه دولة، في الميزان العلمي دكتوراه دولة أعلى مرتبة، وفي الميزان الإيماني مؤمن، النبي الكريم بنى مؤمنين، بنى مؤمنين التبر عندهم والتراب سيان، التبر والتراب، فكيف بإنسان يبيع دينه بيمين كاذبة، بائع يحلف بالله وبرسوله، وبالقرآن، وبالكعبة أن شراء هذه السلعة أعلى من ثمن بيعها، والحقيقة ليست كذلك، في آخر الزمان يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل، بينما المؤمن:
(( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن هذا الأمر ما تركته، هذا يظهره الله أو أهلك دونه ))
[ السيرة النبوية ]
أنا تأثرت بأن هذا الصحابي الجليل مع أنه كان ضعيف في مكة، ومضطهد وينكل به، ويُعذب، لكن في مكة المكرمة بنى النبي الإيمان، بنى قوة الإيمان، تجد المؤمن الصادق ينطوي على عقيدة كالجبال، وعزيمة كالمرجل، ونقاء كالثلج، وتواضع كالأرض وتألق كالشمس، هذا المؤمن، آمن الصحابة الكرام بالله خالقاً، ومربياً، مسيراً، موجوداً واحداً، كاملاً، آمنوا بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وحبيب الحق، المعصوم من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، الآن تجد مئات المسلمين يقولون في حديث شريف: هذا لا يصلح لهذا الزمان، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرشده الوحي إلى شيء يصلح لهذا الزمان، وهؤلاء الصحابة الكرام آمنوا بالأنبياء جميعاً، وأطاعوا منهج رسول الله.
إسقاط على واقع المسلمين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/03.jpg
إذاً الآن إسقاطًا على واقعنا، ولو كنا ضعافًا، إن أردنا أن ننتصر في النهاية يجب أن نبني الإيمان، الإيمان من أين يأتي ؟ لا يأتي وأنت في البيت، لا يأتي وأنت مستلق، وأنت مسترخٍ، وأنت تتابع المسلسلات، الإيمان لا يأتي من دون جهد كبير، لذلك كل واحد منا يجب ألا يقنع بإيمانه، الدليل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا ﴾
( سورة النساء الآية: 136 ).
ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن إيمانكم لا يكفي، إن ما أنتم عليه من إيمان ليس في المستوى المطلوب، فالنصر نتيجة لآلاف الدروس، وآلاف الجهود، وآلاف العبادات ويتوج هذا كله بالنصر. 3 – النبي بنى المحبة في قلوب الناس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/04.jpg
شيء آخر أيها الإخوة، الشخصية الإيمانية التي فيها قوة الإيمان فيها محبة، ليس هناك التزام فقط، هناك محبة، والمحبة تجعل الإنسان ينطلق، يضحي، يبذل الغالي والرخيص، النفس والنفيس.
امرأة أنصارية بلغها أن النبي قُتل، انطلقت إلى أُحد، تقول: ما فعل رسول الله ؟ رأت ابنها مقتولاً، تقول: ما فعل رسول الله ؟ رأت زوجها مقتولاً، تقول: ما فعل رسول الله ؟ رأت أباها مقتولاً، ما فعل رسول الله ؟ رأت أخاها مقتولاً، فلما رأته واطمأنت على حياته وسلامته، قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل، وفي رواية أنها رأت غباراً على وجهه الشريف، قالت: والله يا رسول الله لهذا الغبار أشد عليّ من موت كل من حولي، عندنا هذا الحب ؟ ائتني بقوة الإيمان وحب النبي العدنان، وعندئذٍ نصنع المعجزات.
4 – النبي زكى النفس الإنسانية:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/05.jpg
شيء آخر، ما الذي فعله النبي في مكة المكرمة ؟ زكى النفس الإنسانية، ليس هناك مؤمن لئيم، ولا مؤمن مخادع، ولا مؤمن بخيل، ولا مؤمن جبان، ولا مؤمن كذاب، ما لم تزك نفسك بمكارم الأخلاق، ما لم تكن أميناً عند التعامل، صادقاً عند التكلم، ما لم عفيفاً عند إثارة الشهوة، ولم تكن متواضعاً، ولم تكن منصفاً، ولم تكن معطاء فلست مؤمناً، ائتني بواحد بهذا البناء، وهذه الأخلاق، عندئذٍ كما قال النبي الكريم:
(( لن ـ اسمعوا جميعاً ـ لن تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة ))
[ الجامع الصغير ].
فتاة بارعة الجمال في عهد النبي الكريم، عند النبي الكريم شاب فقير جداً، لكنه دميم جداً، أعرج، وفيه عور بعينيه، عاهات، كتلة عاهات، على كتلة دمامة، على قتلة فقر، النبي الكريم قال له: ألا تتزوج يا جليبيب ؟ قال: من يزوجني يا رسول الله ؟ النبي الكريم أرسله إلى بيت فيه هذه الفتاة، قصة طويلة، لكن ملخصها أن الأب حينما طلب منه النبي أن يزوج ابنته لهذا الأخ جليبيب، سكت، صُعق، فلما حدث الأم قالت: لا والله لا أزوجها إياه، فسمعت البنت، قالت: أنا أتزوجه، ورسول الله لا يضيعني، هل هناك بنت هكذا ؟ عشرات الفتيات لسبب تافه جداً ترفضه، بعد عقد العقد ترفضه، لسبب تافه جداً ، فلذلك فتاة بارعة الجمال ترضى بإنسان دميم وفقير، لكنها في النهاية قبلت، قبلت راضية بوصية رسول الله، وهيأ نفسه، وهيأت نفسه، وهيأ البيت، ويوم العرس نادى منادي الجهاد فانطلق إلى الجهاد، ومات في ساحة المعركة، وأمسكه النبي بيديه إلى أن حُفر قبره وبكى.
هذا هو مجتمعنا وذاك هو مجتمع الصحابة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/06.jpg
نحن نعيش في مجتمعات متفسخة، فيها أثرة، وبخل، وقسوة، ليس فيها رحمة، لكن فيها صلوات، فيها شعائر ، لكن ليس فيها أخلاق المسلمين، ولا فيها ورع المسلمين، ولا فيها أمانة المسلمين، ولا فيها صدق المسلمين.
﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء ).
الآن لهم علينا ألف سبيل وسبيل، انظر من أجل جنديين دُمرت أمةٌ بأكملها، ألا ترون ؟ أريد أن أركز ماذا فعل النبي الكريم بمكة وهو ضعيف، أصحابه ضعاف، يُعذبون، يُنكل بهم، يقُتلون، شردوا في الآفاق، هاجروا إلى الحبشة، حُصروا، أكلوا ورق الشجر، لكن بنوا إيمانهم، صار الواحد منهم كألف، وصار الواحد منهم كجيش.
هل من المعقول أن سيدنا الصديق يُطّلب منه خمسين ألف رجل مددًا لسيدنا خالد، فيرسل له واحدًا ؟! "القعقاع بن عمرو"، ولما وصل إلى سيدنا خالد في نهاوند قال له: أين المدد ؟ قال له: أنا، قال له: أنت ؟! قال له: أنا، وهذا الكتاب من خليفة رسول الله، فتحه، يا خالد فوجد فيه: << والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم >>، ما هذا ؟.
إخواننا الكرام، نحن في محنة كبيرة، نحن في محنة الآن إما أن ننتصر أو لن تقوم لنا قائمة، العالم كله يراهن علينا، أليس كذلك ؟ لذلك كل إنسان يبني نفسه، افرضوا أن هذه مرحلة مكية، نحن ضعاف، لنستغل هذا الضعف في بناء الذات، في طلب العلم، في الانضباط، في إتقان العبادات، في البذل، في العطاء.
الطبيب الذي يحمل أعلى شهادة، ما الذي يمنع أن تُعمم علمك على زملائك الأطباء الذين لم يتح لهم أن يذهبوا إلى تلك البلاد ؟ ما الذي يمنعك ؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/07.jpg
ما لم تنشأ عندنا روح تعاون، ما لم تر أن أخاك هو أقرب الناس إليك، ما لم تعط من كل شيء معك، ما لم تبذل علمك، وخبرتك، ومالك، ووقتك، وجهدك لأخيك فلن ننتصر أبداً، لن ننتصر إلا إذا رضي الله عنا، ولا لن يرضى عنا إلا إذا تحاببنا.
(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء يوم القيامة ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني، والحاكم، عن عبادة بن الصامت ].
إذاً بنى الإيمان وزكى النفس والعقل، عنده مسلّمات، بديهيات، يقينيات، لو أن الدنيا كلها كفرت بقي هو ثابتًا كالصخر والجبل.
إخواننا الكرام، المؤمن إن لم تهِم في حبه فليس مؤمناً، من تواضعه، من عقله الراجح، من إيمانه، من عزيمته، من صدقه، من أمانته، من عفافه، بنى الإيمان في العقول، وزكى النفوس، هذه محصلة مكة، كانوا ضعافا، والكفار أقوياء، أشداء، متغطرسون، لكن المؤمنين كانوا في قمم الكمال.
5 – النبي ربى أصحابه على العلم:
والله الذي لا إله إلا هو بالمناسبة، إن أضفت على كلمة مسلم كلمة واحدة تكن عنصرياً، فلان جيد، لكنه من الريف، وقد تكون قُلامة ظفر إنسان في الريف تشرف مئة إنسان في المدينة، هذا عبد لله مؤمن، تحبه فقيراً، وتحبه غنياً، تحبه مثقفاً، تحيه محدود الثقافة، تحبه وسيماً، تحبه دميماً، تحبه قوياً، تحبه ضعيفاً، مؤمن، ما لم نضع تحت أقدامنا كل المرجحات الجاهلية فلن ننتصر. ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 19 ).
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 ).
مقياس القرآن: العلم والعمل:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/08.jpg
في القرآن مرجِّحان فقط، قيمة العلم، وقيمة العمل، وما سوى ذلك لم يعترف القرآن أصلاً بها، الآن بعد التزكية التعلم، رسخ الإيمان، و زكت النفس، ينبغي أن تكون عالماً، فما الذي يمنع أحدنا أن يطلب العلم الديني ؟ أن يتعمق في فهم حقيقة الدنيا، أن يتعمق في فهم القرآن، في فهم السنة، في فهم السيرة، وما من قيمة في الأرض أقوى من العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
أنا أروي لكم قصة، لعلي رويتها لكم سابقاً عن رجل من صعيد مصر فلاح، أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد يحمل شهادة الأزهر، وقد عُيّنَ خطيباً في قريته، وسمع الأب خطبته فبكى، الأب أُميّ، لما رأى ابنه يعتلي المنبر بكى، ثم ركب دابته، وانطلق بها إلى القاهرة، أما السؤال الأول: لماذا بكى ؟ لا لأن ابنه أصبح خطيباً، بكى ألماً من نفسه، كيف هو جاهل، ولا يعلم، توجه بدابته نحو القاهرة، وبقي يمشي عشرين يوماً، إلى أن وصلها، سأل عن الأزعر، هو الأزهر، لا يحفظ اسمه، فدلوه على الأزهر، وهو في سن الـ55، وتعلم القراءة والكتابة، ثم تعلم القرآن وقرأه، ثم طلب العلم الشرعي، وعاش مدة طويلة، مات في الـ96، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر.
لذلك تعلموا، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
الآن كم ممن يحضر دروس العلم يُفكر أن يدعو إلى الله ؟ مع أن الحقيقة أنه ما لم تطلب العلم أولاً، وما لم تعمل به ثانياً، وما لم تدع إليه ثالثاً، وما لم تصبر على طلبه والعمل به، والدعوة إليه فأنت خاسر، كم من الناس ممن يفكر أن ينقذ من حوله ؟ ائتي به معك إلى المسجد، أعطه شريطاً، اجلس معه، حدثه عما سمعت، خذ بيده إلى الله، فالصحابة الكرام بنى النبي عليه الصلاة والسلام فيهم الإيمان أولاً، إيمانا راسخا لا يتزعزع، ثم زكى نفوسهم، فتحلت بالكمالات البشرية، ثم طلبوا العلم علم الكتاب، علم السنة، الأحكام الشرعية، ثم دعوا إلى الله، والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدليل:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
(سورة يوسف الآية: 108 ).
فالذي لا يدعو الله، أو فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة، أي على دليل وتعليل، ليس متبعاً لرسول الله، والذي لا يتبع رسول الله لا يحب الله، والدليل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 31 ).
ما قبل الله دعوى محبته من دون دليل.
6– النبي ربى أصحابه على الصبر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/09.jpg
لقد ربى النبي أصحابه على الصبر، و الإنسان الآنلأقل إغراء يُفتن، ولأقل ضغط ينهار، مع أن المؤمن الصادق لا تسنيه عن عقيدته لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة، فربى أصحابه على الصبر، لأن حقيقة الحياة فهيا ابتلاءات، فيها ظروف صعبة، فالذي رُبيّ على الصبر يتحمل، لا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، فهذا الذي لا دخل له، لو طُلب منه في الأراضي المحتلة أن يدل على إنسان معين، فإذا دل عليه أعطي مبلغا كبيرا، هذا المجتمع الفقير الذي يُغرى بمال وفير، حينما يخون أمته معنى ذلك أنه لا صبر عنده، أما المؤمن فيموت من الجوع ولا يخون أمته، إنه إيمان لا يتزعزع، وتزكية نفس، وطلب علم، ودعوة إلى الله، وصبر، هؤلاء الذين هاجروا هؤلاء هم نواة دولة المسلمين، وهذا ما فعله صلاح الدين، أعد جيلاً مؤمناً، وأزال كل المنكرات، فوفق سنن الله استحق النصر على 27 جيشاً فرنجياً، وردهم، وفتح القدس، وألقى خطيب المسجد خطبة تكتب بماء الذهب، افتتحها بقوله تعالى: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
( سورة الأنعام ).
الله يرينا أياماً كهذه الأيام، كأيام النصر التي نتحدث عنها. 6– النبي علم أصحابه التعاون:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/10.jpg
شيء آخر، من إنجازات النبي عليه الصلاة والسلام في مكة أنه علم أصحابه التعاون، مجتمعات المسلمين المتخلفة ألِفت التنافس، في كل تجمع، في كل مؤسسة، في كل دائرة، في كل شركة، في كل مكان، حتى في الأسرة هناك تنافس، و كيد، ووشاية، لذلك ما لم نتحلَ بروح التعاون، ما لم نتحلَ بروح التضامن فلن يرضى الله عنا.
أعداؤنا هذه ميزة عندهم، يتعاونون على الباطل، ونحن نتقاتل ومعنا الحق، أعداؤنا يتعاونون على خمسة بالمئة فقط من القواسم المشتركة، ونحن نتقاتل وبيننا 95 % قواسم مشتركة، أليس كذلك ؟ هل يمكن لمسلم أن يقتل مسلما ؟ يحرق المصحف ؟ أليس مصحفك ؟ هذا الذي يجري لذلك:
(( يوشِكُ الأُمَمُ أنْ تُدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا تُدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُير ))
[أبو داود عن ثوبان ].
المسلمون مليار وخمسمئة، مليون ربع سكان الأرض.
((ُ وَلَيَقْذِفَنّ الله في قُلُوبِكُم الَوَهْنَ، فقالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ ))
إخواننا الكرام، درس اليوم يجب أن نحظى بإيمان راسخ، ومن خلال اتصالنا بالله، وأداء العبادات، تشتق أنفسنا من كمالات الله الشيء الكثير، ثم ينبغي أن نزكي أنفسنا وأن نطلب العلم، وأن ندعو إلى الله، وأن نصبر، وأن نتبع الأسلوب الجماعي في حياتنا. مهمة التربية الفردية للمجتمع الجديد:
أيها الإخوة، هذا المجتمع المدني الجديد فيه أشخاص، الواحد كألف، الآن اتجه هذا المجتمع إلى بناء القوة، كان يتمتع بقوة الإيمان، الآن يبحث عن حق القوة.
أيها الإخوة، بدأت مهمة التربية الفردية للمجتمع الجديد، مع قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث بدأت عملية إقامة مجتمع مختلف عن نظام القبائل العربية.
اسمعوا هذه الكلمة: مادام الفرق بين مسلم وغير المسلم الصلاة فقط، فلن تقوم للإسلام قائمة، قاعدون المقهى كلهم، حيث الأغاني، وطاولات فيها خمر، وزوجته محجبة، ويستمع للأغاني، ويملأ عينيه من محاسن النساء، الفرق بينه وبين الثاني، قام وصلى الظهر فقط، الأماكن واحدة، المتنزهات واحدة، المطاعم واحدة، الأغاني واحدة، كسب المال الحرام مشترك، ما دام الفرق بين المسلم وغير المسلم الصلاة فقط فلن تقوم للإسلام قائمة، إذا لم يكن 500 ألف فرق، هذا صادق، هذا كاذب، هذا أمين، هذا خائن، هذا منصف، هذا ظالم، هذا محسن، هذا مسيء، هذه حليم، هذا منتقم، هذا رحيم، هذا قاسٍ، إذا لم يكن هناك مئة ألف فرق بين المسلم وغير المسلم فلن تقوم للإسلام قائمة، مسلم تصلي وتصوم، وفيما سوى ذلك أنت كالآخرين تماماً، لا تلحظ فرقاً، وقد تجد محجبة تشرب القهوة و( الأركيلة )، لا فرق أبداً، كل مثل بعضه، قيم روحية ومشروبات روحية،، ثم يأتي رمضان إكراماً لرمضان الفيلم الفلاني، والتمثيلية الفلانية، والمسرحية الفلانية، كله إكرام لرمضان، شهر ولائم، شهر مسلسلات، هكذا، مثل هذه الأمة لا تقوم لها قائمة، ولن تستطيع أن تثبت لله أنها تستحق النصر، أنا لست متشائماً، لكن لا يمكن أن نشم رائحة النصر ما دمنا على خلاف منهج رسول الله.
مجتمع المسلمين في المدينة مجتمع القيم الأخلاقية:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/11.jpg
مجتمع المسلمين الذي أسس في المدينة مجتمع القيم الأخلاقية، مجتمع المثل العليا، مجتمع الإنسان، الذي تسود حياته المبادئ والقيم، مجتمع رسالة السماء، رسالة السماء الآن متمثلة في المظاهر الإسلامية، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنما بعثت معلما ))
[أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ].
(( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[ أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة ].
كل واحد يحاسب نفسه، إن لم تكن متميزاً في أخلاقك، بضبط لسانك، بضبط جوارحك، إن لم تكن متميزاً في إنفاقك، بعباداتك، فلا: تقل أنا مسلم، ولا تقل: أنا مؤمن، في هذا المجتمع أيها الإخوة فيه محافظة على كل الفضائل والمكارم، التي عرفتها المجتمعات الإنسانية السابقة، فيه السعي لإتمامها وإكمالها، في هذا المجتمع فيها استبعاد لمفاسد الأخلاق للظلم والعدوان، وللاستغلال والجهل والعبودية لغير الله، فيه إقصاء لرواسب الماضي وانحرافات الناس الخلقية، والاجتماعية، والنفسية.
الشيء الدقيق أن هذا المجتمع الإيماني في المدينة، هذا المجتمع تحولت فيه الطاقة المبعثرة للأفراد إلى بناء متكامل يسمو بها جميعاً، ويحقق لها العلم والتقدم، والوحدة الإنسانية، وتوجهها رسالات السماء، وفق المثل العليا الإنسانية، لذلك أيها الإخوة، يقول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 21 ).
ملخص المرحلة المكية والمدنية:
ملخص هذا الكلام هؤلاء الذين أمضوا في مكة المكرمة 13 سنة وزيادة بنوا فيها إيمانهم، أصبح الواحد كالألف، الآن نبحث عن حق القوة من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بادئة ذي بدء:
هو البناء الفردي، هناك كلمة: بعضهم يرى أن الكثافة السكانية في بلد ما تندرج مع الخسائر، وبعضهم يراها تندرج مع الأرباح، والحقيقة أنها ليست هكذا، وليست هكذا، الكثافة السكانية تعني الشخص، الإنسان الفرد إذا آمن بالله، وطبق منهجه، وزكى نفسه، وجند نفسه لخدمة أمته هو مع الأرباح، أما إن لم يكن مؤمناً، ولا ملتزماً ولا مطبقاً، ولا مزكياً نفسه مع الخسائر، الإنسان الجاهل عبء على الأمة، مجرم، محتال، يبتز أموال الناس بالباطل.
البناء الفردي أساس البناء الاجتماعي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/12.jpg
أيها الإخوة، البناء الفردي أساس البناء الاجتماعي، بناء الفرد أساس بناء الأسرة، أساس الأسرة أساس بناء المجتمع، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام اعتنى بالفرد المسلم، لذلك أول شيء فعله النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح العلاقات بين الأفراد، الآن استمعوا ما يقول الله عز وجل:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
( سورة الأنفال ).
7 – النبي أصلح ذات البين:
أقول لكم هذه الكلمة: لن نكون أقوياء إذا كانت العلاقات فيما بيننا فاسدة، تجد في الأسرة الواحدة الشرخ، الابن مع أمه، والبنت مع أبيها، وخصام دائم، في الشركة الواحدة محوران، ومجتمع واحد فيه اتجاهات، لذلك النقطة الأولى:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَهَا الْحَالِقَةُ ))
[رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء].
(( لا أقول: حالقة الشعر ولكن أقول: حالقة الدين ))
[ رواه البزار عن الزبير ].
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/13.jpg
ينتهي الدين بفساد ذات البين، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أول شيء أصلح ذات البين، أصلح ما بين المسلمين، لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام على بني عمرو بن عوف، وقد كان بين الأوس والجزرج ما كان من العداوة، الأنصار أوس وخزرج، بينهم عداوة لا يعلمها إلا الله، أول عمل فعله النبي أنه أزال العداوة بين الأوس والخزرج، لأن المجتمع المنشق على نفسه ينتهي، احفظوا هذه القاعدة، إذا كان في بيتك انشقاق انتهى البيت، صار الوقت كله للصراع الداخلي، ليس هناك إنجاز، ولا الطالب يتفوق، ولا الفتاة تتفوق، ولا الأب مرتاح، ولا الزوجة مرتاحة، فحيثما حل الشقاق حل التخلف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ ))
فحينما رأى بين الأوس والخزرج من العداوة الشيء الكثير، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار الأوس، الخزرجي يخاف أن يدخل دار أوسي، وكانت الأوس تخاف أن تدخل دار الخزرج، لذلك عليه الصلاة والسلام أول عمل قام به أنه ألف بين الأوس والخزرج.
درس عملي:
الآن كدرس عملي: كل واحد له أسرة لو كان فيها خلاف بين اثنين، بين أخوين، بين عمين، بين خالين، وجمع الأسرتين، وفق بينهما، وصار الصلح، تماسكت الأسرة ، في كل مكان خلافات، نحن نريد من هذه السيرة أن تكون درسا عمليا لنا، أن نقتبس منها الدروس والعبر، ألا ندع خلافاً بين الأوس والخزرج، لذلك سمى القرآن الكريم الخلاف بين المؤمنين كفراً، كيف ؟
﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 101 ).
لأنه جاءت موجة كراهية بين الأوس والخزرج، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2916/14.jpg
معنى ذلك أن الله سمى الخلاف بين المؤمنين كفراً، لذلك من مقتضيات الإيمان أن أُزيل كل خلاف في ما بين المؤمنين، أن أُجري صلاحاً بين كل المتخاصمين، هذه من دروس السيرة، أن لا يبنى مجتمع قوي يستأهل النصر إلا على أفراد مؤمنين، موحدين، زكوا أنفسهم، وطلبوا العلم، ودعوا إلى الله وصبروا على قضائه وقدره.
إذاً الدرس الأول: إزالة الخلافات الفردية، هذا من أولى مهمات النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، كإسقاط لهذه الحقيقة على مجتمعنا يجب أن تعاهد نفسك، أن توفق بين كل متخاصمين، وأن تزيل خلافاً بين كل شخصين، على مستوى أسرة، على مستوى عائلة، على مستوى حي، على مستوى أصدقاء، جيران، حرفة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار))
[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ].
(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))
[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، عن عمر ].
(( فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))
[ رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ عن أبي الدرداء ].
وفي درس قادم إن شاء الله سأقرأ على مسامعكم قصة حصلت بين الأوس والحزرج، وكيف بدأت، تجدون هذه القصة منطبقة على مجتمعاتنا، وهل تصدقون أن عدداً كبيراً جداً في بلد عربي مجاور، هذا العدد مهمته إحراق مسجد، وإحراق حُسينية، نفس الفريق، من أجل أن تنشب حرب أهلية، والذي يفعل هذا طرف ثالث، هل تصدقون هذا الذي يحصل، لذلك الآن الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعداء المسلمين الفتن الطائفية.
والله إخوة كرام موثوق بهم جاؤوا من العراق، وأكدوا هذا،عدد كبير من الموساد هو الذي يحرق المساجد، مساجد السنة ومساجد الشيعة معاً، إلى أن نشبت الحرب الأهلية، كل يوم مئة قتيل، على الهوية فقط، الذي خطط له وقع، أنا أحذركم، الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعداء المسلمين الفتن الطائفية، هذا الذي أتمنى لأن النبي الكريم أول شيء فعله في المدينة أنه أصلح ذات البين أصلح بين الأوس والخزرج.
يقول بعض الزعماء في العالم الغربي: أنا لا يعجبني أن يكون العالم 200 دولة، أتمنى أن يكون العالم 5000 دولة، يخططون لكل دولة عربية ست دول، لكل فئة دولة ، انتهى العالم العربي والإسلامي بهذه الطريقة.
أنا تعقيبي على أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلح ذات البين، لأنه لن تقوم لنا قائمة وبيننا خلافات شديدة تفرق وحدتنا، وتمزق جمعنا، ولنقتدِ برسول الله، ولو على مستوى بسيط.
وفي درس قادم إن شاء الله سوف نتابع القصة التي حصلت بين الأوس والخزرج، وقد عادوا نوعاً ما إلى ما قبل الإسلام.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثالث و الاربعون )
الموضوع : إقامة النبي (ص) في منزل أبو أيوب وتحقيق المصالحة والمساواة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في أحداث السيرة إلى المدينة المنورة. تذكير بمهمة النبي عليه الصلاة والسلام بمكة والمدينة:
وذكرت لكم في دروس سابقة: أن مهمة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة كانت ترسيخ دعائم الإيمان، فأنشأ في نفوس أصحابه قوة الإيمان، قوة تعظيم الله عز وجل، عرفهم بالله، عرفهم باليوم الآخر، حملهم على أن يلتزموا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/01.jpg
وذكرت في درس سابق بنوداً كثيرة من الإنجازات الإيمانية التي تمت للصحابة الكرام في مكة المكرمة، لكنه في المدينة المنورة النبي عليه الصلاة والسلام أضاف إلى قوة الإيمان حق القوة، فبنى مجتمعاً إسلامياً قوياً، ما عناصر قوة هذا المجتمع ؟ ونحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه الإنجازات المدنية، حتى أصبح المسلمون كياناً يتمتع بحق القوة كما كان متمتعاً بقوة الحق، في المرحلة المكية كان البناء إيمانياً، لكنه في المدينة كان البناء مدنياً، مجتمع مسلم قوي، عنده جيش يستطيع على أن يحافظ على إيمانه بقوته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/02.jpg
في الدرس الماضي ذكرت أن أول مرحلة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح ذات البين، بين قبيلتين كبيرتين في المدينة المنورة، الأوس والخزرج، ونحن لا نستطيع أن نواجه عدواً قوياً معه العالم كله إلا بمجتمع إسلامي متماسك، إذاً ينبغي علينا بادئ ذي بدء أن نصلح ذات البين، بين أطياف المجتمع، وشرائح المجتمع، وعناصر المجتمع، هذا الذي فعله النبي بادئ ذي بدء.
الآن يعبرون عن هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة تحت عنوان إسلامي: إصلاح ذات البين يعبرون عنه بالمصطلح الحديث بالمصالحة الوطنية، هذا لا بد منه كي نواجه عدواً متغطرساً، قوياً جباراً، بطاشاً لا يرحم طفلاً، ولا امرأة، ولا يبقي على منشأة، وهذا ما ترونه وتسمعونه.
العمل الثاني المساواة بين الناس، وعدم التمييز بين أفراد وجماعات، كيف ؟ لا بد من المساواة بين الناس.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
( سورة الحجرات الآية: 13 ).
(( كلكم بنو آدم وآدم من تراب ))
(أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ورواه الترمذي ابن عمر)
(( الناس سواسية كأسنان المشط ))
( أخرجه الديلمي عن سهل بن سعد)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/03.jpg
ما لم يعتمد في المجتمع مقاييس كمقياس العلم والعمل فقط، يرجح الإنسان في بمجتمع المسلمين بعلمه أولاً، وبعمله ثانياً، أما قضايا النسب، وقضايا القوة، والوسامة والذكاء، والغنى هذه قيم ينبغي ألا تعتمد في مجتمع يريد أن يكون قوياً.
يروى أن بعض التابعين وهو الأحنف بن القيس كان قصير القامة، أسمر اللون أحنف الرجل، في عرج، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/04.jpg
أو شيء فعله النبي لإنشاء مجتمع قوي إصلاح ذات البين.
الشيء الثاني أرسى المساواة بين أفراد المؤمنين، من دون استثناء، ونعبر عن هذا الإرساء بأنه يوم خرج النبي عليه الصلاة والسلام من قباء باتجاه المدينة وقف الأنصار داراً بعد دار، عشيرةً بعد عشيرة، يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم فكان يقول لهم: دعوها، أيّ ناقته، فإنها مأمورة، لو نزل بأيّ مكان، بأيّ بيت، بأيّ عشيرة، بأيّ قوم ميزهم بلا مرجح، وجعل الطرف الآخر أصغر من هؤلاء الذين نزل عندهم.
حينما تخص ابناً ولا تخص أخاه فقد ميزت الأول على الثاني، أما القرعة فما فيها تمييز، حاول أن تكون عادلاً بين أولادك، وإذا اقتضى الأمر أن تختار واحدا منهم فليكن بالقرعة.
عنصرية العصر الحديث:
ما عاشر النبي واحد إلا وهو يظن أنه أقرب الناس إليه، كل واحد ممن التقى مع النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنه أقرب الناس إليه، أما مجتمع إنسان من الدرجة الأولى ، وإنسان من الدرجة الثانية، إنسان من الدرجة الثالثة، والرابعة، والخامسة، الذي ما يعانيه العالم اليوم ما يسميه العنصرية، فما العنصرية ؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/05.jpg
أنا أرى أن البشر يمكن أن يصنفوا تصنيفين، لا ثالث لهما، تصنيف إنساني وتصنيف عنصري، من هو العنصري ؟ هو الذي يرى نفسه متميزاً على من حوله، يحق له ما لا يحق لهم، وهو معفى مما يجب عليهم، ينبغي أن يأكل وحده، وأن يسكن وحده، وأن يستمتع بالحياة وحده، وأن يشتري من الأشياء الثمينة ما يحلو له وحده، وأن يبني مجده على أنقض الآخرين، وأن يبني غناه على فقرهم، وأن يبني حياته على موتهم، وأن يبني أمنه على موتهم، وأن يبني عزه على ذلهم، هذا عنصري.
الذي نعانيه من الغرب العنصرية، يعاملون شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال، ويعاملون بقية الشعوب معاملة تترفع عنها الوحوش، يستخدمون أسلحة الدمار الشامل لإفناء البشر، وإبقاء الحجر، لذلك لا يمكن أن تنهض أمة بأناس من طبقتين: قوي وضعيف، لا بد من أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط.
(( فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى ))
(رواه الطبراني عن ابي سعد )
(( وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
(مُتَّفَقٌ عَلَيه )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/06.jpg
هذا مجتمع العدل والسواسية، بهذا نقوى على أعدائنا، بهذا نواجههم، بهذا نقف صفاً واحداً، بهذا لا نخترق من قبلهم.
دعوها فإنها مأمورة، حتى بركت عند المربد، وفي ذلك احترام للجميع وإصرار على عدم التمييز بينهم، وإذا كان نزوله في دار أبي أيوب الأنصاري فليس في ذلك إحراج أو تمييز، لأن داره أقرب دار لمبرك الناقة، سواسية، إصلاح ذات البين، ثم مجتمع المساواة.
أضرب لكم بعض الأمثلة: عندك في المحل التجاري شاب يعمل عندك، ابنك تريده طبيباً، تضعه في أغلى المدارس، تجلب له أمهر الأساتذة، أما هذا الذي عندك في المحل يرجوك أن يغادر المحل قبل ساعة، ليلتحق بمدرسة ليلية، لينال كفاءة، هو يتيم، فلا تسمح له، أنت عنصري، ولو صليت وصمت.
حينما تعامل الناس بطريقة فيها استعلاء، وفيها فوقية، وفيها غطرسة، حينما تريد لأولادك ما لا تسمح به لأولاد الآخرين فأنت عنصري، قد يكون المسلم في هذا الزمان عنصريا، لن يرضى الله عنا إلا إذا كنا إنسانيين.
إنها قمة الرحمة والتواضع: امرأة تنظف المسجد:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/07.jpg
هل من حرفة أقل في الأرض من أن تكنس ؟ امرأة تقمّ المسجد، توفيت أصحاب النبي الكريم ظنوا أنها أقلّ من أن يخبروا بموتها رسول الله، فلما تفقدها قالوا: ماتت يا رسول الله، قال: هلا أعلمتموني ؟ وقام إلى قبرها وصلى عليها صلاة الجنازة استثناءاً من أحكام صلاة الجنازة هي في قبرها صلى عليها.
الذي نراه في العالم من توحش، وهمجية، وقتل أبرياء، وتهديم منشاءات، هذه العنصرية بعينها.
العنصرية جريمة وليست وجهة نظر:
إخواننا الكرام، العنصرية ليست وجهة نظر، إنما هي جريمة، عندك بنت في البيت من إندنوسيا، لا تسمح لها أن تتصل بأهلها إطلاقاً، أنت عنصري، ولو ذهبت إلى المسجد، كما أنك تشتاق إلى أهلك هي تشتاق إلى أهلها، حينما تكلفها فوق طاقتها، حينما لا تعينها على مهمتها، حينما تسهرها إلى ما بعد منتصف الليل، من أجل أن تلبي حاجاتك حينما لا تعاملها كابنتك، أنت عنصري، عنصري ولو كنت مسلماً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/08.jpg
كنت مرة في محل تجاري، صاحب المحل يُحمّل أحد موظفي المحل الصغار أثواباً على ظهره، أو ثوب الثاني، الثالث، الرابع، قال له: لا أستطيع، قال له: أنت شاب حمل ابنه ثوباً واحداً فقال: يا بني احذر ظهرك، خاف عليه، هذا عنصري، ولو أنك تصلي وتصوم ـ دققوا ـ لا يمكن أن ننتصر على أعدائنا إذا كنا عنصريين، لأنهم عنصريون، فإذا كنا نحن عنصريين لا ننتصر، يجب أن نكون ربانين إنسانين.
لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا 70 ألفاً، فلما فتح صلاح الدين القدس لم يرق قطرة دم واحدة، إنساني، مقيد بالشرع، يخاف من الله.
أيها الإخوة، العنصري إنسان يرى نفسه متميزاً على الآخرين، يحق له ما لا يحق لهم، عشرة آلاف أسير، و30 عضو مجلس شعب في فلسطين اعتقلوا، و8 وزراء، وشعب لبنان بأكمله لا يساوي جنديين أُسرا، ما اسم هذا ؟ عشرة آلاف أسير، و8 وزراء، و30 عضو مجلس برلمان، وشعب لبنان بأكمله، لا يساوون جنديين أُسرا ؟! هذه عنصرية، الإنسان إما أن يكون متصلاً بالله فهو إنساني، وإما أن يكون منقطعاً عنه فهو عنصري.
بعض الخادمات ينتحرن أحياناً من قسوة المرأة في البيت، تلقي بنفسها من الطابق الرابع فتموت، لا تحتمل قسوتها، الضرب، والإيلام، عنصرية، ولو صلّت وصامت، وسوف يعاقبها الله عقاباً شديداً.
المؤمن إنساني، يعامل الناس كما يجب أن يعاملوه، يرحم الغريب والقريب، يرحم الآخرين كما يرحم أولاده.
إذاً المساواة بين الناس بند إسلامي.
مجتمع المدينة فيه مراعاة للظروف الاجتماعية:
البند الثاني الذي كان أساساً لبناء المجتمع في المدينة: راعى النبي صلى الله عليه وسلم في الظروف الاجتماعية، لكل أسرة حينما استقبلوا المهاجرين، فالمهاجرون الشباب الذين لم تزوجوا نزلوا على سعد بن خثيمة، وكان عزباً، لا زوجة له، وسميت داره باسم دار الأعزاب، ونزل المهاجرون مع زوجاتهم وأولادهم على الأنصار أصحاب الأهل والسعة في المسكن والرزق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/09.jpg
أيها الإخوة، الآن النبي عليه الصلاة والسلام يبني المجتمع، صلاح الدين الأيوبي كيف انتصر على الفرنجة ؟ بين بدء أخذه بالأسباب وانتصاره خمسون عاما، أنشأ مجتمعا مسلما، بدأ بالتعليم، علم منهج الله عز وجل، حمل الناس على طاعة الله، ألغى كل المنكرات.
مر أحد حكام مصر كان اسمه الخديوي، حث هجوم على مصر، فجاء إلى الأزهر وقال: ما العمل ؟ قال: نحن ألفانا كلما داهمنا عدوان قرأ علماء الأزهر صحيح البخاري، فقراءة صحيح البخاري لعلها ترد المعتدي، فأمرهم
أن يقرأ بعض العلماء صحصح البخاري، والعدوان مستمر، ويزداد إيذاءه، وتزداد ضراوته، فذهب إلى الأزهر الخديوي، وقال: إما أن هذه الفكرة أن تقرؤوا البخاري غير صحيحة ولا أصل لها، وإما أنكم لستم علماء، وإما أن يكون هذا الكتاب ليس كتاب البخاري، وغضب، فالعلماء سكتوا وخافوا، لأنه بطاش، قال أحدهم وهو شاب: أنت السبب، فسكت، وغادر المكان، وانهال عليه زملاءه باللوم والتقريع، لقد قتلت نفسك , قتلتنا معك، بعد حين طُلب هذا العالم الشاب إلى قصر الخديوي، هو ودعوه على أنه مقتول، وكتب وصيته، فلما وصل إلى الخديوي قال له: كيف أنا السبب ؟ قال له: إن لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر تدعون الله فلم يستجب لكم، هكذا في حديث قاله عليه الصلاة والسلام، قال له: ماذا افعل ؟ هكذا يريد مني الغربيون، أن أفتح دور اللهو، والمراقص، وحانات الخمر، هكذا تعني الحضارة، قال له: أنت السبب، وأزال كل المنكرات، وانتصر في النهاية.
فلذلك أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام أنشأ مجتمعاً ما فيه خلافات، مجتمعاً تحكمه قيم واحدة.
(( لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
هذا المجتمع هو الذي صار قوياً وحقق النصر على أعتا قوة في الجزيرة العربية.
أخلاق النبي الكريم حينما بنى مجتمع الإيمان:
اقتسام الطعام مع أصحابه:
عن زيد بن ثابت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب لم يدخل ـ دققوا ـ لم يدخل منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية إلا وأرسل معظمها إلى أبي أيوب، هو في بيت أبي أيوب، وما جاءته هدية إلا قسمها بينه وبين أبي أيوب، جاءت قصعة مسرودة بخبز، وبر، وسمن، ولبن، فوضعها بين يديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيها، ودعا أصحابه فأكلوا، فلما أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة على رأس غلام مغطاة، فوقف على باب أبي أيوب فكشف غطاءها، فرأى عليه عراقا، فدخل بها على النبي صلى الله عليه وسلم فقد كنا في قوم مالك بن النجار http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/10.jpg
ما من ليلة إلا على باب رسول الله إلا منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، ويتناوبون بينهم، حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين بيت أبي أيوب، وكان مقامه فيها سبعة أشهر، وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد بن زرارة.
هل خص نفسه بطعام خاص ؟ ما جاءه طعام إلا أطعم منه أصحابه الكرام، وإذا كان قليلاً أكل، وأرسل الباقي إلى أبي أيوب، هكذا القيادة.
سيدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل مقر إقامته يقرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
( سورة الشعراء ).
سيدنا عمر خاطب بطنه قال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين.
أي طعام جاءه كان يطعمه لأصحابه، وإذا كان بحجم قليل جداً يأكل حاجته والباقي إلى أبي أيوب.
2 – ما عاب طعاما قط:
من آدابه صلى الله عليه وسلم في الطعام: قيل لأم أيوب: أي الطعام كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكم عرفتم ذلك لمقامه فيكم ؟ ماذا كان يأكل ؟ وماذا كان يحب ؟ قالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، ولا رأيناه أوتي بطعام فعابه.
وصف أحدهم صديقه فقال: كان لي صديق هو من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد.
النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بصنع طعام بعينه ليأكله، أبداً، وإذا جيء بطعام له ما عاب طعاماً قط، بل في بعض آداب النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما عاب طعاما قط، ولا مدح طعاما قط، ما هذه الأكلة ؟ تجنن، ما عاب طعاماً قط، ولا مدح طعاماً قط.
3 – اللباقة عند الحرج من الأكل:
وعن جابر بن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً بعث فضله إلى أبي أيوب، فأوتي يوماً بقصعة فيها ثوم، فبعث بها كلها إلى أبي أيوب فقال: يا رسول الله أحرام هو ؟ قال: لا، ولكني أكره ريحه، قال: وإني أكره ما تكره يا رسول الله، يعني مراعاة لأصحابه ما أكل طعاماً في ثوم، من أجل رائحته.
ما هذه اللباقة ؟ ما هذا الحس الراقي جداً ؟ عن أبي أيوب رضي الله عنه، قال: كنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله، وتيمنت أنا وأم أيوب موضع يديه، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له بصلاً أو ثوماً فرده النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نرَ ليده أثراً للطعام، فجئته فزعاً، فقلت يا رسول الله، بابي أنت وأمي رددت عشاءك، ولم أرَ به موضع يدك، وكنت إذا رددته تيمنت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة، فقال عليه الصلاة والسلام: إن وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي ربي، فأما أنتم فكلوه، فقال أبو أيوب: فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعدها.
4 – التواضع في المسكن:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/11.jpg
وعن أبي أيوب قال: لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفلي، أرضي، وأنا وأم أيوب في العلوي، فقلت له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، إن لأكره، وأعظم أن أكون أنا فوقك، وتكون أنت تحتي، فكن أنت في العلوي، ونحن في السفلي، فقال: يا أبا أيوب إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفلي البيت، قال فكان عليه الصلاة والسلام في سفله، وكنا فوقه في السكن، فلقد انكسر حِبُ ماء لنا في ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، بلحاف، ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفاً من أن يقطر على النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه.
5 – استعذاب الماء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/12.jpg
وأما عن شرابه فكان أبو أيوب حينما نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم ليستعذب له الماء من بئر مالك بن النظر، والد أنس، وكان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السُقيا، ومن ذلك دلالة على سنة استعذاب الماء كان النبي عليه الصلاة والسلام ذا أذواق عالية جداً.
6 – الشرب ثلاث دفعات وحمد الله بعد ذلك:
وعن أنس بن مالك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب جرعة، ثم قطع ثم سمى، ثم جرع جرعة، ثم قطع ثم سمى، ثم جرع جرعة، ثم قطع حتى فرغ، فلما فرغ حمد الله، كان يشرب الماء على دفعات ثلاثة.
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل وشرب، قال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقنا، وسوغه، وجعل له مخرجاً.
7 – الاجتماع على الطعام والشراب:
وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل منفرداً، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستة عشرة رجلاً، ولم يكن يأكل وحده.
أيها الإخوة الكرام، هذه أخلاق النبي، كان إذا دخل عليه أصحابه، ودخل إنسان غريب لا يعرف من رسول الله، يقول: أيكم محمد ؟ لتواضعه.
8 – المساعدة في تحضير الطعام:
ومرة كان في سفر، أرادوا أن يعالجوا شاةً، قال أحدهم: علي ذبحها، وقال الثاني: علي سلخاها، وقال الثالث: علي طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على إقرانه.
9 – النوبة في المشي والركوب:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/13.jpg
ولما كان مع أصحابه في غزوة بدر، وكان أصحابه بضعة عشر رجلا، وكانت الرواحل قليلة، فقال:
(( كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فركب الناقة في نوبته، فلما انتهت نوبته وجاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))
( أحمد )
10 – آخر الناس شربا للماء:
وكان إذا وزّعَ الماء بين أصحابه كان آخرهم شربا.
11 – كان يجلس حتى ينتهي به المجلس:
وكان يجلس حتى ينتهي به المجلس، هذا مجتمع المسلمين، ما في تفرقة أبداً.
12 – جمع الشمل:
الآن هناك شيء اسمه جمع الشمل، بلاد كثيرة إسلامية لا تقبل موظفاً من بلد آخر إلا وحده من دون زوجته، سنة بأكملها هو يعاني بُعده عن زوجته، وهي تعاني بُعدها عن زوجها، فإذا كان هو أو هي ضعيف الإيمان أخطأ، وأخطأت، ووقعت الفاحشة، لبُعده عن زوجته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2917/ar-2917/14.jpg
بينما النبي عليه الصلاة والسلام حينما بنى مجتمع المدينة جمع شمل الأسر، ماذا فعل ؟ أرسل النبي عليه الصلاة والسلام وهو في بيت أبي أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافعة إلى مكة، وأعطاهما 500 درهم وبعيرين ليأتيا بأهله، وقد أخذاها من أبي بكر، ليشتريا بها ما يحتاجان إليه، فاشترى بها زيد ثلاثة أبعرة، وأرسل أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط دليلاً فقدما بفاطمة، وأم كلثوم بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته سودة بنت زمعة، وحاضنته أم أيمن زوج زيد بن حارثة، وابنهما أسامة، وقدما بعيال أبي بكر عبد الله ابن أبي بكر، وأم رومان زوجته، وعائشة بنت أبي بكر، وأختها أسماء زوجة الزبير وهي حامل، فولدت عبد الله بن الزبير في قباء، لشدة متاعب الهجرة، ثم قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره، فكان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام في المدينة.
هذا هو مجتمع الصحابة:
هذا كان مرة مع أطفال صغار كثر، مر سيدنا عمر، له هيبته الشديدة، فالأولاد تفرقوا وهربوا، إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً، وقد لفت نظر سيدنا عمر، فقال: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
هذا عبد الله بن الزبير أرسل كتاباً إلى معاوية بن أبي سفيان، اسمعوا هذا النص، قال:
أما بعد، فيا معاوية ـ وليس أمير مؤمنين، ولا خليفة رسول الله ـ أما بعد، فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام.
كلام لا يحتمل، من مواطن إلى أمير المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان كان يزيد ابنه إلى جانبه، أعطى الكتاب ليزيد، قال: ما ترى أن نفعل ؟ قال: يزيد أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده في المدينة، وآخره عندك في الشام ليأتوك برأسه، فقال معاوية: غير ذلك أفضل، أمر كاتبه أن يكتب له كتاباً، قال:
أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه ، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها.
جاء الكتاب من عبد الله بن زبير:
أما بعد، فيا أمير المؤمنين: أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، دفع الكتاب إلى ابنه يزيد الذي اقترح عليه أن يرسل له جيش أوله عنده وآخره عندك، قال: يا بني، من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.
ونزل عيال أبي بكر في بيت حارثة بن النعمان، وكانت ولادة عبد الله بن الزبير في شوال بعد أشهر من الحجرة.
نتابع هذا إن شاء الله في درس قادم، ونبين لكم كيف بنى النبي عليه الصلاة والسلام مجتمع المؤمنين، وكيف أضاف إلى قوة الحق حق القوة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الرابع و الاربعون )
الموضوع : فتنة الاوس والخزرج وانواع الاختلاف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. تذكير وربط بما سبق:
أيها الإخوة الأكارم، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد بينت لكم في درسين سابقين كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من مكة إلى المدينة، انتقل من قوة الحق، قوة الوحي، قوة الاستقامة، قوة الإخلاص، قوة التضحية والفداء، لكن أصحابه كانوا يُعذبون أمامه، انتقل إلى المدينة ليضيف إلى قوة الحق حق القوة، لذلك بنى مجتمعاً قوياً، أساس هذا البناء المساواة، أساس هذا البناء إزالة فساد ذات البين، أساس هذا البناء التكافل، ولا زلنا في ملامح المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة.
لكنني وعدتكم في درس سابق أن ألقي على مسامعكم قصة تعد نكسة طارئة عابرة في العلاقات بين الأوس والخزرج، وكيف أن الله وصف الخلافات بين المؤمنين بأنها كفر.
نكسة طارئة بين الأوس والخزرج:دروس وعبر:
ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة، أن جاهلياً في المدينة المنورة وهو من اليهود غاظه ما رأى من ألفة المسلمين، وأسقط لكم هذه الحقيقة على واقعنا، مع أعدائنا ورقة رابحة وحيدة هي التفرقة بين المسلمين، هي إثارة الفتن الطائفية بين المسلمين، هذا اليهودي غاظه ما رأى من ألفة المسلمين، غاظه ما رأى من صلاح بينهم، بعد الذي كان بينهم من عداوة وبغضاء في الجاهلية.
أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج، وأن يذكرهم بيوم بُعاث.
حينما صدرت فتوى لا يرضاها المسلمون اليوم، هذه الفتوى نُشرت في معظم الصحف العادية، لأنها ورقة رابحة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/01.jpg
لذلك أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج، وأن يذكرهم بيوم بُعاث، يوم اقتتالهم، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار، فتفاخر القوم نزوة جاهلية، ثم تنازعوا، الأوس والخزرج، ثم تواثب رجلان من الحيين، وتقاولا، فقال أحدهما: إن شئتم رددناها الآن جذعة، أي حامية، وغضب الفريقان، وكادت تقع الفتنة، بلغ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم غاضباً فيمن معه من المهاجرين، حتى جاءهم فقال:
(( يا معشر المسلمين، اللهَ الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم ؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدو لهم، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين ))
لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة بالكفر، ثم إن الله جل جلاله أنزل بهذه الحادثة قرآناً فقال ـ دققوا بكلام الله ـ:
﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
الخلاف كفر عملي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/02.jpg
بماذا وصف القرآن الكريم الخلاف بين المسلمين ؟ بالكفر، هذا سماه علماء العقيدة: كفر دون كفر، هناك كفر يخرجك من الملة، من ملة الإسلام، وهناك كفر دونه فالخصومات بين المسلمين نوع من الكفر، لأن هذه الخصومات تضعفهم، تشتتهم، تمزقهم تجعل بأسهم بينهم، تعقيباً على هذا الموضوع الله عز وجل يقول:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الروم ).
الله عز وجل نصر الروم، وهم أهل كتاب على الفرس وهم عباد النار، لذلك أثبت الله جل جلاله للصحابة الكرام وهم نخبة الخلق، أثبت لهم فرحهم بهذا النصر، وقد قال الله عز وجل:
﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾
فالقواسم المشتركة بين المسلمين وبين أهل الكتاب موجودة، لكن هناك تناقضات في العقيدة كبيرة جداً، بينما القواسم المشتركة بين أطياف المسلمين أكثر بكثير، فالأولى أن نفرح بنصر الله، ولا أن نهمس في آذان بعضنا بعضاً أن هذا النصر ليس لنا، هو لكل المسلمين، إذا كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم فرحوا بنص القرآن الكريم بانتصار أهل الكتاب على ما بيننا وبينهم من تناقض، لأنهم انتصروا على عباد النار، هذا موضوع.
سبب نزول الآيات:
أيها الإخوة، ورد في أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت في تلك الحادثة التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصف الله جل جلاله النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/03.jpg
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حرص على وحدة أمته من بعده، لأن الأعداء وضعونا جميعاً في سلة واحدة، وينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد، مشكلتهم كما قال بعض زعمائهم: مشكلة حياة أو موت، ونحن مشكلتنا أيضاً مشكلة حياة أو موت.
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض ))
(( كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ ))
(رواه مسلم عن أبي هريرة)
أيها الإخوة، نتابع البينة السليمة الاجتماعية التي بناها النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أؤكد لكم أن المجتمع المتماسك لا يخرق، فلذلك مجتمع المؤمنين ينبغي أن يكون متماسكاً.
من أسس البناء الاجتماعي:
1 – المؤاخاة:
أيها الإخوة، أول شيء بالبناء الاجتماعي المؤاخاة، فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين والأنصار، نحن عندنا مظاهر إسلامية صارخة، مساجد كبيرة جداً ، مؤتمرات إسلامية، مكتبات زاخرة بالكتب الإسلامية، محاضرات، دروس، لكن الحب الذي كان بين أصحاب النبي رضوان الله عليهم ليس موجوداً الآن.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/04.jpg
أيها الإخوة، القضية النفسية الحب بين المؤمنين يجعلهم متماسكين، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 46 ).
الله عز وجل يبين ما ينبغي أن نكون عليه فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 ).
لا لتقاتلوا، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات ).
هذه الآية منهج، هذه الآية أحد معالم طريق النصر، المؤاخاة بين المؤمنين.
وفي آية ثانية يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 10 ).
صدقوا أيها الإخوة، ما لم تشعروا بانتمائكم إلى مجموع المؤمنين فلستم مؤمنين، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة أل عمران الآية: 19 ).
الاختلاف المذموم والاختلاف الطبيعي:
1ـ الاختلاف الطبيعي لنقص المعلومات:
قال بعض العلماء: هناك اختلاف طبيعي، اختلاف نقص المعلومات، نحن في 29 فرضاً من رمضان، وسمعنا صوت يا ترى مدفع العيد، أم تفجير تم في الجبل لصخرة عاتية، نقص المعلومات يدفعنا إلى أن نختلف، هذا اختلاف طبيعي، لا شيء فيه، لكن بعد حين فتحنا المذياع، فإذا الخبر أنه غداً عيد الفطر السعيد، مثلاً، هذا اختلاف طبيعي، أساسه نقص المعلومات، كان الناس أمة واحدة فاختلفوا اختلاف نقص معلومات، فبعث الله النبيين ووضحوا، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾
2ـ الاختلاف المذموم: الاختلاف بعد العلم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/05.jpg
هذا الاختلاف قذر، اختلاف نقص المعلومات طبيعي، لا يمدح ولا يذم، شيء طبيعي جداً، لكن الاختلاف بعد العلم اختلاف هوى، واختلاف مصالح، واختلاف نفوس، واختلاف كبر. ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾
حسداً بينهم، اختلاف الحسد احضر أي درس علم في العالم الإسلامي تسمع فيه: قال الله عز وجل، وقال عليه الصلاة والسلام، قرآن واحد، ونبي واحد، وسنة واحد، وإله واحد، والمسلمون اليوم فرق، وطوائف، وأحزاب، وشيع، وبأسهم بينهم، ويتقاتلون أحياناً.
ما اسم الخلاف الثاني ؟ خلاف البغي، هذا الخلاف القذر.
3ـ الاختلاف الممدوح: اختلاف التنافس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/06.jpg
وعندنا اختلاف محمود: اختلاف التنافس، هناك من يرى أن أعظم شيء أن تؤلف كتاباً، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تؤلف قلباً، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تبني مسجداً، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تطعم فقيراً، فالمؤمنون يختلفون في اجتهاداتهم، لكن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، لك أن تنشئ مسجداً، ولك أن تلقي درساً، ولك أن تعتلي منبراً، ولك أن تؤلف كتاباً، ولك أن تنشئ ميتماً، ولك أن تنشئ مستوصفاً، ولك أن توفق بين الناس، وأن ترأب صدعهم، وأن تجمع شملهم، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وكل الطرق سالكة.
إذاً: عندنا اختلاف طبيعي، لا يحمد ولا يذم، اختلاف نقص المعلومات، وعندنا اختلاف البغي، والحسد، والكبر، والاستعلاء، والمصالح، والحظوظ، هذا اختلاف قذر، وعندنا اختلاف تنافس. ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين ).
هذا اختلاف محمود، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، هذه المؤاخاة هي وسام شرف معلق على صدورهم، آخى النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بين المسلمين الأوائل.
التطبيق العملي لمبدأ المؤاخاة:
ما الذي يمنعنا نحن من تطبيق هذه المؤاخاة ؟ أنت في هذا الدرس ألا تستطيع أن تؤاخي واحداً ؟ أن تقول له: أنت أخي في الله واحد، في الدرس القادم لم يحضر فتفقدته، لاحتمال أن يكون مريضاً، أنت حينما آخيته أخذت رقم هاتفه، فإن افتقدته في الدرس القادم اتصلت به، قل: نحن قلقون عليك، إن شاء الله المانع خير، بماذا يشعر ؟ أنه هو من يهتم به، هناك من يسأل عنه، هذه المؤاخاة، لو أنه كل مجلس علم أخ كريم آخى أخا واحدا لعل يكون قريبه، أو جاره، أو زميله، أو صديقه، ابحث عن أخ جار لك، أو قريب لك، أو صديق لك، أو زميل في عمل، قل له أنت أخي في الله، خذ رقم هاتفه، وليأخذ رقم هاتفك، فإذا تغيب عن درس علم هناك احتمال أن يكون مريضاً، تفقده بالهاتف، قال لك: والله أنا مريض، اذهب إليه، اعرض عليه خدماتك، هكذا يكون المجتمع متماسكاً.
قال لي بعضهم: والله لو إنني غبت عاما عن مجلس العلم ولا أحد يتصل بي ، نحن في الظاهر مجتمعون، لكن في الحقيقة متفرقون، ما أحد يعرف أحدا، النبي عليه الصلاة والسلام إذا اتخذ أخاً في الله يسأله عن اسمه، وعن اسم أبيه، وممن هو، وعن حرفته، وعن عنوان بيته، وعن هاتفه مثلاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/07.jpg
فالمؤاخاة من منهج النبي عليه الصلاة والسلام، آخى النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بين المسلمين الأوائل، آخى بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، و آخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام، و آخى بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبين سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، وكان المسلمون الأوائل في مكة يعيشون الأخوة الكاملة.
والله أيها الإخوة، والله أقسم لكم بالله، إذا تآخيتم في الله تصبح حياتكم جنة، الحياة قاسية جداً، والأخبار سيئة جداً، والأشياء مقلقة، والمستقبل مظلم، لكن الذي يخفف عنك ثقل الحياة ومصائبها والضغوط الاجتماعية والخارجية والداخلية أخ في الله، وليس على وجه الأرض من إنسان يسعدك، وتسعده من أخ في الله.
(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ والمتزاورين فيّ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة ))
( أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن معاذ )
نحن نريد لهذه الأفكار ألا نكتفي بسماعها، وألا تبقى في دماغنا، في ذاكرتنا بل نريدها حياة نعيشها، نريدها تطبيقاً، نريدها ممارسة، نريدها واقعاً، لأن مشكلتنا في هذه الأيام مشكلة بقاء أو فناء، مشكلة حياة أو موت، خفف عن أخيك بمؤاخاتك له، ويخفف عنك بمؤاخاته لك.
وكان المسلمون الأوائل يعيشون الأخوة كاملة بكل أبعداها ومعانيها من خلال دار الأرقم، والهجرتين الأولى والثانية، ومواجهة إيذاء وعدوان قريش.
صور رائعة من واقع مؤاخاة الصحابة:
1 – بين أبي بكر وبلال:
أيها الإخوة، سيدنا الصديق بلغه أن بلالاً يُعذب بلال عبد، وفي السلم الاجتماعي في الدرجة السفلى، وسيدنا الصديق من أرومة قريش، من علية القوم، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
ذهب إلى صفوان ابن أمية سيد بلال، وكان يعذبه يضع على بطنه صخرة في لهيب الظهيرة، ويأمره أن يكفر بمحمد، وكان بلال يقول: أحدٌ أحد.
كطرفة: مدرسة شرعية في الشام أقامت حفل في نهاية العام، والحفل في تمثيلية بسيطة عن سيدنا بلال، وعن صفوان ابن أمية، كيف هو يعذبه، وكيف يقول بلال: أَحدٌ أحد.
جاءوا بطالبين، أحدهم مثّل دور صفوان بن أمية، والثاني مثل دور بلال الحبشي، وبحسب الحركات والتمثيل بدأ الطالب الذي مثل دور صفوان بن أمية بضرب الطالب الذي مثل دور بلال، فقال له صفوان بن أمية: لن أرفع عنك العذاب إلا إذا كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، التمثيل غير متقن طبعاً.
فكان صفوان بن أمية يعذب بلالاً، ذهب إليه الصديق، قال: بكم تبيعني إياه ؟ اتفقا على مبلغ، ونقده إياه، أراد صفوان أن يبالغ بإهانة بلال، قال له: والله لو دفعت لي درهماً لبعتكه، فقال له الصديق: والله لو طلبت به مئة ألف درهم لأعطيتكها، هذا أخي حقاً، وضع يده تحت إبطه.
سيد قريش مع إنسان في الطبقة الدنيا، وقال: هذا أخي حقاً، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم إذا ذكروا الصديق يقولون: << هو سيدنا وأعتق سيدنا >>.
وسيدنا عمر كان إذا علم أن بلالاً سيأتي المدينة كان يخرج، وهو عملاق الإسلام، وأمير المؤمنين، يخرج هو لاستقباله.
أيها الإخوة، يقول سيدنا الصديق: << هذا أي حقاً >>.
أنا سمحت لنفسي في هذا الدرس أن أذكركم بنزوة، أو نكسة طفيفة سريعة عابرة للأنصار، فنزل القرآن:
﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض ))
2 – بين أبي ذر وبلال:
نزوة صغيرة في ساعة غضب، والصحابة ليسوا معصومين، قال بعض الصحابة لبلال: يا ابن السوداء، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال لهذا الصحابي الجليل القرشي: (( إنك امرؤ فيك جاهلية ))
(أبو داود عن أبي ذر)
فلم يرضَ هذا الصحابي بعد أن سمع هذا من رسول الله إلا أن وضع رأسه على الأرض، وأمر بلالاً أن يعض قدمه فوق رأسه، هذا هو الإسلام.
3 – إنها امرأة تنظف المسجد فقط:
امرأة تقم المسجد، منظفة، توفيت، الصحابة الكرام اجتهدوا أن هذه المرأة من دنو مكانتها لا ينبغي أن نذكر للنبي أنها ماتت، النبي الكريم تفقدها بعد حين، قالوا: والله ماتت يا رسول الله، فغضب، قال: هلا أعلمتموني ؟ لمَ لم تذكروا لي أنها ماتت ؟ وذهب إلى قبرها، وصلى عليها صلاة الجنازة استثناء من أحكام صلاة الجنازة، صلاة الجنازة قبل الدفن، صلى عليها صلاة الجنازة بعد الدفن، هذا المجتمع المسلم.
أنت مدير مؤسسة، عندك حاجب مؤمن، إن لم تعامل هذا الحاجب كما تعامل أكبر موظف فلست مؤمنا، الإنسان عند الله مكرم.
مرض العنصرية المقيتة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2918/08.jpg
لذلك أنا أقول دائماً: المرض الأول في العالم الآن، كيف عندنا أمراض في الجسم كالورم الخبيث، أمراض عضالة، العالم كله الخمس قارات يعاني مرضا عضالا، ما هذا المرض ؟ العنصرية، من هو العنصري ؟ هو الذي يرى نفه فوق البشر، يرى أن البشر في خدمته، وأن لحياته قيمة، وليس لحياتهم قيمة، وأن وقته ثمين، وليس وقتهم ثميناً وأنه معفى مما يجب على غيره، وأنه يحق له ما لا يحق لغيره، وأنه يبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني غناه على فقرهم، ويبني حياته على موتهم، ويبني أمنه على خوفهم، ويبني عزه على ذلهم.
صور من المؤاخاة في المدينة:
أيها الإخوة، تلك المؤاخاة في مكة، أما في المدينة فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المساواة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام إلى حين غزوة بدر، الأخ في الله كان يرث أخاه قبل نزول آيات المواريث، فلما أنزل الله عز وجل قوله:
﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 75 ).
رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة، يعني في مرحلة من المراحل كان الأخ يرث أخاه.
1 – بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع:
أيها الإخوة، أضرب لكم مثلا واحدا نأتي عليه بالتفصيل: أن بعض الذين آخى بينهم النبي عليه الصلاة والسلام هو عبد الرحمن بن عوف، آخى بينه وبين سعد بن الربيع، وقد عرض عليه سعد بن الربيع أحد بيتين، وأحد دكانين، وأحد بستانين، لم يُثبت التاريخ الإسلامي أن مهاجراً أخذ من أنصاري نصف ماله، قال له: بارك الله لك بمالك يا أخي، ولكن دلني على السوق، ما هذه العفة ؟ الأنصار بذلوا نصف ما يملكون، والمهاجرون تعففوا عن أموال إخوانهم، قال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق، أنا أعمل.
فحينما يكون المؤمن سخياً كريماً إلى درجة أن يهب أخاه نصف أملاكه تجد الطرف الآخر عفيفاً جداً جداً، ويقول: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق.
قال العلماء: المؤاخاة هي حاجة الأنصار إلى التفكر في الدين، وحاجة المهاجرين إلى مأوى، وإلى مساعدة، وإلى بيت.
أيها الإخوة، الموضوع رائع جداً وله تتمة، ونحن في أمسّ الحاجة إليه الآن.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الخامس و الاربعون )
الموضوع : بناء الاخوة بين المسلمين فى المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ومع موضوع بدأت فيه منذ أسبوعين تقريباً، ألا وهو الطريقة التي بنا بها النبي صلى الله عليه وسلم مجتمع المسلمين الأول في المدينة، ونحن في أمسّ الحاجة إلى أن نتأسى بهذا النبي الكريم في بناء مجتمع المسلمين. المؤاخاة أكبر أساس مجتمع المسلمين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/01.jpg
الشيء الأكبر من أسس هذا المجتمع المؤاخاة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 10 )
وما لم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً.
(( المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ ))
(رواه الترمذي عن أبي هريرة )
المسلم في أي مكان، وفي أي زمان أخو المسلم.
والإسلام أيها الإخوة خاصة، والدين عامة حاجة الإنسان إليه كحاجته للهواء، والهواء لا يستطيع أحد أن يحتكره، الماء يحتكر، الأرض تحتكر، المحل يحتكر، أما الهواء فلا يحتكر، لذلك حاجة الإنسان إلى الدين كحاجته إلى الهواء، والهواء لا يحتكر، لا يمكن أن يحتكره قوم، ولا بلد، ولا إقليم، ولا مصر، ولا طائفة، ولا مذهب، الدين كالهواء.
فلذلك كل من يتوهم أن وحده على حق، وما سواه على باطل من دون دليل، من استقصاء فهو واهم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بدأ ببناء المجتمع الإسلامي عن طريق المؤاخاة، فما لم تشعر بأخوتك لهذا المؤمن، وما لم تشعر أن هذا المؤمن أقرب الناس إليك، وأحب الناس إليك، ما لم يكن انتماءك للمؤمنين فلست كامل الإيمان.
أما حينما نرى أن المؤمنين بعضهم يتهم بعضاً، بعضهم ينتقص من بعض ، بعضهم يشتم بعضاً، بعضهم يقاتل بعضاً، هذه وصمة عار بحق المسلمين
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
مؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار:
فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نِصفهم من المهاجرين، ونِصفهم الآخر من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام، إلى حين غزوة بدر، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، فلما أنزل الله عز وجل قوله:
﴿ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 6 ).
رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوّة، ففي بداية الإسلام كان هناك أسر بعض الأبناء فيها مسلم، وبعض الأبناء مشرك، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون التوارث بين الإخوة المؤمنين، ولكن بعد حين:
﴿ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾
رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الإخوة.
وكانت المؤاخاة في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، أي بعد الهجرة بخمسة أشهر.
إسقاط مبد المؤاخاة على مجتمع المسلمين اليوم:
ولكن: ألسنا نحن بحاجة إلى هذه المؤاخاة ؟ لست وحدك في الحياة، أنت للكل، والكل لك، لست وحدك في الحياة، الحياة بالأخوة الإيمانية لا تبدو قاسية، والحياة مع الأخوة الإيمانية تبدو مسعدة، وما من إنسان أغلى على المؤمن من أخ له في الله، تنصحه وينصحك، تعينه ويعينك، تتفقده ويتفقدك، تعاونه في معضلات حياته ويعاونك.
الصورة الأولى للمؤاخاة اليوم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/02.jpg
إذاً: لو أنّ كل واحد منا اتخذ أحد الإخوة أخاً له، وصافحه، وقال: أنا فلان، وأنت أخي في الله، هذا هاتفي، وهذا عنواني، وهنا بيتي، وأنشدك الله إن كنت مضطراً لشيء فأنا في خدمتك، وأعاهدك أنني إذا اضطررت إلى مساعدة سوف أطلب منك، فهذا جيد جداً، وإذا آخى اثنين، أو آخى ثلاثة فهو أفضل، وإذا آخى خمسة وتفقدهم، ما الذي يحصل أيها الإخوة ؟
يأتي أخ إلى المسجد يُسرّ بالدرس، تزل قدمه، يخجل من ربه فلا يأتي، ولا أحد يسأله: لمَ لم تأتِ، لا أحد يتفقده، يمضي أسبوع وأسبوع فينقطع كلياً عن المسجد، لو أن واحداً اتصل به، وسأله: كيف حالك ؟ إن شاء الله المانع خير ؟ لسُرّ، وانتعش فؤاده، وعاد إلى المسجد.
لذلك لو أن واحد منا آخى أخاً، وتعاهدا على أن يتناصحا، تعاهدا على أن يتفقد كل منهما الآخر، والأخ الثاني أفضل، والثالث أفضل، والرابع أفضل، لو أنك آخيت خمسة أشخاص لكانت الحياة الجنة.
الصورة الثانية للمؤاخاة اليوم:
المشروع الثاني: ما الذي يمنع إذا كنتم خمسة في حي واحد، أو في حرفة واحدة، أو في قاسم مشترك واحد، أو في قرابة واحدة، أحياناً القرابة تجمع، أحياناً السكن يجمع، أحياناً الحرفة تجمع، إما قرابة، أو زمالة، أو صداقة، أو جواراً، ما الذي يمنع أن نجلس كل أسبوعين، أو كل أسبوع، أو كل ثلاثة أسابيع، أو كل أربعة أسابيع، نجلس ساعة من الزمن نتحاور، نتداول، واحد منا استقى موعظة تأثر بها، فذكرها لإخوته، واحد منا حضر خطبة، تفاعل معها، فذكر مضمونها لإخوانه، قرأنا صفحة من كتاب الله، تدارسنا هذا الكتاب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
( رواه مسلم )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/03.jpg
(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))
( رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة )
الحديث في الدنيا متعب، بينما الحديث عن الله مسعد.
لذلك أيها الإخوة، لو أردنا أن نترجم إلى سلوك عملي أن كل واحد يؤاخي أخاً في الله، طبعاً لا بد من تبادل العناوين تبادل الهواتف، تبادل فكرة سريعة عن الأخ، ماذا يعمل ؟ ويفضل أن يكون أقرب الناس إليه سكنا، أو إلى عملك، أو إلى قرابتك، هذا تنفيذ لمؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام، واحفظ هذه الكلمة: الكل لواحد، والواحد للكل، ولست وحدك في الحياة.
(( إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه ))
( رواه الترمذي عن أبي هريرة)
(( كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ ))
( رواه الترمذي عن أبي هريرة)
من أغراض المؤاخاة:
1- ذهاب وحشة الغربة:
إذاً: ورد في بعض كتب السيرة أن الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة وصدقوا أيها الإخوة، أننا في غربة.
(( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي ))
(الترمذي عن عمرو بن عوف بن زيد )
ما لم تشعر بالغربة ففي إيمانك خلل.
(( المسلم في آخر الزمان غريب، القابض على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أن منهم ؟ قالوا: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))
( ورد في الأثر )
فما لم تشعر بالغربة ففي الإيمان خلل.
إذاً: الغرض من المؤاخاة ذاهب وحشة الغربة، ولا سيما بعد مفارقة الأهل والعشيرة.
2 - شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض:
ومن أغراض المؤاخاة شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض، فلما أعز الله الإسلام، وجمع الشمل، وذهبت الوحشة، بطل التوارث، ورجع كل إنسان إلى نسبه ولذي رحمه.
في أيام الضيق، في أيام الشدة، في أيام الفتن، في أيام الطرقات مليئة بالنساء الكاسيات العاريات، في زمن الفضائيات، في زمن الانترنيت، في زمن الإباحية، ما من إنسان تألفه، وتأنس به، ويأنس بك، كالأخ في الله، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية:
(( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء ))
( رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت )
وقد علمنا عليه الصلاة والسلام أنك إذا أحببت أخاً في الله أعلمه أنك تحبه، قل له: إني أحبك في الله، ينبغي أن يقول لك: أحبك الله كما أحببتني، والحب أحد أركان الحياة النفسية، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فإذا أحببت أخاً في الله كان هذا الأخ لك معيناً، ورفيقاً، وناصحاً، ومحباً.
3 - حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين:
الآن للمؤاخاة أهداف أبعد، وأشمل من مجرد التوارث للأسباب التالية: حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين.
أحياناً أنت آخيت أخًا حديث عهد بالمسجد، وأنت لك في المسجد سنوات طويلة، تلقيت علماً غزيراً، عندك فضل علم، فإذا آخيت إنسانا مبتدئا، أعطيته من علمك، تدارست معه القرآن، تحاورت معه في الفقه، علمته ما في بعض السيرة، بينت له أجمل ما سمعت فه>ا من أهداف المؤاخاة.
إذاً المؤاخاة لها هدف آخر، لذلك قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
( سورة سبأ الآية: 46 ).
إذا جلست مع أخيك فتحاور حول هذا الدين، حول هذا النبي الكريم، حول سنته حول عظمة الإسلام.
إذاً أحد أسباب المؤاخاة، وهذا من بناء الرسول عليه الصلاة والسلام حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين.
4 - القدوة الصالحة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/04.jpg
شيء آخر، الدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، القدوة الصالحة حقيقة مع البرهان عليها، والإسلام لا يعيش إلا بالمثل، الإسلام لا ينمو وهو في الكتب، ينمو بمسلم تراه عينك ، لذلك كما أن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، ينبغي أن ترى أمانته ، وأن ترى صدقه، وأن ترى عفافه، وأن ترى محبته، وأن ترى إنصافه، وأن ترى غناه عما سوى الله.
إذاً الحاجة إلى التفقه في الدين، والدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، وقد مضى العهد المكي، وما فيه من قرآن منزل وجهاد دعوي، وصبر على الأذى، وهجرة وصحبة ، وتربية نبوية، لا يحمله يوم الهجرة إلى هؤلاء المهاجرين إلا إخوانهم الأنصار، وليس من الممكن أن يعاود رسول الله صلى الله عليه وسلم لينقل إليهم أفراد وجماعات تلك العلوم التي عاشوها.
مرة حضر أمام النبي عليه الصلاة والسلام رجل تكلم فألحن ؛ أخطأ، فقال: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل، النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه سنوات طويلة، الآن جاء إلى المدينة والأنصار لا يعلمون شيئاً، يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لكن علمهم قليل، بهذه المؤاخاة جعل السابقين بالعلم يمنحون إخوانهم الأنصار العلم الذي تعلموه من رسول الله.
أيها الإخوة، لكن من الضروري أن يتم توزيع المهاجرين على عشائر الأنصار يعيشون معهم حياتهم بكل تفاصيلها، ليتمكنوا من صناعة القدوة الحسنة، والوحدة التربوية النبوية بين الجميع، ولا يمكن تحقيق ذلك بغير العيش المشترك الذي يتجاوز المصاعب التي تفرضها مشكلات السكن والعمل والصحبة، فبالمؤاخاة أصبح المهاجر أخاً لا يبعده عن أخيه الأنصاري العادات والتقاليد الاجتماعية، والدراسية وغيرها.
إذاً كما أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه المهاجرين بالأنصار أصحابه الجدد، ينبغي أن القوي يؤاخي الضعيف، والغني يؤاخي الفقير.
ملمح جديد من ملامح المؤاخاة اليوم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/05.jpg
الآن هناك ملمح جديد: إنسان ميسور إذا آخى طالب علم فأعانه، اقتراح أن أصحاب الفعاليات الاقتصادية وظفوا عندهم طالب علم بنصف دوام، وبنصف أجرة، تحل المشكلة، طالب العلم أحياناً يحتاج إلى دخل محدود جداً، يقيم أوده، فإذا تفضلت، وعينت طالب علم عندك بنصف دوام أتيح له أن يدرس، وبهذا الدخل القليل أتيح له أن يعيش، فإذا كبر هذا الطالب، وصار داعية كل عمله بصحيفة من كفله.
الآن دخلنا في موضوع جديد الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، والذي عنده حرفة يؤاخي من لا يتقن هذه الحرفة.
والله أعرف رجلاً عنده محل حلويات، دخل إليه إنسان من محافظة نائية في الشمال الشرقي، وهو غير مسلم، قال له: هل تعلمني صنع الحلويات ؟ قال له: حاضر، أدخله إلى المعمل، وصنع أمامه طبخة، وكتب التفاصيل، فلما انتهى قال: اصنع طبخة أنت أمامي، يقسم بالله العظيم مضى على هذا العمل ثلاثون عاماً، ما من عامل إلا ويأتيه من آخر الدنيا ومعه هدية ثمينة يقول له: لحم كتفي من خيرك.
ما الذي يمنع إن كنت صاحب حرفة أن تؤاخي إنساناً لا يتقن هذه الحرفة.
الغرب علمنا الجشع والشح:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/06.jpg
إخواننا الكرام، الغرب علمنا الجشع، علمنا حبس المعلومات، علمنا أنك إذا أردت أن تفك محرك تقول للصانع: اخرج لئلا يتعلم، لئلا ينافسك، ما الذي يمنع هذا الصانع الذي يعمل بلا أجر من أجل أن يتعلم، ما الذي يمنع أن تعلمه هذه الحرفة ؟.
﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
( سورة الحشر ).
غير مؤمن شحيح، يضن بمعلوماته، إذاً المؤاخاة تأخذ بعداً شديداً، غني وفقير قوي وضعيف، صاحب حرفة.
إنسان من بلد بعيد يقم هنا للدراسة، إذا آخيت أخاً مقيماً، وأنت مغترب، يعاونه هو من البلد، يعرف البئر وغطائها.
لذلك إذا كان هناك تباعد بالصفات فالأخوة أجدى.
لا عصبية ولا قبلية ولا طائفية في الإسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/07.jpg
الإسلام أيها الإخوة بحد ذاته لا يقوم على الأسس والقواعد العصبية، والقبلية، والعشائرية، والعرقية، اسمعوا مني هذا الكلام:
لا يضاف على كلمة مسلم ولا كلمة، أية إضافة على كلمة مسلم هذا يتجه نحو التعصب.
(( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ))
(أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم )
بعد كلمة مسلم لا يضاف ولا كلمة، لذلك الإسلام لا يقوم على أسس عصبية ولا قبلية، ولا عشائرية، ولا عرقية، لما كنا مسلمين في شتى بقاع الأرض كنا أمة واحدة، فلما قلنا: نحن عرب، قال الأتراك: ونحن أتراك، وقال الأكراد: ونحن أكراد، نطالب حكماً خاصاً، الإسلام أممي، كل من آمن بما نؤمن، وطبق ما نطبق، هو منا، ونحن منه ، له ما لنا، وعليه ما علينا.
وقد تستغربون إن ألقيت على مسامعكم أسماء علماء كبار جداً ليسوا عرباً، الإمام البخاري ليس عربياً، صلاح الدين الأيوبي ليس عربياً، ألا نفتخر به ؟ الشيء الصحيح أن يكون الإسلام أممياً، لا يمنع أن تكون أنت عربيا، لا يمنع أنك منتسب لهذه الأمة، لكن من دون تعصب، من دون أن تزدري الآخرين، أو من دون أن يزدرك أحد، لذلك لا بد من وضع أسس المجتمع الجديد بعيداً عن المؤثرات والمورثات الجاهلية، وليكون هذا المجتمع الجديد مثالاً صالحاً يحتذيه المسلمون على مر العصور.
صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة:
1ـ بين بلال الحبشي وأبي بكر الصديق:
أضع بين أيديكم أمثلة يصعب تصديقها، لكنها واقع: بلال الحبشي من الطبقة الدنيا، في مجتمع الجاهلية، ليس عربياً، وليس قرشياً، وليس من أرومة قريش، عبد أسود مملوك، يعذبه سيده لأنه آمن بمحمد، يأتيه الصديق ليشتريه بالثمن الذي طلبه، يقول سيد بلال: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، يقول الصديق: والله لو طلبت مئة ألف درهم لدفعتها لك، وأخذ بلالاً، ووضع يده تحت إبطه إشعاراً لسيده أنه أخوه في الإسلام، بلال إذا قدم المدينة يخرج عمر عملاق الإسلام لاستقباله ؟! هذا هو الإسلام، الصحابة الكرام إذا ذكروا أبا بكر، يقولون: هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً.
(( فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى ))
(رواه الطبراني عن ابي سعيد )
(( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))
(أخرجه العقيلي، والطبراني، عن أم أيمن )
ميزان الترجيح في الإسلام:الإيمان والعمل الصالح:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/08.jpg
المجتمع يتقدم، الله لم يعتمد في الترجيح بين خلقه قيمتين العلم، العمل، قيمة العلم: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 ).
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 11 ).
وأما قيمة العمل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 123 ).
وما لم تعتمد الأمة هذين المرجحين فلن تقف على قدميها، لذلك هناك قيمة المال ، قيمة النسب، قيمة الحسب، قيمة الجمال، قيمة الذكاء، قيمة الأرومة، هذه قيم لم يعتمدها الإيمان إطلاقاً، بل اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل.
5 -: تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/09.jpg
الهدف الخامس من هذه المؤاخاة: تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي في جميع الأحوال والمجالات، فالفرائض الإسلامية من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج نقوم بها جميعاً، والذي يشكل بمجموعه غاية المؤاخاة، الصلاة واحدة، والملك والخفير يصليان جنياً إلى جنب في المسجد، في الحج الخفير يطوف، والملك يطوف، والخفير يسعى، والملك يسعى، في مناسب الحج لا فرق بين أمير وخفير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين غني وفقير.
لذلك العبادات كالصلاة، والصوم، والحج، مطبق على الجميع، من دون استثناء، ليس هناك مسعى خاص للكبراء، بالسلك الدبلوماسي، ولا طواف خاص لعلية القوم، مناسك الحج والعمرة، والصيام، والصلاة واحدة لدى الجميع.
لذلك.... أن يكون كل واحد من المؤمنين عوناً وسنداً للآخر، فمن للمهاجرين غير الأنصار، يسكنون إليهم، ويشاركونهم حياتهم، ومأكلهم، ومشربهم، وآلامهم وأفراحهم، وجهادهم، والذود عن حياضهم، ومن للأنصار غير المهاجرين يعلمونه الدين، ويفقهونهم فيه، ويقرئونهم القرآن ؟ أرأيت إلى هذه المصالح المتكاملة، أروع التكامل المضاربة.
لو فرضنا إنسانا معه مال، وهو متقدم في السن، ولا يحسن استثماره، لو أن شاباً مهندساً زراعياً مثلاً، طاقة كبيرة جداً، طاقة كبيرة ومثقفة، لكن ما معه مال، فعملوا مشروعاً، الأرباح مناصفة، هذا بماله، وهذا بجهده، المؤاخاة لها معنى واسع جداً، حتى شركات التجارة مؤاخاة، واحد بماله وواحد بجهده.
لذلك أيها الإخوة، من حكم المؤاخاة تكامل الأنصار والمهاجرين، أما صور هذه المؤاخاة فتبين السمو الذي بلغه الأنصار والسمو الذي بلغه المهاجرون، نذكر منها:
صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة:
2ـ بين سعد بن الريع وعبد الرحمن بن عوف:
تميل النفس الإنسانية المهذبة المزكاة إلى المحبة الصادقة، والتضحية والإيثار، فكيف وقد عظم الإسلام مكانة المتحابين بالله، وعلى هذا الشعور الديني تقدم الأنصاري سعد بن الربيع إلى أخيه في الله عبد الرحمن بن عوف، فقال، الآن عندنا أنصاري، اسمه سعد بن الربيع، ومهاجر اسمه عبد الرحمن بن عوف، قال: إني أكثر الأنصار مالاً، أقسم لك مالي نصفين، عندي بستانان خذ أحدهما، عندي بيتان خذ أحدهما، عندي دكانان خذ أحدهما، قال عبد الرحمن بن عوف، والله لا أنساها هذه الكلمة: بارك الله لك في أهلك ومال، ولكن دلني على السوق، ما هؤلاء الأصحاب الذين رباهم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ الأنصار أسخياء، والمهاجرون أعفّة.
الآن الغني الغنى الفاحش إذا استطاع أن يعالج في مستشفى مجاناً من حق الفقير لا يقصر، الأنصاري بذل نصف ماله، والمهاجر تعفف عن المال، بارك الله لك في مالك ولكني دلني على السوق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/10.jpg
دلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل أقط وسمن، ثم تابع الغدو الأقط لبن مجفف، وسمن، أرباحه كانت غذاء، تابع الغدو إلى السوق، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة طيب لونه أصفر، جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما الأمر ؟ قال له: يا رسول الله تزوجت، دخل للسوق، وباع واشترى، وجمع مالا، وتزوج.
إخواننا الكرام، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.
(( مَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه ))
(رواه الطبراني، ورواه أبو الشيخ عن أبي الدرداء )
الشيء الذي يلفت النظر أنه كما أن الأنصاري سخي المهاجر عفيف، ما قبل أن يأخذ شيئاً، عرض عليه بيتاً، ودكاناً، وبستاناً، قال له: بارك الله لك بمالك دلني على السوق، تاجر وربح الإقط والسمن، ثم تاجر فتزوج، فلما رآه النبي عليه أثر صفرة قال له: ما الأمر ؟ قال: تزوجت يا رسول الله، قال: كم سقت إليها ؟ ما المهر ؟ قال: نواة من ذهب، يعني بحجم نواة ذهباً، أو وزن نواة من الذهب، قال: أَوْ لِم ولو بشاة، لذلك من السنة أن يكون في حفل عقد القران وليمة وطعام.
3 ـ مشاركة الأنصار مع المهاجرين في أشجار النخيل:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/11.jpg
الأنصار مثل آخر من أمثلة المؤاخاة: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبينهم النخل، الأنصار اقترحوا أن يكون نخل المدينة مشاركة مع إخوانهم المهاجرين، قالوا: لا، قال: تكفوننا المئونة، وتشاركوننا في التمر، الأنصاري عرض أن يتملك المهاجر نصف أشجار النخيل، قال: لا، نحن نعتني بهذه الأشجار بجهدنا، أعطونا بعض الثمار، ولتبق الأشجار لكم، أرأيتم إلى هذه العفة ؟! هذه مضاربة، وهذه أفضل شركة في الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، هو بجهده والسيدة خديجة بمالها، ولعل أمانته، وعفته كانت سبب زواجه منها.
قالوا: تكفوننا المئونة، أي تعتنون بهذه الأشجار، وتشاركوننا في التمر، قالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا يشبه شركات المضاربة اليوم، العامل بعمله، والمالك بماله، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال، نزل أبو بكر الصديق في المدينة على خارجة بن يزيد، ابن أبي زهير، وتزوج ابنته حبيبة، ولم يزل في بني حارث ابن الخزرج بالصلح حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وخارجة بن زيد أخوين.
أنا أتمنى أن تترجم هذه الحقائق إلى سلوك عندكم، إلى مؤاخاة، تعلمنا شيئا جديدا، الذي معه مال، ولم يحسن استثماره ليؤاخ إنساناً خبيراً ليس معه مال، الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، وصاحب الحرفة يؤاخي إنسانا لا يتقن هذه الحرفة، وبهذا تتكامل حياة المسلمين.
شكر المهاجرين واعترافهم بفضل الأنصار عليهم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2919/12.jpg
قال المهاجرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومك، قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، كفونا الموءنة وأشركونا في المهنة، أي في الخدمة، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، هم تكفلوا بالعناية بالشجر، وأعطونا نصف الثمر، قال: حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال: لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتم له، أي إن ثناءكم عليهم، ودعاءكم لهم حصل منك به نوع من المكافأة.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ))
( أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر)
الأصل أن إنساناً قدم لك خدمة، الكمال يقتضي أن ترد عليه بخدمة مثلها، قدم لك هدية، الكمال يقتضي أن ترد عليه بهدية مثلها، لكن إذا كان هو غنياً، وأنت فقير ، وأكرمك إكراماً كبيراً، ولا تملك أن تكافئه قل له: جزاك الله خيراً.
ثناء الله على المهاجرين والأنصار وروابطه الوثيقة:
لقد أثنى الله جل جلاله على المهاجرين والأنصار على هذه الروابط الطيبة التي بينهم، وبيّن فضل بعضهم على بعض ومكانتهم عند الله فقال:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
( سورة الحشر ).
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأَنْصَارِ: لاَ يُحِبّهُمْ إِلاّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلاّ مُنَافِقٌ. مَنْ أَحَبّهُمْ فَأَحَبّهُ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمُ فَأَبْغَضَهُ اللّهُ ))
( متفق عليه )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السادس و الاربعون )
الموضوع : المؤاخاة مع المودة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. السنة النبوية أقوال وأفعال وإقرار:
أيها الإخوة، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وأحب أن أذكركم تكراراً أن السّنة النبوية هي أقوال النبي، وأن السّنة النبوية هي أفعال النبي، أقواله سُنة وأفعاله سُنة، وإقراره سُنة، إذا تكلم أحد أمامه كلمة وسكت النبي فهي صحيحةً.
إذاً أقواله، وأفعاله، وإقراره، أقواله في درس الحديث الشريف، أما أفعاله في درس السيرة النبوية.
أفعال النبي تجسيد لكلام الله: المثالية الواقعية:
وأذكر مرة ثانية أن أفعاله أصدق في التعبير عن فهمه لكلام الله من أقواله، لأن أفعاله حدية، أما أقواله فتحتمل التأويل، فلذلك قال تعالى:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 ).
هناك نقطة دقيقة جداً، هي أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي لم تكن أحداثا عادية، إنما هي مقصودة لذاتها، يأتي حدث فيقف النبي منه الموقف الكامل، موقفه تشريع ، هو شرع بأقواله، وشرع بأفعاله، بل إن أفعاله فيها مغزى، أنها تعبر عن حقيقة مع البرهان عليها، ذلك لأن هناك تهمة لمن يرشد الناس، يقول الذي يستمع إليك: هذا كلام مثالي، هذا كلام غير واقعي، لا يطبق، يصعب تطبيقه، ما كل أوامر الدين صالحة للتطبيق في آخر الزمان، هذا إن كانت أقواله، أما إن كانت أفعالا ففعل النبي ينطلق من حقيقة يؤكدها النبي بفعله، لكن الفعل جعل المثالية واقعاً، لذلك الدعاة مهمتهم أن يجعلوا الواقع مثالياً، وأن يعبروا عن مثالية واقعة، أن يعبروا عن مثالية قابلة للتطبيق.
مثلا: قد تقرأ عن أبي حنيفة النعمان ـ رحمه الله تعالى ـ أنه صلى أربعين عاماً الفجر بوضوء العشاء، هذه مثالية غير واقعية، هل تستطيع أن تبقى يومين بلا نوم ؟ يختل توازنك، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
(( أشدكم خشية لله أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أتزوج النساء، آكل اللحم هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي ))
( البخاري عن عائشة )
أنا مع كامل التعظيم لأبي حنيفة النعمان، قد يكون هذا القول غير صحيح، لأنه خلاف الفطرة، النوم أساسي في حياتنا، لا تأتني بدين لا يصلح للتطبيق، أعطني منهجاً واقعياً، يمكنني أن أتزوج، وأن أسس عملا، وأن أربح، وأن أُنجب أولادا، أن أكون في أعلى درجة القرب من الله، هذا المنهج.
لذلك اسمعوا هذه الكلمة: لما ضعف الاتصال بالله ظهر التصوف، كتعبير عن ضعف الاتصال بالله، ولما ضعف الانضباط العلمي ظهر المتشددون في النصوص، ولما ضعفت دنيانا، وأصبحنا في مؤخرة الأمم ظهرت العلمانية، فهذه الاتجاهات الثلاثة ظهرت لعدم تطبيق منهج الله تطبيقاً متوازناً كاملاً.
إذاً: قد يقول أحدكم: أنا أحضر درس سيرة وقعت قبل 1400 عام، هذه الأحداث التي وقعت أحداث نموذجية، كانت مقصودة من قِبل الله عز وجل، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل، فكان موقفه تشريعاً.
مثلا: سيدنا عمر أراد أن يهاجر، وقف أمام المشركين في النهار، جهرة، ونهاراً وإعلاناً، وقال: " من أراد أن تثكله أمه فليحق بي إلى هذا الوادي "، وهاجر جهاراً عياناً نهاراً على جميع الخلق، يأتي سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم يهاجر مع أبي بكر سراً، باتجاه الساحل، باتجاه معاكس للمدينة، يقبع في غار ثور أياماً ثلاثة ليخف عليه الطلب، أيهما أشجع ؟ قد يقول قائل لا يعرف حقيقة النبوة: عمر، لأنه هاجر متحدياً جهاراً نهاراً، أما المتعمق في الدين فيقول: الأشجع رسول الله..
سيدنا رسول الله كان الصحابة الكرام إذا حمي الوطيس كانوا يلوذون برسول الله، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط، سيدنا رسول الله لو هاجر كعمر لعد اقتحام الأخطار واجباً، ولعد أخذ الحيطة حراماً، لهلكت أمته من بعده ، النبي مشرع، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط.
لذلك أن يقول أبو حنيفة لا أدري ما إذا هذا قاله أم لم يقله، لكن ورد عنه، ولا أدري إن كان هذا واقعاً أو ليس بواقع، على كلٍ ليس في طاقة البشر أن يصلي أربعين عاماً بوضوء العشاء، فوق طاقتهم، قيام الليل وارد، أما أن لا ينام إطلاقاً فلا.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام في سيرته مشرع، وسيرته حدية، أي أصدق بالتعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله، لأن أقواله تحتمل التأويل، أما أفعاله فلا تحتمل شيئاً.
قصة النبي عليه الصلاة والسلام مع أهل الطائف:
لذلك حينما كان عليه الصلاة والسلام في الطائف، وانتظر منهم أن يؤمنوا به، وأن يحموه، وقد أخرجته قريش، كيف استقبلوه ؟ بالتكذيب، بالسخرية، بل أغروا صبيانهم بإيذائه، حتى سال الدم من قدمه الشريفة، الآن دققوا، ماذا قال: قال:
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس ))
(أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر )
الآن الناس أليسوا هينين على بقية الأمم والشعوب ؟ الله عز وجل قال: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾
( سورة الشورى الآية: 40 ).
إذا أسيء إليهم بتوهمهم يكيلون الصاع ألف ضعف، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الدعاء:
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم تكن غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
ما من دعاء يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الدعاء:
(( لكن عافيتك أوسع لي ))
يعني يا رب، إذا كانت هذه الشدة، وذاك الإيذاء تعبيراً عن غضبك علي فأنا أستغفرك، وأتوب إليك، أما إن لم يكن هناك من علاقة بين هذه الشدة، وبين غضبك فأنا راضٍ عنك يا رب، هذا الموقف، لكن شدة ما بعدها شدة.
تصور إنسانا في أعلى مقام، بأعلى درجة من الكمال، بأشد الخلق صلة بالله عز وجل، يُهان، يُكذب، يُسخر منه، يُضرب، تعليق:
الإسراء والمعراج مكافأة بعد محنة الطائف:
بعد هذا جاء الإسراء والمعراج، اسمعوا الآية:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 1 ).
إذا كانت محفوظات الرجل لكتاب الله ضعيفة جداً، وما تمكن أن يتذكر تمام الآية يقول أغلب الظن: ﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الأحقاف ).
لأنه أسرى به من مكة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى سدرة المنتهى، وفي الأعم الأغلب ﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، الآية ليست كذلك: ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
( سورة الإسراء ).
يعني يا محمد حينما وضع الله بين يديك إمكانية الانتقام، ملك الجبال قال له: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، كُذب، وسُخر منه وضُرب، ثم أتيح له أن ينهي وجودهم، قال:
(( اللهم اهد قومي ))
( رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا )
ما تخلى عن قومه، دعا لهم بالهدى، واعتذر عنهم:
(( فإنهم لا يعلمون ))
(رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا )
ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، هذه المحنة جاءت وراءها منحة، أنت يا محمد سيد ولد آدم. ﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾
( سورة النجم ).
بلغ درجة ما بلغها مخلوق في الكون. ﴿ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾
( سورة النجم ).
﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾
( سورة النجم ).
هذا العطاء
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
يعني سمعنا دعاءك يا محمد في الطائف، وهذه المكافأة، هذه مكافأة السماء عن جفوة الأرض، هذه مكافأة ربك الذي دعوت إليه خالصاً عن تكذيب الناس.
مِن دروس الإسراء والمعراج:
1 ـ كل محنة المؤمن المستقيم وراءها منحة:
لذلك هناك درس يستنبط من الإسراء والمعراج، الدرس أن كل محنة للمؤمن يأتي بعدها منحة من الله. ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة ).
كل محنة وراءها منحة، لكن لا بد من التحفظ:
إذا أكل الجل مالا حراما، أو اعتدى على أعراض المسلمين، أو غشهم، فجاء عقاب إلهي، هذا الكلام الذي أقوله الآن لا ينطبق على هذه الحالة، هذه الشدة التي أصابتهم عقاب من الله، وليست ابتلاء، أنا أقول: لمؤمن مستقيم جاءته شدة، مستقيم، مصلٍّ، صائم، عابد، مطيع، له أعمال صالحة، هذا المؤمن إذا أصابته شدة، وليس في حياته مخالفة تسـتأهل العقاب نقول: هذه المحنة وراءها منحة، وهذه الشِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل، لذلك للمؤمن المستقيم كل محنة وراءها منحة، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل، بعد الطائف عرف النبي أنه ولد سيد آدم، الأنبياء جميعاً في بيت المقدس اِئتموا به، إذاً هو سيد الأنبياء والمرسلين، بل هو سيد ولد آدم، بل هو أفضل الخلق، وحبيب الحق، بل الله عز وجل أقسم بعمره الثمين، فقال: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
( سورة الحجر ).
بل إن الله عز وجل ما ناداه باسمه أبداً، في حين أنه نادى أنبياءه بأسمائهم. ﴿ يَا يَحْيَى ﴾
( سورة مريم الآية: 12 ).
﴿ يَا زَكَرِيَّا ﴾
( سورة مريم الآية: 7 ).
﴿ يَا عِيسَى ﴾
( سورة آل عمران الآية: 55 ).
ليس في القرآن كله يا محمد، في: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾
( سورة التحريم الآية: 9 ).
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 41 ).
تكريماً له.
أيها الإخوة، إذاً الإسراء والمعراج يعطي المسلمين هذا الدرس، إن كنا في شدة فلعل بعد هذه الشِدة شَدة إلى الله، إن كنا في محنة فلعل بعد هذه المحنة منحة من الله، ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
إسقاط على واقع المسلمين اليوم:
لو أسقطنا هذه المعاني على ما يعانيه المسلمون اليوم من محن ومصائب في أفغانستان، في العراق، في لبنان، في فلسطين، هذه شِدة، والله عز وجل يقول:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة السجدة ).
لكن الذين شردوا عن الله عز وجل شروداً كاملاً، وليس فيهم ذرة خير قال عنهم: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
( سورة الأنعام ).
ملاحظات حول عقد الإخاء:
عندنا ملاحظات حول عقد الإخاء الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي.
1 ـ عدد المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم الرسول عليه الصلاة والسلام:
إن عقد المؤاخاة اشتمل على 45 رجلاً من المهاجرين، و45 من الأنصار، تصور 90 رجلا، والمسلمون اليوم مليار و500 مليون. ﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
( سورة إبراهيم ).
أنت قد لا تعلم الخير الكثير الذي ينتج عن دعوتك إلى الله، قد لا تعلم، وأنت ضعيف، لكن الله عز وجل يمكن أن يجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لم يوصف.
للتقريب: أحد الإخوة الكرام عنده بنت في البيت فاعتنى بها، اعتنى بدينها، بصلاتها بإيمانها، بأخلاقها، حتى زوجها من شاب مؤمن، هذه الأسرة أنجبت أولاداً نشؤوا في طاعة الله، نشؤوا في بيت مسلم، من يدريك أيها الأخ أن هذا الذي توجه إلى الله، وتزوج امرأة صالحة، وأنجب أولاداً صالحين أن هذا يوم القيامة يرى من نسله مليون إنسان مؤمن، وكل أعمالهم في صحيفته ؟ والدليل: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
( سورة الطور ).
45 رجلا نتج عنهم مجتمع من مليار و500 مليون، هذا الذي وصل بالإسلام إلى الصين، كل من أسلم في هذا البلد في صحيفته، والذي وصل بالإسلام إلى الغرب وشمالي إفريقيا.
والله مرة سافرت إلى اسطنبول، دخلت معهدا شرعيا، أقسم بذات الله أنني في دمشق توافق المسلمين مع بعضهم عجيب، إخواننا باسطنبول المؤمنون طلاب العلم الشرعي من جبلتنا، من مبادئنا، من قيمنا، من أخلاقنا، من أهدافنا، المسلمون وحدة.
لذلك كل ما عملت عملاً كهذا العمل في صحيفتك، هذا على موضوع أن الـ45 بـ 45 أصبحوا مليار و500 مليون.
ثم ينبغي أن نعلم أنه لن تقتصر المؤاخاة على مهاجرين قريش وعلى عقد المؤاخاة في دار أنس فقط، إنما ستستمر بين في كل مسلم كانت له أسبقية في العلم ز
2 ـ من كمال المؤاخاة أن لا تكون بين متماثلين :
في الدرس الماضي بينت لكم أن المؤاخاة من كمالها لا أن تكون بين متماثلين، أن تكون بين إنسان له أسبقية، إنسان حديث، فالذي له أسبقية يعلم المبتدئ، وقد تكون بين غني وفقير، فالغني يرعى الفقير، وبين قوي وضعيف، وبين صحيح ومريض، وبين متزوج وشاب على طريق الزواج، يعطيه خبراته، افعل، لا تفعل، إياك أن تقول هذه الكلمة، عامل أهل زوجتك هكذا.
فلذلك المؤاخاة ليست مجرد لقاء اثنين، بل التعاون بين اثنين، فإذا كان هناك تفاوت بينهما كان هذا التعاون مثمرا، هكذا تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام.
كان عليه الصلاة والسلام إذا أسلم رجل يقول لأصحابه: خذوا أخاكم، فقد أسلم، فعلموه الإسلام.
3 ـ المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية:
أيها الإخوة، المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية، وعهد دائم يلتزم به المسلم مدى الزمن، وتفقد بعضهم بعضاً، وما من شيء أحب إلى الإنسان من أخ في الله، الأخ في الله غالٍ جداً، الأخ في الله نوع متميز، يأخذ بيدك، وتأخذ بيده، ينصحك وتنصحه، يعاونك وتعاونه، يقرضك وتقرضه، يخدمك وتخدمه، من هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
(( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون ـ يوم القيامة ـ والصديقون والشهداء ))
( أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، عن عبادة بن الصامت )
4 ـ حاجة المسلمين اليوم إلى الحب في الله:
ونحن أيها الإخوة، كمسلمين بحاجة إلى المحبة، مع مضي الأزمان قسا القلب، صار فينا خصومات، ومهاترات، وتراشق تهم، وعلاقات غير طيبة، لذلك: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 46 ).
نحن بحاجة إلى أن نحب.
أيها الإخوة، ماذا أقول لكم ؟:
صحابيان صليا العشاء معاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وخرجا معاً إلى البيت، عند افتراقهما تعانقا، التقيا في الفجر، سبع ساعات، أربع ساعات، خمس ساعات، فتعانقا، وقال الأول للآخر: وا شوقاه يا أخي، ما هذه المحبة ؟! البارحة الساعة العاشرة كنت معه، صباحاً الساعة الثالثة والنصف تقول له: وا شوقاه يا أخي ؟! هذا الإسلام، هذا الحب، الإسلام محبة، الإسلام تواضع، الإسلام تضحية، الإسلام إيثار، حتى يحبا الله.
فلذلك الذي لا يشعر بحاجة ماسة إلى أن يُحِب، أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر، الحب يشبه وردة طبيعية فواحة الرائحة، جميلة الألوان، والإسلام من دون حب وردة بلاستيك، لا طعم لها، إذا ألغي الحب من الدين الدين تصحر، وصار معلومات وأدلة، وأفكارا، الإنسان بعد هذا يمل منها، الأفكار نفسها، أما إذا كان هناك حب فهناك طاقة.
والله أيها الإخوة، أحياناً يجلس مؤمن مع أخ عشر ساعات لا يشعرون بالوقت، والله الذي لا إله إلا هو مرة سافرت إلى بلد في الشمال لي أخوة كُثر فيه، والله الذي لا إله هو بدأت الحديث الساعة الخامسة مساء، أول مرة نظرت إلى الساعة، فإذا هي الساعة الواحدة ليلاً، ما شعرت بالوقت، لوجود المحبة، والمودة، والتناصح، والإقبال، نحن حياتنا متصحرة، حسد، غيرة، ليس هناك هذا الحب بيننا، هذا من أسباب ضعفنا.
مرة عليه الصلاة والسلام كان في غزوة، وسأل عن صحابي واحد، فقيل له: يا رسول الله، شغله بستانه عن أن يجاهد معك، كان ثمة صحابي وفيّ لذاك الصحابي، قال له: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا بأنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، فابتسم النبي حتى ظهرت نواجذه، ابتسم لهذا الحب بين الأخوين.
يجب أن تدافع عن أخيك، يجب أن تخبره من حين لآخر: أين أنت ؟ اشتقنا لك، نحن قلقون عليك، الصحة طيبة إن شاء الله، تنعشه بهذا الاتصال. التطبيق العملي للمؤاخاة:
أنا أريد لهذا الدرس أن يترجم إلى واقع، كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ينبغي أن يأخذ الواحد منكم أخاً لله، خذ اسمه، وهاتفه، وعنوانه، وعمله، الدرس الثاني الاثنين ما جاء، أخبره، كم تكلفك هذه ؟ لا شيء، أحياناً يأتي إنسان إلى الدرس متأخر جداً، يدرك مع الشيخ صلاة العشاء، ما سمع ولا كلمة، يقول لك: والله انتعشت بهذه الصلاة، هذا معنى: الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))
(أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر )
(( وإنما يأكل الذئب القاصية ))
(أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء )
اتخذ لك أخاً في الله، هذه نصيحتي تطبيقاً لهذا الدرس، كيف آخى النبي الكريم بين المهاجرين والأنصار، أنت اختر أخا، تستطيع أن تعاونه، أو يعاونك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ ))
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ )
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ ))
مودة، ابتسامة، وجه طلق، مصافحة، دعوة، ضيافة، بذل، هدية، هذا كله مودة، الهدية مودة، والدعوة مودة، والنصيحة مودة، والمعاونة مودة.
والله مرة أحد إخوتنا الكرام اشترى بيتا، فكلما جاء بالأثاث أحد جيرانه ينطلق لمعاونته، يعاونه بحمل الأثاث، يأتيه بضيافة بعد إيصال الأثاث إلى البيت، قال لي: والله أنا لا أعرفه، من حضرتك ؟ من أنت ؟ قال له: أنا بالجامع الفلاني، في جامعنا، هذا الأخ ما سبب انطلاقه إلى الدين ؟ قال له: أنا لي قريب في هذا المسجد، دعاني لحضور دروس مرات عديدة، قال له: أريد ألا أحضر، لكن من كثرة ما ضغط عليّ سايرته مرة، وذهبت معه إلى الدرس، فانتهى الدرس، الأخ القديم سلم عليّ، وقال لي: هذا ابن خالتي، هذا أول درس يحضره، أنا كلفتني العملية أن أصافحه بحرارة وبمودة، قلت له كلاما في تواضع: إن شاء الله الدرس أعجبك ؟ قال لي: أي والله الدرس جميل جداً، قلت لقريبه: عين على ابن خالتك، صافحته بمودة بالغة، هو فقير جداً، لما وجد هذه المودة والمصافحة حارة، وسألته عن الدرس، ووصيت فيه ابن خالته أقسم بالله أنه أتى للدرس مودة واحدة حتى يُسكت ابن خالته، فإذا هو في هذا الدرس إلى الآن، وما تركه.
آخِ أخاً لك في الله، اسأل عن صحته، عاونه، أقول لكم كلمة ثانية: أنا أعتقد أنك لا تُشد إلى الدين بسبب أفكار الدين، أفكاره رائعة، أفكاره عميقة، أفكاره متألقة، أفكاره دقيقة، أفكاره متناسبة، متسقة، أعطاك فكرة عن الكون والحياة والإنسان، لكن الذي شدك إلى الدين مجتمع المؤمنين بصفائهم، بصدقهم، بتواضعهم بخدمتهم، لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
(( يد الله مع الجماعة ))
( أخرجه الترمذي عن ابن عباس )
(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))
(( وإنما يأكل الذئب القاصية ))
هذا الحديث أيها الإخوة أصل في العلاقات بين المؤمنين.
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ ))
الإسلام دين اجتماعي :
إخواننا الكرام، الإسلامي اجتماعي، الصلاة صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ27 ضعفاً، الصيام جماعي، الحج جماعي، ديننا دين جماعي، والجماعة رحمة.
مرة قرأت كلمة أعجبتني، الكلمة: لست وحدك في الحياة، أنت لست وحدك في الحياة، الواحد للمجموع، والمجموع لواحد.
هناك أمثلة أيها الإخوة أمثلة كثير جداً، بعض الأمثلة:
إنسان تزوج، ودخله محدود، وبحاجة إلى ألف حاجة، أصدقاءه وإخوانه في الله اجتمعوا وقرروا، وجمعوا مبالغ من المال جيدة، وأمّنوا له كل حاجاته الثانوية، يلزمه مروحة، يلزمه برادا، يلزمه غسالة، يلزمه غازا، أمّنوا له، كلما تزوج واحد منهم الكل يعاون بعضهم، هذا مجتمع التعاون، هذا مجتمع المؤمنين.
فيا أيها الإخوة، لست وحدك في الحياة، حينما تنضوي مع مؤمنين صادقين الكل لك، وأنت للكل.
تشريعات الإسلام جميعاً قائمة على بناء المجتمع الموحد المتماسك الصالح في بناء الأسرة، وحقوق كمل من الزوج والزوجة والأولاد وغير ذلك.
الذي أتمناه عليكم أن ننطلق إلى تنفيذ هذه المؤاخاة، عندك أخ بالله، اثنان أحسن، ثلاثة أحسن، أربعة أحسن، كلما كان المؤمنون أكثر ولاءً، وتضحية، ومؤاثرة، وخدمة كانوا أقرب إلى الله عز وجل.
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذا الموضوع.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 07:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السابع و الاربعون )
الموضوع :الاتفاقية التى ارمها الرسول مع سكان المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى المؤاخاة التي أحدثها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.
وننتقل اليوم إلى فقرة ثانية من التنظيمات الإدارية التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت القاعدة الصلبة للدولة الإسلامية.
التركيبة الإجتماعية لسكان المدينة عند وصول النبي عليه الصلاة والسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/01.jpg
كانت المدينة عشية وصول رسول الله صل الله عليه وسلم تشكل مزيجا إنسانيا متنوعاً من حيث الدين والعقيدة، ومن حيث الانتماء القبلي والعشائري، ومن حيث نمط المعيشة، ففيهم المهاجرون، وفيهم الأوس والخزرج، والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة بنو قينقاع، و بنو النظير و بنو قريضة، والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب، والموالي والعبيد، والأحلاف، وكانت موارد رزقهم متنوعة بين العمل في التجارة والزراعة والصناعة، والرعي والصيد والاحتطاب، وكان توزعهم السكني قائما على هيئة قرى، أو آطام، أو حصون تحيط بها البساتين والأراضي المزروعة، يدخلون حصونهم بعد حلول الظلام، ويحرسون منازلهم خوف الغزو والغارة، وتبلغ عدد تجمعاتهم السكنية 59، ولكل عشيرة منهم زعامة تقوم على رعاية شؤونها، وضمان عيشها وأمنها، ولم تندمل بعد جراحات الأوس والخزرج التي خلفتها بينهم حرب بعاث، ويمكن وصف الحالة العامة في المدينة بأنها قائمة على تحكم النظام العشائري، وأعراف القبائل السائدة مع شيوع الجهل والأمية لدى معظم سكان يثرب، بينما كان أهل الكتاب أهل علم ودين، لكنهم يمارسون الربا واستغلال التجارة، ويعملون على إثارة النزاعات بين الأوس والخزرج ليتمكنوا من ضمان سيادتهم، ومصالحهم، وسلامتهم.
النموذج الإداري والإجتماعي في الإطار الإسلامي في المدينة:
1 – الدستور الإسلامي يحدد مسار المسلمين وغير المسلمين:
ولا شك في أن النموذج النبوي الذي بدأ النبي تطبيقه في المدينة يتوزع في مسارين متوافقين، أولهما يتعلق بالمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، وانقادوا لشرع الله يعملون به ويطبقونه، وثانيهما يتعلق بالتآلف والتعايش السلمي بين المسلمين ومَن لم يعتنق الإسلام من الوثنيين من الأوس والخزرج وأهل الكتاب.
وأعظم مهمة أنفذها النبي صلى الله عليه وسلم إقامة نظام عام، ودستور شامل لجميع ساكني المدينة بين المسلمين وبين سواهم من سكان المدينة.
أيها الإخوة، هذا عرض تفصيلي لواقع المدينة قبل أن ينظم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المجتمع، ليكون هذا المجتمع على شكل أمة، على شكل بنية، متماسكة تمهيداً لبناء دولة.
2 – المسلمون لهم حضارة إداريا وسياسيا واجتماعيا:
أيها الإخوة، يظن الطرف الآخر أن المسلمين فيهم سذاجة، فيهم تخلف، سوف ترون الشيء الذي لا يصدق، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظم هذا المجتمع تنظيماً يتوافق مع أعلى درجات المواطنة، ومع أعلى درجات الحقوق والواجبات.
فلذلك التنظيم حضارة، والتنظيم دين، والتنظيم رقي، والله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وفق النظام الرائع، والإنسان خليفة الله في الأرض، وينبغي أن يقيم النظام الرائع في مجتمعه، وهذا دليل التفوق في الحياة.
3 – الإسلام حدّد المسؤولية الفردية للمسلم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/02.jpg
التخلف في الدين يساوي الفوضى، التخلف في الدين يساوي التسيب.
مثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبّ فَهُوَ ضَامِن ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر ]
فهو مسؤول، وسيحاسب، وكان عليه الصلاة والسلام يؤكد أن كل إنسان مسؤول عما أنيط به من عمل، وقد قال الله عز وجل:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
وأي مجتمع لا يحاسب أفراده عن أخطائهم فهو مجتمع سائر في طريق الهلاك ، فلا بد مِن محاسبة دقيقة، ومفاهيم موحدة.
4 – الإسلام دين التعايش:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/03.jpg
شيء آخر، سوف ترون بعد قليل كيف أن التعايش بين الأطراف، والشرائح والأطياف، والانتماءات جزء من الدين، ما بال هؤلاء الجهلاء يرفضون الآخر، الآخر مقبول في المجتمع الإسلامي، بمعاهدة دقيقة جداً، فيها المهاجرون، والأوس والخزرج والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، القبائل اليهودية، بنو النظير وبنو القينقاع، كيف جمعت هذه الوثيقة هذه الأطراف المتنوعة، والمتباعدة ؟
إنّ مفهوم المواطنة أصيل في الدين، ومفهوم قبول الآخر أصيل في الدين، مفهوم التعايش بين الفئات المتعددة أصيل في الدين، وهذه النغمة التي نسمعها من حين إلى آخر أن المسلم لا يقبل الآخر هذه افتراء من أعداء الدين، سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، النبي المرسل، خاتم الأنبياء والمرسلين، حبيب رب العالمين، بحياته، وبوجوده، وبتوجيهه، وبتنظيمه أجرى معاهدة ضمت قريشاً، وبني عوف، وبني الحارث من الخزرج، وبني ساعدة، وبني جشم، وبنو النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت، وبني الأوس، هؤلاء طوائف واتجاهات، وألوان، وشرائح، وأطياف، وكلهم ضمتهم معاهدة فيها توضيح شديد للحقوق والواجبات، ما لنا وما علينا، فما بال المسلمين اليوم لا يقبلون الطرف الآخر ؟ هذا من الدين.
تحليل بنود معاهدة النبي في المدينة: دراسة واستخلاص:
التحليل الأول: مفهوم الأُمّة الواحدة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/04.jpg
أيها الإخوة، بنود الاتفاقية طويلة جداً، قبل أن نأخذ بعض بنودها أعطيكم عنها دراسة، البند الأول في هذه الدراسة، أن هذه الاتفاقية، وأن تلك المعاهدة جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين، ويثربيّن، ومَن تبعهم، وجاهد معهم أمة واحدة، وفي ذلك بعْد آني لمن يقطن يثرب، وبعدٌ مستقبلي لمعنى الأمة حيث تضمن هؤلاء جميعاً، ومن يلحق بهم، ويجاهد معهم.
إن أول مفهوم للأمة ظهر في المدينة، أما في مكة فقال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾
( سورة النساء الآية: 77 )
منع النبي الرد على كل استفزاز، بل على كل تحرش، بل على كل جريمة، لأنه بمكة أراد أن يبني الإيمان، ولأن في كل بيت عنصرا مسلما، وعنصرا مشركا، فإذا قاوم في مكة نشبت حرب أهلية، وهذا مما كان عليه الصلاة والسلام يحرص على الابتعاد عنه، لذلك ورد في قوله تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الصواعق، وحديثاً الصواريخ.
﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الزلازل وحديثاً الألغام.
﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الحرب الأهلية، ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/05.jpg
إذاً: كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس بعداً عن الحرب الأهلية، ففي مكة جاء التوجيه القرآني: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
( سورة النساء الآية: 77 )
إذاً: لا بد من مرحلة إعدادية يُعد فيه المؤمن إعداداً إيمانياً قوياً، بل يعد المؤمن نفسه إعداداً إيمانياً قوياً، لكن بعد حين لا بد من كيان إسلامي، لا بد من شخصية إسلامية لا بد من كلمة إسلامية، لا بد من موقف إسلامي، لا بد من رد إسلامي، لا بد من تحليل إسلامي، لا بد من حركة إسلامية، هذا كان في المدينة، النبي عليه الصلاة والسلام أقام أسس الدولة الإسلامية في المدينة، قبِل الواقع، واحتواه، واستوعبه، وفهِم الخصوصيات والمتغيّرات، هو وأصحابه بند، وهناك بنود كثيرة، طوائف، وقبائل، وعشائر، وأديان اليهود، الوثنيون، المسلمون.
إذاً أول خصيصة لهذه الوثيقة أنها جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين ويثربين، ومن تبعهم، ومن جاهد معهم، أمة واحدة، وفي ذلك بعد آني لمن يقطن بيثرب وبعد مستقبلي لمعنى الأمة التي تضمن هؤلاء جميعاً، ومن يلحق يهم ويجاهد معهم.
التحليل الثاني: الاعتراف بخصوصيات القبائل والعشائر والطوائف:
التحليل الثاني لهذه الوثيقة: اعترفت هذه الوثيقة، وتلك المعاهدة بالحال الخاص لكل فئة من السكان، كل فئة لها خصوصياتها، بل كل فئة لها تركيبها، هذا الاعتراف بخصوصية كل مجتمع ذكاء وحنكة وحكمة.
من مكلات العصر الحديث: عدم الإعتراف بالطرف الأخر:
الآن مشكلتنا مع الطرف الآخر أنه لا يعترف بخصوصيات الشعوب، يريد العولمة، يريد أن يطبق نظامه، وقيمه، وإباحيته وانحلاله الخلقي على جميع الشعوب بالقوة، وما هذه الحروب التي ترونها إلا صورة من صور هذا القهر، يريد الطرف الآخر أن يعمم ثقافته على كل الشعوب، الطرف الآخر يتجاهل قيمها، مبادئها، ثقافتها، دينها.
إنّ من سمات آخر الزمان ظهور الأعور الدجال، ومع الاحتفاظ بالمعنى الأصولي لهذا المصطلح هناك نموذج معاصر هو أعور، أعور يرى ثقافته، ولا يقبل ثقافة الآخرين، يرى مصالحه، ولا يعترف بمصالح الآخرين، يرى كرامته، ويجرح كرامة الآخرين، يهدم بلداً عن آخره من أجل أسيرين، يعتقل عشرة آلاف أسير، ونخبة من علية القوم من الوزراء، والنواب في المجلس التشريعي من أجل أسيرين، أليس هذا بين أيديكم ؟ من هو الأعور ؟ الذي يرى بعين واحد، يرى كرامته، ولا يرى كرامة الآخرين يرى ثقافته ويقدسها، ولا يقبل ثقافة الآخرين، يرى مصالحه، ويتجاهل مصالح الآخرين http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/06.jpg
هذا هو الأعور، الصفة الثانية أنه دجال، يكذب، يدخل جندي إلى بيت في العراق مع شلة من زملائه فيغتصبون الفتاة، ويقتلونها، ويقتلون أباها وأمها وأخاها، ثم يحرقون البيت، هذا من أجل الحرية والديمقراطية، أرأيت إلى دجلٍ فوق هذا الدجل ؟! تهدم البلاد، تنهب الثروات، يقهر البشر، تثار الفتن الطائفية تحت اسم الحرية والديمقراطية، الأعور الدجال وصفُ جامعٌ مانع لإنسان آخر الزمان القوي.
ذكرت لكم من قبل أيها الإخوة كيف أن الله سبحانه وتعالى وصف قوم عاد انها طغت في البلاد، لم يقل: طغت في بلدها، طغت في البلاد، في جميع البلاد.
﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
( سورة الفجر )
أسلحتهم الفتاكة تقصف، وأفلامهم تفسد، طغيان وفساد، مع غطرسة لا تحتمل.
﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
مع تفوق مذهل في العماران.
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾
( سورة الشعراء )
تفوق عسكري:
﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
( سورة الشعراء )
تفوق علمي:
﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾
( سورة العنكبوت )
غطرسة لا تحتمل: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
ماذا فعلوا أيضاً ؟ فعلوا أنهم:
﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
( سورة الفجر )
وما أهلك الله قوماً إلا ذكر أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها فقال:
﴿ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
( سورة فصلت الآية: 51 )
ما مصيرها ؟ مصير هؤلاء القوم الطغاة الجبارين أن الله أهلكهم:
﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)﴾
( سورة الحاقة )
هذا الشرح فيه إشارة قرآنية إلى أن قوم عاد قوم طاغون كنموذج، ولهم أمثال في كل عصر، والدليل قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾
( سورة النجم )
ما معنى عاداً الأولى ؟ أي أن هناك عاداً ثانية.
﴿ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51)﴾
( سورة النجم )
إذاً أيها الإخوة، الشيء الدقيق أن وثيقة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الاتفاقية والعهد الذي بين المسلمين، وبين بقية الأطراف، فيها اعتراف بخصوصيات كل فئة اعتراف بزعامتها، اعتراف بمشكلاتها، اعتراف بأعرافها، بتقاليدها، وبعقائدها الدينية هذا المفهوم الحضاري، أنت مسلم لك عقيدتك، ولك عبادتك، ولك منهجك، ولك قيمك، ولك أهدافك، لكن إذا وجدت في بلد فيه أناس من غير دينك ينبغي أن تسالمهم، وأن تتقاسم معه الغنائم، وأن تعرف خصوصياتهم، وأن تعرف مشاعرهم، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
التحليل الثالث: التعاون العام بين المسلمين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/07.jpg
التحليل الثالث لهذه الوثيقة: يتعاون المؤمنون في معاونة الذين تعرضوا لوضع مالي شديد من افتقار، أو كثرة عيال، ولعل ذلك يشبه صندوق تكافل لجميع الأهالي، وخاصة في الفدية، فهؤلاء الفقراء قنابل موقوتة، فإن لم تنتبه إلى حاجتهم، وإلى مشكلتهم وإلى مأساتهم، وإلى فقرهم، وتجاهلتهم، كان هناك خلل في المجتمع يسهم في انهياره، وقد قال سيدنا علي: (( كاد الفقر أن يكون كفراً ))
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنما تنصرون بضعفائكم ))
[ أخرجه أحمد و مسلم وابن حبان والحاكم عن أبي الدرداء ]
الضعفاء هم الذين إذا نصرناهم تتماسك طبقات المجتمع، فهذا الضعيف إن كان فقيراً فينبغي أن تطعمه، وإن كان مريضاً فينبغي أن تعالجه، وإن كان مشرداً فينبغي أن تؤويه، وإن كان جاهلاً فينبغي أن تعلمه، وإن كان مظلوماً فينبغي أن تنصفه، إذا نصرت الضعيف تماسك المجتمع، وأصبح سداً منيعاً لا يمكن اختراقه.
التحليل الرابع: منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/08.jpg
منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع، فلا تجاوزات، وكل إنسان ينبغي أن يلزم حده، وأن يقف عنده، وهناك قوانين تنتظم جميع الفئات، لذلك:
(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ. وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ. وأيْمُ الله، لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[ متفق عليه ]
ما لم يقم في المجتمع قواعد صارمة يلتزم بها جميع فئاته فلن ينهض المجتمع.
امرأة سرقت فكان الحكم قطع يدها، وهي من بني مخزوم، فجاء حِبُّ رسول الله أسامة بن زيد يشفع لها، فغضب النبي أشد الغضب، وقال: وبحك يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟
(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ. وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ. وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
أن يأتي إنسان من أعلى أرومة من قريش من وجهاء قريش، وفي ساعة غضب دون أن يشعر وجه كلمة قاسية لسيدنا بلال، فقال لك: يا ابن السوداء، فقال عليه الصلاة والسلام وقد غضب غضباً لا يوصف، قال له:
(( يا ذَرّ إِنّكَ امْرُوء فِيكَ جَاهِلِية ))
فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على الأرض وشدد على بلال أن يطأ رأسه بقدمه.
أما سيدنا الصديق فحينما رأى بلالاً يعذبه سيده صفوان، اشتراه منه، فقال له صفوان: والله لو دفعت به درهماً لبعتُكَه، فقال الصديق: والله لو طلبت به مئة ألف لأعطيتكها، هذا أخي في الله، قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:(( كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: << أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالاً ))
[ البخاري ]
وكان عمر يخرج إلى ظاهر المدينة ليستقبل بلالاً، هذا هو الإسلام.
إذاً: هذه الوثيقة، وتلك المعاهدة، منعت التجاوزات في روابط الولاء في للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع.
التحليل الخامس: التعاون على مقاومة أي المعتدي والمفسِد والظالم الآثم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/09.jpg
الآن هذه الوثيقة تؤكد أن الجميع متعاونون في مقاومة أي معتد أو آثم، أو ظالم أو مفسد، ولو كان ولد أحدهم، وفي ذلك سيادة الدستور والقانون، فتحققوا من خلال العدالة والمساواة، وعندها يتحقق الأمن والسلامة للجميع.
جميع المواطنين تحكمهم قوانين واحدة، جميع المتعاهدين سواء مكانة صغيرهم، مثل مكانة كبيرهم في الحقوق والواجبات، وكلهم يد واحدة، وذو اعتبار واحد هذا مجتمع المسلمين، هذا مجتمع حضاري.
هذا مجتمع، جميع الناس سواء في الحقوق والواجبات، هم يد واحدة على من عاداهم، يجير أدناهم يجير مستجيرهم، ولليهود وهم أعداء تقليديون مثل ما لغيرهم في هذا العهد، ولليهود دينهم، و للمسلمون دينهم، وللمسلمون دينهم، فما من مشكلة أبداً، لهم دينهم، هذا هو التعايش، وهذه هي المواطنة، هذا هو الفهم العميق لخصائص الحياة الدنيا، مجتمعات فسيفسائية كمجتمعاتنا، أنت مسلم يجب أن تقيم أمر الله، وأن تقبل الآخر دون أن تضحي بدينك، دون أن تفسد دينك أقم أمر الله ودع الطرف الآخر يعيش على تطوره، وعلى مبادئه وعلى قيمه.
التحليل السادس: معاهدة الدفاع المشترك:
والمؤمنون وغير المؤمنين سواء ينصر بعضهم بعضاً، في ميثاق، في معاهدة دفاع مشترك بالمصطلح الحديث، لا يحل لأحد ممن عاهد، ووافق على هذه الوثيقة، وقبل هذه الاتفاقية أي يحدث حدثاً، أو يؤوي محدثاً، وإذا فعل ذلك وقع عليه الله ولعنته، وحرمانه من الحقوق العامة.
هذا هو التشريع، هذا هو الالتزام، لكن لهذا المجتمع رأس، مرجعية واحدة قرار نافذ، الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يشاور أصحابه، قال:
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
لكن:
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
التحليل السابع: المخلّ بالمعاهدة لا ذمة له ولا ميثاق:
ومن بنود هذه الاتفاقية: من أخل بعده من اليهود فإنه ظالم لنفسه وأهله، وليس له على أهل هذا العهد ذمة ولا ميثاق، يتحمل كل فريق مشارك في هذا العهد نصيبه في الحرب، والسلم، والنفقة، وعليهم التعاون والمشاركة، وبينهم النصح، والبر، من دون إثم.
من أبلغ ما في هذه المعاهدة، وتلك الاتفاقية أنه لا يتحمل أحد وزر غيره لقوله تعالى:
﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
( سورة الأنعام الآية: 164 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9309/10.jpg
من أشد المنكرات في المجتمع البعيد عن الله قضية الثأر، يُقتل إنسان من قبيلة، كان جميع أفراد القبيلة التي منها القاتل معرّضين للقتل، بلا سبب، هذا الثأر وصمة عار بحق الأمة، علاج الثأر أنه ﴿ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾
قبل شهرين أو ثلاثة اتصل بي أخ من محافظة بالجنوب، وقد قُتل من بعض العشائر إنسان، العشيرة التي منها القاتل هربت، واختفت، وسافرت إلى أطراف البلاد ، ولأهل المقتول اتجاه ديني، اتصلوا بي هاتفياً، فقلت لهم: ينبغي أن يذهب رئيس عشيرتكم إلى العشيرة التي منها القاتل، وأن تطمئنوهم، أننا لن نقتل واحدا منكم، والقاتل هناك من سيحاسبه، أما أن نأخذ بالثأر فهذا سلوك جاهلي، وسلوك لا يرضي الله عز وجل لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾
هذا العهد لا يلغي التزامات السابقة، له على المعاهدين، ولا يعفي ظالماً أو آثماً من جزاءه أو معاقبته، وليس هذا العهد للحرب فقط، بل هو للسلم أيضاً، وجعل هذا العهد المدينة المنورة بلداً حراماً.
أيها الإخوة، هذه بعض بنود هذا العهد الذي أبرمه النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة حينما وصل إليها، وصدقوا أيها الإخوة، والله لا أبالغ إنه من أرقى الاتفاقيات الحضارية التي يشار إليها بالبنان.
إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 08:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثامن و الاربعون )
الموضوع :مفهوم التعايش السلمى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية. مقدمة لمفهوم التعايش السلمي:
أيها الإخوة، وصلنا إلى موضوع يرتبط أشد الارتباط بواقعنا، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما استقر في المدينة أسس نظاماً عاماً أساسه التعايش السلمي ، وبالمصطلح الحديث: المواطنة، وبالمصطلح الحديث: السلم الأهلي، والمسلمون اليوم في بلادهم، ومع من يعيشون معه من مختلف الطوائف، والملل، والنحل هو في أشد الحاجة إلى هذا المفهوم مفهوم أن تعيش مع الآخر، مفهوم المواطنة، مفهوم السلم الأهلي، مفهوم قبول الآخر، هذه المفهومات الطارئة في العالم الإسلامي اليوم ليس لها أصل في الدين، إنها من البدع.
سكان المدينة مزيج إنساني واجتماعي متنوع:
1 – سكان المدينة قبائل وعشائر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/01.jpg
إنّ النبي عليه الصلاة والسلام وجد في المدينة مزيجاً إنسانياً متنوعاً من حيث الدين والعقيدة، وحيث الانتماء القبلي، والعشائري، ومن حيث نمط المعيشة، المهاجرون من قريش، والمسلمون من الأوس والخزرج، والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة، بنو قينقاع، وبنو النظير، وبنو قريظة والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب، والموالي، والعبيد، وغيرهم.
مهاجرون، أوس وخزرج، منهم مسلمون، منهم وثنيون، منهم يهود، قبائل اليهود الثلاثة، أعراب، عبيد، بالمصطلح الحديث: مجتمع فسيفسائي، كبعض البلاد الإسلامية، التي يقتتل أهلها، فكيف وفق النبي بين هذه الانتماءات ؟ وبين هذه الاتجاهات وتلك الأديان ؟ بين المؤمنين بدين ؟ وبين الوثنيين ؟ بين المؤمنين بدين وهم مشركون ؟ وبين الموحدين ؟ هذا الذي نحن في أمس الحاجة إليه، كي نستطيع أن نقف في وجه أعدائنا الذين يتربصون بنا الدوائر.
أيها الإخوة، هؤلاء العناصر القبائل، الطوائف، المذاهب، الأديان، الأحرار العبيد، الموالي، الأعراب، تتوزعهم التجارة، والصناعة، والزراعة، والرعي، والصيد والاحتطاب، وكانوا يسكنون على هيئة قرى، أو آطام، أو حصون تحيط بها البساتين والأراضي المزروعة، يدخلون حصونهم بعد حلول الظلام، يحرصون منازلهم خوف الغزو والغارة.
2 – سكان المدينة يقطنون الحصون والآطام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/02.jpg
ويبلغ عدد آطامهم 59 أطماً، ولكل عشيرة منهم زعامة تقوم على رعاية شؤونها، وضمان عيشها، وأمنها، ولم تندمل بعد جراحات الأوس والخزرج التي خلفتها بينهم الحروب، ولاسيما حرب بُعاث، ويمكن وصف الحالة العامة في المدينة لأنها قائمة على تحكم النظام العشائري، وأعراف القبائل السائدة، مع شيوع الجهل والأمية لدى معظم سكان يثرب، بينما كان أهل الكتاب أهل علم، ودين، ولكنهم يمارسون الربا واستغلال التجارة، ويعملون على إثارة النزاعات بين الأوس والخزرج ليتمكنوا من ضمان سيادتهم ومصالحهم وسلامتهم.
نظام المعاهدات في مجتمع المدينة بعد قدوم النبي إليها:
من بنود نظام المعاهدات :
هذا المجتمع النبوي الذي حكمه النبي، هذا المجتمع المتنوع، بين الدين الإسلامي، وبين دين أهل الكتاب، وبين الوثنية، وبين العشائرية، هذا المجتمع كيف ألف النبي بينهم، وكيف وضع لهم نظاماً يغطيهم جميعاً.
أيها الإخوة، هؤلاء من قريش، ومن بني عوف، ومن بني الحارث، ومن بني ساعدة، وبني جشم، ومن بني النجار، ومن بني عمر بن عوف، ومن بني الأوس، على ماذا اتفق النبي معهم ؟ ما النظام الذي جمعهم، ما المعاهدة التي غطتهم، ما القواسم المشتركة فيما بينهم، في الدرس الماضي تحدثت عن خصائص هذه المعاهدة، لكنني اليوم أدخل إلى بعض تفصيلاتها، ونحن في أمسّ الحاجة إليها.
البند الأول: نصرة الضعيف:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/03.jpg
المؤمنون لا يتركون مفرحاً ؛ أي مغلوباً، أو فقيراً إلا ويعطوه بالمعروف، أول بند نصرة الضعيف، قال بعض العلماء: " الدنيا تصلح بالعدل، ولا تصلح بالظلم "، نصرة الضعيف، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( فَإِنّمَا َتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم ))
[ رواه النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه ]
المجتمع الذي لا ينصر الضعيف مجتمع مخترق، وإذا اُخترق المجتمع قوي عليه أعداءه، وما من أمة تريد أن تكون محصنة إلا وتسعى لنصرة الضعيف، والنبي عليه الصلاة والسلام يبين أن أحد أسباب النصر أن نعطي الضعفاء حقهم.
البند الثاني: ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/04.jpg
البند الثاني: وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، المولى تابع للمؤمن، لا خيانة.
مثلاً: أنت صاحب محل تجاري، ولك جار عنده موظف، فتكلمت مع الموظف، وقلت له: كم يعطيك سيدك ؟ قال لك: خمسة آلاف، قلت له: أنا أعطيك سبعة، تعال إلي، أنت اتفقت مع موظف عند أخ لك، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( ليس منا من خبب امرأة على زوجها ؛ أو عبدا على سيده ))
[ أخرجه أبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]
أيّ اتفاق بين رجل ولو على الهاتف، اطلبِي الطلاق منه أنا أتزوجك، لك بيت خاص، أو خبب عبداً على سيده، الآن موظف على صاحب المحل، هذا اسمه تخبيب، وقد لعنه الله عز وجل.
البند الثاني من بنود هذه المعاهد: وألا يحالف مؤمن مولا مؤمن دونه، هذه الأساليب الملتوية، هذا الخداع، المكر، الخبث، ليس هذا من نصيب المؤمن.
البند الثالث: المؤمنون أيديهم جميعاً على من بغى عليهم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/05.jpg
وأن المؤمنين المتقين أيديهم جميعاً على من بغى عليهم، ليس معقولاً أن تعتدي دولة على شعب أعزل في فلسطين، وأن دولاً إسلامية أخرى تناصرها، وتقيم فيما بينها علاقات دبلوماسية، وتطبع العلاقات فيما بينها، هذا مخالف لمنهج المؤمنين.
وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بغى منهم، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم، هذه نقطة دقيقة جداً، لو أن الأمة الإسلامية مليار وخمسمئة مليون سِلْمها واحدة، وحربها واحدة ، وينطق باسمها إنسان واحد، وأن الأمة الإسلامية بأكملها تحارب أو تسالم، وأن الأمة الإسلامية بأكملها موقفها واحد من جهة واحدة، أما هذا فله صلح، وهذا معاهدة، وهذا تطبيع علاقات، هذا زيارات، هذا عداء، هذا حرب، أحد أسباب ضعف المسلمين أن كلمتهم ليست واحدة.
﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية: 46 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/06.jpg
بينما تتفنن إسرائيل بإبادة شعب بأكمله إبادة، وبتدمير بلد بأكمله لبنان، ودول أخرى تقيم فيما بينها علاقات، وزيارات، ومعاهدات، وتناصح، وتعاون، وتآزر، أهؤلاء مسلمون ؟! انظر إلى هذا العهد، وأن أيديهم جميعاً على من بغى منهم، ولو كان ولد أحدهم.
﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾
( سورة الحجرات الآية: 9 )
نشبت حرب بين العراق وإيران امتدت ثماني سنوات، وذهب ضحيتها مليون إنسان، ومرة وأنا أذكر هذا للتاريخ، كان هناك مؤتمر للدول الصناعية في عاصمة بريطانيا، وتلاسن زعيم غربي مع رئيسة وزراء بريطانيا، فهددها الزعيم الغربي بماذا ؟ بإيقاف الحرب بين العرق وإيران، هددها، معنى إيقاف الحرب توقف بيع الأسلحة، يعيشون على مآسينا، يعيشون على اقتتالنا، يعيشون على خلافاتنا، يعيشون على العداوة فيما بيننا.
البند الرابع: ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم:
وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، هذا المجتمع على تنوعه، وعلى شرائحه، وعلى أطيافه، وعلى طوائفه مجتمع واحد، هذا مفهوم التعايش، هذا مفهوم المواطنة، هذا مفهوم المجتمع السلمي هذا مفهوم قبول الآخر، هذا توجي النبي، هل هناك أعلم منه، هذا توجيه سيد الخلق وحبيب الحق.
البند الرابع: أهلُ الذمة لهم الأمن والأمان في بلاد الإسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/07.jpg
وأنه من تبعنا من يهود فإن لهم النصر، والأسوة غير ظالمي ولا متناصراً عليهم.
بصراحة زار إنسان بلدنا، معه جواز سفر عليه تأشيرة، تأشيرة دخول إلى سورية، ما معنى هذا الكلام ؟ هو في عهدنا، في ذمتنا، هناك علاقات دبلوماسية، وتأشيرة، هذه التأشيرة ماذا تعني ؟ أن هذا المواطن الذي بيننا وبين دولته علاقات واتفاقيات، وتبادل سفراء، حينما دخل بلادنا بتأشيرة على جوازه مِن قِبَلنا هو إذاً في ذمتنا، ماذا نستنبط ؟ أن خطف الأجانب لا يجوز.
نحن مع مجتمعات ثلاثة، مع دار الإسلام، ومع دار الحرب، ومع دار الأمان، دار الحرب اليوم، بيننا حالة حرب، دار الأمان بيننا وبين كل دولة بيننا وبينها علاقات، واتفاقيات، وتبادل سفراء، ودار الإسلام بيننا وبين دول العربية والإسلامية.
إخواننا الكرام، هذا كلام دقيق جداً، أنا أقوله وفي نفسي ألم شديد: هذا هو الإسلام، وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمنٌ دون مؤمنٍ في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، فالأمة الإسلامية بأكملها تسالم، أو الأمة الإسلامية بأكملها تحارب، من هنا تنبع قوتنا، من أين جاءت قوة الغربيين ؟ من أن واحد ينطق باسمهم جميعاً، أوربا بأكملها، الناطق باسمهم واحد، علاقة كل هذه الدول مع أية قضية يقررها واحد، من هنا جاءت قوتهم، نحن مليار ونصف، ونحن نعد ربع سكان الأرض، ونحن نحتل أخطر مساحة على الأرض، الشرق الأوسط، ونحن نتربع على ثروات لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك أمرنا ليس بيدنا، وليست كلمتنا هي العليا، بسبب تفرقنا، http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/08.jpg
﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
الآن كما ترون انقساما بلبنان، انقساما بالعراق، انقسام في فلسطين، أليس كذلك ؟ هذا فهم النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه سياسة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا تدبير النبي، وهذه حكمة النبي.
وأن سلم المؤمنين واحدة، وأن حربهم واحدة.
لما اجتاحت العراق الكويت من الذي تدخل ؟ العالم الغربي، من كان ينبغي أن يتدخل ؟ المسلمون، بسبب قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ﴾
( سورة الحجرات الآية: 9 )
أنتم أيها المؤمنون :
﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات الآية: 9 )
حيوانان اقتتلا على قطعة جبن كبيرة، احتكما إلى ثعلب، فالثعلب ادعى أنه قاض نزيه، جاء بميزان فوضع في كفة ثلثي القطعة، وفي كفة الثلث، فرجحت هذه فأكل من هذه نصفها، فرجحت هذه فأكل نصفها، رجحت هذه أكل نصفها، بعد حين لم يبقَ شيء.
وهذا الذي حصل، تنازعنا فيما بيننا فجاءوا، ونهبوا ثرواتنا، أخذوا النفط، وأجبرونا على شراء أسلحة فوق طاقتنا، ففي أول حرب انتقل إلى الغرب أكثر من 700 مليار، والحرب الثانية كذلك، أكبر كتلة نقدية كنا نملكها توجهت إلى الغرب، كان الدينار بثلاثة دولارات، الآن 1500 دينار بدولار واحد، انهيار اقتصادي، أين الثروات ؟ انتقلت، ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾
أؤكد على هذا الدرس بأنه خطير، لأن منهج النبي هكذا.
البند الخامس: المؤمنون المتقين على أحسن هدًى وأقومه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/09.jpg
وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدًى وأقومه، أنا أعيش مع إنسان غير مؤمن بعلاقات محدودة، له وعليه، ولي وعلي، ليس معنى هذا أنه على حق ؟ لا.
أنت موظف بدائرة، المدير العام، ولتكن مدرسة، ليس كما ينبغي، أما أنا فواجبي أن آتي في الوقت المناسب، وأن ألقي درساً ممتازاً، وأن أعامل الطلاب معاملة جيدة، وأن أحترم هذا المدير، لا يمنع أن تكون أنت على هدى، وهو ليس كما تتمنى أنت، هذا لا يمنع أن تتعامل معه، أنا أسميها علاقات عمل، علاقات العمل لا شيء فيها إطلاقاً، أنا لا أرضى لمؤمن أن يقيم علاقة حميمة مع غير المؤمن، سفر طويل، شركة اندماجية، نزهة مشتركة، مستحيل، المؤمن عنده غيرة على أهله، عنده حجاب، المؤمن لا يجلس بمكان عام فيه خمور، ونساء كاسيات عاريات، و غناء، مستحيل أن تقيم علاقة حميمة مع غير المؤمن، أما لك أن تقيم علاقة عمل، ولا شيء عليك أبداً، المؤمن منفتح، إيجابي، بناء، وليس مهدماً.
البند السادس: لا يحل لمقرٍّ بالوثيقة إيواء محدث ونصرِه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/10.jpg
وأنه لا يحل لمؤمن أقر في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، كإنسان خرج على جمع المؤمنين ممنوع أن تؤويه، أو أن تنصره، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
إنسان يغش المسلمين، لا تدافع عنه، إنسان أتى ببضاعة ليست صالحة للاستعمال البشري، والدوائر الرسمية منعت دخولها، ممنوع عليك أن تتوسط له بإدخالها ، هذه البضاعة تؤذي المسلمين، ليست معدة للاستعمال البشري، معدة علف للحيوانات، هذا إنسان بغى على المسلمين، تدافع عنه ؟ تتوسط له ؟.
وأنه لا يحل لمؤمن أقر في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، وأن من نصره أو آواه عليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
البند السابع: مرد الاختلاف والتنازع إلى الله ورسوله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/11.jpg
الآن: وأنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله ورسوله، عند التنازع عندنا منهج الله، وسنة رسول الله، وهذا شيء رائع، أنا حينما ارجع إلى تشريعات أرضية لا أحتمل، هذا مساوٍ لي، هذا ندٌّ لي، أما حينما أرجع إلى تشريع سماوي الله فوق الجميع لذلك:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
( سورة النساء الآية: 59 )
البند الثامن: لا يأثم امرؤ بحليفه:
وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، الحليف ليس سبباً لعقاب أحد، أنا حينما أحالف جهة تحت ضوء الشمس جهاراً نهاراً علناً، أنا لا أحاسب على ذلك.
البند التاسع: النصر للمظلوم لا للظالم:
وأن النصر للمظلوم، لا للظالم، وأن الجار كالنفس، غير مضار وآثم، الجار يعامل كما يعامل المؤمن نفسه، لأنه ألصق الناس به، إلا أن يكون معتدياً أو آثماً.
وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله أتقى على ما في هذه الصحيفة وأبره.
البند العاشر: دفع المعتدي على المدينة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/9310/12.jpg
وأن بين هؤلاء جميعاً بين هذه الطوائف، والشرائح، والأطياف، والألوان والمذاهب، والقبائل، والعشائر، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، بالتعبير المعاصر اتفاقية دفاع مشترك، لأن الإنسان هو الإنسان، في كل زمان ومكان، فلو كان بيننا وبين جميع المؤمنين والمسلمين معاهدات دفاع مشترك نافذة لا حبر على ورق، فأيّ دولة تفكر أن تعتدي على بعض الدول، تعدّ للمليون، لأنها سوف تواجه مليارًا و500 مليون، لكن يمكن أن تُهدم عزة بأكملها، أن تُهدم كل بيوتها، أن تُضرب محطات التوليد فتبقى بلا كهرباء، وأن تُجرف بساتين الزيتون، وأن تُردم الآبار، وأن تُمنع الحركة، وأن يقام جدار فصل، والمليار ونصف يتفرجون، أليس كذلك ؟ هذه المعاهدة.
وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه، فإنهم يصالحونه، ويلبسونه، دُعوا جميعاً إلى صلح نصالح، دُعوا جميعاً إلى حرب نحارب أرأيت إلى هذه القوة ؟ والمنعة ؟.
البند الحادي عشر: الظالم يعاقَب:
وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، الظالم يعاقب، والآثم يعاقب والظالم والآثم ليس بإمكانه أن يحتج بهذا الكلام، ولا تلك المعاهدة.
البند الثاني عشر: ساكن المدينة آمن فيها وآمن عند الرجوع إليها :
وأنه من خرج فهو آمن، ومن قعد في المدينة فهو آمن، إذا خرج يرجع، إن خرج فهو آمن، وإن قعد فهو آمن، إلا من ظلم أو آثم، وأن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله.
أيها الإخوة الكرام، هذه بعض فقرات هذه المعاهدة التي احتوت قبائل شتى وأديان شتى، وعشائر شتى، وأطياف شتى، وألوان شتى، من بدو، إلى موالٍ، إلى مهاجرين، إلى أنصار، إلى أوس مسلمين، إلى أوس وخزرج مسلمين، وإلى أوس وخزرج وثنيين، وإلى أوس وخزرج يهود، كل هؤلاء انتظمتهم هذه الاتفاقية، هذا من تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من حكمته، وهذا من منهج الله عز وجل.
استنباط عملي من بنود المعاهدة:
ونحن أيها الإخوة، ينبغي أن نرجع إلى أصول هذا الدين، ينبغي أن نرجع إلى أصوله، نهر بردى، اذهب إلى ينبوعه ترى ماءاً صافياً، عذباً، ذلالاً، اذهب إلى مصبه ترى ماءاً آثناً أسود اللون، وكذلك الدين ارجعوا إلى أصول الدين، إلى ينابيع الدين، إلى الكتاب والسنة.
لآن أناس كثيرون يشترون من بلاد الغرب ولا يدفعون، يشترون ببطاقة بمبلغ كبير، ولا يدفعون، متوهمون أنهم كفار، وأن مالهم حلال، وهذا منتهى الجهل، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أودع عنده المشركون والوثنيون وعباد الأصنام أموالهم، وأراد أن يهاجر لمَ لم يأخذها معه لأنهم كفار ؟ أبقى ابن عمه علياً في فراشه ليرد الودائع إلى أهلها ، هذا منهج الله، العدوان على إنسان مسالم لم يحاربك، ولم يأخذ مالك، لأنه غير مسلم هذا، خطأ كبير، كبير جداً.
أيها الإخوة، الذي أتمناه عليكم من أعماق قلبي أن نفهم الدين من ينابيعه.
(( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ))
[ أخرجه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ]
(( طوبى للغرباء: أناس صالحون في أناس سوء كثير ))
[ أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عمر ]
ارجعوا إلى أصول الدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنة رسوله ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 08:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( التاسع و الاربعون )
الموضوع : التنظيمات الادارية فى المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في التنظيمات التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع المسلم في أول كيان سياسي إداري للمسلمين. الدين ليس عبادات فقط:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/01.jpg
والناس اليوم إذا ذُكر الدين يتوهمون أنه عبادات فقط، تصلي، وتصوم، وتحج وتزكي، وانتهى الأمر، الدين هو الحياة، في بالدين تنظيم للعمران، في معالجة للأمراض في اتفاقيات، في إصلاح للدنيا، اعمل لآخرتك وأصلح دنياك.
نحن قد نفاجأ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بدأ يعالج مشكلاتها، والدين حينما يعزل عن مشكلات المجتمع ينتهي، الدين يجب أن يعالج مشكلة البطالة، أزمة السكن، أزمة الزواج، تأمين فرص عمل، أن يعالج القضايا الصحية العمرانية، الأعمال، التنظيم، هذا من الدين، الدين هو الحياة، وليس الدين عبادات تؤدى أداءً أجوفاً، وانتهى الأمر.
الجانب الصحي للمهاجرين بقدومهم إلى المدينة:
1 ـ حمّى يثرب:
أيها الإخوة، المهاجرون بعد قدومهم إلى المدينة أصيبوا بمرض شائع في المدينة اسمه حمى يثرب، هذه المدينة يثرب اشتهرت بهذا المرض، والمهاجرون حينما قدموا إلى المدينة هناك اختلاف مناخي وبيئي بين مكة والمدينة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/02.jpg
نحن في دمشق إذا سكن أحدنا في الساحل قد لا يستريح، هناك رطوبة عالية جداً، وأبناء الساحل إذا جاؤوا إلى مدينة داخلية لا يستريحون، هناك جفاف في المناخ، فالإنسان مخلوق بإتقان رائع، حيث إنه يألف البيئة، ويتوافق معها، ويتكيف معها حتى تصبح البيئة جزءاً من كيانه، فإذا انتقل إلى بيئة أخرى شعر بحرج.
فأهل مكة، الأصحاب الكرام الذين هاجروا إلى المدينة اختلف عليهم المناخ، واختلفت عليهم البيئة، وفي الأصل في بالمدينة مرض اسمه حمى يثرب.
فصحة المهاجرين لم تتحمل هذا الوباء، وكان له آثار جسيمة على المهاجرين، حتى أوشك بعضهم أن يموت، لماذا أذاق الله النبي الفقير فصبر ؟ أذاقه الغنى فأنفق، أذاقه القهر في الطائف فراجع نفسه مع الله عز وجل، أذاقه النصر في مكة فتواضع، أذاقه موت الزوجة السيدة خديجة فتألم وصبر، أذاقه موت الولد فصبر، وقال:
(( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإن عليك يا إبراهيم لمحزونون ))
( البخاري عن أنس )
وأذاقه أن بنته طلقت، وأذاقه الهجرة، والهجرة اقتلاع من الجذور، إنسان مستقر في بلد، صحته متوافقة مع هذا المناخ والبيئة، فينتقل فجأة إلى بلد يختلف في مناخه وفي بيئته عن بلده الأصلي.
2 ـ لا لإهمال الصحة:
ويمكننا أن نتعرف إلى ما أصاب المهاجرين، ومن ثم ما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من مواقف وأعمال أدت إلى تحول المدينة من الوباء إلى الصحة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/03.jpg
ماذا نستنبط ؟ مؤمن يهمل صحته أمرٌ مرفوض، صحتك رأس مالك، بل إن من لوازم عبوديتك لله أن تحترم قوانين الله في جسمك، تأكل ما تشتهي بلا ضابط، وبلا توجيه طبيب، ثم تفاجأ بمرض عضال، وتقول: إن الله قدر علي هذا المرض، هذا المرض نتيجة طبيعية لعدم الأخذ بالأسباب، المؤمن شخصية فذة، جسمه قوي، تفكيره واضح، معنوياته عالية، نفسيته طاهرة، بيته منظم، عمله منظم، مواعيده دقيقة، حساباته دقيقة، هذا الذي نتوهمه أنه مؤمن مهمل، ثيابه غير أنيقة، معاملته غير منضبطة، مواعيده غير منضبطة، هذه مشكلة كبيرة، لذلك الآية الكريمة: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/04.jpg
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 5 ).
لما تعامل إنسانا غير مسلم، تهمل مواعيدك، تأتي بعد ساعة، عملك غير متقن، حساباتك غير منضبطة، محلك التجاري ما فيه نظام أبداً، ولا نظافة، بضاعتك مهملة، أو بضاعة انتهت صلاحيتها، وتبيعها خطأ، وأنت مسلم !
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
الطرف الآخر يوم يرى المسلم مقصر، مواعيده غير صحيحة، صحته متردية أكله غير منضبط، بيته غير منضبط، أولاده مهملون، هذا الطرف الآخر يتشبث بكفره ، من الذي أقنعه بكفره ؟ المسلم المقصر، المسلم المقصر هو الذي يقنع الكافر بكفره، الكافر مواعيده دقيقة، صناعته متقنة، واضح وضوح شديد.
3 ـ الإسلام حياة شاملة:
فلذلك أيها الإخوة، الإسلام هو الحياة، الإسلام هو التفوق، لي كلمة أنا مقتنع بها، ولا تطالبوني بالدليل:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/05.jpg
الآن في هذا العصر بالذات، إن لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك، طبيب من عام 58 ما قرأ كلمة في الطب بعد ما تخرج، وهو مسلم من رواد مسجد، وفي العالم الغربي الطبيب إن لم يحضر في العام الواحد ثلاث مؤتمرات لا يسمح له بمزاولة حرفته، من عام 58 لم يقرأ كلمة، كله على القديم، يقول لك: أنا تلميذ الشيخ الفلاني، خير إن شاء الله ، الآخر متفوق، أنا أقول لكم كلاما من واقع مؤلم، مؤمن سبهللا، غير متقن لعمله، غير متقن لمواعيده، لا يعتني بصحته إطلاقاً، بيته سائب، أولاده في الطريق، زوجته عند الجيران دائماً، هو مسلم ؟ لا أبداً.
الآن تفاجؤون أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة أسس مجتمعًا منظّمًا، عالج مشكلات المدينة الصحية، والعمرانية، وعالج الخدمات، إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام بمواقفه وأعماله حول المدينة من الوباء إلى الصحة.
4 – شكوى الصحابة من الحمى ودعاء النبي بإذهابها:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ـ فيها مجموع أمراض، في مقدمة هذه الأمراض الحمى ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة، وبلال مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ))
الحجاب حق من صلب الدين.
بالمناسبة في فرنسا ظنوا أن الحجاب رمز إسلامي، فمنعوا كل الرموز الدينية ، اليهود يضعون قبعة على رؤوسهم، والحجاب ظنوه رمزاً إسلامياً، أنا كان تعليقي أن الحجاب ليس رمزاً، بل هو جزء من الدين.
السيارة المشهورة التي لها علامة ثلاثة خطوط المرسيدس، هذه الإشارة في مقدمة السيارة رمز لها، لكن مكبح السيارة ليس رمزاً للسيارة، بل هو جزء أساسي منها، فلو ألغيت هذه الشارة تبقى السيارة سيارة، أما إذا ألغي المكبح كان الحادث حتميًا.
هذا كلام دقيق، الحجاب في الإسلام كالمكبح للسيارة، أما أن نظنه رمزاً يمكن أن نلغيه فهذا كلام في جهل كبير.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/06.jpg
قالت: وبهم لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، أيْ ألم المرض، فدنوت من أبي بكر فقلت له: كيف تجدك يا أبتِ ؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله ـ يعني على وشك الموت، هذه الهجرة، دُفع ثمن باهظ ـ قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر، فقلت له: كيف تجدك يا عامر ؟ قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مــجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه
كان سيدنا الصديق ومولاه عامر وبلال في حالة يرثى لها، قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول، قالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت، ثم رفع صوته فقال:
ألا ليت شعري أبيتن لـيلة * بواد وحـولي إذخر وجـليل
وهل أردن يوما مياه مجنة * و هل يبدون لي شامة وطفيل
ثلاثة رجال في حالة مرض شديد، وهم على وشك الموت، قالت عائشة رضي الله عنها: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقلت:
(( إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى، قالت: فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ))
بالدعاء.
إخواننا الكرام، الدعاء أكبر سلاح يملكه المؤمن، الدعاء سلاح المؤمن، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/07.jpg
لذلك تروي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة إلى المدينة مهاجراً قال: يا رب، إني تركت مكة، وهي أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك، فسكن في المدينة، وهي بنص الحديث أحب بلاد الله إلى الله.
قال: وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وبائها إلى مهيعة، مكان بعيد، دعاء حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وبائها إلى مهيعة، أي إلى الجحفة.
وعن عبد الله بن عمر بن العاص
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/08.jpg
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة، حتى جهدوا مرضاً، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود من شدة الوعك، قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم:
((اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ))
الآن في معظم المساجد عدد كبير من المصلين كلهم على كراسي، المريض معذور، وصلاة القاعد إذا كان يستطيع أن يقوم على النصف.
قال:
(( فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل ))
(أحمد )
من هاتين الروايتين يتضح أن شدة بالغة أصابت الصحابة الكرام في المدينة المنورة، والدعاء لم يُعرف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أي انفصال بين القول والعمل.
الدعاء مع الأخ بالأسباب:
دقق الآن: ولا بين الدعاء ولا الأخذ بالأسباب، هنا موطن الشاهد، أنت لك أن تدعو الله، أن تنجح في الامتحان ما لم تدرس الدعاء استهزاء بالله عز وجل، أنت لك أن تدعو الله، ولكن الدعاء لا يقبل إلا إذا أخذنا بالأسباب.
تراجع المركبة قبل السفر مراجعة كاملة، وتقول يا ربي أنت الحافظ، وفقني في هذا السفر، سلمني في هذا السفر، أما ألا تراجع المركبة إطلاقاً، وتسأل الله السلامة من دون أخذ بالأسباب فلا !!!
سيدنا عمر رأى أعرابياً معه جمل أجرب، قال: << يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، فقال له سيدنا عمر: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ >>.
من اكتفى بالدعاء، ولم يأخذ بالأسباب لم يفهم الدين، الابن حرارته 41، يا رب اشفه، لا بد أن تأخذه إلى الطبيب، وتشرف بنفسك على تلقي الدواء، تدفع صدقة، وبعد هذا تقول: يا رب أنت الشافي، ولا شافي إلا أنت.
فيجب أن يسبق الدعاء أخذ بالأسباب، والمشكلة أيها الإخوة أن الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها، والشرق لم يأخذ بالأسباب أصلاً، فالغرب وقع في الشرك، والشرق وقع في المعصية، نحن نتوهم، ما معنى إنسان دين ؟ يعني أنه متوكل على الله، الفاكهة يأكلها قبل أن يغسلها، سمِ الله، لا يضر مع اسمه شيء، هذا غير إسلامي، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))
(أخرجه الطبراني عن سلمان )
من أكل فاكهة من دون أن يغسلها فهو مؤاخذ، لما كان يشرب الماء يقول:
(( أبن القدح عن فيك ))
( رَوَاهُ التِّرمِذِيّ عن أبي سعيد الخدري )
لأن الزفير ينقل بعض الأمراض، ما شرب من إناء فيه ثلمة، لأن هذه الثلمة تتوضع فيها الجراثيم، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تجري مراجعة للمركبة تامة وتقول: يا رب سلم، يا رب احفظني.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/09.jpg
فكان دعاءه هذا مقروناً بالعمل وإعداد الأسباب.
بصراحة هل هناك إنسان على وجه الأرض أحق بالنصر من سيد الخلق ؟ ومع ذلك في الهجرة أخذ بكل الأسباب، هيأ إنساناً يمحو الآثار، وهيأ إنسان يأتيه بالأخبار، وهيأ إنسان يأتيه بالزاد، وسار باتجاه معاكس للمدينة، وقبع في غار ثور أياماً ثلاثة، ثم استأجر دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء وأخذ بكل الأسباب، هذا هو الدين.
في التجارة، في الصناعة، في الزارعة، في الوظيفة يجب أن تأخذ بكل الأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
السيدة عائشة تقول:
(( وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلاً، أي بماء آسن ملوث، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح الماء يجري عذباً، قالت السيدة عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بطحان على ترعة من ترع الجنة ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/10.jpg
إخواننا الكرام، حينما كنت صغيراً أذكر أنّ نهر يزيد في دمشق معظم أهل الصالحية يشربون منه، كان هناك دين، ما أحد يلقي فيه شيئاً، الآن مياه سوداء، كلما قوي إيمان الإنسان يحافظ على البيئة، وكلما ضعف إيمانه يلوث البيئة، الآن مياه بردى لونها أسود، من الروافد، والمياه المالحة، وهل تصدقون وأنا والله أذكر ذلك معظم أهل الصالحية يشربون من ماء نهر يزيد، لوجود الورع، و الدين.
فالنبي نهى أصحابه، ما عاد الماء ملوثا، توقفت الأمراض، أصبح هذا الوادي فيه ماء نقي.
شيء آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( تنظفوا بكل ما استطعتم، فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف ))
( الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة)
النظافة في الإسلام مجسدة في شخص النبي:
أريد أن أعطيكم فكرة عن نظافة النبي، وعن أناقته، وعن ذوقه الرفيع، أمامه طبق تمر، فأخذ تمرة وأكلها، ما الذي يجري عادة ؟ بعد أن يأكلها يمسك بالنواة، ويضع النواة على طرف الخوان، إصبعاه أخذا شيئاً من لعابه الشريف، أخذ النواة من فمه محاطة باللعاب، ومسكها بإصبعه، لو مسك تمرة ثانية وجدها قاسية جداً فتركها، وأكل الثالثة، ما الذي حصل ؟ انتقل لعابه الشريف إلى تمرة لم يأكلها، كيف كان يأكل التمر ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/11.jpg
كان يضع النواة هنا، وتبقى أصابعه جافة، أرأيت إلى هذا الذوق ؟ كان إذا أكل التمرة وضع النواة على ظهر أصابعه، أما إبهامه وسبابته تبقى هاتان الإصبعان جافتين، هكذا الذوق.
كان عليه الصلاة والسلام يُعرف بريح المسك، كان يقول: نظفوا أفنيتكم، تدخل بيتا نظيفا، والله دخلت مرة إلى بيت في بلدة من قرى دمشق، والله بيت متواضع جداً بغير إسمنت، لبن وطين، لكن طلاءه جيد، فيه نظافة، فيه ترتيب، شيء لا يصدق، المؤمن نظيف ومرتب، ولو كان بيته متواضعا، أحياناً هناك أناقة، وتناسب ألوان، ونباتات بقياس واحد كلها، كلها مطلية بطلاء واحد، شيء جميل.
فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا قال:
(( إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ))
( أخرجه الترمذي عن سعد )
النظافة والصحة:
1 ـ النظافة أحد أسباب الصحة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/12.jpg
والآن ثبت أن النظافة أحد أسباب الصحة، وهناك أمراض كثيرة سماها العلماء أمراض القذارة، وفي العالم الآن 300 مليون إنسان مصاب بمرض القذارة، حيث يكفي أن يدخل إنسان إلى دورة المياه، وبعد ما انتهى ما نظف أصابعه تماماً، لو كان معه وباء كبدي قاتل يمكن أن ينقل المرض إلى 300 إنسان من رواد المطعم، فالنظافة أحد أسباب الصحة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام حض على الطهارة بشتى مجالاتها، طهارة النفس طهارة الجسم، طهارة اللباس، والسكن.
2 ـ هذا هو أسلوب التنظيف في الغرب:
صدقوا، أنا زرت بلاد كثيرة جداً، في كل أستراليا ليس هناك إلاّ الورق للتنظيف في دورات المياه، أما عندنا فهناك مياه، والتنظيف بالمياه أعلى مستوى، وفي كل أمريكا التنظيف ورق، ودورات المياه بالمطارات كلها ورق، أما في بلادنا فهناك ماء، وأمراض القذارة مشكلة كبيرة جداً، والمسلمون الذين يعتنون بنظافتهم نظافة نفوسهم أولاً، ونظافة أجسامهم، ونظافة ثيابهم، ونظافة بيوتهم ناجون من أمراض لا تعد ولا تحصى.
3 ـ من التوجيهات النبوية في التنظيف:
لذلك دقق في بعض التوجيهات:
ـ لا يجوز التبول في مهب الريح، لأن البول يعود على الإنسان بفعل الرياح، ولا في الماء الراكد، ولا في ماء قليل، ولو كان جاريا، الماء القليل الجاري محرم البول فيه، أو في كثير أيضاً، ولا في المقابر احتراماً للموتى، ولا في الطرقات.
الحقوق المدنية في الإسلام:
1 – صفة العدالة وأثرها في المسلم:
بالمناسبة، الإنسان عنده حقوق مدنية بالمصطلح الحديث، لكن قديماً عنده العدالة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/13.jpg
العدالة تمتع الإنسان بالحقوق المدنية، الضبط والعدالة، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية، هذه العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح، كيف تسقط ؟
من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم ولم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته.
هذا مؤمن يتمتع بحقوقه المدنية، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته وحرمت غيبته، إذا عاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، إذا حدثهم فكذبهم، سقطت عدالته.
(( المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة ))
(مسند أحمد عن أبي أمامة )
فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، هذه الأشياء الثلاثة تسقط العدالة.
2 – حالات تجرح العدالة:
لكن هناك 33 حالة تجرحها http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/14.jpg
من بال في الطريق، جرحت عدالته، من مشى حافياً جرحت عدالته، من أكل في الطريق حرجت عدالته، من قاد برذوناً، قاد كلبًا مخيفًا، خوّف الصغار جرحت عدالته، من أطلق لفرسه العنان، الآن أسرع في السير بالسيارة، جرحت عدالته، من كان حديثه عن النساء جرحت عدالته، من تنزه في الطرقات، طريق يعج بالحسناوات، كاسيات عاريات، يحلو له التنزه بهذا المكان جرحت عدالته، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق جرحت عدالته، من طفف بتمرة، فلم يأتِ الوزن تماماً، حمل، وقال له: تفضل، الآن بالبنزين تقول له: فرضاً بألف لير، 995، لا يكملها، تطفيف بتمرة، يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام، أكل مشمشة، كم الكيلو ؟ غالي الثمن، أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، الحديث عن النساء، التنزه في الطرقات، من علا صياحه في البيت، من قاد برذوناً، من أطلق لفرسه العنان، هذا كله يجرح العدالة، من مشى حافياً، من بال في الطريق، من صحب الأراذل، إنسان منحرف الأخلاق، تمشي معه تتهم به، فعد الفقهاء 33 بنداً تجرح العدالة.
3 – احذر أن تفعل مثل هذا :
لذلك لا يجوز التبول لا في مهب الريح، ولا في ماء راكد، ولا في ماء قليل جارٍ، أو كثير، ولا قي المقابر، ولا في الطرقات، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ))
(أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم، والبيهقي، عن معاذ)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/15.jpg
نبع ماء صافٍ تقضي حاجة جانبه ؟ ويرتاده الناس ليشربوا ! وفي قارعة الطريق وفي الظلال، ظلال الأشجار، ولا يجوز أن يبول المرء تحت شجر مثمرة.
أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام توضأ من قعر، فضلت فضلة قال: ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين، هذا اسمه ترشيد استهلاك المياه، فضلت فضلة ردوها في النهر، ينفع الله بها قوماً آخرين.
أحيانا من أجل تبريد الماء تستهلك نصف متر مكعب، ضع قارورة في البراد، أما أن تستهلك هذا الماء، في إلقاء الفضلات، القمامة، والتغوط، والتبرز، أمر النبي الكريم بالابتعاد عن المساكن في إلقاء الفضلات، وجعل لها أماكن مخصصة تدعى المناصع، بعيداً عن المساكن، هذه تنظيمات، الدين حياة، الدين نظافة، الدين نظام، الدين صحة، الدين وقاية من الأمراض، المسلم بتصور الناس مهمل، ما فيه نظافة، ولا نظام، ولا موعد، ولا إتقان بالعمل.
4 – إتقان العمل من صميم الدين:
والله مرة متعهد يتعهد لتجديد مدرسة، يضع القفل، والبرغي المحلزن بالمطرقة ضربة واحدة صار بالداخل، هذا البرغي قوته تأتي من إدخاله بشكل دائري، أما ضربة بالمطرقة دخل لداخل الخشب حفر موشور، بعد أيام يُنزع القفل، أسرع، قال لي: هكذا قلت له: ما هذا ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2922/ar-2922/16.jpg
لذلك نحن إخواننا الكرام عندنا تخلف كبير جداً، ليس هذا هو الإسلام، الإسلام إتقان.
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
( أخرجه البيهقي، عن عائشة رضي الله عنها )
الإتقان جزء من الدين، تروي الآثار: أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء في دفن بعض الصحابة الذي حفر القبر ترك فرجة هكذا، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( إن هذه لا تؤذي الميت، لكنها تؤذي الحي ))
(ورد في الأثر)
أحياناً مفتاح الكهرباء مائل مزعج، هذا الميل يُرش الذوق، اجعله متوازياً مع أرض الغرفة، يقول لك: يعمل، لو عمل فهناك ذوق، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام لما قال:
(( إن هذه لا تؤذي الميت لكنها تؤذي الحي ))
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
( الطبراني في الأوسط عن عائشة)
خاتمة:
أيها الإخوة، أنا أبين لكم ماذا فعل النبي في المدينة، جعل الإسلام هو الحياة جعل النظافة، والنظام، والخدمات، جعلها في أعلى مستوى، لذلك هذه الحمى التي كانت من علامات المدينة، حمى يثرب تلاشت، هو دعا وأخذ بالأسباب، وبعدئذٍ توكل على رب الأرباب.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 08:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الخمسون )
الموضوع : اهمية السيرة النبوية الشريفة فى حياتنا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. سنة النبي عليه الصلاة والسلام منهج كامل:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/01.jpg
ذلك لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أقواله، وأفعاله، وإقراره، وصفاته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده، لذلك أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة، وصفاته سنة أي منهج، والله عز وجل قال:
﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾
( سورة العنكبوت ).
أي أن كل كلمة قالها النبي عليه الصلاة والسلام وحي غير متلو، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم ).
أقواله تشريع، لذلك هناك وحيان: وحي متلو، ووحي غير متلو، الأحاديث الشريفة وحي غير متلو، وسلوكه وحي غير متلو، وإقراره وحي غير متلو.
محاولات بائسة لتقويض السنة:
لذلك أيها الإخوة، أعداء المسلمين لا يستطيعون إلغاء هذا الدين، إنه كالطود الشامخ، ولكنهم يحاولون أن يقوّضوا دعائمه من الداخل، والسنة النبوية من دعائم هذا الدين. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/02.jpg
(( أوتيت القرآن ومثله معه ))
( رواه يزيد بن هارون عن المقدام بن معد يكرب الكندي )
وهناك من يقول يكفينا القرآن الكريم، مع أن القرآن الكريم يقول: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 )
فالذي يكتفي بالقرآن الكريم يلغي القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم يأمرك أن تأخذ ما آتاك النبي، وأن تنتهي عما عنه نهاك، والقرآن الكريم يبين أن مهمة النبي لتبين للناس ما نزّل إليهم، فكأن القرآن الكريم قانون، وكأن السنة شرح لهذا القانون، فإذا ألغينا الشرح ألغينا القانون.
لابد من الاحتفاء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام:
لذلك أيها الإخوة، لا بد من أن نحتفي بسنة رسول الله قولاً، وعملاً، وإقراراً وصفات http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/03.jpg
وأؤكد لكم أنه لو لم يكن إلا السيرة بين أيدينا لكانت منهجاً كافياً لنا، إن أفعاله تشريع، وكما تعلمون أن كل واحد من الناس في حياته شخصية يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، وشخصية يتمنى أن يكونها، وهذا الدرس، وهذه السيرة لمن ؟ قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب ).
إذاً: أن تحتفي بمواقف النبي، بإنسانية النبي، برحمة النبي، بعدل النبي، بتواضع النبي، بإنصاف النبي، وأن تجعل نفسك تطمح أن تكون على طريقه، وعلى خطاه فأنت مؤمن، أما إذا كنت لا تعنيك السيرة إطلاقاً فأنت تبحث عن شيء آخر، أنت إذاً لا ترجو الله واليوم الآخر، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
النبي بشر تجري عليه خصائص البشر:
أريد في هذا الدرس أن أقف قليلاً عند أهمية هذه السيرة النبوية العطرة، الحقيقة هناك مثالية نجدها في الكتب، قد نقرأها، ونعجب بها، ولكنها لا تكفي لتحفيزنا إلا أن نطبقها، ما الذي يحفزنها إلى تطبيق السيرة ؟ أنك حينما ترى أنك إنساناً بشر.
(( إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر ))
( أخرجه مسلم من حديث أنس وله من حديث أبي هريرة )
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))
(أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس)
إذاً: هو بشر، ولأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر، فما لم تكن طموحاتك ورغباتك متوجهة إلى أن تمشي على خطى النبي ففي الإيمان خلل، وفي الإيمان ضعف، وتكفيكم هذه الآية: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/04.jpg
بل إن الله جل جلاله لن يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 31 ).
معنى ذلك أن الذي لا يفكر أن يتبع سنة النبي العملية، ولا يفكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة له في حياته فهو بنص القرآن الكريم لا يحب الله
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
بل إن العلماء قالوا: إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم عين محبة الله، وإن محبة الله عز وجل عين محبة النبي، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾
( سورة التوبة الآية: 62 ).
بضمير المفرد
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ ﴾
بحسب قواعد اللغة ترضوهما، لأن الله قال:
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/05.jpg
قال العلماء: إرضاء الله عز وجل عين إرضاء النبي، وإرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله، ومحبة الله عين محبة النبي، ومحبة النبي عين محبة الله، لذلك محبة النبي فرع من محبة الله، فالذي لا يحب النبي لا يحب الله، والذي يحب النبي يحب الله.
(( ويا عمر كيف أصبحت ؟ قال: والله با رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي، قال: يا عمر لن يكمل إيمانك بعد حين جاءه وقال: الآن يا رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي، وولدي، ومالي حتى نفسي التي بين جنبي، فقال عليه الصلاة والسلام : الآن يا عمر ))
أيها الإخوة، يقول بعض الصحابة الكرام، وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص : << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذكر، وفي السنة لا تعني أنه ذكر، بل يعني القرآن بكلمة رجل أنه بطل.
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾
( سورة النور الآية: 37 ).
﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 108 ).
مثال من جيل الصحابة في كمال تصديقه للنبي: إنه سعد بن أبي وقاص:
فكلمة رجل لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل، سيدنا سعد بن أبي وقاص استخدم هذا المعنى فقال: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ـ ما هذه الثلاثة ؟ ـ يقول هذا الصحابي الجليل: ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها >>.
(( الصلاة عماد الدين ))
( أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر )
من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، والصلاة معراج المؤمن.
(( الصلاة ميزان، فمن أوفى استوفى ))
(أخرجه ابن المبارك في الزهد عن ابن عباس )
من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها.
أن تتابع المسلسلات ليلاً ثم تقوم كي تصلي العشاء تقف وتكبر تكبيرة الإحرام، وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع وتسجد، لكن لا تستطيع أن تقبل على الله، لأنه قيل:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن الــــعلم نور ونـور الله لا يُهدى لعاصي
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/06.jpg
الصلاة نور، الصلاة حبور، الصلاة طهور، الصلاة ميزان، الصلاة عقل، الصلاة معراج المؤمن، الصلاة قرب، الصلاة ذكر، الصلاة عماد الدين.
ولكن ورد في بعض الآثار القدسية أنه:
(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها ))
(أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/07.jpg
فقال سيدنا سعد: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وما فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول ـ ونحن قبل هذا الدرس صلينا على أحد الموتى المسلمين، هل فكر واحد منا أنه لا بد من يوم يكون في نعش، ويدخل إلى المسجد لا ليصلي، بل ليصلى عليه ؟ وبعدها تذهب هذه الجنازة إلى مقبرة، وبعدها يوضع في القبر، ويحاسب عن كل شيء ؟ ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها.
ورد في بعض الآثار: أن الميت ترفرف روحه فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي.
ورد في بعض الأحاديث:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/08.jpg
(( فو الذي نفس محمد بيده ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقطع رزقه، وانقضى أجله ألقى عليه غم الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، والممزقة ثوبها يقول لهم ملك الموت: فيمَ الفرع ؟ ومم الجزع ؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإني لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحداً، فوالذي محمد بيده لو سمعوا كلامه، ورأوا مكانه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم ))
( ورد في الأثر )
(( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا، ولا شربتم شرابا على شهوة أبدا، ولا دخلتم بيتا تستظلون به، ولمررتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم، وتبكون على أنفسكم ))
( أخرجه ابن عساكر عن أبي الدرداء )
<< ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ـ ولكن الشاهد في الثالثة، هنا الشاهد ـ ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى.
﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
مقتطفات من سيرة النبي العملية:
ـ المؤمن الصادق إذا قرأ سيرة النبي كيف إذا دخل بيته ألقى على أهله السلام، وكيف إذا دخل بيته كان بساماً ضحاكاً وكيف يقول عن النساء:
(( أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهم إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالياً ))
ـ كيف كان عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله، يخصف نعله، ويرفو ثوبه ويكنس بيته، وكان في مهنة أهله.
أنت كمؤمن يجب أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك، أسوة لك وهو في بيته، وهو مع زوجاته، وهو مع أولاده، كان يقول عليه الصلاة والسلام:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
( أخرجه الحارث ابن عدي، والبيهقي، عن أبي هريرة)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/09.jpg
ـ كان يسلم على الصبيان، كان يداعبهم، كان يقبلهم، كان يحملهم وهو يصلي مرة كان على المنبر، رأى ابن ابنته الحسين رضي الله عنه يتعثر في مشيته، فنزل من على المنبر وحمله بيده، وصعد به إلى المنبر، هكذا كان مع الصغار.
ـ هكذا كان مع النساء مرة غضبت عائشة، كسرت طبقاً على الأرض جاءها من صفية، أصابتها الغيرة، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( غضبت أمكم، غضبت أمكم ))
(البخاري)
كان زوجاً ناجحاً، كان أباً ناجحاً كان صديقاً وفياً، كان جاراً.
أيها الإخوة، أردت بهذا الدرس أن نعرف أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته، في بيته، مع إخوانه، في مسجده، ما لم يكن قدوة لنا فلسنا على ما ينبغي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/10.jpg
ـ صلى أعرابي وراء النبي، أحد أصحابه أصابه عطاس، فقال له في الصلاة: يرحمك الله، فالصحابة الكرام ضربوا على أرجلهم بأيديهم، أن هذا لا يكون، فخاف هذا الأعرابي، خاف أن يلقى تعنيفاً شديداً، أو خاف أن يُضرب بعد الصلاة، فأوجس خيفة، فلما انتهى النبي من صلاته قال: تعال يا عبد الله، إن هذه الصلاة لا يصلح لها شيء من كلام الناس، فقال هذا الأعرابي: بأبي هو وأمي، والله ما عنفني، ولا كهرني، فقال له: اللهم ارحمنا ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( يا أخي، لقد حجرت واسعاً ))
(البخاري)
كان لطيفا، كان متواضعا.
ـ دخل عليه رجل أصابته رعدة، فقال له:
(( هون عليك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة ))
(الترمذي)
ـ كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة، قال أحدهم: عليّ ذبحها ، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب، قالوا: يا رسول الله نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/11.jpg
إذاً: أريد من هذا اللقاء الطيب حقيقة دقيقة ؛ وهي أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لك، وأسوة لك في حياتك، فلستَ متّبعا له .
ـ في فقره: دخل عليه الصلاة والسلام بيته، فقال:
(( هل عندكم من طعام ؟ ـ لا يوجد شيء إطلاقاً ـ قالوا: لا، قال: فإني صائم ))
( مسلم عن عائشة )
ـ رأى زعيم قبيلة وادياً من الغنم لرسول الله فقال:
(( لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك قال: أتهزأ بي ؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر ))
(ورد في الأثر )
هو قدوة لنا في فقره، وقدوة لنا في غناه، قدوة لنا في قهره، في الطائف قهر والآن المسلمون يقهرون في العالم، قال:
(( يا رب، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
( الطبراني عن عبد الله بن جعف)
ـ سمح له أن ينتقم منهم، جاءه ملك الجبال، قال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.
ـ امتحن بالفقر فنجح، امتحن بالغنى فنجح، امتحن بالقهر فنجح، امتحن بالنصر دخل مكة فاتحاً، عشرة آلاف رجل يأتمرن بكلمة من شفته، فكان بإمكانه هؤلاء صناديد قريش الذين ناصبوه العداء عشرين عاماً، وقتلوا أصحابه، وحاربوه مرات ثلاثا، كان بإمكانه وهو القوي المنتصر أن يبيح المدينة لجيشه، أو أن يلغي وجودهم، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ السيرة النبوية ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/12.jpg
نجح بالنصر، ودخل مكة فاتحاً، وكادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
ـ الآن مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه، قالوا: أتبكي ؟ قال:
(( إن العين لتدمع وإن القلب ليخزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ))
(متفق علي)
ـ امتحن نجح بامتحان موت الولد، طُلقت بنتاه، فامتحن فنجح بالامتحان، فقد اتهمه المنافقون بأن زوجته زانية، في حديث الإفك، فصبر، حتى برأها الوحي من فوق سبع سماوات، لما برأها الوحي كان عنده الصديق فقال لابنته: قومي فاشكري رسول الله السيدة عائشة قالت: والله لا أقوم إلا لله، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: عرفت الحق لأهله.
ـ أمسكه مرة أعرابي فظ غليظ من ثوبه حتى أثر في عنقه الشريف، قال: يا محمد هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك أعطني منه، فقال: صدق إنه مال الله:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/13.jpg
ـ تسأله السيدة عائشة: كيف حبك لي ؟ الآن معظم الأزواج الجهلاء، يقول لك قصيرة، لا يبقي عيب إلا ويعيرها به، فتنهدم العلاقة بينهما، تسأله السيدة عائشة: كيف حبك لي ؟ يقول لها: كعقدة الحبل، تسأله من حين لآخر: كيف العقدة ؟ يقول: على حالها متينة.
ـ حدثته مرة السيدة عائشة عن قصة لزوجين مثاليين، أبو زرع وأم زرع، كان أبو زرع شهماً، شجاعاً، كريماً...إلخ، لكنها في نهاية قالت له متأسفة: غير أنه طلقها، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( كنتُ لك لأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك ))
( أصله في البخاري بغير قوله: غير أني لا أطلقك )
ما لم تكن سيرة النبي في مخيلتنا، ما لم تكن هذه الشخصية الفذة، شخصية النبي بأخلاقه، بشمائله، بتواضعه، برحمته، بإنصافه، بعدله، أمامنا نبراساً لنا ففي الإيمان ضعف وخلل.
ـ أيها الإخوة الكرام، كان إذا صلى صلاة الفجر كان يقرأ آيات كثيرة، لكن مرة سمع غلاماً يبكي، فاختصر الصلاة، وسلم سريعاً، وتعجب أصحابه فقال: سمعت بكاء صغير ينادي أمه ببكائه، فرحمتها.
(( ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه ))
( أخرجه أحمد في مسنده والحاكم، عن عبادة بن الصامت )
العبرة في السيرة الاقتداء والاعتبار لا الأحداث والأخبار:
هكذا قال عليه الصلاة والسلام، فيا أيها الإخوة، ليس القصد أن نستمع لهذه الأخبار عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، القصد أن تترجم هذه السيرة إلى واقع نعيشه.
1 – معرفة سيرة النبي فرض عين:
لذلك النقطة الدقيقة جداً أن معرفة سيرة النبي ـ دققوا ـ فرض عين على كل مسلم، السبب أن هناك قاعدة أصولية تقول: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الصلاة تتم من دون وضوء ؟ الصلاة فرض والذي لا يتم إلا به فهو فرض أيضاً، الوضوء فرض تمام ؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/14.jpg
إذا قال الله لعباده المؤمنين:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
بصراحة كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا حسنة ؟ إن لم نعرف سيرته، كيف تعالج ضغطك المترفع وهو القاتل الصامت إن لم تعرف أنك مصاب بالضغط ؟ تماما معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، لأن الله يقول:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/15.jpg
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
ولا يمكن أن يكون النبي أسوة لنا إلا إذا عرفنا ماذا فعل كيف أكل، كيف نام، كيف عامل زوجته، كيف عامل إخوانه، كيف عامل أولاده.
لذلك أيها الإخوة، معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، كما أن معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، الدليل هي قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
كيف نأخذ ما آتانا إن لم نعرف ما آتانا ؟ وكيف ننتهي عمن عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي عنه نهانا ؟ فما لا يتم الواجب به فهو واجب، وما لا يتم الفرض به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة.
2 – حضور دروس السيرة ضروري:
إذاً: حضور درس فقه السيرة النبوية للمؤمن ضروري جداً كي يعرف كيف كانت أخلاق النبي في بيته.
أحيانا يخطب إنسان فيتحدث عن شخص له مكانه، له منصب، بجفاء، بقسوة باسمه فقط، ويظن أن هذا إيمان، لا، النبي أرسل رسالة إلى قيصر ملك الروم، فقال:
(( من محمد ابن عبد الله إلى عظيم الروم ))
(أحمد)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/16.jpg
هو قيصر ليس عظيماً عند النبي، لكن هذا لقب، فأنت حينما تكون قريباً تتبع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام .
ـ أنا أريد أن أقول: يمكن أن تتعلم من السيرة كل شيء، آداب الطعام والشراب، ما رؤي ماداً رجليه قط، هو سيد الخلق وحبيب الحق، ما رؤي ماداً رجليه قط، طبعاً أحيانا يكون الإنسان معذورا، هذا وضع آخر، أما من دون عذر فما رؤي كذلك.
ـ ما ذم طعاماً قط، فإذا قدّم لك شخص دعوة لطعام، وقد تعب في تحضيره، فلا تقل له: الطعام ليس طيبا، إنها منتهى الغلظة، ومنتهى الفظاظة، ما عاب النبي طعاماً قط أبداً.
ـ ما عامله أحد أصحابه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه، هذه بطوله هذه، أبو بكر مني كالسمع والبصر، وما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم، وخالد سيف الله، وأبو عبيدة أمير هذه الأمة، والزبير ابن العوام حواري هذه الأمة، ما من صحابي إلا وخصه بوصف، لذلك ما عامله أحد من أصابه إلا ظن أقرب الناس إليه.
(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّ ))
(أخرجه مسلم عن علي ).
هذا خالي فأروني خال مثل خالي.
هذا من سيرته، مع زوجات الطاهرات كان زوجا ناجحا جداً، وكان يعدل بينهن، وكان صادقا، كانت حينما تقول له السيدة عائشة وقد ضجرت من كثرة ثنائه على خديجة وقد توفاها الله، قالت له: ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال: لا والله، صادق، لا والله، لا والله.
يا أيها الإخوة، الذي أريده أن نترجم مواقف النبي في خصوصياته في بيته، في بيعه، في شراءه، مع إخوانه، مع أصحابه، في الحرب والسلم إلى واقع نعيشه.
ماذا حال المسلمين سيئ اليوم ؟
لذلك أختم هذا الدرس بهاتين الآيتين، وهاتان الآيتان تفسران لنا، لماذا يعذب المسلمون اليوم قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2930/ar-2930/17.jpg
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 ).
هذه الآية واضحة جداً في حياة النبي، لكن ما معنى الآية بعد موت النبي ؟ يعني يا محمد ما دامت سنتك قائمة بعد موتك في حياتهم، وفي بيوتهم، وفي أعمالهم وفي مساجدهم، وفي بيعهم، وفي شرائهم، وفي كسب أموالهم، وفي إنفاق أمولهم، وفي احتفالاتهم، في مسراتهم، وفي أحزانهم، فهم في بحبوحة من عذاب الله.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
( سورة الأنفال ).
إذاً: نحن حينما نقصر في تطبيق السنة، ونستغفر فنحن في بحبوحة، وحينما نطبق السنة فنحن في بحبوحة، وطريق خلاص المسلمين الآن أن يعتمدوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ويطبقوها في حياتهم فلعل الله يرحمهم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الواحد و الخمسون )
الموضوع : العمران النبوى فى المدينة المنورة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ذكير:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في الدرس الذي قبل الماضي إلى التنظيمات الإدارية، والصحية، والتعليمية، والسياسية التي نظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أبرزها أنه أنشأ ميثاقاً طبقه على كل شرائح أهل المدينة، وجاء في مقدمته أن سكان المدينة أمة، وسِلْمُ المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، وهذه هي المواطنة ؛ التعايش، الذين فهموا الدين فهماً آخر سببوا متاعب لا تنتهي للمسلمين.
العمران النبوي في المدينة المنورة:
على كلٍ ننتقل اليوم إلى العمران النبوي في المدينة المنورة:
1 – التجمعات العشائرية ( القبائلية ) في الحصون:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/01.jpg
قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسكانها موزعون عشائرياً في قرى صغيرة، وأكمل تجمع للسكان تجمع القرى.
هناك دراسات حديثة أن الإنسان إذا عاش في مجتمع محدود يرتفع مستوى الانضباط السلوكي، وأشد الأمكنة وحشة هي المدن الكبرى، لذلك حينما درس نخبة من كبار علماء الغرب أسباب العنف في العالم قالوا: المجتمعات الكبيرة، وسكان القرية أشد انضباطاً من سكان المدينة، بسبب أن الشخص الواحد معروف هناك.
فلذلك حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان سكانها موزعين عشائرياً في قرى صغيرة، أو في حصون، أو أطام، والأطام هي الحصون، فكل حصن فيه عشيرة تحيطه حيطانها، ويعمل أصحاب هذا الحصن في الزراعة، والصناعة، وإذا جاء المساء دخلوا حصنهم، وأقفلوا أبوابهم ليأمن كل منهم جيرانه، وما تحمله ظلمة الليل من طوارق السوء.
أنا فيما أعلم دمشق كان فيها أبواب، باب توما، باب شرقي، هذه الأبواب مساء تُغلق، المجتمع يعرف بعضه بعضا، فيه انضباط، فيه أمن، هذا كان مطبقاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بلغ عدد حصونهم 59 حصناً موزعة على قبائلهم وعشائرهم، وفيما بلغني أن أكبر مدينة في العالم ( نيويورك ) معلومات قديمة، بعض أحيائها التي يسكنها المسلمون أحياء مغلقة تقفل أبوابها مساء، ما فيها مخدرات، ولا فيها ملاهٍ، ولا فيها شيء من هذا القبيل، كبار الشركات تتنافس على فتح محلات في هذا الحي الإسلامي، فيه انضباط، فيه أمن.
2 – مهمة النبي توفير السكن والعمل للمهاجرين:
أيها الإخوة، وقدم المهاجرون إلى المدينة، وكان أمام النبي عليه الصلاة والسلام مهمة كبيرة، وهي توفير السكن والمعاش لهم.
مبدأ المؤاخاة ومساهمة الأنصار في المجال الاقتصادي والاجتماعي:
وكان للأنصار مساهمات عظيمة تعرفونها جميعاً، كان كل أنصاري بعد أن آخى النبي بينه وبين مهاجر.
النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين الأنصار والمهاجرين، فكان الأنصاري يقول للمهاجر: عندي بستانان، خذ أحدهما، عندي بيتان، خذ أحدهما، عندي دكانان، خذ أحدهما، أما الشيء الذي يغيب عن أذهانِ بعضِ المسلمين أنه لم يسجل التاريخ أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئاً، الأول بذل، والثاني تعفف.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/02.jpg
فلما عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه على سيدنا عبد الرحمن بن عوف بستاناً، وبيتاً، ودكاناً، قال قولته الشهيرة: << بارك الله لك في مالك، لكن دُلّني على السوق >>، ودخل إلى السوق، وتاجر، واغتنى، وكان هذا الصحابي الجليل من كبار تجار الصحابة، وله بعض التوجيهات، قال: < والله ما استقللتُ ربحاً، ولا بعت ديناً >>، يعني أن أقلّ هامش ربح كان يقبل به، لذلك بالتعريف الاقتصادي الآن: رأس المال يُقلب في العام مرتين أو ثلاثا، لأنه ما استقل ربحاً، باع بسرعة، باع، واسترد رأس ماله، واشترى بضاعة ثانية، وباعها واسترد رأس ماله.
لذلك التجارة حينما يدور رأس المال في العام الواحد مرتين يكون التاجر من كبار التجار، إذا دار ثلاث مرات يكون من نوادر التجار، أما بعض التجار فيدور المال دورة واحدة كل عامين أو ثلاثة.
قال: << والله ما استقللت ربحاً، ولا بعت ديناً >>.
وهذا الصحابي الجليل سمع أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: << يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبواً، فقال: لا، والله لأدخلنها خبباً، وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء >>.
المال قوة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/03.jpg
أيها الإخوة، المال قوة، الذي يغتني، ويبتغي بماله خدمة المسلمين، توفير فرص عمل، معالجة المرضى، تزويج الشباب، فيرقى بماله إلى أعلى عليين، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
( متفق عليه )
وكأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع مرتبة الغني المحسن إلى مرتبة العالم ، فالعلم قوة، والمال قوة، وهما يتكاملان.
ماذا فعل النبي حتى هيأ للمهاجرين مساكن وعملاً ؟
لذلك ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام حتى هيأ لهؤلاء المهاجرين مساكن ؟
1 – منحُ الأراضي يغير الصالحة للزراعة لبناء المساكن:
منح الأنصار الأراضي، فقد ورد عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جعل كل أرض لا يبلغها الماء يعطيها لبعض المهاجرين، ماذا نفهم من هذا الملمح ؟
المنظور النبوي للأرض الزراعية:
حرام وألف ألف حرام أن نقطع الغابات ليحل محلها صحراء من الإسمنت، إذا كان عندنا منطقة مشجرة، عندنا الغوطة لا ينبغي أن نبني في الغوطة، بل في مكان صحراوي، هذه إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام، منح الأرض ليبنى عليها إن لم يكن فيها ماء، الماء للزراعة، فهذا من أول إشارات النبي عليه الصلاة والسلام.
2 – قانون: تمليك الأرض لمن يزرعها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/04.jpg
بعد هذا قانون تمليك الأرض لمن يزرعها، تحويل الأرض الجرداء إلى أرض خضراء، هذا سلوك حضاري.
بعض البلاد فيما بلغني أنّ أيّ إنسان يأخذ خمس دنمات يأخذها هبة من الدولة، بشرط أن يقلبها إلى جنة خضراء، ويعطى مبالغ كبيرة جداً لحفر بئر، وبناء منزل ، واستصلاح هذه الأرض، لأن في النهاية الإنسان كائن له فم يحتاج إلى طعام، والمستقبل للزراعة الإنسان، وقد يستغني الإنسان عن آلاف الأشياء، لكن لا يستغني عن الطعام، والآن حينما يكون التضخم النقدي يصبح الراتب فقط للطعام والشراب، ولن يستطيع الإنسان ترك الطعام والشراب.
فلذلك ما سمح النبي ببناء بيت في أرض فيها نبع ماء، أما أرض فيها مياه جارية فهذه الأرض للزراعة فقط.
أنا سمعت في بعض البلاد أن غرامة قلع شجرة تصل إلى المليون ليرة، الشجرة فيها حياة، فيها تعديل جو، فيها استجلاب أمطار، فيها منظر جميل.
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان: " فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مهاجراً أقطع الناس الدور والرباع، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخرة المسجد، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحصن المعروف به، ووزع هذه الأراضي التي ليس فيها ماء وزعها على أصحابه لينشئوا عليها مساكن لهم ".
هذا من حضارة الإسلام:
أيها الإخوة، ومن يتأمل فيما فعله النبي عليه الصلاة والسلام يرى أمراً عظيماً فيما كان من عمارة المدينة وسعتها، واتصالها بعضها ببعض، وآثار من العمارة شاهد من ذلك.
إذاً حل مشكلة الناس، إنشاء منازل، تنظيم هذه المنازل، تأمين الماء والخدمات لهذه المنازل، هذا سلوك حضاري فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/05.jpg
مَرة سأل عمر بن الخطاب والياً له فقال: "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟" قال: أقطع يده قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التسمت في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
أيها الإخوة الكرام، وقد ورد في المغازي للواقدي في مشورة غزوة أحد أن أصحاب رأي القتال في المدينة اعتمدوا على اكتمال البنيان، وتراص المنازل مما يساعد على مشاركة النساء والأولاد في الدفاع عن المدينة، وقتال المشركين، وتستمر المدينة في عمرانها واتساعها مع الهجرة إليها حتى فتح مكة حتى تصبح المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، وقد أسس فيها النبي عليه الصلاة والسلام كياناً سياسياً.
ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة تبعه سراقة ليقتله وليأخذ 200 ناقة جائزة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً، قال له النبي الكريم: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ كلام كالخيال ! إنسان مطارد، ملاحق، 200 ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ مضمون هذا الكلام أنني سأصل سالماً، وأنني سأنشئ دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولتين وقتها، أحارب الفرس والروم، وسوف تأتيني غنائم كسرى، ويا سراقة لك سوار كسرى، هذا هو المؤمن، المؤمن لا يضعف. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران ).
التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع المدينة:
الآن أيها الإخوة، منذ اللحظة الأولى للهجرة النبوية بدأت مهمة التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع جديد:
1 – نشر الأخلاق الحسنة ونفيُ الأخلاق السيئة::
فكان عليه الصلاة والسلام يعزز مكارم الأخلاق، وينفي خبائثها بل ويتمم مكارمها، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنما بعثت معلما ))
( أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو )
(( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ))
( أخرجه ابن سعد البخاري والحاكم والبيهقي، عن أبي هريرة )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/06.jpg
في المجتمع المكي كان في البيت الواحد شاب مسلم، وشاب مشرك، فكان له ظرف خاص، وخصوصية خاصة، أما في المدينة فالمؤمنون مجتمعون في مكان واحد، وتحت لواء واحد، مع نبي واحد، وقرآن واحد، لذلك أول سورة نزلت في المدينة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾
( سورة المطففين ).
دخلنا في التشريع، الآيات المكية فيها إشارات إلى الكون. ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾
( سورة الشمس ).
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
( سورة الفجر ).
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾
( سورة الضحى ).
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة النبأ ).
السور المكية تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر، وعن الكون كأكبر دليل على عظمة الله، ولكن السّور المَدنيّة جاءت للتشريع.
صور من تربية النبي لأصحابه في المدينة:
الحديث الأول:
لذلك أيها الإخوة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))
( متفق عليه )
الحديث الثاني:
عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))
(متفق عليه )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2942/07.jpg
كان الولاء أُسريا وقَبليا، الولاء للأسرة، والولاء للقبيلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام صَعّد هذا الولاء فجعله لله، وجعله لدين الله، ولرسول الله.
(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))
وسيدنا عمر صارحه، فَعَن عَبْد اللَّهِ بْن هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ يَا عُمَرُ ))
(البخاري)
شيء آخر: يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِه ))
وفي بعض الزيادات: ولا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه .
والأخوّة في هذا الحديث ما دامت غير مقيدة تعني الأخوة الإنسانية، تقول هذا أخي في الإيمان، قيدته، أخي في النسب، أخي في الجوار، أخوة مقيدة، إن جاءت مطلقة فتعني الأخوة في الإنسانية، لذلك:
(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِ ))
خطط النبي عليه الصلاة والسلام تعتمد على توثيق الأخوّة والجوار، حتى تصل إلى أعمق الجذور التي تتغلب معها على حب الله ورسوله والمؤمنين، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء يهودي اقترب من المئة اسمه شاس ، ودفع غلاماً يهودياً، وأنشد قصيدة، كان الأوس ينشدونها في حربهم مع الخزرج، في يوم بُعاث، أنشد لهم القصيدة فتأثروا، واضطربوا، وهاجوا، وتكلموا، وتلاسنوا، فتماسكوا، وسحبوا السيوف، بلغ ذلك النبي فخرج عليهم وقال: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟! لذلك نزلت آية كريمة يقول الله فيها: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 101 ).
فالله عز وجل عد الاختلاف بين المؤمنين كفراً.
الحديث الثالث:
لذلك قال:
(( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض ))
( رواه البخاري ومسلم، عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه )
كما تسمعون كل يوم في فلسطين، وفي العراق، وفي معظم بلاد المسلمين ، يخطط أعداءنا إثارة الفتن الطائفية.
الحديث الرابع:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))
( متفق علي)
الحديث الخامس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))
(متفق عليه).
الحديث السادس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ))
(رواه مسلم )
الحديث السابع:
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتعاون بين الجيران، ونظم بينهم حقوق الارتفاق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ))
قَالَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ:
(( مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ))
( متفق علي)
الحديث الثامن:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ))
الحديث التاسع:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَمَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَدْعَمَ عَلَى حَائِطِهِ فَلْيَفْعَلْ ))
( أحمد )
الحديث العاشر:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ ))
( أحمد )
خاتمة:
لقد أقطع النبي عليه الصلاة والسلام الأراضي، وابتعد عن الأراضي المروية، أقطع الأراضي الجافة لبناء المساكن، ونسق بين أصحابه، وأعطى هذه التوجيهات ليكون الإعمار إعمارين، إعمار البناء، وإعمار القلوب، وليكون الولاء لا إلى الأسرة، ولا إلى القبيلة بل إلى الله ورسوله والمؤمنين، وليكون هذا المجتمع مجتمعاً نموذجياً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثانى و الخمسون )
الموضوع : القاعدة الاقتصادية فى عهد النبى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
تذكير بما سبقا ربطا باللاحق:
رتبة العلم أعلى الرتب:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهو يؤسس القاعدة الاقتصادية، وقبلها التعليمية وقبلها الإدارية، وقبلها الدينية.
على كلٍ، في اللقاء السابق تحدثنا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم رسخ مفهومات التعلم، مفهومات العلم، قيمة العلم في حياة الإنسان، وهو الذي يقول دائماً:
(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة )
(( إذا كان يوم القيامة يوزن دم الشهداء بمداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء ))
( رواه ابن النجار عن ابن عباس)
أثمن شيء يملكه الإنسان حياته، فهذا الدم الذي يرهق في سبيل الله لا يقل عنه المداد الذي يستخدمه العلماء لنشر العلم، وقال عليه الصلاة والسلام:
((... وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْحِيَتَانِ في جَوفِ الْمَاءِ ))
(رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ عن أبي الدرداء )
لذلك رتبة العلم أعلى الرتب، وقيمة العلم أعلى القيم. ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء ).
وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل.
وبينت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع من مكانة العلماء فقال:
(( العلماء أمناء الله على خلقه ))
(أخرجه القضاعي وابن عساكر عن أنس )
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ، وَلَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ ))
(أخرجه ابن ماجة عن أبي أمامة )
والناس ثلاثة: عالم ومتعلم، ولا خير فيمن سواهما، << يا بني، الناس ثلاثة ، عالم رباني، هذا كلام سيدنا علي: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم >>، والله عز وجل يقول: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾
( سورة آل عمران ).
تأسيس النبي للقاعدة الاقتصادية في المدينة:
أيها الإخوة، ننتقل الآن إلى تأسيس القاعدة الاقتصادية.
1 – الإسلام مجتمعُ الحياة:
بالمناسبة، الإسلام هو الحياة، وأي مجتمع إسلامي لا يهتم بالعلم، ولا يهتم بالاقتصاد مجتمع ضعيف مغلوب على أمره، وما تفوق النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته إلا لأنه رأى الإنسان كائناً فيه عقل يدرك، جعل العلم غذاء للعقل، وفيه قلب يحب، جعل محبة الله والعمل للجنة غذاء للقلب، ثم رأى في الإنسان جسماً يحتاج إلى طعام وشراب، فأرسى مبادئ الاقتصاد، فالإسلام هو الحياة.
وكما أن الأمة تبجل وتعظم، من يلوذ في سبيل الله، لكنها في أمسّ الحاجة إلى إنسان يعيش في سبيل الله.
2 – المشكلة الاقتصادية في توزيع الثروات:
لذلك المشكلة أن الاقتصاد لم يكن نتاجاً ناقصاً ضعيفاً، بقدر ما كان علاقات سيئة، هذا كلام دقيق، المشكلة الاقتصادية ليست بحجم الموالي، ليست في حجم الثروات، المشكلة في طريقة توزيع هذه الثروات، الآن الأرض 10% من سكان الأرض يملكون 90% من ثرواتها، والـ90% لا يملكون 10%، فالمشكلة هنا في المواد ؟ أم في طريقة التوزيع ؟ ماذا أراد الله من هذا المال أن يكون ؟ أراده متداولاً بين كل الناس، قال تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً ﴾
أي متداولاً: ﴿ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 ).
إذا تداول الأغنياءُ المالَ فهناك مشكلة كبيرة، وفي المجتمعات المتخلفة الأغنياء يقدرون على كل شيء، ولا شيء يهزهم، بينما الخط العريض في المجتمع يتأثر بارتفاع الأسعار تأثراً كبيراً، لأن ارتفاع الأسعار يضعف قوة دخله الشرائية.
3 – مقياسُ نجاح المجتمع اقتصاديا عدمُ اتِّساع الهوة بين الفقراء والأغنياء:
فلذلك البطولة لا أن يتبادل الأغنياء فيما بينهم السلع، هذه حالة مرَضية، البطولة أن يوزَّع هذا المال، وأن توزَّع هذه المنافع والثروات بين أكبر شريحة في المجتمع، ومقياس تقدم المجتمع أن الهوة ليست واسعة بين الأغنياء والفقراء، ولا بين الأقوياء والضعفاء، وكلما اتسعت هذه الهوة كان التخلف أشد، وكلما ضاقت هذه الهوة كانت التحضر أشد.
لذلك القرآن أثبت هذه القاعدة فقال: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ ﴾، أي المال، ﴿ دُولَةً ﴾، أي متداولاً، ﴿ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾.
إذاً: هناك مشكلة يعاني منها المجتمع الجاهلي، ألا وهي: أن المواد الاقتصادية الثروات، السلع، المواد الغذائية، بصرف النظر عن كميتها، وعن حجمها، المشكلة فيها أن تداولها ليس صحيحاً بل مرضياً.
لذلك اهتم النبي عليه الصلاة والسلام اهتماماً لا حدود له بتشكيل قاعدة اقتصادية، وتنظيم نظام اقتصادي متوازن سوي.
لمحة عن حال أهل المدينة الاقتصادي:
لماحات عن حالة أهل المدينة قبل مجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام:
1 – حال الناس من حيث النشاط الاقتصادي:
كان اليهود يسطرون على موارد التجارة، ويتعاملون بالربا، ويتحكمون بالأسعار، وكان عامة الناس ما بين مزارع، وراعٍ للشياه والإبل، وصيّاد، وصانع ، وجامع للحطب، هكذا كان وضع الاقتصاد قبل مجيء رسول الله.
2 – اليهود كانوا يتحكّمون في الاقتصاد:
هؤلاء الذين يتعاملون في الاقتصاد لا تحكمهم قيم أخلاقية، ولا شريعة دينية، إنما يسود بينهم الاستغلال، والسيطرة، والغش، والفساد، والظلم، ومع توارث الأساليب القديمة التي وجودوها في مجتمعهم.
3– حاجةُ المدينة إلى الموارد الاقتصادية المادية والبشرية:
وكانت المهمة النبوية شاقة جداً لأن اقتصاد المدينة بحاجة إلى أمرين معاً، الأول النهوض بالموارد، معنى موارد ؛ البترول مورد، الضرائب مورد، رسوم العبور مورد أرباح الصناعة مورد، أرباح التجارة مورد، أرباح الخدمات مورد، وعندنا شيء اسمه الموارد الاقتصادية، ويقع على رأس هذا المورد الإنسان، الإنسان أكبر مورد اقتصادي.
عندك محل، ورأس مال، وملايين مملينة، لكن ليس هناك خبير، المال تخسره، أما الخبير فيشتري البضائع، ويبيعها، ويربح.
إذاً: في عالم الاقتصاد يعدُّ الإنسان أكبر مورد بشري، لذلك الكثافة السكانية ليست ورقةً خاسرة في الاقتصاد، بل هي ورقة رابحة، والآن أشد البلاد غنىً أكثرها كثافة، اليابان مثلاً مورد من ثروات الأرض، لا بترول، ولا معادن، وفيها أكبر كثافة سكانية، وهي الآن من أغنى دول العالم، والدخل للمواطن فلكي، الصين مليار ونصف، تكاد الآن تلتهم اقتصاد العالم، وفيها كثافة سكانية عالية جداً، تايوان، الهند، لذلك أكبر مورد اقتصادي هو الإنسان.
بالمناسبة، الهند حققت أرباحًا قبل عامين بـ 83 مليار دولار من البرمجيات، كمبيوتر، تصميم برامج، وبيعها للعالم الغربي.
تحذيرٌ من فقر الكسل:
لذلك أقول لكم بدقة بالغة: هناك فقر الكسل، وهذه الطامة الكبرى، فقر كسل عدم إتقان للعمل، عدم المثابرة على العمل، عدم تطوير العمل، عدم إنجاز العمل، تسويف إرجاء، تأخير، عدم إتقان، هذا فقر الكسل، وفي الاقتصاد معايير دولية، يقسمون الدخل القومي على عدد السكان، على أيام السنة، الناتج كم يعمل الإنسان في هذا البلد، في بلاد متقدمة الإنسان يعمل في اليوم 8 ساعات، في بلاد أخرى 6 ساعات، وفي البلاد المتخلفة الإنسان يعمل 27 دقيقة، وفي بلد آخر يعمل 17 دقيقة، وفي بلد آخر يعمل 29 ثانية.
اسمعوا هذا الكلام الدقيق: أمة يعمل أفرادها 17 دقيقة في اليوم لا يمكن أن تنتصر على أمة يعمل أفرادها 8 ساعات.
لذلك الإنسان أكبر مورد اقتصادي، النبي الكريم أمام مشكلتين، البطولة في حل المشكلات، أمام مشروع تنمية الموارد الاقتصادية، وأمام مشروع آخر حسن توزيع الناتج على الإنسان، حسن توزيع ورفع الناتج.
شيء مألوف جداً أن الاقتصاد وقتها كان يشمل الزراعة، والصناعة، والتجارة والصيد، والثروة الحيوانية، والنباتية، والماء، والري، والثروات الباطنية، وطرق النقل ، ووسائل النقل، والرسوم الجمركية، والنقد، وضوابط هذا كله، وعائدات العاملين فيه ، ونصيب الإدارة والدولة، هذا الوضع في المدينة قبل أن يأتي النبي، موارد ضعيفة، سوء توزيع للدولة.
هناك طرفة: كان بعض الفلاسفة البريطانيين صاحب دعابة، فكان له لحية كثيفة جداً، أما رأسه ما فلا شعرة فيه، فلما سئل قال: وفرة في الإنتاج، وسوء في التوزيع.
أحياناً يكون النقص في الإنتاج، وفوق هذا النقص سوء في التوزيع، لذلك واجه النبي هذه المشكلة، نقص في الإنتاج، وسوء في التوزيع، اليهود مسيطرون، الأسعار بيدهم، الربا بيدهم، الموارد بيديهم.
الضوابط التي أقرها النبي لمعالجة الاقتصاد:
الآن ما هي الضوابط التي أقرها النبي عليه الصلاة والسلام معالجة الاقتصاد ؟ وأقول لكم هذه الكلمة: أية أمة ما لم تعالج مشكلاتها الاقتصادية هي أمة سوف تدمر، لأن الإمام علياً كرم الله وجهه أدرك قبل 1400 عام أن الفقر علة العلل، فقال: << كاد الفقر أن يكون كفراً >>.
في خطبة العيد اقتبست من هذه الكلمة كلمات، فقلت: وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وكاد الفقر أن يكون اختلاساً، وكاد الفقر أن يكون تخريباً، تجد أي حركة من الجياع ينهبون، ويحرقون، ويدمرون، لأنه ليس عندهم شيء يخسرونه، وهم ناقمون.
لذلك البطولة في تنمية الموارد، وحسن توزيعها وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
1 – الاقتصاد عبادةٌ تعاملية:
أولاً: من القواعد الاقتصادية التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام أن الاقتصاد دين، وألصق شيء بك العبادة التعاملية، ألا تكذب، ألا تغش، ألا تدلس، ألا ترفع السعر، ألا تستغل، ألا ترابي، ألا تحتكر، ألا تزين السلعة بما ليس فيها، أكثر من مئة معصية بالبيع والشراء.
فالبطولة أن النبي عليه الصلاة والسلام قرر أن الاقتصاد دين، أي أن العمل الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الدين.
أنت تبيع الزيت، فتحت المحل صباحاً، فإذا في علبة الزيت فأرة، ولا أحد يستطيع أن يكشف الغلطة، ماذا يعني أن الاقتصاد دين ؟ أن هذه العلبة ينبغي أن تبيعها لمعمل الصابون، وألا تبيعها للمسلمين، فإذا بعتها للمسلمين خنت الأمانة، وألغيت عباداتك، إن هذا العلم دين، وإن الاقتصاد دين.
أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، قد تشتري بضاعة من بلد متخلف صناعياً، تضع عليها إشارة إلى أنها مصنعة في أرقى بلد صناعي، تأخذ السعر مضاعفًا، وأنت بهذا كاذب.
(( كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب ))
( رواه البخاري، وأبو داود عن سفيان بن أسيد )
إذاً: العمل الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الدين.
(( من غش فليس منا ))
( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة)
والأمثلة لا تعد وتحصى.
(( يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
(رواه الطبراني عن ابن عباس)
أن يكون طعاماً طيباً ؟ لا، كل طعاماً اشتريته بمال حلال، أي كسبته بتجارة ليس فيها غش، ولا كذب، ولا احتيال، ولا احتكار، ولا تدليس، ولا إيهام، إذاً: العمل المشروع دخله مشروع، إن اشتريت به طعاماً فالطعام طيب.
(( إنّ الله طَيّبٌ، ولاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيّباً ))
( رواه فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ)
وهذا الحديث بالاقتصاد يعد من جوامع الأحاديث:
(( يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
أنت موظف، والمواطنون في أشد الحاجة إليك، وعلى الكوة مئات المواطنين، فتجلس، وتدير حديث مع صديقك، والناس فوق بعضهم بعضاً، ولا يعنيك من أمرهم شيئاً، أنت بهذا خنت الأمانة.
(( يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
لأن هذا الراتب الذي تأخذه على هذا الدوام المتقطع جزء منه حرام، فإذا اشتريت منه طعاماً فالطعام غير طيب، لأن فيه جزاءاً حراماً، لو عرف الناس هذا الحديث لكنا في حال غير هذا الحال.
الاقتصاد دين، وأي عمل اقتصادي يعد جزاءاً من الدين.
مثلاً: عندك مدجنة، وجدت عشر فراخ ميتة، أنت تسلم مذبوحًا، تقدر بكل بساطة، تذبح الميت، وتضعه مع المجموع يمرق، يأتي فروج مشوي، يأكل المسلم لحمًا ميتًا، أنت خرجت من دينك، أنت خنت الأمانة، أصبح ربحك حراماً، وطعامك خبيثاً، ودعاءك غير مستجاب.
طلبُ الفقه واجبٌ:
الآن الضوابط الحلال والحرام وفق التشريع الإلهي يحدد ذلك، لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، أن تعرف الحلال والحرام جزء لا يتجزأ من دينك.
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، طلب الفقه فريضة بعد الفريضة، لا بد من أن تسأل ما حكم هذا البيع.
ببساطة يقول لك أخ: أنا مضطر لشراء بيت، معي نصف ثمنه، فهل تساعدي بالنصف الآخر على أن أجعل البيت ذا أجرة لك ؟
بيت مثلاً أجرته عشرة آلاف بالشهر، نصفه لك، أنا أعطيك خمسة آلاف، لكن صاحب هذا المبلغ لما أراد أن يسترد مبلغه يأخذه بالتمام والكمال، مادام لم يقيّم البيت تقييمًا جديدًا، وأخذ الذي دفع المبلغ بالتمام والكمال، فهذه الأجرة ليست أجرة، ولكنها فائدة.
من دخل السوق من دون فقه أكل الحرام شاء أم أبى، أما إذا قيم البيت تقييمًا جديدًا، وسعره ارتفع أو انخفض، ونال نصف ثمنه على التقييم بالأجرة فهذا حلال.
2 ـ المساواة بين أفراد المجتمع:
المساواة بين أفراد المجتمع هذه قاعدة اقتصادية، المساواة بين أفراد المجتمع.
والاستثمار فريضة ألزم الله فيها عباده، لماذا فرض الله الزكاة على المسلم ؟ قد تجيبني بألف جواب، لكن هناك جواب قد لا يخطر في بالك، هو أرقى جواب، أن هذا المال إن لم تستثمره تأكله الزكاة، فإن الشرع أراد أن تستثمره لئلا تأكله الزكاة.
لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ))
(أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس )
3 ـ المنافع متبادلة:
إذاً، معك مبلغ من المال، اعمل مشروعًا، ائتِ بإنسان معه خبرة بلا مال، أنت معك مال بلا خبرة، وتعاونا على المشروع، والربح بينكما، هذه المضاربة، وكان عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، أخذ مال خديجة، واتجر به، وكان الربح بينهما.
تحقيق العدالة في التجارة ينطلق من مبدأ، أن تكون المنافع متبادلة، أنت عندك دكان بأحد أحياء دمشق، نزلت فجراً إلى سوق الخضار، جئت بخضار وفواكه وحاجات، جارك استيقظ السابعة والنصف، جاء إليك، وأخذ حاجاته، بسعر أعلى من ثمن شرائك، نظير ذهابه باكراً، ودفع المال، وحمل البضاعة، وأتى بها، أنت وجدتها إلى جانب بيتك، هو انتفع ربح، وأنت انتفعت، ووفرت وقتك وجهدك، هذه منفعة متبادلة.
لذلك الذي يضبط الحلال أن المنافع فيه متبادلة، والذي يضبط الحرام أن منتفعة بنيت على مضرة، أوضح شيء السرقة، السارق انتفع بالمال، أما الذي أُخذ المال منه أصابه ضرر كبير، انتفع واحد، وتضرر الثاني، إذاً: الدخل حرام.
من ملامح الاقتصاد تحقيق العدالة، وتوزيع الثروة، وتحقيق التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع الواحد.
4 ـ حقُّ المنافسة:
شيء آخر يتصل بالاقتصاد الحر: حق المنافسة بين الناس في الكسب، وفي الملكية، أنا أقد سلعة مستواها عالٍ جداً أرفع سعرها، والإنسان مخير في سلع رخيصة وسلع غالية، الرخيصة غير متقنة، والغالية متقنة، أنا أنوع بالأساليب، البضاعة تصل إلى البيت، خدمات في الليل، عبر الهاتف، في خدمات أؤديها، أتنافس، والتنافس مشروع ، ومن حق المستهلكين التنافس.
إذاً: من مبادئ الاقتصاد التي أرساها النبي عليه الصلاة والسلام حق المنافسة بين الناس في الكسب والملكية، ولكن ضمن شروط الحلال والحرام، وضمن قواعد الأهداف العامة للمجتمع.
أيها الإخوة، وأقول لكم هذه الكلمة: ما لم تكن متفوقاً في دنياك لا يحترم دينك، وأعوذ بالله من فقر الكسل، هناك فقر القدر صاحبه معذور، وفقر الإنفاق صاحبه مشكور، سيدنا الصديق افتقر فقر إنفاق، قال له: يا أبا بكر، ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: الله ورسوله ، هذا فقر إنفاق، هناك فقر قدر، لعاهة تمنعه أن يكسب المال، لكن وصمة العار هي فقر الكسل، وعدم الإتقان، وعدم الدوام، والإرجاء، والتأجيل، وعدم الاهتمام، كل هذا يؤدي إلى انصراف الناس عن هذا المحل.
أحيانا ترى محلا في طريق السفر، الغلة اليومية خمسة ملايين، وإلى جانبه مطعم لا ولا زبون فيه، هنا إتقان. ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين ).
إن شاء الله في درس قادم نتابع هذه الموضوعات المهمة، وأن ألقي القواعد الاقتصادية من خلال هذا الدرس تحقيقاً لمنفعة العامة.
أنت حر بقدر ما أنت قوي، وأنت قوي إذاً أنت حر، فهناك علاقة بين الحرية، وبين القوة المالية.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الثالث و الخمسون )
الموضوع : الاسس التى رسخها النبى فى الاقتصاد الاسلامى
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في المدينة المنورة، ولا يزال النبي عليه الصلاة والسلام يرسخ الأسس، أسس العلاقات الاجتماعية، أسس التعليم.
وقد بدأنا في اللقاء السابق بالأساس الاقتصادي، وكان الشرح حول تنمية الموارد ووضع العلاقات. الأسس التي بنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام الاقتصاد الإسلامي:
أما إذا أردنا أن نقف وقفة متأنية عند الأسس التي رسخها النبي عليه الصلاة والسلام للاقتصاد الإسلامي فهناك نقاط لا بد من الحديث عنها.
الأساس الأول: الاقتصاد من الدين:
أول نقطة: الاقتصاد من الدين، وتنظيم العلاقة بين المسلمين الاقتصادية من الدين، والتعليم من الدين، وإصلاح الشؤون الحياتية من الدين، وتأمين حاجات الإنسان من الدين.
أنا لا أصدق أن الدين فُهم فهماً كهنوتياً، ولم يفهم فهماً حياتياً، هذا سيد الخلق وحبيب الحق، هذا الإنسان الأول فهم الدين عملاً وتعاوناً، أن يرى شاباً يتعبد ربه وقت العمل، فيسأله النبي عليه الصلاة والسلام: من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، أمسك بيد أحد أصحابه، وكانت خشنة من العمل، رفعها وقال لأصحابه: هذه اليد يحبها الله ورسوله.
رأى النبي وكان مع أصحابه شاباً ينطلق من بيته إلى عمله فقال بعض أصحابه: لو كان هذا في سبيل الله، فقال:
(( من سعى على أهله فهو في سبيل الله، من سعى على أولاده فهو في سبيل الله ))
( ورد في الأثر )
النبي الكريم أعطى الدين مفهوما واسعا جداً، وأنت في دكانك تبيع المسلمين بالصدق والأمانة، تعطيهم سلعة جيدة، بسعر معتدل، أنت في عبادة.
وأنت في عيادتك تعالج المرضى بإخلاص وإتقان، واعتدال في الأجر، فأنت في عبادة.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2944/01.jpg
وأنت في حقلك تسهم في تخفيف المتاعب عن الأمة، تقدم لهم الإنتاج الزراعي بشكل جيد، دون أن يؤذيهم بمواد ممنوع استيرادها، فأنت في عبادة.
حينما تفهم الإسلام هو الحياة ترى أن الاقتصاد جزء من الدين، وحينما انفصلت الحياة عند المسلمين عن الدين فصار الدين عبادات فقط، والحياة لها مجال آخر، والمسلمون ابتعدوا عن هذا الفهم الصحيح فضعفوا، ولما ضعفوا تسلط عليهم الأعداء.
وكنت أقول دائماً: لا يمكن أن يحترم دينك إلا إذا تفوقت في دنياك، مسلم لا عمل له، متواكل، يمد يده، يتضعضع أمام غني، أهذا هو المسلم ؟! النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ))
( البخاري عن حكيم بن حزام )
يجب أن أؤكد لكم الحقيقة: الاقتصاد من الدين، أن تفتح محلاً تجارياً، تكسب المال الحلال، تدفع زكاة مالك، تعين الفقراء والمساكين، تربي أولادك، تقدم لهم حاجتهم ، لأنه كما قال بعض أصحاب رسول الله: << حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي >>.
فالعمل جزء من الدين، ويمكن أن يكون عملك كذلك فقط إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وخدمت المسلمين، ولم تكذب عليهم، ولم تغشهم، ولم تسوف، ولم تماطل، وأتقنت عملك، يمكن أن يكون عملك سبباً كافياً لدخول الجنة.
وكلما تقدم المسلمون، وقوي المسلمون، واكتفى المسلمون قوي الإسلام، أما كان المسلمون ضعفاء، يستوردون كل شيء، ولا يصنعون شيئاً، ولا يصدرون شيئاً، وهم تحت رحمة الدول القوية والغنية، أكلهم يستورد، وثيابهم تستورد، وأدواتهم تستورد، ولا يبيعونهم السلاح، هم إذاً تحت حكم أعداءهم، أليس كذلك ؟.
لذلك سيدنا عمر مر ببلدة فوجئ معظم الفعاليات الاقتصادية فيها من غير المسلمين، عنفهم، بل وبّخهم، فقالوا كما يقول الأغنياء الكسالى: إن الله سخرهم لنا، والله قال قولة لا أرتوي من تكرارها، قال لهم: << كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ >>، لأن القوي هو المنتج، والمستهلك ضعيف.
أنت تشتري سيارة، يتعطل فيها شيء، يقول لك: ثمنه ألف ليرة، حاضر ، خمسة آلاف، حاضر، عشرة آلاف، حاضر، أربعون ألفا، حاضر، 150 ألف، حاضر، هذا اسمه عقد إذعان، باعوا لنا طائرة تعمير المحرك خمسة ملايين دولار، أربع محركات بعشرين مليونا، مليار ليرة، كم طنا من القمح هذه ؟ أو من القطن، كم إرسالية ملابس تصدير، لما ملكوا العلم ملكونا، لا تستطيع، أنا أتكلم من واقع، المسلم يعيش سبهللا، كله شغل سيدك، ماذا نريد، هذه هي الدنيا كلها ؟ نحن أملنا بالآخرة، لا الدنيا ولا الآخرة لك، يجب أن تعمل، أن تكون قويا، أول طبيب، أول مدرس، أول محام، أو مهندس، أول تاجر، أول صانع، تجد إخواننا صناعيين، عنده ألف عامل، فتح ألف بيت، لا تكن خمولا، ما هذا الموقف الانهزامي ؟! اعمل، خذ شهادة عليا، خذ الدكتوراه، افتح محلا، أتقن عملك، طور صناعتك، إن لم نفعل هذا فمصيرنا ليس بأيدينا، هذه كلمة دقيقة جداً، يجب أن تكون من النخبة، طالب ؟ الأول، طبيب ؟ الأول، ولا أكتمكم مهما ضاقت الأمور، مهما كسدت الأسواق، مهما انتشت البطالة، المتقن دخله كبير بأي وقت، وبأي مكان، وبأي زمان، المتقن، المتقن لا يتوقف عن العمل، يكون مئة إنسان يحترف حرفة، أحيانا يحدث كساد، تسعون بالمئة لا عمل لهم، أما العشرة المتقنون فمحجوزون لستة أشهر قادمة.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2944/02.jpg
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
( رواه البيهقي عن عائشة )
أنا والله أحترم جميع المسلمين، وأكبرهم والله، أما حينما أرى إنسانا متفوقا يقدم لمن حوله الخيرات فهو ناجح بعمله.
حدثني أخ عامل بشركة برمجية، قال رقما أنا صعب أصدقه من أرباحه بالسنة، ويعيّن مئة عامل تقريباً، كل واحد دخله كبير، يحل مشاكل مئة إنسان، مئة شاب مؤمن، هذا المسلم.
الغرب ملكوا الدنيا وملكونا معهم ، ملكوا الدنيا، وتحكموا برقابنا، ملكوا الدنيا، وفرضوا علينا ثقافتهم، ملكوا الدنيا، وفرضوا علينا صحونهم، ملكوا الدنيا، وأفسدوا أخلاق أهلنا وأولادنا، ملكوا الدنيا، وسخرونا لمصالحهم من التقصير، أنا تأثرت لهذه الكلمة، الاقتصاد من الدين.
أيها الإخوة، مرة ثانية: لن يحترم دينك إن لم تتفوق في دنياك، في بلد إسلامي الاتجاه المناقض للإسلام قوي، فلما أراد أن يقمع الاتجاه الإسلامي فوجئ أن 60 % من الاقتصاد بأيدي المسلمين، فتهيبوا، وقفوا، لا تكن ضعيفاً، كن قوياً، ضمن القوانين والأنظمة، أما إهمال، عدم تطوير عمل، إرجاء، تسويف، عدم إتقان، عدم إحكام الخطة فلا، لأن العمل جزء لا يتجزأ من الدين.
الأساس الثاني: الحلال والحرام وفق التشريع الإسلامي:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2944/03.jpg
اعمل بالحلال، الحرام اركله بقدمك، الحرام قل له: الله الغني، الحرام لو كان بالملايين، اركله بقدمك، وخمسة آلاف ليرة بالشهر من حلال يبارك الله لك بها.
(( طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ))
( رواه الطبراني عن ابن مسعود )
بالدراسة الأول، محلك التجاري نظيف مرتب، المواد درجة أولى، سعر معتدل واصل للبيت، دوام محدد، تجد تألقت.
صدقوا أيها الإخوة بعضكم شباب، بأي وضع، بأي ظرف، إن أتقنت العمل تفوقت، وربحت.
أحياناً نجد شركة أتقنت جداً أول فرع، ثاني فرع، ثالث فرع، رابع فرع خامس فرع، بالشام، لماذا ؟ فيها إتقان، دائماً وأبداً المتقن دخله كبير جداً.
اجعلْ همَّك خدمةَ المسلمين:
لي طلاب أطباء، قلت لهم مرة، طبعاً الطبيب وغير الطبيب، لكن الطبيب بالذات: ضع المال تحت قدمك تربحه، اجعله هدفك تخسره، همتك أن تشفي هذا الإنسان، ولا تعبأ بالمال، يتألق نجمك، ويتهافت الناس عليك، فتغدو غنياً، أما إذا ابتززت أموالهم، ولم تنصحهم في معالجتهم، واكتشفوا كذلك انصرفوا عنك.
في شيء دقيق: اجعل همك خدمة المسلمين، اجعل همك أن تقدم شيئاً ثميناً اجعل همك أن تكون قوياً.
دققوا في كلام النبي، نحن أحياناً ننسى أن هذا الكلام كلام مقدس لكن لا نطبقه لمَ يقول عليه الصلاة والسلام:
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
(رواه مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه )
قوي بالمال، قوي بالعلم، متفوق، قوي احتل مركز قوي، بتوقيع يحل مشكلة.
فلذلك الانسحاب من الحياة، والتقوقع، وقولك: الشهادة لا يخرج منها شيء، وهي يخرج منها كل شيء، فلان دكتور، فلان متخصص، أما لا شهادة، ولا علم، ولا عمل حر، عالة على الناس، ومن محل لمحل، وقلبه من الله، ويحب الله كثير، وبالذكر يذوب، ويبكي، وجوعان، لا، اعمل، ادرس، خذ شهادة، أتقن عملا، اكسب مالا، تزوج، أنجب أولادا، احضر مجلس علم، طبق، إن نجحت في حياتك يُنتظر أن تنجح في دينك أيضاً.
لذلك الحلال والحرام من شأن الله وحده، لذلك الحرام مهما يكن بحجم كبير فاركله بقدمك، والحلال تشبث به.
سيدنا الصديق يوم تولى الخلافة، حمل القماش على كتفه ليكسب رزق يومه من البيع والشراء، حتى منعه الصحابة الكرام من ذلك، وأعطوه حاجته.
والله مرة أحد إخواننا طالب طب في الصف الثالث، يقول: لي إن أخاه ينفق عليه، أخوه يعمل في صنع الثريات، يعمل، وينفق على أمه وأخيه الصغير، وعلى أخيه الطبيب في الجامعة، أقسم لكم بالله شعرت أن هذا الذي يعمل في الثريات، ولا يضع جانب اسمه د. دكتور، عامل ثريات، لكنه ينفق على أمه وأخيه الصغير، ويغطي نفقات أخيه الطبيب بالجامعة، قلت له: أخوك قلامة ظفره تساوي مئة واحد.
قال له: من يطعمك ؟ قال له: أخي، قال له: أخوك اعبد منك.
من ألمي أن أري المسلمين فقراء جداً، وبعيدين عن مراكز القوة، ويُخطط لهم، ويُستغلون، ووضعهم بائس.
لذلك:
((من جلس إلى غني وتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
(ورد بالأثر )
يعني تمسكن،
(( ذهب ثلثا دينه ))
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري بالمقادير ))
( أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن بسر )
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، المؤمن عزيز، والعمل شرف للإنسان.
أحياناً أرى أخا يعمل في السيارات، تزوره في أثناء العمل تجده لابسًا ثيابًا متبذلة، لا تعرف لونها، كانت زرقاء بزمانها، من الشحم والزيت والوحل ما لها لون أساساً، وعمله بالميكانيك والزيت، يأتي إلى بيته مساء فيغتسل، ويلبس ثيابا أخرى، انتهى، العمل وسام شرف.
هذه كلمة دقيقة: لا تفهم الدين فهما كهنوتيا، افهمه فهما واقعيا، فهما حياتيا، الدين هو الحياة، لذلك أنا أتمنى يكون المهندس داعية، والطبيب داعية، والمعلوماتي داعية، أتمنى يكون لك حرفة متقنة تتفوق بها، وتكون داعية، أما أن تتفرغ للدعوة، ولا معك قرش، لا تتقن صنعة، ولا عملا، ولا أحد يعطيك، تريد أن تحترم الغني زيادة، فتبذل ماء وجهك أمامه، كلما رأيت قويا تنبطح أمامه، لا، اعمل، ارفع رأسك، متى هونت علينا ديننا ؟.
الأساس الثالث: الاستثمار:
الاستثمار فريضة ألزم الله فيها عباده لتحقيق حاجاتهم، وهو الذي سخر لعباده ما في البر والبحر، ما الحكمة أنه إذا معك مليون ليرة وزكاتها 25 ألفا ؟ أربع سنوات مئة ألف، عشرة أضعاف، في أربعين سنة انتهى، إذا كنزت مليون ليرة تنتهي في أربعين سنة تأكلها الزكاة، الحكمة من فريضة الزكاة على المال المخزن أنك إذا خزنته فقدته، يجب أن تستثمره.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2944/04.jpg
مثلاً: سكن رجل في بيت، بيت والده، والده اشترى بيتا من قديم الزمان بمبلغ صغير، بأحياء دمشق الراقية، الآن ثمنه 30 مليونا، يبقى فيه، 30 مليون تحل مئة مشكلة، خذ بيتا بخمسة ملايين، واعمل شركة، ووظف ناسا، واربح، واشترِ بيت ثانيا، تجد التصرف عجيبا، سكونيا، على القديم، غيّر، طوّر، إلى أن تشعر أنك قدمت شيئًا.
أريد منكم هذا السؤال، من حين لآخر اسأل نفسك هذا السؤال، ماذا قدمت لهذه الأمة ؟ هل حملت همّ هذه الأمة ؟ هل أسهمت في تخفيف آلام هذه الأمة ؟ أحياناً تنشئ مزرعة تفاح، ينزل التفاح إلى السوق بسعر مقبول، أمّنت فاكهة جيدة، بسعر أقل، نوعية جيدة، ما مِن إنسان يعمل إلا ويقدم للمجتمع خير، أما الذي لا يعمل فهو عبئ على الآخرين.
أنا كنت أقول دائما: حولي أناس، إما أنني أحملهم، أو هم يحملون الدعوة، والفرق كبير جداً بين من يحمل معك، وبين من ينبغي أن تحمله، فكن عبد الله المعطي، ولا تكن عبد الله الآخذ.
الأساس الرابع: الصدق وعدم الغشِّ والاحتيالِ والابتزازِ:
ليس في النظام الاقتصادي الإسلامي كذب وغش واحتيال.
(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ))
( ورد في الأثر )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2944/05.jpg
لما تكسب مالك الحلال من طريق مشروع يمكن أن يكون النفع لكل الناس، لا احتكار، ولا غش، ولا تدلس، ولا إيهام، ولا غبن، إذا ألغيت معاصي البيع والشراء تهبط الأسعار، الأسعار يحددها قانون العرض والطلب، لمجرد أن تلغى المعاصي يكون السعر الطبيعي المقبول، وهذا شأن اقتصاد السوق أحياناً، البضاعة موجودة بحسب الطلب عليها، ما دامت موجودة فسعرها معتدل، أما حينما تُحتكر تُسحب من الأسواق يشتد الطلب عليها فيتضاعف السعر، هذا مال حرام، واحتكار، والمحتكر خاطئ.
فنحن اقتصادنا فيه ممنوعات، لو ابتعدنا عن هذه الممنوعات يكون العرض والطلب وحده كافياً لاستقرار الأسعار ولاعتدالها، ولهبوطها.
المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة:
وأتمنى أن أوضح لكم: أن المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة وأن المكاسب المحللة الأصل فيها منفعة متبادلة، إنسان في معه مال، لكن لا يحسن استثماره، موظف، أو متقاعد، أو شاب ناشئ ورث عن أهله مالاً، وهناك إنسان معه خبرة ولا مال معه، عنده خبرة عالية جداً، لكن بغير مال، لو تعاون صاحب المال مع صاحب الخبرة على ربح بينهما، واحد قدم لك خمسة ملايين، وأنت أسّستَ محلا تجاريا، أنت مهندس زراعي، بعت مواد زراعية، أنت خبير، معك شهادة، لذلك المضاربة، والمتاجرة، والاستثمار من أحلّ الدخول، لأنه في الأصل منفعة متبادلة، أما الكسب الحرام فمنفعة بنيت على مضرة، أنت احتكرت مادة ضاعفت سعرها أربعة أضعاف، ولا إنسان يحاسبك، الآن في بعض الأدوية الزراعية دواء منتشر بالبلد، وكيله واحد، لا يمكن أن يعطي الوكالة لأحد، يتفق مع الشركة، يقول لك اللتر بـ500 ليرة، 700 ـ 700، 1000 ـ 1000، نقدي محتكر.
لذلك العالم الغربي لا يسمح لاختراع أن يُحتكر من جهة واحدة، الاختراع يجب أن يُباع إلى شركتين، حتى يتنافسوا، والتنافس لصالح من ؟ لصالح المستهلك.
لذلك مجتمع التنافس رائع جداً، مجتمع الاحتكار قاسٍ جداً، نحن بعقلية مهترئة سقيمة نحب اقتصاد الاحتكار، يقول لك: هذه محصورة فيّ، هذه الشركة لي، لا، الاحتكار قد يسبب أرباح فلكية لفئة قليلة على حساب الكثرة الكثيرة.
لذلك الإسلام حقق العدالة في توزيع الثروة، وتحقيق التعامل والتكافل بين أفراد المتجمع الواحد، ومع المنافسة لصالح من ؟ المستهلك، هذا علبة الصابون معها عرض، معها علبة صغيرة، هذه البضاعة معها عرض ثان، لما يكون التنافس من يقطف ثمار هذا التنافس ؟ المستهلك، إذا كان الاحتكار يصبح المستهلك مستهلكاً، يستهلك المستهلك فالمحتكر ملعون، والمحتكر خاطئ.
الاقتصاد عصب الحياة، وإذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت.
يجب أن تنجح في جميع مجالات الحياة الشخصية والاجتماعية:
أقول لكم هذه الكلمة الأخيرة: ما من نجاح جزئي، تنجح بعملك، ولا تنجح في بيتك، ليس هذا نجاحاً، تنجح بعملك وبيتك، وما تنجح مع ربك، ليس هذا بنجاح، تنجح مع ربك، صائم، مصل، عابد، مستقيم، لكن ما في يدك لا مصلحة، ولا عمل، ولا وظيفة، ولا شهادة، بل أنت عالة على الآخرين، ليس هذا نجاحاً، لا بد من أن تنجح في كل شؤون حياتك، أبرز هذه الشؤون علاقتك بربك، تعرفه، تطبق منهجه، تقيم أوامره، يراك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، وأن تنجح مع أهلك.
هناك أشخاص ناجحون جداً، لكنهم مخفقون جداً مع زوجاتهم وأولادهم، يجب أن تنجح مع زوجتك وأولادك، يجب أن تنجح مع صحتك، طبق تعليمات.
صدقوا أيها الإخوة، الدول النامية نفقات المعالجة مئة ضعف، من ضعف الوعي، يحب الملح، ويكثر منه، فيرتفع ضغطه، الضغط ما له أعراض، فجأة خثره بالدماغ فشُل، ليس هناك جهاز ضغط في البيت أساساً، والقاتل الصامت هو الضغط.
الحياة تحتاج إلى وعي، إلى إدراك،
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
يجب أن تنجح مع ربك، ويجب أن تنجح مع أهلك، ويجب أن تنجح مع جسمك ويجب أن تنجح في عملك، وما لم تحقق النجاح في العمل وفي الصحة، ومع الأهل، ومع الله لا يعد نجاحاً.
يسافر الرجل إلى بلد نفطي، فيأتي معه بثمن بيتين، لكن تفلت أولاده، عاشوا في الطرقات مع رفقاء السوء، الأم عند الجيران، والأولاد مع رفقائهم، لا صلاة، ولا صوم، وانحراف، والزوجة تغلط، هذا نجاح رافقه انهيار أسرة.
أؤكد لكم هذا المعنى: النجاح الحقيقي نجاح شمولي، مع الله، ومع أهلك وأولادك، ومع عملك، ومع جسمك، لا تقطف ثمار النجاح إلا إذا كان شمولياً، لا تعد ناجحاً إلا إذا كان نجاحك شمولياً، هذا ما أؤمن به.
الصحابة تفوقوا، كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، تفوقوا، كان عليه الصلاة والسلام قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى نظر إليهم فابتسم، حتى رئيت نواجذه قال:
(( حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ))
( ورد في الأثر )
المؤمن شخصية فذة، يحيرك بعلمه، بأخلاقه، بجمالياته، أنيق، بيته مرتب، فقير لكن أنيق، ثيابه مرتبة، مواعيده دقيقة، حساباته منتظمة، ثقافته واسعة، بيته منتظم، ناجح مع زوجته، مع أولاده، هذا المؤمن. ليس هناك مؤمن يعيش سهللا:
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
( سورة الكهف ).
الإيمان مرتبة علمية وجمالية وذوقية:
لا حسابات مضبوطة، ولا مواعيد مضبوطة، ولا بيت منضبط، ولا عمل متقن، وهو يحب الله ! هذا النموذج مرفوض، يجب أن تكون شخصية فذة، الإيمان مرتبة علمية.
" ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه ".
الإيمان مرتبة أخلاقية، إذا حدثك فهو صادق، عاملك فهو أمين، استثيرت شهوته فهو عفيف، الإيمان مرتبة جمالية، عنده مسحة جمالية في حياته، أذواقه عالية جداً، حتى يكون جذابا من أجل أن تحب الإيمان، تجد شخصا لئيما، خبيثا، منحرفا، لكنه أنيق، بذلته رائعة جداً، معطر، شعره منتظم، أو تجد رجلا طيب الخُلق، ولكن لا يعجبك، يعجبك الجل بقدر ما تحترمه، بقدر ما تحبه، تحبه لكماله، وتحترمه لتفوقه.
إخواننا الكرام، الآن نحن أمام مشكلة كبيرة، ما لم نتفوق فلا يحترم ديننا، والشيء بأيدينا، والحياة واحدة تفوق بها، واكسب دنياك وأخراك.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الرابع و الخمسون )
الموضوع : بعض التفاصيل حول الاسس التى رسخها النبى فى المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. توطئة:
أيها الإخوة الأكارم، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في المدينة المنورة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس فيها قاعدة تعليمية، وقاعدة اجتماعية، وقاعدة اقتصادية، وبدأنا في الدرس السابق بالحديث عن المبادئ الكلية الاقتصادية التي اعتمدها النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الدرس ندخل في بعض التفاصيل.
تفصيلات القواعد الاقتصادية التي اعتمدها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة:
يجب أن نعلم علم اليقين أن الإسلام هو الحياة، بمعنى أنه لا بد أن نعمل لآخرتنا، وأن نصلح دنيانا.
إنّ الأمة الإسلامية إن لم تكن قوية بمواردها، قوية بخططها، قوية بمشاريعها، قوية بزراعتها، قوية بصناعتها، قوية بتجارتها فلن تستطيع أن تقنع الناس بمنهج ربها.
1- الزراعة:
1 – الحضُّ وتشجيع الزراعة:
فلذلك في شأن الزراعة يقول عليه الصلاة والسلام ـ دققوا ـ يوم القيامة، حيث انتهى كل شيء، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))
(رواه أحمد في المسند).
ينبغي أن تعمل إلى آخر وقت في حياتك.
قد يبدو هذا المثل غريباً:
إن الإنسان أحياناً يعمل عملا يقطف ثماره بعد ساعة، أما أن يغرس فسيلة فإنها تحتاج إلى أن تثمر عشر سنوات، والساعة قامت، هذا منتهى التوجيه الحكيم، كيف أن هذه الفسيلة لن تقطف ثمارها قبل عشر سنوات، أو قبل خمس سنوات، أو قبل عشرين سنة أحياناً، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))
القول الشهير: ويل لأمة تأكل مالا تزرع، إن أكلت ما لا تزرع فهي تحت رحمة أعدائها، في أية لحظة ينهون حياتها، لذلك لا يكون المسلم مسلماً إلا إذا كان قوياً.
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ].
ومن القوة تحسينُ الإنتاج.
مرة سألت إنسانا يزرع الخضار في ارضٍ محمية، فهذا البيت البلاستيكي مساحته نصف دنم، سألته: لو زرعت البيت بالطماطم كم ينتج ؟ قال لي: عشرة أطنان، في بلاد الغرب الإنتاج 25 طنا، المساحة نفسها، لوجود وسائل علمية، وتسميد، وبذور مطورة .
في أزمة الدانمارك ظهرت بعض الحقائق، الشعب الدانماركي عدد سكانه خمسة ملايين، يُطعم من المواد الغذائية خمسين مليونا في العالم، وأحياناً يكون سكان بلد خمسين مليونا يستوردون القمح، وخمسة ملايين يطعمون خمسين مليونا !!! وأحياناً بلد فيه سبعون مليونا يستورد مواد أساسية !!!
لذلك الآن بعض الدول في العالم الغربي والشرقي رأت أنه في النهاية المعركة معركة طعام وشراب، كنا في معركة بترول، ثم معركة قمح، ثم معركة ماء، المرجح في المستقبل أن تكون المعركةُ معركةَ مواد غذائية، لأن الإنسان في النهاية كائن له فم يجب أن يمتلئ بالطعام ، مؤمنا كان أو غير مؤمن، مثقفا أو غير مثقف، متعلما أو غير متعلم، عربيا أو غير عربي، لا بد من أن يأكل، فلذلك: ويل لأمة تأكل مالا تزرع.
بعض البلاد المتقدمة جداً الآن تشتري الأراضي في إفريقية كي تزرعها، وكي تنال حاجتها من الغذاء، وأكبر بلد عربي مساحة فيه مليونان ونصف مليون كيلومتر مربع صالحة للزراعة، وفيه نهر أربعة أخماسه يصب في البحر، والأرض معطلة عن الزراعة، والماء يذهب في البحر هدراً، والشعب فقير جداً أيعقل هذا ؟!.
أيها الإخوة، هذا درس بليغ لنا:
(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))
في بعض المحافظات الجنوبية في سورية نشأت مشاريع زراعة تفاح في أعلى درجة، هذا الإنتاج الغزير خفض السعر، فإذا استصلحنا أراضينا، وبنينا السدود، وحفرنا الآبار، واكتفينا عن أن نستورد الغذاء أصبحنا أقوياء، أما كلُّ شيء نستهلكه مستورد فهذه مشكلة كبيرة.
2 – تشجيع إحياء الأرض الميتة:
لقد سعى النبي عليه الصلاة والسلام لتحسين الإنتاج، وزيادته، وتوسيع الأراضي المزروعة، وإصلاح الري، وتوفير الماء اللازم للزراعة، وتشريع العلاقات الزراعية، وهناك تشريعات كثيرة في هذا، وأهم شيء أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))
(أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي عن سعيد بن زيد)
أيْ: حفر بئرا، وزرع أشجارا، قلبها من منطقة صفراء إلى منطقة خضراء، إذاً: هي له، والآن في بعض البلاد عندهم مشروع، اسمه المشروع الأخضر، أيّ إنسان يحق له أن يأخذ قطعة من الجبل، فإذا قلب هذه الأرض الصفراء إلى أرض خضراء فهي ملكه، لا يوجد نظام يشجع على الزراعة مثل هذا النظام، وتحويل الأراضي القاحلة إلى أراضٍ خضراء، وتكثير الإنتاج، وتخفيض الأسعار، وإشاعة الرخاء كهذا المشروع.
(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها ))
( الجامع الصغير بلفظ: " مَن أعمر أرضا... " عن عائشة بسند صحيح )
الإحياء هو الغرس، والزرع، وحفر البئر، وموطن رعي الدواب زراعة النخيل.
النخيل الذي أكل منه النبي عليه الصلاة والسلام لا زلنا حتى الآن تقطف ثماره وتسوّق، لأن عمر النخلة ستة آلاف عام.
لذلك أنا أشكر الحكومة عندنا على هذا، ففي قطع الشجرة غرامة تصل إلى خمسين ألف ليرة، وفي الخليج قطع الشجرة غرامتها مليون ليرة، لأنها تجلب الأمطار، وتلطف الجو، وتحسن المنظر.
(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))
(( من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها ))
والإحياء هو الغرس، والزرع، وحفر البئر، وإيجاد موطن رعي الدواب، وزراعة النخيل، وأصل الإحياء إنما هو بالماء، وذلك كاشتقاق نهر، واستخراج عين، أو حفر بئر، أو بناء غرفة، أو غرس شجرة، وما إلى ذلك.
اليوم الناس كلهم نزحوا إلى المدينة، فترى بسبب هذا أحياء مكتظة، وتلوثا عاليا، وأزمة سكن، وأزمة مواصلات، وهذا شيءٌ لا يحتمل، والريف فارغ، الآن الدول المتقدمة الريف فيه خدمات إلى درجة لا تصدق، فهناك النزوح عندهم من المدينة إلى الريف، وعندنا بالعكس، من الريف إلى المدينة، كلما حسنت خدمات الريف اتجه الناس نحو الريف، لأن الجو هادئ، والهواء نقي، والماء عذب، والهواء منعش، والمناظر خلابة، لكن الآن ما عندنا مناظر خلابة، الناس يميلون إلى المدينة، وأعلى نسب تلوث في العالم في المدن.
من ألهم النبي الكريم هذه الإجراءات ؟ هذه إجراءات حضارية، قال في التجارة: تلك الزراعة.
2- التجارة:
1 – إقامة سوق للمسلمين:
وأما في التجارة فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة سوقاً واحدة أراد أن يتخذها أولاً في موضع في بقيع الزبير، واعترض كعب بن الأشرف أحد زعماء اليهود المناوئين للإسلام، وقطع حبال الخيام التي وضعها النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الموضع، فنقلها النبي إلى موضع سوق المدينة، وقال:
(( هذه سوقكم فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج ))
( ورد في الأثر )
هناك بلد إسلامي أنشأ بناء ضخما جداً في العاصمة من سبعة طوابق، وكل طابق فيه تقريباً ألف مكتب تجاري، والمكتب محل تجاري، ومكتب استيراد، ومستودع، وموقف لسيارتين، هذا البناء فيه كل ما يحتاجه التاجر، من معاملات، ومن وزارات، ومن مؤسسات، لا يخرج من هذا المكان إطلاقاً توفيراً للوقت والجهد، فصارت التجارة سهلة.
أحياناً عندنا تصديقُ الوثيقة من المكان الفلاني، وفحص البذور في مدينة في الشمال، والنبات استنباته في محافظة في الجنوب، فتجد أربعة أخماس وقت الإنسان من مكان إلى مكان، هذا البلد الإسلامي جمع المصالح كلها في مكان واحد، الآن هناك اتجاه أن يجعلوا كل الوزارات في مكان واحد، لتوفير الوقت والجهد.
لذلك خطط النبي الكريم للسوق التجاري، فلا يضيق، لأن المكان واسع، ولا تحتاج إلى موقف سيارة، أو مكان إناخة الجمل، الحياة هي الحياة، السوق التجاري يحتاج إلى موقف، وبعض الأسواق في أسترالية أربعة أخماسها مواقف سيارات.
فكان النبي يقول: هذا السوق لكم أيها المسلمون، فيها مكان لإناخة جمالكم، يتجول المسلم ويشتري، يركب جمله ويمشي، يركب مركبته ويمشي، نقلها النبي عليه الصلاة والسلام إلى موضع إلى سوق المدينة، وقال:
(( هذه سوقكم فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج ))
ليس عليها ضرائب، وكانت سوق المدينة فضاءً واسعاً لا بناء فيه، يضع التجار فيه سلعهم، والمكان لمن سبق، يبيع فيها أصحابها ما يعرضون من حاجاتهم المختلفة، وكان الراكب ينزل بسوق المدينة، فيضع رحله، ثم يطوف بالسوق، ورحله أمام عينيه لا يحجبه عنه شيء.
إذاً: تيسير مكان للباعة من تخطيط النبي، وإقامة أسواق من تخطيط النبي.
كنت مرة في أمريكا، وجدنا سوقا هي أرخص سوق في الولاية، الأرض ليست مبلطة، بل هي من الإسمنت، والرفوف من أرخص أنواع الرفوف، ما فيها موظف، بل هناك خدمة ذاتية، وكل المواد عبوات مفتوحة، الكمية حرة، أريد ثلاثين حبة من هذا الدواء، يعد ثلاثين ويضعها في ظرف، ويعطيكها، الأسعار رخيصة جداً، فكل الطبقة المتوسطة تتهافت على هذا السوق.
إحداث سوق مع توفير خدمات هذا من الدين، هؤلاء الباعة يجب أن يكون لهم مكان، وليس كلما جاء شرطي يهربون، ويحملون حاجاتهم، ويولون مدبرين، فتوفير الأسواق، وتوفير الحاجات، والخدمات أمرٌ ضروري.
والله هناك أماكن للنزهات، حمامات بمياه ساخنة، مكان لشيّ اللحم، ألعاب للأولاد، مساحات خضراء، هذه مهمة من يقوم على إدارة شؤون الأمة.
2 – تشجيع الحِرَف:
الآن مع الحرف الصناعية: كانت الحياة المهنية والصناعية في المدينة تتوافق مع الظروف العامة في بلاد العرب، تبدو فيها البساطة بشكل عام، فاللباس وما يتعلق بصناعة الملبوسات كان غاية في البساطة والقلة، الآن في هذه البلاد الإسلامية يكفي الرجلَ قطعةُ قماش فقط يُلفّ على جسمه، والعمامة قماش تلف على رأس صاحبها.
كانت هناك حِرف كثيرة قائمة في المدينة لأداء الحاجات اليومية للناس، وهي محدودة، كالدباغة، ونسج الصوف، وحوائج الركوب، وأدوات المنزل، وحرف البناء، والخيام، والسلاح.
هناك دراسة عن الدول النامية الفقيرة التي تبيع الصوف لبلاد الصناعية، فيرجع القماش مصنعا من الصوف، بكم ضعف عن ثمن البيع ؟ 3700 ضعف عن ثمن الشراء، يرجع قماشا مصنعا غاليا جداً، فهؤلاء يغتنون على حساب الشعوب النامية، وضعف نسيجها.
3 – الصناعة:
قال الله عز وجل في الحرف والصناعة: ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾
( سورة هود الآية: 37 ).
أساساً قوم عاد كانت متفوقة جداً في ذلك، قال تعالى: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾
( سورة الشعراء ).
كانوا متفوقين في البنيان، وفي الصناعة، وفي النواحي العسكرية، وفي النواحي العلمية: ﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾
( سورة العنكبوت ).
﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾
هذه صناعة النجارة والنجارة.
آية أخرى: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾
( سورة الأنبياء ).
صناعة الحديد الدروع.
إذاً: عندنا نجار، وعندنا حداد.
والآية الأخرى: ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾
( سورة سبأ الآية: 11 ).
درع سابغة، أو أوان للطعام.
وهناك صناعات حربية ومدنية. ﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾
( سورة النمل الآية: 44 ).
الحقيقة أن هناك شيئًا مدهشا، أن الملكة بلقيس جاءت إلى قصر سليمان، فلما دُعيت إلى دخول قصره وبهوه رأت ماء يجري، فرفعت ثوبها قليلاً، لأنهل تصورت أن هذا المكان فيه ماء، صحيح أن فيه ماء، ولكن فوقه بلور صافٍ، 100 %، هذه صناعة متفوقة جداً.
﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ﴾
فتقدمي ولا تخشي الماء، فصغرت.
لقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهمية السلاح والأدوات البحرية كالمنجنيق، والسيوف، والأقواس والسهام، وغيرها، وكان أعظم توجيه صناعي قدمه النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
( أخرجه البيهقي عن عائشة ).
تجد الصناعة غالية جداً، أحيانا الفرق بأربعة أضعاف للإتقان فقط، لذلك:
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
والآن أيّ إنسان إذا كان عمله متقنا تكون أرباحه عالية، لأن عليه إقبالا شديدا، في أي مجال صناعي، أو تجاري، أو زراعي، وقد تجد مطعما في اليوم غلته مليون ليرة، ومطعم إلى جانبه غلته عشرة آلاف، الفرق في الإتقان، لذلك هذا حديث أصل في الصناعة:
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
اشترى أحدهم غرفة ضيوف، جلبها إلى البيت، وجاءه ضيوف في اليوم الأول، جلسوا على أريكة فانكسرت بعض القطع منها، فذهب إلى النجار غاضباً مزمجراً يغلي، فقال له: لعلكم جلستم على هذا الطقم !؟ طبعاً هناك أعمال سيئة جداً.
لذلك الدول النامية فوق أنها نامية بضاعتها غير مقبولة عند التصدير، فيها غش وفيها تقصير.
أنواع الصناعات في المدينة النبوية:
وكان من صناعات الإتقان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الصناعات التي تقدمت في المدينة الصباغة، والدباغة، وقد شاركت فيها النساء أمثال زينب بنت جحش، وأسماء بنت عميس، وكان أهل المدينة يصنعون الخوصة فتعلم منهم سلمان الفارسي، وقد صنع منبرا من الخشب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش إلى سنة 654 هجري.
ماذا فعل النبي ؟ فقط دعا إلى الله ؟ أسس قاعدة اقتصادية، هيأ سوقا، أعطى توجيهات معينة.
(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))
( أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي عن سعيد بن زيد )
طبعاً الحياة بسيطة جداً، ولكن فيها الأمور الأساسية لنمو الاقتصاد.
4 – الثروة الحيوانية:
هناك ثروة حيوانية في المدينة بعد الهجرة، وكان أهم شيء فيها العناية بالخيول والإبل، والحيوانات المستخدمة في الجري والركوب، لذلك أعطي الحصان أو الفرس من أسهم الغنائم ما يعدل ضعف نصيب صاحبه، لأهميته في ميدان القتال، فصار هناك تنشيط لتربية الخيول، الآن فقط للسباق.
أما قديماً فقد كانت للحرب، هناك ملكيات عامة، هي مواد أساسية ممنوع أن يتملكها إنسان.
مثلاً: يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ ))
(ابن ماجه عن ابن عباس)
هذا الماء تدفع أنت أجرة خدمات المؤسسة لا ثمن الماء، فالثمن أجور خدمات.
والله هناك قرية في الغرب السوري فيها تقريباً ثلاثون مزرعة، وأصابتها سنوات جفاف متتابعة، كان رعاة الغنم كلما دخلوا إلى مزرعة لإسقاء الغنم طردوا وعنّفوا، إلا مزرعة واحدة استقبلتهم على الرحب والسعة، بل إن صاحب المزرعة بنى للغنم خندقاً يملأ بالماء كي يسهل الشرب لأعداد كبيرة الغنم، يقسم لي إنسان في هذه المنطقة إنه بعد عامين جفّت آبار الثلاثين مزرعة، إلا هذا الذي استقبل هذه الكائنات، وأشربها ماء فراتاً.
5 – نظام الزكاة:
أما التعاون فكان أساسه نظام الزكاة، فإذا كانت أرض الإنسان المزروعة قد سقاها بماء البئر فإن زكاة أرضه العشر، وإذا كان سقيها بماء السماء فزكاة إنتاجه الزراعي نصف العشر، لذلك صار توزيع الخيرات على الفقراء بشكل كبير.
خاتمة:
الحقيقة أيها الإخوة، قضية الاقتصاد الآن ترتقي إلى المرتبة الأولى، مع أن هذا الذي ذكرته يعني قضايا بسيطة ومتواضعة، لكن لها دلالات كبيرة، النبي عليه الصلاة والسلام أرسى نظاماً اقتصادياً عني بالزراعة، والصناعة، والتجارة، والحرف، ونظم العلاقات التشريعية بين كل هؤلاء.
على كلٍ أيها الإخوة، في لقاء آخر إن شاء الله ننتقل إلى موضوع القاعدة الإدارية، والأمنية، والدعوية في المدينة المنورة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( الخامس و الخمسون )
الموضوع : تاسيس القاعدة الادارية و الامنية و الدعوية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة وتذكير:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في بناء الدولية الإسلامية في المدينة، والحديث اليوم عن تأسيس القاعدة الإدارية والأمنية والدعوية، وهو آخر موضوع في مثل هذه الموضوعات.
مر معنا أيها الإخوة كيف كانت بداية بناء المجتمع المدني بإقامة عهد المدينة، والذي نص على أن أهل يثرب أمة واحدة، سلمهم واحدة، وحربهم واحدة، وهذا مِن فِعل النبي عليه الصلاة والسلام، فكأنه أول من رسخ مفهوم المواطنة أو التعايش، والعالَم اليوم في أمسّ الحاجة لمفهوم المواطنة والتعايش حقناًَ للدماء.
أسس القاعدة الإدارية في الإسلام:
1 – التشريع من عند الله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:
حينما يشرّع الإنسان فإنّه يشرّع بنظر قاصر، يشرّع من زاوية واحدة، ولمصلحته، فيأتي تشريعه ناقصاً، فإذا حابى نفسه في التشريع، وحرم غيره نشأت الفتن، ولكن من أولى الخصائص المنهج الإلهي أن المشرّع ليس بشراً، هو خالق البشر، هو خالق الجميع، لا يحابي أحداً، ولا يحرم أحداً، ولا يعطي أحداً ما ليس له.
لذلك النفوس جميعاً تخضع لتشريع سماوي، ولا تخضع لتشريع من بشر عنده قصر نظر، أو عنده رؤية محددة، أو عنده أهواء ومصالح يريد أن يحققها على حساب المجموع العام.
هذا مبدأ من مبادئ الإدارة:
(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
سيدنا الصديق رضي الله عنه في أول خطاب خطبه قال فيه: << أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >>.
في مجتمع المسلمين أمر الله هو النافذ، تشريع الله هو المعتمد، الأمة الإسلامية تشريعها القرآن، وتفاصيل تشريعها سنة النبي العدنان، هذا الذي قامت عليه القاعدة الإدارية.
مثلاً: غير مسموح لبلاد المسلمين أن يُنشَأ فندق من خمس نجوم ما فيه خمر، هذه القاعدة لمن ؟ مَن قالها ؟ ما دام الفندق من خمس نحوم فلا بد له من مسبح مختلط، ومن بيع خمر، وفي نظام الإدارة الإسلامية الخمر محرمة، فيكون الفندق خمس نجوم، وسبع نجوم، وعشر نجوم، وما فيه خمر، وأحيانا يتهمون المسلمين أنهم متمسكون بتعاليم دينهم تعصبا أو تمسكا ضيقا، والحقيقة أن عند الطرف الآخر قواعد تافهة، ولا معنى لها، والجميع متمسكون بها تمسكا مذهلاً.
لذلك الآن في العالم الإسلامي لا تعطى فرصة لفندق خمس نجوم إلا إذا وزع فيه الخمر، ولحم الخنزير، هذا تشريع مَن ؟ من قال ذلك ؟ هذا القاعدة من قعدها ؟ من شرعها ؟ أما في مجتمع المسلمين الحقيقي فأمر الله هو المعتمد،
(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
الآن من لوازم العرس عند المسلمين أن يجلس العروس على منصة وأمامه المدعوات في ثياب فاضحة مبتذلة.
(( كاسيات عاريات، مائلات مميلات ))
(رواه مسلم عن أبي هريرة)
من قال ذلك ؟ فإذا اعتذر أن يجلس أمام المدعوات يظن أن به عيباً خطيراً، مَن قال ذلك ؟ إنها تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان.
أبلغ من ذلك: هناك مصمم أزياء يهودي في فرنسا، تصميم ثياب المسلمات بيده، يقصر منها، ويطيل، يضيق، يحدِث شقا، فأعراض الجهلة بيده، وهو مصمم أزياء يهودي، وكأن صرعات الأزياء منهج يعبد من دون الله، يقول أحدهم: لا أقدر، إنها ( موضة )، من قال ذلك ؟
القاعدة المعتمدة في النظام الإداري الإسلامي:
(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
(أحمد عن علي)
طاعة الله ورسوله، والالتزام بكتاب الله، وسنة رسوله، هذه قاعدة أولى.
نحن أمة معنا وحي السماء، نحن أمة أكرمنا الله بخاتم الأنبياء، نحن أمة معنا دستور من عند خالق الأكوان، فلا معنى لوجودنا، ولا لتقدمنا، ولا لتألقنا إلا بطاعة ربنا.
2 – الشورى بين المسلمين:
القاعدة الثانية في النواحي الإدارية التي أرسى دعائمها النبي عليه الصلاة والسلام هي الشورى فيما بين المسلمين. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة الشورى الآية: 38 ).
أبلغ من ذلك: أن هذا النبي الكريم، وهو الإنسان الأول سيد الأنبياء، وسيد الرسل، وسيد ولد آدم، أمره الله أن يشاور أصحابه، قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 ).
فالمشاورة منهج إسلامي تقوم عليه الدولة الإسلامية.
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام شاور زوجته أم سلمة في صلح الحديبية، وأخذ بمشورتها، ونجحت مشورتها، الشورى مبدأ.
أنا أقول لمن تولى أمر مؤسسة أو مستشفى، أو جامعة: اسأل مَن حولك، خذ برأيهم، من أنت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله أن يشاور أصحابه ؟.
ومضات مشرفة من مشورة النبي لأصحابه:
الآن ومضة تؤكد هذه الحقيقة:
موقع الجيش الإسلامي في غزوة بدرٍ:
لحكمة بالغةٍ أرادها الله عز وجل حجب الله عن نبيه الكريم الموقع المناسب يوم بدر وحياً وإلهاماً واجتهاداً، فلم يأته الوحي بالموقع، ولم يحسن اجتهاد الموقع، ولم يلهم صواب الموقع، لحكمة بالغة، فجاء صحابي جليل قمة في الأدب، فسأل النبي على استحياء، قال: يا رسول الله، هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك، فإذا كان وحيا فلا نتكلم كلمة ولا حرفا، أم هو الرأي أم المشورة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بل هو الرأي والمشورة، أي اجتهاد، فقال هذا الصحابي الجليل: والله يا رسول الله ليس هذا بموقع، بكل تواضع، وبكل رحابة صدر، وبكل نفس رضية، وبكل تقدير، فقال له: جزاك الله خيراً، أين الموقع المناسب ؟ فدله عليه، أمر أصحابه أن يتحولوا إليه، هذه هي الشورى.
لأن فضيلة الرجوع إلى الحق لا يمكن أن تظهر من النبي، لماذا ؟ لأنه معصوم لا يخطئ، فالله عز وجل حجب عنه الموقع المناسب، حجبه وحياً، وحجبه إلهاماً، وحجبه اجتهاداً، كي يشرع لنا فضيلة الرجوع إلى الحق.
نسيان النبي ركعتين مِن صلاة الظهر:
النبي لا ينسى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾
( سورة الأعلى ).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ))
(متفق علي)
سأل أصحابه عن حقيقة الأمر، وهذا اسمه تقصي الحقائق، فإذا بهم يؤكدون أنه صلى ركعتين، وقد ورد في بعض الكتب أنه قال: إنما نُسيت كي أسن، النبي لا ينسى، إذاً: كيف يشرع لنا سجود السهو، مستحيل، إلا أن ينسيه الله عز وجل، لذلك قال تعالى:
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾
( سورة الأعلى ).
لحكمة بالغة.
من خصائص مجتمع المسلمين:
إذاً: مجتمع المؤمنين أمرهم شورى بينهم، مجتمع المؤمنين يتشاورون، يتناصحون، يتبادلون الخبرات، يؤثر بعضهم بعضاً، يتطاوعون، ولا يتنافسون، هذه من خصائص مجتمع المؤمنين.
من خصائص مجتمع المسلم: أن المؤمنين يبذلون كل ما يملكون من نفس ومال ومتاع في سبيل دين الله، والدفاع عن مقدساته، وحرماته.
إخواننا الكرام، المشكلة أن انتماء الناس لا إلى مجموعهم، ولا إلى دينهم، ولكن انتماء الناس انتماء شخصي، فالبيت الذي دخل صاحبُه السجن في عهد عمر هو شعار كل إنسان، ألاَ و هو:
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِهــا وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي
الآن هو شعار أيّ إنسان، أهم شيء دخلٌ وفير، بيت، زوجة، نزهات، وعلى الدنيا السلام، تجد البلد مسلما، وتقام فيه الحفلات في والمطاعم، والرقص، والفجور، وحول البلد قتل وإزهاق أرواح، واغتصاب، وكأن المسلمين لا ينتمون إلى مجموع المؤمنين، بل ينتمون إلى ذواتهم، وإلى حظوظهم، وهذا وصمة عار في حق الأمة الإسلامية، بينما الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))
(متفق عليه)
وللحديث زيادة:
(( ويكره له ما يكره لنفسه ))
( رواه سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ )
حينما تحمل همّ المسلمين تكون مسلماً، وحينما تحمل همّ المؤمنين تكون مؤمناً، وحينما تبذل كلما تملك من أجل تخفيف الأذى عنهم، أو نصرتهم فهذه علامة الإيمان.
هناك كلمات عند العامة قذرة، لا دخل لنا، فخار يكسر بعضه، سلامتك يا راسي، كل من أخذ أمي فهو عمي، هذه كلمات الكفر والبعد عن الله عز وجل.
3 – المشاركة الجادة والمستمرة في بناء الحياة الإسلامية في كل المجالات:
ومن قواعد القاعدة الإدارية المشاركة الجادة والمستمرة في بناء الحياة الإسلامية الجديدة بكل المجالات، وعلامة الإيمان أنك تشارك غيرَك، والمسلمون في أول عهدهم كانوا كتلة واحدة، وقلباً واحداً.
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))
( أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، واللفظ لمسلم )
4 – مشاركة المرأة في بناء المدينة الإسلامية:
بقي شيء مهم في الحياة الإدارية نحن مقصرون فيه، وهو: مشاركة المرأة في بناء هذه المدينة الإسلامية.
إنّ المرأة لها دور كبير، وفي عصور الانحطاط هُمِّش دورها، والمرأة لا تقلّ أهميةً عن الرجل، بل هي مساوية له في التكييف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، ومكلفة بأركان الإسلام، كما هو مكلف بأركان الإسلام، ومكلفة بأركان الإيمان، كما هو مكلف بأركان الإيمان، ومشرفة بطاعة الله، كما هو مشرف بطاعة الله، ومسؤولة عما استرعها الله، كما هو مسؤول عما استرعاه الله، المرأة مساوية مساواة تامة في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية.
لذلك حينما يعلِّم الإنسان بناته يرتقي بالفتيات إلى مستوى هموم المسلمين، أما إذا تركت الفتاة من دون تعليم انشغلت باهتمامات نسائية تبعدها عن قضايا أمتها الكبرى.
فلذلك مشاركة المرأة في بناء هذه الأمة الإسلامية مشاركة حتمية تؤكد أن المرأة نصف المجتمع، وأن المجتمع يقوم على شقين النساء والرجال.
5 – احترام حقوق الإنسان والحرص على سلامته:
شيء آخر يقوم على إدارة المجتمع كقاعدة: إنه احترام الإنسان، والحرص على سلامته، والتمتع بكل حقوقه التي منحها الله له غير منقوصة، وبالتالي بذل كل الجهود لخدمة وإيصال كلمة الحق إليه، وله حرية الاعتقاد لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 ).
إنّ الإنسان مكرم، وسيدنا عمر أوّل أكدّ هذا الحق، قال: << متى استعبدتم الناس ولقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً >>، فالإنسان كل شيء من أجله، النظم من أجله، حتى الثورات في تاريخ البشرية من أجله، حتى العلم من أجله، والطب من أجله.
لذلك حينما يكون الإنسان ضحية في مجتمع ما فهذه هي الطامة الكبرى، لأن الإنسان هو الضحية.
مثلاً: في بعض البلاد سباقات الجمال، يأتون بطفل صغير، لأن وزنه خفيف، يركب هذا الجمل، وتخريب عموده الفقري حتمي، لأن عظمه رقيق وطري، يركب هذا الطفل، وفي الأعم الأغلب يسقط فيموت، أو يصاب بأمراض مزمنة في عموده الفقري، مَن هو مسخر للآخر ؟ الجمل للإنسان ؟ أم الإنسان للجمل ؟ هذا السباق خلاف منهج الله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان كل شيء: ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 ).
الآن الحمد لله السباقات من دون راكب، سباق يتم من دون أطفال يركبون على ظهر الجمل، هذا تطور إيجابي.
فلذلك احترام الإنسان واجب، الإنسان من حقه أن يحيى، من حقه أن يعتقد ما يشاء، من حقه أن يكون حراً، وهذه هي حقوق الإنسان، والإسلام أولُ مَن نادى بها.
حينما جاء رجل قبطيٌّ إلى سيدنا عمر يشكو له ظلم ابن أمير مصر، فاقتص منه، وقال له سيدنا عمر: << اضرب ابن الأكرمين >>، وقال بعدها قولته الشهيرة: << متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ >>.
الإسلام يحترم الإنسان.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
( أبو داود )
النبي عليه الصلاة والسلام وقف لجنازة، فقيل: هذه جنازة يهودي، فقال: أليس إنساناً ؟ كان يحترم الإنسان، كائناً من كان، وأية حضارة لا تقوم على احترام الإنسان فليست حضارة.
لذلك أنا أقول بملء فمي: هناك بلاد يظنها الناس متحضرة، وهي متوحشة، لأنها تقيم فروقاً عرقية بين شعب أبيض وشعب آخر أسود .
مرة قال بعض أصحاب النبي كلمة سيئة مخاطبا بها رجلا آخر، فأنكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ … ))
( متفق عليه )
فأصرّ قائل هذه الكلمة أن يضع رأسه على الأرض ليدوس ذلك الرجل على رأسه، تكفيراً لذنبه الذي ارتكبه.
لذلك الإنسان محترم في الإسلام، والمرأة محترمة في الإسلام، واحترام الإنسان والحرص على سلامته، والتمتع بكل حقوقه التي منحها الله له غير منقوصة، وبالتالي بذل كل الجهود لخدمته، وإيصال كلمة الحق إليه، يؤكد هذا قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾
( سورة التوبة الآية: 6 ).
وله حرية الاعتقاد، لقوله تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
وجوب احترام الإنسان من كل جوانبه الدنيوية والدينية:
أيها الإخوة الكرام، هذه مبادئ الإدارة في مجتمع المسلمين، وينبغي أن نأخذ بها جميعاً على مستوى البيت، على مستوى المدرسة، على مستوى المؤسسة، على مستوى المعمل، على مستوى الجامعة، يجب أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط، والإنسان يجب أن يكون محترماً، لأنه هو المعني بكل ثورة في الأرض، وبكل منهج إلهي، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾
( سورة البقرة الآية: 30 ).
ويقول أيضاً: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات ).
ويقول أيضاً: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 ).
ويقول أيضاً: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء ).
مثل عجيب من التاريخ الإسلامي في احترام حقوق الإنسان:
أضرب لكم مثلاً: سيدنا عمر في عهده جاءه ملَك الغساسنة مسلماً، إنه جبلة بن الأيهم، أعلن إسلامه، ورحب به عمر أشد الترحيب، ثم توجه إلى الكعبة ليطوف حولها بعد أن أسلم، في أثناء الطواف داس بدوي من فزارة طرف ردائه، فانخلع رداءه عن كتفه، فالتفت جبلة إلى هذا البدوي من فزارة ضربه ضربة هشمت أنفه، فما كان من هذا البدوي إلى أن توجه إلى عمر ليشتكي إليه، سيدنا عمر استدعى جبلة، وقف جبلة أمام عمر، وإلى جانبه هذا البدوي من فزارة، وجرى حوار، بعض الشعراء المعاصرين صاغه شعراً.
قال سيدنا عمر:
أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة:
لست ممن ينكر شيا، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديا.
فقال عمر:
أرضِ الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه.
أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك.
قال جبلة:
كيف ذاك يا أمير ؟ هو سوقة.
أي من دهماء الناس ومن عامتهم.
هو سوقة وأنا عرش وتاج.
كيف ترضى أن يخر النجم أرضا.
فقال عمر:
نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها.
أقمنا فوقها صرحاً جديدا، وتساوى الناس أحراراًَ لدينا وعبيدا.
فقال جبلة:
كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز.
أنا مرتد إذا أكرهتني.
فقال عمر:
عالَم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
ثلاث مراحل للمجتمع البشري:
هذا هو الإسلام، لذلك مرت المجتمعات البشرية بمراحل بثلاث، بعصر المبادئ، وهذا أرقى عصر، وهذه القصة تشف عن عصر المبادئ، ومر المجتمع البشري بعصور متلاحقة تسمى عصور الأشخاص، الشخص هو الأول، كل الناس له، يعيشون له، يمجدونه، هذا العصر أقلّ رتبة من عصر المبادئ، ولكن الطامة الكبرى أن نصل إلى عصر الأشياء:
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 43 ).
أسوأ عصر يعيشه البشر هو عصر الأشياء، والدليل الآية الكريمة:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾
هذه الأشخاص. ﴿ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾
هذه الأشياء. ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة ).
فالبطولة أن نعيش عصر المبادئ، فإذا زلّت القدم انتقلنا إلى عصر الأشخاص ، فإذا انهارت القيم انتقلنا إلى عصر الأشياء، وفي عصر الأشياء قيمة المرء متاعُه فقط، قد يكون تاجر مخدرات، لكن بيته فخم جداً، مركبته غالية جداً، يعظمه الناس، قد يبني ثروته على سحق البشر، لكن لأن بيته فخم، مركبته من نوع غالٍ جداً يعظمه الناس، نحن في عصر الأشياء، أما عصر المبادئ فقيمة المرء ما يحسنه، إنسان له دعوة، له مبدأ، له عمل صالح، هذا عصر اسمه عصر المبادئ.
أقم الإسلام في بيتك وعملك:
أيها الإخوة، عظمة هذا الدين أنه قابل للتطوير على مستوى جماعي كبير، على مستوى أمة، وقابل للتطبيق على مستوى أسرة، فإن إن لم يتح لك أن تطبق على مستوى أمة فلا أقلَّ مِن أن تطبقه على مستوى أسرة، فكل إنسان يحيى حياة نابعة من منهج الله وسنة رسوله.
فلذلك أنت مسؤول عن بيتك الذي هو مملكتك، وعن عملك الذي أيضاً مملكتك.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
( سورة الرعد الآية: 11 ).
أقم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، وتكون قد أديت الذي عليك، عندئذٍ اسأل الله الذي هو لك .
خاتمة:
أيها الإخوة الكرام، الإنسان في هذه الحياة الدنيا له رسالة، العبادة سر وجودنا ، لذلك قال تعالى:
والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
نحن في هذا الدرس أنهينا القواعد المتعددة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام أركان مجتمعه ودولته، فمن البناء الفردي إلى المساواة بين الناس وعدم التفريق، والتمييز بينهم أفراداً وجماعات، إلى إصلاح العلاقات بين الأفراد، وإزالة آثار ما سلف، إلى أخلاق الحياة اليومية والصحبة، إلى جمع الشمل، إلى البناء الاجتماعي المؤاخاة، والمؤاخاة في العهد المكي، والمؤاخاة في المدينة، إلى أهداف المؤاخاة، إلى صور المؤاخاة، إلى نص عهد المدينة الرائع، إلى تأسيس القاعدة الصحية والعمرانية، إلى البيئة الطبيعية في المدينة، إلى العمران النبوي في المدينة، إلى خطط المدينة، إلى تأسيس القاعدة التعليمية والتربوية على المستوى الفردي والجماعي، إلى التدوين والكتابة، وهي بداية الطريق إلى تأسيس القاعدة الاقتصادية.
وننتقل بعدها في درس آخر إن شاء الله إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : ( السادس و الخمسون )
الموضوع : اسلوب الدعوة فى مكة و المدينة و الفرق بينهما
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الفرق بين السور المكية والسور المدنية:
أيها الإخوة الكرام، انطلاق النبي في الدعوة إلى الله في مدينة أخرى غير مكة في المدينة المنورة، والحقيقة أن علماء السيرة يميزون بين العهد المكي، وبين العهد المدني.
1 – السور المكية مضمونها الإيمان بالله واليوم الآخر:
ولو تألمنا أسلوب السور التي نزلت في مكة المكرمة، ومضامين السور التي نزلت في مكة المكرمة لوجدناها تذكر خلق السماوات والأرض، وتلح على الإيمان باليوم الآخر، أي أن أركان الإيمان كانت محور السور المكية:
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
( سورة الفجر ).
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
( سورة الشمس ).
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة النبأ ).
أكثر السور المكية كانت تشير إلى عظمة الله عز وجل من خلال خلق السماوات والأرض، وكانت تلح على الإيمان باليوم الآخر، وكأن أركان الإيمان كانت محور السور المكية.
2 – السور المدنية مضمونها التشريعات والأحكام:
بينما في المدينة أول سورة نزلت سورة المطففين. ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة المطففين ).
مضامين الآيات المدنية مضامين تشريعية، ومضامين الآيات المكية مضامين إيمانية.
إذاً: الإسلام عقيدة وعبادة، المرحلة المكية اعتنت بالعقيدة، بالإيمان، والمرحلة المدينة اعتنت بالتشريع، إذاً: أيّ دعوة بالله لا تحفل بالعقيدة، وبالتشريع، أو لا تحفل بكليهما معاً فهي دعوة عرجاء، لذلك قالوا: إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر.
3 – السور المكية تعريف بالآمر والسور المدنية تعريف بالأمر:
المرحلة المكية كانت مرحلة التعريف بالآمر، بينما المرحلة المدنية كانت مرحلة التعريف بالأمر، وشتان بين المرحلتين.
في المرحلة المكية: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ﴾
( سورة عبس ).
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾
( سورةالطارق).
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة يونس الآية: 101 ).
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾
( سورة يوسف ).
في المرحلة المكية إشارات إلى السماوات والأرض، وإلى خلق الإنسان، وإلى اليوم الآخر.
فلذلك الدعوة إلى الله إن لم تتضمن مضموناً إيمانياً من أجل أن تعرف هذا الذي تصلي له من هو، خالق السماوات والأرض، فإن هذه الدعوة فاشلة.
لذلك أصل الدين معرفة الله عز وجل.
نظرة سريعة في سورة المطففين، وهي أول ما نزل في المدينة:
1 – خطورة التطفيف في المكيال والميزان:
أيها الإخوة، هذه السورة سورة المطففين، جاء في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، وفي سياق كوني، وهي بحسب الظاهر مقحمة عليه إقحاماً، قال علماء التفسير: " إذا كان التطفيف بحق إنسان يستوجب الويل، فكيف التطفيف بحق خالق الإنسان "، إذا أغفلت حق إنسان، فكيف إذا أغفلت حق الخالق.
إذا طففت فلم تحسن القياس، لأن الإنسان في شرائه يكون خط القماش تحت المتر منحنياً، فإذا باع القماش يكون القماش مشدوداً يقرب من التمزق، فإذا اشترى فله ميزان، وإذا باع شيئاً فله ميزان آخر، وهذه الأمور تقع الآن في حياتنا.
قد يطّلع إنسان على غرفة نوم، يريدها بسرير واحد، وهي بسريرين، يقول له البائع: يمكن أن نغير فيها، كم تحسم لي ؟ فقال له: 500 ليرة، لو فرضنا رأى غرفة النوم بسرير واحد قال له: هل يمكن أن نعيدها بسريرين ؟ قال له: ممكن، قدم ثلاث آلاف ليرة، لما كان فيها حسم كان الحسم 500 ، وتلك 3000 َ! لقد كال بمكيالين، فإذا أردت أن تحسم قيمة سرير 500، وإن أردت أن تضيف قيمة سرير فبـ 3000، هذا تطفيف.
فأنا أقول لكم كلمة أيها الإخوة: دينك ليس في المسجد، في المسجد تتلقى التعليمات فقط من الله، ودرس علم، وتتلقى المكافأة في الصلاة، أما دينك ففي عملك، وما لم يستقم الإنسان في عمله فلن يستطيع أن يقطف من الدين شيئاً، دينك في دكانك، في حقلك، في معملك، وأنواع الغش، أنواع التطفيف لا تعد ولا تحصى، ويكاد المسلمون مع أنهم يقرؤون هذه السورة يقعون في معظم أنواع التطفيف.
لذلك الله توعد هؤلاء بالويل فقال:
﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾
حقهم كاملاً، في أي مكان تقريباً حينما تأخذ حقك تأخذه منقوصاً، أما حينما يأخذ الآخر منك حقه يأخذه تاماً وكاملاً، هذا تطفيف، لكن
﴿ وَيْلٌ ﴾
الويل هو الهلاك
﴿ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾
2 – لابد من معرفة الآمر والأمر:
إذاً: الدين دين مكي، ودين مدني، تشريع مكي، أو آيات مكية، وآيات مدنية الآيات المكية آيات اعتقادية، والآيات المدنية آيات تشريعية، والمكية تعريف بالخالق، والمدنية تعريف بشرعه، لذلك أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده.
أيها الإخوة، هذا درس بليغ لنا، نحن نقرأ السيرة من أجل أن نأخذ إسقاطاتها على حياتنا، وما لم تتسلح بعقيدة يقينية متينة، متماسكة، منسجمة، عن الكون والحياة والإنسان، وعن الخير والشر، وعن الحق والباطل، وعن الجمال من منظور إسلامي والقبح من منظور إسلامي، ما لم تتسلح بعقيدة أساسها التفكر في خلق السماوات والأرض، وما لم تعرف الحلال والحرام فلن تنجو يوم القيامة.
إذاً: لا يكفي أن تعرف الله، كما أنه لا يكفي أن تعرف أمره، عند بعض العلماء مصطلح يعجبني: معرفة الله ومعرفة أمره شرطان للتدين الصحيح، كل منهما شرط لازم غير كافٍ، ما معنى شرط لازم غير كافٍ ؟
من أجل أن تطبخ تحتاج إلى رأس غاز، وإلى أسطوانة غاز، نقول لك: الأسطوانة والرأس، كل منهما شرط لازم غير كاف، الذي عنده اسطوانة غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ، والذي عنده رأس غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ، لا بد من أن تعمل الأسطوانة، وأن تصلها بالرأس حتى يجتمعا فيتكاملا.
فلذلك معرفة الله شرط لازم غير كافٍ، ومعرفة منهجه شرط لازم غير كافٍ.
3 – لابد من العلم والفقه بعد التوبة إلى الله:
إن الإنسان قد يحب الله عز وجل فيتوب، لكن لا يعرف من أمر المنهج شيئاً، فقد يقترف الحرام دون أن يشعر.
مثلاٍ: إنسان يقول لك: هل يمكن أن تقرضني مبلغا من المال أدفعه نصف ثمن بيت، أنا معي نصفه، أعطيك أجرة، مثلاً: بيت ثمنه مليون، معه 500 ألف ليرة قال لك: أريد 500، فدفعتها، وتقاضيت أجرة شهرية فرضاً مبلغا ضعيفا، فإذا تاب الرجل إلى الله، واصطلح معه، لكن ما درس الفقه، يفرح بهذه الأجرة المحرمة، ولما يريد أن يسترد المبلغ استرده بالتمام والكمال، أنا أعطيه 500 ألف، وأريد 500 ألف بالتمام والكمال، هذا ربا، ما دام ضمن رأس ماله، وهو غير خاضع للتغير فكل شيء تقاضاه كأجر يعد ربا، لأنه قرض جر نفعاً، أما إذا أراد أن يسترد نصف ثمن البيت، أو أراد أن يسترد مبلغه، هو توهمه قرضا له بـ 500 ألف، وحتى يكون الإيجار صحيحا وحلالا، الآن يسترد نصف ثمن البيت، قد يكون 450 ألف، قد يكون 700 ألف، فإذا استرد نصف ثمن البيت فالإيجار صحيح.
قد يتوب الإنسان إلى الله، لكن ما عنده دقة بالغة في فهم أحكام التعامل، قد يأكل الربا شاء أم أبا، قد يتورط في أكل المال الحرام دون أن يشعر.
فلذلك أيها الإخوة، كما أنت بحاجة ماسة إلى المرحلة المكية، مرحلة التعريف بالله، خالق السماوات والأرض، أنت في أمسّ الحاجة إلى المرحلة المدنية مرحلة معرفة الحلال والحرام، فهما نشاطان يجب أن يكونا متوازيين. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 282 ).
أحكام الدين. ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾
( سورة الحجرات الآية: 12 ).
أحكام الغيبة. ﴿ لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 11 ).
أحكام العلاقات الاجتماعية.
إذاً: أول سورة نزلت في المدينة كانت سورة المطففين، وهي تتضمن نهياً ووعيداً لهؤلاء الذين يكيلون بمكيالين، إذا اشتروا كالوا بمكيال، وإذا باعوا كالوا بمكيال.
4 – الكيل بمكيالين سمة منتشرة اليوم:
مرة حدثني أخ أراد أن يبيع سيارة، الحقيقة أنه أراد أن يقيمها فقط، فذهب إلى السوق، القصة قديمة، دُفع له فيها ثلاثون ألفا، فلما أراد أن يشتري مثلها طُلب منه سبعون ألفا، فلما جاء بإنسان ليقيمها له تقييما دون أن يقول له سأبيعها، أو سأشتريها أعطاه 45 ألفا، وهذه قيمتها، معناها معظم الناس يكيلون بمكيالين، وهذه السورة تشير إلى هذين المكيالين.
الآن العالم كله مطفف، قوى الأرض كلها مطففة، يحجز عشرين ألف أسير، والعالم كله ساكت، يقع أسير واحد له تقوم الدنيا ولا تقعد.
لذلك ما مِن عمل أحقر في ميزان الأخلاق أن تكيل بمكيالين، بيت فيه بنت ، وفيه زوجة ابن، العطف على البنت، والتبرير للبنت، والشفقة على البنت، والمحاسبة الشديدة على زوجة الابن، والتعنيف الشديد على زوجة الابن، فهذه المرأة في البيت تكيل بمكيالين، لذلك نلغي هذين المكيالين بما أُثر من قول النبي الكريم:
(( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ))
(ورد في الأثر)
الموظف يجب أن يعامَل هذا المواطن كما لو أن الموظف مكانه، يجب أن تعامل زوجة ابنك كما تتمنى أن تعامل ابنتك في بيت زوجها من أهله.
السورة دقيقة جداً، وأوضح ما في هذه السورة أنها تشير إلى الكيل بمكيالين، وأعتقد الآن أنه ما من وصمة عار تلحق العالم الغربي كوصمة الكيل بمكيالين، المسلم له مكيال، وغير المسلم له مكيال.
إن 400 طفل حقنوا بالإيدز وضع العالمُ كله كل وزنه من أجل عدم معاقبة الممرضات، ولما اتهم إنسان بإسقاط طائرة ألزموا تلك الدولة عن كل راكب 500 مليون دولار دية، هذا كيل بميالين، يُقتل إنسان فتقوم الدنيا ولا تقعد، ويُقتل مليون ولا أحد يتكلم.
فهذه أول سورة نزلت في المرحلة المدنية، سورة المطففين، هذه السورة تشير بوضوح ما بعده وضوح إلى أن الكيل بمكيالين من السيئات الكبيرة في حياة الإنسان، والدليل أنها كبيرة أن الله توعد من يكيل بمكيالين بالويل، والويل هو الهلاك،
﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
عن عَائِشَة قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))
(أحمد)
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر ).
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم ).
لذلك وطنوا أنفسكم أنكم إذا فتحتم القرآن، ورأيتم تحت اسم السورة سورة مدنية ففي الأعم الأغلب هي سورة تشريعية تتحدث عن أمر الله عز وجل، عن أمره ونهيه، افعل ولا تفعل، وأنكم إذا فتحتم سورة كتب تحت اسمها سورة مكية وطنوا أنفسكم أنكم مع سور تتحدث عن خلق السماوات والأرض، وعن اليوم الآخر، وعن العذاب، وعن النعيم. ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ *يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾
( سورة الحاقة ).
لذلك قالوا: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وقد سأل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه فقال:
(( أتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))
(البخاري عن أبي هريرة)
إذاً: أول سورة نزلت في المدينة سورة المطففين، وهي سورة تتحدث عن العلاقات بين الناس.
حديث عظيم ينظم العلاقات الاجتماعية:
عن عبد الله بن سلام، هذا رجل من اليهود هداه الله إلى الإسلام قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، أي ذهبوا نحوه مسرعين، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أنظر، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعت يتكلم قال:
(( أيها الناس أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ ))
(رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام)
(( أفْشُوا السَّلامَ ))
قل: السلام عليكم، ولا تقل مرحباً، ( باي )، ما هذا ؟! أنت مسلم، قل: السلام عليكم، الله هو السلام، من أسمائه السلام، قل: السلام عليكم
(( أفْشُوا السَّلامَ ))
نحن من أخطائنا الفادحة أننا نسلم على من نعرف فقط، أما أنت كمسلم فمهمتك أن تسلم على من تعرف، وعلى لم تعرف، الآن جار يسكن فوق جاره لا يتزاورون، ولا سلام بينهما، جارك قل له: السلام عليكم.
(( أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ ))
هناك أشخاص يزورن الكبراء، والوجهاء، والأغنياء، وزيارة هؤلاء ليس عملاً صالحاً، هو من الدنيا، لكن بطولة المؤمن أنه يزور الضعفاء، الفقراء.
له أخت زوجها فقير جداً، ساكنة خارج المدينة، يقول لها: يا أختي ما عندي وقت لأزوركِ، سامحيني، وله أخت ثانية ساكنة بحي راقٍ جداً كل يومين عندها، زيارة الثانية من الدنيا، أما إهمال الأولى فمن المعصية، بطولتك أن تذهب للأخت الفقيرة، التي تسكن في أطراف المدينة، فتؤنس وحشتها ، وتجبر كسرها، وتطيب قلبها.
لذلك:
(( أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ ))
أنا أقول دائماً: تلبية دعوة الكبراء من الدنيا، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة، وقد ورد في بعض الأحاديث:
(( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ))
(رواه الترمذي عن أنس رضي الله عن)
كراع يعني قدم خروف، كراع واحد بالغميم خارج المدينة، الآن يقول لك: يجب أن تكون اللقمات على عدد الخطوات، طعام نفيس جداً والمكان بعيدا، أما المؤمن فيقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
(( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ))
(( من دعي فلم يلبِّ فقد عصى الله ورسوله ))
(الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه ضعف)
صور من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه:
ـ هناك صحابي جليل فقير جداً قدم للنبي خلاً، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ ))
(رواه مسلم عن جابر رضي الله عن)
ـ نذكر ما الذي حصل أول شيء في المدينة، أول شيء حصل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة على الغائب البراء بن معرور، فقد مات البراء بن معرور قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصى أن يوجه إلى الكعبة، وصلى النبي عليه الصلاة والسلام على قبره بعد قدومه إلى المدينة، والبراء من معرور كان تواقاً للكعبة من قبل، فهو الذي صلى باتجاه الكعبة عند قيام الأنصار بالتوجه إلى مكة لبيعة العقبة الثانية، ولم يوافقه بقية الأنصار، وقدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام يذكر له ما فعل في سفره، وصلاته صوب الكعبة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: كنت على قبلة لو صبرت عليها، كانت هي القبلة.
ـ وكما تعلمون كانت امرأة فقيرة تقمّ المسجد، أي تنظفه، فماتت، الصحابة اجتهدوا أنها من ضعف الشأن بحيث لا تستحق أن يبلغ النبي عن موتها، بعد أيام تفقدها فقالوا: ماتت، فغضب، قال: هلا أعلمتموني ؟ فإذا به عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى قبرها ليصلي عليها.
بالتعبير المعاصر مجتمع المؤمنين طبقة واحدة.
(( المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ ))
(رواه مسلم عن أبي هريرة)
الأعمال التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة:
بناء المسجد:
أول عمل قام به عليه الصلاة والسلام بعد استقراره في المدينة أنه بدأ ببناء المسجد النبوي الشريف.
1 – المسجد النبوي بين القديم والحديث:
للتعريف: الحرم النبوي الآن الذي أكرمه بعمرة، الحرم النبوي الآن مساحته هي مساحة المدينة على عهد رسول الله، المدينة كلها هي بمساحة الحرم المدني، والروضة الشريفة فقط ما بين قبره ومنبره، هو المسجد النبوي في عهده، وكان من سعف النخيل ، والمسلمون وصولوا إلى أطراف الدنيا، إلى الصين شرقاً، وإلى إسبانيا غرباً، أما المسلمون اليوم مع أنهم يعدون مليارا وخمسمئة مليون يغزون في عقر دارهم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( نصرت بالرعب مسيرة شهر ))
(متفق عليه)
فلما تركت أمته منهجه من بعده هزموا من بعده مسيرة عام.
2 – مكوث النبي عليه النبي الصلاة والسلام في بيت أبي أيوب الأنصاري:
مكث النبي عليه الصلاة والسلام في دار أبي أيوب منذ اليوم الأول لوصوله إلى المدينة، وكان مبرك ناقته عند المربد، إلى أن تم بناء المسجد والحجرات، قال الزهري:
3 – مكان بناء المسجد النبوي:
بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع المسجد، وهو يومئذٍ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربداً لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، كانت أرض المسجد لغلامين يتيمين، اسم الأول سهل، والثاني سهيل، كانا في حجر ابن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى النبي عليه الصلاة والسلام لأنهما يتيمان، فابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جداراً ليس له سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه، وكان أسعد بن زرارة يجمع أصحابه فيه قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه شجرة غرقد، وخرب، ونخل وقبور للمشركين، فأمر بالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل والشجر فقطعت، فصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، والجانبان مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه ثلاث أذرع، ثم بنوه باللبن.
النبي عليه الصلاة والسلام يساعد أصحابه في بناء المسجد:
جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه.
أحد علماء مصر كان في الحجاز، فلما وسّع الحرم المكي ساهم بنفسه في حمل التراب، لأن المساهمة ببناء البيت الحرام شرف عظيم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبني معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول:
(( اللّهُمّ لاَ عَيْشَ إِلاّ عَيْشَ الآخرة، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةِ ))
(متفق عليه عن سهل بن سعد)
وجعل الصحابة يرتجزون وهم ينقلون اللبن، ويقول بعضهم في رجزه:
لئن قعدنا والرسول يعمل إذ ذاك منا العمل المضلل
وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، وجعل عموده الجذوع، الآن هو من رخام، وسقفه الجريد، سعف النخل، وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن، وسقفها بالجريد، والجذوع، حياة متواضعة جداً، الآن قصور، بيوت، مركبات، اختار الله سبحانه وتعالى لرسالة نبيه زمناً بسيطاً لا تعقيد فيه، فيه تقشف، وكانت أرض المسجد تراباً وسقفه من جريد النخل، وارتفاعه كعريش موسى، يمكن للمصلي أن يلمسه إذا مد يده، الآن أين يمكن أن تمد يدك ؟.
ثم تطورت أحوال المسجد حيث بني فيه المنبر، كان يصلي على جذع نخلة، ثم صنع له المنبر، فحن الجذع إليه، فكان يقف على المنبر، ويضع يده على الجذع إكراماً له، لأن النبي بالتعبير المعاصر جداً شفاف.
دخل إلى بستان أحد الأنصار، رأى جملاً يبكي فتقدم منه، ومسح ذفريه، وقال: مَن صاحب هذا الجمل ؟ قال فتىً من الأنصار: أنا يا رسول الله، واستدعاه وقال: ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتذؤبه.
وفرشت أرضه بالحصى، الأرض حصى، والأعمدة جذوع الأشجار، والسقف سعف النخيل، والإنسان إذا مد يده تصل إلى السقف، وكان في صدره مكان له مظلة يسكن فيه أصحاب الصفة، وهم من فقراء المسلمين، ومن لا مأوى لهم، ثم تعرض المسجد لتحويل القبلة، وتوسيع المساحة، وغير ذلك من التبديلات.
أيها الإخوة، نتابع هذا في درس قادم إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
07-07-2018, 02:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فقة السيرة النبوية
الدرس : (السابع و الخمسون )
الموضوع : دور المسجد فى الاسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
بناء المسجد النبوي الخطوة الأولى في مجتمع المدينة النبوية:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما إن وطئت قدماه أرض المدينة حتى سارع إلى بناء المسجد، وهناك ثقافات أخرى تُسارع إلى بناء المسرح، وكل ثقافة أرضية هناك شيء كبير عندها، أما المسلم فروحه في المسجد.
لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحد السَبْعَةِ الذين يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: (( وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ))
( متفق عليه عن أبي هريرة)
ماذا يعني بناء المسجد النبوي ؟
لذلك في هذا اللقاء الطيب حديث عن دور المسجد في الإسلام.
أولاً: لأن النبي معصوم، ولأن سنته أقواله، وأفعاله، وإقراره، فماذا يعني بناء المسجد، وماذا كانت صفات مسجد رسول الله ؟
1 – المسجد هو الهيئة العليا في الإسلام:
أولاً: بناء مسجد المدينة كان أول عمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، لأن المسجد يحتل أعلى مكانة في المجتمع الإسلامي، فهو مكان العبادة، ومكان طلب العلم، ومكان لقاء المسلمين، الآن موقع هذا المسجد كان في مركز المدينة، كان يتوسط المدينة المنورة.
2 – المسجد النبوي كان في الوسط الهندسي للمدينة النبوية:
أحياناً يكون المسجد الأول في طرف القرية، وهذا خطأ كبير، المسجد يجب أن يكون في الوسط الهندسي، وهل تصدقون أن بيت الله الحرام يقع في الوسط الهندسي للأرض في الوسط الهندسي للعالَمين القديم والجديد، فلو أخذنا العالم القديم، وأخذنا أطراف العالم القديم ووصلنا بين الأطراف بأقطار، يكون مكان تقاطع الأقطار هو بيت الله الحرام، ولو أخذنا العالم الجديد، وأخذنا أطراف العالم الجديد، ووصلنا بينها بالأقطار يكون مكان تقاطع الأقطار هو بيت الله الحرام، ولا يقابل بيتَ الله الحرام موقعٌ بري في طرف الأرض الآخر، طبعاً في هذه المسألة بحث مطول، وأراه أنا من الإعجاز العلمي ؛ أن موقع مكة المكرمة هو الوسط الهندسي للعالَمين القديم والجديد، فإن مكة تبعد عن أي نقطة في أطراف العالم القديم 8500 كم، وتبعد مكة المكرمة عن أي نقطة متطرفة في العالم الحديث 13 ألف كيلومتر، فمكة المكرمة بهذا الاعتبار وسط هندسي للعالَمين القديم والجديد.
3 – المسجد له رسالة شاملة:
كان هذا المسجد على تواضعه مركز النشاط العام العمراني، والاقتصادي والاجتماعي، والتربوي، والسياسي، والعسكري.
مع الأسف الشديد جداً فإن بعض المساجد للصلاة فقط، المسجد له ـ ولا أبالغ ـ مئات الوظائف، للصلاة، ولإلقاء الدروس، وللمشاورة، المسجد له رسالة، وما لم يستعد المسجد رسالته فلن ينهض المجتمع الإسلامي، رسالته مكان يجمع المؤمنين، يجمعهم للعبادة، ولطلب العلم، وللتشاور، وللتعاون، من أجل أن يؤدي المسجد رسالته.
المسجد النبوي كان بسيطاً، أنا أتمنى أن يكون مسجدنا بسيطاً.
أعرف مسجدا كنت أدرس فيه في دمشق، واسع جداً، جدرانه مطلية بطلاء جيد ، فيه إضاءة جيدة، وتدفئة جيدة، وتكييف جيد، و مكبِّر صوت جيد، لكن ما فيه زخرفة، لذلك هناك محسنون لا يدفعون في بناء المساجد إلا على الهيكل فقط، لئلا يتورط من يشرفون على بناء المسجد بزخرفة غالية جداً.
أنا أذكر مسجدا من أجل آيات تزين جدرانه دفعِت ملايين الليرات، ومكن بثمن هذه الزخرفة لجدرانه أن ننشئ مسجدين بالمبلغ نفسه.
أول صفة: ينبغي أن يكون المسجد مريحاً، فيه تدفئة شتاء، وتبريد صيفاً، وفيه ماء بارد، وماء ساخن للوضوء في الشتاء، وفيه نقل صوت جيد، وفيه إضاءة جيدة فقط، هذا المطلوب، فما فوق ذلك يمكن أن ينفق في بناء مسجد آخر، فصفة هذا المسجد أنه كان بسيطاً، من حيث مواده الأولية، وفي الوقت نفسه كان هذا المسجد معهد إعداد رجال، فقد ترك النبي عليه الصلاة والسلام أبطالا، أين تربوا ؟ في المسجد، المسجد يبني نفوس المؤمنين.
لذلك المؤمنون في مساجدهم كالسمك في الماء، والمؤمن يحب الله، ومن فروع محبة الله محبة المساجد، فهو يرتاح في المسجد، ولما يصلي.
إذا سافرت إلى بلد، ودخلت إلى مسجد تقضي حاجة، ثم تتوضأ، وتصلي فإنك تستريح راحة كبيرة جداً.
كتعريف دقيق: كان المسجد معهداً لإعداد الرجال، وبناء المجتمع، فكيف تبني بناء من أساس، الطابق الأول، الثاني، لبنة، لبنة، دعامة، دعامة، المسجد يبني المؤمنين، يبني عقيدتهم، يبني منهجهم، يبني نفوسهم، يبني تصوراتهم، يبني آمالهم.
كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم دار عبادة، ومجلس شورى، ومعهد علم، وتعليم، وتربية، ومجلس ضيافة، يأتي ضيف إلى المسجد، ومكان حوار بين الأطراف مع الوفود القادمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومأوى للمهاجرين، ومصنعاً للأبطال، وحبساً للأسرى، ومجلس دعوة إلى الله، إلى غير ذلك من المهمات الجليلة.
هذه المهمات الجليلة في آخر الزمان مُسخت إلى أداء الصلوات فقط، وهو في الحقيقة مجلس شورى، مدرسة تعليم، بناء أمة، تدريب، حوار، استقبال ضيوف، مأوى للفقراء، في أجنحة تابعة للمسجد.
وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة ومثلاً أعلى في بنائه، ووضع أساسه وتحديد قبلته، فهو في الوقت نفسه القدوة والمثل الأعلى للمسلمين في القول، والعمل والسلوك، كان بنفسه يبني المسجد.
بالمناسبة: بناء المسجد وسام شرف، وأذكر عالما كبيرا من علماء مصر كان مقيما في مكة المكرمة وقت توسعة الحرم، حدث عن نفسه فقال: عمل أياماً طويلة وشهوراً في نقل التراب من مكان إلى مكان، على علو قدره، لأن بناء المسجد وسام شرف للمؤمن. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 127 ).
مرة زرت إنسانا يعمل في خدمة المسجد، لكن لفت نظري أن المسجد نظيف نظافة تفوق حد الخيال، وكأنه بيت لامرأة أصيبت بوسوسة النظافة، فمن مستحيل أن تصلي ببذلة ذات لون داكن، وأنت ترى شيئاً أبيض عند ركبتيك، لتنظيف السجاد اليومي بالآلات حديثة مع الماء والغسيل، فكان هذا الأخ يتفانى في خدمة المسجد، إن تدخلت إلى مرافقه العامة فكأنها في بيت، صاحبته مصابة بوسوسة النظافة، سألته، قال لي: هذه صنعة الأنبياء. ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 125 ).
خدّام المساجد تحفِّزهم هذه الآية حفزاً لا يعقل. ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾
( سورة البقرة ).
إذاً: خدمة المسجد وسام شرف، وأنا أقول دائماً: لو أن إنسانا أخذ قشة من المسجد، ووضعها في جيبه كان له أجر، وجد قشة يجب ألا تكون، حملها، ووضعها في جيبه، هذا من تعظيم الله عز وجل، لقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
( سورة الحج ).
بيت النبي وحجرات أزواجه كانت بجوار المسجد:
وكان بناء حجراته وسكناه بجوار المسجد، أنا أرى البيت المجاور للمسجد له ميزة كبيرة جداً، تستمع إلى الأذان، وللصلوات الخمس، فتبادر إلى الصلاة في المسجد، وأنت جار المسجد، وصلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ 27 ضعفا، وأنا أتمنى إذا اشترى إنسان بيتا أن يلحظ أن يكون قريباً من المسجد.
لذلك كان عليه الصلاة والسلام حجراته وسكانه بجوار المسجد، وبابه مشرّع إليه، ويعجبني كثيراً أن يبنى المسجد ومعه بيت للإمام، وللخادم، ولما تؤمِّن للإنسان بيتا فإنه يستقر، والآن مساجد عديدة فيها بيت للخادم والإمام، وما دام المسجد في مركز المدينة فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت بيوته حول المسجد، وهي في وسط المدينة.
بعض العلماء يحرصون على أن تكون بيوتهم في مركز معقول، أحيانا يختار مكانا بعيدا جداً مريحا، لكنه بعيد عن حاجات الناس.
فحجرات النبي عليه الصلاة والسلام تسهل لقاء الناس معه، وسؤالهم إياه وتعاونهم، وتظافرهم حوله، ومعه، وبه، فكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، لكن حدث تطور جديد:
لما توسعت المدينة وامتدت، والأطفال يصعب عليهم أن يأتوا إلى المسجد أمر النبي بإنشاء مساجد في أطراف المدينة، هذه حاجة، فهناك مسجد مركزي، ومساجد للأطفال وللضعفاء، وللمتقدمين في السن، هذه المساجد قريبة من بيوتهم.
لابد من توسيع رسالة المسجد:
أنا أفرح أشد الفرح حينما أرى في معظم المساجد معاهد تحفيظ قرآن للأطفال في الصيف يتعلمون القرآن، ويكون مأوى لهم، والعطلة الصيفية مشكلة كبيرة لأسرة لا ينضبط أبناؤها.
والله مرة سافرت إلى بلدة في الشرق، دخلت إلى المسجد فلم أجد مكانا، كل الحاضرين صغار يتعلمون القرآن الكريم، الآن بعض المعاهد تستغل الوقت فتقيم معهدا صباحيا ثانويا، ومعه توقيت مسائي للجامعيين، ففي النهار هذه القاعة للصف السادس الشرعي، ومساء هذه القاعة لاختصاص الشريعة والقانون، فلما نستخدم البناء مرتين فهذا نوع من الاستغلال للبناء، أنا أتمنى أن يوظف المسجد في وظائف لا تعد ولا تحصى.
الآن مكتبة مثلاً، الكتب غالية، فإذا وُحِدت مكتبة في المسجد فهذا شيء جميل، أحياناً مستوصف، الآن بعض المساجد معها مستوصف، المحسنون يؤسسون هذا المستوصف فيه أطباء للمعالجة العامة، ومعالجة داخلية، وقلبية، وجلدية، فيه أجهزة، فيه أدوات، فيه موظفون، فصار المسجد فيه مكتبة، ومستوصف، و مدرسة، وملحق معه معهد، وجمعية خيرية، ومكان للدعوة، ومكان للقاءات، ومكان للحوار، ومكان للضيوف، هذا الذي أتمناه أن يستعيد المسجد دوره القديم، لأن وظائف المسجد لا تعد ولا تحصى، وهي كثيرة جداً.
لكن بالمناسبة، لو أن قرية فيها ثلاثة مساجد، أحد المساجد يتسع لكل أبناء القرية من أجل وحدة الشمل، لا يجوز أن تكون صلاة الجمعة إلا في مسجد واحد، إذا كان أحد المساجد يستوعب أهل القرية كلهم، إذاً: الصلاة صحيحة في واحد، وغير هذا الواحد الصلاة غير صحيحة.
لذلك قالوا كقاعدة: الجمعة لمن سبق، يعني أول مسجد تقام فيه الجمعة فيه الصلاة صحيحة، أما الآن دمشق فيها خمسة ملايين ونصف مليون، ولا يوجد جامع يمكن أن يستوعبهم، إذاً: جميع المساجد صلاة الجمعة فيها صحيحة، فلا حاجة أن نصلي الظهر، والسادة الشافعية يصلون الظهر احتياطاً.
الجانب الشكلي في المسجد النبوي:
وكان المسلمون يستنيرون ليلاً بإشعال سعف النخل في مؤخرة المساجد، سبحان الله مفارقة حادة، المساجد كبيرة، مزدانة، مزخرفة، مدفأة شتاء، مكيفة صيفاً، فيها إنارة ، فيها ثريات، فيها منابر، فيها أماكن تدريس، فيها أبهاء، فيها صحن كبير، والمسلمون يغزون في عقر دارهم.
قديماً كان المسجد أرضه من البحص، وسقفه من سعف النخيل، وقد حدثني أحد الإخوة الكرام أن المسجد النبوي الروضة فيه خضراء، والمسجد الحالي يغطي مساحة المدينة المنورة كلها، أي إن حدود المسجد الحالي حدود المدينة في عهد رسول الله كلها، والروضة الشريفة مع المحراب، مع السواري، هذه مساحة المسجد في عهد رسول الله، فالعبرة بالقلوب المؤمنة، لا بالثريات المتألقة.
تميم الداري كان في الشام فاشترى قناديل وحبالا، وجاء إلى المسجد النبوي، وعلق القناديل بالحبال، وأشعل القناديل، ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام فسرَّ بهذه القناديل سروراً عظيماً، وسأل: من فعل هذا ؟ قالوا: تميم الداري، فأثنى عليه ثناء كبيراً.
لذلك خدمة المسجد شرف كبير، تروي روايات أن المسجد النبوي الشريف استغرق بناءه سبعة أشهر، والنبي عليه الصلاة والسلام يسكن في دار أبي أبوب الأنصاري، ثم نقل سكنه إلى حجرتي سوده بنت زمعة وعائشة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثمّ بنيت باقي الحجرات تباعاً.
أنا أتمنى أن يكون المسجد مكان عبادة أولاً، ومكان تدريس ثانياً، ومكان لقاء ثالثاً، ومكان حوار رابعاً، وفيه مكتبة، وفيه مستوصف، وفيه مدرسة، وفيه مرافق كثيرة، فلعل الله سبحانه وتعالى يعيد لنا مجد المساجد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق ))
( الجامع الصغير عن ابن عمر بسند حسن )
أضرب مثلا:
قد يأتي الإنسان مع زوجته إلى المسجد، هي في قسم النساء، وهو في قسم الرجال، يستمعون إلى موضوع في العلاقات الزوجية، فتزداد معرفة بقدر زوجها، ويزداد اتباعاً لوصية النبي في النساء، يذهبان إلى البيت، كل طرف يبالغ في خدمة الطرف الآخر، فتنشأ المودة بينهما، ولو أن الزوج وزوجته ذهبا إلى السوق، وأعجبتها قطعة ثياب، وثمنها باهظ ، فرفض الزوج لنشب خلاف بينهما، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق ))
نصحت أخا ذهب إلى بريطانية، قال لي: ماذا أفعل ؟ نصحته أن يستأجر بيتاً إلى جانب مركز إسلاميي، قال: لمَ ؟ قلت له: أولاً الإنسان قوي بأخيه، وفي المركز تتعرف إلى إخوة مؤمنين، والرفيق المؤمن في السفر مهم جداً.
مرة التقيت بأب أرسل ابنه إلى بلد غربي للدراسة، وأصر الأب على تزويج ابنه قبل أن يذهب، فقال لي: هذا الشاب الطبيب الآن قال لي: أمضيت سنوات سبعا في هذا البلد، وإلى جانبي زوجتي، وكأنني في حصن حصين.
التأريخ الإسلامي بدأ بالهجرة النبوية:
أيها الإخوة، الآن ابتداء التأريخ الإسلامي من الهجرة النبوية، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتأريخ، فكتب من حين الهجرة في ربيع الأول، قال أبو جعفر: " فذكرى أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة ".
وعن سهل بن سعد قال: << وما أصاب الناس العدد ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ولا عدوا من مقدمه إلى المدينة >>.
الإسلام حركة:
لكن لماذا لا يبدأ التأريخ من بعثة النبي، أو من ولادة النبي، أو من موت النبي عليه الصلاة والسلام، الهجرة حركة، والمؤمن متحرك، وقيمة المؤمن بحركته وبعمله، فميلادك لا يعني شيئاً، والوفاة لا تعني شيئاً، أما الهجرة فتعني كل شيء، تعني إنسانا تحول من بلد يعصى الله فيه إلى بلد يعبد الله فيه، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾
( سورة النساء ).
أيها الإخوة الكرام، حكمة بالغةٌ تؤكد أن الإسلام حركة، أن الإسلام التزام، أن الإسلام عطاء وأخذ، صلة وقطيعة، رضى وغضب، لأن الإسلام حركة، أمر النبي أن تتخذ الهجرة بداية للتاريخ الإسلامي.
وفي التأريخ الإسلامي عدّ شهر المحرم رأس السنة، فعن عبيد بن عمر قال: " إن المحرم شهر الله عز وجل وهو رأس السنة فيه يكسى البيت، ويؤرخ التاريخ، ويضرب فيه الورق، أي النقد، وفيه تاب قوم فتاب الله عز وجل عليهم ".
إذاً: أيها الإخوة، لأن الإسلام حركة، ولأنه عمل، ولأن الله عز وجل: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 32 ).
لذلك بدأ التأريخ الإسلامي من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام.
الدعوة الإسلامية بعد الهجرة:
الآن مع الدعوة الإسلامية بعد الهجرة:
لم يمضِ على عودة أصحاب البيعة الثانية وقت طويل حتى انتشر الإسلام في دُورِ الأنصار، فلم يخلُ بيت من بيوتهم من مسلم، أو من يتحدث بحديث الإسلام، والأنصار يتوالون في الانضمام إلى الركب الإسلامي تباعاً، ولم يبقَ منهم أحد خارج دائرة الإسلام بعد هزيمة الأحزاب، أي أن أقلّ من خمس سنوات كان الزمن الذي عاشته الدعوة الإسلامية ما بين الهجرة وشمول الإسلام كل الأنصار.
1 – من إسقاطات المرحلة المدنية على واقعنا اليومي:
مثلاً: يأتي شاب إلى المسجد فيطرب أشد الطرب، يفرح، ينتشي، يتوب إلى الله، يقبل عليه، يشتهي ملاقاة أخيه، ويدعوه إلى بيته، يشتهي ملاقاة ابن عمه، وملاقاة ابن خاله، كان شاباً واحداً فأصبح بعد حين جمعاً غفيراً.
أعرف أخا من إخواننا أمّن مئة شريط للدروس، بدأ يوزعها على أقربائه، لكنه توزيع دقيق يسجل، يعطي الشريط ويقول لصاحبه: اسمعه، وبعد يومين سآتي لآخذه، هذه المئة شريط خلال ستة أشهر جعل عددا كبيرا من أقربائه من رواد المسجد، ومن طلاب العلم، وقد أكرمهم الله بالهداية، فالإسلام حركة أيها الإخوة.
وكان من المظاهرة المثيرة للانتباه هذا الانتشار السريع، بل والذي حمل معه ألوان الأخوّة والتضحية الشيء الذي لا يكاد يصدق، الأنصار عرضوا على المهاجرين نصف ممتلكاتهم، نصف بساتينهم، عنده دكانان يقول له: خذ واحدا، عنده بيتان، خذ واحداً، ولم يسجل التاريخ أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً، الأوائل كرماء، والمهاجرون أعفة.
الصحابي الجليل الغني عبد الرحمن بن عوف آخاه النبي مع سعد بن الربيع أعطاه دكاناً، أعطاه مالاً، قال له: بارك الله بمالك، ولكن دلني على السوق.
الآن ماذا يحصل ؟ يكون المستشفى الحكومية أسعاره رمزية لفقراء المسلمين، فيأتيها الأغنياء ليجروا عمليات بأسعار مخفضة، أنا أتألم، هذه ليست لكم، أنتم أغنياء، دعوها للفقراء.
كان قديماً الأنصاري يعرض على المهاجر بيتاً، أو مالاً، يقول له: << بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق >>، بقدر سخاء الأنصار عفة المهاجرين.
أيها الإخوة الكرام، ما لم نتأسَ بهذه السيرة، وما لم تكن هذه السيرة منهجاً، لأن النبي كما تعلمون أقواله تشريع، وأفعاله تشريع، وإقراره تشريع، بل إن أفعاله يعدها بعض العلماء أصدق في التعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله، لأن أقواله تخضع للتأويل أحياناً، بينما أفعاله حدية ما لم تكن هذه السيرة منهجاً فلن نفلح أبدا.
2 – المسجد موضع الإكرام:
أيها الإخوة، أريد أن أبلغكم أن المسجد قوام حياة المسلمين، وأن رواد المساجد هم عمّارها.
(( إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره ))
( رواه الطبراني عن ابن مسعود ).
سؤال محرج أين الإكرام ؟
نحن جالسون على الأرض، ليس هناك مقاعد وثيرة ولا ضيافة، ولا كأس عصير، ولا قطعة حلوى، أين الإكرام ؟
الإكرام أنك حينما أتيت بيت الله حُق على الله أن يكرمك، يكرمك بالتوفيق، يكرمك بالحفظ، يكرمك بالتأييد، يكرمك بالنصر، يؤتيك الحكمة. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 ).
يمنحك نعمة الأمن. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾
( سورة الأنعام ).
يمنحك نعمة الرضا، ترضى عن الله، يمنحك زواجاً موفقاً، يمنحك رزقاً حلالاً يمنحك صحة عالية، هذا إكرام الله عز وجل.
(( إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره ))
عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ))
( مسلم)
يعني يا رب تجلَّ على قلبي، سأصلي فتجلَّ على قلبي بالسكينة، ألقِ في قلبي نوراً أرى به الحق حقاً والباطل باطلاً، أما إذا خرج من المسجد له دعاء آخر:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ ))
( مسلم عن أبي أسيد )
يا رب ارزقني عملاً صالحاً في بيتي، وفي الطريق، وفي عملي، يكون تجسيداً لفهم دينك، ففي الدخول:
((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ))
وفي الخروج:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ... وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ))
( متفق عليه )
والحمد لله رب العالمين
الختام
آفراح
07-10-2018, 01:36 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية
منال نور الهدى
09-12-2018, 08:59 PM
جزاك الله خير جزاء واسعدك الله على المجهود والطرح القيم أخي السعيد
في أمان الله وحفظه
عاشقة الأنس
11-17-2018, 10:38 AM
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, النسخة الماسية
diamond