تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : هدى النبى صلى الله علية وسلم


السعيد
06-24-2018, 06:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الاول )


الموضوع : هدية فى طعامة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه :
أيها الأخوة الكرام، نحن في دورة جديدة؛ بعد رمضان هناك دورة جديدة في الدروس، اخترت لكم كتاب: "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن قيم الجوزي؛ هذا الكتاب فيه هدي النبي في كل أحواله، ومن أندر الكتب، كتاب سيرة مع فقه بآن واحد، فاليوم: "هدي النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه".
كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام أنه لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مقصوداً.
بعض الأدباء قال: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، فكان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد- لا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، هنا لا يرد موجوداً ولا يتكلف مقصوداً- فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله؛ كان لا يذم الطعام ولا يمدحه؛ ما عاب طعاماً قط؛ هناك إنسان يدعى إلى طعام، يعطي عشر ملاحظات، هذه مالحة زيادة، هذه ما أحسنت انتقاء هذا الطعام http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10158/01.jpg
فكان عليه الصلاة والسلام، لا يذم طعاماً قط، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافه نفسه، فيتركه من غير تحريم؛ لا يحرم؛ التحريم قضية كبيرة؛ هناك أشخاص مباشرة يحللون ويحرمون؛ التحليل والتحريم للذي فيه نص، إن لم يكن هناك نص فالأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في العبادات الحظر؛ فلا تشرع عبادة إلا بنص، ولا يحرم شيء إلا بنص؛ مادام لم يكن هناك تحريم فالأصل في الأشياء الإباحة، قال: إلا أن تعافه نفسه، فيتركه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه كما ترك أكل الضب لمّا لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة، بل أكل على مائدته وهو ينظر.
مرة سيدنا خالد أكل الضب أمامه، فكان تعليق النبي تعليقاً غريباً، لا علاقة له بالواقعة؛ قال: خالد سيف من سيوف الله.
سيدنا خالد مكي، أي من أبناء مكة المكرمة، وهذه تعد من أرقى المدن في الجزيرة، أي أذواقه رفيعة، فلما أكل الضب أمام النبي أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أن سيدنا خالداً يعد نفسه للجهاد، فهذا الضب يولد بالصحراء، فيأكله ويُعلّم الناس أن يأكلوه - الذين يقاتلون معه - فعرف النبي عليه الصلاة والسلام أن أكل الضب من قِبل خالد دليل أن يوطن نفسه على الجهاد لأمد طويل.
النبي عليه الصلاة و السلام كان لا يرد طيباً و لا يتكلفه :
أكل الحلوى و العسل - وكان يحبهما- وأكل لحم الجزور – الجمل-، والضأن، والدجاج، ولحم حمار الوحش، والأرنب، وأكل طعام البحر، وأكل الشواء، وأكل الرطب والتمر، وشرب اللبن خالصاً ومشوباً؛ أي عيراناً مع الماء، خالصاً ومشوباً، وشرب العسل بالماء - كان يحب شربة العسل، والعسل إذا مدد بالماء كان أنفع-، وشرب نقيع التمر، وأكل الخزيرة- وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق- وأكل القثاء بالرطب، وأكل الإقط - لبن مجفف- وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل الثريد- وهو الخبز باللحم- وأكل الخبز بالإهالة- وهي الودك، وهو الشحم المذاب- وأكل من الكبد المشوية، وأكل القديد- لحم مجفف- وأكل الدباء المطبوخ- اليقطين- وكان يحبها، وأكل المسلوقة، وأكل الثريد بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب، وأكل التمر بالزبد - وكان يحبه - ولم يكن يرد طيباً، ولا يتكلفه؛ بل كان هديه أكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر:
((هل عندكم شيء؟ قالوا: لا، قال فإني صائم))
[مسلم عن عائشة]
النبي الكريم كان لا يتكلف مقصوداً ولا يكثر من الموجود و يسمي الله و يحمده :
لا يتكلف مقصوداً، ولا يكثر من الموجود، ويرى الهلال والهلال والهلال، ولا يوقد في بيته نار- من يتحمل من دون طبخ جمعة، حواضر، أشياء بسيطة-، وكان معظم مطعمه يوضع على الأرض في السفرة، وهي كانت مائدته - يأكل على الأرض - وكان يأكل بأصابعه الثلاثة، ويلعقها إذا فرغ، كان يغسل يديه قبل الطعام، حتى إذا لعق يديه كانتا طاهرتين، ويلعقها إذا فرغ، وهو أشرف ما يكون من الأكلة، أي ألطف أن تأكل بثلاثة أصابع؛ أما بالخمسة فهذا دليل جشع؛ بأصبع واحدة دليل الكبر؛ وبالثلاثة سنة، وبالخمسة جشع؛ قال: فإن المتكبر يأكل بأصبع واحدة، والجشع والحريص يأكل بالخمسة، ويدفع بالراحة، وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل متكئاً؛ والاتكاء على ثلاثة أنواع؛ أحدها الاتكاء على الجنب، الثاني التربع، والثالث الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، وكان عليه الصلاة والسلام يسمي الله تعالى على أول طعامه، ويحمده في آخره؛ فيقول عند انقضائه:
((الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا))
[البخاري عن أبي أمامة]
وربما قال: ((الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، منّ علينا فهدانا، وأطعمنا فسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلاً، الحمد لله رب العالمين))
[النسائي عن أبي هريرة]
أكمل شيء في الطعام أن يذوق الإنسان لذته وينتفع بقوته ويذهب عنه أذاه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10158/02.jpg
حتى رأيت في بلاد بعيدة جداَ أن دعاء الطعام وارد عند كل الشعوب، وهي من بقايا الأديان حتى غير المسلمين لهم دعاء قبل الطعام، ودعاء بعد الطعام، وهذا الدعاء مستقى من أصول الديانات؛ الطعام من خلق الله عز وجل، والمائدة التي نأكل عليها هي مائدة الله عز وجل، وثمن الطعام في الحقيقة هو ثمن خدمته، أما الإنسان لو أراد أن يصنع هذه الخضروات والفواكه فلا يستطيع، أما ثمن هذه الخضروات والفواكه والقوت؛ فهو ثمن خدمة هذه المزروعات، أما الذي صممها وأنبتها وأخرجها وأعطاها الغذاء والقوة فهو الله عز وجل، هذه الحقيقة عبّر عنها النبي بدعاء كريم كان يدعوه عقب دخوله إلى الخلاء، يقول:
((الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
الطعام له فضلات؛ تذهب عن الإنسان، وله قوة – الحريرات-، وله طعم؛ فأكمل شيء في الطعام أن تذوق لذته، وأن تنتفع بقوته، وأن يذهب عنك أذاه:
((الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
نهي الإنسان عن الشرب و هو قائم وجوازه لعذر يمنع من القعود :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10158/03.jpg
وكان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه، وكان أكثر شربه قاعداً؛ بل زجر عن الشرب قائماً؛ وقد يكشف الأطباء - والله أعلم - أن شرب الماء قاعداً أفضل لصحة الجسم، وكان أكثر شربه قاعداً، بل زجر عن الشرب قائماً؛ وشرب مرة قائماً؛ فقيل هذا نسخ لنهيه، وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين، والأصح من هذا أنه شرب قائماً ماء زمزم في الحج، لشدة الازدحام، لو أمر أن يشرب المرء قاعداً لهلك الناس؛ فهناك حالة استثنائية لسبب واضح؛ هو أنه في الازدحام شرب قائماً لئلا يهلك الناس حينما يجلسون، لأنهم قد يتأذون في الازدحام الشديد.
إذاً والذي يظهر فيما أعلم - يقول مؤلف الكتاب - أنها واقعةُ عينٍ شربَ الماء فيها بعذر واقفاً، وسياق القصة يدل على ذلك؛ فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها، فأخذ الدلو وشرب قائماً، والصحيح في هذه المسألة النهي عن الشرب قائماً، وجوازه لعذر يمنع من القعود، وبهذا تجمع الأحاديث في هذا الباب - والله أعلم -.
وكان إذا شرب ناول من على يمينه، وإن كان من على يساره أكبر منه، قاعدة: إذا شرب ناول من على يمينه، لذلك استنبط العلماء أن التيامن في تقديم الضيافة يحل كل المشكلات؛ الإنسان يريد أن يقدر، من الكبير؟ من الأوجه؟ من الأعلم؟ ..قضية تقييم الأشخاص قضية تثير حساسيات كبيرة جداً، لذلك الدخول من على اليمين، وتقديم الطعام من على اليمين، وانتهى الأمر، ما من مشكلة أبداً؛ حتى أنه في مرة عن يمينه غلام، وكان عن يساره سيدنا الصديق، فقال يا غلام أتأذن لي؟ قال والله لا أدع حقي في الشرب بعدك؛ فناوله الإناء، وشرب من على يمينه.
قاعدة: ابدأ باليمين - مطلق اليمين - وتابع الأمر.
النبي وحده معصوم ومشرع و كل أفعاله وأقواله وإقراره سنة :
أيها الأخوة الكرام، النبي وحده معصوم ومشرع؛ فكل أفعاله، وكل أقواله، وكل إقراره سنة؛ والله عز وجل يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر:7]
نحن بحياتنا إنسان واحد معصوم لا يخطئ؛ هو النبي، فإذا درسنا سيرته- طبعاً هذا الكتاب له نكهة خاصة، سيرة وفقه بآن واحد - ندرس ماذا فعل وأفعاله تشريع، ونختار منه طبعاً لأن الكتاب عبارة عن ستة أجزاء، نحن نختار من هذا الكتاب أشياء ممكن أن تكون محوراً لدرس في الفجر؛ فهذا نوع من أنواع سيرته صلى الله عليه وسلم؛ هديه في طعامه وشرابه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10158/04.jpg
أنا سمعت أن هناك عصباً بين المعدة والقلب، اسمه العصب الحائر، أو اسمه العصب المبهم، وهناك تقريباً بتاريخ الطب، أو ببعض الدراسات الطبية، حالات كثيرة من الموت المفاجئ؛ بسبب شرب الماء دفعة واحدة؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب))
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بالشطر الأول، ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رباح "إذا شربتم فاشربوا مصا"]
عندما يشرب الإنسان الماء البارد دفعة واحدة، ودرجة حرارة جسمه سبع و ثلاثون ربما تنبه هذا العصب تنبهاً قاسياً فأودى بحياة الإنسان، هذا أيضاً من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.
و قال أيضاً: (( فأبن القدح عن فيك ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أبعد القدح عن فمك؛ هناك حالات من العدوى تأتي عن طريق التنفس. على المسلم أن يتأدب بآداب النبي عليه الصلاة والسلام :
وكان عليه الصلاة والسلام لا يشرب من إناء فيه ثلمة، الإناء الذي فيه ثلمة فيه جراثيم، فكان لا يشرب من هذا الإناء، وكان يغطي أوعية الطعام والشراب في الليل لئلا يدخل فيها شيء، وكان يأكل بيمينه، وكان يأكل الطعام من أمامه، أما الفاكهة فيتخير منها، قال تعالى:
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾
[سورة الواقعة: 20]
لك أن تختار من الفاكهة ما يعجبك، أما الطعام فتبدأ من الذي يليك، وهذا من السنة، وهناك أشياء كثيرة في السنة لو أخذنا بها لكنا في حال أعلى من هذا الحال؛ أي المسلم يتأدب بآداب النبي عليه الصلاة والسلام، و إن شاء الله نتابع هذا الموضوع في كل أحوال النبي؛ في طعامه وشرابه، وزواجه، وتربية أولاده، في سلمه وحربه، في إقامته و سفره، وهذا ينفعنا في حياتنا إن شاء الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثانى )



الموضوع : هدية فى نومة وفراشة



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه :
أيها الأخوة الكرام، درسنا اليوم عن "هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه"، فكان عليه الصلاة والسلام ينام على الفراش تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله، وتارة على كساء أسود، قال عباد بن تميم عن عمه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى"
أي كان متواضعاً ينام على الحصير، ينام على الأرض، ينام على الفراش، ينام على السرير، ينام على كساء يثنيه ثنيتين، ومرة ثني له أربع ثنيات، فقال: شغلني عن صلاتي، أي صار مريحاً، وربنا عز وجل قال:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾
[ سورة السجدة:16]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/01.jpg
أي الاستغراق في النوم.
أساساً الآن هناك بحث علمي هو أن الإنسان إذا نام طويلاً، وامتد نومه إلى ساعات طويلة؛ الدم يمشي بطيئاً في الأوعية؛ القلب يرتاح فينبض خمسين نبضة وهو نائم، أو ستين، إذاً الدم حركته بطيئة، و كل ما في الدم من رواسب يترسب على جدران الأوعية، فقال كاتب هذا البحث العلمي - الذي لا يعرف الإسلام إطلاقاًً، و هذا البحث بحث مترجم - الإنسان ليتقي ضيق الأوعية وتجلط الدم لابد من أن يستيقظ بعد أربع ساعات من نومه ليؤدي بعض الحركات الرياضية، أو ليمشي في الطريق، فأحد أسباب الوقاية من أمراض القلب والأوعية أن تنام أربع ساعات ثم تستيقظ، تجري تماريناً رياضية، أو تمشي في الطريق ربع ساعة، أي صلِّ الصبح حاضراً؛ أما النوم المديد فله مشكلة؛ يصبح الجسم مرتاحاً، والقلب يتباطأ، والدم يمشي بطيئاً، وما يوجد به من مواد عالقة تترسب على جدران الأوعية، هذا شيء معروف، فالذين يصممون الأنابيب إن لم يكن هناك ميل شديد يمشي الماء بطيئاً، والمواد العالقة بالماء تترسب على جدران هذه الأنابيب، يأتي وقت تغلق هذه الأنابيب، فلذلك كل شيء سنّه لنا النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادة وصحة في الوقت نفسه، جاء في الحديث أن: ((سيدنا عمر دخل عليه ورآه نائماً على الحصير؛ فبكى، قال: ما يبكيك يا عمر؟ قال: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟ قال: أفي شك أنت يا عمر؟ إنما هي نبوة وليست ملكاً، وفي رواية أخرى: يا عمر أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟))
[صحيح عن أنس بن مالك]
تواضع النبي عليه الصلاة و السلام :
الشيء اللطيف أن الإنسان عندما يعمل ينام بكل أوضاعه؛ مرة على الفراش، ومرة على السرير، ومرة على الأرض، و هناك شخص وضعه المعاشي لا يحتمل، رفاهيته الزائدة تجعله لا يحتمل أن يغير شيئاً من أنماط حياته، أما المؤمن فيألف ويؤلف.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/02.jpg
وكان فراشه أدماً حشوه ليف - هذا كان قديماً- أي جلد محشو بالليف، وكان له مسح ينام عليه أحياناً – أي قماش- يثنيه بثنيتين، وثني له يوماً أربع ثنيات، صار أكثر راحة، قماش أربع ثنيات؛ فنهاهم عن ذلك وقال: ردوه إلى حاله الأول فإنه منعني صلاتي الليلة.
والنبي عليه الصلاة والسلام نام على الفراش وتغطى باللحاف، وقال لنسائه:
((ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكن غير عائشة))
[أخرجه النسائي عن أم سلمة]
أي جاءه جبريل وهو نائم على فراش ومغطى باللحاف عند عائشة، وكانت وسادته أدماً محشوة بالليف، هذه وسادته قدمها لعدي بن حاتم.
قال عدي بن حاتم: دفع إليّ النبي وسادة محشوة ليفاً وقال: اجلس عليها، - سيد الخلق له وسادة من ليف ينام عليها، ويقدمها لضيفه أحياناً- قال: بل أنت. قال: بل أنت. قال: فجلست عليها، وجلس هو على الأرض. الموت و الحياة بيد الله وحده :
وكان إذا آوى إلى فراشه للنوم، قال:
((باسْمِك اللَّهمَّ أحيا وأمُوتُ))
[البخاري عن حذيفة بن اليمان]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/03.jpg
أي أنا حي مادمت قد سمحت لي أن أحيا، وإذا شئت أموت.
هناك صديق توفي - رحمه الله - جالس مع بعض أخوانه في سهرة يوم سبت، و كان يملك روحاً دعابية؛ قال لهم: والله أنا لن أموت إلا بعد فترة طويلة من الزمن - طبعاً كلامه غريب - فسألوه عن السبب؟ فقال لهم: أنا صحتي جيدة، -هو فعلاً رشيق القوام- وأكله قليل، ويمشي، ولا يدخن، والذي قاله صحيح؛ فهذه كلها أسباب الموت، أي وزنه معتدل، ويمشي، وأكله معتدل، ولا يدخن، ورياضي، - أي القضية النفسية ضعيفة عنده، ليس لديه شدة نفسية -؛ هذا الكلام قاله السبت، والسبت الثاني كان تحت الأرض؛ فما هذا الكلام؟ هذا كلام فارغ ، قال له: ((باسْمِك اللَّهمَّ أحيا وأمُوتُ))
[البخاري عن حذيفة بن اليمان]
أنت حي لأن الله سمح لك أن تحيا، والإنسان عندمّا يستيقظ يقول: ((الحمد لله الذي عافاني في جسدي وَرَدَّ عَلَيَّ رَوحي ، وأذِنَ لي بذِكرِه))
[الترمذي عن أبي هريرة]
فإذا استيقظ أحدنا وجاء إلى المسجد وصلى؛ هذا ثلاث نعم؛ أول نعمة: سمح الله له بيوم جديد، ثاني نعمة: عافاه من أمراض وبيلة، الثالثة: سمح له أن يصلي ويشكر: ((باسْمِك اللَّهمَّ أحيا وأمُوتُ))
[البخاري عن حذيفة بن اليمان]
الاستعاذة بالله قبل النوم تحمي الإنسان من أخطار كثيرة :
وكان يجمع كفيه وينفث فيهما قبل أن ينام ويقرأ: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/04.jpg
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[سورة الإخلاص]
وكان يقرأ: قل أعوذ برب الفلق، ويقرأ: قل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده؛ يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل هذا ثلاث مرات؛ أي كأنه استعاذ بالله من الشيطان؛ بالنوم هناك كوابيس، و منامات مزعجة، وأخطار؛ أحياناً ينسى إغلاق الغاز فيحترق البيت كله، أي هناك كثير من المشاكل تنشأ في البيت وأنت نائم، فإذا الإنسان استعاذ بالله قبل أن ينام فإن الله سبحانه وتعالى يحفظه ويحفظ ما حوله. على الإنسان أن ينام على شقه الأيمن مع الاتصال بالله عن طريق الدعاء :
وكان ينام على شقه الأيمن – قالوا: إن الأغنياء ينامون على شقهم الأيسر؛ لأن المعدة ممتلئة،عشاء دسم؛ فيرتاح على شقه الأيسر، والملوك ينامون على ظهورهم، والشياطين على بطونهم، والمؤمنون على شقهم الأيمن- كان ينام على شقه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ويقول:
((اللَّهمَّ قِني عذابكَ يومَ تبعثُ عبادك))
[ الترمذي عن حذيفة بن اليمان]
ويقول إذا آوى إلى فراشه أيضاً: (( الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا ، وكفانا ، وآوانا))
[رواه مسلم عن أنس بن مالك]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/05.jpg
الذي نائم في بيت؛ هذه نعمة كبيرة؛ عنده بيت؛ أجرة لابأس، ملك لابأس، عال، منخفض، كبير، صغير،بحي راق، بحي متطرف؛ داخل مأوى؛ آواه الله برحمته.
كنا بتعزية من يومين، البيت مساحته تقدر بخمسمئة متر، الذي توفي رجل صالح، مستقيم، يصلي، وقد اشترى قبراً من فترة، قبل أسبوعين تفقد القبر، نزل بالقبر، جمع العظام -عظام والده - وضعهم بكيس، ومد القبر برمل وقال: هكذا أكثر راحة لي. انتقل من بيت خمسمئة متر إلى قبر؛ هذا هو المثوى الأخير؛ بعملك الصالح تجعله جنة.
وكان يقول إذا آوى إلى فراشه: (( الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا ، وكفانا ، وآوانا ، فكم مِمَّنْ لا كافيَ له ولا مُؤوي ))
[ رواه مسلم عن أنس بن مالك]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/06.jpg
وكان يقول أيضاً إذا آوى إلى فراشه:
((اللَّهمَّ ربَّ السماواتِ وربَّ الأرضِ ، وربَّ العرْشِ العظيم ، وربَّ كُلِّ شيء ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوَى ، مُنْزِلَ التَّوراةِ ، والإِنْجِيل ، والفرقان ، أَعُوذ بك من شرِّ كُلِّ ذي شر أنتَ آخِذٌ بِناصيته، أَنت الأولُ فليس قبلك شيء ، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء ، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء ، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
أي نم وأنت على اتصال بالله؛ الدعاء اتصال، الدعاء أعلى درجة من الاتصال، الدعاء هو العبادة، فقبل أن ينام دعا الله عز وجل بهذا الدعاء، طبعاً أنت ادع الله عز وجل بأي دعاء، أي لا تنم على غفلة، لا تنم وأنت مهموم، والإنسان قد ينام فلا يستيقظ؛ لنا صديق آوى إلى فراشه، وزوجته إلى جانبه، أمسكت يده بالليل فوجدتها مثل الثلج؛ فقامت مذعورة؛ فإذا هو ميت، الإنسان ينام فلا يستيقظ، وكان يدعو النبي الكريم فيقول: ((اللهم إنْ أَمْسكْتَ نَفْسي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلتَها فَاحْفَظْها ))
[البخاري ، ومسلم عن أبي هريرة]
هناك حالتان، إما أن تمسكها فارحمني يا رب تحت الأرض، وإن أرسلتني فاحفظني من معصيتك. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في انتباهه :
وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه قال:
((لا إلهَ إلا أنتَ، سبحانك، اللهم إني أستَغفِرك لِذَنبي، وأَسألك رحمتك ، اللَّهمَّ زِدني علماً ، ولا تُزغ قلبي بعد إذ هَدَيْتَني، وَهب لي من لَدنكَ رحمة، إِنَّك أنت الوَّهاب))
[ البخاري عن عائشة]
وكان إذا انتبه من نومه – الانتباه من النوم غير الاستيقاظ، أحياناً الإنسان يصحو وهو نائم- وكان إذا انتبه من نومه قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النُّشور ))
[ متفق عليه عن حذيفة بن اليمان]
النوم موت مؤقت، والموت نوم مستمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
[سورة الزمر:42]
فالنوم موت مصغر.
وكان إذا انتبه من نومه قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النُّشور))
[ متفق عليه عن حذيفة بن اليمان]
ثم يتسوك، وربما قرأ عشر آيات من آخر آل عمران: ِ ﴿ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا ما خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية :190و191 ]
موضوع الجنة والنار ليس داخلاً في حسابات معظم المسلمين :
وكان إذا انتبه من نومه كان يقول:
(( اللَّهمَّ لك الحمدُ، أنْتَ نور السمواتِ والأرضِ ومَن فِيهنَّ، ولك الحمدُ أنت قيم السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ ))
[ متفق عليه عن ابن عباس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/07.jpg
أشياء ثابتة؛ معنى حق أي شيء مستقر، هناك حقائق ثابتة، أنت حق، وجودك يا رب حق، وعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق.
أيها الأخوة: أشعر أن معظم المسلمين موضوع الجنة والنار ليست داخلة في حساباتهم إطلاقاً، و يتضح هذا من سلوكهم؛ يأخذ ما ليس له، يعتدي، يضم شيئاً لا يملكه، يغتصب أموال يتامى، ويصلي! معنى ذلك أن يوم القيامة، الحساب، الجنة، النار، ليست داخلة في حسابه إطلاقاً، هو يتوهمها، ولا يقيم بها، قال له: ((....والجنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ، اللهم لك أسلمتُ، وبِك آمَنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبت، وبِك خَاصَمْتُ، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قَدَّمتُ ، وما أخَّرْتُ ، وما أَعلَنتُ ، وما أسررتُ، أنت إلهي لا إِلهَ إلا أنت ))
[ متفق عليه عن ابن عباس]
من السنة أن يأوي الإنسان إلى فراشه بعد العشاء إلا لضرورة تمنعه من ذلك :
وكان عليه الصلاة والسلام ينام أول الليل، ويقوم آخره، نحن نظام حياتنا غريب؛ هذه الكهرباء والسهر للثانية عشرة، للواحدة، للواحدة والنصف، لا نذوق طعم النوم المريح، ولا نستيقظ مرتاحين، أحياناً الإنسان يسافر، ينام العشاء، يستيقظ على قيام الليل الساعة الثالثة كالحصان تماماً، هذه السُنََة، أن تنام باكراً، والشيخ بدر الدين الحسني - رحمه الله- وهذا من أعلم علماء الشام، ما سهر بعد العشاء إلا في حل مشكلة، أو في تعليم علم، أبداً.. في حل مشكلة للمسلمين، أو تعليم علم، وإلا فالسنة أن تأوي إلى فراشك، كان ينام أول الليل ويقوم آخره، وربما سهر في مصالح المسلمين، فأنت الآن سهران، إذا كان سهرك في سبيل الدعوة إلى الله، أو في مذاكرة علم، أو في خدمة لحل مشكلة للتوفيق بين زوجين؛ فلا يوجد مانع من هذا، أما سهر بلا معنى، سهر بكلام من كلام الناس، فهذا سهر فيه معصية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10159/ar-10159/08.jpg
وكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه؛ أحياناً الإنسان ينام فيرى نفسه في الكعبة، أو يصلي، أو يقرأ قرآناً؛ هذه نعمة كبيرة، أي أن الإنسان بعقله الباطن مع الله، و هناك إنسان - والعياذ بالله - طبعاً ليس مؤاخذاً إذا نام يرى نفسه في معصية، لا يؤاخذ لكن هذه إشارة غير طيبة، أنه أنت استقامتك بالعقل اليقظ، أما عقلك الباطن فغير مستقيم، أما عندما تجد نفسك - وأنت بالنوم - في طاعة، وفي ذكر، وفي قرب من الله عز وجل فهذه بادرة طيبة جداً.
وكان إذا نام لم يوقظوه حتى يكون هو الذي يستيقظ، وكان نومه أعدل النوم؛ وهو أنفع ما يكون من النوم، والأطباء يقولون: هو ثلث الليل والنهار ثماني ساعات، كثيراَ ما أسمع قصصاً ليس لها أصل؛ أن أبا حنيفة لم ينم الليل بحياته، هذا شيء خلاف الطبيعة البشرية، أنت إن لم تنم ليلة واحدة يختل توازنك، تشعر بنفسك و كأنك غير طبيعي؛ فالنوم أساسي، ضروري، ومن نعم الله الكبرى.
أنا أعرف شخصاً يدفع كل شيء يملكه لينام ليلة واحدة، معه مرض خطير؛ لا يستطيع أن ينام أبداً مهما بذل من جهد؛ فالنوم نعمة، والنوم المعتدل نعمة، والنوم في أول الليل، والإنسان إذا نام يقوم ليطيع الله عز وجل، أي يأخذ قسطاً من الراحة ليعاود نشاطه في الدعوة إلى الله، هذا هديه في النوم عليه الصلاة والسلام.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثالث )


الموضوع : هدية فى لبسة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في لباسه :
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في لباسه: كان أحبّ الثياب إليه صلى الله عليه وسلم البياض قال:
((هي من خير ثيابكم فالبسوها، وكفِّنوا فيها موتاكم ))
[الترمذي عن عبد الله بن عباس]
الحقيقة؛ الثوب الأبيض له وظيفة في البلاد الحارة أنه يعكس أشعة الشمس، ويعلم النظافة العالية.
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه لبس خاتماً من ذهب ثم رمى به))
[صحيح عن عائشة]
تشريعاً.
ونهى عن التختم بالذهب، ثم: ((اتخذ خاتماً من فضة ولم ينهَ عنه))
[ البخاري عن أنس بن مالك]
((وكان يجعل فص خاتمه مما يلي باطن كفه))
[صحيح عن عبد الله بن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/01.jpg
الخاتم له سطح، مكتوب عليه كلمات؛ يجعل فص خاتمه مما يلي باطن كفه، وذكر الترمذي أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، أي مادام في ذكر لله عز وجل ينزع خاتمه قبل دخول الخلاء ، فمن يحمل مصحفاً من باب أولى ألا يدخل به الخلاء.
وأما الطيلسان، فلم ينقل عنه أنه لبسه، ولا أحد من أصحابه؛ بل ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن لبس الطيلسان.
الثياب الفاخرة جداً، الغالية جداً، التي فيها ألوان صارخة، هذه الثياب ليست طبيعية؛ مثل هذه الثياب نهى عنها عليه الصلاة والسلام وقال: ((من تشبَّهَ بقوم فهو منهم))
[ أبو داود عن أنس ]
لأن الدجال كما قال عليه الصلاة والسلام: (( يخرج معه سبعون ألفاً من يهود أصبهان عليهم الطيالسة))
[مسلم عن أنس بن مالك]
إذاًً يستنبط حكم شرعي أنه من تشبه بقوم فهو منهم.
فإذا كان هناك ثياب يختص بها الكفار - أي يلبسونها ليكونوا في درجة عالية جداً- فالمسلم منهي عن أن يقلد الكفار في ثيابهم، وكان غالب ما يلبسه وأصحابه ما نسج من قطن، وربما لبسوا ما نسج من الصوف والكتان. الدعاء الذي كان يدعو به النبي الكريم إذا لبس ثياباً جديدة :
شيء آخر في ثياب النبي عليه الصلاة والسلام أنه يلبس ما تيسر من اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة، وكان إذا استجد ثوباً - لبس ثوباً جديداً - قال:
((اللَّهمَّ لك الحمدُ ، أَنت كَسَوتَني هذا - هذا القميص ، أو الرداء، أو العمامة - أسألك خيْرَه وخيْرَ ما صُنعَ له، وأعوذ بك من شَرِّه، وشَرِّ ما صُنِع له ))
[الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/02.jpg
هذا الدعاء كان يدعو به إذا لبس ثياباً جديدة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( صنعت للنبي صلى الله عليه و سلم بردة سوداء فلبسها فلما عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، قال: وأحسبه قال: وكان تعجبه الريح الطيبة))
[أبو داود عن عائشة]
أي يحب الثياب التي لها رائحة طيبة، والتي تمتص العرق، وهناك ثياب كان يكرهها عليه الصلاة والسلام.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: ((رأيتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ ما يكون من الحُلَل ))
[ أخرجه أبو داود عن ابن عباس]
وقد ورد عنه أنه قال: ((حسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا شامة بين الناس))
[ أحمد عن قيس بن بشر ]
وعن أبي رمثة قال: ((رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وعليه بردان أخضران ))
[الترمذي عن أبي رمثة]
والبرد الأخضر هو الذي فيه خطوط خضر، وهو كالحلة، وكانت مخدته من أدم محشوة ليفاً. التطرف الذي يكرهه الإسلام :
قال: يقول مؤلف الكتاب ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فالذين يمتنعون عما أباحه الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهداً وتعبداً، وبإزائهم طائفة ق http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/03.jpg
ابلوهم؛ فلا يلبسون إلا أشرف الثياب، ولا يأكلون إلا ألين الطعام، فلا يرون لبس الخشن ولا أكله تكبراً وتجبراً، وكلا الطائفتين هديه مخالف لهدي النبي"؛ الذي لا يلبس إلا أفخر الثياب حصراً، ولا يأكل إلا ألين الطعام، والذي يمتنع عن لبس الثياب وأكل الطعام،؛ هذا هديه مخالف لهدي النبي، وهذا هديه مخالف لهدي النبي؛ كان عليه الصلاة و السلام طبيعياً، أحياناً يرتدي ثياباً عادية، بمناسبات معينة كان له ثياب خاصة، يرتديها يوم الجمعة وفي الأعياد وحينما يلقى الوفود، فالإنسان مطلوب منه- لعقد قران، لمناسبة مهمة- أن تكون له ثياب جيدة؛ لأن الإنسان يمثل هذا الدين، فإذا كانت ثيابه مهجورة،غير مقبولة؛ أهل الدنيا يزدرونه، وإذا ازدرونه ازدروا معه دينه، فالإنسان مطالب كما ورد في السنة أن يرتدي ثياباً جميلة في مناسبات معينة، والشيء الذي لفت نظري عند بعض أهل الدنيا أنهم يرتدون الثياب في أعمالهم المريحة؛ في العمل ثياب مريحة وفي الحفلات لهم ثياب فخمة، أما أن نرتدي ثياباً فخمة طوال حياتنا- حتى في الأعمال- فهذا شيء ليس من الواقع المقبول في شيء، وكان أصحاب النبي عليهم رضوان الله يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض؛ أي الثياب الغالية جداً جداً، والثياب المهترئة البعيدة عن الذوق العام؛ هذان نوعان من الثياب كان عليه الصلاة والسلام ينهى عنهما، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/04.jpg

((منْ لَبِسَ ثوب شُهْرَة ألْبَسُه الله يوم القيامة ثوبَ مذلَّة، ثم تلهبُ فيه النار))
[ أبو داود عن ابن عمر]
هناك ثياب تلفت النظر جداً؛ ألوانها فاقعة، ألوانها محيرة، غالية الثمن؛ صار فيها زهو وكبر واستعلاء، وهناك ثياب مهجورة - غير مقبولة إطلاقاً - فكلا الثوبين منهي عنه؛ العلماء قالوا: لأنه قصد - هذا الذي يرتدي ثياباً غالية جداً - الاختيال والفخر؛ فعاقبه الله بنقيض ذلك،؛ فأذله، ثم عاقب من أطال ثيابه خيلاء بأن خسف به الأرض، هناك ثياب طويلة جداً تمشي على الأرض، وهناك تقليد؛ أحياناً أمتار وراءه ماشية؛ هذه ليست ثياباً؛ صارت ممسحة، فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الثياب، وعن الثياب المهجورة، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنّ جرَّ ثوبه خُيلاءِ لم ينظر الله إليه يوم القيامة ))
[أخرجه النسائي عن ابن عمر]
اللبس الرفيع يكره إذا كان تكبراً وخيلاءً ويمدح إذا كان تجملاً وإظهاراً لنعمة الله :
أما لبس الدنيء من الثياب فيذم في موضع ويحمد في موضع؛ فيذم إذا كان شهرة وخيلاء - الإنسان أحياناً بعض الزهاد يختالون بثيابهم الدنيئة، أي أنه زاهد يرتدي الثياب الخسيسة- فإذا لبس الثياب الدنيئة خيلاء فقد عصى الله عز وجل، ويحمد في موضع، فيذم إذا كان شهرة وخيلاء، ويمدح إذا كان تواضعاً و استكانة - الإنسان أحياناً يرتدي ثياباً؛ يسميها العوام ثياب العري- كان النبي عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله، أي ممكن أن يكون للإنسان حديقة فيرتدي ثياباً بسيطة جداً، مريحة؛ فهذا لا يقلل من قدره، وهناك توجيه جديد في هذا الموضوع، أن كل حال له ثياب خاصة؛ أحياناً يكون الإنسان بنزهة فلو ارتدى أجمل الثياب فلا يكون حكيماً إطلاقاً، هناك ثياب بسيطة ترتدى في النزهة، وهناك ثياب للحفلات، و ثياب للعمل؛ فالعبرة أن يكون هنالك حكمة وتناسب بين ثيابه وبين عمله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/05.jpg
كما أن لبس الدنيء من الثياب يذم إذا كان تكبراً وفخراً وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملاً و إظهاراً لنعم الله عز وجل، فالله عز وجل إذا أكرم الإنسان كانت ثيابه نظيفة ومرتبة، فهذا شيء يدعو الناس إلى تقليد المؤمن؛ والمؤمن يمثل هذا الدين، والحقيقة مظهر الإنسان مهم جداً، وجزء من مكانته الاجتماعية؛ حتى بعلم النفس الاجتماعي يقولون: إن الإنسان إن كانت ثيابه جيدة يشعر بالثقة بنفسه، وإن كان بثوبه خطأ؛ هناك بقعة مثلاً، أو خطأ بأزراره، فيبقى محرجاً جداً، فكلما كانت ثيابه منضبطة؛ يشعر بثقة بنفسه، وهناك أناس كثيرون يأخذون فكرة عنك - أول فكرة - من ثيابك؛ فأنت لست محموداً إن أخذ الناس فكرة سيئة عنك من ثيابك؛ وأنت إنسان عظيم، لابد من أن يكون المظهر متناسباً مع المخبر، فهذا اللبس الرفيع يكره إذا كان تكبراً وفخراً وخيلاءً، ويمدح إذا كان تجملاً وإظهاراً لنعمة الله عز وجل.
كان عليه الصلاة والسلام إذا مشى في الطريق يعرف من طيب المسك، له رائحة طيبة، وكان يحب الطيب، وكان كما قلت قبل قليل يقول: ((حسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا شامة بين الناس))
[ أحمد عن قيس بن بشر ]
كلّ إنسان يتأبى أن يخضع لحكم شرعي فهو متكبر :
و يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة خردل من كِبْر - لا يدخل الجنة من كان بقلبه مثقال حبة خردل من كبر - ولا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبةِ خرْدَل من إيمان - فالإيمان أحد أسباب دخول الجنة، والكبر أحد أسباب دخول النار- قال : يا رسول الله -رجل - إني أحب أن يكون ثوبُه حَسَنا ، ونعلُي حسنة ، أفمن الكبر ذلك ؟ قال : إن الله جميل يحب الجمال ، الكبِرْ : بطَرُ الحقِّ ، وغمطُ الناس))
[ أخرجه مسلم والترمذي ، أبو داود عن عبد الله بن مسعود]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/06.jpg
بطر الحق أن ترد الحق، أن تستنكر، أن تستعلي، أن تتأبى؛ هناك حكم شرعي لا أخضع له، كل إنسان يتأبى أن يخضع لحكم شرعي فهو متكبر، والمتكبر يقصمه الله عز وجل، أي أنا أذكر أنني دعيت إلى وساطة لأب أن يوافق على تزويج ابنته، ثلاثون خاطباً جاءها رفضهم جميعاً، وبلغت سناً متأخرة، اثنان وثلاثون عاماً، جاءها خاطب جيد جداً، وصالح، وله دعوة فرفض الأب تزويجها، إن تزوجت يطلق أمها، والله ذهبت بنفسي من الساعة الثامنة والنصف إلى الساعة الثانية عشرة، وأنا أعطيه آيات وأحاديث، آخر شيء في الجلسة قال لي: لو أتى النبي لعندي لا أوافق؛ فهذا إنسان متكبر، قلت أنا بعد أن خرجت: لم يمر علي إنسان بالمليون كهذا الإنسان؛ ترفض حكماً شرعياً؟!قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( إِذا جاءكم من تَرضَون دينه وخُلُقَه فزوجّوه ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً﴾
[سورة النور:33]
هل يوجد أب في الأرض يُكره ابنته على الزنا؟ مستحيل، ما معنى الآية؟ الذي يرفض تزويج ابنته يقوي فيها عنصر الانحراف؛ الزواج حاجة أساسية عند الفتاة. الكبر بطر الحق وغمط الناس :
فيا أيها الأخوة؛ كل إنسان يرفض حكماً شرعياً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/07.jpg
هذا متكبر، قال له: أحب أن تكون ثيابي حسنة، نعلي حسن، هذا من الكبر؟ قال له: لا، إن الله جميل يحب الجمال، أما الكبر فبطر الحق، وغمط الناس؛ ترفض الحق، تتأبى، أنا فوق الحكم، الله قال: غض بصرك، لا صعب في هذا الزمان ، يرفض غض البصر، الله قال: الربا محرم، فأذنوا بحرب من الله ورسوله، يقول لك: هذه الضرورة المعاشية للعصر، و الحياة هذه تقتضي ذلك، والآية هذه؟ لا يعبأ بها، فكل إنسان لا يعبأ بحكم شرعي؛ آية أو حديث، هو إنسان متكبر؛ والمتكبر يقصمه الله عز وجل؛ بطر الحق وغمط الناس، أي أنك لا تعترف بفضل الآخرين، تعتم على الناس؛ يكون هناك إنسان متفوق، سابق لك، تبحث عن عيوبه فقط، وتطعن به، تنزله؛ هذا موقف غير علمي، قال النبي الكريم لسيدنا زيد الخير - وهو اسمه زيد الخيل- قال له:" يا زيد؛ ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف، إلا أنت يا زيد، - أي النبي صلى الله عليه و سلم أعلن إعجابه بزيد، قال له: لا يوجد شخص وصف لي إلا عندما التقيت به رأيته دون ما وصف، إلا أنت يا زيد- لله درّك أي رجل أنت؟"
النبي الكريم إنسان عظيم شجع و بيّن فضل كل صاحب له فضل :
النبي وعظمته لم يعتم على أصحابه، بالعكس لأنه عظيم شجع أصحابه، واعترف، وبيّن كل صاحب له فضل:
((أبو بكر وعمر مني بمثابة السمع والبصر من الرأس))
[أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]
((ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ))
[ البيهقي عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي]
((إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك))
[ الطبراني عن سهل]
(( لو كانَ بعدي نبيّ لكانَ عمرَ بن الخطاب ))
[ أخرجه الترمذي عن عقبة بن عامر ]
سيدنا عثمان: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم))
[ الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/08.jpg
سيدنا علي أثنى عليه، سيدنا ابن عوف أثنى عليه، سيدنا أبو عبيدة أثنى عليه فقال: (( أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ))
[ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]
سيدنا سعد: (( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]
أي لا يوجد صحابي إلا أثنى عليه، فالعظيم لا يعتم على الآخرين؛ بالعكس يظهر فضلهم، ومن علامة تواضعك لله عز وجل أنك منصف، أنا أقول لكم كلمة: جزء من دينك أن تكون أحكامك منصفة، شخص له فضل، يقول لك: لا، لا يفهم شيئاً؛ الحكم بلا سبب، فقط تعتيم، استعلاء، وتعتيم على الآخرين، هذا الكلام مناقض للاستقامة:
﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾
[سورة الشعراء:183]
أنت منهي إذا قال لك شخص: هل تشتري هذه الحاجة، سعرها ثلاثون ليرة؟ تقول له: هذه بخمس، لا تستأهل؛ هي جيدة، وسعرها أغلى بكثير، هذا منهي عنه؛ إذاً منهي أن تبخس الناس أشياءهم، فهل بإمكانك أن تبخس الناس إيمانهم؟ لأنه خالفك الرأي صار كافراً! بهذه البساطة؟! فلذلك الكبر بطر الحق، وغمط الناس. نهي النبي الكريم عن الثياب المشهورة و المهجورة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10160/ar-10160/09.jpg
أيها الأخوة؛ لا ينكر أن هناك ثياباً أصبحت مشهورة الآن، أصبحت مألوفة، فهناك حكم فقهي أيضاً، أنه إذا إنسان ارتدى الآن ثياباً؛ قد تكون مريحة أكثر، لكنها غير مقبولة إطلاقاً، أن ترتدي مثلاً ثوباً طويلاً في جامعة، أو في دائرة حكومية، فهذا الإنسان صاحبه معذور، يجب أن يلبس كما يلبس الناس؛ فالثوب المألوف الآن ثيابنا التي نلبسها عادة لا يوجد عليها إشكال، فلا يستطيع الواحد أن يلبس ثياباً الآن مهجورة؛ ممكن أن ترتديها بمسجد، بجامع، بحفل ديني؛ أما بالأماكن العامة، أو أماكن العمل، ليس مقبول ارتداء مثل هذه الثياب، فالإنسان يرتدي ثياباً مقبولة؛ فالنبي نهى، لم يقل نوع الثياب؛ نهى عن الثياب المشهورة جداً، و عن الثياب المهجورة، فالثوب المشهور منهي عنه، والمهجور أيضاً منهي عنه؛ أحياناً تظهر موديلات البدلات فرضاً شيء يلمع، شيء لا يلمع، للكم الأول شكل وللكم الثاني شكل آخر ليست مألوفة، يلبسونها في الحانات مثلاً، هذه منهي عنها أن يلبسها الإنسان.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : هدية فى النكاح و معاشرتة لاهلة



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هديه صلى الله عليه وسلم في النكاح ومعاشرته لأهله :
أولاً: صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال:
((حُبِّبَ إِليَّ من دنياكم النساء، و الطِّيبُ، وجُعِل قُرَّةُ عَيْني في الصلاة))
هذا لفظ الحديث ومن رواه على هذه الرواية فقد أخطأ، الرواية الغلط:
حبب إلي من دنياكم ثلاث، لأن الصلاة ليست من الدنيا، هذه رواية غير صحيحة: ((حُبِّبَ إِليَّ من دنياكم الطِّيبُ، والنساء، - وقف - وجعلت قرة عيني في الصلاة))
[النسائي عن أنس]
لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها.
وكان يطوف على نسائه، وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة، أي يساوي بينهن في المبيت والإيواء والنفق.
والتعدد مسموح به بشرط العدل، لا العدل المطلق بل العدل التام، والعدل المطلق يشمل ميل القلب؛ وهذا لا يستطيعه البشر، بينما العدل التام يشمل الإنفاق، والمبيت، والسكنى؛ أي البيت، والمصروف، والمبيت. أما المحبة فكان عليه الصلاة والسلام يقول: (( اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تَلُمني فيما تَملك ولا أَملك ))
[الترمذي والنسائي عن عائشة]
العدل التام، المطلق لن تعدلوا، أما التام فضمن الإمكان، من عنده أولاد يعدل بينهم عدلاً تاماً، أما قد يميل قلبه إلى واحد دون آخر لفهمه السريع، لبره الشديد، لاستجابته السريعة، وكذلك الزوجات. الحكمة من أن النبي عليه الصلاة والسلام أكثر الأمة نساء :
وكان عليه الصلاة والسلام أكثر الأمة نساء، أي أكثر إنسان في أمته رزقه الله بالبنات، فالإنسان إن كان عنده بنات كثيرات لا ينبغي أن يتألم؛ لأن سيد الخلق خصّ بهذه الخصيصة - هو كان يتيماً ففي هذا اليتم جبر لخاطر الأيتام - ورزق بالبنات الكثيرات، وفي هذا اليتم جبر لخاطر الذين أنجبوا بنات كثيرات، وقال عليه الصلاة والسلام:
((تزوجوا فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء))
[صحيح عن عبد الله بن عباس]
سبحان الله، إن الفتاة في البيت، أو إن الفتاتين كافيتان لدخول أبيهما الجنة، فكل إنسان يرعى بناته رعاية تامة، حتى لو واحدة؛ يدخل بسببها الجنة.
هناك أشخاص يضربون أبناءهم تأديباً، أما البنت فلا تضرب؛ لأنها أكثر قرباً لأبيها من أي شيء آخر، والبنت طبيعتها حساسة؛ أي تفهم بكلمة؛ فالبنت لا تضرب؛ يجب أن تعامل أرقى معاملة لأنها سيدة بيت؛ ومن علّم فتاة علّم أسرة، هذه البنت التي تربيها سيكون لها زوج وأولاد وبنات، فكلما ربيتها على حسن الخلق، وعلى اللين في المعاملة، انعكس هذا على بيتها وأولادها.
و: طلق عليه الصلاة والسلام امرأة قالت له: أعوذ بالله منك، هو مشرع، وزوجاته ينقلن عنه التشريع، هذه رآها ضعيفة التفكير؛ كلام لا يقال إطلاقاً، لذلك قال: ((الحقي بأهلك))
[البخاري عن عائشة]
وطلق وراجع وآلى إيلاء مؤقتاً بشهر - أي أدب بعض نسائه بمقاطعتهن شهراً - ولم يظاهر أبداً - ما ظاهر امرأة قط - قالت: ((يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أمي - فبكى النبي عليه الصلاة والسلام - وله مني أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فسمع الله شكواها من فوق سبع سموات))
[أحمد عن عائشة]
شروط الدعاء :
بالمناسبة أخواننا الكرام الله عز وجل يستجيب دعاءين استثناء لشروط الدعاء؛ الدعاء له شروط: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة:186]
لابد من أن تؤمن، ولابد من أن تستجيب لأمر الله ونهيه، ولابد من أن تخلص حتى تكون مستجاب الدعوة؛ إلا في حالتين: إذا كنت مضطراًً: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
[سورة النمل:62]
فإذا كنت مضطراً فأنت مستثنى من شروط الدعاء، والله يجيبك لا بحسب حالك بل بحسب رحمته، وإذا كنت مظلوماً ولو كان المظلوم كافراً يستجيب لك من فوق سبع سموات، يستجيب لك لا بحسب حالك؛ ولكن بحسب عدله، فالله باسم العدل يستجيب للمظلوم ولو كان كافراً، وباسم الرحمة يستجيب للمضطر ولو لم يطبق سلوك الدعاء. سيرة النبي صلى الله عليه و سلم مع أزواجه :
وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة، وحسن الخلق؛ والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: ((والله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم))
[ ابن عساكر عن علي]
وكان يقول: ((أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار ثم يضاجعها آخره))
[عبد الرزاق عن عائشة]
هذه شريكة حياة، المرأة لا تضرب؛ أما الحكم الشرعي في الضرب؛ فهذه حالات نادرة جداً، والشروط تعجيزية؛ أي لو فرضنا فتاة ليس لها أهل، ليس لها من يردعها، وهي زوجة وانحرفت؛ فلو أنك ضربتها؛ وأبقيتها عندك معززة مكرمة؛ أم أولاد، أو طلقتها وشردت، وتفلتت؛ فأيهما أولى؟!.
حالات نادرة جداً، امرأة شذت وانحرفت، ولم تصغ إلى النصيحة، ولم تستجب، فإذا ضربتها وأبقيتها عندك أولى ألف مرة من أن تدعها تتفلت، وأن تبتعد عن زجرها وردعها، أما الأصل فالمرأة لا تضرب، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار...))
وكان عليه الصلاة والسلام يسرب إلى عائشة بنات الأنصار ليلعبن معها؛ أي كان واقعياً - أخذها صغيرة - الآن إذا إنسان أخذ فتاة صغيرة ولم تكن متعقلة جداً مثله، فلا يحبها - أنت أخذتها صغيرة - الفتاة الصغيرة لها عقلية معينة، فكان عليه الصلاة والسلام واقعياً، هي صغيرة، كان يسرب لها بنات الأنصار ليلعبن معها، وكان إذا هويت شيئاً لا محذور فيه تابعها عليه - إذا كان هناك قضية لا تمثل ديناً؛ وطلبت شيئاً، وأنت ميسور، أنت لست مقتنعاً به لكن لأنها تحبه ولا محذور منه تتابعها عليه -. لطف النبي وحسن خلقه مع أهله :
وكانت إذا شربت من الإناء أخذه صلى الله عليه وسلم ووضع فمه في موضع فمها وشرب - تحبباً إليها - وكانت إذا تعرقت عرقاً - أي أكلت لحماً مع العظم، وهو العظم الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها - أيضاً تحبباً لها - وكان يتكئ في حجرها، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها، لأن اليهود كانت تتوهم أن المرأة الحائضة نجسة - هذا الشيء غير صحيح إطلاقاً، المؤمن لا ينجس أبداً، ولو أنها في الحيض - فكان عليه الصلاة والسلام يضع رأسه في حجرها، ويتكئ في حجرها، ويقرأ القرآن، و رأسه في حجرها - وربما كانت حائضاً - وكان يأمرها - وهي حائض - فتتزر ثم يباشرها، هناك حالات الإنسان قد لا يستطيع - ببعض الحالات - أن يبتعد عنها سبعة أيام فسمح النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تتزر ثم يباشرها.
وكان يقبلها وهو صائم، هذه قبلة مودة وليس قبلة شهوة - يبدو أن القبلة بين الزوجين شيء يمتن العلاقة بينهما - وكان عليه الصلاة والسلام يقبلها وهو صائم.
وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه كان يمكنها من اللعب، ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبيه تنظر، وسابقها في السفر على الأقدام مرتين؛ مرة سبقته؛ وقالوا: إنه مكنها من أن تسبقه - جبراً لها - وفي المرة الثانية، قالت: سبقني؛ قال: فلما ركبني اللحم سبقني.
أي هي ازداد وزنها، أما هو عليه الصلاة والسلام فحافظ على وزنه، قالت:
(( فسابقته فسبقته فلما حملت اللحم - ازداد وزنها - سابقته فسبقني، فقال: يا عائشة هذه بتلك))
[أبو داود عن عائشة ]
وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة، أي خرجا معاً من باب واحد فتدافعا، أي هو في البيت كواحد من أهل البيت – لا يوجد كهنوت، و لا هيبة، الإنسان دخل بيته فهو واحد من أهل البيت - هذه من السنة.
أنا جداً أحترم أباً يلعب مع أولاده، أحياناً يأخذهم بالعيد لمكان، يلعب معهم كرة هذا من السنة: (( من كان له صبي فليتصابَ له))
[ من الجامع الصغير عن أبي معاوية]
العبرة أن تربيه، وأن تأخذ بيده، وأن يتعلق بك. الود أساس العلاقة الزوجية :
كثير من العادات ليست من الدين في شيء، أي إذا دخل الأب للبيت؛ يذهب الجميع للنوم - يخافون منه - بالعكس يجب أنه إذا دخل للبيت أن يكون هناك عيد، أي من السنة أن تكون في البيت مرحاً:
((كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً))
[ ابن عساكر عن عائشة]
كان يقول: ((أكرموا النساء، فإنهن المؤنسات الغاليات))
[رواه الطبراني عن عقبة بن عامر]
كان عليه الصلاة والسلام يذهب مع أصحابه من طرف المدينة الأول إلى طرفها الثاني ليزور ابنه إبراهيم يقبله، ويشمه، ويرجع.
وهذا موقف الأقرع بن حابس عندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبل حفيده الصغير -الحسن أو الحسين- فقال له: إن لي عشرة من الولد لم أقبل واحدًا منهم. فرد الرسول صلى الله عليه وسلم: " أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ؟".
أي لا يصغر الأب إذا دعا أولاده وقبلهم وأمضى وقتاً معهم، و هذا من العبادة، أنا أتمنى أن يكون كل بيت جنة، ليس شرطاً أن يكون البيت كبيراً، أو فخماً، أو أكلاً طيباً، ممكن بالمودة والسرور والمحبة أن يصبح البيت جنة، ممكن أن تأكل أخشن طعام، وتسكن في أصغر بيت، والمودة موجودة، فأنت من أسعد الناس، فالإنسان إذا لم يسعد مع زوجته وأولاده فمشكلته مشكلة؛ أنا لا أتمنى أن يكون الإنسان مع الناس لطيفاً، محبوباً، أما في بيته فقاس؛ لطفك كله للبيت، المودة للبيت؛ من أخطاء المسلمين أن تلقي الزوجة والزوج كل أخلاقهم العالية للغريب، أما فيما بينهما فهناك جفاء، و قسوة بالكلام، و انتقاد مستمر، هذا يضعف العلاقة الطيبة بين الزوجين، فالود أساسي بين الزوجين. رحمة الرسول بأهله و إحسانه إليهم :
قال: سابقها في السفر على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة، وكان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، وأنا أقول للأخوة الكرام، أحياناً الإنسان يسافر؛ فالأولى أن تكون معه زوجته - وفهمكم كفاية - الأولى أن تكون معه زوجته:
(( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم - وهو مشرع الآن - إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ))
[البخاري عن عائشة]
وكان يقول: (( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))
[ ابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
أنا عبرت - شرحت - الحديث مرة؛ أنه بشهادة القيادة يكلفونك أن ترجع على طريق متعرج، وضيق، و به علامات بلاستيكية، فإذا وقعت علامة من هذه العلامات ترسب؛ هذا أصعب شيء في القيادة أن ترجع - والطريق ضيق، والطريق ملتو، وفيه علامات يمكن أن تقع العلامة - إذا نجحت في هذا تأخذ الشهادة، لأن الباقي كله سهل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))
[ ابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
أصعب شيء أن تكون في البيت جيداً، أما في الخارج فلك مكانة، لك سمعة؛ حريص عليها، أحياناً تكظم غيظك بالخارج، أحياناً تعتذر، أحياناً تحسن نفسك، تلمع نفسك بالخارج، أما بالبيت فلا يوجد رقابة، فإذا كان الإنسان ببيته كاملاً، فهذا معناه أنه في الخارج كاملاً حتماً، قال عليه الصلاة والسلام: (( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))
[ ابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
جلوس الرجل مع زوجته جزء من دينه :
وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى العصر دار على نسائه فدنا منهن، واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، أي في النهار يطوف على كل نسائه، يتفقد أحوالهن - والجلوس مع المرأة أيضاً من العبادة؛ من لها غيرك؟ أنا كثيراً ما أسمع أحياناً شكاوى، يخرج قبل الشمس و يأتي الساعة الواحدة بالليل؛ يجعل البيت فندقاً؛ يأكل، ينام؛ هذه ألا تريد إنساناً يتحدث معها؟ ألا تريد إنساناً يؤانسها؟ فلما جعلها مقفرة عاطفياً؛ فأي إنسان حدثها كلاماً لطيفاً تميل له، وهي يجب أن تميل لزوجها، فجزء من إيمانك ودينك أن تجلس مع زوجتك - وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى العصر دار على نسائه فدنا منهن، واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة؛ فخصها بالليل، وقالت عائشة: "كان لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندهن في القسم- العدل- وقل يوم إلا كان يطوف علينا جميعاً- يتفقد أحوالهن-". ((مرة عليه الصلاة والسلام وَجَدَ عَلَى صَفِيَّةَ - تألم منها - فِي شَيْءٍ ؛ فقالت لعائشة: هَلْ لَكِ أَنْ تُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِّي - تعاونيني - وأهب َلَكِ يَوْمِي؟ قالت: نعم، فقَعَدَتْ عائشة إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، في يوم صفية، فقال: إِلَيْكِ عَنِّي يَا عَائِشَةُ؛ فإنه لَيْسَ يَوْمَكِ، - هذا ليس يومك؛ هو كان متألماً من صفية، الألم غير العدل؛ متألم منها وهذا اليوم يوم صفية - فقال لها: إليك عني، هذا اليوم يوم صفية، فَقَالَتْ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وأخبرته بالخبر فَرَضِيَ عَنْهَا ))
[أحمد عن عائشة]
علاقة الإنسان بزوجته أقرب وأطول وأمتن علاقة :
وكان عليه الصلاة والسلام إذا سافر وقدم لم يطرق أهله ليلاً، وكان ينهى عن ذلك؛ أحياناً -هكذا سمعت- هناك شخص يسافر أسبوعاً أو أسبوعين يأتي من دون اتصال هاتفي؛ فجأة يدخل البيت، الإنسان يتمنى أن يرى زوجته بعد السفر على نحو يرضى عليها به؛ فلو طرق ليلاً، أو طرق من دون إعلام، قد تكون في وضع متعب، قد تكون بهيئة غير مرضية، قد تكون تنظف البيت؛ هذا الشيء لا يرضيه، فكان عليه الصلاة والسلام بعد كل سفر يمكث في ظاهر المدينة يوماً مع أصحابه، ليعلم النساء بقدومه وقدوم أصحابه، فيهيئن أنفسهن، و ينظفن البيت، يهيئن الأولاد، يتزين -هذا من السنة- فكان عليه الصلاة والسلام إذا سافر أو قدم من سفر لم يطرق أهله ليلاً، وكان ينهى عن ذلك؛ الحقيقة أن نجاح الإنسان بزواجه شيء مهم جداً، وشيء ينعكس على عمله، نجاحك بزواجك ينعكس على عملك، وأنا كثيراً ما أسمع من بعض الأخوة الكرام أنه قبل أن يلتزم، قبل أن يصطلح مع الله؛ كان زوجاً فظاً، كان قاسياً، معاملته خشنة، فلما عرف الله صار إنساناً آخر، أي إذا لم تقل الزوجة بصراحة أنت لم تكن كذلك؛ فمعنى ذلك صلحك مع الله غير صحيح؛ من علامة صلحك مع الله أن تقول أقرب الناس إليك: قد تغير مئة وثمانين درجة؛ تغير، لم يكن كذلك؛ صار لطيفاً، صار حليماً، صار رحيماً، صارت كلماته مدروسة كلها، هذا من علامة الإنسان إذا اصطلح مع الله؛ والحقيقة التشريع الإسلامي فيه تفاصيل كثيرة عن علاقة الإنسان بزوجته، لأن هذه أقرب علاقة، وأطول علاقة، وأمتن علاقة.
سأقول لكم كلمة: مئة تصرف ذكي، وحكيم، ومخلص، يشد إنساناً إليك، تصرف واحد أحمق يبعده عنك، أي من السهل جداً أن تخرب علاقتك الزوجية؛ ومن الصعب أن تشدها لك بأساليب متنوعة، فالبطولة أن الإنسان يقلد النبي في زواجه، فالنبي كان من أسعد الناس في بيوته، كان هناك مشكلات؛ والمشكلات ضرورية جداً؛ لولا هذه المشكلات ما كان قدوة لنا؛ صار هناك غيرة بين زوجاته، وأحياناً طلبات، وخصومات، هذا جرى في بيت النبي فأنا أقول كلمة: ليست البطولة ألا تبتلى، ولكن البطولة إذا ابتليت أن تقف الموقف الكامل. عظمة الزواج الإسلامي أن الله بين الزوجين :
و:
((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))
[أبو يعلى والبزار عن أبي هريرة]
أي ليس دائماً الزوجة يرضيها أن يكون معك ملايين، لا، بل ممكن أن تأكل أخشن الطعام مساء، تسكنها بأصغر بيت، يكون كل شيء متواضعاً في بيتك، لكنك أنت جيد، كلامك لين، وقد فسر العلماء قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة النساء: 19]
فقالوا: ليست المعاشرة أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، والصبر على الزوجة جزء من العبادة، وقلت مرة: إن عظمة الزواج الإسلامي أن الله بين الزوجين؛ كيف بينهما؟ أي هو يتقي الله في معاملته لزوجته فلا يظلمها - يخشى الله - ويتقرب إلى الله بخدمته لها، والغض عن مساوئها، وهي تخشى الله في أن تظلمه، فلا تظلمه، وتتقرب إلى الله في خدمتها له، والغض عن مساوئه؛ فإذا صح هذا بين الزوجين استمر الزواج، وكان زواجاً ناجحاً وسعيداً؛ فالإنسان يجب أن يكون حكيم نفسه يا أخوان؛ العمر لا يحتمل خصومات؛ أسمع عن أزواج أحياناً يحاربها شهراً ، شهرين، ثلاثة؛ هل ستعيش مليون سنة؟ إذا نصف وقتك محارب لها، ما هذه الحياة؟! هذا نوع من أنواع الشيطان، والشيطان أحد أكبر مهماته التفريق بين الزوجين، أحد أكبر مهماته؛ فكل حركة نحو الجفاء والبعد بين الزوجين حركة من الشيطان، والله عز وجل لا يرضيه إلا أن تكونا متفاهمين لأن الله عز وجل خلق الزوجين؛ الذكر والأنثى، وجعل بينهما مودة ورحمة، فالأصل المودة، وإن لم تكن هذه المودة والرحمة فهذه حالة مرضية؛ تقتضي المعالجة؛ والمعنى أنك أنت على غير سنة الله في خلقه، إذا لم يكن هناك مودة ورحمة فأنت على غير سنة الله في خلقه.
مرة زار أحد أصدقائي شخصاً مريضاً بمرض عضال، ومشترياً لبيت فخم جداً، ومعتنياً به عناية فائقة، وكل ما يملكه قد وضعه بهذا البيت، والبيت جميل، وفيه تزيينات جميلة، وأثاثه فخم، فقال له: خائف هذه ابنة الحرام بعد أن أموت أن تتزوج؛ يأتي أحدهم ليأخذ هذا البيت على أهون سبب - شيء مؤلم - أهذه حياة هذه؟! أهذه حياة بين زوجين؟! هذه حياة جحيم، فالإنسان عندما يغض بصره عن محارم الله، ويكتفي بزوجته؛ ويقصر طرفه عليها؛ ويرضى عن الله بها؛ ويراها قسمته في الحياة الدنيا، وهدية من الله عز وجل؛ فيحبها ويكرمها عندئذ يخلق الله المودة بينهما، أي ليس بيدك؛ كثيراً ما تجد أزواجاً آخذين بمستوى من الجمال يفوق حدّ الخيال، والحياة جحيم بينهما؛ فمقومات نجاح الزواج ليس الجمال، وليس المال، وليس الغنى، وليس البيت الفخم؛ مقومات النجاح الإيمان؛ فإذا كان الزوجان مؤمنين؛ الله عز وجل خلق الود بينهما، فأنت طع الله فقط، كان يقول أحد العارفين: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي.
إذا كانت علاقتك مع الله علاقة طيبة يلبسك الله عز وجل ثوباً من المهابة، ويصبح هناك ود، وإذا كانت علاقتك مع الله غير طيبة يدخل الشيطان بينكما.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : هدية فى بيعة وشرائة



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيعه وشرائه :
باع رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترى، وكان شراؤه - بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته - أكثر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره، كان شراؤه أكثر من بيعه، كبيعه القدح والحلس في من يزيد http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/01.jpg
وفي هذه الزيادة تشريع لنا؛ يجوز أن تبيع بالمزايدة وأن تشتري بالمناقصة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أنصاري يسأله مالاً؛ فقال:
((أعندك شيء؟ قال: عندي قدح وحلس، قال: ائتني بهما؛ فلما أتاه بهما، قال لأصحابه الكرام: من يشتري هذين؟ فقام أحدهما وقال: أنا أشتريه بدرهم، فقال: من يزيد؟ فقال آخر: أنا أشتريهما بدرهمين، فقال: ائتني بهما؛ أعطى درهماً لهذا الأنصاري وقال: اشترِ طعاماً وانبذه لأهلك، واشترِ بالثاني قدّوماً وائتني به؛ فاشترى له قدّوماً وأتاه به، فشد النبي عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة على القدّوم خشبة، وقال: اذهب واحتطب، ولا أرينّك بعد خمسة عشر يوماً، جاءه بعد خمسة عشر يوماً، وقد وفّر ثمانية دنانير، فقال: لأن يحتطب أحدكم خير له أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه))
[ صحيح عن أبي هريرة]
استنبط العلماء من هذه القصة أشياء كثيرة؛ استنبطوا أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل إلا إذا اطمأن على أهله؛ قال له: اشترِ طعاماً وانبذه لأهلك، واشترِ بالثاني قدّوماً، واستنبطوا أيضاً أن ولي أمر المسلمين ينبغي أن يوفر الأعمال؛ شدّ عليه خشبة بيده الشريفة، واستنبطوا أيضاً أن العمل جزء من العبادة، فعليه الصلاة والسلام سنّ لنا بهذه القصة موضوع البيع. المضاربة في الإسلام :
وأما شراؤه فكثير، وآجر واستأجر، واستئجاره أكثر من إيجاره، وإن ما يحفظ عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام، كان عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، شركة المضاربة هي شركة مندوب لها، إنسان بماله وإنسان بجهده http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/02.jpg
فهناك في الحياة أناس كالصغار والكبار والموظفين لا يستطيعون استثمار المال، طفل ورث عن أبيه مالاً، أو رجل مال إلى التقاعد لا يستطيع استثمار المال، وشاب بالمقابل لديه خبرة وحيوية ونشاط وليس معه مال، فإذا تعاون صاحب هذا المال مع صاحب هذا الجهد كونوا شركة مفيدة جداً؛ هذه المضاربة، كان عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، أي أجر جهده للسيدة خديجة؛ أرسلته في تجارة هو بجهده وهي بمالها؛ وهذا الموضوع هو الشيء المشروع في الإسلام باستثمار المال، لكن هناك من أساء إليه إساءة بالغة فقوى جانب البنوك الذين أخذوا أموال الناس ليستثمروها، وأكلوها؛ خيبوا ظن المسلمين بهذا الطريق الوحيد المشروع، بذلك مال الناس إلى البنوك، وهذا الإثم في صحيفة من خيب ظن الناس بهذه التجارة.
وإن كان العقد مضاربة فالمضارب أمين وأجير ووكيل وشريك؛ فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح؛ المضارب أمين وأجير ووكيل وشريك، وقد أخرج الحاكم في مستدركه قال:
((آجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش كل سفرة بقلوص))
[الحاكم في مستدركه من حديث الربيع]
أي تاجر مع السيدة عائشة بعقد مضاربة. النبي وحده هو المشّرع وكل فعله تشريع وكل تركه تشريع :
وشارك النبي إنساناً في عمل تجاري في مكة، فلما جاءته الرسالة:
(( قدم عليه شريكه؛ فقال: أما تعرفني؟ قال: أما كنت شريكي؟ فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن السائب]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/03.jpg
تدارئ بالهمزة من المداراة: مدافعة الحق.
ووكل وتوكل وكان توكيله أكثر من توكله - وكل وتوكل - وأهدى وقَبِل الهدية وأثاب عليها، ووهب واتّهب، فقال لسلمة بن الأكوع - وقد وقع في سهمه جارية- هبها لي، فوهبها له، واستدان برهن وبغير رهن، واستعار واشترى بالثمن الحال والمؤجل - طبعاً هذا كله تشريع - إنسان سأل مرة: كيف يدفن النبي درعه عند إنسان من أهل الكتاب، فالجواب: لو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتعامل مع أهل الكتاب لما جاز لنا أصلاً التعامل معهم؛ لكن لأن النبي مشرّع فلا بد من أن يتعامل مع أهل الكتاب، فتعامله معهم تشريع لنا.
يوجد بالعالم الإسلامي ملايين؛ النبي وحده هو المشّرع؛ فكل فعله تشريع، وكل تركه تشريع، وكل أقواله سنّة، وكل أفعاله سنّة، وكل إقراره سنّة؛ فالنبي أهدى وقبل الهدية، فالهدية مشروعة، وأثاب عليها؛ من التشريع أنك إذا قبلت الهدية عليك أن تردّ عليها بهدية مثلها. ووهب وقبل الهبة، واستدان برهن وبغير رهن, واستعار، واشترى بالثمن الحال، فدفع ثمن البضاعة نقداً حالاً، واشترى بالثمن المؤجل، وضمن ضماناً خاصاً على أعمال من عملها كان مضموناً له بالجنة، و ضمن ضماناً عاماً لديون من توفي من المسلمين، أي أنه ضمن لبعض المسلمين ضماناً خاصاً، وضمن لبعضهم ضماناً عاماً، صار الضمان والاستدانة برهن وبغير رهن، واستعار، واشترى نقداً، واشترى بثمن مؤجل، وأهدى وقبل الهدية وأثاب عليها، ووهب وقبل الهبة، ووكّل وتوكل، وتاجر، وشارك، وضارب، هذه كلها نشاطات الحياة. هدي النبي الكريم في حياته اليومية :
طبعاً كان من توفي ولم يدع شيئاً أو ترك ديناً يقول النبي عليه الصلاة و السلام: عليّ دينه، وقالوا هذا تشريع لكل أولياء أمور المسلمين؛ المسلم إذا ترك ديناً فعلى إمام المسلمين أن يفي هذا الدين: ((من ترك شيئاً فلأهله، ومن ترك ديناً فعلي دينه))
[رواه البزار عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/04.jpg
وكان عليه الصلاة والسلام يمازح ويقول في مزاحه الحق، ويوَرّي، ولا يقول في توريته إلا الحق؛ مثل أن يريدَ جهةً يقصدها فيسأل عن غيرها كيف طريقها؟ وكيف مياهها ومسلكها؟ أو نحو ذلك، وكان يشير ويستشير - دخّل الاستشارة في الحركة الحياتية - وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديح الشعر، وأثاب عليه، ولكن ما قيل فيه من المديح هو جزء يسير جداً من محامده http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/05.jpg
- هذه نقطة دقيقة؛ أن الذي مدح فيه النبي عليه الصلاة والسلام حق - وما قيل فيه من المديح إلا جزء من محامده صلى الله عليه وسلم، أي هنا مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى أشار: ليس ممن يمدح بفوق ما هو فيه ويرضى، أحياناً إنسان يمدح مديحاً غير معقول، ينبغي ألا ترضى أن تمدح بهذا المديح، أما مدح غيره من الناس فأكثر ما يكون بالكذب، لذلك؛ أمر أن يحثى في وجوه المداحين التراب، قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))
[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
المديح طريق إلى النفاق، بل المديح الكاذب هو النفاق بعينه، فالنبي مدح، ولكن الذي مدحه ما مدحه إلا في بعض محامده، أما مدح غيره فأغلبه كذب ونفاق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))
[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
تشريع الوقف :
ووقف النبي عليه الصلاة والسلام أرضاً كانت له؛ شرع لنا الوقف http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/06.jpg
والوقف شيء من أروع ما في التشريع الإسلامي، لكن أسيء استخدامه، أما هو في الأصل فشيء رائع؛ أي يحبس الرقبة، ويوزع منفعتها، فالمسلمون درجوا في هذا على وقف بعض أملاكهم للمساجد، لطلبة العلم، الأوقاف الخيرية أوقاف منوعة جداً، و في التاريخ الإسلامي أنواع من الأوقاف تحار لها العقول؛ كان هناك نفوس طيبة جداً، أعمال صالحة كثيرة، حتى إن هناك وقفاً للحيوانات، هناك أراض تزرع كلأً من أجل أن تحبس لصالح الحيوانات - البهائم، والدواب المريضة - هناك أوقاف للأطفال الصغار الذين يكسرون الأواني، فكل طفل عنده سيد أو معلم قاس؛ كسر معه إناء، كان يأتي بقطعة من هذا الإناء؛ ليأخذ إناءً جديداً؛ ليتقي الطفل مشكلة كبيرة، طبعاً طلبة العلم أكثر شيء - توقف الأراضي والدور والأموال لطلبة العلم الشرعي - هذه تسمى أوقافاً خيرية، وهناك أوقاف ذرية أيضاً، هناك من يقف بيتاً أو أرضاً لذريته من بعده، طبعاً الأوقاف الذرية صفيت، أما الأوقاف الخيرية فلا تزال باقية إلى الآن، والوزارات الدينية في العالم الإسلامي اسمها وزارة الأوقاف، جمع وقف، فالنبي وقف بعض الأموال ووزع منافعها.
النبي الكريم لم يضع مكانته الدينية في أمر شخصي بل شفع و تشفع :
وتشفع، وشفع إليه، و ردت بريرة شفاعته في مراجعتها مغيثاً، فلم يغضب عليها، امرأة لم تحب زوجها فطلبت الفراق منه، فكان يحرص على أن يبقى زوجاً لها، فلم ترضَ، فشفع له النبي: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/07.jpg

((فقالت: أتأمرني به يا رسول الله ؟ فقال : إنما أنا شافع ))
فلم يغضب عليها.
[البخاري عن ابن عباس]
هنا نقطة دقيقة، النبي لم يضع مكانته الدينية في أمر شخصي، كل إنسان له خصوصياته و له مواقفه الشخصية، فالنبي شفع، وبريرة ردت شفاعته، فلم يغضب عليها، لأن القضية شخصية.
وهناك موقف آخر استنبطه الصحابة: أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما عصوه الرماة في بدر، ومات بعضهم صلى عليهم، فكيف صلى عليهم وقد عصوه؟. فقالوا: إنهم عصوا أمراً تنظيمياً ولم يعصوا أمراً تشريعياً؛ فالنبي فرّق بين الأمر التنظيمي وبين الأمر التشريعي؛ الأمر التشريعي شيء كبير جداً، إله شرّع؛ فالذي عصاه في أمر تنظيمي صلى عليه، والنبي ميز بين أن تعصي الله، وأن تعصي أمراً تنظيمياً فرعياً، فقال العلماء: "إنه صلى عليهم لأنهم عصوه في أمر تنظيمي، ولم يعصوه في أمر تشريعي". الله سبحانه وتعالى أمر النبي بالحلف في ثلاثة مواضع :
وحلف في أكثر من ثمانين موضعاً، هناك إنسان لا يحلف، والله قال:
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
[ سورة المائدة:89]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/08.jpg
لكن هناك مواقف فيها حسم؛ إذا ما حلفت الدعوة تسقط، الحق يضيع؛ سألني من يومين شخص: أأحلف؟ قلت له: إن كان الأمر واقعاً فاحلف؛ قضية خطيرة، فدعاه القاضي إلى حلف اليمين، فإذا تطابق الحلف مع الواقع لا يوجد شيء عليك، فالنبي حلف في أكثر من ثمانين موضعاً، وأمره الله سبحانه وتعالى بالحلف في ثلاثة مواضع: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾
[سورة يونس:53]
احلف أي إي وربي : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾
[سورة سبأ:3]
وقال تعالى:﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾
[سورة التغابن: 7 ]
فالله عز وجل أمر النبي أن يحلف.
مرة إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر بن محمد بن داود ولا يسميه بالفقيه، فتحاكم إليه يوماً هو وخصم له؛ فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود؛ فقال له القاضي إسماعيل: أَوَتَحْلِفُ وَمِثْلُك يَحْلِفُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قال: وما يمنعني من الحلف وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه، قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر؛ فاستحسن ذلك منه جداً؛ ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.
هناك إنسان يحلف بلا سبب؛ كثير الحلف، وهناك إنسان يرفض الحلف بدعوى أنه ورع، أما لو رفضت الحلف وضاع حق المسلم؛ فهناك مشكلة؛ فصار عدم الحلف هو الإثم بعينه؛ ينبغي أن تحلف. الاستثناء في اليمين :
وكان عليه الصلاة والسلام يستثني في يمينه تارة، و يكفرها تارة، ويمضي فيها تارة؛ الاستثناء إذا قال: إن شاء الله؛ إنسان أقسم بالله؛ وقال: إن شاء الله سأفعل هذا،؛ مادام استثنى لا حنث مع الاستثناء، فكان عليه الصلاة والسلام يستثني في يمينه تارة، ويكفرها تارة، أحياناً يرى عليه الصلاة والسلام أن الحنث باليمين أفضل من إجرائها؛ أين الخير؟ إنسان حلف ألا يزور أخته؛ إذاً قطعها وهي بحاجة له، بحاجة لتوجيهه، ومرة تألم منها فحلف ألا يزورها فينبغي أن يحنث بيمينه ويزورها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10202/ar-10202/09.jpg
العلماء قالوا: الاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحلها بعد عقدها، ولهذا سماها الله تحلة: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
[سورة التحريم:2]
هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر نشاط يفعله الإنسان وهو البيع والشراء؛ لاحظتم أيها الأخوة كيف أنه باع واشترى، وآجر واستأجر، وشارك مشاركة اندماجية، وعقد عقد مضاربة، ووكل وتوكل، وأهدى وقبل الهدية وأثاب عليها، ووهب وقبل الهبة، واستدان برهن وبغير رهن، واستعار واشترى بالثمن الحالي والمؤجل، وضمن ضماناً خاصاً وعاماً، وشفع بين اثنين وحلف اليمين، واستثنى وكفر عن يمينه وأمضاها تارة، ومازح وضمن ديون المسلمين عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصلاة والسلام يعود المريض ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديح الشعر، وأثاب عليه.
وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى هديه في معاملته صلى الله عليه وسلم .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السادس )


الموضوع : هدية فى معاملاتة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه و سلم في معاملاته :
سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه على الأقدام، أي النبي عليه الصلاة و السلام سيد هذه الأمة ونبيها، وسيد الأنبياء والمرسلين، وخيرة الله من خلقه، ومع ذلك كان إنساناً طبيعياً- الإنسان إذا تكلف أصبح ممقوتاً - فسابق بعض أصحابه بأقدامه مشياً، وصارع أبو ركانة، أبو ركانة كان مصارعاً قال للنبي الكريم: إذا صرعتني أسلم؛ فصرعه النبي عليه الصلاة والسلام - أي أوتي الكمالات كلها – أما أصحابه فكل صحابي تفوق في خُلُق؛ هذا في شجاعته، وهذا في كرمه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام جمع كل الكمالات، حتى في القوة الجسدية كان مصارعاً، ففي حديث رسول الله أنه:
((صارع أبو ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي ثلاث مرات، عندها أسلم))
[أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي ركانة]
فسابق بنفسه على الأقدام، وصارع، وخصف نعله بيده - أصلحه - ورقع ثوبه بيده، ورقع دلوه بيده، وحلب شاته، وخدم أهله ونفسه، وحمل معهم اللبنة في بناء المسجد، - كان يحمل اللبن في بناء المسجد- ورفع على بطنه الحجر من الجوع تارة، وشبع تارة، وأضاف وأضيف - أي كان ضيفاً وكان مضيفاً - واحتجم في وسط رأسه، وعلى ظهر قدمه، واحتجم في الأخدعين، والكاهل، وما بين الكتفين، وتداوى، وكوى ولم يكتوَ، ورقى ولم يسترقِ، وحمى المريض مما يؤذيه، أي إنسان طبيعي يعيش مع الناس، يشاركهم في كل شيء، فالإنسان مكانته تأتي لا من ترفعه من بعض الأعمال، بل تأتي مكانته من قربه من الله عز وجل؛ شيء لفت نظري أن الدول الغربية وجدوا أن صناعتهم متخلفة عن اليابان- صناعة السيارات - فأرسلوا وفداً إلى اليابان للبحث عن سبب تفوقهم في الصناعة؛ ففوجئوا أن السبب اجتماعي، وليس تكنولوجياً، وجدوا أن المدير هناك يأكل مع العمال، لا يوجد حواجز بين المدير والعمال، فهذا الاختلاط اختلاط القمم مع القواعد يعمل ألفة، يعمل اندفاعاً وحماساً، والآن في بعض المعامل عندنا لا يوجد حواجز بين المدير والعامل، يأكلون معاً فالعامل يشعر أن هذا المعمل معمله، فيتقن عمله؛ إتقان العمل يروج البضاعة، فقواعد ديننا عظيمة جداً، فهم يتواضعون لأسباب مادية محضة، لأسباب تجارية محضة؛ أما نحن فنتواضع ونطبق السنة لأسباب تعبدية أرقى بكثير، دنيا وآخرة، إذا كان هناك فضائل ففضائل مخدوشة بحب المال، أما فضائل المؤمنين ففضائل مجردة من محبة المال؛ ليس الهم أن أربح؛ بل الهم أن أتقرب لله عز وجل، لذلك المؤمن إذا كان كاملاً فله الدنيا والآخرة، أما الكافر إذا كان ذكياً، وقلد المؤمن بأخلاقه؛ فمن أجل أن يكسب ثقة الناس، وأن يربح، وأن يحقق مصالحه، هذا شيء وهذا شيء آخر. النبي عليه الصلاة و السلام أحسن الناس معاملة :
وكان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس معاملة، وكان إذا استسلف سلفاً قضى خيراً منه، وكان إذا استسلف لرجل سلفاً قضاه إياه ودعا له، ويقول عادة:
((بارك اللهُ في أهلك ومالكَ، إنما جزاء السَّلَفِ الحمدُ والأداءُ ))
[أخرجه النسائي عن عبد الله بن أبي ربيعة]
كثير من الأشخاص يقسم بالله ألا يدين واحداً من أثر معاملة سيئة، فكان إذا استسلف سلفاً قضاه إياه ودعا له، وقال: ((بارك اللهُ في أهلك ومالكَ، إنما جزاء السَّلَفِ الحمدُ والأداءُ ))
[أخرجه النسائي عن عبد الله بن أبي ربيعة]
((استسلف من رجل أربعين صاعاً، فاحتاج الأنصاري - احتاج هذه المواد - فأتاه، فقال عليه الصلاة والسلام: ما جاءنا من شيء بعد. فقال الرجل وأراد أن يتكلم فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقل إلا خيراً فأنا خير من تسلف- أي اطمئن؛ لا تقل إلا خيراً، أنا خير من استسلف- أعطاه أربعين فضلاً وأربعين سلفة فأعطاه ثمانين ))
[رواه البزار عن عبد الله بن عباس]
واقترض بعيراً؛ فجاء صاحبه يتقاضاه – هناك نقطة مهمة جداً؛ سأوضحها لكم- كيف سمح الله لإنسان أن يقاضي النبي ويغلظ له بالقول؟! لأن الله عز وجل لولا أن هؤلاء الذين تسلفوا منه وأغلظوا له بالقول، لو لم يفعلوا ما ظهر كمال النبي، فالله عز وجل أراد أن يظهر كمال النبي، فهناك أشخاص سفهاء، وأشخاص عندهم غلظة ومطالبتهم قاسية، كل أنواع البشر عاملهم النبي عليه الصلاة والسلام، لو أن الله عز وجل جعل حول النبي أصحاباً محبين فقط، واحترام ما بعده احترام، وأدب ما بعده أدب، وهو قابلهم بكمال، لما ظهرت الفضائل الأخرى، لكن هناك فضائل لا تظهر بالكمال، يوجد فضائل لا تظهر إلا بالقسوة؛ إنسان طالبك بقسوة، إنسان أغلظ القول؛ الإنسان مادام محترماً احتراماً عالياً تلقاه لطيفاً، أما إذا تجاوز حده معه فيقطعه قطعاً، هكذا شأن الأقوياء؛ مادام هناك تأليه؛ مسرور، تؤلهه مسرور، تجاوزت حدك معه بكلمة يقطعك قطعاً. حلم النبي صلى الله عليه و سلم :
أما النبي سيد الخلق وحبيب الحق هناك أشخاص تجاوزوا الحد معه، فما زاده هذا إلا حلما:ً
((اقترض بعيراً، فجاء صاحبه يتقاضاه، فأغلظ للنبي عليه الصلاة والسلام، فهمّ به أصحابه فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً))
َ[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
هذا مبدأ؛ مظلوم، عنده مشكلة، فله مقال؛ دعوه ليتكلم ليعبر عن حاجته، الإنسان إذا كان مظلوماً، وتكلم يرتاح، لا تمنعه من الكلام، لو منعته ينفجر، وهذا أساساً مبدأ بالمعالجة النفسية يسمونه البوح؛ أحياناً يأتي المريض يتكلم مع الطبيب، يرتاح؛ الطبيب ما فعل شيئاً، فقط أصغى له، أحياناً الواحد مع أولاده، مع أهله؛ يتكلمون؛ استمع، الكلام وحده علاج، إن لم تسمح لها بالكلام إطلاقاً ستنفجر، فهناك طريقة بالمعالجة النفسية؛ أن الطبيب النفسي يسمح للمريض أن يعبر عن مشكلته ليعرف أبعادها كلها، فكأن هذا التوتر انتشر، وهذا الضغط فرغه، والإنسان عندما يعبر عن مشكلته يرتاح، فقال : ((دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أنا مرة، هناك صديق يعمل في الجامعة أستاذاً، فتفقدناه في الجامعة شهراً و لم نجده، وعندما جاء قلت له:أين أنت؟ قال لي: عندنا مؤتمر لرفع مستوى الإدارة. قلت له: هذا المؤتمر ما توصياته النهائية؟ قال لي: عجيب؛ أقصر توصية رأيتها في حياتي ألا يكون هناك حاجز بين الرئيس ومرؤوسيه - دائرة، مستشفى، مدرسة، معمل له، مدير عام و عمال لا يكون هناك حاجز بينهما- قلت له : عجيب؛ هذا قول سيدنا عمر، سيدنا عمر، أوصى أحد الولاة، قال له: "لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم".
إذا كان هناك حاجز فالإدارة سيئة جداً لأن الصغار يظلمون، والمظلوم لا يستطيع أن يصل للأعلى- لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم - أما إذا أقل إنسان يستطيع أن يصل إلى مدير المعمل، فالذي له وظيفة عالية بالمعمل؛ الإنسان المظلوم له حق أن يقابل مدير المعمل، يشتكي عليه، يحسب، يعد للألف قبل أن يظلم هذا الموظف البسيط، أما إذا الطريق لمدير معمله غير سالك فيأخذ حريته: ((واشترى مرة شيئاً وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه، وتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب.))
[أَخرجه أبو داود عن عبد الله بن عباس]
هديه صلى الله عليه و سلم في وفاء الدين :
تقاضاه غريم له ديناً فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال: ((مه ياعمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر -أي أنت ما أصبت؛ مرني بحسن الأداء، ومره بالصبر-))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن سلام]
((وباعه يهودي بيعاً إلى أجل؛ فجاء قبل الأجل يتقاضاه ثمنه، فقال لم يحل الأجل، فقال اليهودي إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فهم به أصحابه فنهاهم، فلم يزده ذلك إلا حلماً، فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة؛ وبقيت واحدة وهي أنها لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، فأردت أن أعرفها، فأسلم اليهودي))
[صحيح عن عبد الله بن سلام]
أي اليهودي ليس له حق؛ استسلف النبي منه شيئاً لشهر، جاءه قبل شهر، قال له: الأجل لم يحن بعد، قال له: إنكم مطل يا بني عبد المطلب - أغلظ - فنهى أصحابه أن يفعلوا شيئاً، فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة؛ وبقيت واحدة وهي أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، أردت أن أعرفها فأسلم.
ثلاث قصص؛ ثلاثة أشخاص تهجموا عليه، وتطاولوا عليه، وأغلظوا له في القول، فما زاده هذا إلا حلماً ووداعة وسلاماً. مشية الرسول الكريم مشية أولي العزم والهمة والشجاعة :
وكان إذا مشى تكفأ تكفؤاً، وكان أسرع الناس مشية، وأحسنها، وأسكنها، قال أبو هريرة: ((ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
كان رياضياً، مشيه فيه عزم وقوة وسرعة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا مشى تكفّأ تكَفُّؤا ، كأنما يَنحَطّ من صَبَب ))
[أخرجه رَزينَ عن علي ]
الإنسان إذا كان نازلاً من جبل يتكفأ تكفؤاً أي كل حركة من حركاته تعني القوة، وكان إذا مشى تقلع - قلت و التقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، أي ليس شحطاً يشحط رجله - تقلع تقلعاً، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات، وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج، والمهانة، والتماوت، وأبعدها من مشية الهوج، والمهانة والتماوت؛ تلقى إنساناً ماشياً كأنه ميت، أي مشيه مزر، وهناك مشية ذليل، و مشية هوج، مشيته لا مشية هوج، ولا ذل، و لا مهانة، ولا تماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيته، ويمشي قطعة واحدة، كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة؛ وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب، مشية الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضاً، وهي دالة على خفة عقل صاحبها؛ ولاسيما إذا كان يكثر الالتفات، حال مشيه يميناً وشمالاً؛ وإما أن يمشي هوناً، وهي مشية عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[ سورة الفرقان:63]
كما وصفهم الله في كتابه، قال غير واحد من السلف: هوناً بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبحان الله! الأدب ينعكس على المشي، ينعكس على الجلوس؛ تلقى جلسة فيها كبر، جلسة فيها قلة أدب، جلس على كنبة، على طرفها يجلس و يضطجع على آخر المسند صار مائلاً؛ يضع رجلاً فوق رجل؛ منظر وقح؛ جلسة فيها وقاحة، هناك جلسة فيها أدب؛ فالإنسان مشيه وجلوسه يعبر عن إيمانه - فإنه مع هذه المشية كأنه ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كأن الماشي معه يجهد نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث - غير مكترث ليس القصد أنه متكبر؛ لكن على تقدمه بالسن عليه الصلاة والسلام كان نشيطاً في مشيه وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية تماوت ولا مهانة، بل مشيته أعدل المشيات. أنواع المشي :
والمشيات عشرة أنواع، هذه ثلاثة منها: مشية تماوت، ومشية هوج، ومشية هون؛ التي كان يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام لا مشية هوج ومهانة وتماوت. الرابعة: السعي، والخامسة: الرّمل، وهو أسرع المشي مع تقارب الخطا، الرمل ويسمى الخبب. وفي الصحيح من حديث ابن عمر:
((أن النبي صلى الله عليه وسلم خب في طوافه ثلاثاً، ومشى أربعاً))
[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر]
الخبب أي هرولة خفيفة.
السادس: النّسلان، وهو العدو الخفيف، الذي لا يزعج الماشي، وفي بعض المسانيد: ((أن المشاة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشي في حجة الوداع؛ فقال: استعينوا بالنسلان))
[ الحاكم عن ابن عباس]
والسابع: الخَوْزَلَى، وهي مشية التمايل، وهي مشية يقال فيها: إن فيها تكسراً وتخنثاً – أي مشية نسائية، هناك رجل يمشي هذه المشية، يتمايل ويتكسر في أعضائه - والثامن: القهقرى؛ وهي المشية إلى الوراء، والتاسع: الجَمَزَى وهي مشية يثب فيها الماشي وثباً، والعاشر: مشية التبختر وهي مشية أولي العجب والتكبر، وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه، فأعجبته نفسه، وأعدل هذه المشيات الهون والتكفؤ، أي فيها قوة وفيها وقار؛ التكفؤ فيها قوة، والهون فيها وقار، إذاً عندنا مشية الهوج، مشية المهانة، مشية التماوت، السعي، الرمل، النسلان، الخَوْزَلَى، القهقرى، الجمزى، التبختر؛ عشرة أنواع للمشي أعدلها؛ الهون والتكفؤ، التكفؤ فيها قوة، والهون فيها وقار، وهذه مشية النبي عليه الصلاة والسلام. أما مشيه مع أصحابه: ((فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: دعوا ظهري للملائكة))
[رواه أحمد عن جابر بن عبد الله]
ولهذا جاء في الحديث: ((وكان يسوق أصحابه، وكان يمشي خلفهم، وكان يماشي أصحابه، فرادى وجماعة،ومشى في بعض غزواته مرة، فدميت أصبعه، فقال:هَلْ أَنتِ إلا إصْبَعٌ دَميتِ وفي سبيل اللَّه ما لقيتِ))
[رواه الترمذي عن جندب بن سفيان البجلي]
(( وكان في السفر يسوق أصحابه أمامه، هو يسير خلفهم؛ يزجي الضعيف و يردفه، ويدعو لهم))
[ذكره أبو داود عن جابر بن عبد الله]
الماشي في الخلف يجب أن يخدم أصحابه؛ الضعيف أعانه، إن وجد حاجة أخذها؛ هذا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم؛ هو كان في خدمتهم، يمشي خلفهم في خدمتهم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السابع )


الموضوع : هدية فى كلامة و سكوتة وضحكة و بكائة و حركاتة



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه و سكوته :
هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه:
كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، أفصح كلام بعد القرآن الكريم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أوتي جوامع الكلم وقال:
((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش))
[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
كان أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاماً، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقاً، إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب، ويسبي الأرواح، ويشهد له أعداؤه، وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل، مبين يعده العاد، ليس بهذر مسرع لا يحفظ، ولا منقطع تتخلله السكتات بين أفراد الكلام، كلام متصل، كلام واضح، كلام فصيح، كلام مقبول، ليس بهذر متقطع، تتقطعه السكتات، بل هديه في الكلام أكمل هدي، قالت عائشة رضي الله عنها: (( ما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسَرْدِكم هذا . ولكنه كان يتكلم بكلام يُبَينه ، فَصْل ، يحفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِليه ))
[رواه الترمذي عن عائشة]
وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليعقل عنه؛ فكرة دقيقة جداً، عميقة جداً، خطيرة جداً، يعيدها مرتين أو ثلاثة، وكان إذا سلّم سلّمَ ثلاثاً، وكان طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه - أي الكلمة تملأ فمه، أحياناً الإنسان يعلك الكلام علكاً، أحياناً الكلمة غير واضحة - يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم؛ فصل لا فضول ولا تقصير؛ البلاغة هكذا بين الإيجاز المخل والإطناب الممل – لا يوجد كلام زائد ممل ولا كلام ناقص ليس واضحاً - وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه، وإذا كره شيئاً عرف في وجهه، ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً ولا عياباً - ما كان يعيب شيئاً، وما كان عنده صوت عال صخاب - وليس لديه أي مزاح فاحش؛ الآن كثير من الناس، أربعة أخماس كلامهم مزاح فاحش - كلام ملغوم -. هديه صلى الله عليه و سلم في ضحكه :
كان جلّ ضحكه التبسم، بل كله تبسم، فكانت نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه، وكان يضحك مما يضحك منه أصحابه، أحياناً الإنسان حتى يركز مكانته يعزل نفسه عما حوله، فيترفع عن كل شيء مضحك؛ أي إن حدث طرفة ومن حوله ضحك، وهو ضحك؛ شارك؛ الضحك كمال أما إذا بقي آخذاً وضع الهيمنة، وهناك شيء مضحك - والكل ضحكوا - وهو لم يضحك؛ فيحرج الباقين، فكان عليه الصلاة والسلام من كماله يضحك مما يضحك منه أصحابه، وكان يتعجب مما يتعجبون، وللضحك أسباب عديدة؛ هذا أحدها؛ هناك شيء يدعو للضحك.
أنواع الضحك :
هناك نقطة دقيقة أن الله عز وجل قال:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم: 43]
إذا كان الإنسان جالساً مع أهله، وصار هناك طرفة و ضحك، فهذا من فضل الله عز وجل لأن الله عز وجل قادر على أن يبكيه، فقد يكون هناك مشكلة، قد تأتي مشكلة لا يمكن أن تضحك معها إطلاقاً، مادامت الأمور ميسرة، و الله عز وجل مسلم لك صحتك وأولادك وأهلك؛ لا يوجد عندك مشكلة كبيرة، وضحكت فهذه نعمة من نعم الله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم: 43]
وللضحك أسباب عديدة؛ هذا أحدها.
والثاني: ضحك الفرح؛ الإنسان أحياناً يضحك من شدة الفرح، وهو أن يرى ما يسره أو يباشره.
والثالث ضحك الغضب:
مرة شده أعرابي من ثوبه حتى أثّر على رقبته الشريفة وقال: ((أعطني من مال الله فهذا ليس مالك ولا مال أبيك))
فالنبي تبسم وقال: ((صدق إنه مال الله))
[أخرجه البخاري عن أنس بن مالك]
هذا التبسم دليل القوة؛ بإمكانه أن يقتله، بإمكانه أن يسحقه، لكن رثى لحاله، ورحمه، فكان التعبير تبسماً، هذا تبسم الغضب.
ضحك الغضب وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته؛ وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب - هذه بطولة - المؤمن يملك نفسه عند الغضب؛ مسيطر، نفسه طوع يديه، هناك إنسان إذا غضب تفلت الزمام منه، يتكلم كلاماً بذيئاً، يسب الدين أحياناً، فكان عليه الصلاة والسلام إذا غضب تبسم، هذا تبسم التملك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[سورة القلم:4]
لم يقل إنك لذو خلق عظيم، إنك لعلى - أي مسيطر -. الغضب و التغاضب :
وقد يكون تبسمه عند الغضب إعراضه عمن أغضبه، و عدم اكتراثه به، فالإنسان القوي الذي أكرمه الله عز وجل بالحكمة لا يسمح لإنسان أن يسيطر عليه، فإذا استفزك إنسان وغضبت وتفلت الزمام منك وتكلمت كلاماً سيئاً جداً؛ فالمعنى أنه هو مالك لك، ولست أنت مالك له، فكل إنسان له مفتاح، فإن كان مفتاحك مع الآخرين فيعني أنه ليس لك شخصية، أما البطولة أن تستفز فلا تغضب؛ أن تستفز فلا تغضب، أما ممكن أن تتغاضب - التغاضب غير الغضب - التغاضب أسلوب حسن؛ أحياناً بأعماقك هادئ هدوءً شديداً، لكن تقتضي قوة التربية أن تتغاضب، قال سيدنا أبو ذر لسيدنا عمر:" (إن الناس هابوا شدتك، قال له: والله يا أبا ذر لو علم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى".
سمعت عن أحد الزعماء بأوربا، له كلمة مشهورة - بسمارك - قال:" أنا أتغاضب ولا أغضب وأرضي أعدائي ولا أسترضيهم".
الإرضاء بالفعل والاسترضاء بالكلام، لا يسترضيهم لكنه يرضيهم، هناك خصومة شريفة أحياناً تقف موقفاً أخلاقياً، أي تستجيب لطلب من خصم، أما هذا الكلام الذي فيه ميوعة، وفيه تذلل؛ لا يفعله أبداً، أنا أتغاضب ولا أغضب، أرضي ولا أسترضي.
هديه صلى الله عليه و سلم في بكائه :
أما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه؛ لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ما ضحك قهقهة، ولا بكى بشهيق؛ والله هناك ضحك تشعر أن فيه سوء أدب، بصوت مرتفع و بميلان يمنة ويسرة، وهناك ضحك فيه أدب: ((قيل له ما هذا الأدب؟ قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي))
[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، هذا بكاؤه، ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته، وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحب للخوف والخشية؛ فلما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال: (( تدمع العين ، ويَحْزَن القلب ، ولا نقول إِلا ما يرضي ربنا ، و إنا بك يا إبراهيم لمحزونون ))
[أخرجه مسلم عن أنس بن مالك ]
وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض، إحدى بناته ماتت بين يديه؛ فبكى، وبكى لما قرأ عليه عبد الله بن مسعود سورة النساء، وانتهى فيها إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾
[سورة النساء: 41]
وبكى عندما مات عثمان بن مظعون، وسمع من تقول خلف الستار: "هنيئاً أبا السائب لقد أكرمك الله" فقال عليه الصلاة والسلام: ((وما أدراك أن الله أكرمه؟ قولي؛ أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي))
[رواه أحمد عن عبد الله بن عباس]
هذا منتهى الأدب؛ أما عندما تحكم على الله عز وجل أن فلاناً يدخل الجنة؛ أأنت إله أنت؟! الأمر بيدك؟! معك علم قطعي؟! هذا فيه تأل على الله.
عندما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف جعل يبكي في صلاته؛ وجعل يقول: ((ربِّ ، ألم تَعِدْني أن لا تُعَذِّبَهم ، وأنا فيهم ؟ ألم تَعِدْني أن لا تعذِّبَهم وهم يستغفرون ؟ ونحن نستغفرك))
[رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته، وكان يبكي أحياناً في صلاة الليل. أنواع البكاء :
والبكاء أنواع؛ أحدها بكاء الرحمة والرقة، والثاني بكاء الخوف والخشية، والثالث بكاء المحبة والشوق، والرابع بكاء الفرح والسرور، والخامس بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله، والسادس بكاء الحزن - الحزن والجزع و الفرح والمحبة و الخوف والرحمة - والفرق بينه وبين بكاء الخوف أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه، أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك؛ خشية المستقبل بكاء خوف، ندم على الماضي بكاء حزن.
بالمناسبة هناك بكاء يفسد الصلاة، البكاء أعلى درجة من الشوق إلى الله، والبكاء دليل الخشوع في الصلاة؛ إلا إذا كان هناك بكاء من نوع معين؛ إذا الإنسان بكى في الصلاة فصلاته باطلة، عليه أن يعيدها؛ إذا بكى ألماً على شيء فاته من الدنيا في الصلاة؛ المعنى أنه لا يفهم شيئاً إطلاقا؛ً إذا بكى على شيء فاته من الدنيا في الصلاة فصلاته باطلة؛ تفسد.
والفرق بين بكاء السرور والفرح، وبكاء الحزن؛ أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان، ودمعة الحزن حارة والقلب حزين، ولهذا يقال لما يفرح به: هو قرة عين، وأقر الله عينه، ولما يحزن: هو سخينة عين، وأسخن الله عينه؛ بكاء الألم حار، وبكاء الفرح بارد، والسابع بكاء الخور والضعف، والثامن بكاء النفاق؛ قد تُعجب بإنسان يبكي! عنده قدرة على البكاء عجيبة، إذا بكى تصدقه، قال: هذا بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس، فيظهر صاحبه الخشوع وهو من أقسى الناس قلباً، هذه قدرة بالإنسان، يبكي وهو قلبه قاس، والتاسع البكاء المستعار، أو المستأجر عليه؛ كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها كما قال عمر رضي الله عنه:" تبيع عبرتها شجو وتبكي غيرها".
قديماً كانوا يستأجرون نائحات يولولون، يبكون بكاء شديداً، حتى يظهروا الحزن، هي مستأجرة؛ أي بكاء بالأجرة فقال سيدنا عمر هذه النائحة: "تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها".
والعاشر بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم، فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون، ولكنه رآهم يبكون فبكى، وما كان من ذلك دمعاً بلا صوت فهو بكى – مقصور-، وما كان معه صوت فهو بكاء - ممدود - فالبكاء بالألف والهمزة؛ بكاء معه صوت، وما كان من دون صوت فقط دموع فهو بكى، وما كان منه مستدعى متكلفاً فهو التباكي؛ التباكي: التصنع، التفعل هو التصنع، وهو نوعان؛ محمود ومذموم، فالمحمود أن يستجلب لرقة القلب، ولخشية الله لا للرياء والسمعة، والمذموم أن يجتلب لكثرة الخير، لذلك قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر فقال:" أخبروني، ما يبكيكما يا رسول الله فإن وجدت بكاء بكيت معكم وإن لم أجد تباكيت؟"، هذا بكاء الموافقة - محمود - أن تجاري من حولك في البكاء: فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت".
ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام ذلك.
وقال بعض السلف:" ابكوا من خشية الله فإن لم تبكوا فتباكوا"
هذه أنواع البكاء وأنواع الضحك.
وهدي النبي عليه الصلاة والسلام في الضحك والبكاء وفي التكلم وفي الصد.
هدي النبي عليه الصلاة و السلام في حركاته :
وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيمن في تنعله، وفي ترجله، وطهوره، وأخذه وعطائه، يستعمل اليد اليمنى ويبدأ باليمين، وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه و نحوه من إزالة الأذى؛ الأشياء الطيبة الجميلة الإيجابية باليمنى، والأشياء غير الطيبة - تنظيف نفسه، الطهور باليسرى - وكان يحب السواك، وكان يستاك مفطراً و صائماً، و يستاك عند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل، وكان يستاك بعود الأراك، وكان يكثر التطيب، ويحب الطيب، وذكر عنه أنه يستعمل الطيب حتى أنه يعرف بريح الطيب عليه الصلاة والسلام.
وكان يجلس على الأرض؛ أحياناً يكون هناك كنبات في الغرفة؛ تمتلئ الكراسي؛ فيأتي إنسان محترم، و يجلس على الأرض؛ هذا تواضع فيه، هناك شخص إذا لم يقعد على كرسي يرى نفسه مهاناً؛ هناك كثير من الجلسات يكون المكان قد ضاق بالضيوف يأتي شخص محترم جداً و يقعد على الأرض؛ أراح صاحب البيت، وخفف عنه؛ لا يوجد كراسي و الكراسي ممتلئة؛ أي إذا عودنا أنفسنا إن لم يكن هناك كرسي أن تقعد على الأرض؛ فهذا تواضع، هذا أدب عال؛ فكان عليه الصلاة والسلام يجلس على الأرض، وعلى الحصير، و البساط، وقالت امرأة رأته:
((أتيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله كالمتخشع في الجلسة؛ أرعدت من الفرق))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن حسان العنبري]
((ولما قدم عليه عدي بي حاتم؛ دعاه إلى منزله، فألقى إليه وسادة من أدم محشوة ليفاً وقال اجلس عليها، فقال: بل أنت، قال بل أنت، فجلست عليها وجلس على الأرض - وهو سيد الخلق - قال، يقول عدي بن حاتم: فعرفت أنه ليس بملك))
[أخرجه البخاري عن عدي]
وكان يستلقي أحياناً، وكان يتكئ على الوسادة أحياناً، وكان يتكئ على يمينه، وكان إذا احتاج في خروجه توكأ على بعض أصحابه من الضعف، لتقدمه بالسن كان يتوكأ على بعض أصحابه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : هدية فى خطبتة



بسم الله الرحمن الرحيم ،الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأنبياء جاؤوا بكلمة قالوها فغيروا معالم الحياة :
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته؛ قبل الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته، لا بد من مقدمة.
أيها الأخوة؛ الأنبياء بماذا جاؤوا؟ جاؤوا بكلمة قالوها، فغيروا معالم الحياة، غيروا وجه الأرض، نشروا العدل، نشروا الفضيلة، إلا أن كلمتهم لها رصيد، وإنسان آخر يقول كلمة أخرى ليس لها رصيد، لا تفعل شيئاً، فمع امتداد الزمن، وظهور النفاق والتفلت؛ هناك كلمات لكنها ليس لها رصيد، إذاً لا تؤثر، فالأنبياء ما جاؤوا إلا بالكلمة، لكن هذه الكلمة لها في أخلاقهم، وفي إيمانهم، وفي سلوكهم، رصيد كبير، ففعلت فعل السحر.
فالنبي خطب وفي العالم الإسلامي آلاف آلاف الخطباء، لكن الذي حصل عند النبي لن يحصل بعده، الفرق هو أن كلمته يقابلها كم كبير جداً من الأخلاق، كم كبير جداً من السلوك، كم كبير جداً من الحب، حب، وأخلاق، وسلوك؛ فعليه الصلاة والسلام خطب على الأرض، وخطب على المنبر، وخطب على البعير، وخطب على الناقة، و:
((كان إذا خطب احْمَرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبُه، حتى كأنه مُنْذِر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول : بعثتُ أنا والساعةَ كهاتين ، ويقرْن بين إصبعيه: السبَّابةِ والوسطى، ويقول: أما بعدُ، فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهدْي هدْيُ محمد،صلى الله عليه وسلم، وشرُّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلُّ بدْعة ضلالة))
[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه]
الذي أريد أن يكون واضحاً عندكم لو أن الإنسان لم يكن خطيب مسجد، ولم يكن داعية بالمعنى النظامي الأكاديمي، أما كل واحد من المؤمنين بإمكانه أن يكون داعية فإذا كان لديه رصيد كبير من الأخلاق، والصدق، والأمانة، وعدم النفاق؛ سلوكه وحده هو الرصيد؛ فإذا تكلم تماماً كالشيك الذي له رصيد، يقول لك: يكتب ثلاثين ألفاً، يوقع، يعطيك إياه؛ ماذا فعل؟ قضية سهلة جداً، مئة ألف يوقع، يعطيك إياه، مليون يعطيك إياه، تفرح أنت، لماذا فرحت؟هذه ورقة، عليها توقيع وعليها رقم، لكن هذه الورقة إن ذهبت إلى المصرف تأخذ مئة ألف؛ هناك رصيد، فالإنسان يجهد أن يكون له رصيد عند الله، إذا تكلم كان لكلامه فعل السحر، أما إذا لم يكن هناك رصيد فآلاف المتكلمين، آلاف المتحدثين، آلاف المتشدقين، آلاف المنافقين، والمسلمون هم هم.
كل مؤمن مكلف أن يكون داعية إلى الله عز وجل :
الشيء الثاني دعوة لكل الناس، كل مؤمن مكلف أن يكون داعية إلى الله عز وجل؛ تكليف حقيقي، ليس تكليفاً خيالياً، أي أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فرض، والله عز وجل يقول:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[سورة العصر:1-3]
إنسان يعيش كل عمره لا يحدث نفسه بالجهاد؛ يموت على ثلمة من النفاق، يعيش عمره بكامله لم يفكر أن يهدي أحداً، والجهاد أنواع: عندنا الجهاد الدعوي، هذا أخطر جهاد؛ والله سماه الجهاد الكبير: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان: 52 ]
وهناك جهاد النفس والهوى، أي قبل أن نصل إلى الجهاد القتالي - وليس متاحاً الآن - أما المتاح فهو الجهاد الدعوي، وجهاد النفس والهوى، فلذلك الإنسان مكلف أن يكون داعية إلى الله في حدود ما يعلم ومع من يعلم، مع من يعرف، في حدود ما يعلم ومع من يعرف، وهناك حد أدنى من الدعوة؛ أحياناً تُسمع إنساناً شريطاً؛ أنت لا يوجد عندك إمكانيات لأن تشرح، و توضح، و تبين، وتعلل، وتأتي بالدليل؛ قد لا تملك هذه الإمكانات، أما مئات الأشخاص فيقومون بتوزيع شريط، ويتابعون الأمر، وأعرف أناساً بلغوا شأناً عالياً جداً في الدعوة من خلال هذا الطريق، فالإنسان إن لم يحدث نفسه بالجهاد الدعوي مات على ثلمة من النفاق.أقرب الناس لك، من حولك؛ أهلك، جيرانك، أصدقاؤك، زملاؤك. هدي النبي صلى الله عليه و سلم في خطبته :
وكان عليه الصلاة والسلام لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وكان يخطب قائماً، وكان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: السلام عليكم، وقال الشعبي: "وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك".
وكان يختم خطبته بالاستغفار، وكثيراً ما يخطب بالقرآن؛ القرآن فيه محكم، أحياناً إذا تلوت على الناس آيات محكمة فهذه خطبة؛ نحن نتوهم أن القرآن يحتاج إلى تفسير؛ صحيح؛ في متشابهه، أما:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾
[سورة الحاقة:19-24 ]
هل تحتاج إلى تفسير؟! ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه﴾
[سورة الحاقة:25-29]
آيات كثيرة جداً، سور بأكملها لا تحتاج إلى تفسير، فإذا قرأتها، أو قرأتها على الناس؛ هي في حدّ ذاتها خطبة. افتتاح النبي عليه الصلاة و السلام خطبه بالعبارات التالية :
وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت الحارثة، قالت:
((ما أخذت"ق والقرآن المجيد" إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس))
[مسلم عن أم هشام بنت الحارثة]
أنا سمعت من مدة خطبة - وأنا مسافر - لفت نظري أن الخطيب قرأ أكثر من خمسمئة آية دون أن يتكلم من عنده بأية كلمة لكنه جامع الآيات جمعاً بحيث أنها تؤدي معنى متكاملاً، من عنده لم يخطب بأية كلمة، يبدو أن الخطبة يقولها في كل مكان - أي هو يسافر يتنقل من مكان لمكان - لفت نظري القرآن وحده خطبة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا تشهد قال: ((الحمدَ لله. نستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا . مَنْ يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِلْ فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرُّ إلا نفسه، ولا يضرُّ الله شيئاً.))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
كان عليه الصلاة والسلام يفتتح خطبته بهذه العبارات.
وفي رواية:
ومن يعصهما فقد غوى – أي انحرف -0 التوحيد عند النبي عليه الصلاة و السلام :
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
((كل ما هو آت قريب))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]
والحقيقة هذه عبارة بليغة جداً؛ نحن ننتظر رمضان؛ جاء رمضان، دخلنا في رمضان، وانتهى رمضان، ننتظر عيد الأضحى، على الأبواب، يأتي ويذهب، ننتظر الشتاء، يأتي ويذهب، ننتظر الصيف، يأتي ويذهب، ننتظر نهاية العام الدراسي، يأتي العام ويذهب العام، وهكذا العمر كله، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((كل ما هو آت قريب ولا بعد لما هو آت، ولا يعجل الله لعجلة أحد، الله ولا يخف لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله شيئاً ويريد الناس شيئاً، ما شاء الله كان، ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]
هذا التوحيد؛ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن - أي الله عز وجل يؤخر شيئاً ليس بإمكانك أن تقربه أنت، نلقاه خطب هذا الشهر إلى أن يحين الأوان، أسس عملاً ولم يوفق إلى أن يوفقه الله؛ ليس بيدك الأمر، أنت عليك أن تسعى لكن التوفيق له وقت، الزواج له وقت، أن يفتح الله على قلبك له وقت؛ حتى يعلم صدقك، فالله كل شيء له عنده وقت، كلامك لا يعجل ولا يؤخر؛ حتى من بعض الأدعية الشريفة: ((اللهم رضني بقضائك، وبارك لي بقدرك؛ حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت))
[رواه الطبراني عن أبي هريرة]
كل شيء له أوان. تعلّم وسائل التأثير من أسلوب القرآن الكريم و أسلوب النبي صلى الله عليه و سلم :
وكان مدار خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمد الله والثناء عليه بآلائه، و أوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه، هذه أخطر الموضوعات؛ التعريف بالله، وبأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، ثم التعريف بقواعد الإسلام، ثم بيان المصير، ذكر الجنة والنار، هذا الدين كله أساس، أي دائماً خطبة الجمعة هي فرض، وحضور الخطبة فرض؛ لذلك الخطيب يجب أن يختار موضوعات كلية، موضوعات تعرف الناس بالله عز وجل، أحياناً موضوع جزئي فقهي بخطبة لا يناسب، هذه مثل لبنة في بناء شامخ؛ لابد من أن تقدم في هذه الخطبة صورة لكامل البناء، لابد من أن تحبب الناس بهذا البناء، لابد من أن تحملهم على الدخول فيه؛ فالخطبة لها معنى دعوي دعائي، ولها معنى تأثيري، ليست قضية إقناع بل قضية حمل على مواقف، الإنسان أحياناً يقنع بالحجة، لكن بالعاطفة الجياشة وبالكلام المؤثر يحمل المستمع على أن يأخذ موقفاً، فهناك إقناع، وهناك أخذ موقف؛ الخطيب يخاطب العقل تارة، والعاطفة تارة أخرى، والقرآن الكريم هكذا؛ والنبي عليه الصلاة والسلام عندما سأله إنسان أن يأذن له بالزنا غضب الناس غضباً شديداً؛ فقال النبي:
((أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله، جعلني الله فداك . قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال : أتحبه لأختك؟ قال : لا والله، جعلني الله فداك....))
[رواه أحمد والطبراني عن أبي أمامة الباهلي]
هذا طرح علمي، مناقشة عقلية محضة، أما الأنصار عندما وجدوا عليه في أنفسهم، قال: ((يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدتم علي في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله))
[أحمد عن العرباض بن سارية]
هذا كلام عاطفي؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام مرة خاطب العقل، ومرة خاطب العاطفة، والله عز وجل في آية واحدة خاطب العقل والعاطفة معاً، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾
[سورة الانفطار: 6-7]
خلقك فسواك وعدلك هذه مناقشة عقلية، أما ماغرك بربك الكريم؟ هذه مخاطبة عاطفية، فأيضاً الإنسان يجب أن يتعلم من أسلوب القرآن الكريم، ومن أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام؛ وسائل التأثير. خطب النبي كانت في كل وقت تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم :
وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبه:
((أيها الناسُ، إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كلَّ ما أُمِرتُم به، ولكن سَدِّدُوا وقارِبُوا، وأبشروا ويَسِّروا ))
[ أخرجه أبو داود عن الحكم بن خزن الكلفي]
وكان يخطب في كل وقت تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم - غير الجمعة - في خطبة عقد قران، في خطبة حربية؛ فكل موقف له مقال.
ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم، هو نفسه سيدنا محمد يقول: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود]
ما كان يذكر اسمه إلا بلفظ العلم المفرد.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
الجذماء: المبتورة.
ولم يكن له شاويش يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته؛ هناك تقاليد كهنوتية صارت فيما بعد؛ تقاليد ليست من الإسلام، يمشي الخطيب و أمامه إنسان يشق له الصفوف، هذا مظهر كهنوتي ما كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والدليل: دخل أعرابي إلى مجلسه، قال: أيكم محمد؟ هناك روايتان، الأولى قال له: أنا، والثانية قال له صحابي: ذلك الوضيء.
ليس له كرسي خاص أبداً، كان يجلس دائماً مع أصحابه. تواضع النبي صلى الله عليه و سلم و عدم تكلفه :

ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم - لباس خاص للخطابة – كان عليه الصلاة و السلام عادياً؛ والإنسان إذا كان عادياً يكون محبباً للناس أكثر، عادي من دون تكلف، من دون تصنع، وكان منبره ثلاث درجات؛ أنا شاهدت منبراً في مصر؛ قيل: هذا أعلى منبر بالعالم، يمكن لا أبالغ؛ قريب من السقف، بالضبط للسقف، المنبر بجامع القلعة يصل للسقف، سيقعد الناس ويتطلعون؛ والله الآن أرى مساجد المنبر ثلاث درجات، شيء مريح؛ الخطيب مع الناس، الحديث والقرب من الأشخاص أقرب للتأثير، لا يرفع رأسه دائماً حتى يرى الخطيب، كان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس، أخذ المؤذن في الأذان فقط، ولم يقل شيئاً قبله ولا بعده، فإذا أخذ بالخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة؛ لا مؤذن ولا غيره، قال: ((وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر))
[رواه الطبراني عن سعد القرظ]
وكان الخلفاء الثلاثة من بعده يفعلون ذلك؛ إلا أن سيدنا الصديق نزل درجة، ترك لرسول الله درجة، هذا أدب؛ أي مهما كان عظيماً فهو دون رسول الله، وسيدنا عمر نزل درجة، قال: "ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر"، سيدنا عثمان لم ينزل درجة؛ فخليفة أموي سأل بعد عشرين سنة أنه لمَ لم ينزل سيدنا عثمان درجة؟ لماذا خالف السنة؟ فقيل له: إن فعلها فأنت سوف تصير في قعر بئر، أيضاً هناك حكمة؛ فسيدنا الصديق فعلها لحكمة بالغة، سيدنا عمر فعلها وانتهى الأمر.
أما ما يفعله الخطباء اليوم من حملهم للسيف إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف؛ قال: هذا جهل واضح ليس له أصل في السنة إطلاقاً، المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم توكأ على عصا وأن الدين قام بالوحي وليس بالسوط، بالوحي؛ الحق هو الذي انتشر وليس السوط. قطعه صلى الله عليه وسلم الخطبة ونزوله لأمر ما :
أما الشيء الغريب أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته، أي كان طبيعياً، كان إنساناً طبيعياً، والشيء الطبيعي مؤثر، قال:
((مرة جاء الحسن والحسين يعثران فقطع كلامه؛ فنزل فحملهما، ثم عاد إلى منبره، ثم قال صدق الله العظيم:
﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
[سورة التغابن:15]
((رأيت هذين يعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما))
[رواه ابن خزيمة و النسائي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ]
((وجاء سليك الغطفاني وهو يخطب، فجلس، فقال: قم يا سليك فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما))
[رواه ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله ]
هذه قضية في الفقه خلافية، ولكن هكذا يرى؛ وكان يقصر خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً، بحسب حاجات الناس؛ أحياناً يكون مع صحابته في الليل و النهار، أما الآن تلقى الإنسان حظه من الخطبة هذه الجمعة - لا يوجد غيرها – و يتكلم كلمتين فقط، قال لهم: سوف أتكلم عن سيدنا يوسف؛ أتعرفون القصة؟ قالوا: نعرفها. قال لهم: لا تأتوا الجمعة الثانية0
قال: الآن هناك خطبة لمن يذهب في نزهة تقدر بأربع دقائق، ماذا تعلّم؟ فكل وقت له ترتيب؛ والنبي كان يطيل أحياناً، ليس ثلاث ساعات أو ساعتان، ولا خمس دقائق أيضاً غير واردة إطلاقاً، أقل شيء نصف ساعة؛ و في هذه الخطبة يعالج موضوعاً، فكان يطيل ويقصر أحياناً.
هذا هدي النبي في خطبته وفي دعوته.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : هدية فى الزكاة



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة :
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة أكمل هدي في وقتها، وفي قدرها، وفي نصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها، وقد راعى فيها صلى الله عليه وسلم مصلحة أرباب الأموال، ومصلحة المساكين معاًً، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه، وقَيّد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاته؛ بل يحفظُهُ عليه، و ينميه له، ويدفع عنه الآفات، ويجعلها سوراً عليه، وحصناً له، وحارساً له. الْأَصْنافُ الّتي تجب فِيهَا الزّكاة :
ثم إنه صلى الله عليه وسلم جعلها في أربعة أصناف من المال و هي أكثر الأموال دوراناً بين الخلق، وحاجتهم إليها ضرورية؛ بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، الزروع والثمار، الجوهران اللذان بهما قوام العالم وهما الذهب والفضة، أموال التجارة على اختلاف أنواعها.
أربعة أصناف من المال.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم أوجبها مرة كل عام، وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها، الزروع والثمار عند نضجها، والأموال كل عام، وهذا أعدل ما يكون، إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة؛ يضر بأرباب الأموال، ووجوبها في العمر مرة يضر بالفقراء والمساكين، لذلك جعلها كل عام مرة. نِصابُ الزّكاة :
ثم إنه صلى الله عليه وسلم - وقد أوتي الحكمة - فاوت بين مقادير الزكاة بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها وسهولة ذلك؛ فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعاً محصلاً من الأموال؛ مال جاهز - كنز؛ لقي الإنسان كنزاً ليس هناك جهد، ولا تعب، ولا حفر - الكنز زكاته الخمس ، وهو الركاز، ولم يعتبر له حولاً؛ بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به.
وأوجب نصف الخمس - وهو العشر - فيما كانت مشقة تحصيله، وتعبه، وكلفته فوق ذلك، وذلك في الثمار والزروع التي يباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها - ويتولى الله سقيها - إذا تولى الله عز وجل سقي الزروع نصف الخمس – أي العشر - يتولى الله سقيها من عنده بلا كلفة من العبد، ولا شراء ماء ولا إثارة بئر ودولاب، الأرض البعل إنتاج زكاتها نصف الخمس – العشر-.
وأوجب نصف العشر- بدأ بالخمس، نصف الخمس، العشر، نصف العشر- وأوجب نصف العشر فيما يتولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح وغيرها، الآن نصف نصف العشر - اثنان ونصف بالمئة - و أوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفاً على عمل متصل برب المال – أي تجارة - عمل يومي، وفتح محلات، وشراء بضاعة، وبيع، وجهد، وتحصيل ديون، وشحن البضاعة؛ مادام هناك جهد يومي؛ ربع العشر؛ بدأ بالخمس – الركاز- من دون جهد إطلاقاً، نصف الخمس للأراضي البعلية، نصف العشر للأراضي المسقية، ربع العشر لأعمال التجارة؛ لذلك من حكمة النبي عليه الصلاة والسلام أن نمو الزرع والثمار أظهر و أكثر من نمو التجارة - أي الإنسان يزرع أحياناً خمسة غرامات بذر بندورة يأتيه خمسة أطنان؛ كم ضعف؟ مليون ضعف؛ خمسة غرامات يزرعون في بيت بلاستيكي- نصف دونم - يعطون خمسة طن، طبعاً الطن ألف كيلو غرام، والغرام واحد من ألف من الكيلو غرام؛ فألف ألف ، فكل غرام يعطي طناً تقريباً، أي ألف ضعف، ولما كان نماء الزراعة أظهر كانت زكاة الزروع أعلى.
وظهور النمو فيما يسقى بالسماء، والأنهار أكثر، أما فيما يسقى بالآبار - الآن هناك بئر، و محرك، و وقود، و إصلاح المحرك، و صيانة المحرك - مادام هناك مصروف فنصف العشر، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل للمال الذي يحتمل أن تواسي به الآخرين نصاباً؛ لذلك لا زكاة فيما دون النصاب - أي دون الأربعين ألفاً على تقييم الذهب ودون العشرة آلاف على تقييم الفضة لا زكاة فيه- والدين يستغرق المال أحياناً، معك مئة ألف عليك مئتا ألف فالدين يستغرق المال. تولي الله عز وجل بنفسه توزيع أموال الزكاة :
اقتضت حكمة النبي عليه الصلاة والسلام أن جعل في الأموال قدراً يحتمل المواساة، ولا يجحف بها، ويكفي المساكين، ولا يحتاجون معه إلى شيء، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء، فوقع الظلم من الطائفتين الغني يمنع ما وجب عليه والآخذ يأخذ ما لا يستحقه فتولّد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين، وفاقة شديدة؛ لذلك قد يلجؤون إلى الحيل، وقد يلجأ الغني إلى الحيل في عدم دفع زكاة ماله؛ لذلك تولى ربنا جل جلاله بنفسه تقسيم الصدقة، وجزأها ثمانية أجزاء، يجمعها صنفين من الناس؛ أحدهما من يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة، وضعفها، وكثرتها، وقلتها، وهم: الفقراء، والمساكين، وفي الرقاب وابن السبيل، والثاني: من يأخذ لمنفعته؛ وهم: العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجاً، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة؛ أي الله عز وجل تولى بنفسه توزيع أموال الزكاة؛ فجزأها ثمانية أجزاء. تَفريق الزّكاة علَى الْمستَحقّينَ من أَهْل الْبلد :
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا علم من الرجل فاقة وفقراً؛ أعطاه الزكاة؛ قال: وإن سأله أحد من أهل الزكاة ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب: ((لا حظ في الزكاة لغني ولا لقوي مكتسب))
[أبو داود بسند صحيح]
وكان يأخذها من أهلها، ويضعها في حقها، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تفريق الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال - أي هذا المال جمع في هذه البلدة، ففقراء هذه البلدة أولى بزكاة أموال أغنيائهم من بلدة ثانية؛ الغني ربح من هنا، فالفقير اشترى وأربح الغني؛ فالفقير أولى بزكاة المال من بلدة ثانية - هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام - وما فضل عنهم حمل إلى بلد آخر- لذلك كان عليه الصلاة والسلام يبعث سعاته إلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إلى القرى؛ لأن كل قرية فيها فقراء؛ فالقرى تكفي نفسها، أما البوادي فليس حولهم أحد، بل أمر معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن، ويعطيها فقراءهم ولم يأمره بحملها إليه.
ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل، و الرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، و لا الخضروات، ولا المباطخ و المقاتي و الفواكه؛ أي أنواع الخضروات التي لاتكال ولا تدخر؛ إلا العنب والرطب، العنب يصير زبيباًً، والرطب يخزن، فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة، ولم يفرق بين ما يبس وما لم ييبس. دعاؤه صلّى اللّه عَلَيه وسلّم لجابي الزّكاة و النّهي عن الْأَخذ مِنْ كَرائِمِ الْأَمْوَالِ :
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرجل بالزكاة؛ دعا له فتارة يقول: ((اللهم بارك فيه وفي إبله))
[النسائي عن وائل بن حجر]
وتارة يقول: ((اللهم صلِّ عليه))
[ متفق عليه عن أبي أوفى ]
يريد هنا الدعاء له.
ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال في الزكاة بل وسط المال، ولهذا نهى معاذاً عن أن يأخذ كرائم أموالهم؛ أي هناك ناقة جيدة جداً،هذه دعها لصاحبها، خذ ناقة من أوسط النوق - ناقة عادية - قال له: ((وإياك و كرائم أموالهم))
[رواه ابن خزيمة عبد الله بن عباس ]
التصرف في الصدقة :
وكان صلى الله عليه وسلم ينهى المتصدق أن يشتري صدقته، وكان يبيح للغني أن يأكل من الصدقة؛ أي المتصدق أعطى الزكاة لفقير، ثم اشتراها منه؛ ينشأ هنا خجل، قد يشتريها منه بثمن بخس، نهى الغني أن يشتري صدقته من الفقير، لكنه سمح للغني أن يأكل من صدقته، أي إذا الغني أعطى فقيراً، وبعد حين الغني زار الفقير، وضيفه، مسموح له أن يأكل - وهو يعلم أن هذا المال أصله من عنده لكنه انقلب من زكاة إلى ضيافة - إذاً كان يبيح للغني أن يأكل من الصدقة تأليفاً لقلوب الفقراء إذا أهداها إليه الفقير، وأكل عليه الصلاة والسلام من لحم تصدق به على بريرة وقال: ((هو عليها صدقة، ولنا منها هدية))
[أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن أنس بن مالك]
المال اختلفت صفته.
وكان صلى الله عليه وسلم يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة، كما جهز جيشاً؛ فنفذت الإبل؛ فأمر عبد الله بن عمر أن يأخذ من قلائص الصدقة، وكان إذا عراه أمر استسلف الصدقة من أربابها، كما استسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين، إذاً: يجوز أن تدفع الزكاة مقدماً إذا كان لدينا حاجة ماسة؛ يدفع الواحد مبلغاً على حساب الزكاة، لعام أو لعامين قادمين، هذا من هديه صلى الله عليه وسلم. هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر :
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر أنه فرضها على المسلم، وعلى من يمونه من صغير و كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد؛ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب.
وروي عنه: ((أو صاعاً من دقيق، أو نصف صاع من بر))
[أخرجه النسائي عن أبي سعيد الخدري]
والمعروف أن عمر رضي الله عنه جعل نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه الأشياء، وفي الصحيحين: أن معاوية هو الذي قوم ذلك.
و فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار مرسلة و مسندة يقوي بعضها بعضاً؛ أي قوم هذا الشيء، ودفع مالاً مقابله، و إن كان العلماء لا يزالون يؤكدون أن إنفاق المال أفضل من إنفاق ثمنه؛ هناك سبب: أن الفقير أحياناً عليه دين، تعطيه خمسة آلاف، يسدها ديناً، فيبقى أولاده جياعاً، أما إذا أعطيت الفقير الطعام؛ فهذا الطعام وصل إلى أفواه أولاده حتماً.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص صدقة الفطر على المساكين فقط، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية - أي زكاة الفطر ليس لها علاقة بالعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، هذه للفقراء والمساكين -.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم - وقد جعل هذه الزكاة على كل المسلمين حتى الفقراء منهم - أن يذوق الفقير طعم الإنفاق كل عام مرة. هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ صَدَقةِ التَّطَوُّعِ :
وكان عليه الصلاة والسلام أعظم الناس صدقة مما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى، تعطيه مبلغاً؛ هذا المبلغ كثير عليه؛ يكفيه نصف المبلغ؛ هناك شخص لا يسخو أن يدفع - زكاته ضخمة؛ يرى أن المبلغ ضخم جداً، والفقير لا يستحق هذا المبلغ- كان عليه الصلاة والسلام لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى، ولا يستقِلّه وكان لا يسأله أحد شيئاً عنده إلا أعطاه؛ قليلاً كان أو كثيراً، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ ما يأخذه - سروره صلى الله عليه وسلم بما يعطي أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه - وكان أجود الناس بالخير؛ يمينه كالريح المرسلة، و كان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه، وكان ينوع في أصناف عطائه و صدقته، فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية؛ وتارة بشراء الشيء، ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً؛ كما فعل ببعير جابر، وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وأفضل، و أكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه؛ أحياناً شخص فقير جداً؛ باعك حاجة، أنت أعطيته ثلاثة أضعاف ثمنها؛ أي أحببت أن تجبر خاطره، الشخص ينزعج ليست قضية بيع وشراء هذه قضية جبر خاطر، قضية مواساة؛ تجد طفلاً صغيراً يبيع أفضل من أن يتسول، و أحسن من أن يتعلم السرقة، إنه يعمل ؛ لا تساومه كثيراً - يظل يفاصله حتى لا يبقي له ربحاً إطلاقاً؛ يعد ذلك شطارة - هذا الطفل أحب أن يبيع؛ يجب أن يرى كرماً من المشترين، لا أن يرى شحاً. الزكاة تطهر نفس الفقير من الحقد والغني من الشح :
وكان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها؛ تلطفاً وتنوعاً في دروب الصدقة والإحسان، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه، وبحاله، وبقوله: ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق))
[رواه البزار بسند حسن]
فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشحيح دعا حاله إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى، وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف؛ لذلك كان عليه الصلاة والسلام أشرح الخلق صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً؛ فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيراً عجيباً في شرح الصدر.
الحقيقة إذا أنفق الإنسان من ماله، وعمل أعمالاً صالحة؛ تجد معنوياته عالية جداً، وقلبه ممتلئ يقيناً، و وجهه مشرق، هناك تألق، التألق سببه العمل الصالح، وأساساً الزكاة من معانيها النماء، والطهر؛ تطهر نفس الفقير من الحقد، والغني من الشح، والمال من تعلق حق الغير به، وتنمي نفس الفقير فيشعر بأهميته في المجتمع، تنمي نفس الغني فيشعر بعمله الطيب، تنمي المال بطريقتين: بطريقة مألوفة و بطريقة العناية الإلهية.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 06:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : هدية فى اسباب شرح الصدر



أعظم أسباب شرح الصدر :
1 ـ التوحيد :
أيها الأخوة، هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أسباب شرح الصدر.
كل واحد منا له جسم وله نفس، و الأصل هي النفس؛ لذلك قد يسعد وجسمه معذب، وقد يشقى وجسمه منعم، وكل واحد منا شاء أم أبى يبحث عن راحة نفسه؛ والراحة النفسية شيء ثمين جداً؛ ففي كتاب زاد المعاد فصل في أسباب شرح الصدر، يقول: أعظم أسباب شرح الصدر التوحيد، وكلما ازداد التوحيد ازداد انشراح الصدر, قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾
[سورة الزمر: 22 ]
وقال تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
[سورة الأنعام:125]
فشرح الصدر شيء نفيس جداً، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾
[سورة الانشراح: 1]
شرح الصدر يحتاج إلى توحيد والشرك يورث الشقاء والضلال :
الراحة الداخلية، الشعور بالسكينة، الشعور بالسعادة، بالطمأنينة؛ الاطمئنان لعدالة الله، الاطمئنان لحكمة الله، الاطمئنان لرحمة الله، هذه الحالة الداخلية وردت بثلاث آيات:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾
[ سورة الانشراح: 1]
يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام؛ حياته كلها كانت متاعب، لكن الله شرح صدره، وقد تجد أناساً غارقين في المتع، في الغنى، في الشهوات؛ وهم أشقى الناس.
قال: "التوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر".
قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[ سورة الشعراء:213]
بالمقابل شرح الصدر يحتاج إلى توحيد، والشرك يورث الشقاء والضلال؛ و الضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه، والنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن هو نور الإيمان؛ فإنه يشرح الصدر ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج، وصار في أضيق سجن وأصعبه, وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
2 ـ النور الذي يقذفه الله في قلب العبد المنيب :
إذاً أول شيء التوحيد، ثاني شيء هذا النور الذي يقذفه الله في قلب العبد المنيب هذا أحد أسباب شرح صدره.
3 ـ العلم :
الشيء الثالث: العلم، فإنه يشرح الصدر ويوسعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس ؛ فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، أما ليس هذا لكل علم - العلم الموروث عن رسول الله - كم من إنسان يحمل أعلى شهادة، أعلى دكتوراه، أعلى شهادة في الطب، أعلى شهادة في الفلسفة، يحمل "أكرجيه" أو "إف آر إس" من بريطانيا أو بورد من أمريكا؛ وهو أشقى الناس، كل علم ممتع ، هناك علم ممتع نافع- من معه اختصاص نادر يأتيه دخل كبير- أما العلم المقصود به هو العلم الموروث عن رسول الله - العلم الشرعي - هذا العلم ممتع كأي علم، و نافع كأي اختصاص نادر، ومسعد في الدنيا والآخرة، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، و ليس هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العلم النافع فأهله أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشاً.
التوحيد، النور الذي يقذف في القلب، العلم.
4 ـ الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته والإقبال عليه :
ومنها الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك، حتى إن أحدنا ليقول أحياناً إذا شعر بالسعادة: كأني في الجنة، فهو إذاً في عيش طيب، أي الله عز وجل يذيقه في الدنيا أحوال أهل الجنة، وقال بعض العلماء: "في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة".
من علامة الإيمان أن تكون أسعد الناس في الدنيا مع كل المتاعب التي تعانيها، أي إذا قلنا:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل: 97]
ليس معنى هذا أنه غني، وليس معنى هذا أنه قوي، الحياة الطيبة حياة نفسية، قد تكون معذباً أحياناً، قد تكون فقيراً، قد تكون مريضاً، ولكن الله يتجلى على قلبك تجلياً تنسى كل متاعب الحياة، وقد يحجب عنك رحمته وأنت في أعلى درجات النعيم فتذوق أنواع الشقاء، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن؛ فرؤيتهم قذى ومخالطتهم حمق، وبالمقابل: من أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، فإن من أحبّ شيئاً غير الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد عيشاً ولا قلباً؛ هما محبتان؛ محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها بل حياتها وقرة عينها وهي محبة الله وحده، ومحبة هي عذاب الروح، وغم النفس، وسجن القلب، وضيق الصدر وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه، هما محبتان، إن أحببت الله فأنت أسعد الناس، وإن أحببت الدنيا فأنت أشقى الناس؛ أول شيء: التوحيد، ثاني شيء: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، ثالث شيء: العلم، رابع شيء: الإنابة. 5 ـ دوام ذكر الله على كل حال وفي كل موطن :
خامس شيء: ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه، ونفعه بما يمكنه من المال، والجاه، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي ليس فيه إحسان، أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأعظمهم هماً وغماً، وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً في الصحيح للبخيل والمتصدق:
((مثلَ البخيل والمتصدِّق كمثل رجلين عليهما جُنَّتان من حديد كُلَّما هَمَّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، حتى يجر ثيابه، ويعفى أثرَهُ، وكلما همّ البخيل بالصدقة لزمت كلُّ حَلْقة بمكانها، ولم تتسع عليه))
[صحيح عن أبي هريرة]
التوحيد، والنور، والإنابة والإقبال على الله عز وجل، و العلم، ودوام الذكر.
6 ـ الشجاعة :
ومن أسباب انشراح الصدر: الشجاعة؛ فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع القلب، والجبان أضيق الناس صدراً، وأحصرهم قلباً، ولا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم؛ إلا من جنس ما للحيوان البهيمي - لذائد الكافر لذائد بهيمية؛ يأكل، يتصل بالجنس الآخر؛ يشعر بمتع، هذه المتع تعقبها كآبة - وأما سرور الروح، ولذتها، ونعيمها، وابتهاجها، فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل؛ فالبخل والجبن لا يجتمعان في مؤمن، الشجاعة والكرم من صفات المؤمن، والبخل والجبن لا يجتمعان في مؤمن، وهما أحد أسباب ضيق الصدر؛ لذلك كل معرض عن الله عز وجل، غافل عن ذكره، جاهل بأسمائه، متعلق القلب بغيره، هذا في شقاء، وكل إنسان كثير الذكر، منيب إلى الله، في قلبه نور؛ هذا واسع الصدر.
7 ـ إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه :
ومن أسباب شرح الصدر إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البرء؛ فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره، ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه، لم يحظ من انشراح صدره بطائل، أحياناً هناك تعلقات، و أمراض بالنفس؛ إذا ما أزالها فهناك ضيق بالصدر.
8 ـ ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم :
ومن أسباب شرح الصدر، قال: ترك فضول النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم؛ فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وهموماً، هموماً في القلب، نظر زائد، استماع زائد، مخالطة زائدة، أكل، نوم، هذه تحيل الإنسان إلى مجموعة آلام و هموم.
النبي عليه الصلاة والسلام هو أكمل الخلق في كل صفة من تلك الصفات الله عز وجل قال:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾
[سورة الانفطار:13 -14]
هناك نعيم في الدنيا؛ العمل الصالح يسعد؛ إن كنت أديته بإخلاص تسعد.
النبي عليه الصلاة والسلام كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقرة العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة، وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي، وأكمل الخلق متابعة له، وأكملهم انشراحاً ولذة وقرة عين، وعلى حَسب مُتَابعَته ينال العبد من انشراح الصدر، بقدر اتباعك للنبي ينشرح صدرك، وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم، وعصمته إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه لهم، ونصره لهم بحسب نصيبهم من المتابعة - هذا من أخطر الدروس - أنه كل واحد منا يسعى إلى راحة النفس، إلى شرح الصدر، إلى التألق الداخلي، والتألق الداخلي و انشرح الصدر والراحة النفسية هذه كلها لها أسباب، وهي نهاية المنى، ومحط الرحال، وغاية الآمال، وأسبابها واضحة.
هذه الأسباب دقيقة جداً؛ التوحيد، النور، العلم، الإنابة، دوام الذكر، الإحسان إلى الخلق، الشجاعة، الكرم، ترك فضول النظر، ترك فضول الكلام ،الاستماع والمخالطة، والأكل والنوم. الحالة النفسية للمؤمن تجعله يصبر على الطاعة و على قضاء الله وقدره :
والنبي كان أكمل الناس شرحاً لصدره؛ كل من تابعه في سنته له من شرح القلب نصيب، وأكبر شيء يميز المؤمن هذه الحالة النفسية له؛ و الحالة النفسية هي أكبر دعم له، هذه الحالة تجعله يتحمل كل المتاعب، الحالة النفسية تجعله يصبر على الطاعة، ويصبر عن الشهوة، ويصبر على قضاء الله وقدره؛ الدعم الداخلي، معنوياته عالية جداً، تألقه شديد؛ وهذا يجعله يستقطب من حوله استقطاب محبة، استقطاب تقدير، هذا يجعله قوي الإرادة، عزيمته عالية جداً، فإذا وصلنا لهذا الانشراح في الصدر قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الانشراح:1-4]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 02:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : هدية فى الذكر



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر :
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكراً لله عز وجل، بل كان كلامه كله في ذكر الله، كلامه كله في ذكر الله.
((ابن آدم إنك إن ذكرتني شكرتني وإذا ما نسيتني كفرتني))
[رواه الطبراني عن أبي هريرة]
﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾
[سورة آل عمران: 102 ]
أي أن تذكره فلا تنساه، فكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكراً منه لله.
الحقيقة أوسع نشاط ديني على الإطلاق هو ذكر الله؛ تلاوة القرآن ذكر لله، الدعاء ذكر، الاستغفار ذكر، التفكر في خلق السماوات والأرض ذكر، البحث عن الحكم الشرعي لتطبقه ذكر، الأمر بالمعروف ذكر، الحقيقة العظمى هي الله، أي شيء يقربك منه.. بحثت عن حكم شرعي كي تتقرب إلى الله بتطبيقه؛ ذكر، أمرت بالمعروف ذكر، نهيت عن المنكر ذكر، استغفرت، دعوت، سبحت، حمدت الله، كبرت الله، وحدت الله؛ أي كلمة، أي تصرف يقربك هو ذكر. (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : وَذَلِكَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ رواه مالك والترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]
العبادة التي تلازم الإنسان في كل شيء هي ذكر الله عز وجل :
كان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكراً منه لله، وإخباره عن أسماء الله عز وجل، وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، ووعده ووعيده؛ ذكراً منه لله، وثناؤه عليه بآلائه، وتمجيده، وحمده، وتسبيحه ذكراً منه له، وسؤاله ودعاؤه، ورغبته ورهبته؛ ذكراً منه له، وسكوته وصمته ذكراً منه له:
((أمرت أن يكون صَمْتي فِكْرا ً- التفكر ذكر - ونُطْقِي ذِكْراً ، ونظري عبرة ))
[رواه القرطبي عن أبي هريرة]
فكان ذاكراً لله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه؛ قائماً وقاعداً وعلى جنبه: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[سورة الأحزاب : 41]
﴿ويتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة آل عمران: 191]
وفي مشيه، وركوبه، ومسيره، ونزوله، وظعنه، وإقامته، الصلاة خمس صلوات، الصوم ترك الطعام والشراب، أما الشيء الذي يدور معك في كل وقت، في كل أوقات اليوم؛ في الصباح، و المساء، في البيت، وخارج البيت، في السفر، والحضر، والإقامة، والطعام والشراب، في أي نشاط من نشاطات الإنسان، العبادة التي تلازمه دائماً هي ذكر الله، وقد برأ من النفاق من أكثر من ذكر الله، كان إذا استيقظ قال: (( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النُّشور ))
[أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود عن حذيفة بن اليمان]
((وكان إذا هب من الليل؛ كَبَّرَ اللهَ عَشراً، وحَمِدَ اللهَ عشراً، وقال: سبحَانَ اللهِ وبِحَمدِهِ عشراً، وقال: سُبحانَ المَلِك القُدُّوس عشراً، واستَغفَرَ الله عشراً، وهَلَّل عَشْراً، و قال: اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ من ضِيقِ الدُّنيا، وضِيقِ يَوْمِ القيامَةِ عشراً، ثم يَستفْتِحُ الصَّلاة))
[أخرجه أبو داود عن شريق الهوزني]
أنواع الذكر :
طبعاً هناك ذكر باللسان، و ذكر بالقلب، و ذكر يجمع بينهما، أكمل ذكر أن تذكره بلسانك، وبقلبك معاً:
((لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي ، وَأَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا ، وَلا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي ، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ))
[أبو داود والنسائي والبيهقي عن عائشة أم المؤمنين]
((ومرة استيقظ من الليل فقال:لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))
[رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة ]
هناك ملاحظة أن هذه الأذكار المسلمون حينما رددوها، وأكثروا منها، ولم يكونوا في مستواها؛ كأنهم فرغوها من معناها؛ فصارت كلاماً؛ قد لا يعني شيئاً؛ وهذه من آفات الدين؛ أن يفرغ من مضمونه؛ من آفات الدين أن يصبح شكلاً؛ كلمات تردد، حركات تؤدى، أما حينما نجدد الدين؛ فنعطي هذه الأذكار حجمها، نعطيها مضمونها، نعطيها شحنتها الانفعالية، نعطيها أبعادها الصحيحة. من أذكار النبي صلى الله عليه و سلم :
وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أنه إذا استيقظ يتلو قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران: 190 -191]
من أذكاره صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت،وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))
[رواه النسائي عن عبد الله بن عباس]
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (( كان عليه الصلاة والسلام إذا قام من النوم قال: اللَّهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ و مِيكائِيلَ و إِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن عائشة ]
أنواع الاختلاف :
ذكرت سابقاً أن هناك اختلافاً طبيعياً هو اختلاف نقص المعلومات، فالمعلومات الواضحة تحسم هذا الخلاف:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾
[سورة البقرة:213 ]
هذا الخلاف اختلاف طبيعي؛ أساسه نقص المعلومات، يأتي الوحي فيحسمه، هذا اختلاف طبيعي.
لدينا اختلاف مذموم؛ اختلاف الحسد، و الغيرة، والبغي، والعدوان: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة آل عمران:19]
تجد المسلمين إلههم واحد، نبيهم واحد، كتابهم واحد، والسنة واحدة؛ متمزقون، مختلفون؛ لماذا؟! اختلاف مصالح، اختلاف بغي، اختلاف حسد؛ الخلاف الثاني مذموم .
الخلاف الثالث محمود، اختلاف التنافس؛ هذا الدعاء يقول عليه الصلاة والسلام: ((اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ))
[ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن عائشة]
من الحق.. ونحن في دائرة الحق، يا ترى أأذكر الله؟ أم أصلي؟ أم أتفكر؟ أم أنفق مالي؟ أم أذهب إلى المسجد....ماذا أفعل؟ هناك رغبة بالقرب من الله؛ وكل إنسان يرى أن هذا العمل يقربه أكثر؛ فصار هناك اختلاف؛ اختلاف تنافس؛ هذا الاختلاف محمود.
هذا في استيقاظه وصلاته وقيامه الليل. هدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في الذِكْر إذَا خَرجَ مِنْ بَيِتِه أَو دَخل :
خرج من بيته:
((اللَّهمَّ إني أعوذ بك أَن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أوْ أُظْلَم، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ ))
[رواه أبو داود عن أم سلمة]
خرج من بيته مرة: ((قال : بسم الله، توكلت على الله، ولا حولَ، ولا قوة إلا بالله، يُقال له: حَسْبُك، هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووقِيتَ، وتنحَّى عنه الشيطانُ ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
إِذا خرج الإنسان من بيته فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووُقِيتَ.
أنت الآن خارج من بيتك في حفظ الله.
التقيت بشخص له وظيفة مرموقة، قال لي: أنا إن لم أصلِّ قيام الليل، وأصلِّ الفجر في جماعة، وأذكر الله حتى طلوع الشمس؛ أخاف أن أخرج من بيتي؛ عندي مطب، عندي مشكلة، أما إن ذكرت الله فأشعر في نفسي أنني محصن، أشعر في نفسي أنني في ظل الله، وفي عناية الله. أحاديث صحيحة عن النبي الكريم على الإنسان أن يحفظها :
كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج لصلاة الفجر - كما أنتم تفعلون كل يوم - يقول :
((اللهم اجعل في قلبي نوراً، واجعل في لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، و اجعل من تحتي نوراً، اللهمَّ أعظم لي نوراً ))
[البخاري عن عبد الله بن عباس]
و كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللَّهمَّ إني أسألُكَ بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج بَطَراً، ولا أشراً، ولا رِياءٌ، ولا سُمْعَةٌ، وإنما خرجتُ اتِّقَاءَ سخطك، وابتغاءَ مرضاتك، أَسألك أن تُنْقِذَني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ إلا وكَّلَ الله به سبعين ألف مَلَك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته))
[ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]
دخل مسجد، يقول: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسُلطَانِهِ القديم، من الشيطان الرجيم، فإذا قال ذلك قال الشيطان : حُفظ مني سائرَ اليوم ))
[أبو داود عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
دخل المسجد مرة؛ فقال: (( إذا دخَل أحدُكم المسجد فَلْيُسلِّم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[أخرجه مسلم والنسائي أبو داود عن أبي أسيد وأبي قتادة ]
وكان إذا أصبح النهار يقول: ((اللهمَّ بِكَ أصبحَنا، وبك أَمسيْنَا، وَبِكَ نَحيَا، وبِكَ نَمُوتُ، وإليكَ النُّشُور))
[أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة]
وكان يقول: ((أصبَحنا وأصبَحَ المُلْكُ لِلهِ، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذا اليوم، وخير ما بعده، وأعوذُ بكَ من شَرِّ ما فِي هذا اليوم، وشَرِّ ما بَعدَهُ، رب أعوذ بك من الكسل، وسوء الكِبَرِ، ربِّ أعوذُ بكَ من عذابٍ في النارِ، وعذابٍ في القَبر))
[رواه مسلم والترمذي عن عبد الله مسعود]
وإذا قال: ((أمسينا وأمسى الملك لله))
[رواه مسلم والترمذي عن عبد الله مسعود]
تلاحظون كيف أنه مع الله دائماً؛ في كل حركاته وسكناته.
وكان يقول إذا أصبح: ((اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أنه لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم ))
قال لأحد أصحابه: ((قلها إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
وما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل يوم: ((بسم اللهِ الذي لا يَضُرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهو السَّميعُ العليم - ثلاثَ مَراتٍ؛ إلا لم يضره شيء))
[أخرجه الترمذي وأبو داود عن إبان بن عثمان]
وقال النبي الكريم لبعض بناته: ((قُولي يا بنيتي حين تُصْبحينَ: سبحانَ الله وبحمدِهِ، و لا حول ولا قُوَّةَ إِلا بالله العلي العظيم، ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن، أعلمُ أَنَّ الله على كل شيءٍ قَديرٌ، وأَنَّ اللهَ قد أحاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلما، فإنَّهُ مِن قَالَهُنَّ حينَ يُصبحُ؛ حُفِظَ حتى يُمسي، ومَن قَالهُنَّ حين يُمسي؛ حُفِظَ حتى يُصبحَ ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الحميد مولى بني هاشم]
أي إذا تذكر الإنسان أن يدعو فمعنى ذلك أنه مع الله. ما يقوله الإنسان عند الإصابة بهمٍّ أو حزن :
الحياة كلها هموم، وكلها متاعب، وكلها مقلقات؛ فالنبي رأى رجلاً من الأنصار كئيباً، قال له: مالي أراك كئيباً؟ قال عليّ دين. قال له: ((قل - إذا أصبَحتَ وإذا أمسَيْتَ - : اللَّهمَّ إني أعوذ بك من الهَمِّ والحَزَنِ، وأعوذُ بك من العجْزِ والكَسَلِ، وأَعوذُ بك من الجُبْنِ والبخْلِ، وأعوذ بك من غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وقَهرِ الرجال ))
[أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري]
من قالها أذهب الله همه ودينه.
قال مرة لابنته فاطمة: (( يا بنيتي ماذا يمنعك أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت : يا حي يا قيوم، بك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين؟ ))
[رواه البزار عن أنس بن مالك ]
والله أتمنى على الإنسان أن يقرأ هذه الأدعية حتى يحفظها غيباً، و يجعلها ورده الدائم.
ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتاه رجل يشكو إليه إصابة فقال له: قل إذا أصبحت: ((بسم الله على نفسي وأهلي ومالي؛ فإنه لا يذهب لك شيء))
[ كنز العمال عن ابن عباس]
والإنسان يقول : ((اللهم إني أسألُكَ عِلْماً نَافِعاً ، ورِزْقا طَيِّبا وَعَملاً مُتَقَبَّلاً ))
[ابن ماجه عن أم سلمة]
هذه جوامع الكلم.
ومن قال حينما يصبح ويمسي: ((حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم؛ كفاه الله ما أهمه))
[ابن أبي الدنيا في الفرج من طريق الخليل بن مرة]
((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ من قالها حين يصبح موقناً بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقناً بها فمات من ليلته دخل الجنة.))
[البخاري عن شداد بن أوس]
الدعاء طريق الإنسان للاتصال بالله عز وجل :
وفي المسند أنه صلى الله عليه وسلم علّم زيد بن ثابت، وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباح:
((لبَّيْك اللهمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بين يدَيْكَ، ونحن بك وإليك ، اللهم ما قلت من قول، أو حلفت من حلف، أو نذرت من نذر؛ فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن،و لا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، اللَّهُمَّ يا فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، ذا الجلال والإكرام، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك - وكفى بك شهيداً - بأني أشهد أنه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك الحق، ولقاءك الحق، والساعة حق، وأنك تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي؛ تكلني إلى ضعف، وعورة، وذنب، وخطيئة، وأني لا أثق إلا برحمتك؛ فاغفر لي ذنوبي كلها؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم))
[ رواه الطبراني عن زيد بن ثابت]
بصراحة الإنسان لا يقدر أن ينتقل فجأة من عدم الدعاء إلى الدعاء؛ لكن يجب أن يوطن نفسه أنه كلما تحرك يدعو الله عز وجل؛ لا يهم أن تحفظهم؛ إن حفظتهم أكمل ولكن المهم أن تكون مع الله؛ إذا خرجت من البيت: يا رب احفظني، يا رب عليك توكلت، ليس شرطاً إن لم تستطع أن تحفظ أن تلغي الدعاء؛ بأي موقف اختر دعاء يناسب هذا الموقف؛ دخلت إلى الجامع: يا رب افتح لي أبواب رحمتك، خرجت منه : افتح لي أبواب فضلك، خرجت من البيت: أعوذ بك أَن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ.
فالدعاء صلاة؛ وأكمل آية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[سورة المعارج: 23]
فأنت على اتصال بالله دائماً عن طريق الدعاء.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 02:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : هدية فى السلام والتسمية





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السلام وفي التسمية :
هنا مسألة -يقول المؤلف- تدعو إلى التوقف.
كان عليه الصلاة والسلام إذا وضع يده في الطعام, قال: "بسم الله, ويأمر الآكل بالتسمية)".
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى, فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله, فليقل بسم الله في أوله وآخره))
[ أبو داود عن عائشة]
لا بد من أن يسمي, فإذا نسي فليسم بعد أن يذكر: "بسم الله في أوله وآخره".
إذاً: هناك واجب على الآكل أن يسمي قبل أن يأكل.
هنا مسألة: أن الآكلين إذا كانوا جماعة, فسمى أحدهم, هل تزول مشاركة الشيطان لهم في طعامهم, بتسمية واحد منهم أم لا تزول؟
الإمام الشافعي يقول: "تسمية الواحد تجزئ عن الباقين".
وقال: "تسمية الواحد كرد السلام, إذا قام به البعض سقط عن الكل, وكتشميت العاطس".
وقد يُقال: "لا تُرفع مشاركة الشيطان للآكل إلا بتسمية كل آكل, ولا يكفيه تسمية غيره".
ولهذا جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه: ((إنا حَضَرنا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- طعاماً، فجاءتْ جاريةُ كأنَّها تُدْفَعُ، فذهبت لتَضَعَ يدَها في الطعام، فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بيدها، ثم جاء أعرابيُّ فكأنما يُدفَع، فأخذ بيده، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الشيطان ليَستَحِلُّ الطعامَ, ألا يُذْكَر اسمُ اللَّه عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحِِلَّ بها الطعام، فأخذتُ بيدها، فجاء بهذا الأعرابيِّ ليستحلَّ به الطعام، فأخذتُ بيده، والذي نفسي بيده، إن يده لفي يدي مع يَدِها، ثم ذكر اسمَ اللَّه وأكل))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن حذيفة بن اليمان]
ولو كانت تسمية الواحد تكفي لما وضع الشيطان يده في ذلك الطعام, مع أن رسول الله بينهم.
فالرأي الثاني: أنه لا يجزئ, لا بد من أن يسمي كلُّ آكلٍ على الطعام. الشِّبَع والأمن هما أثمن نعمة ينالهما الإنسان :
وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نسي أن يسمي على طعامه, فليقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾إذا فرغ))
[أبو نعيم في الحلية عن جابر]
وكان إذا رفع الطعام بين يديه يقول: ((الحمد الله حمداً كثيراً, طيباً, مباركاً فيه؛ غير مكفي ولا مودَّع, ولا مستغنى عنه ربنا))
[ البخاري عن أبي أمامة]
وكان يقول أحياناً: ((الحمد لله الذي أطعمنا, وسقانا, وجعلنا مسلمين))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
وكان يقول أحياناً: ((الحمد لله الذي أطعم وسقى, وسوغه وجعل له مخرجا))
[أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري]
و كان يقول عليه الصلاة والسلام: ((الحمد لله الذي كفانا وآوانا))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي أمامة الباهلي]
الله عز وجل قال: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
[سورة قريش الآية:4]
وهاتان النعمتان الشِّبَع والأمن هما أثمن نعمة ينالهما الإنسان: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
[سورة قريش الآية:4]
لو الإنسان كان شبعاناً وخائفاً, أو مطمئناً وجَوعان, لكان في وضع لا يحسد عليه أما شبعان ومطمئن, فهاتان نعمتان كبيرتان. الدعاء ذكر والذكر أن يكون الإنسان مع الله دائماً :
لذلك أيها الأخوة: (( إذا أصبح أحدكـم آمناً في سربه- طبعاً هذا أمن الإيمان- معافىً في جسمه، عنده قوت يومه، فكـأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ))
[ من الجامع الصغير عن عبد الله بن محصن ]
أي غير ملاحق, مطمئن إلى رحمة الله, معافى في جسمه, عنده قوت يومه.
وذكر البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا, من غير حول مني ولا قوة, غفر الله له ما تقدم من ذنبه))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن معاذ بن أنس]
ويُذكر عنه أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا قُرِّب إليه الطعام قال: ((بسم الله, فإذا فرغ من طعامه, قال: اللهم أطعمت وسقيت, وأغنيت وأقنيت, وهديت وأحييت, فلك الحمد على ما أعطيت))
[النسائي من طريق عبد الرحمن بن جبير المصري]
كما ترون الدعاء ذكر, والذكر أن تكون مع الله دائماً. ((ابن ادم! إنك إن ذكرتني شكرتني, وإذا ما نسيتني كفرتني))
[ ورد في الأثر]
وكان عليه الصلاة والسلام يقول إذا فرغ: ((الحمد لله الذي منَّ علينا وهدانا, والذي أشبعنا وأروانا, وكل الإحسان آتانا))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمرو]
وفي السنة أيضاً أنه: ((إذا أكل أحدكم طعاماً, فليقل: اللهم بارك لنا فيه, وأطعمنا خيراً منه, ومن سقاه الله لبناً, فليقل: اللهم بارك لنا فيه, وزدنا منه, فإنه ليس شيء يجزىء من الطعام والشراب غيرُ اللبن))
[ أبو داود و الترمذي عن ابن عباس]
أي طعام: ((اللهم بارك لنا فيه, وأطعمنا خيراً منه, إلا اللبن وزدنا منه))
فيبدو أن اللبن غذاء مثالي.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا شرب في الإناء تنفس ثلاثة أنفاس, ويحمد الله في كل نفس, ويشكره في آخره.
أي الشرب بثلاث وجبات, بينهما الحمد لله, وفي النهاية بينهما الحمد لله, والشكر في آخر الأنفاس. أَحْكَامُ الدّعْوة إلَى الطّعامِ :
((وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل على أهله ربما يسألهم: هل عندكم طعام؟ وما عاب طعاماً قط, بل كان إذا اشتهاه أكله, وإذا كرهه تركه وسكت, وربما قال: أجدني أعافه, إني لا أشتهي))
وكان يمدح الطعام أحياناً, كقوله لما سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا خل, فدعا به, فجعل يأكل منه, ويقول: نعم الأُدُمُ الخل.
وليس في هذا تفضيل له على اللبن, واللحم, والعسل, والمرض, وإنما هو مدح له في تلك الحال التي حضر فيها.
أي الخل مادة مذيبة, هكذا سمعت من بعض الأطباء أن استعمال الخل بشكل معتدل له أثر كبير في تنقية الشرايين مما علق بها من الكوليسترول.
فكان عليه الصلاة والسلام يحب الخل, ويأكله من حين لآخر, ويقول: ((نعم الإدام الخل))
[ أبو داود عن جابر]
وهذه وصفة طبية, لأن الخل يُذيب, فمن استعمل الخل من حين لآخر, فقد رشد.
بعضهم قال: قال هذا تطييباً لقلب من دعاه إلى أدم وخل.
هناك صحابي دعاه إلى خبز وخل فقط, فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((نعم الإدام الخل))
قال هذا تطييباً لقلب هذا الصحابي.
وكان إذا قُرِّب إليه طعام وهو صائم, قال: إني صائم, وأمر من قُرِّب إليه الطعام وهو صائم أن يصلي, أن يدعو لمن قدمه, وإن كان مفطراً أن يأكل منه.
أنا أذكر رجلاً دعي إلى طعام في عهد النبي وكان صائماً, فقال: أجب, فأجابه وبقي صائماً فهموا أن الإجابة للطعام.
اللقاء هو أهم شيء, طبعاً في صيام النفل له أن يفطر؛ لكن النقطة الدقيقة تلبية دعوة أخيك أساسها أن تلتقي معه, فصار الطعام شيئاً ثانوياً.
وكان إذا دعي إلى طعام, وتبعه أحد, أعلم به ربَّ المنزل, وقال: إن هذا تبعنا, فإن شئت أن تأذن له, وإن شئت رجع.
أي هناك أدب, أحياناً شخص ليس مهيئاً نفسه, عنده ثمانية كراسي, دعا ثمانية, جاء شخص تاسع, لا يوجد عنده كرسي له مثلاً.
فكان عليه الصلاة والسلام يقول: إن هذا تبعنا, فإن شئت دخل, وإن شئت رجع.
وكان يتحدث على طعامه, كما تقدم في حديث الخل, وكما قال لربيبه عمر بن أبي سلمة وهو يؤاكله: سمِّ الله, وكل مما يليك. النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو إلى الطعام بحرارة و يثني على من يضيف المساكين:
وكان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مراراً كما يفعله أهل الكرم, كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شرب اللبن, وقوله له مراراً:
((اشرب, فما زال يقول: اشرب, حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا))
[ البخاري عن أبي هريرة]
أيضاً هذه من السنة.
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الطعام بحرارة, وكان إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم, فدعا في منزل عبد الله بن بسر, فقال: ((اللهم بارك لهم فيما رزقتهم, واغفر لهم, وارحمهم))
[ الترمذي عن عبد الله بن بسر]
أحياناً الإنسان: يدعوك, الدعاء يطيب قلبه كثيراً. ((اللهم بارك لهم فيما رزقتهم, واغفر لهم, وارزقهم))
[ الترمذي عن عبد الله بن بسر]
وهناك دعاء آخر: ((اللهم أطعم من أطعمنا, واسق من سقانا))
[مسلم عن المقداد بن عمرو الكندي]
وهناك دعاء ثالث: ((أفطر عندكم الصائمون, وأكل طعامكم الأبرار, وصلت عليكم الملائكة))
[ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير]
هذا دعاء, ودعاء ثان, ودعاء ثالث, (إذا إنسان دُعي إلى طعام).
وذكر أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما دعاه أبو الهيثم -هو وأصحابه- فأكلوا, فلما فرغوا قال: أثيبوا أخاكم, قالوا: يا رسول الله! وما إثابته؟ قال: إن الرجل إذا دُخل بيته, فأُكل طعامه, وشُرب شرابه, فدعوا له, فذلك إثابته.
أي إنسان دعاك إلى طعام ينبغي أن تدعو له بإحدى هذه الأدعية الثلاثة.
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللهم أطعم من أطعمني, واسق من سقاني))
[أحمد عن المقداد بن الأسود]
وأحد الصحابة سقاه لبناً فقال: ((اللهم أمتعه بشبابه))
[ ابن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم وابن عساكر عن عمرو بن الحمق]
فمرت عليه ثمانون سنة, لم ير شعرة بيضاء في رأسه.
الدعاء شيء كبير جداً؛ أنت تخاطب أكرم الأكرمين, تخاطب الإله, الفعال, القوي, فإذا كنت صادقاً في خطابك استجاب الله لك.
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو لمن يُضيف المساكين, ويثني عليهم, فقال مرة: ألا رجل يضيف هذا رحمه الله, فقال للأنصاري وامرأته اللذين آثرا بقوتهما, وقوت صبيانهما ضيفهما: ((قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة))
[البخاري عن أبي هريرة]
هناك صحابي فقير استضاف أنصارياً, وآثره على طعامه وطعام أولاده, فلما بلغ ذلك النبي قال: (( قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة))
[البخاري عن أبي هريرة]
عَدم الْأَنَفَة مِن مؤَاكلة أَيّ إنْسانٍ:
وكان عليه الصلاة والسلام لا يأنف من مؤاكلة أحد؛ صغيراً كان أو كبيراً, حراً أو عبداً, أعرابياً أو مهاجراً.
هناك شخص إذا لم يكن الشخص الذي يأكل معه من مستواه يعدها إهانة؛ يأكل مع موظف صغير؟! يأكل مع مستخدم؟! يأكل مع حاجب؟! يأكل مع صانع؟! يعدها إهانة.
كان عليه الصلاة والسلام لا يأنف من مؤاكلة أحد؛ صغيراً كان أو كبيراً, حراً أو عبداً, أعرابياً أو مهاجراً.
حتى روى أصحاب السنن عنه أنه أخذ بيد مريض, فوضعها معه في القصعة, فقال: كُل بسم الله, ثقة بالله, وتوكلاً عليه.
الْأَكلُ بِالْيَمِين :
وكان يأمر بالأكل باليمين, وينهى عن الأكل بالشمال, ويقول:
(( إن الشيطان يأكل بشماله, ويشرب بشماله))
[مسلم عن ابن عمر]
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((كل بيمينك, فقال أحدهم: لا أستطيع, فقال: لا استطعت, فما رفع يده إلى فيه بعدها))
[مسلم عن أبي هريرة]
طبعاً الإنسان أحياناً يعصي كبراً, أما إذا كان لا يستطيع فعلاً فليس هذا هو المقصود.
قال له: ((لا أستطيع - كبراً-, فقال له: لا استطعت))
وقال شرَّاح الحديث: كبره حمله على ترك امتثال أمر رسول الله.
وأمر من شكوا إليه أنهم لا يشبعون أمرهم أن يجتمعوا على طعامهم فلا يتفرقوا, وأن يذكروا اسم الله عليه, يبارك لهم فيه.
وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها, ويشرب الشربة فيحمده عليها))
[مسلم عن أنس بن مالك]
ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أذيبوا طعامكم بذكر الله, والصلاة, ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة]
هذا حديث مهم جداً, الآن اكتشف أن الإنسان يجب أن يأكل خمسين بالمئة من طعام اليوم في الصباح لأنه عقب هذا الطعام جهد طويل, ثماني ساعات, وأنه عليه أن يأكل خمساً وثلاثين بالمئة من طعامه ظهراً, أما طعام المساء فينبغي ألا يزيد عن خمسة عشر بالمئة.
يقول عليه الصلاة والسلام: ((ولا تناموا عليه, فتقسو قلوبكم))
الطعام وجبة دسمة جداً, يعقبها نوم, هذا الطعام سوف يترسب في جدران الشرايين, لأنه لا يوجد حركة, يذهب للتخزين دائماً, أما إذا أكلت وجبة دسمة, ثم كان هناك جهد كبير, فهذه الوجبة تحرق في الجهد.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((أذيبوا طعامكم بذكر الله, ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة]
والإنسان إذا أكل وهو يذكر الله عز وجل هذا أهون للهضم, الحالة النفسية لها علاقة بالهضم, وهناك حالات نفسية كثيرة من أمراض المعدة كالقرحة بسبب شدة نفسية, فالراحة النفسية تكون بذكر الله عز وجل، قال: ((أذيبوا طعامكم بذكر الله, ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : هدية فى السلام




بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السلام :
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السلام, والاستئذان, وتشميت العاطس:
ثبت في الصحيحين:
((أن رَجُلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: ' تُطعِمُ الطعامَ ، وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف))
[ متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
ولما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام قال له: ((خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عليه السلام ، وَطُولُهُ : سِتُّونَ ذِرَاعا ، ثم قال : اذْهَبْ فَسلِّمْ على أُولَئِكَ - نَفَرٍ مِنَ الملائكة - فَاسْتَمعْ ما يُحيُّونَكَ ، فَإنَّها تَحِيَّتُكَ وَتَحيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ، فقال : السلامُ عليكم ، فقالوا : السلامُ عليكَ ورحمةُ اللهِ ، فَزَادُوهُ : ورَحمةُ اللهِ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
وقد أمر عليه الصلاة والسلام بإفشاء السلام, وقال: ((لن تؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أدلكم على ما تحابون عليه ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : أفشوا السلام بينكم))
[ الطبراني عن أبي موسى الأشعري]
أي أحد أسباب المحبة إفشاء السلام.
كان أصحاب النبي إذا كانوا يسيرون معاً, وفرقت بينهم شجرة, بعد الشجرة يقول أحدهم لصاحبه: السلام عليكم.
هل هناك أبلغ من ذلك؟ اثنان يمشيان معاً, فرقت بينهما شجرة, بعد أن يلتقيا, يقول أحدهما للآخر: السلام عليكم.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((فو الذي نفس محمد بيده! لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنون حتى تحابوا))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
وإفشاء السلام أحد أسباب المحبة. فَضَائلُ الْإِنصاف :
ورد في البخاري, قال عمار: ((ثلاث خلال من جمعهن فقد جمع الإيمان .....الإنصاف من نفسك, -أي أنا لا أبالغ, تسع وتسعون بالمئة من الناس لا ينصفون أنفسهم, أي لا يوجد موضوعية؛ الذي يفعله يمدحه, والذي يفعله غيره يذمه, مقياس موضوعي ضعيف, إلا عند المؤمن الراقي-؛ الإنصاف من نفسك, وبذل السلام للعالم, والإنفاق من الإقتار))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عمار بن ياسر]
قال شارح الحديث -الإمام ابن القيم-: ((وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه, فإن الإنصاف يوجب عليه أداء الحقوق لله تعالى كاملة موفورة
- لن تنصف نفسك إلا إذا أديت ما عليها من حقوق لله عز وجل, وإلا ما أنصفتها, وأداء حقوق الناس كذلك, لن تكون منصفاً لنفسك, إلا إذا أديت حقوق الله عز وجل-, وحقوق الناس ألا يطالبهم بما ليس له, - إن طالبت الناس بما ليس لك لم تنصف نفسك-, ولا يحملهم فوق وسعهم - إن حملت الناس ما لا يطيقون فما أنصفت نفسك, أي جعلتها في موقع ظالم-،إذاً ما أنصفتها؛ أشقيتها, لم تؤد حق الله, جعلتها في موقع مقصر.
الآن: الدرس كله على هذا الحديث؛ أن تنصف الناس من نفسك, أو أن تنصف نفسك بتأدية حقوق الله كاملة, وتأدية حقوق الناس كاملة, وألا تطالبهم بما ليس لك, وألا تحملهم فوق وسعهم, وأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به, من يفعل هذا؟
إذا عنده في البيت زوجة ابن هل يعاملها كابنته تماماً؟, وأن يُعفيهم مما يحب أن يعفوه منه - تحب أن يتساهل الناس؟ معك تساهل معهم، تحب أن يرحموا ابنتك؟ ارحم ابنة الآخرين-, ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها.
شيء كبير جداً أن تقول لإنسان: معك الحق, أنا مخطىء؛ هذا موقف بطولي, هذا الخلق, هذا قلّما تجده عند الناس, اسم الخلق الرجوع إلى الحق.
دائماً الإنسان يميل للدفاع عن نفسه, ويبين صواب نفسه وخطأ غيره, إنسان غير منصف, أخطاؤه يعتم عليها, يتعامى عنها, أخطاء غيره يكبرها؛ ما أنصف الناس, ولا أنصف نفسه, يكيل بمكيالين, يحاسب الآخرين حساباً شديداً, ويتساهل بحساب نفسه تساهلاً كبيراً.
مثلاً: ممكن أن تقيم النكير على من مسّ مكانتك بكلمة, أو بنظرة, ويمكن أن تمس كرامة كل الناس وأنت لا تشعر؛ مسست كرامتهم, فلما مسوا كرامتك بكلمة أقمت القيامة ولم تقعدها, لست منصفاً, وعدل ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً.
إنصاف الناس بطولة كبيرة جداً :
وأحياناً العدل في الحكم على الأشخاص، هل عندك إمكان أن تنصف عدوك؟
التقى النبي بصهره في معركة بدر أسيراً جاء ليقاتله, جاء ليقتله, قال: "والله ما ذممناه صهراً".
عندك الجرأة أن تنصف عدوك من نفسك؟.
قال: ويدخل في هذا إنصاف نفسه من نفسه, فلا يدعي لها ما ليس لها, - لا تجعل نفسك محور العالم؛ تضخمها, تمنحها صفات ليست فيها, تمنحها العصمة, أنت لست كذلك-.
قال: فلا يدعي لها ما ليس لها, ولا يخبثها بتدنيسه لها, وتصغيره إياها, وتحقيرها بمعاصي الله, -إذا بالغ في تعظيمها ما أنصفها, هي أقل من ذلك, وإذا بالغ في تدنيسها ما أنصفها, هي أرقى من ذلك-, ينبغي أن ينميها بطاعة الله, وتوحيده, وحبه, وخوفه, ورجائه, والتوكل عليه, والإنابة إليه, وإيثار مرضاته ومُحابّه, على مراضي الخلق ومحابهم, ولا يكون بها مع الخلق, ولا مع الله، -هناك إنسان مع الخلق ناجح جداً, مع الله غير ناجح؛ ما أنصفته, ما أكرمته, ضيعت شيئاً ثميناً, كنت مع الخلق, ولم تكن مع الله, وهناك إنسان مع الله؛ لكن ليس مع الخلق, ما أنصفهم, حقق صلة بالله لكن على حساب الخلق-.
ويكون بالله لا بنفسه في حبه وبغضه, - الإنسان يحب أو يبغض؛ يحب تأكيداً لذاته, ويبغض تأكيداً لذاته, هذا إنسان يؤله نفسه, أما المؤمن فيحب لله, ويبغض لله-.
أي مستحيل أن تكره مؤمناً, فإذا كرهته فهذه الكراهية كراهية حسد، مؤمن قد يكون أرقى منك, قد يكون أعلم منك, فإذا أبغضته فهذا البغض دليل حسد, ودليل ضيق أفق, أما إذا أحببته فدليل إيمان.
إنصاف الناس بطولة كبيرة جداً, جزء من علمك، صواب أحكامك على الناس أن يكون بالله لا بنفسه؛ في حبه وبغضه, وعطائه ومنعه, وكلامه وسكوته, ومدخله ومخرجه- أي كلامه وسكوته, ودخوله ومخرجه, وعطاؤه ومنعه, وحبه وبغضه, ينطلق من هذا كله؛ من محبته لله-, ولا يرى لها مكانة يعمل عليها, - أي أنا كذا, إذاً من أنت؟ أنت لا شيء, فإذا فعل هذا, انطبق عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية:135]
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾
[سورة الأنعام الآية:135]
أنا فلان, أنا ابن فلان, أنا أحمل الشهادة الفلانية, أنا لي عمل كذا، كلمة أنا محجوب عن الله, نظرت إلى عملك, أنت من دون فضل الله لا شيء. الله عز وجل لو لم يُعلّم الإنسان لما استمع إليه أحد :
والله هناك آية, دخلت لعند أحد الأخوة الأكارم يضع آية في صدر غرفته, والله اقشعر جلدي منها, هي آية قرآنية:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية:113]
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾
[سورة النساء الآية:113]
أنت بفضل الله تتكلم كلمتين مقبولتين عند الناس, لو لم يعلمك الله لا أحد يستمع إليك: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية:113]
قال: فالعبد المحض الكامل ليس له مكانة يعمل عليها, فإنه يستحق المنافع والأعمال لسيده, ونفسه ملك سيده, - وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة الآية:111]
باع نفسه وباع أمواله-، فهو عامل على أن يؤدي إلى سيده كل ما هو مستحق له عليه, ليس له مكانة أصلاً, بل قد كوتب على حقوق الخلق, ولا يزال المُكاتَب عبداً ما بقي عليه شيء من الكتابة, - هذا المصطلح بالعبودية إذا عبد أراد التحرر كان يكاتب سيده, يتفق مع سيده على أعمال يقوم بها مجاناً مقابل أن يعتقه من العبودية, فقد يعمل عشر سنوات بلا مقابل ثمن حريته, فهو عبد مقابل هذا الثمن-.
هنا استعار الإمام ابن القيم هذا المصطلح للمؤمن؛ أن المؤمن عبارة عن إنسان كاتب الله عز وجل, فما دام قد كاتب الله فهو عبد له, إلا أن يؤدي كل الأقساط, -ما دام عليه قسط فهو عبد-. المقصود من إنصاف العبد لنفسه :
قال: والمقصود من إنصافه لنفسه يوجب عليه معرفة ربه, وحقه عليه, ومعرفة نفسه, وما خلقت له, -من أجل أن تكون منصفاً يجب أن تعرف الله, وأن تعرف ما له عليك من حقوق, وأن تعرف نفسك, وأن تعرف لماذا خلقت؟-, وألا يزاحم بها مالكها, وفاطرها, ويدعي لها الملكة والاستحقاق, وألا يزاحم مراد سيده, ويدفعه بمراده هو, أو يقدمه ويؤثره عليه, فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه وبين الله بجهله وظلمه, و إلا لُبِّس عليه وهو لا يشعر, فإن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً؛ فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل؟ وكيف ينصف الخلق ممن لم ينصف الخالق!؟.
إذا الإنسان ما أنصف ربه, ما عرف ربه, ما مدح ربه, ما وصفه بالكمال, ما أنصف الله عز وجل، بعض الآثار القدسية: ((ابن آدم! ما أنصفتني؛ خيري إليك نازل, وشرك إلي صاعد؛ كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك, وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي, ما أنصفتني, إني والإنس والجن في نبأ عظيم؛ أخلق ويُعبد غيري, وأرزق ويشكر سواي, خيري إلى العباد نازل, وشرهم إلي صاعد, أتحبب إليهم بنعمي, وأنا الغني عنهم, ويتبغضون إلي بالمعاصي, وهم أفقر شيء إلي, ولا يزال الملك الكريم: يعرج إلي منك بعمل قبيح, ابن آدم! ما أنصفتني؛ خلقتك وتعبد غيري, ورزقتك وتشكر سواي))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
الإنسان كيف ينصف غيره ولم ينصف نفسه، وظلمها أقبح الظلم، وسعى في ضررها أعظم السعي، ومنعها أعظم لذاتها؟
الحقيقة إذا الإنسان شرد عن الله عز وجل يكون أكبر ظالم لنفسه. الإنسان مخلوق لله فإذا تحرك إلى سواه فقد ظلم نفسه :
من حق الإنسان أن يسعد بالله, صرفها عن الله عز وجل؛ أي متعها بالدنيا, متعها بالطعام والشراب, متعها باللباس والمال, يكون بهذا قد ظلمها, هناك متعة راقية جداً ما وفرها لها, متعه خسيسة, زائلة, معها كآبة, هذه نقطة مهمة جداً، الإنسان مخلوق لله, فإذا تحرك إلى سواه فقد ظلم نفسه, لا يليق بك أن تكون لغير الله.
قال: سعى في ضررها؛ ظلمها أقبح الظلم, وسعى في ضررها أعظم السعي, ومنعها أعظم لذاتها, من حيث ظن أنه يعطيها إياها؛ أتعبها كل التعب, وأشقاها كل الشقاء, من حيث ظن أنه يربحها ويسعدها, وجد كل الجد في حرمانها حظها من الله.
أنت لك حظ من الدنيا, ولك حظ من الله, إذا بالغت في إعطاء نفسك حظها من الدنيا على حساب حظها من الله فقد ظلمتها أشد الظلم, حظها من الله عظيم لأن حظها من الله دنيا وآخرة إلى الأبد, أما حظها من الدنيا فمادامت فيها حياة.
الآن معظم الناس اغتنى؛ همه بيته, أكله, شربه, لبسه, أناقته, المصيف, ذهاب, رجوع, بعد ذلك يموت, متع نفسه متعة قليلة, وحرم نفسه السعادة الأبدية- أتعبها كل التعب, وأشقاها كل الشقاء, من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها -.
الآن: حقرها كل التحقير وهو يظن أنه يعظمها, فكيف يرجى الإنصاف ممن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه فماذا تراه بالأجانب يفعل؟)) ((ثلاث خلال من جمعهن فقد جمع الإيمان .....الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم))
[ الطبراني عن عمار بن ياسر]
والله أحياناً الإنسان يرتكب خطأ في بيته, لا يستطيع إنسان أن يواجهه فيه, وإذا غيره ارتكب خطأ يقيم عليه القيامة, لست منصفاً, إذا زوجته تكلمت كلمة على والدته, يطلقها, وهو ممكن أن يسخر من والدة زوجته ليلاً نهاراً, لا تستطيع أن تتكلم, هو يسخر, أما هي إذا تكلمت كلمة فيقيم القيامة عليها, ليس منصفاً. الإنصاف علامة الإيمان :
الحقيقة الإنصاف من النفس مرتبة بالإيمان عالية الموضوعية.
أحياناً الإنسان يكون عنده دابة لا ينصفها؛ يتعبها, ويضربها, وهي صابرة, قد تكون الدابة أفضل عند الله منه, لأنه ظالم.
مرة شهدت مشاهدة لكنها آلمتني جداً: كنت في محل تجاري- بائع أقمشة- في يوم عطلة, ابنه موجود بالمحل لأن اليوم عطلة, وهو في الصف الثاني تقريباً, وهناك صانع عنده بنفس السن, الشيء الذي لا يصدق أنه حمَّل الصانع؛ أول ثوب, ثاني ثوب, ثالث ثوب, رابع ثوب, لم يعد يتحمل, قال له: لم أعد أستطع, قال له: ما زلت شاباً, حمله ثانية لينقل الأثواب إلى مكان ثان, فأعطاه فوق طاقته, جاء ابنه حمل ثوباً بالمحل, فقال له: بابا انتبه ظهرك, سبحان الله! ابنك حريص على سلامته, وعلى صحته, وهذا ابن الناس لم تهمك صحته!.
أب قال لي: والله وضعت لابني مليوني ليرة دروس خاصة, أربع سنوات لم ينجح.
فكل إنسان يريد ابنه أن يكون بدرجة عالية من الثقافة, إذا كان عنده صانع, طلب منه ساعة إذن ليداوم في مدرسة ليلية, ليأخذ الكفاءة, لا يسمح له, يقول لك: إذا تعلم سيرحل عني, أموره ميسرة هكذا؛ يتيم, ابن يتيم, وخرج من المدرسة, وندم, ولا يوجد عنده طريقة يأكل إلا بالعمل, فالدوام -المتعلق بالمدرسة الليلية- الساعة الخامسة, قال له: أبداً, لا يمكن أن تذهب باكراًً, أطردك, ابنك تريده طبيباً, تضع له مليون ليرة دروس خاصة, أما ابن الناس فيجب أن تبقيه جاهلاً؟! لست منصفاً, القضية ليست بالصلاة, الصلاة فرض.
أنا قلت لشخص البارحة عندما حدثني عن إنسان قال لي: هذا صاحب دين, قلت له: ما هي علامة صاحب الدين؟ قال: أن يصلي, قلت له: ليست علامة كافية, أنت تسمي إنساناً طبيباً إذا كان يرتدي رداء أبيض ويضع نظارات؟ شخص أمي ألبسناه ثوباً أبيض ونظارة وسماعة صار طبيباً؟ الطبيب درس ثلاثاً وثلاثين سنة حتى أصبح طبيباً, كل إنسان ارتدى ثوباً أبيض أصبح طبيباً؟ وكل إنسان صلى صار ديِّناً؟ لا, حتى يكون منصفاً الإنصاف علامة الإيمان. بذل السلام للعالم و الإنفاق في الإقتار :
الآن: القسم الثاني بالحديث:
((بذل السلام للعالم يتضمن تواضعه, وأنه لا يتكبر على أحد, يبذل السلام للصغير والكبير, والشريف والوضيع, ومن يعرفه ومن لا يعرفه, والمتكبر ضد هذا, فإنه لا يرد السلام على كل من سلم عليه, كبراً منه وتيهاً, وأما الإنفاق في الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة وثقة بالله عز وجل, وأن الله يخلفه ما أنفقه, وعن قوة يقين, وتوكل, ورحمة, وجد في الدنيا, وسخاء نفس بها, ووثوق بوعد الله, من وعده مغفرة منه, وفضلاً, وتكذيباً بوعد من يعده الفقر, ويأمره بالفحشاء, والله المستعان))
الإنصاف أن تنصف الناس من نفسك :
والله يا أخوان يحكى على الموضوع أشهر؛ الإنصاف أن تنصف الناس من نفسك, كل شخص يعتقد أنه هو محور العالم؛ هو لا يخطىء, غيره يخطىء, أعماله كلها مبررة, أعمال غيره غير مبررة, هذا موقف ظالم، قرأت مرة كلمة بالسنة: سيدنا ربيعة, شاب فقير جداً, خدم رسول الله سبعة أيام, قال له: ((يا ربيعة, سلني فأعطيك))

رآها ديناً عليه صلى الله عليه و سلم, لم ير نفسه أن الناس يجب أن يخدموه لأنه رسول, هو سيد الخلق, إذا كان هناك إنسان بالأرض يجب أن يخدم إلى ما لا نهاية فهو رسول الله, لكنه لم ير نفسه كذلك, رأى خدمة الإنسان الفقير دين عليه.
قال له: ((يا ربيعة سلني فأعطيك))
[ الطبراني عن ربيعة بن كعب]
طلبت منه السيدة فاطمة خادماً, ماذا قال لها؟ قال لها: "والله -يا بنيتي- لا أؤثرك على فقراء المسلمين".
لم يقل: هذه ابنتي, يجب أن يكون لها خادم, يكون لها معاملة خاصة, هذه بنت رسول الله, أنت مثلك مثل كل الناس, اعتبر المسلمين أسرة واحدة, وفيها فقير, يعطي ابنته خادماً, وليس عند المسلمين ما يأكلون!؟ قال لها: "والله -يا بنيتي- لا أؤثرك على فقراء المسلمين".
شكت له تعبها بعمل البيت؛ وطحن الطحين, وخبز الخبز, فما استجاب لها, لم يقل لها: والله ظلمك علي, يجب أن يأتي لك بخادم, لا.
فهناك أشخاص كثر تجده يُحمّل صهره ما لا يطيق؛ نريد بيتاً, نريد كذا, نريد أثاثاً, نريد الصيغة كذا كذا، أنت عندما كنت في سنه لم يكن معك شيء, وبيت حماك زوجوك, ولم يطالبوك بشيء, بعد أن تمكنت, وأصبحت ذا قوة, لا تعطي ابنتك إلا بهذه الشروط! هذا الشيء أيضاً مجحف.
أخواننا الكرام, إذا أنصفت الناس من نفسك, وأنصفت نفسك من الناس بتأدية حقوق الله كاملة, وحقوق الخلق كاملة, وكنت مع الله, ومع الخلق، فأنت منصف.
الآن: أنت مؤمن, والطريق إلى الله سالك؛ لكن كن منصفاً؛ تجده مع ابنته ضد كنته, ليس منصفاً, مع ابنه ضد شريك ابنه, أي دائماً يحادي مع الذي يلوذ به, ليس منصفاً. ما قولك: أن الله أمرك أن تكون منصفاً مع عدوك!؟ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية:8]
اعدل مع شخص كافر ترقى عند الله عز وجل.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : هدية فى السلام(2)



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أدب السلام عند النبي صلى الله عليه وسلم :
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه:
((مرّ بصبيان فسلم عليهم))
[مسلم عن أنس]
على عظم قدر النبي مر بصبيان فسلم عليهم, قال: السلام عليكم يا صبيان.
وثبت في صحيح البخاري: ((ليسلم الصغير على الكبير, والمارِّ على القاعد, والراكب على الماشي, والقليل على الكثير))
[ البخاري عن أبي هريرة]
هذا من أدب السلام عند النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي جامع الترمذي: ((يسلم الماشي على القائم))
[ الترمذي عن فضالة بن عبيد]
وفي مسند البزار: ((يسلم الراكب على الماشي, والماشي على القاعد, والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل))
[ البزار عن جابر بن عبد الله ]
وفي حديث شريف: ((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة]
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم السلام عند المجيء إلى القوم, - خلت على جماعة-, والسلام عند الانصراف عنهم في الدخول والخروج .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه: ((إذا قعد أحدكم فليسلم, وإذا قام فليسلم, فليست الأولى بأحق من الآخرة))
[أبو داود و الترمذي عن أبي هريرة]
أي السلام في الخروج كالسلام في الدخول تماماً.
وعنه صلى الله عليه وسلم: ((إذا لقيَ أحدُكم أخاه فليسلَّم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة ، أو جدار ، أو حجر ، ثم لقيه : فليسلم عليه أيضاً))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
هذه أيضاً ذكرتها البارحة.
اثنان يمشيان في الطريق, فرّق بينهما حائط, أو شجرة, أو عامود, فلما التقيا ثانية, يسلم أحدهما على الآخر, اثنان يمشيان, ركبا سيارة السلام عليكم.
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون, فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة, تفرقوا يميناً وشمالاً, فإذا التقوا من ورائها سلّم بعضهم على بعض. سلام المسجد :
ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدىء بركعتي تحية المسجد.
الآن: سلام المسجد, تحيته: ركعتان, ثم يجيء فيسلم على القوم, فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله, يصلي, ثم يسلم, هذا إذا لم يكن هناك درس علم, أما إذا كان هناك درس علم فلا سلام مع درس العلم, لأنه يصبح هناك تشويش.
قال:
((فإن تلك - أي الركعتان- حق الله تعالى, والسلام على الخلق هو حق لهم, وحق الله تعالى في مثل هذا أحق من التقديم بخلاف الحقوق المالية, فإن فيها نزاعاً معروفاً, والفرق بينهما حاجة الآدمي, وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين))

أي حقوق العباد مبنية على المشاححة, وحقوق الله مبنية على المسامحة؛ حق العباد في أمر المال مقدم على حق الله عز وجل, أما في السلام فحق الله مقدم على حق العباد, تصلي ركعتين ثم تسلم.
بينما كان النبي عليه الصلاة والسلام جالساً في المسجد يوماً, - قال رفاعة: ونحن معه-, إذ جاء رجل – كالبدوي- فصلى, فأخفَّ صلاته, ثم انصرف, فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وعليك, فارجع فصلِّ فإنك لم تصل وذكر الحديث))
[ الترمذي عن رفاعة بن رافع]
أنكر عليه صلاته, ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه إلى ما بعد صلاته.
وكان إذا دخل على أهله بالليل يسلم تسليماً لا يُوقظ النائم ويُسمع اليقظان.
انظر اللطف.
وكان إذا دخل على أهله لف ثوبه. السلام قبل الكلام :
ومن هديه صلى الله عليه وسلم لا تدع أحداً إلى طعام حتى يسلم.
دخل شخص, تفضل, يجب أن يسلم أولاً.
وعنه صلى الله عليه وسلم السلام قبل السؤال:
((فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام, فلا تجيبوه))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عبد الله بن عمر]
وكان عليه الصلاة والسلام لا يأذن لمن لم يبدأ بالسلام.
وعنه أيضاً: ((لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام))
[أخرجه أبو يعلى عن جابر بن عبد الله]
يسلم بعد ذلك يستأذن, يسلم يطلب, يسلم يسأل.
صفوان بن أمية بعث بلبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم, والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي, فقال: ((فدخلت عليه ولم أسلم, ولم أستأذن, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ارجع, فقل: السلام عليكم أأدخل؟))
[ الترمذي عن كلدة بن حنبل]
تسلم وتستأذن, تسلم وتسأل, تسلم وتطلب.
وكان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه, - ما طرق الباب و وجهه أمام الباب, قد تفتح امرأة, فكان إذا طرق باب أحد أعطى ظهره للباب, أدار ظهره, وقال: فلان هنا-.
كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه؛ ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر, فيقول: السلام عليكم. أمانة تحمّل السلام وتبليغه :
وكان عليه الصلاة والسلام يسلم بنفسه على من يواجهه, ويحمل السلام لمن يريد السلام من الغائبين عنه, ويتحمَّل السلام لمن يبلغه إليه, وكان قد تحمل السلام من الله عز وجل على صدِّيقة النساء السيدة خديجة, جاءه جبريل, فقال له:
((هذه خديجة قد أتت ، ومعها إناء فيه إدَام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتَتْكَ فَاقْرَأْ عليها السلام من ربِّها ، [ ومنِّي ]وبَشِّرها ببيت في الجنة))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
من دون مبالغة الزوجة الصالحة تتحمل مع زوجها كل الأعباء, شريكته حتى في الأجر, لأنها صابرة معه, والسيدة خديجة تحملت, عاشت مع النبي الكريم في أول الدعوة, تحملت كل أنواع الأذى, وكانت خير معوان له, وتوفيت-, فلما فتح مكة المكرمة أراد وفاء لها, سئل: أين تنام؟ هو الآن بمكة بلده, والبيوت كلها تتنافس في استقباله, قال: "انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة, وركز لواء النصر أمام قبرها إشعاراً بأن لها فضلاً في هذا النصر".
لولا تحملها, وصبرها, ومعاونتها للنبي عليه الصلاة والسلام لما كان هذا النصر.
وتحمل السلام أيضاً للصدِّيقة الثانية بنت الصديق عائشة: ((يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام ' . فقلت : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته))
[ الطبراني عن عائشة]
أيضاً حمل السلام للسيدة عائشة, هذه قد نستنبط منها شيئاً: كل إنسان يعاون على الحق؛ هناك شخص عقبة, هناك شخص عبء, تجده مشكلة؛ دائماً يعترض, دائماً يشتت الشمل, دائماً ينتقد, دائماً يفرق الناس عن الاجتماع, فهناك شخص معاون, المعاون له أجر, وله نصيب؛ شخص يريحك, و شخص يزعجك, تجده عبئاً, تريد أن تحل مشكلتك مع جهة ومعه أيضاً, محسوب عليك أيضاً, محسوب عليك, وعبء عليك. فالذي يعاون له أجر, هذا الحق مثل مسيرة, كل إنسان ساهم بدفع المسيرة –المركبة- له أجر.
وكان الرجل يمر على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ((السلام عليك يا رسول الله! فيقول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام, ورحمة الله, وبركاته, ومغفرته, ورضوانه, فقيل: يا رسول الله! تسلم على هذا سلاماً ما تسلمه على أحد من أصحابك! قال: وما يمنعني من ذلك؟))
[ابن السني عن أنس]
السلام ثلاثاً :
من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسلم ثلاثاً, فكان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً, وكان إذا سلم سلم ثلاثاً.
لم يكن هناك تكبير صوت, فيسلم أول سلام, هناك أناس لم يسمعوه, السلام الثاني, السلام الثالث.
ردّ السلام :
كان عليه الصلاة والسلام يبدأ من لقيه بالسلام, وإذا سلم عليه أحد ردّ عليه مثل تحيته, أو أفضل منها على الفور, من دون تأخير إلا لعذر, كما لو أنه يصلي.
أحياناً شخص يسلم, وأنت تصلي,عندما ينتهي من الصلاة يسلم عليك.
وكان يُسمع, -الآن هناك أشخاص كثر, تسلم عليهم, فقط يهز رأسه, لا يتنازل أن يتكلم-, وكان يُسمع المسلم رده عليه, ولم يكن يرد بيده, ولا برأسه, ولا إصبعيه, فكان يرد على من سلم عليه بقوله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال مرة:
((من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
أي هو مع الناس, ليس مع الله, ما دام شخص سلم أثناء الصلاة, هز رأسه, معنى هذا أنت لم تصلِّ, أنت مع الناس. ((من أشار في صلاته, إشارة تُفهم عنه, فليعد صلاته))
في بعض المحافظات عندهم سلام, يقول لك: وعليك السلام, يبدأ وعليك السلام.
شخص يبدو أنه سلم على النبي هكذا, قال له: عليك السلام, فقال عليه الصلاة والسلام, قال له: ((عليك السلام يا رسولَ الله، قال: لا تقل: عليك السلام ، فإن عليك السلام تحية الموتى ، إِذا سلَّمت قل : سلام عليك))
[ صحيح عن جابر بن سليم الهجيمي]
إنسان ملحد سلم عليك, ترد عليه السلام, تقول له: والسلام على من اتبع الهدى.
ويجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : من وصايا النبى



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. علامات آخر الزمان :
من علامات آخر الزمان أن المسلمين يقتل بعضهم بعضاً, ومن علامات آخر الزمان أن موتاً كعقاص الغنم, لا يدري القاتل لمَ يقتل؟ ولا المقتول فيمَ قتل؟
النبي عليه الصلاة والسلام حقن دماء أمته, قال: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام))
[رواه أحمد عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ]
ثلاث ركائز في العلاقات بين المسلمين, أولاً: حرمة الدماء: قال سيدنا عمر رضي الله عنه: "لو أن أهل بلدة ائتمروا على قتل واحد لقتلتهم به جميعاً": ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[سورة البقرة الآية:179]
المسلم: ((لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يسفِك دمًا حرامًا))
[ البخاري عن ابن عمر]
((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام بعضكم على بعض))
[أبو يعلى و أحمد بن حنبل عن السرى بنت نبهان بن عمرو]
أي ما قيمة العبادات الشعائرية إذا اغتصبت الأموال وانتهكت الأعراض وسفكت الدماء؟ والمسلمون في وقت تخلفهم سفكوا دماء بعضهم بعضاً, وأكلوا أموال بعضهم بعضاً, وانتهكوا أعراض بعضهم بعضاً, عندئذ: لا قيمة لكل هذه العبادات الشعائرية التي يفعلها المسلمون. ((ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام))
[ ورد في الأثر]
الاستقامة أساس اكتساب رضا الله عز وجل :
الإنسان أحياناً يوهم نفسه أنه عندما يصلي, ويقوم ببعض العبادات أن الله راض عنه, مع أن الله لا يرضى عنه إلا إذا كان مستقيماً في العلاقات المادية, مستقيماً في العلاقات الاجتماعية, مستقيماً في العلاقات الأساسية. ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام بعضكم على بعض، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا الله عز وجل، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، قال: ثم أتبعها: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟))
[أبو يعلى و أحمد بن حنبل عن السرى بنت نبهان بن عمرو]
كلام موجز, أي أنت مسلم, عندما تكون حريصاً إلى أقصى درجة على الحقوق, أنت مسلم, لا لأنك تصلي, الصلاة يفعلها كل الناس, لا تكلف شيئاً؛ تتوضأ وتصلي, قضية سهلة, هذه الصلاة قضية خطيرة جداً؛ لكن إذا اكتفينا بها أصبحت لا قيمة لها, إذا اكتفينا بالصلاة, وفهمنا الدين على أنه صلاة لا قيمة لها, أما إذا رأيناها تاجاً نتوج بها استقامتنا, الآن الصلاة شيء خطير؛ الصلاة طريق إلى الله, الصلاة نافذة إلى السماء, الصلاة علاقة السماء بالأرض, علاقة المخلوق الضعيف بالخالق العظيم, علاقة المخلوق الحادث بالإله القديم, الأزلي, الأبدي؛ الإنسان بالصلاة قوي, يستمد قوته من الله, الإنسان بالصلاة غني, يستمد غناه من الله, الإنسان بالصلاة عالم, يستمد علمه من الله, أما إذا ظن أن الدين صلاة فقط, وتحرك حركة عشوائية, فعندئذ لا قيمة للصلاة. لذلك هذه الخطبة على إيجازها, وعلى قصرها, بليغة: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام بعضكم على بعض))
معنى أعراضكم: العرض في اللغة موضع المدح والذم.
الإنسان عندما يطلق لسانه في الحديث عن الآخرين, يرجىء التهم براحة تامة, ولا يوجد على لسانه رباط كما يقولون؛ يتكلم, يطعن بهذا, بأمانة هذا, بدين هذا, بإيمان هذا, يستخف بهذا, وهو مرتاح, ويقوم بعد ذلك يصلي, هذه الغيبة من أشد الكبائر. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾
[سورة الحجرات الآية:12]
الدين منهج كامل :
الشيء المؤلم أن موضوع الغيبة موجود في الحلقات الدينية كلها, مرتاح؛ يتكلم على أخيه, يطعن بإيمان أخيه, يطعن بنزاهة أخيه, لا يوجد مشكلة أبداً, يخالف نصاً قرآنياً صريحاً.
هذه المشكلة أن الذي فهم الدين أنه خمس عبادات شعائرية, هذا فهم سقيم, الدين مئة ألف بند, في حياتك اليومية, في بيتك, في صحتك, في علاقتك مع زوجتك, مع أولادك, بموضوع عينك, وشمك, وأنفك, ولسانك, ويدك, وأذنك, الدين منهج كامل, أنت حينما تطبق هذا المنهج الكامل تكون قد استقمت على أمر الله, أما إن أصبح الدين صلاة, وصوماً, وحجاً, انتهى المسلمون.
أنا قلت لكم كما قال عليه الصلاة والسلام: (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
في الحرم وحده مليونا مصل, وهناك مليون يصلون حول الحرم؛ فثلاثة ملايين, مع أن اثني عشر ألفاً من هؤلاء لو كانوا كما أراد الله لن يغلبوا في العالم. انعدام قيمة الدين عندما فصل عن الحياة :
إذاً: عندنا خلل خطير جداً كيف أن الدين ضغط فصار عبادات فقط, والمعاملات لم يعد لها قيمة, تجد شخصاً يأكل مالاً حراماً, يعتدي على حقوق الآخرين, كل مجلسه غيبة, ونميمة, يؤذن, يصلي أول صف, هذا الفهم السقيم, فصلنا الدين عن الحياة, أصبح الدين لا قيمة له.
هذا أساساً الذي أراده أعداء الإسلام, دع ما لله لله, وما لقيصر لقيصر, يقول لك: هناك سلطة زمنية, و سلطة دينية, الدين شيء, الدين في الكنيسة, والدنيا تحكمها القوانين, والعلاقات, والمصالح, من هنا الشيطان نفذ, فصل لك حياتك عن دينك, الدين في الجامع, والدنيا افعل ما تشاء.
تجد أصحاب مهن راقية, محامون أحياناً, يعلم علم اليقين أن القضية غير محقة؛ يتولاها, ويدافع عنها, ويأخذ مبالغ طائلة عليها, فصل دينه عن عمله؛ أحياناً: يكون طبيباً, أحياناً: يكون مهندساً, معلماً, مدرساً, تاجراً يتعامل ببضاعة محرمة، أحياناً بعلاقة ربوية, فصل دينه عن حياته, هذا الفصل هو المحق, عندما لا تفصل الدين عن الحياة, تطبق في حياتك منهج الله عز وجل الآن: أصبح للصلاة معنى, للصوم معنى, للحج معنى, كله أصبح له معنى.
وقلت لكم: أكبر وهم يتوهمه الناس أنه بالحج تُغفر كل الذنوب, لا يُغفر إلا ما كان بينك وبين الله, أما ما كان بينك وبين العباد فلا يُغفر إلا بالأداء أو المسامحة.
فموطن الشاهد في هذه الخطبة:
((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام بعضكم على بعض، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا الله عز وجل، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، قال: ثم أتبعها: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ فتوفي حين بلغ المدينة))
[أبو يعلى و أحمد بن حنبل عن السرى بنت نبهان بن عمرو]
كانت خطبة الوداع. الفرق بين أداء الشعيرة وبين تعظيمها :
الآية الكريمة ذكرتها البارحة:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية:32]
العلماء فرقوا بين أداء الشعيرة وبين تعظيم الشعيرة, أكثر من أربعة ملايين حجوا, وأدوا الشعيرة؛ لكن الذين عظموا هذه الشعيرة قلائل.
ومن تعظيم شعائر الله أن تؤدى الشعيرة كما أداها النبي عليه الصلاة والسلام, من تعظيم شعائر الله أن تؤدى هذه المناسك بنفس طيبة, وشوق غامر, من تعظيم هذه الشعائر أن تؤديها, وتتمنى أن تعود لهذه الأمكنة مرات, ومرات.
ثلاثة شروط لتعظيم هذه الشعائر, أما مئات ألوف الحجاج يقولون: لن نعيدها؛ لأن هناك ازدحام, أو تأخر، أو حر.
فالإنسان إذا تأفف من مناسك الحج, الحج أساسه مشقة, و سلبيات, و إيجابيات, والسلبيات ثمن الإيجابيات, وهذه الصلة المحكمة في الحج ثمنها هذه المشقة التي تحملتها, وكل شيء له ثمن . ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا))
[ أحمد و البزار عن عبد الله بن الزبير]
وهذا الشيء واضح جداً. على الإنسان أن يستعد لساعة المغادرة بالتوبة النصوح والعمل الصالح :
فلذلك أيها الأخوة عندما أُنزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
[سورة النصر الآية:1-3]
هذه نعوة النبي, هذه السورة القصيرة فيها نعوة النبي, وصل النبي إلى قمة النجاح في الدعوة, الإسلام وصل إلى كل أنحاء الجزيرة, واستقر, ودخل الناس في دين الله أفواجاً, قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
[سورة النصر الآية:1]
ولا بد من أن يأتي, لأن إذا تفيد تحقق الوقوع: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
[سورة النصر الآية: 2-3]
ليس من باب التشاؤم لكن من باب الواقع, كلنا سوف نغادر, ما أجمل أن تكون المغادرة داخلة في حساباتنا اليومية, داخلة في علاقاتنا المالية, داخلة في علاقاتنا الاجتماعية, وما أجمل أن نستعد لهذه المغادرة؛ أن نستعد لها بالتوبة النصوح, بالعمل الصالح, أن نستعد لها بخدمة الآخرين.
هذه من معاني الحج أن الإنسان بعد الحج يجب أن يعود كيوم ولدته أمه, وأن يفتح مع الله صفحة جديدة.
الإنسان إذا عاهد الله و تاب توبة نصوحة عليه أن يكون عند هذه التوبة :
وكنت أركز في كل خطب الحج في عرفات على ما بعد الحج.
أنا أعلم أن هؤلاء جميعاً حجوا, وقفوا في عرفات, ودعوا, وصلوا؛ ولكنني ألح على سلوك الحاج بعد الحج, يا ترى حينما وقف على الحجر الأسود, وصافحه, وفاوض كف الرحمن, وقال: " بسم الله, والله أكبر, اللهم إيماناً بك, وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم".
ماذا قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾
[ سورة الأعراف الآية:102]
أما سيدنا إبراهيم أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[سورة النجم الآية:37]
أي صدق ما عاهد عليه الله عز وجل.
فالإنسان إذا عاهد الله, إذا تاب توبة نصوحة, ينبغي أن يكون عند هذه التوبة, وعند هذا الحد.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : رسائلة الى بعض الملوك


الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
نص كتاب رسول الله إلى ملكي عُمان :
أيها الأخوة الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن دانت له الجزيرة العربية, أرسل كتباً إلى ملوك الأرض, يدعوهم فيها إلى الإسلام, من جملة هذه الكتب أنه أرسل كتاباً إلى ملك عُمان, وبعثه مع عمرو بن العاص, في هذا الكتاب النص التالي:
((بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد بن عبد الله إلى جَيفَر وعبدٍ ابني الجلندي, سلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فإني أدعوكما بداعية الإسلام, أسلِما تسلَما, فإني رسول الله إلى الناس كافة,
﴿لأنذر من كان حياً* ويحق القول على الكافرين﴾
, فإنكما إن أقررتما بالإسلام, وليتكما – أي أبقيتكما- ملكين على قوميكما, وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام, فإن ملككما زائل عنكما, وخيلي تحل بساحتكما, وتظهر نبوتي على ملككما, وكتب إلى أبي بن كعب, وختم الكتاب – كتب الكتاب إلى أبي بن كعب, وختم الكتاب بخاتمه صلى الله عليه وسلم-.
كان في عمان ملكان أخوان, قال عمرو: ((فخرجت حتى انتهيت إلى عمان, فلما قدمتهما, عمدت إلى عبدٍ, وكان أحلم الرجلين, -الأخ الثاني عبد, الأول: اسمه جيفر, والثاني: اسمه عبد-, وكان أحلم الرجلين, وأسهلهما خلقاً, فقلت: إني رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إليك وإلى أخيك, فقال: أخي المقدَّم علي بالسن والملك, – أي أكبر مني سناً, وأقوى مني ملكاً-, وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك, ثم قال: وما تدعو إليه؟ – تصور إنساناً خالي الذهن عن أي شيء متعلق بالدين, المناقشة دقيقة جداً-, قال له: وما تدعو إليه؟ قال: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له, وتخلع ما عُبد من دونه, وتشهد أن محمداً عبده ورسوله, قال: يا عمرو, إنك ابن سيد قومك, فكيف فعل أبوك, فإن لنا به قدوة؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم-, وودت أنه كان أسلم وصدق به, وقد كنت –أنا- على مثل رأيه, حتى هداني الله للإسلام, قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريباً, فسألني أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي, وأخبرته أن النجاشي قد أسلم, قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ – قضية ملك, الأمور كلها بيده, على رأس قومه-, قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه, قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم, قال: انظر يا عمرو ما تقول, إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب, – هناك خصال, تبقى خافية على الناس, أما الكذب فيُكشف-, هل أنت متأكد أن النجاشي أسلم؟ قال له: أسلم, وهل تبعه قومه؟ تبعوه, وماذا فعل الأساقفة والرهبان؟ قلت: ما كذبت, وما نستحله في ديننا, –عندنا الكذب كبيرة-, ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي؟ قلت: بلى, قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يُخرج له خراجاً, -يعطيه ضريبة-, فلما صدق وأسلم بمحمد -صلى الله عليه وسلم-, قال: لا والله, لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته, فبلغ هرقل قوله, فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يُخرج لك خراجاً ويدين ديناً محدثاً!؟ قال هرقل: رجل رغب في دين, فاختاره لنفسه, ما أصنع به؟ والله لولا أضن بملكي, لصنعت كما صنع -لأسلمت-, قال: انظر ما تقول يا عمرو, قلت: والله صدقتك, قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل, وينهى عن معصيته, ويأمر بالبر وصلة الرحم, وينهى عن الظلم والعدوان, وعن الزنا, وعن الخمر, وعن عبادة الحجر, والوثن, والصنم, قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه, لو كان أخي يتابعني عليه, –الأخ الأصغر ألين وأقرب-, لركبنا حتى نؤمن بمحمد, ونصدق به؛ ولكن أخي أضن بملكه, – أي لا يسلم بهذه البساطة– من أن يدعه ويصير ذنباً, قلت: إنه إن أسلم ملّكه رسول الله على قومه –أبقاه ملكاً-, فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم, قال: هذا لخلق حسن, وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض النبي -عليه الصلاة والسلام- من الصدقات في الأموال, حتى انتهيت إلى الإبل, قال: يا عمرو, وتؤخذ من سوائل مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ قلت: نعم, فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم, وكثرة عددهم, يطيعوني بهذا –هذه صعبة عليهم-, قال: فمكثت ببابه أياماً, وهو يصل إلى أخيه, فيخبره كل خبري, ثم إنه دعاني يوماً, فدخلت عليه, -دخل على الكبير-, فأخذ أعوانه بضبعي –ب كتفي, الاضطباع في الحج أن تبرز كتفك الأيمن-, فأخذ بضبعي, فقال: دعوه, فأُرسلت, فذهبت لأجلس, فأبوا أن يدعوني أجلس, فنظرت إليه, فقال: تكلم بحاجتك, فدفعت إليه الكتاب مختوماً, ففض خاتمه وقرأه, حتى انتهى إلى آخره, ثم دفعه إلى أخيه, فقرأه مثل قراءته, إلا أني رأيت أخاه أرق منه, قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه؛ إما راغب في الدين, وإما مقهور بالسيف, قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام, واختاروه على غيره, وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم, أنهم كانوا في ضلال, فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الحرجة, وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل, ويبيد خضراءك, فأسلم تسلم, – تصور أعرابياً, يخاطب ملكاً! كم كان هذا الصحابي رابط الجأش, يكلمه ببساطة: إذا لم تسلم تنتهي-, قال له: إن لم تسلم اليوم, وتتبعه, يوطئك الخيل, ويبيد خضراءك, فأسلم تسلم, ويستعملك على قومك إذا أسلمت, ولا تدخل عليك الخيل والرجال, قال: دعني يومي هذا, وارجع إليّ غداً, فرجعت إلى أخيه, فقال: يا عمرو, إني لأرجو أن يسلم, إن لم يضن بملكه, حتى إذا كان الغد أتيت إليه, فأبى أن يأذن لي, فانصرفت إلى أخيه, فأخبرته أني لم أصل إليه, فأوصلني إليه, فقال: إني فكرت بما دعوتني إليه, فإذا أنا أضعف العرب, إن ملكت رجلاً ما في يدي, وهو لا تبلغ خيله ها هنا, وإن بلغت خيله لقيت قتالاً ليس كقتال من لاقى, قلت: وأنا خارج غداً, فلما أيقن بمخرجي, خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه, وكل من أرسل إليه قد أجابه, فأرسل إلي, فأجاب إلى الإسلام (هو وأخوه) جميعاً, وصدقا النبي -صلى الله عليه وسلم -, وخلَّيا بيني وبين الصدقة, وبين الحكم فيما بينهم, وكان لي عوناً على من خالفني))
مخاطبة الملوك قضية صعبة جداً تحتاج لإيمان و ثبات و تضحية :
النبي عليه الصلاة و السلام أرسل كتباً إلى المقوقس, وإلى كسرى, وإلى قيصر, وإلى ملك عمان, كتاباً موجزاً واضحاً, وأرسل مع هؤلاء -مع هذه الكتب- رجال؛ - هناك رجل يصغر شأن الرسالة, و رجل يعظم شأن الرسالة-.
فالرجل تكلم بفصاحة, وبجرأة, وكأنه لا يخشى في الله لومة لائم. وكلكم يعلم أن مخاطبة الملوك قضية صعبة جداً, الملك يرى أنه الأوحد، فرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص الآية:38]
أن تخاطب ملكاً شيء يحتاج إلى قوة, وإلى إيمان, وإلى ثبات, وإلى تضحية, لأنه قد يأمر بقتلك بكلمة وينتهي الأمر.
فكان عليه الصلاة والسلام قد بلغ هذه الرسالة إلى ملوك الأرض.
أسلم تسلم كلام لكل إنسان أراد السلامة في الدنيا و الآخرة :
الشيء الدقيق أن أسلما تسلما: وهذا كلام لكل إنسان, أي أنت لست ملكاً؛ لكن أنت عبد, حينما تُسلم تَسلم في الدنيا والآخرة, حينما تسلم يهديك الله عز وجل سبل السلام, هناك سلام مع نفسك.
الإنسان أحياناً يبحث عن الراحة النفسية, راحته في طاعته لله, المطيع مرتاح, الذي عليك أديته.
قال له: (( اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تَلُمني فيما تَملك ولا أَملك))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]

أنت عبد لله, مكلف أن تطيعه, فإذا أطعته شعرت براحة, هذه الراحة أساسها أنك أنت أديت حق الربوبية, أنت عبد, والله عز وجل أنعم عليك بنعمة الإيجاد, ونعمة الإمداد, ونعمة الهدى والرشاد, فأنت تعرف هذه النعمة, وقد أجبته في طاعته إليها.
فكلمة أسلِما تسلَما هي لكل مسلم, ولكل مؤمن.
قال له: (( قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك؟ قال: قل: آمَنْتُ بالله، ثم استقم، قال: أريد أخف من ذلك قال: إذاً فاستعد للبلاء ))
[ أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
كلام واضح؛ إن أردت أقل من الاستقامة إذاً: فاستعد للبلاء, وهذا هو الحق. من أسلم هداه الله سبل السلام مع نفسه و ربه و الناس :
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
[سورة يونس الآية:32]
الحق مفرد, والضلال جمع, قال: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[سورة البقرة الآية:257]
لم يقل من الظلمات إلى الأنوار, لم يقل من الظلمة إلى النور, لأن الانحراف ظلمات: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾
[سورة النور الآية:40]
أما الاستقامة فحقيقة واحدة.
فكلمة أسلما تسلما تعني أن السلامة مطلب كل إنسان؛ لا يوجد إنسان يتمنى المرض, لا يوجد إنسان يتمنى الفقر, لا يوجد إنسان يتمنى الذل, لا يوجد إنسان يتمنى القهر, إن أردت أن تكثر من الذل والقهر, ومن مصائب الدنيا الشديدة التي لا تُحتمل, أسلم, فإن أسلمت, الله عز وجل يهديك سبل السلام, يسيرك بطريق السلامة؛ سلامتك مع نفسك, سلامتك مع ربك, سلامتك مع الناس. من أسلم ربح الدنيا و الآخرة :
الآن الشرع: أي إنسان طبق الشرع ليس له علاقة بالمحاكم إطلاقاً, ولا بالمخافر.
طبعاً هناك ملوك قتلوا الرسل.
ملك كسرى قتل الرسول, ومزق الكتاب, فقال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم مزق ملكه))
[ رواه ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن حُذافة]
كاتب, معاصر, قال: "كل من دعا إلى ملك كسرى يُمزق ملكه".
فحينما أراد أن يحيي مجد فارس الوثني مُزق ملكه, دعاء من النبي: ((اللهم مزق ملكه))
[ رواه ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن حُذافة]
النجاشي بقي ملكاً, والنبي صلى عليه صلاة الغائب لما مات, ولما جاء وفد النجاشي خدمهم النبي بنفسه.
يتوهم الإنسان أنه عندما يسلم يخسر, لا تخسر, تربح الدنيا والآخرة, الله عز وجل عطاؤه كبير, الله عز وجل خيرك بين الدنيا أو الآخرة؛ إن آثرت الآخرة أعطاك الدنيا معها.
النجاشي أسلم, بقي ملكاً, وتبعه قومه, وأعلوا قدره, وتبعه الأساقفة والرهبان, وأسلموا معه, ولذلك: يعد النجاشي من التابعين، أي من الصحابة الذين لم يلقوا النبي, إذاً: الأغلب يعد من التابعين الذين آمنوا برسول الله ولم يروه.
وهذا ملك عمان أسلم أيضاً, هناك رواية عن هذا الملك -لم تُذكر هنا- أنه حينما سمع كلام رسول الله, -كلام النبي, أو كلام رسول رسول الله-, قال: "والله ما أمر بشيء وقال العقل: ليته لم يأمر به, وما نهى عن شيء وقال العقل: ليته نهى عنه".
الإنسان عنده عقل, وأمامنا نقل -القرآن والسنة-, وعندنا فطرة, وعندنا واقع؛ الفطرة مقياس نفسي. من نعم الله الكبرى أن الله عز وجل فطر الإنسان فطرة سليمة :
الإنسان أحياناً عندما يخطئ يتضايق، الإنسان مجبول جبلة كاملة, فإذا كان كاملاً انسجم مع فطرته, ارتاحت نفسه, فإذا كذب أو خان يشعر بانهيار داخلي, هذه من نعم الله الكبرى أن الله عز وجل فطر الإنسان فطرة سليمة, فإذا خالف فطرته عذبته نفسه.
لذلك مرض الكآبة في العالم؛ الضيق الشديد, السوداوية, الشعور بالذنب, تعذيب الضمير, مسميات, أو أسماء لمسمى واحد هو أن النفس فطرتها عالية, فإذا خرجت عن أصل فطرتها تعذبت.
لهذا التناقض الله أعطاك مقياساً نفسياً ثابتاً؛ إن أحسنت إلى الخلق سعدت، وكنت أسعد الخلق, إن أسأت إليهم, كنت أشقى الخلق, هذه فطرة, والعقل مقياس أودعه الله في الإنسان, الله هو الذي خلق العقل, مبادىء العقل تتناسب مع قواعد الدين, فالعقل يدعوك إلى أن تؤمن بالله, أما الذي لا يؤمن بالله فعنده خلل في عقله. الحق هو توافق الواقع والعقل والنقل والفطرة :
أحياناً تجد بالكون إعجاز, كل شيء كامل؛ لكن هناك ظلماً أحياناً, فإذا أنت آمنت بالآخرة يختل توازنك, الآن الكون يشهد أن كل شيء فيه كمال مطلق؛ في العلم, والحكمة, والرحمة, واللطف, لكن تجد هناك ظلم, هذا الظلم من دون آخرة صعب تفسيره, أما بالآخرة فيفسر, هناك تسوية حسابات؛ كل إنسان سيدفع الثمن, أو سيقبض الثمن.
فالعقل لا يقبل أن إلهاً عظيماً, خلق الكون, و خلق الناس بدنيا محدودة, وتنتهي الدنيا, وينتهي كل شيء, أصبح هناك تفاوت؛ هناك غني و فقير, و قوي و ضعيف, و صاحب عمر مديد وصاحب عمر قصير، فالإنسان عقله بمبادئه المتوافقة مع الكون, ومع منهج الله عز وجل, وفطرته المتوافقة مع الدين أيضاً: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
[سورة الروم الآية:30]
أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هو نفسه الفطرة التي فُطرت عليها, أصبح العقل, والنقل, والفطرة, والواقع, كلها متوافقة, هذا المؤمن عنده انسجام؛ لا يوجد عنده تناقض, لا يوجد عنده ضياع, لا يوجد عنده خلل, لا يوجد عنده اضطراب, مبادىء عقله متوافقة مع النقل الذي يؤمن به, مع الكتاب والسنة, مع أصل فطرته, مع مبادىء الواقع؛ فالواقع, والعقل, والنقل, والفطرة, كلها متوافقة, وهذا هو الحق.
فالإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا أيقن بوجود إله عظيم, وله منهج قويم, وله أنبياء ورسل مثل عليا, وهذا أصل الدين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع : اذا حلفت على يمين ....



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الإنسان في الحياة الدنيا مخلوق للعمل الصالح والعمل الصالح ثمن الجنة :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها, فكفر عن يمينك, ثم ائت الذي هو خير))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة]
هذا الحديث له دلالات كبيرة, من هذه الدلالات أن الإنسان في الحياة الدنيا مخلوق للعمل الصالح, وأن العمل الصالح ثمن الجنة, وأن علة وجودك على وجه الأرض أن تعمل عملاً صالحاً تلقى الله به, وأن العمل الصالح ثمن الجنة, وأن الإنسان إذا جاءه ملك الموت لا يندم إلا على عمل صالح فاته, وأن كل ما في الدنيا لا قيمة له إلا ذكر الله وما والاه.
لذلك لو حلفت بالله, لو أقسمت بالله العظيم, لو ذكرت لفظ الجلالة معظّماً, وحلفت على يمين, ثم رأيت غير هذه اليمين خيراً منها يجب أن تكفر عن يمينك, وأن تفعل الذي هو خير.
استنباط دقيق جداً هو أن العمل الصالح هو كل شيء في حياتك لأنه ثمن الجنة.
فالإنسان إذا جاءه ملك الموت لا يندم على بناء لم يتمه, لا يندم على صفقة لم يعقدها, لا يندم على مشروع لم ينجزه, يندم على عمل صالح فاته, والدليل قول الله عز وجل: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100 ]
معنى ذلك أن الوقت وعاء العمل, والعمل إذا كان للدنيا فهذا الوقت استهلك استهلاكاً رخيصاً.
هناك أعمال ليس لها أثر بعد الموت, آلاف الأعمال تحتاج إلى وقت, وإلى جهد جهيد, والإنسان إذا مات هذه الأعمال ليس لها أثر إطلاقاً, ويوجد عمل إذا فعلته في الوقت الذي هو وعاء العمل كان لهذا العمل أثر بعد الموت. من حلف باسم الله العظيم و كان الخير خلاف هذا اليمين ينبغي أن يكفّر عن يمينه :
لذلك أعقل العقلاء هو الذي ينفق وقته إنفاقاً استثمارياً لا إنفاقاً استهلاكياً, أي الذي تفعله ولا علاقة له بالآخرة هذا استهلاك, الضرورات لا بد منها؛ تأكل, وتشرب, وتنام, وتعمل, وتتزوج؛ لكن بذل جهد جهيد, وقت مديد, في أعمال ليس لها أثر بعد الموت, هذا من ضعف عقل الإنسان, وكم من إنسان بذل جهداً جهيداً, وفاجأه ملك الموت مفاجأة, فذهب إلى الآخرة صفر اليدين.
هل هناك من دلالة أقوى على قيمة العمل الصالح من أنك لو حلفت بالله العظيم, وعقدت الأيمان, وغلظت الأيمان, على ألا تفعل هذا الشيء, ولكن الخير في فعله؟ يقول لك النبي الكريم, وهو رسول رب العالمين, يقول لك النبي الذي لا ينطق عن الهوى: ((إذا حلفت على يمين, فرأيت غيرها خيراً منها, فكفر عن يمينك, ثم ائت الذي هو خير))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة]
فهناك تعنت شديد عند بعض الناس, أنا حالف, إذاً ليس فقيهاً, حالف ألا أزور أختي, أختك ليس لها غيرك, إذا أنت قطعتها قطعت الخير عنها, وتحيدت عن هدايتها, ومنعت نفسك من إصلاح البيت, تكلمت كلمة قاسية فأنت شعرت أن كرامتك خدشت, فحلفت يميناً معظماً ألا تزورها ما حييت.
أنا لا أقول كلاماً من فراغ, هناك قطيعة بين أفراد بعض الأسر؛ عشرون سنة, ثلاثون سنة, ولا كلمة, ولا حركة, ولا سؤال, ولا جواب, ولا اتصال هاتفي.
حلف يميناً, لأنني حلفت يميناً يا أخي, أنت لا تفقه في الدين شيئاً, أنت لو استخدمت اسم الله العظيم, وحلفت أعظم الأيمان, وأغلظ الأيمان, والخير خلاف هذا اليمين, ينبغي أن تكفر عن يمينك, وأن تفعل الخير. الله عز وجل أرادنا أن نجتمع و نتعاون و يصل بعضنا بعضاً :
هناك استنباط ثان يشابه هذه الاستنباط؛ لو فرضنا معركة بين المسلمين وبين الكفار, وفي ساعة الامتحان, السلاح الأبيض في ساعة القتل كلّ يُشهر سيفه أمام العدو, ودخل وقت الظهر, يجب أن نصلي جماعة, ويوجد آية في القرآن طويلة تتحدث عن صلاة الجماعة في أثناء الحرب.
يقف النبي يصلي, يأتي قسم يصلون خلفه, ويوجد قسم للحراسة, فإذا أنهوا ركعة, جاء الذين يحرسون فصلوا وراء النبي الركعة الثانية، أي وأنت تقابل العدو يجب أن تصلي جماعة, فكيف بالسلم؟
لا تعرف عظم هذه الصلاة- صلاة الجماعة- إلا بهذه الآية؛ وأنت تواجه العدو, وأنت تشتبك معه بالسلاح الأبيض, وهو على مسافة متر منك, يجب أن تصلي الصلوات جماعة وراء الإمام بطريقة ذكرها القرآن الكريم, فإذا كنت في السلم, وفي بيتك, وفي بحبوحة؛ ليس هناك حرب, ولا اشتباك مع عدو, ولا خطر, ولا قتل, فهذا الذي يقصر عن صلاة الجماعة سيحاسب.
قد يسال سائل: الصلاة صلاة؛ إن صليتها في البيت وإن صليتها في المسجد؟ الكلام صحيح إلى حدّ ما, لكن الله عز وجل أراد أن نجتمع, أراد أن نتعاون, أراد أن نتناصح, أراد أن يصل بعضنا بعضاً, أراد أن يستفيد الضعيف من القوي, يستفيد الأقل علماً من الأكثر علماً. أمية النبي وحده كمالٌ فيه لأن الله تولى تعليمه :
بالمناسبة: هناك بعض الأقوال أسمعها أحياناً: أن النبي أمي, أمية النبي وحده كمالٌ فيه, لأن الله يعلمه, يعلمه بالوحي.
أنت وازن بين أعظم أستاذ في العالم في أي اختصاص, بجامعة عريقة, فيها أستاذ, بلغ من العلم شأواً بعيداً, يعلّم طالباً, وهذا الطالب يفتخر بهذا المعلم, أنا أستاذي فلان.
والآن الأطباء أحياناً, يقول لك: أنا أستاذي فلان- أكبر جراح قلب- أنا أستاذي فلان, أنا علمني اللغة فلان, فكل طالب علم يفتخر بأستاذه، فإذا كان أعلم علماء الأرض يعلّم طالباً, والطالب يفتخر بأستاذه, النبي من يعلمه؟ الله جلّ جلاله, فالمسافة بين أعلى أستاذ وبين الله عز وجل مسافة كبيرة جداً, خالق, انظر الكون كله؛ علم الله عز وجل, حكمته, رحمته. فالنبي يعلمه الله لذلك: وعاء النبي صاف, لا يوجد فيه غير وحي من الله, وهي حكمة ربنا البالغة.
لو أن النبي كان على اتصال, أو اطلاع على الثقافة المعاصرة, أي قرأ, دخل جامعة, لو فرضنا جاء في عصر فيه جامعات, وأخذ شهادة عليا, أخذ علم نفس, أخذ تاريخاً, ثم جاءه الوحي, فصار كلامه مختلطاً, يا ترى كلامك هذا -يا رسول الله- من الوحي أم من ثقافتك؟ دخلنا في متاهة.
أراد الله عز وجل أن يبقى وعاء النبي نظيفاً من كل ثقافة أرضية, وأن الوحي وحده هو الذي يعلمه, وهذا كلام طيب.
الثقافة التي تُؤخذ صدفة لا تشكّل إيماناً:
الآن: نحن لا يوجد عندنا وحي, فإذا ما تعلمنا من بعضنا نبقى جاهلين, الأمية في حقنا نقيصة, وصمة عار, فلان أمي, أي جاهل.
إذا قلنا: النبي أمي, أي هو أعلم علماء الأرض, لأن الله يعلمه، فلذلك قضية أن الإنسان يصلي جماعة, يكون له درس علم, لا يوجد طريقة ثانية.
هناك تعبير مضحك, يقول لك: فلان ثقافته من عنده, أي ليس دارساً لمنهج معين, لم يدرس على يد معلم, قرأ مقالة, سمع في الإذاعة في برنامج ديني كلمة, مرة حضر عقد قران فسمع كلمة دين, فجمع فتاتاً, نتفاً نتفاً, ملاحظات هكذا شاردة, غير مركزة, جمعها, كون ثقافة مضحكة, ثقافة غير متكاملة, غير رصينة, غير قوية, أما إذا طلب العلم طلباً حثيثاً؛ طلب العلم من منبعه, طلب العلم من مظنة العلم, طلب العلم من رجل يثق بعلمه, فسيبني بناء دقيقاً.
مثلاً: إنسان مثقف, عنده مجلة طبية، يجلس مع بعض الأطباء, يسمع بعض الأفكار, هذا إنسان يُعد عالماً بالطب؟ إطلاقاً, هذا عنده ثقافة طبية لا تؤهله لأن يكون طبيباً إطلاقاً.
من يريد أن يدرس الطب مثلاً, في أول سنة يعطونه علوم, رياضيات, وفيزياء, وكيمياء, في السنة الثانية يأخذ تشريحاً وصفياً, بعد ذلك فيزيولوجيا, بعد ذلك علم الأمراض, بعد ذلك علم الأدوية؛ ثم يعمل التدريبات ليأخذ شهادة عليا, بعد ذلك يعمل اختصاصاً, يعطونه اختصاصاً دقيقاً جداً, يتدرب على يد أطباء مهرة في مستشفيات راقية جداً؛ سنتين, ثلاثة, أربعة, هذا يقال له: طبيب, لأنه مارس اختصاصاً, أما كل إنسان قرأ مجلة طبية, وجلس مع بعض الأطباء, فهل يعقل أن يكون هذا طبيباً؟
فهذه الثقافة التي تُؤخذ صدفة؛ من عقد قران, من خطبة جمعة تائهة, من مقالة تقرؤها, من إمام مسجد, قال لك كلمتين هذه لا تشكل إيماناً, لا تشكل علماً؛ لذلك صلاة الجماعة, وارتياد المساجد, لزوم أهل الحق, من أجل أن تكون عالماً, أنت لا يوجد وحي يعلمك.
العلم لا يأتي إلا عن طريق التعلم حصراً :
إنسان يدّعي أنه تأتيه أوراد من الله, هذا نوع من الدجل أحياناً, لأن النبي ماذا قال:
(( إنما العلم بالتعلم))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
أي أنتم أيها المؤمنون لا يوجد عندكم طريق إلى التعلم, لا يوجد شيء, نحن نأخذ عن الرزاق, وتأخذ أنت عن عبد الرزاق, هذا كلام فيه دجل, لا يوجد طريق للعلم إلا التعلم, ويوجد أحياناً وهم كثير, و شطحات.
أي أنا أغمض عيني, تأتيني معلومات من الله, معنى هذا أن هناك وحياً، الوحي انقطع, وكل إنسان يدّعي أن الوحي مستمر فقد كفر, الوحي انقطع بموت النبي عليه الصلاة والسلام.
فكلمة أن هناك أوراداًَ, و إشراقات, هذه صحيحة, لكن بحالات دقيقة جداً ذُكرت، من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، أي صار هناك طلب علم, وصدق, وتطبيق, ممكن أن يلقي الله عز وجل في قلبك معنى معيناً, يلقي في قلبك فهماً معيناً, هذا بعد أن تطلب العلم، ولا تنسى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
وأدق ما في الحديث كلمة (إنما)، أي العلم لا يأتي إلا عن طريق التعلم حصراً, لذلك: الإنسان لو عاش وحده يعيش بجهل، لذلك النبي قال: ((من بدا جفا))
[أخرجه أبو يعلى عن البراء]
أي من أقام في البادية, صار طبعه جافاً, لم يطلب العلم, لأن العلم يهذب, لا تعرف قيمة العلم إلا من حالة واحدة, الذي له مجلس علم؛ من سنتين, ثلاث, أربع, لو جلس مع إنسان ما طلب العلم إطلاقاً ساعة يعرف قيمة نفسه؛ من كلام فارغ, من تعليقات سخيفة, من كلام بذيء أحياناً, من طرف جنسية, تجد هذا ليس مهذباً, كلمة مهذب عمل عظيم، أي إنسان طلب من الله عز وجل الكمال, إنسان استقى الكمال من منبعه. على الإنسان ألا يجعل يمينه عرضة بينه وبين الخير :
لذلك هذا الحديث له دلالة كبيرة:
((إذا حلفت على يمين, فرأيت غيرها خيراً منها, فكفر عن يمينك, ثم ائت الذي هو خير))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة]
فراجع نفسك, إذا حلفت يميناً ألا تفعل عملاً معيناً والعمل فيه خير, بكل بساطة كفر عن يمينك, وافعل الخير, لا تجعل يمينك عرضة بينك وبين الخير: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾
[سورة البقرة الآية:224]
أنواع الأيمان :
1 ـ اليمين اللغو :
أنا حالف؟ لا, هذا اليمين ليس عقبة, كفر عنه, وائت الذي هو خير, إلا في حالات: هناك يمين لغو, ويمين منعقدة, ويمين غموس, ثلاثة أنواع للأيمان؛ في اليمين اللغو مثلاً يكون الإنسان في أشد حالات الجوع, يدخل إلى بيت و هم يضعون الطعام على المائدة, يقولون له: تفضل, فيجيب: والله لست جائعاً, تقول: والله وأنت تموت من جوعك؟! هذا نوع من لغو اللسان, وهذا أيضاً عليه مؤاخذة، الله عز وجل قال: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 89 ]
أي لا تقل والله, شكراً, لا يوجد رغبة لي في الأكل, هذا الكلام الصحيح, لا يوجد عندك رغبة في أن تأكل عند فلان, لا تريد أن يحسبها عليك طعاماً, أو لك إشكال معين, أو دخلت إلى عند مريض مثلاً, وعنده مرض معد, قدموا لك كأس عصير, لعل هناك مشكلة بالعصير, مع أن النبي نهانا أن نأكل شيئاً عند المريض.
أولاً: لم يبق هناك حرج لأن هناك أمراضاً معدية, يا ترى الكأس صنعوها باهتمام أم بدون اهتمام؟ ينتقل المرض. فالإنسان لا يرغب أن يشرب مثلاً؛ لكن لا يقل: والله, عندما قال: والله, أصبح هناك يمين, والله قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
[سورة المائدة الآية:89]
لذلك كان أبو حنيفة النعمان- رحمه الله تعالى- يدفع ديناراً ذهبياً عن كل يمين صادقة حلفها، لأن الله قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
[سورة المائدة الآية:89]
والإنسان كلما أكثر من اليمين اهتزت مكانته.
عود من حولك على كلمة لا, أو نعم, لا تحلف يميناً, ابق من دون يمين, أكثر شيء في البيع و الشراء؛ تجد البائع حلف خمسين يميناً؛ بذمته, بأمانته, بأولاده, بالكعبة, بالقرآن, رأسمالها أكثر, هل يعقل من أجل بيع قميص أن تحلف خمسة أيامين؟
والنبي قال: ((اليمين الكاذبة منفقة للسلعة, ممحقة للبركة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
[سورة المائدة الآية:89]
عن يمين اللغو. 2 ـ اليمين المنعقدة :
أما المنعقدة فيُكفر عنها, وهناك تعبير فقهي دقيق أن الله عز وجل قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
[سورة التحريم الآية:2]
هناك تحلة, وهناك تكفير؛ تحلة اليمين قبل الحنث بها, والتكفير بعد الحنث بها.
إنسان حلف ألا يزور أخته, فإذا أطعم عشرة مساكين ثم زارها, هذا تحلل من يمينه, أما إذا زارها وحنث بيمينه, فكفّر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين، إذا دفع المبلغ قبل أن يزورها هذا تحلل من يمينه, أما إذا دفع المبلغ بعد زيارتها فهذا كفّر عن يمينه, التكفير بعد الحنث والتحلل قبل الحنث. 3 ـ اليمين الغموس :
اليمين الغموس تغمس صاحبها في النار, اليمين الغموس تحتاج إلى أن تجدد إسلامك, إلى أن تعلن الشهادة, اليمين الغموس ليس لها كفارة لأنها تخرج صاحبها من الدين: ((من حلف على يمين ليقتطع بها مال رجل لقي الله تبارك وتعالى وهو عليه غضبان))
[ صحيح عن معقل بن يسار]
وسميت هذه اليمين يميناً غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار, والقضاء يستخدم اليمين الحاسمة الآن إذا كان هناك خلاف على مبلغ من المال, لا يوجد وثائق, يدعى لحلف اليمين, فإذا حلف فهو عند القاضي بريء, أما عند الله فقد يكون غير بريء.
والمشكلة الآن التي لا تصدق أنه إذا دعي المتهم لحلف اليمين, يقول لك: جاء الفرج, يحلف, والله عز وجل له وسائل متعددة في معالجة هؤلاء الأشخاص, أحياناً يقصمهم فوراً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : ما يبدأ به الخطبة من أقوال وأدعية.





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ما يبدأ به النبي من أقوال وأدعية في خطبته :
أيها الأخوة الكرام: كان عليه الصلاة والسلام إذا خطب يبدأ خطبته بهذه الأقوال:
((من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له))
[أخرجه مسلم والنسائي عن جابر بن عبد الله]
أي إن الهدى -كما ورد في القرآن- هدى الله, ليس هناك هدى غير هدى الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
[سورة يونس الآية:32]
والحق لا يتعدد, والحق واحد, والحق هو ما جاء عن الله عز وجل.
والشيء الدقيق أنه عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يبين له: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 272]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة القصص الآية:56]
أما معنى ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾
أي أنت لست مسؤولاً عن هدايتهم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة الشورى الآية:52]
دعوتك حق, ومكلف أن تدعو, ولست مسؤولاً عند عدم استجابتهم, السبب أن الإنسان مخير, والشيء الثاني: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة القصص الآية:56]
فالإنسان لأنه مخير؛ سيد الخلق, وحبيب الحق, ومن أوتي جوامع الكلم, أوتي المعجزات, أوتي الوحي, لا يستطيع أن يهديه, والدليل: أناس عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام ولم يهتدوا؛ هل هناك أفصح منه؟ هل هناك ألطف منه؟ هل هناك أحكم منه؟ على الإنسان أن يتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة فإذا أرادها فكل شيء يدله عليها:
فالنقطة الدقيقة الآن هناك آيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:248]
أي الإيمان قبل أن يهتدي إلى الله عز وجل, المقصود بالإيمان الذي هو قبل الهدى أن يتخذ الإنسان قراراً بالبحث عن الحقيقة, فإذا أرادها فكل شيء يدله عليها, وإذا لم يردها لو عاش مع الأنبياء والمرسلين, ورأى بعينه أن البحر أصبح طريقاً يبساً, وهكذا رأى اليهود:
ٌ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:138]
الشيء المحير في القرآن الكريم أكثر من مئة آية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾
[سورة البقرة الآية:2]
في القرآن: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:2]
لو إنسان متق يهتدي بهذا القرآن, إذا كان هناك شيء قبل القرآن, فقبل القرآن أوتينا الإيمان, أي إيمان: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:248]
إذاً هذا القرآن يريد تقوى سابقة, الآن: الآيات الكونية, هذه الآيات لمن كان مؤمناً, فالإنسان إذا أراد الحقيقة طلبها, بحث عنها, أي شيء يدله عليها, وإذا لم يردها لو التقى بكل الأنبياء, ورأى بعينه المعجزات، لن يهتدي.
قوم ثمود طلبوا أن ينشق الجبل عن ناقة, انشق الجبل عن ناقة, فعقروها؛ قد ترى كل المعجزات, وقد تلتقي بكل الأنبياء, ومع ذلك لا تؤمن, وقد لا تصلك معجزة ولا آية, إنسان عادي جداً يعيش بين الناس لأنه أراد الحقيقة يصل إليها. القرآن الكريم هدى للمتقين :
إذاً: كل آية تشير إلى أن القرآن هو هدى للمتقين, وأن هذه الآيات: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:248]
معنى ذلك أنك إذا بحثت عن الحقيقة, أو اتخذت قراراً بالبحث عنها, تجدها.
ذكرت من يومين مفارقة حادة نحن كنا صغاراً, كان هناك آلات تصوير عبارة عن علبة, علبة فقط, فيها فتحة, عدسة, ويوضع فيلم, كل فيلم صورة, قطعة واحدة, كان ثمنها حوالي خمس ليرات, الآلة كلها بخمس ليرات, الآن: يوجد آلات ثمنها حوالي ثمانمئة ألف, حالات معقدة جداً, للمحترفين, ائت بآلة, ثمنها ثمانمئة ألف من دون فيلم؛ مهما لقطت مناظر جميلة, مهما وجهت إلى أماكن نادرة, إلى أماكن تاريخية, كل هذه الآلة, ودقة هذه الآلة, لا قيمة لها, الآن: ائت بأرخص آلة تصوير على الإطلاق ضع فيها أرخص فيلم تلتقط أجمل ما تريد.
طلب الحقيقة هو الفيلم, فإذا كان بأبسط آلة تنطبع فيه الصورة, وإذا فُقد من أغلى آلة, الآلة ليس لها قيمة.
فالقصة أن الإنسان يطلب الحقيقة, فإذا طلبها وجدها؛ وجدها في القرآن, وجدها في أفعال الله, وجدها في خلق الله, وجدها في أفعال الله معه.
من أراد الحقيقة فكل شيء في الكون يدله عليها :
الآن الإنسان عندما يتفتح ذهنه, وتتفتح بصيرته, يلاحظ هنا يوجد توفيق, هنا يوجد تعتيم, هنا شرح صدر, هنا ضيق صدر, هنا إقبال, هنا حجاب.
والحقيقة لن تكون مؤمناً إلا إذا فهمت عن الله, فالله عز وجل يخبرنا أننا مخيرون, وأنك لو التقيت بالأنبياء جميعاً, أبو لهب ألم يلتق بالنبي؟ اليهود ماذا قال الله عنهم؟ قال:
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:146]
انظر التشبيه, أي هل هناك معرفة أقوى وأبلغ وأثبت وأسرع من أن تقول هذا ابن فلان الذي أنت أنجبته وربيته صغيراً وكبر؟ فأقوى معرفة, وأسرع معرفة, أن تعرف ابنك, قال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:146]
لأنهم لم يبحثوا عن الحقيقة, أنكروها, وكفروا بها.
أحياناً طبيب باحث, يصل إلى حقائق لو رآها مؤمن لذاب من خشية الله؛ يصل للنسج, يصل للزمر الدموية, يصل للزمر النسيجية, للمورثات, للهندسة الوراثية, يجد شيئاً دقيقاً دقيق في الجسم, ومع ذلك يشرب الخمر, ولا يصلي, وقد يزني.
فإن أردت الحقيقة فكل شيء في الكون يدلك عليها, وإن لم تردها لا يوجد شيء يدلك عليها. من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل نفسه عن الله فلن يجد له ولياً مرشداً :
لذلك: أناس عاصروا النبي, وكفروا به, وأرادوا قتله, وكادوا له, وهو قمة في الكمال, هذا معنى قول النبي: "من يهد الله فهو المهتد, ومن يضلل نفسه عن الله فلن تجد له ولياً مرشداً".
هو أراد الدنيا, اختار أن يبتعد عن الله, اختار الشهوة, اختار الدنيا, - لن تجد له ولياً مرشداً-, أما إذا أراد الحقيقة فسيصلها.
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا خطب يقول: ((من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له))
[أخرجه مسلم والنسائي عن جابر بن عبد الله]
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((....أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ...))
[ مسلم والنسائي، واللفظ له عن جابر]
التطوير في الدين خطير جداً لأنه من عند الله عز وجل :
الشيء الثاني في هذا الدرس: أنا ممكن أن أطور, أغير, أبدل, أرقى بالدنيا, أطور الدنيا, أطور المساكن, أطور الطرقات, أطور وسائل كسب الرزق, أطور مثلاً الماء, أجعله بالصنابير في البيوت, أطور المراكب, أطور وسائل المعيشة, أما الدين فلا يحتمل أية زيادة, السبب أن الدنيا من صنعنا, أما الدين فمن عند الله.
نحن بحسب خبراتنا نعمل شيئاً, هناك خلل, هناك خطأ, نعد له, نزيد عليه, نحذف منه, وأمامكم السيارات؛ كل سنة يوجد موديل, يوجد شكل, يوجد ميزات, يوجد نواقص, يوجد زيادات, لأنه حسب الخبرة, والخطأ, والصواب, نعمل تصويباً؛ فالابتداع, والتطوير, والتجديد, والتغيير, والتحديث, هذا ممكن أن يكون في الدنيا, ولا شيء عليه, أما التطوير في الدين فخطير جداً, الدين لا يُضاف عليه, ولا يُنتقص منه؛ لأنه من عند الله عز وجل, مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((إن الله يبعث على رأس كل مئة عام من يُجدد لها دينها))
[ المستدرك عن أبي هريرة]
وقد يفهم الإنسان من التجديد شيئاً غريباً جداً، مثلاً بناء نريد أن نجدده؛ نعمل طابقاً زيادة, نعمل ملحقاً, سوراً, نلغي غرفة, أما التجديد في الدين فأن تُزيل عنه ما علق منه مما ليس منه فقط, بناء قديم, كان حجره أبيضاً, صار أسوداً, التجديد أن أزيل هذه الطبقة السوداء عن الحجر, فيعود كما كان.
فأي محاولة للتجديد هي أن نعود إلى الدين؛ إلى أصله, إلى الكتاب والسنة, إلى ينابيعه, إلى صفائه, إلى بساطته, إلى تكامله, الآن: الدين متكامل؛ معرفة, سلوك, اتصال بالله. التطوير والتغيير والتعديل والتبديل والابتداع بالدنيا فقط و ليس بالدين :
من علامات انحراف المسلمين؛ مسلمون ركزوا على المعرفة فقط وأهملوا الاتصال بالله, هذا أصبح ابتداعاً بالدين, أي أخذ كلية من كليات الدين, وكبرها, جعلها الدين كله, مسلم آخر أخذ كلية ثانية – القلب- أهمل العلم, وأهمل السلوك, واعتنى بالقلب, هذا ابتداع بالدين, أما يجب أن تتحرك بالكليات الثلاث؛ بالكلية المعرفية, والكلية السلوكية, والكلية الجمالية, عندئذ تتفوق.
الآن هناك ابتداع آخر: إنسان أخذ فرعاً من فروع الدين, فرع بسيط جداً, لم يأخذ أصلاً, أخذ فرعاً, جعله أصلاً, تعلم مثلاً المواريث, جيد, جعل الدين كله مواريث, هذا أيضاً ابتداع, المواريث لبنة البناء, فمن اهتمامه فيها كبرها حتى جعلها الدين, وقاتل من أجلها, واستعلى على الناس بها, وقد غاب عنه أنها فرع من فروع الدين، فلذلك:
((....شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ...))
[ مسلم والنسائي واللفظ له عن جابر]
فالتركيز اليوم على أن التطوير, والتغيير, والتعديل, والتبديل, والابتداع بالدنيا, والاتباع, والتقيد بالعقيدة, والعبادة في شأن الدين, فلذلك كل إنسان يزيد على الدين يتهمه, ينتقص منه يتهمه.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : هدية فى ذكر الموت


الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر الموت :
أيها الأخوة الكرام: من هدي النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر الموت, وقصر الأمل, والمبادرة بالعمل, وفضل طول العمر لمن حسن عمله, والنهي عن تمني الموت، أي علاقة الإنسان بالموت.
النبي عليه الصلاة والسلام له هديٌ في هذا الموضوع، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بِمَنْكبي - أي بكتفي- فقال: كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ، أو عابِرُ سَبيلٍ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن ابن عمر]
الآن: أحدنا إذا ذهب إلى بلد, ونزل في فندق, في غرفة الفندق وجد خطأ في الستائر, هل يتألم؟ ليلة واحدة, هل يشعر أنها قضية كبيرة لا يوجد لها ذوق مثلاً؟ لا, ليلة واحدة, ستمضي كيفما كان.
شعور الإنسان أنه غريب تُحل بهذا الشعور كل مشكلاته, شعور البقاء والديمومة تنشأ منه كل المشكلات.
فالإنسان أحياناً يعتني, يعتني, يعتني, وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري؛ فكم من إنسان بنى ولم يسكن؟! حصَّل شهادة ولم ينتفع بها؟! عقد قرانه ولم يدخل؟! فكن في الدنيا كأنك غريب.
الإنسان حتى في بيت المصيف قد يقنع بأبسط الأثاث, بأبسط الأدوات, يقول لك: قضية شهر أو شهرين.
فالشعور بالغربة يقتضي أن يمتص كل المشكلات, والموت من ميزاته: ((ما ذكر في كثير إلا قلله, ولا في قليل إلا كثره))
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ زَادَ النَّسَائِيّ عن أبي هريرة]
هناك مفارقة, الذي له حجم مالي كبير, الموت ينهيه, الموت ينقله إلى الصفر, الذي جمَّعه في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة, وما كان يعاني من مشكلات كثيرة في الدنيا الموت ينهي كل هذه المشكلات, وإذا كان له عند الله عملاً طيباً يفتح له أبواب الأمل. الموت أخطر حدث في حياة الإنسان :
لذلك موضوع الموت هناك من يتوهم أنه قضية تشاؤم, لا أبداً, الموت أخطر حدث في حياة الإنسان, والله عز وجل قدمه على الحياة قال:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾
[سورة الملك الآية:2]
هذا كلام خالق الكون, لو كلام إنسان أقول: قدم الموت على الحياة هكذا بلا سبب.
الإنسان أحياناً يقدم كلمة على كلمة ولا يعني شيئاً, ولا يقصد شيئاً, قدم كلمة على كلمة, أما عندما الإله العظيم بكلامه الحكيم يقدم الموت على الحياة فلأنه أخطر حدث في حياة الإنسان.
بالحياة هناك آلاف الخيارات, أما في الموت فخياران لا ثالث لهما؛ إما إلى جنة يدوم نعيمها, أو إلى نار لا ينفد عذابها.
لا يتناقض الموت مع أن تؤسس عملاً, مع زواج, مع تأسيس شركة, مع نيل شهادة, هذا الشيء من إعمار الأرض, ومن لوازم الحياة الدنيا أن يكون معك شهادة عليا, عمل جيد, تزوجت, أسست بيتاً, هذا لا يتناقض مع الموت, أما المعصية فتتناقض مع الموت, عدم طلب العلم يتناقض مع الموت. من غفل عن الموت يأتيه كالصاعقة :
النبي عليه الصلاة والسلام من أساليبه الحكيمة أخذ بمنكبي - من باب المودة, من باب الاهتمام-, كأنه أخذ بمنكبي وهزهما قال:
((.... كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ، أو عابِرُ سَبيلٍ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن ابن عمر]
وأجمل شيء في الحياة ألا يتفاجأ الإنسان, فالذي توقع الموت, ثم جاء الموت, لا يفاجأ به, أما الذي غفل عنه, فيأتي الموت كالصاعقة: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية:83]
الموت يأتي كالصاعقة تماماً.
أكثر من مئات الدعاوى تُشطب لموت أحد الطرفين؛ دعوى ثماني سنوات, ومحامون, ونفقات, وتوتر أعصاب, يموت الإنسان, ولا يرى نتيجة هذه الدعوى أحياناً, أي هناك مفاجآت كثيرة في الحياة. الإنسان بلحظة يكون على مشارف الجنة أو النار:
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((الجنةُ أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نعْلِه والنارُ مثل ذلك))
[أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود]
جنة أو نار.
زارنا البارحة طبيب في الخطبة فحدثنا أن الإنسان إذا أفرغ مثانته فجأة, -ممتلئة وأفرغها- قد ينشأ نهي لحركة القلب.
كان في سفر إلى أمريكا, راكب من الركاب دخل إلى دورة المياه وخرج, وقع في أرض الطائرة, نبضه يكاد يكون معدوماً, صار هناك نهي, يبدو أنه شرب مشروباً, والمشروب يعمل إدراراً, فالمثانة امتلأت, دخل وأفرغ المثانة فجأة صار هناك نهي لقلبه، فالإنسان إذا أفرغ مثانته فجأة, هناك مشكلة, إن شرب الماء واقفاً وكان في المعدة مادة حارة والماء بارد, هناك عصب بين القلب والمعدة اسمه العصب الحائر, وفي حالات كثيرة يقف القلب؛ كان شخصاً صار نعوة, كان شخصاً صار خبراً.
والآن يكثر كثيراً الموت الفجائي, إذاً الإنسان بلحظة صار في القبر؛ بلحظة صار على مشارف الجنة إذا كان مؤمناً, وعلى مشارف النار إن كان كافراً، فقال عليه الصلاة والسلام: ((الجنةُ أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نعْلِه، والنارُ مثل ذلك))
[أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود]
من زاوية عقلية محضة كل جهود الإنسان موقوفة على فتحة الشريان, أو على نمو الخلايا, أو على سيولة الدم, أما الذي له عمل طيب في الآخرة, فما قامر أبداً, قال لهم: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾
[سورة طه الآية:71]
﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾
[سورة طه الآية:71]
فرعون لسحرته: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾
[سورة طه الآية:71-72]
الموت تحفة المؤمن و وقت قبض الجائزة :
كلمة فرعون الآن ليس لها قيمة كثيراً, أما في عهده فمخيفة، أي اقتلوه, كلمة اقتلوه يكون قد انتهى:
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:72-73]
كشفوا الحقيقة؛ الأصل الأبد, الأصل الجنة, الدنيا مؤقتة.
فلذلك الإنسان عندما ينقل كل اهتماماته للآخرة الدنيا تغدو صغيرة جداً, حتى الموت سهل, ما الموت؟ الموت تحفة المؤمن, الموت عرس, الموت وقت قبض الجائزة, فتجد الصالحين أجمل ساعات حياتهم عند لقاء الله عز وجل.
بطولتك أن تهيىء نفسك إلى درجة أنه إذا جاء ملك الموت فأنت أسعد الناس, أما عند الناس جميعاً فالموت أكبر مصيبة.
إنسان رتب بيته, وزينه, ورتب الجبصين, و كل وسائل الجمال في البيت هيأها, صار معه مرض عضال - أي صار معه ألم لا يحتمل- زاره قريب لي فقال له: الآن بعد أن أموت تأتي زوجتي تتزوج إنساناً يأتي إلى البيت؛ و البيت مرتب, جاهز, شعر بالإحباط, ولا يوجد شعور أصعب من الإحباط, أنت تعبت جاء إنسان آخر أخذ كل تعبك, أما إذا عمل الإنسان للآخرة فعند الله عز وجل كله محفوظ؛ أوقاته كلها محفوظة, إنفاقه كله محفوظ, جهوده كلها محفوظة, كلامه كله محفوظ.
أعقل إنسان الذي يستغل حياته الدنيا للعمل الصالح :
لذلك أعقل إنسان الذي يستغل حياته الدنيا للعمل الصالح, والدنيا تأتي وتذهب؛ إن أتت لا نحفل بها, وإن ذهبت لا نأسف عليها, لأنها مؤقتة, أي هي أحقر من أن تكون عطاء من قبل الله وأحقر من أن تكون عقاباً.
الخطبة النبوية الشريفة:
((فمن عرفها لم يفرح لعطاء, ولم يحزن لشقاء؛ -لأن العطاء مؤقت, والشقاء مؤقت-, قد جعلها الله دار بلوى, وجعل الآخرة دار عقبى, فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً, فيأخذ ليعطي, ويبتلي ليجزي))
إذا النبي قال: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
أكثروا أي اذكروا؛ كل يوم, وكل وقت, وهيىء نفسك بالعمل الصالح, بالتوبة, بالاستقامة, يقول شخص: أنا شاب, عمري عشرون عاماً, ما لك والموت!؟
والله أكثر من قصة تسمعها خلال شهر أيضاً شاب بالاثنين والعشرين, بالثلاثة والعشرين, جاءت منيته فجأة بحادث, أو بمرض مفاجىء, أو .....
لنا أقرباء, عندهم شاب على سبع بنات, عمره اثنان وثلاثون سنة, متزوج, أي آخذ جزءاً من عقل الأب والأم, سبع بنات وشاب, مات فجأة بنهي قلبي من حوالي أسبوعين, أمه صار معها سرطان من شدة الألم عليه, الموت لم يدخل في الحسابات.
فالموت قريب, أمدّ الله عز وجل في عمرنا: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]
لكن بعد أن تستقر مع الله اطلب العمر الطويل لا يوجد مانع.
الدنيا محببة وللمؤمن محببة من نوع ثان, لأنه كلما عاش أكثر كسب عملاً أكثر, لا يوجد مانع, تنسجم مع فطرتك, الحياة محببة, حتى المؤمن يحب الحياة؛ لأنه يزداد عملاً صالحاً, يزداد إقبالاً, يزداد بذلاً, يزداد عطاء, هذا الشيء طيب بعد أن تستقر مع الله هناك توازن داخلي, تصطلح معه, أمورك كلها واضحة, اطلب العمر المديد, أما عمر مديد على معاص! فالعياذ بالله.
لذلك الدعاء النبوي: ((اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا, واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير, واجعل الموت راحة لنا من كل شر))
من شدة الفتن في آخر الزمان أن الإنسان يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((بادروا بالأعمال فِتناً كَقِطَع الليْلِ المظلم، يُصبحُ الرجلُ مؤمِناً ويُمْسِي كافِراً، ويُمسِي مُؤمِناً ويُصبْحُ كافِراً ، يَبيعُ دِينَهُ بِعَرَضِ من الدُّنْيا قليل))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
من شدة الفتن في آخر الزمان الإنسان قد يكفر بسبب امرأة, قد يكفر بسبب شهوة مستعرة, فالشهوات مستعرة, يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
أعرف رجلاً -هكذا سمعت عنه في المدينة المنورة- عمره خمس وستون عاماً, جاء بصحن وترك الصلاة, في الخامسة والستين انتكس؛ جاء بصحن وسهر عليه طوال الليالي, وترك الصلاة, والتفت إلى الجنس, أين هو؟ هذا باع دينه بعرض من الدنيا قليل.
يبدو في آخر الزمان الإيمان هش, والشهوات قوية جداً, فالإيمان الضعيف التقليدي لا يصمد أمام الإغراءات, ولا أمام الضغوط, لأن هناك ضغوطاً شديدة على الإنسان؛ ضغوط المعيشة, ضغوط الإنفاق, ضغوط كسب المال, ضغوط المنافسة؛ هناك ضغوط, وهناك إغراءات, والدنيا كلها ترقص الآن, الدنيا خضرة نضرة, أي كل شيء ممتع فيها, ممكن أن تنسي الموت؛ من سهرة إلى سهرة, ومن ندوة إلى ندوة, ومن فيلم إلى فيلم, ومن متابعة إلى متابعة, ممكن الدنيا أن تنسيك الآخرة وهذه من علامات آخر الزمان. ((فِتن كَقِطَع الليْلِ المظلم، يُصبحُ الرجلُ مؤمِناً ويُمْسِي كافِراً، ويُمسِي مُؤمِناً ويُصبْحُ كافِراً، يَبيعُ دِينَهُ بِعَرَضِ من الدُّنْيا قليل))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
العاقل من يدعو بطول العمر وحسن العمل :
الحديث الذي بعده:
((لا يَتمَّنَينَّ أحدُكُم الموتَ - هذه الله يقصف عمري, هذا كلام غير شرعي–, لا يَنَمَّنَينَّ أحدُكُم الموتَ؛ إِمَّا مُحسِناً فَلَعلَّهُ يَزْدادُ، وإما مسيئاً فلعله يستْعَتَبُ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
كن أديباً مع الله عز وجل, هناك أشخاص كثر يدعون على أنفسهم, أو على أولادهم, أو على أهلهم. ((لا يتمَّنَينَّ أحدُكُم الموتَ؛ إِمَّا مُحسِناً فَلَعلَّهُ يَزْدادُ، وإما مسيئاً فلعله يستْعَتَبُ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة]
أحياناً الوقت يحل مشكلة.
وهناك رواية أخرى: ((لاَ يَتَمنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ, ولا يدْعُ بهِ من قَبْلِ أنْ يَأْتِيَنَهُ؛ إنَّهُ إذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وإنه لا يزيدُ الْمؤمِنَ عُمُرُهُ إلا خَيْرا))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة]
إذا الإنسان مات توقف عمله, كلما عاش يوماً كسب أعمالاً أكثر, أدى الصلوات، النبي الكريم مرّ على قبر, وكان مع أصحابه, فقال: (( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))
[ رواه ابن المبارك عن أبي هريرة ]
هناك بيوت في حي المالكي سعرها يقدر بستين مليوناً, بيع بيت بمئة وخمسين مليوناً في المزة, هناك بيوت, و محلات بالحمراء كل متر بمليون ليرة؛ هناك مشاريع, ومعامل, و مؤسسات أسعارها لا تقدر, أما النبي عليه الصلاة والسلام فيبين أن الآخرة خير من الدنيا: ((إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلاَّ خَيْرًا))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة]
الحقيقة قال أحدهم: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]
فالإنسان كلما طال عمره يكون له عند الله رصيداً كبيراً, وليدع الإنسان بطول العمر, وحسن العمل.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-24-2018, 03:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : هدية فى الخوف



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الخوف وفضل الخوف :
الخوف مرتبط بالعلم؛ وكلما ازداد علمك ازداد خوفك من الله, وكلما قلّ العلم قلّ الخوف. أوضح مثل: علم الطبيب يدفعه إلى أن يخاف من الجراثيم, مبالغته في تنظيف الفواكه والخضروات دليل علمه بآفات هذه الجراثيم, ولن تجد إنساناً يعرف الله إلا وهو يخافه, وأشد الناس خوفاً من الله هو رسول الله، قال: ((رأس الحكمة مخافة الله))
[ رواه البيهقي عن عبد الله بن مسعود]
وأقلهم خوفاً من الله أجهلهم، فالعلم والخوف مرتبطان, والخوف علامة علمك, أنت حينما تعرف أن الله عادل تخاف من بطشه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية:12]
وحينما تعلم أن كل المخلوقات هي مخلوقات الله عز وجل, هو وليها, وسيحاسب عنها, لا تستطيع أن تتجاوز حدك مع مخلوق, لا مع إنسان بل مع مخلوق.
فلذلك كما كنت أقول دائماً: أنت رحيم بقدر ما أنت مؤمن, وأنت خائف من الله بقدر ما أنت مؤمن؛ فكلما ازداد إيمانك ازداد خوفك من الله. الخوف من الله دليل الإيمان :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سَبْعَة يظِلُّهمُ الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه, - والحديث معروف عندكم إلى أن وصل إلى ....- ورجل دَعَتْهُ امرأة ذاتُ مَنْصِب وجمال، فقال: إني أخافُ الله))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
إذا لم تقل إني أخاف الله في اليوم ألف مرة لست مؤمناً, قبل أن تقول كلمة في الغيبة, قبل أن تقول كلمة في السخرية, قبل أن تقلد إنساناً, قبل أن تستعلي على إنسان, إن لم تقل: إني أخاف الله في اليوم مئة مرة لست مؤمناً, وإيمانك بالله يقتضي أن تنصاع لأمره, وإيمانك بالله يقتضي أن تعرف ما عنده من عقاب إذا خالفت أمره.
مرة التقيت مع أخ, يومياً يصلي الفجر في أحد المساجد, ويسبق الفجر قيام الليل, أقسم لي أنه إذا فاتته صلاة الفجر يأخذ إجازة من عمله, يخاف إذا فاتته الصلاة وفاتته هذه الجلسة مع الله يخاف أن تنشأ مشكلة معه في اليوم.
أي خوفك من الله دليل إيمانك, والمؤمن يعد للمليون قبل أن يتجاوز حده. إيمان الإنسان بالله يقتضي أن يعرف ما عنده من عقاب إذا خالف أمره :
فقال: ((.....ورجل دَعَتْهُ امرأة ذاتُ مَنْصِب وجمال، فقال: إني أخافُ الله))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
سيدنا يوسف: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية:23]
العلماء تحدثوا عن سيدنا يوسف, وذكروا أن هناك أكثر من اثنتي عشرة حالة تُعينه على أن يفعل ما طُلب منه مع امرأة العزيز.
شاب في ريعان الشباب؛ جميل الصورة, غريب, والغريب معه بحبوحة دائماً، الإنسان قد يسافر فإذا سافر لا يوجد عليه رقابة, والتي دعته سيدته, وليس من صالحها أن تنقل عنه الخبر.
العلماء: أحصوا اثنتي عشرة حالة تشجعه على أن يفعل الفحشاء؛ ومع ذلك: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية:23]
فكان عبداً في القصر لأنه خشي الله عز وجل جعله الله عزيز مصر.
مرة كان في موكبه يمشي, رأته جارية تعرفه يوم كان عبداً, فقالت: "سبحان من جعل العبيد ملوكاً لطاعته".
وأحياناً الإنسان يخطئ، والله أعرف شخصاً وصل للغنى, عنده مكتبان للاستيراد, وسيارة, ودخل, وسفر لأوروبا, أخطأ مع امرأة, فكل هذه الأملاك ذهبت منه, والآن يبيع على البسطة في مكان ما.
فالذي يخاف الله عز وجل دليل أنه يعرفه, وأنت مؤمن بقدر ما تخاف من الله عز وجل, حاسب نفسك, كل جهة, أية جهة في الأرض؛ الله حسيبها, والله وليها, والله وكيلها؛ فهذا الذي يبتز أموال الناس, ويعتدي على الناس, وينسى أن لهؤلاء الناس رباً يدافع عنهم, هو إنسان ضعيف الإيمان. الخوف من الله أمن :
فهذا:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية:23]
سيدنا يوسف, هذا الشاب, قال للمرأة: ((إني أخاف الله رب العالمين))
كلمة إني أخاف الله على الإنسان أن يتدبرها يومياً, ساعياً, ولحظياً.
يوجد أيضاً حديث ورد عن رسول الله كثيراً, يقول عليه الصلاة والسلام: ((كَانَ رَجُل يُسْرِفُ على نَفْسِهِ, فلما حضرته الوفاة, قال لبنيه: إِذا أَنَا مِتُّ فَأحْرِقُونِي، ثم اطْحنوني، ثم ذَرُّوني في الرِّيح, فو الله، لئِن قَدَرَ عليَّ ربِّي, لَيُعذِّبَني عذاباً ما عذَّبَه أحداً، فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجْمَعي ما فِيكِ منه، ففعلتْ، فإذا هو قَائِم، فقال: ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ؟ قال: خَشْيَتُك يا ربِّ، أو قال: مَخَافَتُكَ, فغفر الله له))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
طبعاً هذه القصة رمزية؛ أن الذي خشي الله عز وجل مع إسرافه غفر الله له.
سبحان الله! الإنسان الذي يخاف من الله يكون قدره عند الله كبيراً.
وأنا أقول دائماً: مستحيل أن تخاف الله فيما بينك وبينه, وبعدها يُخيفك من أحد, مستحيل إن خفت منه لن يخيفك من أحد, وإن لم تخف منه أخافك من أحقر خلقه.
تجد شخصاً محترماً, عندما يفعل فيما بينه وبين الله معصية, ولا يستحي من الله, تجد يضعف موقفه, شخص دونه بكثير؛ دونه بالعلم, دونه بالمنصب, دونه بالمكانة, يخاف منه، فمن خاف من الله خافه كل شيء، ومن لم يخف من الله أخافه الله من كل شيء.
تجد قلب المنحرف ضعيفاً, سريع الشك, كثير الخوف, هو حينما لم يخف من الله أخافه الله من الناس. المواطن التي يحاسب فيها الإنسان على أفكاره و هواجسه :
أيضاً يقول الله عز وجل: ((إذا أراد عبدي أنْ يَعْمَلَ سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يَعْمَلَها))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
وهذا من فضل الله عز وجل, أي الخواطر, الهواجس, الأوراد, الأفكار, لا يُحاسب عنها الإنسان, إلا في موطنين؛ بيت الله الحرام له خصوصية, الإنسان إذا فكر في إيذائه ولم يفعل شيئاً يحاسب: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[سورة الحج الآية:25]
يكفي أن تفكر أن تؤذي بيت الله الحرام, على الخاطر يأتي الحساب, هذا البيت له حرمته؛ لا يُقطع نباته, ولا يُقتل حيوانه, ولا يُعتدى على أحد, فيه الثأر يتوقف, في الشهر الحرام, وفي البيت الحرام, لا رفث, ولا فسوق, ولا جدال, هذا بيت الله, ينبغي أن يكون آمناً إلى أعلى مستوى؛ هذه حالة.
الحالة الثانية: -وهذه خطيرة -, الحالة الثانية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة النور الآية:19]
لم يفعل شيئاً, ولم يتكلم بكلمة, ولم ينطق بكلمة, ولا غمز, ولا همز, ولا أشار, ولا قلد, ولا كلم أحداً, إلا أنه بداخله هو مؤمن عندما أشيعت فاحشة بين المؤمنين ارتاح, سرّ. الإنسان إذا أصابه هذا الحال يعد نفسه مع المنافقين دون تردد, لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية:120]
لمجرد أن ترتاح لشيوع فاحشة بين المؤمنين, إنسان مؤمن, محترم, أخطأ, فلما أخطأ, تكلم الناس عنه كلاماً سيئاً, فهذا إذا سررت بانحرافه, وسقوطه هذا دليل النفاق.
كما لو أنني قلت: لا يوجد أم على وجه الأرض تتمنى فضيحة ابنتها, فإذا تمنت فهذه ليست ابنتها, هي أصبحت بنتاً حراماً, أما أم حقيقية, وهذه ابنتها, ومن صلبها, تتمنى فضيحتها! مثلاً صديقك تزوج، اشترى بيتاً، عيّن بمنصب لائق, هذا يجب أن يسعدك؛ علامة إيمانك فرحك, وعلامة نفاقك -لا سمح الله- أنك لا تفرح, إذا أصابه خير.
فالتحاسد من شأن المنافقين, أما أن تغبطه على ما أكرمه الله به فهذا من شأن المؤمنين, باستثناء هاتين الحالتين لا تُحاسب إلا على العمل. من أراد أن يفعل سوءاً لكنه لم يستطع هذا ليس له أجر
فلذلك:
((إذا أراد عبدي أنْ يَعْمَلَ سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يَعْمَلَها, قال: فإن عَمِلَها, فاكتبوها بمثلها, -فعلها تُكتب بمثلها-, وإن تَركَها من أجلي, فاكتبوها له حسنة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
لكن هناك استثناء، أحياناً الإنسان أراد أن يفعل سوءاً لكنه لم يستطع, حيل بينه وبين هذا العمل, هذا ليس له أجر, الأجر إذا كان طواعية من ذاتك.
أنا سمعت عن قصة قديمة جداً: شاب يفتح مكتبة بشورى, حجّ في مقتبل حياته, أي أتيح له أن يحج وهو شاب, المكتبة مفتوحة, فتاة فاسقة؛ أغرته, وغمزته, ولمزته, فأغلق المحل, ولحقها, وهو وراءها يمشي تذكر أنه حج بيت الله الحرام, فاستحيا من الله, كان وقتها هناك حافلات كهربائية فركب ونزل, -هذه القصة هو يرويها-.
في اليوم التالي وقف على دكانه أحد أشراف الحي, وجهاء الحي, وسأله بلغة قاسية: هل أنت متزوج يا بني؟ قال له: لا يا سيدي, قال له: عندي ابنة تناسبك ابعث أهلك, بهذه البساطة, هذا اعتقد أن البنت فيها علة, فيها مشكلة, فبعث والدته, وإذ وجدت أنها بنت من أحسن ما يكون, بعد يومين قال له: ماذا حصل؟ قال له: والله ممتازة يا سيدي, لكن أنا ليس معي مال, قال له: هذا ليس عملك, أحد كبار تجار الزيت في الشام, يظهر أن الشاب قد أعجبه فزوجه ابنته, واشترى له بيتاً, وشاركه, وهذا الرجل حي يرزق الآن, العم مات أما الصهر فحي يرزق.
ما الذي حصل معه؟ قال: معاذ الله, استحى من الله عز وجل, بعد أن همّ بالسيئة وجد نفسه ستضيع حجته, أين حجته؟ فتراجع.
فالإنسان إذا تراجع من تلقاء نفسه ذاتياً, من دون مانع خارجي, تنقلب هذه السيئة إلى حسنة, إذا خوفه من الله منعه أن يفعل ما يفعل تنقلب هذه السيئة إلى حسنة. على الإنسان أن يجمع بين الخوف و الرجاء في عبادة الله :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((لو يَعلمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللَّهِ من العقُوبةِ, مَا طَمِعَ بِجَنَّتِه أحد, ولو يَعْلَمُ الكافرُ ما عندَ الله من الرَّحْمَةِ, ما قَنِطَ من رحمته أحد))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
لذلك ينبغي أن نعبد الله خوفاً ورجاء, يجب أن تجمع بين الخوف والرجاء معاً.
وفي حديث آخر: ((قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم-: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ.......﴾-حتى ختمها-, ثم قال: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وَأسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماء – أي خرج منها صوت-, أطَّتِ السَّماء، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فيها مَوضِعُ قدم, إِلا وَمَلَكٌ وَاضعٌ جَبهتهُ لِلَّهِ سَاجِداً، والله لو تَعلَمُونَ مَا أعلَمُ؛ لَضحِكتُمْ قَليلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثيراً، وما تَلَذَّذْتُم بِالنِّساءِ على الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ تَجأروُنَ إِلى اللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضَدُ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي ذر]
أي لو تعلمون ما أعلم؛ مصير الخلائق, وقوفهم للحساب, الحساب الدقيق على كل تصرفات الناس, تجد الناس مثل الدابة الفلتانة؛ يضحك, ويأخذ ما ليس له, ويتعاظم, ويتكبر, أما المؤمن فمنضبط, المؤمن منضبط انضباطاً شديداً لخوفه من الله عز وجل.
فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الخوف, الخوف علامة الإيمان, كما أن الرحمة في القلب علامة الإيمان.
أنت بقدر ما في قلبك من رحمة بقدر ما أنت متصل بالله, وبقدر ما في قلبك من خوف بقدر ما أنت تعرف الله, معرفته تنعكس خوفاً منه, والاتصال به ينعكس رحمة بخلقه, -دقق هاتين الكلمتين-: معرفته تنعكس خوفاً منه, والاتصال به ينعكس رحمة بخلقه؛ ترحم الخلق لأنك تتصل به, وتخاف منه لأنك تعرفه؛ فإذا عرفته, واتصلت به, كنت رحيماً بالخلق, خائفاً من معصيته.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 07:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الواحد و العشرون )


الموضوع : هدية فى الرجاء





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الرجاء :
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الرجاء؛ البارحة في الخوف, والخوف والرجاء متكاملان, والخوف وحده من دون رجاء لا يُجدي, والرجاء وحده من دون خوف لا يجدي, والأنبياء الكرام كانوا يعبدون الله عز وجل خوفاً وطمعاً رغباً ورهباً.
والحقيقة التطرف سهل, أما التوازن فصعب؛ من السهل أن تخاف الله حتى اليأس, ومن السذاجة أن ترجو رحمته من دون عمل حتى السذاجة, أما أن تخافه بقدر ما ترجوه, فهذه محصلة الإيمان الكامل, أن ترجوه دون أن تخافه قضية سهلة فيها سذاجة جداً.
تجد إنساناً مقيماً على كل المعاصي, يقول لك: عفا الله عنا, نحن عبيد إحسان لسنا عبيد امتحان, لا يسعنا إلا رحمته وفضله, طمع في سذاجة.
وأما أن تخافه إلى درجة أن تيأس من رحمته فهذا كفر.
لذلك البطولة أن تجمع بين الخوف والرجاء؛ أن تخافه بقدر ما ترجو رحمته, أن تعبده رغباً في جنته, ورهباً من ناره.
(( يا ربي أي عبادٍك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي))
[ من الدر المنثور عن ابن عباس]
الآلاء: الآلاء للتعظيم, والنعماء: النعم للحب, والبلاء: للخوف؛ ولا يكتمل إيمان عبد حتى يجتمع في قلبه تعظيم لله, وخوف منه, وطمع في رحمته.
لذلك: أية دعوة إلى الله تعتمد على التخويف فقط, دعوة عرجاء لا تفلح, وأية دعوة إلى الله تعتمد على الرجاء الساذج, دعوة عرجاء لا تفلح, لا بد من أن تخافه بقدر ما ترجو رحمته. قضية الرحمة هي محصلة اتصال بالله عز وجل :
الحقيقة ربنا عز وجل له حكم بالغة في خلقه؛ نظام الأبوة والأمومة, هذا النظام أن البشر إنسان يحب امرأة, بدافع أُودع في أعماقه يُنجب منها ولداً, هذا الولد, علاقة الأب مع هذا الولد, والأم مع هذا الولد, نحن ألفناها, والشيء إذا اشتد وضوحه ضعف تأثيره, أما أنت لو ترى قلب الأم شيء لا يصدق؛ إنسان يعيش لإنسان, يتمنى أن يجوع ليشبع هذا الصغير, تتمنى أن تعرى ليلبس هذا الصغير, قلب الأم فيه رحمة, تنام لتوها يبكي ابنها فتستيقظ .
الآن: كلكم آباء, الذي عنده أولاد وبنات يعيش لأولاده.
ما الذي يُسعد الأب؟ أن يرى ابنه قد كبر, وتزوج, وله سمعة طيبة, يدخل على قلب الأب من السرور, ومن الراحة, ومن الطمأنينة, ومن قرة العين ما لا يوصف, حسناً لكن الأب لم يأته شيء مادي إطلاقاً.
نظام الأبوة ونظام الأمومة يُعرفنا بالله, إذا كانت الأم هكذا, فكيف رب العالمين؟
لو إنسان له ابن شارد, ابن منحرف - لا سمح الله ولا قدر- وبعد هذا الانحراف والشرود رجع إلى أبيه تائباً منيباً, لعلي أقول: يدخل على قلب الأب من السعادة ما لا يوصف. فقلب الأب قد أُودعت فيه رحمة لا تساوي واحد بالملايين من رحمة الله, والدليل العلماء يقولون: "أرحم الخلق بالخلق على الإطلاق رحمة رسول الله". أي: (( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
السبب: أكثرنا ما دام معافى, وأولاده أمامه, وزوجته معه, ومن حوله من أخوته وأخواته بخير, فهو بخير, أما من الذي يحمل هموم البشرية كلها؟ الأنبياء, هو بخير, وأصحابه بخير؛ لكن أمته ليست كذلك, إذاً يتألم. فالحقيقة قضية الرحمة هي محصلة اتصال بالله عز وجل. الإنسان يرحم الخلق بقدر اتصاله بالحق ويقسو عليهم بقدر بعده عنهم :
كما قلت البارحة: ترحم الخلق بقدر اتصالك بالحق, وتقسو عليهم بقدر بعدك عنهم, لأنه رحيم فمن اتصل به كان رحيماً, وإذا كانت رحمة الأم لا توصف فكيف رحمة الله عز وجل؟
لذلك: (( إذا قال العبد يا رب وهو راكع، يقول الله له : لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو ساجد، يقول الله له : لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو عاصٍ يقول الله له : لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك ))
[ ورد في الأثر ]
الله ينتظرنا. (( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين؟ ))
[ورد في الأثر]
فهذا الكون بُني على المحبوبية، أي الله عز وجل لأنه يحب خلقه خلقهم, خلقهم ليسعدهم؛ فالذي يرجو رحمته يعرفه, والذي لا يرجو رحمته لا يعرفه, والقانت كافر, واليائس كافر, والذي يقول: هلك المسلمون, أين الله؟ الله موجود, الإسلام لن يَهلِك, هذا دين الله, لا تقلق على دين الله أبداً, والأمر بيد الله دائماً. الإنسان بين التأديب والتكريم :
فدرس اليوم: هدي النبي في الرجاء, كما كان هديه في الخوف, والخوف والرجاء متكاملان.
المؤمن أحياناً يخاف من الله جيد, يحمله خوفه على طاعته جيد جداً, أما إذا زاد الخوف عن حدّه المعقول انقلب إلى يأس, انقلب إلى سوداوية, عندئذ ربنا عز وجل يفتح باباً من التجلي على قلب المؤمن فيسعد, يطمئن, ينتعش بهذه النفحة.
أحياناً تأتي نفحات من الله, هذه النفحات تُطمئن المؤمن, ترفع معنوياته, شعر أنه قريب من الله, فارتاح, قصر, يأتي الحجاب, يحجبه ليعود كما كان من قبل؛ فحياة المؤمن مع ربه سلسلة نفحات وأحجبة, النفحات تقربه, والحجاب يؤدبه.
والإنسان بين التأديب والتكريم؛ يتبحبح يؤدبه, يقبل يكرمه, وكلما كان الإقبال أشد كان التكريم مستمراً, وكلما كان التقصير موجوداً كان هناك تأديب.
والحقيقة المؤمنون درجات, هناك مؤمن أشد أنواع التأديب له أن يحجبه الله عنه, لا يوجد فيه شيء؛ صحته, بيته, أولاده, مكانته, كله درجة أولى, يصلي فيشعر أن هناك حجاباً.
والله عز وجل يؤدب الدعاة, يؤدب العارفين بالله, يؤدب العلماء الكبار بالطريقة, لا يوجد شيء ثان, الله عز وجل حكيم.
أي من غير المعقول أن يتأدب الإنسان وهو قدوة للناس بطريقة تزعزع مكانته؛ هذا يؤدبه بالحجاب، فالإنسان؛ كلما كان افتقاره لله شديداً, والتزامه بالحق شديداً, وطاعته لله تامة, يرفع الحجاب, تجد الطريق لله سالكاً, يغمض عينه يصبح له وجهة لله عز وجل.
الله عز وجل ما أمرنا أن نقبل عليه إلا ليقبل علينا :
فاليوم درسنا عن الرجاء, أي الله عز وجل ينتظرنا؛ ما أمرنا أن نتوب إلا ليتوب علينا, ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا, ما أمرنا أن نقبل عليه إلا ليقبل علينا، هناك بعض الأحاديث يقشعر منها الجلد: ((...إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
شبراً ذراعاً, ذراعاً باعاً, مشياً هرولة, لأن الله ينتظرنا, وكلنا مطلوبون, الله لم يخلق أناساً للجنة, وأناساً للنار, هذا افتراء على الله, حتى أبعد: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
[سورة طه الآية:43-44]
إنسان في السجون ناجى ربه, قال له: يا رب! إذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾
هكذا, فكيف رحمتك بمن قال: ﴿سبحان ربي الأعلى﴾
وإذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿ما أرى لكم من إله غيري﴾
–فرعون-, فكيف رحمتك بمن قال: ﴿لا إله إلا الله﴾
فابشروا.
عندما يقبل الله عز وجل إنساناً صار ملكاً؛ يقبله, ينفحه بنفحات منه, يحوطه برعايته وعنايته, والله لكل خلقه, لا يوجد تمايز أبداً. ثمن القرب من الله طاعته :
أروع كلمة قرأتها لسيدنا عمر عن سيدنا سعد بن أبي وقاص, الذي كان النبي الكريم يداعبه, ويقول له: "أروني خالاً مثل خالي".
سيد الخلق, إذا دخل سيدنا سعد يداعبه فيقول له: "أروني خالاً مثل خالي".
والنبي ما أُثِر عنه في كل حياته أنه فدَّى إنساناً إلا سيدنا سعد, قال له: (( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]
سيد الخلق يقول لك: ((...فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]
ومع ذلك: قال له سيدنا عمر: "يا سعد! لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله, فالخلق كلهم عند الله سواسية, ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له)).
هذه الحقيقة العظمى في الكون, ثمن القرب منه طاعته, لكن كن أي إنسان؛ من أطراف الدنيا, من أعرق الأسر، إن لم تكن كما يريدك الله عز وجل فلست بفائز.
في الحج: الإنسان, انظر كلمة حاج, أقل كلمة تُقال هناك: حاج؛ غير معروف من هو, ولا من أين أصله؟ ولا من أي بلد؟ ولا مكانته؟ إنسان يرتدي مناشف, قال: هذا الإنسان إذا أطاع الله صار قريباً منه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
الشيء الذي لا يُصدق: هناك عظماء بالحياة, هناك كبراء, هناك ملوك, بيدهم الأمور كلها؛ لكن لا يوجد طريق إليهم, لا تستطيع أن تقابلهم, لا يوجد أمل أن تصله إليهم, ولا تلتقي معهم, ولا خمس دقائق, أما ربنا عز وجل ملك الملوك فله مليون طريق كلهم سالك؛ إذا الإنسان أتقن عمله صار له طريق لله, إذا كان أباً مثالياً هذا طريق ثان, أماً مثالية طريق ثالث, ابناً مثالياً طريق رابع, إذا قرأ القرآن صار طريقاً, صلى طريق, غض بصره طريق, هو جعل لك إليه ألف طريق وطريق, بل إن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
الحديث الأول قال الله عز وجل: ((أَنا عند ظَنِّ عبدي بي, وأنا معه حيث ذكرني))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
وهناك حديث آخر: ((أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني))
[ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر]
ملك الملوك ينتظرك.
فالله عز وجل يُفرحه أن تتوب إليه, ملك الملوك يغفر لك الماضي كله, بكلمة واحدة: ﴿وَسَارِعُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
انظر: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
الماضي مغطى بالمغفرة, والمستقبل مغطى بجنة عرضها السموات والأرض, فما الذي ننتظر؟ (( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي...))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
شُرَّاح الحديث قالوا: "إذا الإنسان استغفر الله عز وجل يجب أن يغلب على ظنه أن الله غفر له, وإذا تاب يجب أن يغلب على ظنه أن الله قَبِل توبته, وإذا سأله يجب أن يغلب على ظنه أن الله سيستجيب له هذا". الرجاء جزء من الإيمان والخوف جزء من الإيمان وكل منهما شرط لازم غير كاف :
حسن الظن بالله ثمن الجنة:
(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي...))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
والله حدثني أخ كان في روسيا قال لي: أريد أن أشتري جريدة, امرأة كبيرة في السن, لمحت في جيبه مصحفاً, قالت له: أنت مسلم, قال: نعم, قالت له: أنا كنت شيوعية -ملحدة-, وكنت رئيسة الاتحاد النسائي في الاتحاد السوفييتي, فلما كبرت سني, أُحِلت إلى هذا العمل, صار معها ورم خبيث, العملية بعد يومين, قالت له: خاطبته كما يلي: "أنا لست مؤمنة بوجودك؛ لكن قالوا: إله المسلمين يشفي المسلمين, فإذا أنت موجود وشفيتني أؤمن بك".
هكذا, بهذه البساطة, امرأة على وشك الموت من هذا الورم الخبيث, بعد يومين استيقظت ولا شيء في رقبتها! وفي المستشفى صار هناك مشكلة كبيرة جداً, قبل يومين صوروها! والتزمت بالصلاة, وبالصوم.
قالت له: "أنا لست مؤمنة بوجودك؛ أما قالوا: إله المسلمين, يشفي المسلمين, فإذا شفيتني, أؤمن بك" أحسنت الظن بالله عز وجل.
ويوجد من هذه القصة ألف قصة, شيء غير كل قوانين الطب, تتدخل يد الله مباشرة.
وهناك امرأة معروفة في المغرب, مدرِّسة لغة فرنسية, مقيمة في باريس, صار معها سرطان, أعلمها الأطباء أنه بقي لها أسبوعان فقط, فقالت تمضيهم في الكعبة, فذهبت إلى الكعبة, طبعاً لأنها ميتة, قالت: أول ما طفت ثمانية عشر شوطاً بشكل مستمر, وشربت من ماء زمزم, ورأيت رسول الله في المنام, وضع يده على رأسي, -كان السرطان في رأسها-, فشفيت, رجعت إلى فرنسا, وقابلت كل الأطباء, الذين يأسوني من رحمة الله, وهناك قصص كثيرة جداً, وألفت كتاباً, الكتاب مشهور.
الله له آيات, هذا الشفاء الذاتي بحث طويل عريض, بدون أي سبب, إلا أن يد الله عز وجل الكريمة تتدخل مباشرة.
فالإنسان لا ييئس, الرجاء جزء من الإيمان, والخوف جزء من الإيمان, ولا يُغني أحدهما عن الآخر, وكل منهما شرط لازم غير كاف, لا يكفي رجاؤك, سذاجة؛ لا بد من عمل, ولا بد من أمل, العمل ينقذك من الخوف, والأمل يضعك في رحمة الله عز وجل. باب التوبة مفتوح على مصراعيه :
الحديث الثاني: عن جابر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول -قبل موته بثلاثة أيام-: ((لا يَمُوتَنّ أحدكم, إِلا وهو يُحْسِنُ الظن بالله عز وجل))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله]
أحياناً تجد في القوانين, يقول لك: هذه مستحيلة, لا يستطيع, هناك أشياء لا يستطيع أن يحلها, وزير طلب منه أحدهم أن يطوي ضريبة, فيجيبه: لا يوجد مجال, مهما كان لك علاقة طيبة بأعلى إنسان هذا شيء صعب.
وردت آية قرآنية يقول له سيدنا عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ﴾
[سورة المائدة الآية: 118]
إنسان لا يحفظ القرآن أحب أن يكملها يقول: ﴿فإنك أنت الغفور الرحيم﴾
الآية ليست هكذا: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية: 118]
الله عز وجل إذا أراد أن يعفو لا يوجد جهة ثانية تحاسبه, والله عز وجل يعفو, ويعفو عن الذنب الكثير. ((يا بنَ آدمَ، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَني غَفَرْتُ لك، ولا أُبالي))
[ الترمذي عن أنس]
والصلحة بلمحة، وباب التوبة مفتوح على مصراعيه.
وإذا قال: يا رب قد تبت إليك, يقول: عبدي وأنا قد قبلت. من لوازم كرم الله عز وجل أنه إذا غفر لإنسان ألقى في روعه أنه غفر له :
يوجد شيء ذكرته في درس من دروس الأحد -عقب مجيئي من الحج-: أن من رحمة الله عز وجل أنه إذا غفر لك يُلقي في روعك أنه غفر لك, لا يبقيك مشوشاً, يا ترى قبلني الله؟ يملأ قلبك رضى, يملأ قلبك طمأنينة, فمن لوازم كرم الله عز وجل أنه إذا غفر لك ألقى في روعك أنه غفر لك.
وأنا أرى أن أعظم إنسان في الأرض هو من كان على صلة بالله عز وجل, أي علاقته بالله طيبة.
فالمؤمن يجب أن تكون علاقته بالله علاقة طيبة؛ علاقة حب, علاقة إخلاص, علاقة شوق, علاقة انصياع, علاقة عبودية.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 07:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : هدية فى الحجامة





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
النبي في توجيهاته الطبية لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى :
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة، عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي))
[ البخاري ومسلم عن جابر]
طبعاً على موضوع الحجامة هناك عشرات بل مئات الأحاديث؛ إلا أن هذا الحديث ورد في البخاري ومسلم.
النبي عليه الصلاة والسلام في توجيهاته الطبية لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[سورة النجم:3-4]
سأضع لكم مثالاً يوضح هذه الحقيقة: النبي عليه الصلاة والسلام وجهنا إن أردنا أن نذبح شاة أن نذبحها من أوداجها فقط، وألا نقطع رأسها، لا في عهد النبي ولا في كل المراكز العلمية في عهده في أطراف الدنيا ولا بعد ألف وأربعمئة عام؛ هناك ما يفسر هذا التوجيه؛ إلا أنه أخيراً توصل العلماء إلى أن القلب ينبض بأمر ذاتي من مركز كهربائي؛ مركز يعطي من واحد إلى ثلاثين، ومركز للستين، ومركز للمئة، فإذا تعطل أحد هذه المراكز عمل الآخر، إلا أن هذه المراكز كلها سقفها مئة، الإنسان أحياناً يخاف، يواجه عدواً، يصعد درجاً، يتحمل جهداً كبيراً؛ يأتي أمر استثنائي من الكظر عن طريق الرأس؛ فيرتفع النبض إلى مئة وثمانين نبضة، فإذا قطعنا رأس الخروف- ومهمة القلب بعد الذبح إفراغ الدم كله من الدابة- إذا قطعنا رأسه تعطل الأمر الاستثنائي؛ فبقي على الأمر النظامي من ثمانين إلى مئة؛ هذا الأمر لا يكفي لإفراغ الدم، يكفي لإفراغ ربع دم الدابة؛ الربع فقط، أما حينما يبقى الرأس عالقاً فالطريق الاستثنائي سالك؛ يأتي الأمر من الكظر عن طريق الرأس فيرتفع النبض إلى مئة وثمانين نبضة، عندئذ الدم كله يخرج من الدابة، ويصبح لحم الدابة وردياً شهياً؛ وهذه هي التزكية، هذا توجيه. توجيهات النبي إنما هي توجيهات من الله عز وجل :
قبل البارحة في الخطبة ذكرت أن رئيس أكبر مركز فضائي في العالم "قاعدة سيف كيبيدي" سئل عن موضوع الشموس، فقال: الشموس بثلاثة ألوان؛ عندنا شمس حمراء اللون، وشمس بيضاء، وشمس سوداء، فالشمس الحمراء في منتصف العمر، أما البيضاء؛ فهذه الشمس الحمراء يزداد حجمها ازدياداً مخيفاً، ثم تنكمش إلى واحد بالمئة، وينقلب لونها من لون أحمر إلى لون أبيض، أما حرارتها فصارت أضعافاً مضاعفة.
هناك مرحلة ثالثة اسمها مرحلة التكديس؛ هذه الشمس ترجع إلى حجم لا يصدق؛ لو أخذنا متراً مكعباً من الحديد؛ فانكمش إلى وزن ذرة واحدة لا ترى بالعين ولا بالمجهر، كذلك هناك شموس بفعل الضغط الشديد تغدو سوداء؛ طبعاً الحر أيضاً، ملايين الأضعاف بالحر، هذه النجوم التي انكمشت فأصبحت سوداء فيها قوة جذب مخيفة، بل هي مقبرة النجوم؛ لو أن الأرض اقتربت منها لأصبحت في حجم بيضة مع الوزن نفسه، سموها الثقوب السوداء، سموها مقابر النجوم، من شدة الضغط إلى الداخل الضوء لا يخرج منها؛ تبقى سوداء اللون؛ هذا الذي قاله رئيس هذه القاعدة الكبرى؛ وهو من أعلم علماء الأرض في الفلك، وفي الفضاء الخارجي.
وجدت في كتاب الترمذي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أُوقِدَ على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهى سوداء مظلمة كالليل المظلم - قال عليه الصلاة والسلام وقودها الناس والحجارة-))
[الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة]
فهذا الإنسان الذي عاش في الصحراء، لا يوجد جامعات، ولا مراصد، ولا كمبيوتر...ولا يوجد شيء إطلاقاً؛ هذا كلام علمي؛ كلام توصل إليه العلم؛ الثقوب السوداء توصل إليها العلماء من عدة سنوات فقط؛ فهذه الموضوعات؛ الثقب الأسود، والانجذاب، ومقبرة النجوم، توصل إليها العلماء من عدة سنوات فقط؛ فعليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. الحكمة من الحجامة :
في الإنسان جهاز اسمه جهاز معامل كريات الدم الحمراء؛ هذه المعامل من أخطر الأجهزة في الإنسان؛ لو تعطلت عن العمل، أو لو توقفت عن العمل؛ لأصبحت حياة الإنسان في خطر، هذا المرض اسمه" فقر دم اللامصنع" معامل نقي الدم تكف عن تصنيع الكريات، طبعاً هذا الدم يشبه سرطان الدم، يسمونه أحياناً ابيضاض الدم، و إلى الآن لا أحد يعرف سببه ولا علاجه، وأشخاص كثيرون ماتوا بهذا المرض" فقر الدم اللامصنع".
قرأت مرة مقالة مترجمة بمركز بحوث طبي، أن نقص الدم المنتظم يصون هذه المعامل التي هي أخطر معامل بالإنسان، طبعاً يصنع في الثانية الواحدة اثنان ونصف مليون كرية؛ لأنه بكل ثانية يموت اثنان ونصف مليون كرية، ويولد من هذه المعامل اثنان ونصف مليون كرية، فحينما تربط أن هذا المعمل صيانته بنقص الدم المنتظم إذاً النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمرنا بالحجامة لا ينطق عن الهوى، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((احتجموا لا يتغير بكم الدم فيقتلكم))
[رواه البزارعن عبد الله بن عباس]
ارتفاع الضغط..
فهناك بحوث طبية حول تفسيرها العلمي، أولاً: معالجة لارتفاع الضغط، و الإنسان عنده ما يسمونه "فيوز" بالتعبير الميكانيكي، آلة غالية جداً؛ نعمل لها وصلة ضعيفة جداً، لو جاء تيار شديد فجأة، بدلاً من أن يتلف الآلة تتلف هذه الوصلة؛ الوصلة رخيصة.
فالإنسان عنده أوعية بأنفه رقيقة الجدار جداً، لو ارتفع الضغط فجأة تتمزق الأوعية؛ فيصبح معه رعاف؛ فيتوازن الضغط.
يبدو أن الحجامة من أجل معالجة الضغط المرتفع، قال: ((احتجموا لا يتغير بكم الدم فيقتلكم))
[رواه البزار عن عبد الله بن عباس]
قالوا: هذا الحديث على التوتر الشرياني، وقالوا: على تجلط الدم، وقالوا: إن الحجامة لها علاقة بالشقيقة، وآلام الرأس المزمنة، على كلٍّ النبي أمرنا بها؛ وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة :
أنا وقع تحت يدي كتاب- وبدون مبالغة- فيه مئة وخمسون حديثاً عن الحجامة؛ إلا أنه مأخوذ من كنز العمال؛ وكنز العمال فيه أحاديث ضعيفة كثيرة جداً، أما في الحد الأدنى هناك عشرون حديثاً صحيحاً في الحجامة، فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة، طبعاً النساء لسن بحاجة إلى الحجامة ما دمن دون سن اليأس، لأن الدورة الشهرية تقوم مقام الحجامة في حياتهن، لكن بعد سن اليأس النساء يحتجن إلى الحجامة كالرجال تماماً:
((احتجموا لا يتغير بكم الدم فيقتلكم))
[رواه البزار عن عبد الله بن عباس]
وما شكا إليه أحد إلا قال له: ((اذهب فاحتجم))
[ كنز العمال عن سلمى امرأة أبي رافع]
والنبي احتجم وهو في الحج، واحتجم وهو محرم، قد يقول لك إنسان: ما الفرق بينها وبين الفصادة؟ أنا أتبرع بالدم يؤخذ الدم من الشريان؛ قال بعض الأطباء: أخذ الدم من الشريان الواسع شيء، وأخذه من الشعريات الدقيقة شيء آخر، والإنسان حيثما كان هناك حركة بجسمه يكون هناك نشاط للدورة الدموية، وحيثما كان هناك منطقة ركود فالمنطقة تحتاج إلى تنشيط؛ فأوسع منطقة ركود بالجسم هي الظهر، لأنه عند المفاصل والأجهزة؛ فالحركة تسبب تنشيط الدورة الدموية، أما في أماكن أخرى فهذه الأماكن راكدة.
فيبدو أن الحجامة تتميز عن الفصادة بأن الدم يؤخذ من الأوعية الدقيقة جداً، وكأنها تجرف الذي أمامها.
هذا الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. توجيهات النبي الصحية من عند الله و ليست من اجتهاداته :
وإياك ثم إياك ثم إياك أن تعتقد أن توجيهات النبي الصحية اجتهاد منه، أو خبرة، انفِ هذا كله؛ توجيهات النبي الصحية من عند الله؛ من عند خالق الكون، في قضية الذبح؛ مستحيل أن تجد في العلم سابقاً ما يفسر هذا التوجيه؛ الآن في أوربا كلها تعلق الدابة من أرجلها، و يقطع رأسها كلياً فوراً ويبقى الدم في الدابة؛ لأن القلب بقي على الأمر النظامي- ثمانون ضربة- من ثمانين تخرج ربع الدماء أما المئة والثمانون فتخرج الدماء كلها عن طريق الأمر الاستثنائي الذي يأتي من الكظر عن طريق الرأس.
هذا الحديث ورد في البخاري ومسلم؛ يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن كان في شيء من أدويتكم خير؛ ففي شرطة محجم،أو شربة من عسل، أو لذعة بنار؛ وما أحب أن أكتوي))
[البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله]
والله عز و جل قال: العسل فيه شفاء للناس.
أيضاً آثاره لا تصدق؛ العسل إلى أن يكون دواء أقرب منه أن يكون غذاء؛ العسل صيدلية بكاملها؛ صيدلية في لعقة، أي عدد الفيتامينات والمعادن والأنزيمات المتعلقة بالجسم لا تعد ولا تحصى.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثالث و العشرون )


الموضوع : هدية فى تلقية المصائب





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تلقيه المصائب :
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تلقيه المصائب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب- مرض- ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه))
[رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة]
قاعدة أساسية: كل مصائب المؤمن تكفير لخطاياه؛ وتخفيف من ذنوبه، ما يصيب المؤمن من نصب- النصب هو التعب- ولا وصب - والوصب هو المرض- ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، وفي رواية أخرى: ((ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته))
[رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة]
طبعاً هذا خاص للمؤمن؛ مصائب الكافر عقاب، مصائب الكافر ردع، مصائب الكافر قصم، لكن مصائب المؤمن دفع، ورفع، وترقية.
وهناك آية بالقرآن الكريم متعلقة بمصائب المؤمنين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[سورة البقرة:155-157]
الإنسان إما أن يعمل فيرقى وإما أن يصبر فيرقى :
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ مُصيبة تُصِيبُ المسلم إلا كفَّر الله عنه بها، حتى الشَّوكةِ يُشاكُها))
[أخرجه مسلم، والبخاري، والترمذي، والموطأ عن عائشة]
ما من؛ "من" تفيد استغراق أفراد النوع، إنسان يمشي في الطريق، هناك مسمار في الباب بارز؛ خدشت يده- دون أي ألم- هذا الخدش داخل في المصيبة، ما من مصيبة؛ "من" تفيد استغراق أفراد النوع.
وفي رواية لمسلم: ((لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها؛ إلا نقص الله بها من خطيئته))
[مسلم عن عائشة]
وفي رواية ثالثة: ((إلا رفعه الله بها درجة، وحط الله عنه بها خطيئة))
[مسلم عن عائشة]
يبدو أن المؤمن له عند الله مرتبة؛ إما أن ينالها بعمله الصالح، وإما أن ينالها بصبره، فإذا عمله قليل ينالها بصبره؛ إما أن ينالها بعمله الصالح، وإما أن ينالها بصبره؛ معنى ذلك أمامكم خيار؛ العمل الصالح يؤدي المهمة نفسها؛ لذلك أنت اختر بين العمل الصالح وبين أن تصبر فترقى، إما أن تعمل فترقى، وإما أن تصبر فترقى.
ومن قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم، أنت يفترض بك أن تكون لك سرعة معينة إلى الله هذه السرعة إن لم تكن بالعمل الصالح تكون بالصبر. المصائب للمؤمن تكفير لذنوبه ورفع لدرجاته :
هناك حديث آخر: (( دخل شاب من قريش على عائشة -وهي بِمنى- وهم يَضْحَكُون ، فقالت : ما يُضْحِكُكم؟ قالوا : خَرَّ فلان على طنُبِ فُسطاطِ- الطنب: الحبل، والفسطاط: الخيمة، يبدو تعثر على طنب فسطاط- فكادَتْ عُنُقُهُ،أو عينه أن تذهبَ، فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: مَا مِنْ مُسلم يُشاكُ شوكة فما فوقها إلا كُتب له بها درجة، ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة ))
[أخرجه مسلم والبخاري والترمذي والموطأ عن عائشة]
يجب أن نستبشر، أقل المتاعب، أقل الهموم، أقل الأحزان، أقل المصائب، نقص في الأموال، نقص في الأنفس، خوف، مرض، نقص في المحاصيل، آفة أطاحت بالموسم- هذه مصيبة- كل هذه المصائب للمؤمن تكفير لذنوبه، ورفع لدرجاته. ((عن عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابنُ عباس: ألا أُرِيكَ امرأة من أهل الجنة؟ قلتُ : بلى، قال: هذه المرأةُ السوداءُ؛ أَتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: إِني أُصْرَعُ، وإِني أَتََكشَّف- تقع بالساعة- فادْع الله لي، قال: إن شئتِ صبرتِ، ولكِ الجنةُ، وإن شئتِ -دعوتُ الله- أن يعافيكِ، فقالت: أصبرُ، فقالت: فإني أتكشَّفُ فادْع الله أن لا أتكشَّف، فدعا الله لها ))
[رواه البخاري ومسلم عن عطاء بن أبي رباح]
شيء آخر، قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً))
[رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري]
هذا من كرم الله عز وجل، والإنسان بالمرض كل أعماله التي كان يعملها وهو صحيح تكتب له؛ إنسان سافر؛ كل أعماله التي كان يعملها وهو مقيم تكتب له.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فمسسته؛ فقلتُ : يا رسول الله، إنك تُوعَك وَعْكا شديداً- مثل النار يده- فقال : أجل ، إني أُوعَك كما يُوعَكُ رجلان منكم، قلتُ: ذلك بأن لك أجْرين؟ قال: ' أجل، ما مِنْ مسلم يُصيبه أذى- من مَرَض فما سواه - إلا حَطَّ الله به سَيِّئاته كما تَحُطُّ الشجرةُ ورقَها ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود]
هذا كلام مريح، مصائب المؤمنين تكفير للذنوب، وفي رواية أقولها لكم دائماً: لما رأى النبي الكريم ابنته فاطمة تشكو من الحمى، قال: "مالك يا بنيتي؟ قالت: حمى لعنها الله قال: لا تلعنيها؛ فو الذي نفس محمد بيده، لا تدع المؤمن وعليه من ذنب".
لا تدع شيئاً.
و هناك حديث آخر: ((أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل على أمِّ السائب، فقال: مالَك تُزَفْزِفين؟- ترتجف من الحمى- قالت: الحُمَّى، لا بارك الله فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنها تُذْهِبُ خطايا بني آدم، كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد ))
[أخرجه مسلم عن جابر]
وجاء في الحديث القدسي: (( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو اقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
[ ورد في الأثر ]
وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر- بعينيه-؛ عوضته منهما الجنة))
[أخرجه البخاري عن أنس]
المؤمن يتميز عن غير المؤمن بأنه شاكر صابر :
بقي حديثان الأول:
((عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن))
[أخرجه مسلم عن صهيب]
هذه معاملة خاصة للمؤمن على الخير يرقى، وعلى المصائب يرقى، إن أصابهُ خير شكر فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر فكان خيراً له.
آخر مثل، المؤمن شبهه النبي بالنبات اللين؛ تأتي الريح فتفيئه- ينحني- تنتهي الريح يبقى كما كان؛ أما الكافر فمثل السنديانة؛ تأتي الريح فتقلعها مرة واحدة؛ مصيبة الكافر مصيبة قصم؛ ضربة واحدة، يكون ذا صحة، قوة، مال، عز، شأن، إلى أن يأخذ مداه؛ تأتيه ضربة قاصمة، أما المؤمن فيحاسب كثيراً؛ فهناك مرونة؛ تأتي الريح فتفيئه ثم يعود، تفيئه ثم يعود، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مثل المؤمن كمثلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرعِ، تُفِيئها الريحُ، تَصرَعُهَا مرةً، وتَعْدِلُها أُخرى، حتى تَهيجَ ))
- حتى تعتدل- وفي رواية: (( حتّى يأتِيَهُ أَجلُهُ ))
[أَخرجه البخاري و مسلم عن كعب بن مالك]
هذه كلها أحاديث في البخاري ومسلم عن المصيبة، وكيف أنها تخفف من ذنوب المؤمن وتكفر من سيئاته.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الرابع و العشرون )


الموضوع : هدية فى قضاء حوائج المؤمنين



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
من صحت عقيدته يعيش لعمل صالح يصلح للعرض على الله :
أيها الأخوة الكرام هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء حوائج المسلمين؛ قبل أن نقرأ الأحاديث، ونشرحها إن شاء الله تعالى لابد من مقدمة.
الإنسان إذا صحت عقيدته؛ أي عرف سرّ وجوده؛ عرف حقيقة الكون؛ لماذا خلق الكون؟ ولماذا خلقت الحياة الدنيا؟ ولماذا خلق الإنسان؟ إذا عرف أنه المخلوق الأول؛ والمكلف، والمكرم، وأنه مخلوق للجنة، وأن الدنيا حياة دنيا تمهيد للحياة العليا؛ وأن ثمن الجنة تزكية النفس أولاً، والعمل الصالح ثانياً، إذا فهم هذه الحقائق؛ انطلق- بالتعبير الحديث- من إستراتيجية؛ أي هناك فلسفة، هو يعيش لعمل صالح يصلح للعرض على الله، يعيش ليزكي نفسه، لتسعد في جنة ربها إلى أبد الآبدين، هذه الحقيقة في ذهنه كل دقيقة؛ لذلك يبني حياته على العطاء، الكافر بنى حياته على الأخذ- بأي طريق- بشكل مشروع، بشكل غير مشروع؛ بشكل واضح، بشكل احتيالي، بشكل قسري، بالإمكانات، باستخدام قوته، أو باستخدام ذكائه ليأخذ، المؤمن ليعطي.
هناك بون شاسع بين المؤمن والكافر؛ هذا ينطلق من إستراتيجية، وهذا ينطلق من إستراتيجية؛ هذا ينطلق- المؤمن- من العطاء، والآخر ينطلق من الأخذ؛ لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والطغاة أخذوا ولم يعطوا، أخذوا كل شيء، و لم يعطوا شيئاً، أما الأنبياء فأعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً؛ المؤمن تابع للأنبياء، وأهل الدنيا يتبعون الأقوياء، أهل الدنيا يأخذون؛ أي يعد نفسه ذكياً جداً إذا قدر أن يجمع أكبر قدر من المال- ولو من طريق غير مشروع- إذا قدر على أن يرفه نفسه إلى أعلى درجة، إذا قدر على أن يسكن بأفخر بيت، يركب أجمل سيارة، يقترن بأجمل امرأة، أن يكون له أعلى منصب، أن يصل لأعلى درجة من الترف والبذخ؛ يعد نفسه ذكياً وشاطراً، وهو الفهيم الوحيد، المؤمن بالعكس بقدر ما يعطي يعد نفسه ذكياً، بقدر ما يخفف عن الناس آلامها، بقدر ما يشيع الفضيلة والهدى والحق؛ يعد نفسه ذكياً؛ قضية رؤية، مثلاً هناك شخص بنى حياته على الإنفاق، و شخص بنى حياته على الاستثمار، يجمع ليشتري بيتاً، يقول لك: سيرتفع ثمنه فيما بعد، يجمع ليشتري دكاناً، يقول لك: سيرتفع ثمنها فيما بعد؛ باني حياته على التجارة، شخص باني حياته على إنفاق المال بشكل غير صحيح؛ هذا منطلق من فكرة وهذا من فكرة. العقيدة الصحيحة تضع الإنسان في مكانه الصحيح :
الحقيقة العقيدة الصحيحة تضعك في مكانك الصحيح؛ العقيدة الصحيحة تجعل حياتك مُجْدية؛ فتجد المؤمن الصادق ليس له همّ إلا هماً واحداً؛ يعطي؛ يعطي من علمه، يعطي من خبرته، يعطي من ماله؛ يخفف آلام الآخرين، يصبر الناس، يقنعهم، يدلهم على الله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[سورة الأنعام:162]
والله هناك آية أيها الأخوة إذا الإنسان قرأها، وعرف أبعادها؛ يقشعر جلده؛ الله عز وجل خاطب سيدنا موسى؛ فقال له:﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[سورة طه:41]
أي أنت مصمم خصيصاً لخدمة الخلق، الناس يقلقون على الدين؛ يقول لك: الدين في خطر، أعداء الدين كثر، أعداء الدين أقوياء، أعداء الدين خبثاء، يتآمرون على الدين، أهل الأرض كلهم إهلاكهم كإهلاك واحد:
إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ [سورة يس:29]
الدين دين الله عز وجل وهو قادر على أن ينصره بأعدائه :
الدين دين الله عز وجل، الله عز وجل قادر على أن ينصر هذا الدين بأعدائه، والدليل: كل شيء إعلامي بيد أعداء الدين أحياناً الله عز وجل يخلق ظرفاً استثنائياً، هكذا قلة قليلة- مئتا ألف- يمرغون بالوحل أكبر دولة بالعالم، الأخبار تتناقل، الإذاعات تذيع الأخبار كلها؛ صار هناك دعاية للإسلام بشيء لا يصدق؛ أنا سمعت من يومين أن سليمان رشدي الذي ألّف كتاباً- اتهم به النبي اتهامات شنيعة جداً، وأهل بيت النبي- أربعون ألف بريطاني أسلموا عن طريق هذا الكتاب، كيف؟ كتاب صارت له ضجة كبيرة جداً، وهذا "سليمان رشدي" صدرت فتوى من الإمام الخميني بقتله؛ لفت النظر، صار الناس يريدون أن يقرؤوا الكتاب؛ يجدون أن الكتاب غير معقول؛ فيه اتهامات خطيرة جداً؛ يبحثون عن أصل الدين فيجدون أن الدين شيء عظيم فيسلمون؛ أربعون ألف إنسان أسلموا ببريطانيا من خلال كتاب"سليمان رشدي"؛ فالله عز وجل يسخر أعداءه- أعداءه الألداء- للدفاع عن دينه وهم لا يشعرون أساساً، فأنا أهم كلمة أقولها لكم: لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله.
الدين الإسلامي واجه مؤامرات لو واجهتها جبال الدنيا كلها لانهارت؛ وهو صامد كالطود، كم مؤامرة مرت عليه بتاريخ المسلمين؟ القرامطة والشعوبيون، تجد آلاف الطوائف كلها الآن في الوحول، أين أصحابها؟ وأين مؤامراتهم؟ كله انتهى،والإسلام شامخ:﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾
[ سورة التوبة:33]
حياة المؤمن مبنية على البذل و العطاء :
لكن أنا أقلق أن الله هل سمح لي أن أنصر دينه؟ سمح لي أن أقدم شيئاً؟ سمح لي إذا وقفت بين يديه يوم القيامة يا رب! أنا عملت ما بوسعي، عملت جهدي في أن أنشر دينك، أن أنصره، اقلق فقط عن إذا سمح الله لك أو لم يسمح؛ لأنه:﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾
[سورة محمد: 38]
حياة المؤمن مبنية على العطاء؛ يعطي وقته، يعطي ماله، يعطي خبرته؛ تجد المؤمن إن كان لديه مصلحة أو حرفة؛ يعلمها ورزقه على الله، أما الثاني فيمنعها، لا يعلم أحداً؛ عنده وهم أنه إذا علم تقل رزقته، بكل المجالات إذا وازنت بين المؤمن والكافر فهناك مئة وثمانون درجة بينهما بكل شيء؛ في بيته, في زواجه- المؤمن يختار الزوجة الصالحة، ذلك يختار الزوجة الجميلة فقط لا يهمه دينها- هذا يختار حرفة تنفع الناس، ذاك يختار حرفة مربحة- ولو كان ملهى- الآن هناك ضائقة اقتصادية عامة بالعالم كله، هناك كساد, أما الفسق والفجور فرائج جداً؛ قال لي أحدهم- اشتغل بمقصف يقدم خموراً و يقدم رقصاً -قال لي: والله أرباح هذا المقصف ثمانية ملايين بخمسة وأربعين يوماً بهذه الضائقة الشديدة، بهذا الوضع الصعب؛ كل شيء واقف، الرذيلة رائجة؛ فيها أرباح طائلة، فالناس يريدون أن يربحوا؛ سواء أكان ملهى، أو محل أشرطة فيديو، تأجير بمواد محرمة؛ يريد أن يربح؛ استراتيجية المؤمن؛ المؤمن بنى حياته على العطاء، بنى حياته على خدمة الناس؛ لأنه هو الرابح، حينما يلقى الله يرى مقامه عند الله، هو يبحث عن سعادة أبدية؛ والناس يبحثون عن سعادة مؤقتة، وأنا قلت لكم سابقاً: كل مكتسبات الناس - تجد عمره خمسة وخمسين عاماً، ستين عاماً؛ مات موتاً حتى وصل إلى هنا- كل آماله منوطة باتساع شريان قلبه التاجي، كل آماله منوطة بنمو خلاياه؛ إذا اضطربت الخلايا؛ انتهى.
كان لي طالب له خال كان صاحب سينما، يأتي بأفلام منحطة؛ حتى يقبل هؤلاء الشباب ويربح هو، قال لي: أصابه مرض سرطان بالدم- بالأربعينات- فصار يبكي، هو ابن أخيه كان طالبي، فقال هذا الخال لابن أخيه: أنا جمعت حوالي خمسة أو ستة ملايين- هذه قصة بالستينات- تصور خمسة ملايين بالستينات، كان الدولار بثلاث ليرات، كان البيت ثمنه عشرة آلاف ليرة، جمعت خمسة ملايين أو ستة حتى أرفه نفسي فلم أتمكن من ذلك، كل شيء أنت تجمعه منوط بهذا الشريان التاجي، منوط بنمو الخلايا، منوط بسيولة الدم، أما الآخرة فمضمونة؛ الآخرة ليس فيها قلب، الآخرة ليس فيها سرطان، الآخرة ليس فيها أمراض، الآخرة فيها نعيم مقيم؛ فالمؤمن أعقل؛ آثر الآخرة وبذل في الدنيا، فانطلاقاً من هذه النظرة إلى العطاء في الدنيا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:(( المسلمُ أخو المسلم، لا يَظلمُهُ، ولا يُسْلِمُهُ، مَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ كان اللهُ في حاجَتِهِ))
[ البخاري و مسلم عن عبد الله بن عمر]
مَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ- أي باني حياته على خدمة الخلق-. للإنسان مقام عند الله يصل إليه بالعمل الصالح أو بالصبر على المصائب :
بالمناسبة إما أن تعطي، وإما أن تشغل بنفسك؛ لك عند الله مقام إما أن تصل إليه بالعمل الصالح، أو بالصبر على المصائب، فإما أن تعطي، وإما أن تبتلى، أيهما أريح؟ أن تعطي:
((....ومَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ كان اللهُ في حاجَتِهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عن مُسلِم كُرْبَة فَرَّجَ اللهُ عنه بِهَا كُرْبَة من كُرَبِ يومِ القيامةِ ، وَمَن سَتَرَ مُسلِماً سَتَرَهُ اللهُ يوم القيامةِ ))
[ البخاري و مسلم عن عبد الله بن عمر]
هذا حال المؤمن:((لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن عمر]
هم في مساجدهم والله في حوائجهم؛ كل إنسان يخرج من ذاته لخدمة الخلق الله يتولى أموره الشخصية، أموره محلولة، ميسرة، مريحة.(( ومن فرج عن مسلم كربة))
[ البخاري و مسلم عن عبد الله بن عمر]
مهموم أقرضه، خائف طمأنه، في حيرة دلّه على الله:((وَمَنْ فَرَّجَ عن مُسلِم كُرْبَة فَرَّجَ اللهُ عنه بِهَا كُرْبَة من كُرَبِ يومِ القيامةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِماً سَتَرَهُ اللهُ))
هناك إنسان فضاح؛ يريد قصة يدندن بها، عندما يصل إلى سمعه موضوع ينشره بين الخلق و كأنه إذاعة، وهناك إنسان ستير يستر، قال لك قصة هذه بينك وبينه، أمر وأغلق، هذا المؤمن:((وَمَن سَتَرَ مُسلِماً سَتَرَهُ اللهُ يوم القيامةِ))
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من نفس عن مسلم مَن نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على مُعْسِر في الدنيا، يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ على مُسلِم في الدنيا سَتَرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرَةِ، واللهُ في عَونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عَونِ أَخيهِ))
[أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة]
الأحاديث السابقة أحاديث تحث على التعاون بين المسلمين :
هذه الأحاديث لو طبقت لكان المسلمون في حال غير هذا الحال، هذه الأحاديث كلها تعاون، تجد كل واحد يبذل جهده لخدمة أخوانه، والله عز وجل يحبنا عندئذ جميعاً، يصير يعطي الجميع؛ تجد مشكلات كبيرة جداً؛ قال لي شخص كلاماً مؤلماً جداً عن الدعارة؛ تسعون بالمئة من النساء يمارسن الدعارة عن فقر شديد، وعشرة بالمئة عن فساد، أما امرأة لها زوج ولها أولاد؛ تبيع شرفها وعرضها خلسة من أجل أن تأخذ المال- عن فقر شديد-؟! وأغنياء المسلمين غافلون، لو كان هناك أغنياء مؤمنون كانوا لا ينامون الليل؛ هناك امرأة عملت دراسة للسجون، والمصحات، ودور إصلاح الأحداث؛ وجدت أكثر المومسات عن حاجة، و قسم قليل عن فساد، أين الأغنياء؟! امرأة تبيع جسدها من أجل لقيمات! المسلمون يأثمون جميعاً؛ إذا ممكن أن تسقط المرأة من أجل المال، طبعاً هي جاهلة وفي حاجة ماسة للمال، تستغل هذه الحاجة، وتنتقل من امرأة شريفة إلى امرأة ساقطة، فلذلك المؤمن عندما يعيش للآخرين تحل مشاكل المسلمين كلها.
العطاء ثمن الجنةوالسعادة أساسها أن يخرج الإنسان من ذاته لخدمة الخلق :
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((على كُلِّ مسلمٍ صدقةٌ، قيل: أرأيت إنْ لم يَجِدْ؟ قال: يَعْتَمِلُ بِيَديْه، فينفعُ نفسَهُ ويتصدَّقُ، قال: أرأيتَ إنْ لم يستَطِعْ؟ قال: يُعينُ ذا الحاجة الملْهُوفَ، قال : قيل له: أرأيتَ إن لم يستطع ؟ قال: يأمُرُ بالمعروف، أو الخير، قال: أرأيت إنْ لم يفْعَل؟ قال: ' يُمسِكُ عن الشَّرِّ، فإنَّها صدقة))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ]
كيفما تحرك هناك صدقة؛ الحد الأدنى الأدنى الأدنى أن يمسك أذاه عن الناس، تصدق عن نفسه أنه كف عن الناس، أو تكلم، أو أنفق، أو عمل عملاً طيباً؛ ونفع أهله وأولاده، أو خدم أو قدم ماله، في الإسلام لا يوجد إنسان ساكن هناك إنسان حركي؛ الحركة فيها بركة.
محور الدرس أن الإنسان إذا عرف الله، وعرف سرّ وجوده في هذا الكون، وعرف حقيقته، وعرف حقيقة الدنيا؛ ينطلق من إستراتيجية العطاء، العطاء ثمن الجنة، وأبلغ شيء الإنسان عند الموت يندم على عمل صالح فاته:﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾
[سورة المؤمنون:99-100]
إذاً الناس كلهم ورشة عمل للعمل الصالح، فالإنسان إذا خرج من ذاته لخدمة الخلق سعد، والسعادة أساسها أن تخرج من ذاتك لخدمة الخلق.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الخامس و العشرون )


الموضوع : هدية فى العمل الدؤوب



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العمل :
خطر في بالي هذا المثل تمهيداً لهذه الأحاديث؛ ماكينة خياطة قديمة، الخيط الذي يمشي في مكان معين، على معدن من أقسى المعادن، استطاع خلال ثلاثين عاماً أن يحفر مجرى له، استطاع أن يحفر هذا الخيط خلال ثلاثين عاماً من هذا المعدن القاسي ما يزيد عن واحد مليمتر نحو الأسفل.
في بعض الدوائر الحكومية- النفوس قديماً- المنزل في المرجة، تجد الرخام ممسوح أكثر من أربعة إلى خمسة سنتمترات؛ صار الدرج واضحاً جداً، وهناك أمثلة كثيرة أن العمل الدؤوب يؤثر في الأحجار، شيء خفيف، أحياناً نقطة ماء مستمرة تثقب صخراً.
هناك مجموعة أحاديث تبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العمل، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان للنبي صلى الله عليه وسلم حصير، وكان يُحَجِّرُهُ باللَّيل؛ فيُصلي عليه ....))
[النسائي عن عائشة]
أي يتخذه حجرة؛ الإنسان عندما يصلي على مصلى حصر نفسه - قضية نفسية - في هذا المصلى إذا وضع أمامه سترة- علامة أمامه- حصر نفسه في هذه العلامة - وهذا من السنة، الإنسان أحياناً يصلي وراء عضاضة؛ فيرتاح، لو صلى بمنتصف المسجد؛ قضية مفتوحة؛ فالإنسان حينما يحصر نفسه في مكان؛ هذا المكان يعينه على أن يجمع قلبه على الله عز وجل – فكان عليه الصلاة والسلام له حصير فكان يحجره بالليل -يجعله كالحجرة- فيصلي عليه: (( ...ويَبْسُطُهُ في النَّهار، فَيَجْلِس عليه، فجعل النَّاسُ يَثُوبُونَ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فيُصَلُّونَ بصلاته، حتَّى كَثُرُوا، فأقبَلَ عليهم وقال: يا أيُّها النَّاسُ، خُذُوا من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَملُّوا، وإنَّ أحَبَّ الأعمال إلى الله؛ أدَومهاَ وإن قلَّ))
[النسائي عن عائشة]
منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهج متوازن لا ينتج عنه أخطار :
أحب الأعمال إلى الله - أي ركعتان كل يوم ضحى أحسن من مئة ركعة بالسنة مرة - أحَبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ، إنسان لزم هذا الدرس يثبت عليه، لزم صلاة الفجر في المسجد فليثبت عليها، لزم أن يصلي قيام الليل ركعتين يثبت عليهما، أما عملية الطفرة والفورة ثم الهمود؛ فهذه عملية محبطة؛ يهمك الأثر النفسي؛ العمل الدؤوب يعمل ثقة بالنفس، يعمل تراكماً، يعمل ثقة وتراكماً، أما العمل غير الدؤوب فيعمل إحباطاً، يضعف أثره، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام هذا توجيهه في مجموعة أحاديث؛ أي بساعة تألق دفع ألف ليرة صدقة، فيما بعد لم يكرر ذلك، صار معه إحباط، صار عند الله بخيلاً، عمل وندم؛ أما خمسون ليرة كل أسبوع؛ صدقة دائمة؛ فتعمل أثراً متنامياً في نفسه، تعمل له ثقة بالنفس، و تعمل له قوة تأثير، الثبات نبات، كل شيء مع الاستمرار له أثر، من دون استمرار يعمل ردة فعل معاكسة في النفس، يعمل إحباطاً، فإذا تمكن الإنسان - بعباداته، بإنفاقه، بصلواته، بصيامه، حتى في كل علاقاته - أن يثبت على شيء فهذا الشيء ينمو شيئاً فشيئاً، وهذا الشيء يعطيه ثقة بالنفس، وهذا الشيء يعطي تأثيراً.
لا أذكر أين ذهبت إلى مكان وجدت أثر شيء ضعيف، صارخ، لكن هذا الشيء الضعيف بشكل مستمر، أنا ذكرت الآن: خيط بالماكينة؛ كيف أنه قد حفر خمسة مليمترات، بأقسى أنواع المعادن، خيط بسيط لكنه يمشي في مكان مستمر، تذكرت وقع الأقدام على درج رخام، من أقسى أنواع الرخام؛ خلال أربعين عاماً، أخذ من الرخام مسافات كبيرة جداً؛ صار الدرج ممسوحاً، وهناك أمثلة كثيرة على هذا، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وإنَّ أحَبَّ الأعمال إلى الله؛ أدَومهاَ وإن قلَّ))
[النسائي عن عائشة]
كثيراً ما يمر على المساجد شباب؛ يفور فور كبيرة؛ من قيام الليل لإنفاق إلى صدقة إلى.... وفيما بعد فجأة يتلاشى هذا الحال، ويعود إلى ما كان عليه- يسمونها نكسة، يسمونها إحباطاً - تضعف ثقته بنفسه، يظن نفسه منافقاً؛ لأنه لم يمشِ باعتدال، البارحة التقيت مع شخص، قال لي: أنا ما لزمت مسجداً، وما تعلمت على يد رجل، إلا أن بعض الكتب - بدأ يقرأها وحده، وكتب ممنوع قراءتها- فيها شطحات كبيرة جداً، فيها ألغام، قرأها وحده وصار معه فورة غير متوازنة؛ هذه الفورة أدت به إلى مرض نفسي، هذا المرض كان له آثار كبيرة جداً، فأنا قلت له: لو طبقت منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا منهج متوازن لا يمكن أن ينتج عنه أخطار، الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة:119]
وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف: 28]
من منهج النبي أن تلزم الجماعة و يكون لك مرجع ديني :
من منهج النبي أن تلزم الجماعة؛ من منهج النبي ان يكون لك مرجع ديني، لك ثقة به؛ أنت ابحث عن إنسان تثق به، واجعله مرجعاً لك في الدين، من منهج النبي عليه الصلاة والسلام الاستشارة و الاستخارة، فإذا لم يعبأ الإنسان لا بمنهج ولا بمرجع، وتحرك حركة وحده من دون توجيه؛ قد يصاب بمضاعفات خطيرة جداً، كان في غنى عنها؛ فلذلك أيها الأخوة، من منهج النبي عليه الصلاة والسلام أن نلزم الجماعة بشكل متوازن، أحياناً الإنسان يندفع فيهمل دراسته، ثم تذهب هذه الفورة؛ يرى كل أصدقائه تفوقوا ، معهم شهادات عليا وهو في أسفل السلم، فينقم على الدين - أنت لم تكن متوازناً- أحياناً يهمل عمله؛ فجأة يفاجأ؛ صار فقيراً، أهمل عمله؛ اختل توازنه، أهمل دراسته؛ اختل توازنه، ما خطط للزواج إطلاقاً؛ كان في فورة، هذه الشهوة خامدة، فلما ذهبت هذه الفورة سيطرت هذه الشهوة؛ ليس معه مال، لا يوجد عنده إمكانية، هذا الذي يمشي بشكل غير متوازن، لا يخطط تخطيطاً سليماً، أو إذا دعا الإنسان إلى الله، و لم يبنِ أخوانه بناء صحيح، بناء متوازن، بناء يجمع بين الحاجة والقيمة، بين الدنيا وبين الآخرة، فهو إنسان لا خير فيه، أي أعظم ما في الإسلام أنه منهج متوازن؛ اعترف بنوازعك الأرضية؛ قال لك: تزوج واعمل واكسب المال، فأحياناً تنشأ فورة انفعالية عاطفية عند بعض الشباب؛ تجده يهمل دراسته، يهمل عمله، يهمل كل شيء، هذه الفورة عندما تنتهي يجد نفسه تخلف. التوازن يقضي أن يفعل الإنسان عملاً مستمراً :
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما قبل أن يأخذ من سيدنا عمر كل ماله، أخذ نصف ماله للدعوة، أي عليه واجبات، هناك إنسان مستثنى فقط؛ هو سيدنا الصديق، الذي عنده إيمان لو وزع على لأهل بلد لكفاهم، إنسان فقط بتاريخ المسلمين، أما الباقي فهناك توازن، التوازن يقضي أن تفعل عملاً مستمراً:
((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))
حتى بالعبادة، إذا الإنسان فار فورة ثم همد؛ فهذه فيها نكسة، افعل ما تطيق، لا تكلف نفسك ما لا تطيق، فالإنسان إذا حمل نفسه فوق ما يطيق ثم تراجع؛ تضعضعت ثقته بنفسه، وشعر حاله منافقاً، وشعر حاله كاذباً، أما إذا عمل عملاً مستمراً؛ فالعمل يتنامى، والثبات نبات، قال: ((خُذُوا من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَملُّوا، وإنَّ أحَبَّ الأعمال إلى الله ما دَامَ وإن قلَّ))
وأنا بحياتي أشخاص كثيرون سلكوا طريق الفورة والتألق السريع ثم اختفوا، وانتكسوا ويا ليتهم لم يتألقوا هذا التألق، ولم ينتكسوا هذا التنكس. أحبَّ الأعمالِ إلى الله أدومُهاُ وإن قلَّ :
وفي رواية أخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: ((أيُّ الأعَمَال أحبُّ إلى الله ؟ قال: أدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ))
[رواه أبو داود عن عائشة]
وفي رواية أخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((سَدِّدُوا وقاربُوا، واعلموا أنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
[رواه البخاري ومسلم عن عائشة]
وإنَّ أحبَّ الأعمالِ إلى الله أدومُهاُ وإن قلَّ .
أحياناً الإنسان يلزم الدرس؛ الدرس منهج متكامل؛ كتاب معين، فإذا لزم هذا الدرس حقق علماً متكاملاً، هناك شخص يأتي الدروس كلها وفيما بعد يغيب نهائياً، فأنت الزم درساً أو درسين، اثبت واصعد درجة درجة، حتى في التجارة، حتى في الأعمال؛ الطفرات المفاجئة هذه تعقبها نكسات خطيرة، عود نفسك على الثبات، أي خطوة خطوة، ضع قدمك على صخر ولا تنزع قدمك إلا إلى صخر، تعش سالماً وآمناً.
وفي رواية للبخاري: ((كان أحبُّ الأعمال إلى الله الَّذي يدومُ عليه صاحبُهُ))
[ البخاري عن عائشة]
وفي رواية لمسلم : ((كان أحبُّ الأعمال إلى الله أدومَها وإن قلَّ. وكانت عائشة إذا عَمِلتِ العمل لَزِمَتْهُ))
[مسلم عن عائشة]
إذا لزم الإنسان أن يقرأ في اليوم جزأين! أقرأ خمس صفحات في اليوم؛ أي أنا أقول لك الحد الأدنى؛ خمس صفحات؛ يحتاجون لعشر دقائق، عشر دقائق لا يغيرون منهجك، أما هذه الصفحات الخمس اليومية، قراءة متأنية مع تدبر، فجد نفسك خلال فترة معينة ختمت ختمة، أما إما أن نقرأ جزأين في اليوم، أو تدع القراءة كلياً؛ كلا؛ خطأ، أنت اقرأ، وضع لنفسك خمس صفحات، وعندما تكون نشيطاً، ومعك وقت، ومرتاح ومسرور؛ اقرأ عشر صفحات، اقرأ خمس عشرة صفحة، اعمل حداً أدنى لا ينخفض واعمل حداً أقصى، فاعمل خمس كحد أدنى، اعمل ورداً بسيطاً، هناك أوراد لطيفة؛ مئة مرة أستغفر الله، مئة مرة لاإله إلا الله، مئة مرة اللهم صلِّ على سيدنا محمد، إذاً استغفرت، ووحدت، وصليت على النبي، هذه كلها وارد فيها أحاديث صحيحة، وجدت نفسك نشيطاً قل: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم؛ نشيطاً أكثر؛ لا حول لا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
حدثني أخ - والآن والله متألق تألقاً كبيراً- قال لي: أنا ألزمت نفسي أن أقرأ "يس" كل يوم، طوال حياتي، فكأن هذه السورة تعطيني زخماً روحياً، فكلما قرأتها شعرت نفسي أني قدمت شيئاً، الزم أن تقرأ سورة معينة أو خمس صفحات من القرآن، أو أن تذكر الله عز وجل، صلِّ ركعتي ضحى، وليس ثمان، ابدأ باثنتين، اركع ركعتي قيام الليل، فقط ركعتين قبل الفجر؛ أنت صليت قيام الليل، فقط داوم عليها، يقوم ليلة ثماني ركعات، اثنتي عشرة ركعة، عشرين ركعة، و لا يعيدها بعد ذلك فأنت ابدأ بعبادة معتدلة، عبادة ثابتة. درء المفاسد مقدم على جلب المنافع :
بالمناسبة أخطر شيء بالدين ترك الفرائض، هذه مقدمة على كل النوافل، فإن الله لا يقبل نافلة ما لم تؤد الفريضة.
فبالدين هناك شيء خطير جداً؛ ان تدع المحرمات كلها، والمخالفات كلها؛ مادمت قد تركت المخالفات والمعاصي والمحرمات فالطريق سالك إلى الله، أحد الشيوخ له كلمة لطيفة، كان له مريد يأتي إلى الجامع فيقول له: - كان لهذا الشيخ كاز قديم- مثل الكاز الذي مستودعه ملآن، والفتيلة مقصوصة، والجرس مجلس، والبلورة ممسوحة؛ يحتاج فقط إلى عود ثقاب؛ يتألق مادام مستقيماً؛ فالتألق سهل جداً، أما إذا إنسان له مخالفات، وجاء إلى المسجد؛ فبينما يعبئ المستودع، ويقص الفتيلة المحروقة، ويجلس الجرس، ويمسح البلورة؛ انتهى الدرس، لأن هذه المخالفات تعمل راناً على القلب: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة المطففين :14]
بالمناسبة درء المفاسد مقدم على جلب المنافع؛ الإنسان عندما يصلي قيام الليل، وله جلسة مختلطة مع النساء اللواتي لا يحللن له؛ لم يعد يقوم لقيام الليل لأنه ارتكب معصية، المعصية حجبته عن الله عز وجل؛ هذه نوافل العبادات لم يعد لها طعم، فالإنسان قبل أن يبدأ بالنوافل يجب أن يؤدي الفرائض، قبل أن يبدأ بالنوافل يجب أن يدع المحرمات كلياً؛ إذا ترك المحرمات صار الطريق سالكاً إلى الله؛ أية حركة، أي ركعتين، أي غض بصر، أي تلاوة قرآن، يصل إلى الله، وصل لأن الطريق سالك، وممهد، الطريق يمهد بالاستقامة، بالنوافل تمشي على هذا الطريق، أما إذا كان الطريق مسدوداً بالمخالفات فالنوافل لم يعد لها معنى. كلنا عند الله واحد و لا يرفعنا إلا طاعتنا له :
هناك أشياء بالإسلام خطيرة جداً؛ فالإنسان عندما يستقيم صار هناك خط ساخن بينه وبين الله، قال لي إنسان بالهاتف - من ألمانيا -: أنا من خمس و ثلاثين سنة لا أصلّي، و لا أصوم ، ولا أقوم بأي عمل؛ وعندما استقمت استقامة تامة فتح خط بيني وبين الله - أحببت عبارته - صار أكثر شيء أتمناه أن أدخل للبيت لأصلي، عندما استقام صارت الصلاة محببة له جداً، فالإنسان حكيم نفسه، يجب أن تعرف لماذا أنت غير قادر أن تصلي؟ لماذا إن وقفت بين يدي الله لا يوجد اتصال بالله؟ لماذا إذا قرأت قرآناً تتضايق؟ معنى ذلك أنك محجوب، محجوب بالمخالفات، لا تغلب نفسك، أزل المخالفات أولاً، فتجد أن الطريق صار سالكاً، الله لنا كلنا، لا تصدق أن الله لجهة دون جهة، لواحد دون واحد، الذي أعطى أخاك يعطيك، والذي أعطى الصحابة يعطيكم؛ الله موجود، وقوانينه ثابتة، وطرق التعامل معه واضحة، وكلنا عباده، ولا أحد أحسن من أحد.
مرة التقيت مع رجل عالم قال لي كلمة - كان عمري خمسة عشر عاماً -: اصدق أكثر مني تسبقني، هذه الكلمة طيرت لي عقلي، ما هذه الموضوعية؟ لا يوجد كهنوت؛ قال لي: اصدق أكثر تسبق؛ كلنا عند الله واحد: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ*فَمَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾
[سورة الحاقة:44-47]
(( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ))
تشعر نفسك أنه ليس لك أية ميزة إلا الطاعة فتتألق، ولا شيء يرفع المسلم إلا طاعته لله، عندما تؤمن لا شيء يرفعك عند الله؛ لا نسبك، ولا مكانتك، ولا ذكاؤك، ولا باعك الطويل إلا طاعتك له؛ هذه وحدها ترفعك، تعامل معه بالطاعة، واعرج في مدارج الكمال.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السادس و العشرون )


الموضوع : هديه في العزلة لمن لا يأمن على نفسه من الاختلاط





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
العبادة أول شيء في الحياة :
أيها الأخوة الكرام، في حياة الإنسان أولويات، أول شيء في حياته أن يعبد الله عز وجل، وألصق شيء في حياته بلده، ومسقط رأسه، ومكان ولادته، وأهله، وعشيرته الذين نشأ بينهم، إذا حالت هذه البيئة التي نشأ فيها، حالت بينه وبين أن يعبد الله؛ القرآن الكريم يأمره أن يهاجر، ومن لم يهاجر يستحق دخول النار، لأن سرّ وجودك أن تعبد الله؛ فأي مكان حال بينك وبين أن تعبد الله لابد من أن تتحول إلى بلد آخر؛ إذاً أول شيء في الحياة، العبادة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾
[سورة النساء:97 ]
إلى آخر الآية. هدي النبي عليه الصلاة والسلام في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط :
الآن؛ الحياة الاجتماعية أساسية؛ الحياة الاجتماعية ضرورية، أما إذا أدى الاندماج في هذه الحياة إلى معصية الله؛ فلابد من أن تعتزل هذا المجتمع، هذا كلام دقيق، والذي أورد المسلمين موارد الهلاك هذا التساهل في هاتين النقطتين، من خلال الاندماج في المجتمع، ومع الأقارب، ومع الأهل،؛ صار هناك معاص و حجاب عن الله عز وجل، فاليوم الدرس؛ هدي النبي عليه الصلاة والسلام في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط.
صلة الرحم من أساسيات الدين؛ إذا أدت هذه الصلة إلى معصية فدعها، دع خيراً عليه الشر يربو، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل، فقال له: أنَزَلتَ في إِبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملكَ بينهم؟ - سيدنا سعد اعتزل- فضرب سعد في صدره، وقال اسكت، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التَّقيَّ الغنيَّ الخفيَّ ((

[أخرجه مسلم عن عامر بن سعد]
إن الله يحب العبد التَّقيَّ - المستقيم -، الغنيَّ عما سوى الله، الخفيَّ - الذي إذا غاب لم يفتقد، وإذا وجد لم يعرف، وهو عند الله في أعلى عليين -؛ أي ليس شرطاً أن تكون تحت الأضواء، أن تكون مهماً، وإذا دخلت فالناس يقفون، وأن تلاحقك العدسات، لا، قد تكون إنساناً مغموراً لا أحد يعرفك لكنك عند الله عظيم، لكنك عند الله كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[سورة النجم:37]
وفيت عهد الله عز وجل؛ لأنه الآن الحياة الاجتماعية والاندماج فيها فيه معاص كثيرة جداً، نساء متفلتات، أفلام، برامج، أمسيات، سهرات، مقاصف، ندوات، فنادق، هذا كله يبعد عن الله عز وجل؛ ففي زمان الفساد، زمان التفلت؛ آوِ إلى الكهف؛ الكهف مسجدك وبيتك؛ فالإنسان دخل إلى بيته، أغلق الباب، يصلي ببيته، يقرأ القرآن، يقعد مع أولاده، يعبد الله بعيداً عن أية فتنة، عن أية ضلالة، عن أي فساد، عن أي اختلاط، فأحياناً تشتد الفتن، وتستعر؛ في مثل هذه الأزمنة يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً و يصبح كافراً؛ أفضل شيء أن تلوذ ببيت من بيوت الله، وببيتك الذي هو كهفك تؤوي إليه، فلذلك: ((إن الله يحب العبد التَّقيَّ الغنيَّ الخفيَّ))
[أخرجه مسلم عن عامر بن سعد]
سيدنا سعد صار هناك فتنة فانسحب. الاعتزال في البيت أو المسجد إذا اختلطت الأمور و تداخلت الأوراق :
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال:
((قال رجل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، قال ثم من؟ قال: رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه - وفي رواية: يتقي الله - ويدع الناس من شره))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي أبي سعيد الخدري]
الأمور إذا اختلطت، والأوراق تداخلت، والمضللون مع عامة المسلمين، ضلالات تطرح نظريات، تطرح كتباً ما أنزل الله بها من سلطان، تحتقر السنة أحياناً، و تقول: نكتفي بالقرآن، وهذه الآيات التي تقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر:7]
ماذا نفعل بها؟ وقوله تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوِل اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾
[سورة الأحزاب: الآية21 ]
ماذا نفعل بهذه الآية؟
ومن أين نأتي بتفاصيل الصلوات؟ و تفاصيل الزكاة؟ وتفاصيل الأحكام الشرعية؟ وأحكام البيوع؟ وكيف أن الله سبحانه وتعالى وكَل النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس ما نزل إليهم، فكيف نقول نكتفي بالقرآن!؟ ضلالات، وترهات، واتهامات، على مستوى الكتب والتآليف و المكتبات والأفكار والندوات؛ قد تعقد ندوة لتعطيل أحكام الله عز وجل؛ قبل أسابيع جاء شخص من مصر أجريت معه ندوة قال: لا داعي لأن نقطع اليد، و قوله تعالى:
َ ﴿و السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾
[سورة المائدة: 38]
إله - خالق الكون – أمرنا بهذا، تقول: لا داعي لهذا؟! هناك أساليب للردع غير قطعية، يستخف بالقرآن وبأحكام القرآن، و طبعاً هو له مظهر ديني أيضاً، بزي ديني، وهو داعية، و ضلالات، وخزعبلات، وترهات. اتباع منهج النبي في الدعوة إلى الله عز وجل :
في زمن الفتن لذ بجامعك، لذ ببيتك، قرآنك معك، كتاب السنة معك، أخوانك حولك، اكتف بإخوانك، اكتف بالمؤمنين، اكتف بمسجد يذكر الله فيه.
سوف أقول لكم الحقيقة: الدعوة إلى الله لابد من أن تتبع منهج النبي في الدعوة، أما أن تأتي بإنسان ملحد وتقول له: تفضل اصعد؛ أسمع ملايين مملينة في العالم آراءك؛ اعمل اتجاهاً معاكساً، والناس يفرحون بهذه المحطة؛ يا أخي كلها ندوات جيدة، صاحب هذه المحطة يهودي؛ نحن في ضلال؛ أن أُمكّن إنساناً يتكلم عن كل ضلالاته، يحتقر الدين، يحتقر المسلمين، يحتقر كلام الله عز وجل، أأمكنه؟! أأسمع الملايين المملينة أفكاره، وأجعل الطرف الثاني أضعف منه - الذي يمثل الدين أضعف -؟! أهذه طريق الدعوة!؟ هذا طريق لم يفعله النبي إطلاقاً، والدعاة يجب أن يلتزموا بمنهج النبي في الدعوة، منهج النبي أن تلقي على الناس الحق، إنسان سألك تجيبه على انفراد، أما أن تعمل هذه الخصومات التي تبث في الفضاء، وتسمعها الخمس قارات، وتأتي بالطرف الصح ضعيفاً، حجته ضعيفة، لا يوجد عنده إمكانيات أن يدافع عن الدين، يظهر أمام الناس أن الإسلام ضعيف، ليس فيه حجة، الإسلام أسلوب تقليدي، أما ذلك فمتحضر، فكره نير، واقعي، قوي الحجة، جريء، أتعطي الكفر هذا الدور!؟
في الزمن الصعب عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة :
الآن الناس بماذا انشغلوا؟ بهذه الندوات، كل يوم يقول لك: فلان ظهر، فلان تكلم، هذا الفكر الضال يسري في هذه القنوات، قنوات المجاري يسري بها، ويؤذي الناس، الذي أتمناه على الله عز وجل أن كل داعية ينبغي أن يتبع النبي في طريقة الدعوة، أما أن تُمكّن إنساناً ضالاً مضلاً أن يتكلم ما يشاء، ويسمعه الملايين المملينة؛ فهذا شيء لم يفعله النبي؛ هل ورد أن النبي عمل مناظرة أمام أصحابه مع إنسان كافر مع أن الحجة معه؟ ما فعل النبي ذلك إطلاقاً، ما التقى مع كافر وعمل مناظرة، واسأل لأجيبك! ما ورد هذا، والمشكلة أن الباطل أحياناً يتمكن من ضعاف النفوس؛ فتجد أن الإنسان الضعيف إيمانه، أو شهوته غالبة عليه، إن سمع فكرة تؤيده يتعلق بها، لم يعد يهمه الرد عليها، همه أن يفهمها هذه أعجبته.
الآن هناك أشياء كثيرة؛ كتاب مثلاً إذا أباح المعصية، أو غطى المعصية بشيء، بتعليل، بتغطية معينة؛ تجد الناس يتعلقون به تعلقاً شديداً، الآن آلاف مؤلفة يقولون لك: قد أفتوا بالربا في مصر- هذه علقت - كم حديث ديني ظهر في العالم لم يعلق أما الإفتاء بالربا فعلق؟ فأحياناً الخطأ يتمكن من الإنسان، فليس من المعقول أن أضحي بالمجتمع بأكمله عن طريق قناة فضائية، أسمع الناس الكفر، والإلحاد، والطعن بالدين، وأجعل الطرف الآخر ضعيفاً، فلذلك نحن بحاجة الآن أن نحافظ على صفائنا، نحن اجتماعيون إلى أقصى درجة؛ اجتماعيون إذا كان الوضع طبيعياً، اجتماعيون فيما بيننا، أما بحكم أنني أنا اجتماعي تزل قدمي، اجتماعي أقع بمعصية، اجتماعي أشتهي المنكر، فهذه مشكلة كبيرة؛ لذلك في الزمن الصعب؛ في زمن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، في زمن الأوراق تداخلت، في زمن الضلال طرح مع الهدى، في زمن الإنسان شعر بغربة؛ قال: في مثل هذا الزمان:
((عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة، الزم بيتك وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة))
[صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
الخير كله في المؤاثرة :
لدينا قاعدة عامة مهمة جداً: أن الخير كله في المؤاثرة؛ ولكن لا مؤاثرة في الخير، أي مستحيل أن أؤثر إنساناً على طاعة الله؛ أنا هدفي أهديه؛ سأجلس معه، مع زوجته، بناته؛ وأتكلم عن الله! الآن أنت وقعت بالفخ ولم تعرف، وقعت بالفخ وانتهيت، أنا لا أؤثر إنساناً على طاعة الله؛ كثيراً ما تجد أشخاصاً يجتهدون أنه من الممكن أن أهدي هذه؛ لكن هذه أنثى؛ ممنوع أن تختلي معها، فأنت تنطلق من هدايتها فإذا أنت في معصية كبيرة، فهناك مزالق كثيرة جداً، ترهات كثيرة، طبعاً سبب اختياري هذه الأحاديث أنني كثيراً ما أسمع عن إنسان على أثر قليل من الانفتاح على المجتمع خسر دينه.
من اختار مصلحة بعيدة عن فتن المجتمع يكون قد أنقذ دينه :
والحديث السادس قال عليه الصلاة والسلام:
((يُوشِكُ أن يكون خيرَ مال المسلم؛ غَنَم يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الفتن))
[ أخرجه البخاري والموطأ وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري]
الآن في دمشق؛ محل في زقاق الجن - تصليح سيارات - أو بالمنطقة الصناعية؛ يوجد سيارات معطلة، شحم، زيت، أصوات، ومحل بالحمراء يبيع مثلاً ألبسة نسائية؛ العطر، والأناقة، والنعومة، والأغاني، أيهما أقرب للآخرة وللجنة؟! الذي في المنطقة الصناعية، هناك لا يوجد معصية، لا يوجد محلات فيها قنص؛ النساء كاسيات عاريات؛ أخ كريم فتح محلاً قال لي: والله غلطت، كل الزبائن نساء متفلتات لدرجة غير معقولة، قال لي: أنا محصن بالزواج، عندي شباب بالمحل، عندي موظفون؛ أول امرأة، وثاني امرأة، وثالث امرأة؛ هناك مشكلة؛ فكلما استطعت أن تبتعد عن مواطن الفتنة، كلما اخترت مصلحة بعيدة عن إغراءات النساء؛ كلما اخترت مصلحة بعيدة عن فتن المجتمع؛ تكون أنت قد أنقذت دينك، لذلك قال: ((يُوشِكُ أن يكون خيرَ مال المسلم غَنَم يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال - أي أعلاها ورؤوسها - ومواقع القَطْرِ ، يَفِرُّ بدينه من الفتن))
[ أخرجه البخاري والموطأ وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري]
الإيمان القوي يصمد أمام إغراءات الدنيا :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( منْ خَيْرِ مَعَايش الناس لهم: رَجُل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله، يَطِيرُ على مَتْنه، كلما سمع هَيْعة، أو فَزْعة، طار عليه يبتغي القتل، أو الموت مَظانَّه، أو رجل في غُنَيمة في رأس شَعَفة من هذه الشِّعاف، أو بطن واد من هذه الأودية، يُقيم الصلاة، ويُؤتي الزكاةَ، ويعبُد ربَّه حتى يأتيَه اليقين، ليس من الناس إلا في خير))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
أي يمكن أن تكون في بيت متواضع، مع أخ مؤمن جلست معه، قرأت قرآناً شعرت بصفاء، براحة، و يمكن أن تشرب فنجان قهوة بفندق خمس نجوم، جالس؛ ترى آلاف النساء شبه عرايا، أول مرة غضضت بصرك ثم هل هذا شاب أم بنت؟ تريد أن تتأكد؛ فرأيتها؛ هذا ما يحصل معنا، ينظر فلم يعد يريد أن يصلي؛ صارت الصلاة صعبة عليه؛ يريد أن يرى المناظر، فبين أن تجلس بغرفة من الدرجة العاشرة، مع أخ مؤمن، تقرأ قرآناً، وبين أن تشرب فنجان قهوة في فندق ما! اختلف الوضع اختلافاً كلياً؛ أنا أنبه لأنني لا أتكلم من هراء، أحياناً الإنسان يكون مستقيماً، منضبطاً، يؤوي إلى بيت من بيوت الله، بشكل أو بآخر تجده فلت؛ فلت من إغراء بسيط، ونحن نريد إيماناً قوياً يصمد أمام الإغراء.
إذاً هناك أربعة أحاديث: ((إن الله يحب العبد التَّقيَّ الغنيَّ الخفيَّ ))
[أخرجه مسلم عن عامر بن سعد]
(( رجل معتزل في شعب من الشعاب يتقي ربه تبارك وتعالى ويدع الناس من شره ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي أبي سعيد الخدري]
و: ((يُوشِكُ أن يكون خيرَ مال المسلم غَنَم يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الفتن))
[أخرجه البخاري والموطأ وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري]
((رجل في غنيمة في رأس شِعفة من هذه الشِّعف، أو بطن واد من هذه الأودية؛ يُقيم الصلاةَ، ويؤتي الزكاةَ، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين))
[رواه النسائي عن عبد الله بن عباس]
أثمن شيء في زمن الفتن أخ في الله :
بالمناسبة أثمن شيء في زمن الفتن أخ في الله، تأنس به ويأنس بك، تبثه حبك ويبثك حبه، تركن إليه، تسكن إليه، تعينه ويعينك، تأخذ بيده ويأخذ بيدك؛ فمن له أخ مؤمن فليعض عليه بالنواجذ، يحرص عليه، يلجأ له، يكثر جلسات معه؛ يصير هناك أنس، الإنسان ليس كل لحظة بالجامع، و ليس كل لحظة مع الشيخ، وليس كل لحظة مع من يحب، يجب أن يختار من بين المؤمنين مؤمنين يجلس معهم دائماً، يكون معهم؛ أحياناً يكون هناك يوم عطلة، تجلس مع أخيك فترتاح، فلابد من أن تصطفي أخوين، أو ثلاثة، هؤلاء يؤنسونك، ويحفظونك، وهم حصن لك.
درس اليوم؛ إذا كان هناك فتن فالعزلة أولى، أما إن لم يكن هناك فتن فالاختلاط أولى، المقياس أنه من خالط الناس فصبر على أذاهم، واستطاع أن يأخذ بيدهم إلى الله؛ أفضل من أن يعتزلهم، أما إذا كانوا أقوى منك، ولهم قوة جذب أكبر؛ فو الله تركهم أولى، هذا هو الأصل، نهاية المطاف: الوحدة خير من الجليس السوء، لكن الجليس الصالح خير من الوحدة، إذا كان المجتمع راقياً، والله هذا المجتمع أرقى من الوحدة بكثير، أما إذا المجتمع كله متفلت فالعزلة أولى، الآن: إذا الإنسان ذهب ليزور خالته؛ خرج له بنات خالته الثلاث بثياب متفلتة بالصيف: أهلاً!! أين إذاً صلة الرحم هذه؟ كلهن أجنبيات عنه، وهن متفلتات - اختلف الأمر - كنا بصلة رحم صرنا بثلاث معاص - هذا الذي ألح عليه، حافظ على استقامتك، وعلى صفائك، وحافظ على إخوانك المؤمنين، اجلس معهم، ولا تستبدل بهم غير المؤمنين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : هديه في من سلم المؤمنون من لسانة ويدة



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
المعنى الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث التالي :
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت:
((يا رسول الله! أي المسلمين أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: من سلم المسلمون من لسانه ويده))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري]
قد يتبادر إلى الذهن المعنى الظاهري لهذا الحديث أن المسلم الذي لا يؤذي المسلمين, لا بلسانه, ولا بيده, هو أفضل المسلمين عند الله, إلا أنه قد ينشأ معنى آخر, سماه العلماء: (المعنى المخالف), أو (المعنى المعاكس), بمعنى أن غير المسلمين لا يسلمون من لسانه ويده, ممنوع أن يؤذي المسلمين وحدهم بلسانه أو بيده, ولا يتجه المنع إلى غير المسلمين.
هذا المعنى ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام, لعل المعنى الذي أراده النبي أن سمعة المسلمين لا تُخدش من خلال تصرفات هذا الإنسان, فلو أساء لغير المسلمين يُتهم الإسلام كله, لو أكل المسلم مالاً حراماً على غير المسلم لاتهم هذا الذي هو غير مسلم المسلمين.
ودائماً وأبداًً إذا أساء إليك مسلم, تنظر إليه وحده, أما إذا أساء مسلم إلى غير مسلم, غير المسلم لا ينظر إلى أنه شخص أساء, ينظر إلى أنه دين قد أساء؛ فقبل أن تؤذي غير المسلم, وقبل أن تحتال عليه, وقبل أن تأكل ماله, وقبل أن تخدشه, عد للملايين, لأنه سيتهم الإسلام كله.
على كلٍّ؛ ينبغي أن يسلم المسلمون من لسان المسلم ويده, وينبغي أن يسلم الناس جميعاً من لسان المسلم ويده, إن كان إسلامه صحيحاً, وإن كان حريصاً على سمعة المسلمين, وإن كان حريصاً على أن يبقى اسمهم متألقاً, فعليه أن يستقيم مع الناس جميعاً.
يؤكد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من غش فليس منا))
[أخرجه مسدد بن مسرهد في مسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
من غش؛ أي إنسان كائناً من كان. الحالات التي استثناها العلماء من أحكام الغيبة هي :
1 ـ التظلم :
أما أذى اللسان فهناك ست حالات استثناها العلماء من أحكام الغيبة: الحالة الأولى هي التظلم: الإنسان لو رفع أمره إلى القاضي, وﺇلى السلطان, أن فلاناً فعل معي كذا وكذا, فهل هذا من الغيبة؟ الجواب: لا, وإلا التغى العدل.
يمكن للمسلم أن يرفع أمره إلى القاضي, وأن يقول له: يا سيدي, فلان فعل معي كذا وكذا, فلان اغتصب مالي, فلان نهش عرضي, هذا لا يعد غيبة, إذا تظلمت إلى السلطان, وذكرت الفعل الشنيع الذي فعله أخوك معك, هذه حالة. 2 ـ أن تستعين بإنسان على إزالة منكر :
الحالة الثانية: أن تستعين بإنسان على إزالة منكر: لو أن هناك محلاً, أو بيتاً يبيع خمر سراً, وأنت ذهبت إلى إنسان قوي بإمكانه أن يمنع هذا المنكر, وذكرت له أن فلاناً الفلاني يبيع الخمر سراً من هذا البيت, فأنت إذا استعنت بإنسان قوي على أن تزيل هذا المنكر, لك أن تحدثه بما فعل هذا الإنسان, وليس هذا من الغيبة أيضاً, هذه الحالة الثانية. 3 ـ أن تستفتي المفتي في موضوع :
الحالة الثالثة: أن تستفتي المفتي في موضوع: أي فلان فعل معي كذا وكذا, ما الحكم الشرعي؟ أفعل معه كذا أم أسامحه أم ماذا أفعل؟
أخ كريم سألني قبل يومين, قال لي: بينما أنا نائم في غرفة النوم أنا وزوجتي, دخل لص إلى البيت, طبعاً ألقي القبض عليه, وأودع في السجن, قال لي: بإمكاني أن أعفو عنه, وأخفف عنه, وبإمكاني أن أضاعف له المدة, فماذا أفعل؟ قلت له: الحكم الشرعي إذا كان عفوك عنه يقربه إلى الله فينبغي أن تعفو عنه, وإذا كان عفوك عنه يزيده انحرافاً فينبغي أن تزجره, وهذا عائد إليك, وعائد إلى اجتهادك, والدليل قول الله عز وجل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾
[سورة الشورى الآية:40]
أي من ابتغى الإصلاح بعفوه, إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه قال: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة الشورى الآية:40]
أما: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾
[سورة الشورى الآية: 39]
الأصل أن تنتصر, أما إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يقربه إلى الله فينبغي أن تعفو عنه, وعندئذ أجرك على الله. يجوز التعيين في التظلم وفي الاستعانة على إزالة منكر أما في الاستفتاء فممكن ألا تعين:
يوجد رأي آخر هنا فرعي: إذا الإنسان استفتى مفتياً في موضوع, وقال: يوجد رجل فعل معي كذا وكذا, لا يوجد داع أن يثني, ولا يعين, أما في موضوع التظلم فيجب أن يعين, فلان بن فلان فعل معي كذا وكذا, وفي موضوع الاستعانة بشخص قوي على إزالة منكر, ينبغي أن يقول: فلان يبيع الخمر في بيته سراً, وفي هذا البيت دعارة, وفي هذا البيت كذا و كذا.
يجوز التعيين في التظلم, وفي الاستعانة على إزالة منكر, أما في الاستفتاء فممكن ألا تعين, فلان فعل كذا وكذا, ماذا أفعل أنا؟ أو عفواً: رجل فعل مع رجل هكذا.
وأنا أرتاح كثيراً لبعض الأخوة الذين يستفتون دون أن يعينوا الأشخاص, وهناك إنسان يستحي, ويخجل أن يفضح نفسه, يقول لي: سألني صديق, ماذا أفعل؟
أكثر الأسئلة تأتي أحياناً بصيغة: أن صديقه سأله وكلفه أن يستفتي, فلا يوجد مانع؛ هذا نوع من الحكمة, ونوع من حفظ ماء الوجه, والله عز وجل ستار, وساتر, ستار العيوب. التَّائب من الذَّنب كمن لَا ذنب له :
نحن لا يوجد عندنا في الإسلام اعتراف إطلاقاً, إسلامنا فيه ستر؛ فإنسان فعل معصية لا ينبغي أن يفضح نفسه, بل إن الله عز وجل إذا ستر على عبد من الذنب الكبير, من الكبيرة أن يفضح نفسه.
أذكر قصة قديمة, من عشرين أو ثلاثين سنة, أخ هكذا في ساعة صفاء قال لي: ارتكبت الفاحشة, وقد تاب, وأصلح, وارتقى إلى الله, لكن سبحان الله! كلما نظرت إليه تذكرت فعله, كان عليه ألا يقول هكذا, لا يوجد داع, لا يوجد داع لأن تكون صريحاً بالموضوع, شخص الله عز وجل ستره, اقبل ستر الله عز وجل.
وأنا أذكر قرأت مرة: امرأة زنت أقيم عليها الحد في عهد سيدنا عمر, - وإذا أقيم الحد على إنسان, أو على امرأة, وتابت, فحدها كفارتها, وهي عند الله بريئة-, فبعد حين جاء من يخطب هذه الفتاة, ولا يعلم ما كان منها, فجاء أخوها لسيدنا عمر, وسأله, قال له: " أأذكر له ما كان منها؟ قال له: والله لو ذكرت له لقتلتك" أي لأوجعتك.
((التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ))
[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود]
((التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ))
[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود]
هناك إنسان يحب أن يستقصي ماضي الإنسان.
والبارحة فوجئت بسؤال: أن رجلاً شاباً تزوج من فتاة مستقيمة, ودينة, وملتزمة, إلى آخره, بعد حين علم أنها لم تكن كذلك من قبل, كانت طالبة جامعية, وكان لها أصدقاء, هو متألم جداً, وفي ضيق شديد, قلت له: هذا الضيق من الشيطان, لأن هذه الإنسانة تابت, انتهى الأمر, الإسلام يجب ما قبله, طبعاً: لا يوجد فاحشة لكن لا يوجد التزام سابقاً؛ الإسلام يجب ما قبله, يهدم ما كان قبله, الحج يهدم ما كان قبله, الهجرة تهدم ما كان قبلها.
وأنا أرى من الكمال إذا الإنسان له جاهلية, ثم صلح حاله, ألا تُذكّره بعمله السابق إطلاقاً. وموقف سيدنا يوسف لما قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية:100]
أيهما أخطر؟ الجب أخطر, الإنسان بالسجن حياته مضمونة, وأكله مضمون, و له مأوى, لكن ليس له مفتاح, أما بالجب فخطر الموت جوعاً, أو هلاكاً, فما ذكر أخوته بعملهم، قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾
[سورة يوسف الآية:100]
وما ذكر أنهم كادوا له, الشيطان دخل بيننا, أي لم يجعلهم مسيئين في نص هذه الآية, هذا أيضاً من كمال الإنسان. 4 ـ النصيحة :
الرابع هو النصيحة: إنسان يشارك شخصاً نصاباً, إنسان خطب من أسرة, وهذا الخاطب كذاب, شارب خمر, إنسان يريد أن يشتري بيتاً, وهذا البيت له إشكال بأساساته, وهناك أمر بإخلاء البيت، إنسان يريد أن يعقد صفقة مع إنسان, والصفقة لها مشكلة, فهذه نصيحة لا يُقصد منها الإفساد إطلاقاً, فالنصيحة مباحة.
صار التظلم, والاستعانة على إزالة منكر, والفتوى, والنصيحة, والمسلم يجب أن ينصح المسلمين.
أحياناً يكون هناك بيت فيه مشكلة كبيرة, يوجد عليه رهونات, يقول لك: سيأتيني زبون الآن, البيت أعجبه, أي يريد من الذي أعجبه البيت أن يعمل عقداً, يدفع عربوناً, و يمنعه من الكشف على سجله العقاري, قد يكون عليه حجوزات, أو عليه رهونات, أو إشكالات كبيرة جداً, فهو استغل رغبته بالبيت, ومنعه أن يبحث عن ماضيه, وتعلم أنت ما كان من هذا الموضوع, فهذا ليس من باب الغيبة, من باب النصيحة. 5 ـ أن يكون الإنسان مجاهراً بالفسق :
النوع الخامس لإباحة الغيبة أن يكون الإنسان مجاهراً بالفسق: هناك أشخاص يزني, ويتباهى بالزنا, يشرب الخمر, ويتباهى بشرب الخمر, فالمجاهر بالفسق لا غيبة له, هو زكى عن نفسه, هو فضح نفسه, فلا غيبة لفاسق, لفاسق مجاهر, ومن هو الذي يجاهر؟ هو الفاجر.
تجد شخصاً شرب الخمر, وستر نفسه, وشخصاً شرب الخمر, وفضح نفسه, الساتر لنفسه فاسق, أما الذي جهر بفسقه ففاجر, لا غيبة لفاجر؛ إنسان يتباهى بالمعاصي, يتباهى بأكل أموال الناس بالباطل, يتباهى بشرب الخمر, يتباهى بالزنا, هذا لا غيبة له, ذكروا الفاسق بما فيه, يحذره الناس. 6 ـ التعريف :
آخر شيء: التعريف: كنت تقول: الجاحظ, أي جحظت عيناه, تقول: الأعمش, تقول: المتنبي مثلاً, فهناك صفات للأشخاص لا يُقصد منها الغيبة إلا التعريف.
العلماء قالوا: "إذا أمكنك أن تعرفه باسم آخر, فالأولى أن تفعل ذلك".
أحياناً يكون الإنسان له اسم, وله كنية, المعلمون في المدارس يعرفون هذا الشيء, لو فرضنا اسمه أحمد, اسم ثان غير مناسب, يدعو للضحك, فإذا أنت ذكرت الاسم الأول فذلك أرقى.
كان عليه الصلاة والسلام: يغير أسماء أصحابه، قال له: "من أنت؟ قال له: أنا زيد الخيل, قال له: بل زيد الخير".
فالكمال أن تنادي الإنسان باسم محبب إليه.
بالمناسبة من حق الابن على أبيه أن يحسن تسميته، والاسم دقيق جداً، الآن هناك إنسان اسمه عدوان.
كنت مرة في محافظة, مدير التربية اسمه عدوان, عدوان والله اسم غير جميل, هناك أسماء قاسية, أسماء زاجرة.
فالإنسان عليه أن يحسن اختيار اسم ابنه, أما لو سماه اسماً خاطئاً, وأنت بإمكانك أن تسميه اسماً آخر فسمهِ.
أنا أعرف مدير مدرسة ابتدائية, رجل صالح جداً, إذا طفل له اسم يثير الضحك, يغير له اسمه المتداول أثناء العام الدراسي, أما بالسجلات فاسمه الحقيقي..
فالمؤمن ينضبط, لا يتكلم إلا بالنصيحة, أو التعريف, أو التحذير, والنصيحة, أو الاستعانة على إزالة منكر, أو الفتيا, أو التظلم.
هذه الحالات الست التي وردت في كتب الفقه, والتي يباح فيها أن تقول كلاماً يسيء إلى إنسان, لأن هذه الغيبة: ((ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته))
[ مسلم عن أبي هريرة]
البهتان أن تقول شيئاً لم يقع, أما الغيبة فأن تقول شيئاً وقع. من يسيء لغير المسلمين يسبب سمعة سيئة لمجموع المسلمين :
لذلك: ((أي المسلمين أفضل؟ قال عليه الصلاة والسلام: من سلم المسلمون من لسانه ويده))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري]
المعنى الأكمل والأعمق أن سمعة المسلمين ككل تسلم من تصرفات هذا المسلم, ومن لسانه, ومن يده, أي إذا أساء إلى غير المسلمين يسبب سمعة سيئة لمجموع المسلمين.
مثلاً إذا إنسان أساء لإنسان, ولهذا المسيء أب محترم, فهذا الإنسان الثاني رأساً يسب أباه, يكون هذا الابن سبب مسبة لوالده, ووالده كامل, ووالده لا يستحق هذا اللوم, لكن لأن ابنه أخطأ خطأ, , جر للأب مذمة.
دائماً المسلم عندما يسيء لغير المسلمين يسبب سمعة سيئة لمجموع المسلمين.
سمعت عن رجل, ذهب إلى أوروبا, ودرس الطب, أحب فتاة, وتزوجها, وهي أحبته حباً جماً, وقدمت له خدمات لا تقدر بثمن, سكن في بيتهم, وأكرموه, وتزوج منها, وأعانته على تعلم اللغة الأجنبية, وأعانته على الأطروحة, فلما أخذ الدكتوراه اختفى فجأة, لا يوجد مبرر لأن يختفي, فعلمت أنه عاد إلى بلده سراً, فلحقته, لم تجده في بلده, علمت أنه ذهب إلى بلد آخر بعقد, هو صار طبيباً, فانتقلت إلى البلد الآخر, وما زالت تبحث عنه, وتتصل بالمسؤولين, حتى وصل الأمر إلى ملك هذا البلد, فطرده من المملكة, وجاء في حيثيات القرار: إنك أسأت إلى مجموع المسلمين, تقول: ليقل ماذا فعلت معه حتى تركني؟
أحياناً الإنسان يسيء لمجموع المسلمين وهو لا يشعر, إذا أسأت إلى إنسان غير مسلم تسبب سمعة سيئة لمجموع المسلمين.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثامن و العشرون )


الموضوع : هديه في الترهيب من رواية الأحاديث الموضوعة





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ديننا دين وحي و نقل وأخطر ما في النقل صحته :
أيها الأخوة الكرام: حديثان شريفان لهما علاقة وشيجة بالتشريع؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنّ كذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
إن كذباً على النبي صلى الله عليه وسلم ليس ككل كذب, هنا يوجد كذب تشريع؛ ديننا دين وحي, وديننا دين نقل, وأخطر ما في النقل صحته, فلو كذب أحدنا على رسول الله, أي روى حديثاً ضعيفاً, أو روى حديثاً موضوعاً, أحدث في الدين ما ليس منه؛ صار هناك تفرقة, صار هناك أديان, صار هناك شيع, صار هناك أحزاب, صار هناك تضارب, صار هناك انحراف, لا يجمعنا إلا الأحاديث الصحيحة, ولا يفرقنا إلا الأحاديث الموضوعة, وما من فرقة ضالة إلا اعتمدت على حديث موضوع, وما من مشكلة بين المسلمين إلا لسبب غير صحيح, لأن الصحيح يجمع, والضعيف يفرق, وكأن الله سبحانه وتعالى, كشف للنبي عليه الصلاة والسلام مسبقاً ما سيكون, لذلك كان هذا الوعيد الخطير: ((مَنّ كذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
الحديث غير الصحيح يبعد الناس عن الحقيقة :
الإنسان يتكلم, هناك رغبة عند بعض الخطباء والدعاة أن يتحفوا الناس بشيء جديد, فالشيء المألوف يدعونه, يبحثون عن شيء لم يُسمع من قبل, يقعون في هذا الفخ الكبير, أنه حديث غريب, يأتي به ليتحف الناس به, والحديث غير صحيح, فالحديث يبعد الناس عن الحقيقة؛ صار هناك انحراف بالفهم, انحراف بالتطبيق, لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان وعيده شديداً, وهو لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى.
الإنسان قبل أن يذكر حديثاً ضعيفاً, أو موضوعاً, يجب أن يعد للمليون, قد يكون فيف توجيه خاطئ.
مرة خطيب بنى خطبة على حديث, ساعة ونصف, شرح حديث, حديث موضوع؛ كل الناس هلكى إلا العالمون, والعالمون هلكى إلا العاملون, والعاملون هلكى إلا المخلصون, والمخلصون على خطر عظيم, هذا الحديث وضعته الزنادقة للتيئيس, لم يبق هناك حديث حتى تجد حديثاً ييئسك! حديث يعمل حالة خوف غير طبيعية, وكل عطاء كبير لسبب بسيط, الحديث مشكوك فيه غير معقول بكلمة تتكلمها انتهى كل شيء.
فأنت أحسن من أن تصلي أربعين ألف سنة, كل يوم ألف ركعة, تكلم كلمة فيها موازين صحيحة, إنسان استقام, أطاع الله عز وجل, إنسان جاء بكل المعاصي والآثام, لكن حكم موته يوم الجمعة, للجنة, فتجد أحاديث ذات مقاييس مضحكة, عطاء كبير لأسباب تافهة, الحديث موضوع. من يتحرك بخلاف ما يعلم فهو منافق أما الجاهل فمحاسب :
الشيء المؤسف أنه في أكثر المساجد تدور على ألسنة الناس أحاديث غير صحيحة – موضوعة- ما قالها النبي عليه الصلاة والسلام, لأنه لا يوجد تدقيق.
فالإنسان كلما بقي بالصحاح يمشي على صخر, إن هذا العلم دين, نحن الحديث وحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[سورة النجم الآية:3-4]
فإن كان الوحي مزوراً, أنت تقول: قال النبي؟!
هذا الحديث: ((مَنّ كذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
لا تفرح أنه حديث غريب, الغرابة مشكلة.
أنا أقترح ائت بالحديث المعروف المألوف, وعمق خطبه, بدل أن تأتي بشيء نادر, غريب, لا أحد سمعه, تطرب الناس فيه, لا, ائت بحديث مألوف, معروف, ورد بالصحاح, يسمعه الناس جميعاً, وأتحفنا بمعنى عميق له؛ أتحفنا بتعميق له, أتحفنا باستنباط رائع, أتحفنا بحكم فقهي, أما الآن: ((إذا لم تستح فاصنع ما تشاء))
[البخاري عن ابن مسعود]
حديث صحيح, له معان كثيرة, مألوف, المعنى المألوف: أنه في آخر الزمان لم يعد هناك حياء, لكن يوجد معنى آخر, معنى آخر راق جداً هو أنك إذا لم تستح من الله في هذا العمل لا تعبأ بكلام الناس افعله ولا تخش أحداً.
أحياناً: يكون هناك عمل عظيم, لكن الناس يتحدثون عنك, يتحدثون؛ ما دمت راضياً لله عز وجل, لا تعبأ بأحد. ((إذا لم تستح فاصنع ما تشاء))
[البخاري عن ابن مسعود]
والآن يقول لك شخص: أنا لا أعلم أنه حديث ضعيف, أنا لا علاقة لي, هنا الحديث الأول: ((من كذب علي متعمداً))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
يعرف أن هذا الحديث موضوع, و رواه, بالمناسبة: الإنسان قد يقول ما لا يعلم, أما المجرم فهو الذي يقول بخلاف ما يعلم, تعرف الحقيقة و لمصلحة, ولمكسب مادي, ولاتباع للهوى, تنطق بخلاف ما تعلم, لذلك هناك مفت يفتي بغير علم, محاسب عند الله أشد المحاسبة, لكن من هو المجرم؟ الذي يفتي بخلاف ما يعلم, يقدم فتوى لمصلحة مادية وهو يعلم خلافها, فكل إنسان يتحرك بخلاف ما يعلم منافق, أما الجاهل فمحاسب. من يعتمد في أفكاره المبتدعة على أحاديث ضعيفة أو موضوعة فهو آثم :
الآن: سيقول لك شخص: أنا لا أعرف, نقول له: اسمع الحديث, أيضاً في الصحاح:
((من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين))
[أخرجه مسلم والترمذي عن سمرة بن جندب]
هو ما دقق, ما تحقق, أما الحديث فيرى أنه كذب, الآن أول حجة: أنا لا أعرف, بالحديث الثاني: انتهت الحجة, انتهت. ((من حدث بحديث يُرى أنه كذب, فهو أحد الكاذبين))
[أخرجه مسلم والترمذي عن سمرة بن جندب]
مرة التقيت مع رجل مبطن, من فرقة ضالة, أول مأخذ أخذته عليه: كل النصوص موضوعة أو ضعيفة انتهى, المناقشة انتهت, أنت معتمد على أحاديث ضعيفة, أو على أحاديث موضوعة, الشيء الثاني هؤلاء يعتقدون أن هناك مسيحاً آخر, سيأتي بعد رسول الله, النبوة لم تنته, فرقة خطيرة جداً, تنفي وجود الجن, وتوقف الجهاد.
فأول مأخذ أخذته عليه أن الأحاديث التي اعتمد عليها في كل أفكاره المبتدعة أحاديث ضعيفة, أو موضوعة, المأخذ الثاني: الاستنباط كان ظنياً, متى سيأتي المسيح الموعود؟ عندهم أسى في الباكستان, حسناً: ما الدليل؟ قال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾
[سورة البروج الآية:2]
هذا ليس المعنى القطعي كما تقول,في القرآن جاءت على يوم القيامة: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾
[سورة البروج الآية:1-3]
أنت حملت الآية معنى لا تحتمله, فلذلك الحديث الثاني ينفي أي حجة: ((من حدث بحديث يُرى أنه كذب))
[أخرجه مسلم والترمذي عن سمرة بن جندب]
يرى علماء الحديث أنك ما دققت, ما تحققت, ما سألت, ما بحثت عن تخريجه, فأنت آثم: ((... فهو أحد الكاذبين))
[أخرجه مسلم والترمذي عن سمرة بن جندب]
على الإنسان أن يتأكد من صحة الحديث قبل روايته :
طبعاً الحديث الأول أخواننا الكرام:
((مَنّ كذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
وهناك حديث: ((من أخلص لله أربعين صباحاً, تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه))
الحديث ضعيف, هناك أناس قعدوا أربعين يوماً لكن لم يطلع معهم شيء, فانتكسوا نكسة قوية؛ لا يمكن أن ينشأ مشكلة من حديث صحيح, لا يمكن أن ينشأ إحباط, ماشي على صخر, لأن هذا التوجيه من عند الله عز وجل, من عند خالق الكون.
أعرف رجلاً درس اللغة العربية في إدلب, انطلق إلى الدين انطلاقة عجيبة, بسرعة مذهلة, اعتماداً على هذا الحديث, فعندما لم يجد الوعد الذي وعده النبي بهذا الحديث صار معه نكسة مخيفة, فأنكر الدين كله.
فأنا أجتهد, أصلي, أما أن أجد في اليوم الأربعين الأمور كلها صارت واضحة, يأتيني الفتح الفجائي على أربعين يوماً, فلعلك لم تنضج, أما تحتم فالتحتيم نوع من التألي على الله عز وجل.
وقال: ((وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي ولا بكم))
[ البخاري عن أم العلاء الأنصارية]
طبعاً الحديث الأول متواتر تواتر لفظي, والمتواتر أعلى درجة في الأحاديث.
والحديث الثالث يقول عليه الصلاة والسلام - طبعاً الحديث الثالث في مسلم-: ((إن كذباً علي ليس ككذب على أحد, فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة]
أحياناً النبي ما ذكر الحديث, هناك رجل فرضاً رأى هذه المعصية, أحب أن يحذر الناس منها, فعمل حديثاً, من فعل هذا ملعون.
البارحة شاهدت شاباً معنوياته محطمة, واقع بمعصية, هذه معصية لكن ليست كهذا الحديث الموضوع؛ فهناك تهديد, وهناك وعيد, وهناك وعيد بالنار, من فعلها فهي معصية لكن ليست بهذه الدرجة, هو سمع من عالم حديثاً موضوعاً عن هذه المعصية, فانهارت نفسه، وهكذا شعر بالإحباط، قلت له: لا, هذه ليست مثل هذه المعصية التي تفعلها, ليست كما تظن, مستواها أقل, فالوضع اختلف.
أحياناً يكون هناك وعيد في حديث موضوع, وهناك وعيد شديد بمعصية معينة, قد يفعلها بعض الشباب, وقد تنهار معنوياتهم, ويُسحقون إذا صدقوا, لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إن كذِبا عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمداً, فليتبوأ مقعده من النار))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة]
يكذب على ألف إنسان, الأشخاص عاديون, أما أن تكذب على النبي عليه الصلاة والسلام متعمداً فواضحة, وغير متعمد, أي أنت تروي حديثاً لست متأكداً منه, لم تأخذه من مصدر صحيح, فهذه نصيحة لوجه الله: قبل أن تروي الحديث تأكد من صحته, انظر من أين أخذته, من أي كتاب أخذته, من رواه, في أي كتاب ورد, لأن هناك أحاديث كثيرة تثبط عزيمة الإنسان, وأحاديث كثيرة تحرفه عن سواء السبيل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( التاسع و العشرون )


الموضوع : هديه في الحياء



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحياء من الإيمان :
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّ على رَجُلٍ من الأنْصَار وهُو يَعِظُ أخَاهُ في الْحياءِ، فقال عليه الصلاة والسلام:
((دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عبد اللَّه بن عمر]
هذا الحديث يربط بين الخُلُق وبين الإيمان, والحقيقة التي يغفل عنها معظم الناس أنه لا يمكن أن تكون أخلاقياً إلا إذا كنت مؤمناً، لأن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى, فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً.
فالحياء من الإيمان, رحمة القلب من الإيمان, الإنصاف من الإيمان, التواضع من الإيمان, فإذا أردت خلقاً حسناً فابحث عن الإيمان, الإيمان أساس الخلق الحسن.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين]
الفضائل كلها لها حدود معتدلة, فالحياء خلق, أما الخجل فمرض, إنسان يخجل أن يطالب بحقه, يخجل أن يعلن عن اتجاهه, يستحي بدينه, هذا خجل, وإنسان يكون وقحاً, لا يعبأ بأحد مرض؛ فالخجل مرض, والوقاحة مرض, بينهما الحياء, ولو ذهبت لمعظم المكارم الأخلاقية لوجدت أن الفضيلة وسط بين رذيلتين, فالحياء فضيلة, الخجل رذيلة, الوقاحة رذيلة, الشجاعة فضيلة, التهور رذيلة, الجبن رذيلة, الكرم فضيلة, الإشراف رذيلة, التقصير رذيلة, فدائماً الفضيلة وسط بين رذيلتين: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾
[سورة البقرة الآية:143]
وسطاء, وهناك اعتدال بالخلق بين تطرفين. الحياء رادع داخلي :
فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
((الحياء لا يأتي إلا بخير))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين]
إذا الإنسان استحى أن يعمل معصية معنى هذا أن الحياء لجام, الحياء رادع داخلي, وبالمناسبة الإنسان يُحب أن يدعو إلى الله, أما إذا وجدت إنساناً أخلاقياً, و لو كان غير مسلم فإنك ستحترمه, أما إنسان غير أخلاقي أبداً, لو رأيته له عبادات لا تعبأ به إطلاقاً, لأنه لو كان له اتصال بالله لكان على شيء من الخلق, فما لم يتصل بالله إطلاقاً ستجد بالمقابل لا يوجد له أخلاق أبداً, لهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
قال له: (( أسلمت على ما أسلفتَ لك من خير ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام]
ولا يوجد مؤمن تفوق إلا لسبب بالجاهلية, كان له مواقف أخلاقية, فلما جاءه الهدى تفاعل معه؛ فالإنسان إن لم يكن فيه رحمة إطلاقاً, ولا يوجد عنده إنصاف أبداً, وقح إلى درجة متناهية, هذا الإنسان لا ترجو منه الخير إطلاقاً, لأنه مقطوع عن الله, فإذا بدا لك منه عبادة, أو التزام بالدين, فهذا لا يقدم ولا يؤخر, غير الملتزم الأخلاقي أقرب إلى الله من الملتزم اللاأخلاقي.
وفي رواية لمسلم: ((الحياء خير كله))
[ مسلم عن عمران بن حصين]
الحياء خير. الإيمان المنجي هو الإيمان الذي يحمل الإنسان على طاعة الله :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((الإيمان بضع وسبعون, أو بضع وستون شعبة, أفضلها قول: لا ﺇله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة]
الإنسان أحياناً يفعل عملاً, هذا العمل لا بد من أن يُفسَّر بالإيمان, شخص وجد قشرة موز في الطريق أزاحها, إذا أماط الأذى عن الطريق فهذا العمل يعد من أقل درجات الإيمان, وأن تصل إلى التوحيد هذا من أعلى درجات الإيمان, أعلى شيء في الإيمان التوحيد؛ فبين أن تميط الأذى عن الطريق وبين أن توحد ثلاثاً وسبعين درجة, أو ثلاثاً وستين درجة من هذه الدرجات, والحياء شعبة من الإيمان, لذلك الإيمان دائرة تتسع لكل المؤمنين, مركزها النبوة, فهناك مؤمن على المحيط, وهناك مؤمن بالأعماق, فكلما تقدمت إلى مركز الدائرة كنت أقرب إلى قوة الإيمان, مركز الدائرة النبوة.
أي كل شخص قال: لا ﺇله إلا الله, إنسان عمل عملاً صالحاً ابتغاء وجه الله, عمل صالح واحد هذا أدخله في دائرة الإيمان, لكن ما كل عمل يدخله في دائرة الإيمان يردعه عن المعاصي والآثام, الإيمان المنجي الإيمان الذي يحملك على طاعة الله, هناك إيمان غير منج, لذلك: ((الإيمان بضع وسبعون, أو بضع وستون شعبة, أفضلها قول: لا ﺇله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة]
الإيمان أن تجمع بين الأخذ بالأسباب وأن تتوكل على الله عز وجل :
التوحيد هو أعلى درجة في الإيمان, ما كل مؤمن موحد, الله عز وجل قال:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية:106]
مؤمن بالله خالق الكون, لكن يرى قوى بالحياة يتقيها ويهابها مما سوى الله عز وجل, فهذا شرك, عندنا شرك جلي, وعندنا شرك خفي؛ الجلي قلّما تجده في العالم الإسلامي, أما الخفي فمنتشر وواسع جداً. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية:106]
فالإنسان إذا استطاع أن يصل إلى الإيمان بلا ﺇله إلا الله, ومات غير مشرك, وجبت له الجنة, واستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام, فالنبي يشفع لمن مات غير مشرك, والشرك واسع جداً.
الإنسان إذا اعتمد على ماله فقد أشرك, إذا اعتمد على أولاده فقد أشرك, إذا اعتمد على صحته فقد أشرك, إذا اعتمد على خبرته فقد أشرك, بل إن الإيمان أن تجمع بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله, والجمع بينهما يحتاج إلى جهد, فالذي يأخذ بالأسباب يتوهم أنه وصل إلى نتائج ينسى الله عز وجل, وهذه مشكلة الغرب؛ أخذوا بالأسباب, وألَّهوها, ونسوا الله عز وجل, والشرق لم يأخذ بالأسباب فعصى, والإيمان أن تجمع بين الأخذ بالأسباب, وأن تتوكل على الله عز وجل, هذا الذي يرقى بك إلى مستوى الإيمان بلا ﺇله إلا الله, ومع الإيمان بلا ﺇله إلا الله لا ترى أحداً مع الله, ولا ترى منعماً إلا الله, ولا ترى جهة تخيفك إلا الله, هذا الإيمان كفكرة سهلة, أما أن تعيش هذا المعنى, فهذا يحتاج إلى جهد كبير, أما أن تعيش هذه الفكرة, أن تذكرها, أن تشرحها, فالقضية سهلة.
فالإنسان أحياناً يضعه الله في امتحان صعب, شخص قوي, وفيما يبدو لك أنه يفعل ما يقول, وكأن له إرادة, وفعل مستقلة عن الله عز وجل, فالإيمان البسيط يتزلزل أمام هذا الشخص القوي, أما الإيمان القوي فيضعف, الإيمان القوي يُضعف الخوف من هذا الإنسان, فلا يعبأ به. البِر و الإثم :
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال:
((سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان]
البر: حسن الخلق, أما الإثم فما حاك في صدرك, هذه الفطرة السليمة, الإنسان يعلم علم اليقين ما إذا كان على حق, أو على باطل: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[سورة القيامة الآية:14-15]
فالشيء الذي تكره أن يطلع الناس عليه هذا هو الشيء غير الصحيح, هذا هو الإثم بعينه, فالنفوس جبلت جبلة راقية, فما دامت على حق لا تستحي بحالها, ما دامت على باطل تستحي به, إذاً النفس بصيرة, ولو نمينا بالإنسان الفطرة العالية لحلت كل مشكلاتنا.
كل إنسان يبحث عن راحته, وعن سلامته, راحته في طاعة الله, والدليل: الطاعة مريحة للإنسان؛ الصادق مستريح, الصادق أمين, الصادق متوازن, أما الإنسان إذا خرج عن فطرته, فالاضطراب يبدأ, والكآبة تبدأ, فالكآبة هي عذاب الفطرة لصاحبها. صاحب الدين إنسان كامل ينبع كماله من اتصاله بالله عز وجل :
آخر حديث: يقول عليه الصلاة والسلام:
((لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً, ولا متفحشاً, وكان يقول: إن من خياركم: أحسنكم أخلاقاً))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
غير مقبول أبداً أن تفصل بين الخلق والدين, فلان صاحب دين لكن قلبه قاس, معنى ذلك أن إيمانه ضعيف جداً, فلان صاحب دين لكنه يحب حاله, لا يصح ذلك, صاحب الدين إنسان كامل, كماله بسبب اتصاله بالله عز وجل.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-25-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثلاثون )


الموضوع : هديه في الجليس الصالح والجليس السوء



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
البيئة أخطر شيء في حياة الإنسان :
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ، فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحاً طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحاً خبيثَة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري]
بعد أن تؤمن بالله, وبعد أن تستقر العقيدة الصحيحة في نفسك, أخطر شيء في حياتك البيئة التي تعيش فيها, هذه البيئة إما أن تشدك إلى الله, أو أن تشدك إلى النار, لذلك: قضية البيئة؛ أصدقاؤك, جيرانك, زملاؤك, مع من تجلس, مع من تسهر, مع من تسافر, مع من تتعامل, هذه البيئة خطيرة جداً؛ فإما أن تشدك إلى الله, وتزداد بصحبتها إيماناً وقرباً من الله, وإما أن تشدك إلى النار, فتزداد بصحبتها ضلالاً وبعداً عن الله عز وجل, والإنسان العاقل يختار أصحابه, وأصدقاءه, ومن حوله, بعناية فائقة, لأن الإنسان بساعة غفلة أحياناً قد تأتي كلمة ضالة تقع في قلبه موقعاً قوياً, الإنسان يميل للهوى, النفس تميل للهوى, تميل إلى الدنيا, تميل إلى الراحة, إلى الكسل, فقد تأتي فكرة من كافر, من فاسق, من فاجر, تريحك, تتوافق مع رغبتك, تأخذها. سنة النبي سنة توقيفية يجب أن تتبع :
فلذلك الآن سوف أنتقل إلى فكرة دقيقة: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا إلى الله, طريقة دعوته إلى الله ينبغي أن تتبع بحذافيرها, سنته يجب أن تتبع, وطريقته في نشر الحق سنة توقيفية يجب أن تتبع, ما الذي يحدث الآن؟ باسم المناقشة والحوار, وباسم الاستفادة من هذه الأجهزة الفضائية, نأتي بشخصيتين؛ أحدهما كافر ملحد, والثاني مسلم, يتناقشون, أفكار الملحد أو الكافر تنتشر عبر الأقنية الفضائية, يراها مئات الملايين, معظم الناس يميلون للكسل, والشهوة, والتقصير, والدنيا, فقد تأتي أفكار هذا الملحد متوافقة مع نظرة الناس, فيتمسكون بها, لم ينتبه كيف ردّ عليه العالم؟ انتبه ماذا تكلم الأول؟ فهذه الطريقة خاطئة, وخطيرة جداً.
مرة خطر في بالي مثل؛ إنسان أمي لا يقرأ, ولا يكتب, تعرض عليه قضية: إذا إنسان انسد شريانه نوسعه بالبالون, أما نأتي بشريان من رجله؟ لكن هو لا يقرأ, ولا يكتب, بعيد عن أصول العلم, هذه قضية بمستوى عال جداً, بجراحة القلب؛ تحتاج شخصاً معه دكتوراه أولاً, تحتاج شخصاً طبيباً, تحتاج شخصاً اختصاصه قلب, تحتاج شخصاً جراحاً حتى يفهم القلب.
فنحن الناس على جهلهم, وعلى بعدهم عن الدين, رأساً نقحمهم بقضايا خلافية في الدين؛ لا يوجد عنده أساس, لا يوجد عنده مبادىء, لا يوجد عنده وسائل, فبدل أن نعلمهم أصول الدين نعلمهم خلافيات الدين, بدل أن نعلمهم من بديهيات المسلمات تكون مقياساً بيدهم, نقحمهم رأساً بأمور ثانوية جداً, وبعيدة عن أمور الدين. طريقة دعوة النبي إلى الله عز وجل ينبغي أن تتبع بحذافيرها :
لذلك يجب أن نتبع سنة النبي في الدعوة إلى الله, أما نمكن إنساناً كافراً من المسلمين فهذا شيء خطير.
مثلاً نقول لشخص: قطع اليد وحشية, نحن بعصر العلم والرقي, قطع اليد وحشية, نحن السارق نردعه, نردعه بغير قطع اليد, حسناً معنى هذا أن الإله كان خاطئاً. الله قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾
[سورة المائدة الآية:38]
هذا قرآن كريم, انظر كيف يتدرج؟ بدأنا أنه يوجد عندنا فقه قديم, نريد أن نجدده, ظهر عندنا نغمتان, النغمة الثانية: لا نريد السنة, نريد القرآن فقط, النغمة الثانية: لا نريد القرآن, عندما ترفض قطع يده, أنت معنى هذا أنك ترفض القرآن, لو أن الله قال: السارق والسارقة فاردعوهما, حسناً: نحن نعمل لهم ردعاً, في كل عصر طريقة ردع خاصة فيها, أما أنا أمكن إنساناً أن يقول للناس, أن يري الملايين أن قطع يد إنسان عمل وحشي, فلا يتناسب مع العصر, هذه طريقة في الدعوة ما فعلها النبي, قضية خطيرة, لا أمكن ملحداً, لا أمكن كافراً, لا أمكن إنساناً بعيداً عن الدين, لا أُسمع آراءه, وحججه للملايين.
هذا ما يفعله بعض أخواننا العرب في الخليج, الآن شغل الناس الشاغل هذه المحطات, الفضائيات, شغل الناس هذه الندوات, هذه الحواريات, ودائماً مدير الندوة منحاز, وعندما تقوى حجة الطرف الإسلامي يسكته, يسمح للطرف الثاني, كلما وصلت اللقمة للفم يوقفه, يمكن الطرف الثاني, فإذا بالمحطة صاحبها يهودي, ما قولكم؟ يهودي, مليونير يهودي. التفجير من الداخل :
هناك أسلوب اسمه التفجير من الداخل؛ أي ألا نكون سذجاً, نحن معنا كتاب, ومعنا سنة, والنبي دعا إلى الله, لكن لم يفعل النبي مناظرة أبداً, لو كان أسلوب المناظرة جيداً لفعله النبي, أتى بكافر من قريش, تعال إلى هنا, اليوم يوجد عندنا ندوة, اجلسوا اسمعوا, تفضل تكلم لنرى, نناقشه, ما فعلها النبي, الشيء الذي ما يفعله النبي ممنوع استعماله؛ يجب أن تدعو إلى الله وفق منهج رسول الله, شخص سألك تجاوبه, أما أمكّن شخصاً يتكلم على كيفه فهذا شيء خطير, طبعاً لأنه من قضية البيئة الإنسان عندما يحاط بأفكار تدعو إلى معصية, يجد المعصية سهلة, جالس في بيئة كلها شهوات, كلها انحراف, كلها تطاول, تجد الشيء طبيعي جداً، هنا الحديث:
((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري]
أخطر شيء بعدما آمنت بالله بيئتك؛ يجب أن تسهر مع مؤمنين, تعمل نزهة مع مؤمنين, تجلس مع مؤمنين, تصاحب مؤمنين, تعزم مؤمنين, تنعزم لعند مؤمنين, تشارك مؤمناً, وإلا مشكلة, الطرف الثاني إذا كان شارداً يعطيك تأثيرات سلبية وأنت تشعر, والإنسان مثلما قال النبي في دعاء له: ((اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق))
[ ورد في الأثر]
يميل الإنسان, فهذا الحديث: ((إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك ، ونافخِ الكِيْرِ، -الحداد, قال:- فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، - أي إما أن يعطيك من عطره-, وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحاً طيِّبة))
شخص دخل لعند بائع ورود, لم يشتر, الحد الأدنى جلس دقيقتين برائحة طيبة, رائحة الزنبق, ورائحة الورود, شيء جميل, دخل لعند بائع عطر, لم يشتر, قال له: هل تسمح لي أن أنظر؟ ممكن أن أشم هذه؟ وضع له قليلاً على يده, شم, لم يشتر, لكنه استفاد, ادخل إلى عند حداد, تجد بدلتك جديدة, عليها ثقب, من أين أتى الثقب؟ من شرارة خرجت من الكير, حرقت البدلة, هذا الحد الأدنى. الوحدة خير من الجليس السوء :
لذلك قالوا: "الوحدة خير من الجليس السوء"، اجلس لوحدك، الله عز وجل قال:
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾
[سورة الكهف الآية:16]
الكهف هو المسجد, بيتك الكهف, إذا البيئة سيئة؛ بيئة تفلت, بيئة اختلاط, بيئة مزاح رخيص, بيئة أفلام, بيئة فن, ليس لك مصلحة, اجلس لوحدك, أما إذا كان هناك مجلس علم, و أخوان أطهار, مؤمنون, طيبون, لا تجلس لوحدك, تستوحش. (( الجماعة رحمة والفرقة عذاب ))
[ أخرجه عبد الله، والقضاعي عن النعمان بن بشير ]
(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر ]
(( فإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية ))
[ رواه أبو داود عن أبي الدرداء ]
فهذا ميزان دقيق, البيئة خطيرة جداً, وكم من مؤمن أخذ بيد مؤمن؟ وكم من مؤمن سقط لأن صاحبه غير مؤمن؟ والصاحب له تأثير كبير.
درسنا في علم النفس: الطفل في البدايات, ستون بالمئة من التأثير يأخذه عن صديقه, أكثر من أمه وأبيه, عن صديقه, فإذا صاحب الإنسان صديقاً سيئاً, دون أن يشعر الأفكار تأتيه تسللاً دون أن يشعر؛ فإما أن تبتاع منه, وتجد منه ريحاً طيبة, ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة, لذلك: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[سورة المجادلة الآية:22]
البراء والولاء أخطر شيء في الدين :
يوجد في الإسلام شيء اسمه: البراء والولاء, وهذا أخطر شيء في الدين؛ يجب أن توالي المؤمنين, وأن تتبرأ من المشركين, فالإنسان إذا والى غير المؤمنين, هناك خطر, خطر الانزلاق, أو لم يتبرأ من غير المؤمنين هناك خطر الانزلاق؛ ولاؤك إلى الله, ورسوله, وأوليائه, والمؤمنين, تبرئتك من الكفار, والمشركين, والمنحرفين, والعصاة.
إذا لم يوجد عند الإنسان حاسة, حاسة شم, يميز الرائحة الخبيثة من الطيبة, مشكلته مشكلة, يوجد شخص تجده ينسجم, سهرة فيها مزاح رخيص, فيها طرف جنسية بذيئة, تجده يضحك, وسعيد, هذه مشكلة, هذه بادرة خطيرة جداً, إذا لم يكن عندك نوع من الطهارة, بحيث تتأذى من عمل قذر, معنى هذا أن عندك مشكلة كبيرة.
والله مؤمن ممكن أن تجلس معه سنوات وسنوات, لا تسمع معه كلمة سيئة, لأنه صار عنده تهذيب راق, يتكلم, يشرح, يناقش, لا يوجد عنده كلمة بذيئة, لا يوجد عنده كلمة تخدش الحياء, فالعبرة أن تختار أصحابك.
أعظم سعادة للإنسان أن يكون الذين حوله على شاكلته :
أعظم سعادة للإنسان أن يكون الذين حوله على شاكلته, هذا تكريم؛ أي سهراتك, زياراتك, حتى نزهاتك, حتى أوقات فراغك, تمضيها مع من هم على شاكلتك, لذلك الله كرّم النبي بأصحابه, قال:
((إن الله اختارني, واختار لي أصحابي))
[ الجامع الصغير عن أنس]
فالإنسان إذا كان شارداً, واصطلح مع الله, يجب أن يغير الطقم كله, طقم الأصدقاء القدماء, يجب أن يغيرهم كلهم, ليس شرطاً أن يعاديهم عداء سافراً, لكن يجب أن ينسحب منهم شيئاً فشيئاً, حتى يقطع الكلام, بعدما انسحب, ومكّن إيمانه, واختار بيئة مؤمنة, إذا كان بطلاً يرجع يتفقدهم واحداً واحداً, يأتي بهم بعدما قوي, عملية شد حبل, إذا استطعت أن تشده فاجلس معه, إذا استطاع أن يشدك فابتعد عنه, وهذه مقياسها بيدك, الإنسان يمكن أن تؤثر فيه, تحمله على الطاعة, اجلس معه, و إن رغبك بالدنيا, كرهك بالدين, كرهك بالعلم, ابتعد عنه, وأخطر شيء بالإنسان بعد الإيمان الصحبة, الصاحب ساحب. البيئة الصالحة أحد أسباب رقي المؤمن :
لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية:119]
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية:28]
هناك أحاديث كثيرة جداً مثلاً: ((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري]
وتلاحظ شخصين الآن في هذا العصر؛ شخص تجده متبرماً من الناس, دائماً في شكوى, وشخص لا يرى شيئاً, جالس مع المؤمنين؛ لا يوجد عنده مشكلة , لا يوجد عنده شخص غدار, شخص لئيم, شخص ثعلب, شخص محتال, هو جالس بين مؤمنين؛ كلهم صادقون, كلهم عندهم براءة, عندهم طيب, عندهم طهر.
فأنا ألاحظ الإنسان عندما يتشكى كثيراً تكون بيئته سيئة, يكون هو جيداً, لكن اختار بيئة سيئة, تؤلمه جداً, وعندما أجد شخصاً مرتاحاً, سبب راحته أنه اختار بيئة صالحة, ومن سعادة الإنسان أن تكون بيئته صالحة.
أحياناً تسهر مع شخص تصغر, مزحه فاحش, نظراته عابثة, كلامه بذيء, هذا الإنسان ليس لك, هذا لإنسان ثان؛ وهناك إنسان يسمو بك, وإنسان يهبط بك إلى أسفل سافلين؛ فيجب أن نعتني بأصحابنا, وأصدقائنا, ومع من نجلس, ومع من نسافر, ومع من نذاكر, عناية فائقة, أحد أسباب رقي المؤمن البيئة الصالحة, والآية واضحة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية:119]
كأن الآية تقول: لن تتقوا الله إلا إذا كنتم مع الصادقين.
أحياناً الإنسان يكون مقبلاً, متألقاً, ينور, اسأل عنه, يصاحب شخصاً هذا الشخص كرهه بالمسجد, كرهه بأصل الدين, حببه بالدنيا, فمال, فيجب أن نختار الأصحاب.
بالمناسبة كآباء يجب أن تتأكد من أصدقاء ابنك, هذه نقطة ثانية, أخطر شيء لابنك أصدقاؤه, فيجب أن تراقب, كذلك إذا كان أصدقاؤه جيدين, مؤمنين, فهذه علامة طيبة, ترتاح أنت, أما الذي له صديق فاسق فتعساً له، كم من إنسان انحرف بدعوة من صديق فاسق؟ وهناك حالات للانحراف التصحيح صعب, الإنسان عندما ينحرف, تزل قدمه, تصبح التوبة صعبة جداً بعد ذلك, فالبدايات أهون, الوقاية خير من العلاج.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )


الموضوع : هديه في اطعام الطعام



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
المصيبة للمؤمن مصيبة قرب :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة: يا بنَ آدمَ, مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب! كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟))
أدق ما في هذا الحديث أن الإنسان إذا سُلب بعض صحته عوضه الله عنها -عن هذه الصحة التي سلبها منه- قرباً منه. ((أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده))
معنى ذلك أن المصيبة للمؤمن مصيبة قرب, إذا الله عز وجل ساق للمؤمن بعض المصائب, العلة أن يكون قريباً من الله عز وجل, ولا يوجد معصية تصيب المؤمن إلا تكفير, أو تقريب تكفير. إطعام الطعام من أعظم الأعمال في الإسلام :
((....أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟ يا بنَ آدمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني، قال: يا رب ، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ، أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي؟ -معنى ذلك: إطعام الطعام أيضاً من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها-, يا بنَ آدم، استَسقيْتُكَ فلم تَسْقني، قال: يا رب، وكيف أسقِيكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: اسْتَسقَاك عبدي فلان، فلم تَسْقِه، أما إنَّك لو سَقَيْتَهُ وجدتَ ذلك عندي))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
هذا الحديث رواه الإمام مسلم, وفي باب إطعام الطعام؛ فإذا أطعمت طعاماً تبتغي به وجه الله عز وجل فهذا العمل من أعظم الأعمال في الإسلام, لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- سئل: ((رَجُل سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال : تُطعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
الحقيقة: (( إنما الأعمال بالنيات ))
[ البخاري عن عمر ]
أحياناً الإنسان يسمع شيئاً لم يكن يعلمه من قبل.
مثلاً منطقة في مدينة, طلب بناء مسجد في هذه المنطقة, هذا البناء يقتضي تنظيم المنطقة, والتنظيم يقتضي أن ترتفع أسعارها إلى الضعفين, أو الثلاثة.
ممكن إنسان يقصد رفع أسعار منطقة له فيها أراض شاسعة, أو محاضر كثيرة, عن طريق التبرع بمحضر لبناء مسجد, الظاهر أن هذا الشيء رائع جداً, أما الهدف من بناء هذا المسجد في هذه المنطقة تنظيمها, ورفع الأسعار, هذا العمل عند الناس عظيم, أما عند الله فلا قيمة له, لأن الهدف الربح فقط. (( إنما الأعمال بالنيات ))
أعظم الأعمال عند الله حينما تُطعم الطعام وتبتغي به وجه الله :
والولائم كذلك؛ ممكن أن تطعم الطعام, ولا ترقى به عند الله, و ممكن أن تطعم الطعام, وتبلغ بهذا أعلى عليين, أحياناً الهدف تأليف القلوب, الهدف الجمع, الهدف أن تسمع الناس كلمة الحق.
أحد أخواننا الكرام سافر لبلد في الخليج, هو على شوق شديد لمجالس العلم, ويحب أن يكون له عمل صالح, هناك لا يوجد عمل, له عمل بفندق, قال لي: خطر في بالي أن أدعو الموظفين الذين من حولي إلى عشاء, كل أسبوع مرة, وأسمعهم شريطاً, فكان هذا العمل من أطيب الأعمال, هم طبعاً لم يسمعوا الشريط, أما لو كان هناك عشاء, العشاء دفعهم إلى حضور هذه الجلسة, بعد العشاء أسمعهم شريطاً, هو لا يوجد عنده إمكانية لأن يشرح شرحاً دقيقاً, لكن إطعام الطعام كان هو الوسيلة, فهناك إنسان يطعم الناس ليفتخر, ليريهم بيته, ليريهم أثاث بيته, ليريهم دخله الكبير, ليأتيهم بطعام طيب.
(( إنما الأعمال بالنيات ))
أما إطعام الطعام بالذات فقد يكون أحد أكبر الأسباب للقرب من الله عز وجل.
إنسان مؤمن, جاء من بلد, ممكن أن تستقبله, تقدم له طعاماً, يشعر بأنس, يشعر بوحدة المؤمنين, يشعر أن المؤمن أخو المؤمن, تساهم بترسيخ قيم الدين عن طريق هذه الدعوة, فهذا العمل من أعظم الأعمال عند الله، حينما تُطعم الطعام, وتبتغي به وجه الله. إطعام الطعام بالذات عمل فيه مزالق كثيرة :
أحياناً أخوان لنا كثر في رمضان يدعون طلاب العلم الأجانب؛ طالب قادم من الصين, من تركيا, من أفريقيا, دعي إلى طعام نفيس في رمضان, شعر بأنس, يشعر أن له مكانة في هذه البلدة الطيبة, فإطعام الطعام عمل عظيم, بشرط أن تكون وراءه نية عظيمة, لذلك النبي الكريم نهى أن تُلبى دعوة المتباريين.
عملنا عزيمة, الثاني حاول أن يشطح, الثالث أتى بأنواع أكثر, الرابع أكثر من كميات الطعام, دعوة المتباريين لا تُلبى, وأحياناً تُطعم الأغنياء المترفين.
وقد ورد:
((شَرُّ الطعامِ طعامُ الوليمة، يُدعى له الأغنياءُ، ويُترك المساكين))
[مسلم عن أبي هريرة]
فإطعام الطعام بالذات من أعظم الأعمال, لكن هذا العمل بالذات فيه مزالق كثيرة؛ ممكن أن يكون عملاً بلا فائدة, ممكن أن يكون عملاً معه إثم, الهدف العلو, الاستكبار, التفوق, خطف الأضواء, خطف الأنظار, هذا ما لا يرضي الله عز وجل, وهذا الباب معقود عن إطعام الطعام.
فلما سُئل سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام: ((أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: تُطعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
من توسل بإطعام الطعام إلى نشر الحق و تأليف القلوب فقد فاز فوزاً عظيماً :
الحديث الثاني: قال عليه الصلاة والسلام:
((بينما رجلٌ يَمشي بطريق اشْتَدَّ عليه الحر، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ، يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجلُ : لقد بلغ هذا الكلبَ من العطشِ مثلُ الذي بلغَ مِني، فنزل البئر، فملأَ خُفَّهُ ماء, -لا يوجد إمكانية, لا يوجد عنده غير خف- ملأ خفه ماء, ثم أمسكه بفيه – يريد أن يصعد, لا بد من أن يصعد-, ثم أمْسَكه بِفيهِ، حتى رَقِيَ، فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله ، إِن لنَا في البَهَائِمِ أجرا؟ فقال: في كُلِّ كَبدٍ رَطبَةٍ أجرٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
حدثني أخ عنده مزرعة في خان الشيح, قال لي: يوجد حولنا سبع عشرة مزرعة تقريباً, هؤلاء الرعيان في الصيف, في الحر الشديد, يدخلون الغنم للمزارع ليشربوا, قال لي: أينما دخلوا يخرجونهم, الله عز وجل أكرمه, كان يسمح لهم, بعد ذلك طور الأمر, عمل لهم مجراية عند الموتور طويلة جداً, لها سدتان, الغنمات يقفون بتسلسل يشربون, هذا غنم, ليس أشخاصاً.
قال لي: جاءت سنة شحيحة, سبع عشرة مزرعة, الأبيار جفت إلا عندي, أبداً, قال لي: والله سبع عشرة مزرعة, الأبيار كلها نشفت, ويشترون الماء, ويتغلبون, والشجر يبس, إلا عندي لم يتغير.
فإطعام البهائم, إطعام البشر, إطعام الفقراء، شيء عظيم.
يروون طرفة أن أحد المفتين في الشام سابقاً -الشيخ عطا الكسم-, كان إذا دعا كبراء البلد يعمل لهم كشكة, أكلات رخيصة جداً؛ مجدرة, كشكة, وعندما يعزم الفقراء يطبخ اللحم, فكان أولاده يتضايقون فيقول لهم: يا بني! هذه الأكلات الأغنياء لا يأكلونها, ويحبونها كثيراً, أما اللحم ف منه.
والله مرة كنت بعزيمة, رجل فقير يأكل أكلاً بشكل يصعب وصفه من جوعه, كل أربعة أقراص يأكلهم مع بعضهم من جوعه.
أحياناً الإنسان من شهر لم يأكل اللحم, من شهرين, لذلك إطعام الطعام أحد أكبر الأعمال إلى الله عز وجل, الإطعام بنية عالية؛ إطعام طلبة العلم, إطعام الفقراء, إطعام المؤمنين ولو كانوا أغنياء, لكن أحياناً الطعام يجمع.
أثناء كنا في أمريكا, لفت نظري أنه ممكن أن تدعو الناس لدرس وراءه مثلاً ضيافة, الضيافة هذه تكون دافعاً أحياناً عند الضعاف, أو غير الضعاف.
فلذلك إذا توسل الإنسان بإطعام الطعام إلى نشر الحق, إلى دعوة إلى الله, إلى تأليف القلوب، فهذا أعظم عمل.
تصور إنساناً عنده أخت مثلاً, فعزمها هي وزوجها وأولادها, تشعر الأخت بنشوة لا توصف, أن أخاها عزمها, أي إطعام الطعام فيه إكرام, فيه مبالغة, الأخت أحياناً تُدعى إلى الطعام أمام أولادها, أمام زوجها, تعتز بأخيها. الترحيب مع إطعام الطعام أبلغ من الإسراف في تقديم الطعام :
لكن بالمناسبة لست مكلفاً أنت تتكلف:
((يا عائشة لا تكلفي للضيف فتمليه))
[كنز العمال عن عياض بن أبي قرصافة عن أبيه]
كن طبيعياً, أحياناً الضيف لا يريد طعاماً نفيساً, يريد ترحيباً, الترحيب مع إطعام الطعام أبلغ من الإسراف في تقديم الطعام.
أنت أكثر من الترحيب, وأكثر من الاهتمام, وتكلم بالحق, أبلغ ما أن تأتي بأصناف نادرة جداً في إطعام الطعام.
إذاً هذا الذي سقى هذا الكلب غفر الله له, حسناً: بالبهائم؟
قال: ((....في كُلِّ كَبدٍ رَطبَةٍ أجرٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
طائر, كلب, هرة, إذا أطعمتها ترقى عند الله عز وجل. من حرم الناس الطعام و الشراب حرمه الله الجنة :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إِليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؛ رَجُل على فَضْل ماء بِفَلاة يمنعه من ابن السبيل))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
هناك رواية فيها زيادة: يقول الله له يوم القيامة: ((اليومَ أمْنَعُكَ فَضْلِي كما مَنَعْتَ فضلَ ما لم تعمل يَدَاك))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
الآن: ما قولك أن بلداً مثل أستراليا تعدم عشرين مليون رأس غنم وتد فنهم في التراب للحفاظ على سعر اللحم المرتفع؟ ما قولك؟
في بعض الولايات الأميركية محصول البرتقال كله يُتلف من أجل بقاء السعر مرتفعاً, فالفقراء الزنوج كانوا يتسللون محل إتلاف البرتقال ليأخذوه, هذا التسلل أزعجهم, في العام القادم سمموا البرتقال لكي لا يأكله زنجي, ملايين الأطنان تلقى في البحار أيضاً, أحياناً تلقى في البحار كميات من الزبدة, والحليب, كميات فلكية للحفاظ على الأسعار المرتفعة, والشعوب تموت من الجوع, الكافر وحش, المؤمن يوجد في قلبه رحمة.
قال له: ((اليومَ أمْنَعُكَ فَضْلِي، كما مَنَعْتَ فضلَ ما لم تعمل يَدَاك))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
معنى هذا أن إطعام الطعام, والسقيا, موضوع السبيل, سقيا الناس الماء, هذا أيضاً من الأعمال الصالحة. من ارتفعت معرفته بالله سمت نواياه :
بقي أن هذه النية العالية من أين آتي بها؟ هذه من لوازم معرفة الله عز وجل, كلما ارتفعت معرفتك بالله تسمو نواياك, حتى لو دعوت الناس للطعام, النية عالية, فيه جمع المؤمنين, نية ترسيخ قواعد الإيمان, نية جبر الخاطر أحياناً.
مرة حدثني أخ له زوجة, والدها متزوج امرأة ثانية على والدتها, والدتها مطلقة, فقال لي: بالعيد طلبت مني أن أزور والدها بمكان في بلودان, عنده والدها بيت فخم, عند أبيها أخواتها من الزوجة الجديدة, فالأب انزعج كثيراً, لم يرحب بها, لم يكرمها, والخطة أن يعزم بناته الأخريات من الزوجة الجديدة على الغداء, هذه البنت أعطاها عيدية رمزية, وقال لها: بنيتي الآن ليس وقتك, أي لا تمكثي طويلاً وصرفها.
تقول هذه البنت: أكثر من عشر سنوات كلما تتذكر الحادثة تبكي من قهرها من والدها, الدنيا عيد, تعزم أخواتي, واللحم المشوي, وهذا الترتيب, وأنا ابنتك أيضاً, ادعوني معهن, وأمام زوجها صغرت.
أحياناً الإنسان يعمل عملاً بمستوى جريمة وهو لا يشعر, أحياناً يحطم الإنسان تحطيماً.
فالإنسان يجب أن ينتبه, كسر الخاطر صعب جداً جداً, والله كبير, فدائماً الإنسان عليه أن ينتبه, إطعام الطعام أحد الأعمال الصالحة, لكن يحتاج إلى نية عالية, أحياناً جبر خاطر, أحياناً تأليف قلوب, أحياناً تسميع الحق, أحياناً إطعام الفقراء, أحياناً الترحيب بطلاب العلم, أحياناً هناك جفوة بين أقربائه, عمل عزيمة جمع الأقرباء, أخواته هناك مشكلة بينهم فجمعهم.
أنا أردت من هذا الدرس: لا تستهين بإطعام الطعام, إطعام الطعام عمل عظيم, لكن يحتاج إلى نوايا طيبة, يحتاج إلى معرفة بالله, ليكون إطعام الطعام وسيلة إلى جمع الناس.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )


الموضوع : هديه في الدعاء





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الخلق كلهم بيد الله عز وجل :
أيها الأخوة: يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10406/ar-10406/01.jpg

((يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا دعاني))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
لو وقفنا عند قول الله عز وجل في الحديث القدسي: "أنا معه إذا دعاني".
ماذا تعني معية الله عز وجل؟ مثل من واقعنا: في كل بلد عشرات الأشخاص الذين بيدهم الأمور؛ أمور الاقتصاد بيد وزير الاقتصاد, أمور الداخلية, أمور الخارجية, أمور الصناعة, أمور الزراعة, وهؤلاء الأشخاص الذين بيدهم الأمور يأتمرون جميعاً برجل واحد, تعليماته نافذة, أمره يجب أن يُنفذ فوراً.
فأنت إن كانت لك صلة مع هذا الذي بيده كل شيء فيما يبدو, فأي إنسان لك عنده حاجة يعطيه, أو ينفذ فوراً, هذا نظام الحياة, بكل مكان في العالم هناك مجموعة أشخاص, وهناك إنسان يتربع على أعلى مكان في هذا المجتمع, فأمره نافذ, تعليماته تنفذ فوراً من دون تردد, هذا المثل مهدت به أن الإنسان له حاجات كثيرة, لكن الخلق كلهم، من في الأرض, حسناً من في السموات والأرض؛ الكواكب, الأفلاك, الحيوان, النبات, الجماد, كله بيد الله, الله عز وجل يقول لك: أنا معك إذا دعوتني. من كان مع الله كان أقوى الأقوياء :
مرة ثانية وثالثة أقول لكم: موضوع الدعاء مع الأسف الشديد لم يدخل في حسابات الإنسان اليومية؛ لك خصوم, لك قضايا معلقة بأمور, بيد أشخاص أقوياء من الصعب أن تصل إليهم, من الصعب أن تقنعهم، يقول الله لك عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[سورة البقرة الآية:186]
الأمر كله بيد الله, الأمر كله يرجع إلى الله, الأمر كله بتقدير الله: "أنا عند ظن عبدي بي".
إذا ظننت أن الله على كل شيء قدير, وأن الأمور بيده, وأن أمره نافذ, ألا تدعو الله عز وجل فتقول: (( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ))
[أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود]
فأنت حينما تتعامل مع الله بالدعاء أنت أقوى الأقوياء في أي مجتمع؛ مهما كنت ضعيفاً, مهما كنت مستضعفاً, مهما كنت في الدرجة العاشرة, لا حول لك ولا قوة, لا تستطيع أن تحل أقل مشكلة, ولو بدا لك أنك مستضعف, وأنك ضعيف, وأنك لا حول لك ولا قوة, إذا كنت مع الله فأنت أقوى الأقوياء, و لا يوجد إنسان يدعو الله بإخلاص إلا ورأى النتائج ملموسة, رآها رأي العين, رآها واضحة كالشمس, لذلك: هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: ((أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا دعاني))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
الإنسان بالدعاء أقوى من كل قوي في الأرض :
أنت إذا كنت مع الله خلق الله لك من الضعف قوة, خلق الله لك من الجهل علماً, من الفقر غنى:
إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
***
أخ كريم قال لي: أنا حضرت جنازة عالم في الشام, تأثرت تأثراً بالغاً, قلت له: ما الذي لفت نظرك فيها؟ قال: في مقدمة النعش لوحة كتب عليها: أتيناك بالفقر يا ذا الغنى.
أنت إذا كنت مع الغني فأنت أغنى الأغنياء:
ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع؟
***
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10406/ar-10406/02.jpg
من بعض الأدعية: "يا رب كيف نفتقر في غناك؟ وكيف نذل في عزك؟ وكيف نُضام في سلطانك؟".
أي أنت بالدعاء قوي جداً, أنت بالدعاء أقوى من كل قوي في الأرض, أمرك بيد الله عز وجل.
أحياناً الأمور تبدو أمام الإنسان مسدودة, أي عندك رغبة أن يصلح الله لك زوجتك فعليك بالدعاء, أن يصلح الله لك أولادك فعليك بالدعاء, أن ييسر لبناتك أزواجاً طاهرين فعليك بالدعاء, أن يكون رزقك وفيراً فعليك بالدعاء, أن يلهمك الصواب في الأقوال والأفعال فعليك بالدعاء, أن يلهمك الحكمة فعليك بالدعاء, أن يوفقك في عملك التجاري فعليك بالدعاء, ما من شيء يقع إلا بتوفيق الله، قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة هود الآية:88]
الإكثار من الدعاء عند السجود :
والأحاديث الصحيحة قوية لدرجة مذهلة, انظر كلام مختصر:
((أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا دعاني))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10406/ar-10406/03.jpg
لا ينطق عن الهوى, هذا من أصح الأحاديث في البخاري ومسلم, هناك إنسان لا يوجد أمامه عقبات, بالتجارة يوجد مليون عقبة, ومليون مطب, ومليون حركة, تنتهي بك إلى الإفلاس, في الزراعة مليون آفة, تنهي المحصول كله, سقيع واحد ينهي كل الثمار, يكون قد ضمن المزرعة بثلاثمئة ألف, لا يأخذ ولا ليرة منها: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾
[سورة القلم الآية:19]
وأحياناً يأتي الرزق وفيراً بالدعاء, بمعاملاتك, أنت تمشي معاملة, أحياناً يتفنن الموظف بإزعاجك, يضع لك عقبة, ينتهي الموضوع كله, وأحياناً تيسر الأمور بالدعاء, أحياناً تنشأ مشكلة بالبيت لا يحلها إلا الدعاء, المرأة متشبثة, وأنت متشبث بالدعاء, يلين قلبها بالدعاء, يلين قلب أولادك: ((أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا دعاني))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
ويقول عليه الصلاة والسلام, فيما رواه الإمام مسلم: ((أَقرَبُ ما يكونُ العبدُ من رَبِّهِ وَهُو سَاجِدٌ، فأكثِرُوا الدُّعَاءَ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
هناك صلاة, فيها وقوف, فيها ركوع, فيها سجود, أقرب حال إلى الله وأنت ساجد, ففي السجود أكثر من الدعاء.
أحياناً الإنسان يبحث عن زوجة صالحة فعليه بكثرة الدعاء. أثناء الدعاء يكون الإنسان في أقرب حال مع الله :
كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الدعاء, بادر إلى الصلاة, الصلاة دعاء, والدليل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية:14]
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:152]
الحديث الثاني: ((أَقرَبُ ما يكونُ العبدُ من رَبِّهِ وَهُو سَاجِدٌ، فأكثِرُوا الدُّعَاءَ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
أحياناً الإنسان مع الأشخاص الأقوياء, يكون في زيارته, أو يكون معه في نزهة, أو بساعة سرور يطلب منه, يطلب منه بساعة القرب الشديد, أحياناً يكون بنزهة, بحفلة يجلس إلى جانبه, يطلب منه, فأنت أقرب حالة تكون فيها مع الله في الدعاء, في السجود, استغل السجود للدعاء.
والحديث الثالث: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا، حين يبقَى ثُلثُ الليلِ الأِخيرُ، فيقول: من يَدعُوني فأَستجيبَ له؟ مَن يَسْألُني فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَهُ ؟))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
الحديث الصحيح هذا رواه البخاري ومسلم, ما من أخ كريم يعرض عليّ مشكلة عويصة جداً, ليس لها حل, إلا و أقول له: والله ليس لك إلا أن تصلي قبل الفجر ركعتين, وأن تسأل الله هذه الحاجة في الصلاة, لأن هذا الحديث رائع, خالق الكون, الذي أمره كن فيكون, زل فيزول, إذا أعطى أدهش, وكل خصومك بيده, اسجد له ركعتين, واسأله في السجود أن يحميك من شر فلان, وفلان, أن يوفقك, أن يحفظك, أن يلهمك, أن يكثر رزقك. الدنيا دار ابتلاء و المصائب التي تنزل على المؤمن من أجل أن تزيده قرباً من الله :
آخر حديث برواية مسلم:
((إِذَا مَضى شَطْرُ الليل، أو ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى إِلى السماءِ الدنيا، فيقولُ: هل من سائِلٍ فَيُعْطَى؟ هل من دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَه؟ هل من مُستَغفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ؟ حتى يَنفَجِرَ الصُّبْحُ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10406/ar-10406/04.jpg
أنا متأكد لا يوجد واحد من الأخوة الحاضرين إلا يوجد عنده قائمة مشكلات, ليست مشكلة واحدة, لأن الحياة هكذا, الحياة أساسها المشكلات, لأنها دار ابتلاء, أساسها دار ابتلاء.
الحديث الشريف: (( أشد الناس بلاء الأنبياء، وأنا أشدهم بلاء، ثم العلماء ثم الأمثل فالأمثل ))
[أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]
فالدنيا دار ابتلاء, فأنت حينما توطن نفسك على أن الدنيا دار ابتلاء, وأن كل مشكلة و كل شدة هدفها أن تُشدَّ إلى الله, كل شِدَّة وراءها شَدة, وكل محنة وراءها منحة, والمؤمن بالذات كل المصائب التي تنزل على المؤمن من أجل أن تزيده قرباً من الله عز وجل, فلذلك المؤمن راض.
سألوا عالماً يُجري عملية في بلد أجنبي: ما الحكمة من هذا المرض الذي ألمّ بك؟ قال: من أجل أن أزداد قرباً من الله عز وجل.
الله عز وجل يعيننا على أنفسنا, تُساق المشكلات كي نزداد قرباً من الله, كي نقف على باب الله, كي نخضع لله عز وجل, كي نسأله بحرارة.
أحياناً يكون الدعاء فاتراً, تأتي المشكلة, فيكون السؤال فيه حرارة. الله عز وجل مع من يدعوه بالحفظ و التأييد و المعونة :
الحديث الصحيح:
((أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا دعاني))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أي معه بالحفظ, وبالتوفيق, وبالنصر, وبالمعونة, والإنسان لا يبخل بالدعاء, إن أبخل إنسان من بخل بالدعاء, كلمة أحياناً تكلفك أن تدفع مئة ألف, أو أن تدفع مليوناً, أما أحياناً فتتكلف أن تقول كلمة الدعاء, كلمة لا تكلف إلا إيماناً, وثقة, واعتماداً على الله عز وجل, إلا أن الشيء المألوف أن الإنسان إذا كان متلبساً بالمعاصي يستحي أن يدعو الله في خجل, أما إذا كان مستقيماً على أمر الله فله على الله دالة إن صحّ التعبير.
قال له: (( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ، قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[ متفق عليه عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه, لك حق عليه, طالبه بهذا الحق؛ يا رب أنقذني, يا رب استرني, يا رب احفظني, يا رب سدد خطاي, يا رب ألهمني الصواب, يا رب ألهمني الحكمة, يا رب أعطني ولا تحرمني, أكرمني ولا تهني, أحياناً الدعاء مع الترداد الأجوف يفقد معناه , لذلك الدعاء الفردي أحياناً أقوى.
كنا في الحج حوالي مئة شخص, دعونا عقب الجمرة الأولى دعاء لطيفاً, بالجمرة الثانية قلت: كل شخص يدعو لوحده, يوجد أنت لك قائمة مطاليب مع الله, الدعاء الجهر له فائدة, والدعاء الخاص له فائدة, إذا دخلت لمسجد وعقب الصلاة لم يكن هناك دعاء جماعي, بل دعاء فردي, لا يوجد مانع, الدعاء الفردي له طعم آخر.
الآن مثلاً خمسة أشخاص يجلسون بجامع؛ أحدهم طالب جامعة, و الآخر تاجر موظف, و الثالث له عمل حر, الطالب أكبر همّ عنده الامتحان, والتاجر يوجد عنده صفقة لم تباع, والموظف هناك مشكلة بدائرته كبيرة جداً, هو لم يستطع حلها, هناك مشكلة مع رئيسه, و الأخير عنده مشكلة صحية, إذا أحبوا أن يدعو الله عز وجل؛ الطالب يطلب من الله التوفيق في الامتحان, والتاجر جبر هذه البضاعة, والموظف حلّ هذه المشكلة, و المريض يسأل الله الشفاء من هذه المشكلة الصحية, غير معقول الخمسة يكون لهم دعاء يناسبهم, كل واحد له عند الله مشكلة. الإنسان بالدعاء أغنى من كل غني و أعلم من كل عالم :
الدعاء الخاص مفيد جداً؛ بينك وبين الله, ومع الصمت, مع الدعاء السري:
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية:3]
يكون هناك إخلاص أشد, يكون هناك توجه إلى الله أشد, يكون هناك قرب إلى الله أشد, فإذا كنت بجامع, وبعد الجامع صار ورد جماعي لا يوجد مانع, وأحياناً أدخل لجامع لا يوجد فيه ورد جماعي, كل واحد لوحده.
أنا مرة كنت بجدة أصلي الفجر بمسجد, سلم الإمام, لا يوجد ولا كلمة, حوالي عشر دقائق, ربع ساعة, كل واحد بصلاته يدعو الله عز وجل.
هذه أيضاً طريقة رائعة جداً, وهذه من السنة أن تدعو الله فيما بينك وبينه, لك أنت قائمة مطاليب.
إذاً: أنت بالدعاء أقوى إنسان, أنت بالدعاء أقوى من كل قوي, أنت بالدعاء أغنى من كل غني, أنت بالدعاء أعلم من كل عالم, السبب لأن الله يلهمك الصواب.
يجوز شخص معه شهادات عليا, و لكنه بموقف معين أخطأ, أما المؤمن فمسدد, له من الله حافظ؛ فتريد سداداً بالقول, قراراً حكيماً, عملاً طيباً, سمعة طيبة, عليك بالدعاء, أنت بالدعاء تكون أقوى الناس. الدعاء يعني أن الإنسان آمن بوجود الله وبأنه يسمعه وبأنه يحبه :
آخر شيء: الدعاء الحقيقي كما أراده الله عز وجل، أي أنك مؤمن بوجود الله, ومؤمن أن الله يسمعك, ومؤمن أن الله قادر على أن يجيبك, ومؤمن أن الله يحبك, أنت لا تدعو من لا تؤمن بوجوده.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10406/ar-10406/05.jpg
لا يوجد إنسان يدخل لغرفة يتكلم مع شخص وهمي, يكون مجنوناً, أما تكلم شخصاً أمامك, معنى هذا أنت عاقل, فالدعاء يعني أنك مؤمن بوجود الله.
لا يوجد إنسان يكلم شخصاً يسكن في حلب, يكون مجنوناً, الشخص موجود لكن بحلب, أما أكلمه على الهاتف, معنى هذا أنك لا تدعو الله إلا إذا آمنت أنه يسمعك.
لا يوجد إنسان يخاطب طفلاً, يقول له: يا غلام, يا صغير, حل لي هذه القضية, هذا جاهل ضعيف, مشكلتك كبيرة جداً.
الإنسان يطلب من قوي, ولا يوجد إنسان يطلب من جهة موجودة تسمعه, قوية, ولكنها عدوة له, مستحيل أيضاً.
إذاً: ما معنى الدعاء؟ يعني أنت آمنت بوجود الله, وبأنه يسمع, وبأنه قدير, وبأنه يحبك, لذلك يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾
[سورة الفرقان الآية:77]
لو أنكم لا تدعون الله لا يعبأ الله بكم إطلاقاً, دعاؤكم يعني أنكم آمنتم بالله, وآمنتم بوجوده, وكماله, ووحدانيته: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾
[سورة الفرقان الآية:77]
طبعاً من معاني هذه الآية: دعاؤكم أنكم تدعونه: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:77]




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )


الموضوع : هديه في العدل





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الظلم مرتعه وخيم لأن الظالم يعاقب في الدنيا قبل الآخرة :
أيها الأخوة الكرام: قد يتوهم الإنسان أن العدل بين الناس من اختصاص القضاة فقط, مع أن كل واحد منا في مواقف كثيرة يُنصَّب قاضياً, ويحكم بين اثنين دون أن يشعر, فلو أن ابنته جاءته تشكو زوجها, والأب أخذ موقفاً من الزوج, قبل أن يستمع منه بشكل أو بآخر الأب الآن قاض واستمع إلى أحد الخصوم, ولم يستمع إلى الطرف الآخر, وأصدر قراراً, وأخذ موقفاً من صهره, هذا الموقف ه ظلم.
لا شك أن القضاة هم أول الناس الذين ينبغي أن يتحروا العدل, هذا الشيء بديهي, إلا أن الإنسان يُحكَّم في مئات المواقف كل يوم, أو كل شهر؛ بين أقربائه, بين موظفيه, بين من دونه, يُسأل, يُجيب, فالظلم عند الله عز وجل ظلمات، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الصحيح:
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تَظَالموا ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أحياناً بين والدته وزوجته, يأتي إلى البيت, زوجته تشكو أمه, وأمه تشكو زوجته, هو صار حكماً بينهما؛ فإما أن ينحاز إلى أمه ظلماً ويسحق زوجته, وإما أن ينحاز إلى زوجته ظلماً ويسحق أمه؛ فبين الأم والزوجة حكم, وبين البنت وزوجها حكم, وبين الشريك وشريكه حكم, وبين الموظفين حكم, فلذلك: درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
قبل أن تفعل الصالحات, وقبل أن تتقرب إلى الله بعمل صالح, يجب أن يُنتفى من عملك ما كان ظلماً, لأن الظلم قنبلة تنفجر بالإنسان, والله عز وجل من خلال السنة النبوية توعد الناس بعاجل العقوبة على الظلم, وعقوق الوالدين في الدنيا قبل الآخرة, الظلم مرتعه وخيم, لأن الظالم يعاقب في الدنيا قبل الآخرة, وقد يُعاقب في الدنيا والآخرة معاً. علة الشح وراء كل الانحرافات في المجتمع :
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر:
((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ، فإن الشحّ أهلك من كان قبلِكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم))
[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله]
أي لو أردت أن تبحث عن العلة وراء كل الانحرافات, وراء اغتصاب الأموال, وراء انتهاك الأعراض, وراء الغش في العمل, وراء الإساءة في الصناعة, وراء إخلاف المواعيد, لما وجدت علة وراء كل هذه الانحرافات أكبر من علة الشح، أي الحرص على كسب المال من طريق مشروع, أو غير مشروع. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية:9]
الشح مرض خطير, الشح: أن تحرص على كسب المال من أي طريق؛ مقبول أو غير مقبول, مشروع أو غير مشروع, مستحب أو غير مستحب, لذلك: ما إله عبد في الأرض أسوأ من الهوى. الله عز وجل يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾
[سورة الجاثية الآية:23]
الهوى إله يُعبد من دون الله, إله يعبده الناس وهو المال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾
[سورة الفجر الآية:20]
فالحرص على كسب المال غير المشروع يحمل الإنسان على كل الموبقات: (( واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم))
[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله]
حرصه على كسب المال, حرصه على إنفاق المال إنفاقاً تبذيرياً, هذا أهلك الذين من قبلكم. أعمال المؤمن الصالحة نور يهتدي به يوم القيامة :
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:
((الظلم ظلمات يوم القيامة))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر]
أي المؤمنون: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية:8]
فالمؤمن أعماله الصالحة نور يهتدي به يوم القيامة, بينما المنحرف الظلم ظلمات يوم القيامة. حظوظ الإنسان ليست نعماً أو نقماً إنها موقوفة على نوع استخدامها :
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّ الله يُمْلي لِلظَّالمِ، فإذا أَخذه لم يُفْلِتْهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي موسى الأشعري]
كلمة يملي أي قد تجد إنساناً في أشد حالات الانحراف, ومع ذلك قوي, غني, هذه القوة, وهذه الغنى إملاء من الله, أو استدراج, ما كل نعمة تُرافقها معصية هي نعمة, النعمة التي ترافقها معصية هي استدراج, وإذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره.
أحياناً الإنسان يعمل فحوصاً كلها كاملة, تجارته رابحة, أموره ميسرة, وهو غارق في المعاصي, فهذه النعم التي يُحاط بها إنما هي استدراج وليست نعماً, بل هي نقم, والشيء الثابت هو أن حظوظ الإنسان هذه الحظوظ ليست نعماً, كما أنها ليست نقماً, إنها موقوفة على نوع استخدامها؛ فإذا أنفقت في طاعة الله كانت نعماً, وإذا أنفقت في معصية الله كانت نقماً. الحديث التالي يبين سياسة الله في معاملته لعباده :
((إِنَّ الله يُمْلي لِلظَّالمِ، فإذا أَخذه لم يُفْلِتْهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي موسى الأشعري]
وهذه سياسة ربنا عز وجل التي نستنبطها من معاملته لعباده, يرخي الحبل, الإنسان مربوط بحبل. قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:183]
الكيد هو التدبير, أما وصف الكيد بأنه متين, المتانة صفة المواد في مقاومتها لقوى الشد, المواد التي تُقاوم قوى الشد يقال لها قاسية.
الألماس قاس مهما جاءه ضغط يتحمل هذا الضغط, لذلك أقسى عنصر في الأرض هو الألماس, يأتي بعد الألماس ميناء الأسنان, مع أن الإنسان من ماء مهين, ومن خلال ظاهرة فيزيائية هي الترسب, عن طريق الترسب يغدو ميناء السن أقسى بعد قسوة الألماس, لولا الترسب لا يوجد إنسان يقف, لأن اللحم ليس له قوام ذاتي, أما العظم فله قوام ذاتي, العظم متين جداً, الإنسان يحمل خمسمئة كيلو- عظم عنق الفخذ- فالإنسان إذا حمل صندوق حديد, هذا الوزن من يتحمله؟ عنق الفخذ.
أحياناً تجد جسراً, والسيارة فيها ثلاثون طناً, عندما تمشي فوق جسر تحمل ثلاثين طناً معنى هذا أن الجسر يتحمل هذه الحمولة.
أحياناً يقول لك: الجسر يتحمل فقط خمسة عشر طناً, والسيارة ثلاثون طناً وتسلم, معنى هذا أن لها محورين, إذا كان للسيارة محوران, أي دولابان بدولابين, ومرت فوق جسر, الثلاثون طناً يقسمون على محورين؛ خمسة عشر بخمسة عشر, فالإنسان عندما يحمل مكان تحمل الضغط هو عنق الفخذ, المكان هذا يتحمل مئتي وخمسين كيلو, كل محور مئتان وخمسون كيلو إذا كان الوزن خمسمئة كيلو, حسناً قساوة هذا العظم من أين جاءت؟ الله عز وجل قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾
[سورة الإنسان الآية:28]
ذكر لي طبيب جراح عظام قال لي: أصعب شيء في الجراحة العظمية فك هشاشة الفخذ عن موقعها في الحوض, هناك تفريغ هواء ومعلوكم لو جئنا بكرة نحاسية مفرغة من الهواء, ومشطورة إلى نصفين, و جئنا بأربعة خيول من اليمين, وأربعة خيول من اليسار, تحركوا بعكس بعضهم, لما استطعنا أن نفك هذه الكرة, لأنه لا يوجد هواء، مفرغة من الهواء, وكذلك هشاشة عظم عنق الفخذ بالحوض متينة جداً: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾
[سورة الإنسان الآية:28]
لابد للإنسان من أن يأخذ أبعاده ويعبر عن حقيقته ليكشف ما في نفسه من خير أو شر
فالذي يقوله الله عز وجل:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
[سورة هود الآية:102]
الله يملي, هذه سياسة ربنا, والإنسان في أشد حالات المعصية, وهو يسب الدين, ويسب الإله, ويرتكب الموبقات, والضغط جيد, ثمانية على اثني عشر, والنبض ثمانون, والدسامات تعمل بانتظام, وكل شيء في جسمه يعمل بانتظام, ودخله كبير, هذه ليست نعماً, إنما هي نقم, هذا استدراج.
أي الحبل مرخى, في أية لحظة يُشد الحبل, فإذا هذا الإنسان في قبضة الله عز وجل, يرخى الحبل ليأخذ الإنسان أبعاده, ليصل إلى كل ما يريد, فإذا انكشفت حقيقته وأخذ أبعاده كشف ما في نفسه من خير أو من شر.
شخص يرغب أن يؤذي, الله عز وجل يسلطه على إنسان يستحق هذا الأذى, فهذا الإنسان أعطاه الله إمكانية أن يحقق ما في نفسه, قال النبي الكريم:((نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ، وَعَمَلُ المُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ))
[ المعجم الكبير عن سهل بن سعد]
فلا بد من أن يأخذ الإنسان أبعاده, ولا بد من أن يعبر عن حقيقته, ولا بد من أن يكشف ما في نفسه من خير أو من شر.
هذا يقتضي للمؤمن الإمداد, وللكافر الاستدراج, المؤمن يُمد, والكافر يُستدرج, لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللّه يُمْلي لِلظَّالمِ، فإذا أَخذه لم يُفْلِتْهُ، ثم قرأَ:﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[هود: 102]))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي موسى الأشعري]
والله عز وجل إذا حكم لا راد لحكمه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[سورة الرعد الآية:11]
حقوق العباد مبنيةٌ على المسامحة :
و عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((مَنْ كانت عنده مظلِمَة لأخيه، مِنْ عِرضِهِ أو شيء منه، فلْيَتَحلَّلَهُ منه اليومَ))
الآن: الإنسان ينهش في عرض أخيه, بلا سبب, وبلا حق, وبلا دليل, ثم يتوب, ويتوهم أن توبته إلى الله قد أنهت الأمر, هو تاب إلى الله, وهذا الذي نهشت عرضه؟ وهذا الذي تكلمت عنه في مجلس فيه عشرة أشخاص؟ من قال لك: إن الأمر انتهى بتوبتك؟ الأمر لا ينتهي بالتوبة, الأمر لا ينتهي إلا أن تعتذر منه, وأن تستسمحه, وأن تدعو ليصفح عنك, وإلا لا بد من أن يُصفى منك يوم القيامة, هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((...مَنْ كانت عنده مظلِمَة لأخيه، مِنْ عِرضِهِ أو شيء منه، فلْيَتَحلَّلَهُ منه اليومَ، من قبلِ أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذَ منه بقدر مَظلِمتِهِ، وإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات صاحبه فَحمِلت عليه))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة]
هذا كلام النبي بالبخاري, أنت تكلمت على فلان أمام عشرة أشخاص هكذا بلا انضباط, بلا دليل, من أجل أن تفضحه بلا سبب, لأنه خصمك, أو منافس لك في العمل, فنهشت عرضه, ثم تبت إلى الله, التوبة هنا ليس لها قيمة, هنا يوجد حقوق الآخرين؛ فيما بينك وبين الله تُقبل التوبة, أما فيما بينك وبين العباد لا بد من أن يسامحوك, لا بد من أن تعتذر إليهم, لا بد من أن تطلب السماح, والعفو منهم, لأن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب.
قال له شخص: لقد اغتبتني, قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ إن كنت مغتاباً أحداً اغتبت أبي وأمي, لأنهما أولى بحسناتي منك. من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة :
النقطة الدقيقة لا أحد يريد أن يعترف أن من اغتابه فإنه يوم القيامة لا بد من أن يقدم له من حسناته, فإن فنيت حسناته, يُطرح على هذا المغتاب سيئات الآخرين, حتى يُطرح في النار.
هذا كلام النبي, فإذا شخص اغتاب, وتاب, التوبة هنا لا تُجدي؛ إلا أن تستسمح منه, إلا أن تعتذر منه, وعد للمليون قبل أن تتهم إنساناً اتهاماً باطلاً, وعد للمليون قبل أن تأتي بشيء ما فعله فلان, لكن من أجل تشويه سمعته, وهذا يفعله معظم الناس, يفعلونه, ويعتقدون أنهم أذكياء بهذا العمل, يقول لك: حطمته, شوهت سمعته, والله عز وجل بالمرصاد:
(( من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ))
[ الترمذي عن ابن عمر]
هناك شخص قناص, دائماً: عيَّاب, همّاز, لمّاز, هذا الإنسان مصيره أن الله يفضحه في عقر بيته, وكل إنسان ستر على الناس الله يستره, رب كبير, وعظيم, إن سترت مسلماً ستر الله عليك, وإن افتريت عليه الله عز وجل يبطش بك: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية:12]
تعريف المفلس يوم القيامة :
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع, فقال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أخواننا الكرام, كلام مخيف؛ لا تغتر بصلاتك, وصيامك, ولا تغتر بصدقتك, فإن لم تضبط لسانك, وإن لم تتحر العدل في علاقاتك, كل هؤلاء الذين نهشت أعراضهم سوف يأخذون حسناتك, فإن فنيت قبل أن تقضي ما عليك, طرحوا عليك سيئاتهم, حتى تُطرح في النار؛ مع صلاته, وصيامه, وصدقته.
وأنا أقول لكم دائماً: الإنسان إذا ارتكب الكبائر مع أداء العبادات هكذا أقول: ضع صلاتك في الحاوية, قمامة صارت صلاتك, وضع صيامك في الحاوية, وضع عبادتك في الحاوية, الإنسان إذا كان مفتر, كذاب, مغتاب, دجال, صلاته لا قيمة لها, صلاته قمامة صارت.
هذا الحديث مخيف، حديث في الصحاح رواه الإمام مسلم: ((من المُفْلِسُ؟ الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، يأتي وقد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
هذا الحديث من أصول الأحاديث التي ينبغي أن تكون ماثلة في ذهن كل واحد منا. العاقل من يتقي دعوة المظلوم :
وعن ابن عباس رضي الله عنهما, أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذ إلى اليمن, فقال:
((يا معاذ, اتَّقِ دعوةَ المَظْلومِ، فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس]
شخص يحمل حديداً في سيارته, إنسان خارج أوقات الدوام سأله من أين جئت بهذا الحديد؟ قال له: من عند فلان لعند فلان, أنا عندي هذه السيارة أنقل عليها البضاعة, فهذا ذهب معه إلى مصدر البضاعة, لما رأى فيها مسؤولية, قال له: هذا الحديد ليس لي, من بقي المسؤول؟ صاحب السيارة, أُخذت منه هذه السيارة, صُودرت, انكب على أقدامه يرجوه: أنا ليس لي علاقة, أنا عندي اثنا عشر ولداً, وعندي هذه السيارة, نقلت نقلة حديد من فلان لفلان, وهذا الإنسان خارج أوقات الدوام تبرع, تبرع ليعمل هذا العمل, لم يرد عليه, أخذ له السيارة, بعد ثلاثين يوماً بالضبط ذهب إلى مزرعته في الغرب, ويوجد أمامه سيارة حديد, والطريق زلق, و لم يكن منتبهاً, فوجىء بالسيارة, استعمل المكبح, الأرض زلقة, فدخل في الشاحنة, الشاحنة حديدها بارز, جاء هذا الحديد, وقطع رأسه, وبقي اثنتي عشرة ساعة, أو إلى الصباح, حتى كُشف الأمر, ورأسه في المقعد الخلفي, والآن السيارة موجودة في الحرم الجمركي. ((...اتقِ دعوةَ المَظْلومِ ))
هذا الإنسان ليس له علاقة, بعد ذلك لم يفهم القوانين, لم يستوعب القوانين, شخص عنده هذه السيارة, ينقل الحديد عليها, لا يعرف الحديد؛ نظامي أو غير نظامي، والشخص الآخر أنكر, ارحم هذا, لم يرحمه, فكانت نهايته من الحديد. ((...اتقِ دعوةَ المَظْلومِ، فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس]
والقصص كثيرة جداً وما أكثرها. ((المسلمُ أخو المسلم, لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلهُ، ولا يَحْقِرهُ، التقوى ها هنا, التقوى ها هنا, -وأشار إلى صدره الشريف- بِحَسْبِ امرئ من الشَّرِّ: أَن يَحْقِرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه، ومالُه، وعِرْضُه))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
إياك و الظلم :
أخواننا الكرام, الأحاديث الصحيحة لها نور, هذه كلها في الصحاح، أي قبل أن تصلي قيام الليل, قبل أن تصلي النوافل, قبل أن تعمل نفسك ورعاً, إياك والظلم.
((اتَّقِ المحارِمَ تَكُنْ أَعبد الناس))
[ أحمد عن أبي هريرة]
تكون في أعلى درجة بالعبادة, من دون أن تقوم الليل, أدِّ الذي عليك, واطلب من الله الذي لك؛ لا تظلم إنساناً, لا تبتز مال إنسان, لا تغش إنساناً.
أحياناً: تجد شخصاً دخله محدود, اشترى كنزة, استحلفك بالله خيطها صوف طبيعي؟ تقول له: صوف طبيعي, لبسها مرتين فقصر كمها, هذا الذي اشتراها بألفي ليرة, أو بألف ليرة, ربع دخله, ربع معاشه، أنت غششته.
فأنت لا تغش, الغش ظلم, وابتزاز أموال الناس ظلم, إنسان تخوفه وتبتز ماله ظلم, فكل إنسان دخله من طريق غير مشروع هذا إنسان سيحاسب عند الله حساباً عسيراً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )


الموضوع : هديه في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد شروط النجاة من الهلاك :
أيها الأخوة الكرام: قال العلماء: "هناك في الإسلام فريضة سادسة, - الصيام, والصلاة, والحج, والزكاة, وشهادة أن لا ﺇله إلا الله, هي فرائض الإسلام الخمس- هي الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/01.jpg
النقطة في هذا الموضوع: أن الإسلام إما أن يكون قضية وجود, أو عدم وجود, يكون الإسلام أي يوجد, ويستمر, ويتنامى بالأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وحينما وصف الله هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس, ذكر في الآية نفسها علة الخيرية, علة خيريتها أنها تأمر بالمعروف, وتنهى عن المنكر, وتؤمن بالله, فإذا تركت هذه الأمة هذه الفريضة السادسة فقدت خيريتها, وأصبحت أمة سماها العلماء: أمة التبليغ, وهي كأية أمة لا فضل لها إطلاقاً, والله عز وجل يجعل التواصي بالحق ربع النجاة:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية:1-3]
لذلك: جُعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد شروط النجاة من الهلاك, وحينما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر تحافظ على وجودك, لأن دوائر الباطل تتنامى, فالحق إن لم يتنام ضيق عليه الباطل وألغى وجوده. من نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحقاق اللعنة من الله :
من هنا عقدت أبواب كثيرة في كتب الحديث الصحيحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:
((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: من رأى منكُم منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/02.jpg
وطبعاً الأمر يقتضي الوجوب, الأمر في القرآن يقتضي الوجوب, والأمر في السنة الصحيحة يقتضي الوجوب, والله ما كلفك ما لا تطيق, وحينما ينشأ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة هي أشد من المنكر الذي تنكره, أعفاك الشرع من أن تنكره بيدك, فإن لم تستطع أن تنكره بلسانك, أعفاك الشرع من أن تنكره بلسانك, بقي أن تنكره بقلبك, وهذا أضعف الإيمان.
أضرب لكم مثلاً بسيطاً: أخ تزوره بنت أخته, أو بنت أخيه, بثياب لا تليق, أكثر الأعمام يستقلبها, ويرحب بها, ولا ينصحها إطلاقاً, هي شابة صغيرة, حينما لا ترى إلا الترحيب, والتكريم, وعمها لا ينصحها, تتوهم أن هذا اللباس مقبول ولا شيء عليه, أما حينما ينصحها, في المرة القادمة تحاول أن تأتي إليه بثياب أكثر حشمة, على الأقل حينما تأتي إليه , ثم لعل هذه الثياب المحتشمة تصبح ثيابها المستمرة, كلفته كلمة, أن يقول لها: لا يا فلانة, هذا اللباس لا يرضي الله, وأنت من أسرة محافظة, وأبوك له سمعة بين الناس, هذه كلمة واحدة؛ أما يرى المنكر ولا ينكره, نرى الانحراف ولا نذكره, نرى الخطأ ولا نقومه, عندئذ يعمنا الله بالهلاك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/03.jpg
والحديث المعروف: "لما ربنا عز وجل أرسل ملائكة لإهلاك قوم, فقالوا: يا رب, إن فيهم رجلاً صالحاً!! قال: به فابدؤوا, قالوا: ولم؟ قال: لأنه كان لا يتمعر وجهه إذا رأى منكراً".
وهذا النموذج شائع جداً؛ لا يحكي, ولا يتكلم, ولا ينصح, ضعيف, يصلي كل فرض في الجامع, أما بناته فكاسيات عاريات, يقول لك: أصلحهم الله, الآن وقت شبابهم, لديهم فترة للإصلاح إن شاء الله, لا يدخل, ولا يتكلم, ولا يعترض, ولا يأخذ موقفاً, أما لو مصالحه تهددت, المادية تهددت, فيصبح كالوحش المفترس, لأن مصالحه تهددت, أما إذا انتهكت حرمات الله عز وجل فلا يتأثر, لذلك قال: "به فابدؤوا". والآية الدقيقة: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
[سورة هود الآية:117]
لو قال: صالحون لما أهلكهم, فأهل القرية الصالحون يهلكهم الله عز وجل, أما أهل القرية المصلحون لا يهلكون، فلذلك الله عز وجل جعل بني إسرائيل يستحقون الهلاك قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾
[سورة المائدة الآية:79]
الآن مجاملات, مجاملات, لا يوجد دين إطلاقاً, يُوصف بأنه ذكي, ولبق, وفهيم, ومعدل, وشاطر, ومعشر, ومؤنس, هو فاسق, فاجر, صار هناك قيم مزورة.
والطفل عندما يسمع مديحاً, والرجل لا يصلي، طفل بريء يسمع أباه يمدح شخصاً, ذهبوا مشوار؛ لا صلى الظهر, ولا العصر, ولا المغرب, ولا العشاء, وقال أبوه: هذا إنسان جيد جداً, ولطيف, واجتماعي, ولبق, هذه كلها كلمات ليس لها معنى, هذا الذي لم يعرف الله عز وجل أساساً. أمانة التكليف أساس كل أمانة :
في درس من دروس الجمعة أو الخطبة ذكرت أن هناك أمانة تكليف, هي أخطر أمانة, أي الله عز وجل وضع نفسك أمانة بين يديك, وقال لك:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:9-10]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/04.jpg
أي أطلق يدك فيها, واجعلها تابعة لك, فإذا زكيتها أي عرفتها الله, وحملتها على طاعته, وطهرتها من كل دنس, وجعلت صبغتها صبغة الله عز وجل فقد زكيتها؛ إن زكيتها أفلحت ونجحت, وإن لم تزكها خبت وخسرت, هذه الأمانة؛ أمانة التكليف أساس كل أمانة, أمانة الواجب فرع من أمانة التكليف, أمانة الولاية فرع من هذه الأمانة, أمانة الزوجية فرع من هذه الأمانة.
فالإنسان إذا خان نفسه, وقصر في حمل الأمانة, فلأن يخون نفسه من باب أولى, شيء طبيعي جداً؛ لا تنتظر من إنسان غير دين أن يكون صادقاً, لا تنتظر أن يكون أميناً, أحيانا يكون أميناً إذا توافقت مصالحه مع الأمانة, أما إن لم تتوافق خان, وخاب, وخسر.
إذاً: (( من رأى منكُم منكراً فلْيُغَيِّره بيده))
أي إذا الشخص أنفق على ابنته وتفلتت, وقال: أنا أنصحها, لا, هذه ابنتك, وأنت ولي أمرها, وأمرها بيدك, ونفقتها بيدك، فهنا: لا تقل لي: والله أنا نصحتها. ((...فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري]
قضية الامتحان لا بد منها :
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:
((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- دقق الصحابة بايعوا النبي- على السمع والطاعة، في العُسر واليُسر))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/05.jpg
هناك إنسان بالرخاء ممتاز, أما بالشدة فإنسان آخر, الجودة في الرخاء لا قيمة لها.
سيارة قلت له: جربها فقط في الهبوط, في الهبوط حفظك الله, هذه ليست تجريب, كل مركبة في الهبوط تمشي بلا محرك, الدراجة تمشي, أسوأ مركبة تنزل في الهبوط, التجريب في الصعود وليس في الهبوط, التجريب عند الشدة, فلذلك: قضية الامتحان لا بد منها. (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العُسر واليُسر- أنت ببحبوحة, وأنت بضائقة مالية, وأنت صحيح, وأنت مريض, وأنت في إقبال الدنيا, وأنت في إدبارها, وأنت في قوتك, وأنت في ضعفك, مريض-, في المنْشَط، والمكْرَه وعلى أثَرَةٍ علينا - أي بايعنا النبي أعطانا, أو لم يعطنا- على أثرة علينا, وألا ننازع الأمر أهله, إلا أن تروا كفراً بواحاً, عندكم من الله فيه برهان, وعلى أن نقول الحق أينما كنا, لا نخاف في الله لومة لائم))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك في الموطأ عن عبادة بن الصامت]
هكذا يقول عليه الصلاة والسلام.
جالس يزيد, أو معاوية بن أبي سفيان, جمع كبراء قومه, ليأخذ البيعة لابنه يزيد, وكلهم تكلموا في حق يزيد, وأثنوا عليه, كما هي العادة، جالس الأحنف بن قيس, سكت, وبقي صامتاً, سكوته أربك المجلس, وصار هناك إحراج, قال له: تكلم يا أحنف, قال له: أخاف الله إن كذبت, وأخافكم إن صدقت.
فكان تلميحاً أبلغ من تصريح المؤمن, لا يخاف في الله لومة لائم. التسبيح و التحميد و التكبير و التهليل خير ما يتصدق به الفقراء :
وعن أبي ذر رضي الله عنه, أن ناساً قالوا: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/06.jpg

((ذهبَ أهل الدُّثُورِ بالأُجُورِ، يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصومُ، ويتصدَّقون بفُضولِ أموالهم، قال: أوَلَيْسَ قد جَعلَ الله لكم ما تَصَدّقون به؟ فإن بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة))
[أخرجه مسلم عن أبي ذر الغفاري]
الأغنياء ظنوا أن عندهم إمكانيات يتصدقون, وعندهم أموال طائلة فيتصدقون, ويرقون عند الله, الفقراء ماذا لهم؟
قال له: ((بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة))
الحديث التالي أروع ما قاله النبي في شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
أما أروع ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في شأن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر فهذا الحديث يقول عليه الصلاة والسلام:
((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقاً ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعاً، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10408/ar-10408/07.jpg
هناك تعبير حديث: يقول لك: نحن في قارب واحد, لا يوجد حل وسط, نحن أمة واحدة, مجتمع واحد.
لكن إذا أراد شخص أن يفسد, أنت تعيش مع مجتمع, فسادك ينتشر؟ فالإنسان يعيش في مجتمع, فإذا فسد انتشر هذا الفساد, وإذا صلح انتشر هذا الصلاح, فنحن في سفينة واحدة.
والمثل بليغ جداً, أناس أخذوا الأسفل, أناس أخذوا الأعلى, والسفينة تمشي في ماء عذب, حتى نكون دقيقين: فمن أجل الشرب الذين في الأسفل لا بد من أن يصعدوا إلى سطح السفينة, ليأخذوا الماء بالدلو من المياه العذبة, وجدوا أن هذا الشيء فيه مشقة, وفيه إزعاج, قالوا: نحن نحفر مكان جلوسنا ثقباً صغيراً, نأخذ منه الماء العذب, معنى هذا أن السفينة كلها غرقت، قال: (( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعاً، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا))
فاترك في بالك هذه النقطة: نحن في قارب واحد.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )


الموضوع : هديه في تلبية المؤذن والصلاة علية






بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الدعوة مبادئ وقدوة :
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
((إذا سمعتُم المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه مَنْ صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلةَ: حلَّت له الشفاعةُ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
أيها الأخوة, الدعوة مبادئ وقدوة, فالمبادئ في القرآن الكريم, أما القدوة فلا بد من أن يكون هناك إنسان تتجسد فيه هذه المبادئ, كي تقتنع أن هذه المبادئ قابلة للتطبيق, فأية دعوة ألغيت منها القدوة انتهت.
الدعوة مبادئ بكتب, أما الذي يؤثر في المدعوين أن هناك إنساناً طبق هذه المبادئ فقطف ثمارها, إذاً دعوة حيوية, دعوة فيها حياة.
فدائماً المؤمن مكلف أن يصلي على النبي, فكلمة اللهم صلِّ على سيدنا رسول الله, كلمة إذا لم يكن فيها مضمون ليس لها معنى, كن واقعياً, اللهم صلِّ على النبي لو قلتها مليون مرة ما الذي يحدث؟ أما كلمة صليت على النبي؛ تذكرت فضائله, تذكرت معرفته بالله, تذكرت استقامته, تذكرت محبته لله, تذكرت إخلاصه, تذكرت رحمته في قلبه, تذكرت إنصافه, تذكرت تواضعه, ما الذي ينقذك مما أنت فيه؟ أن تكون لك قدوة, تحاول أن تقلدها, تحاول أن تقفو أثرها, أن تترسم معالمها، هذه القدوة. كل دعوة من دون مثل أعلى دعوة فارغة ليس فيها حياة :
شخصية رسول الله في حياة المؤمنين قوية جداً, كل مؤمن يوجد في ذهنه شخصية, هذه شخصية النبي؛ أن يقلده في تواضعه, في إنصافه, في عفوه, في رحمته, في لطفه, في رقته, في إخلاصه, في اتصاله بالله, فكلما سمعت صلوا على النبي, اللهم صلِّ على النبي, بدون صلاة هذه دعوة إلى أن نترسم خطاه, أن نقفو أثره, أن نتبع سنته.
شيء آخر: كل دعوة من دون مثل أعلى فارغة, ليس فيها حياة, لو تقرأ ألف كتاب, أما أنت حينما تقرأ سيرة رسول الله؛ تجد الحياء, التواضع, الرحمة, القوة في الله, الغنى في الله, الافتقار إلى الله.
فالصلاة على النبي تعني أن تقرأ سيرته, وأن تقف عندها فقرة فقرة, ثم تقول: اللهم صلِّ على النبي, أي تسأل الله له الرحمة, وبشكل أو بآخر هذا كلام دقيق.
لما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي, لصافحتكم الملائكة, لزارتكم في بيوتكم))
[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]
أي المؤمن مع رسول الله؛ إما معه جسماً, أو معه روحاً, نحن الآن مع رسول الله في روحه, في سلوكه, في أخلاقه, إذا كنت معه روحاً إذاً اشتققت من كماله, ومن أنواره, ومن محبته, هناك شيء من الصعب أن يكون ملموساً شيء بشكل مادي.
أنت عندما تحب إنساناً, تسري إليك صفاته وأنت لا تشعر, عندما تحب إنساناً تسري إليك فضائله وأنت لا تشعر. الإشعاع النفسي يسري من نفس إلى نفس :
من هنا:
((اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق))
[ورد في الأثر]
هناك خطر كبير؛ تحب إنساناً لا يصلي, والله يا أخي الصلاة صعبة, تجد نفسك تكره الصلاة معه, تحب إنساناً يحب الشهوات, تجلس معه, من حديثه, من نفسيته, تميل للدنيا, لو جلست مع إنسان محب لله عز وجل, تسري محبة الله إلى قلبك من خلاله, هذه الحالة هي الإشعاع النفسي, يسري من نفس إلى نفس عن طريق المحبة؛ فإذا أحببته حباً أحببت الله مع محبته, إذا أحببت مبغضاً سرى هذا البغض إليك, فهذا الشيء أساسي في علاقة المؤمنين, أنت حينما تحب مؤمناً, تسري إلى نفسك أكثر صفات هذا المؤمن, هذه الحالة ورد بها الحديث الشريف: ((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة))
[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]
فبصلاتك على النبي تقتبس من كماله, ومن محبته الشيء الكثير؛ لمجرد أن تذكره, وأن تذكر فضائله, وأن تذكر شمائله, وأن تذكر أخلاقه, وأن تذكر كماله, هذه الكمالات, وهذه الشمائل, تسري إليك بشكل أو بآخر, الآلية مجهولة, أما النتائج فملموسة, أنت مع من تحب, إن أحببت النبي كنت معهم, إن أحببت أهل الدنيا كنت مع أهل الدنيا, فلا تفسر هذه الأحاديث إلا بهذا الشكل. معرفة السيرة النبوية فرض عين :
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((مَنْ صلَّى عليَّ واحِدَة صَلى اللهُ عليه عَشْرا))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
الشيء الدقيق أن معرفة السيرة النبوية فرض عين, السبب أن الله عز وجل كلفك أن تجعل من النبي قدوة لك. قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
[سورة الأحزاب الآية:21]
أنت مكلف من قبل الله, قدوتك رسول الله, والمؤمن الصادق كلما همّ أن يفعل شيئاً, يسأل نفسه هذا السؤال: هل فعل هذا النبي؟ هل هذا مما فعله النبي أم مما تركه؟ أهكذا كانت أخلاقه؟ هذا الشعور أي أنت تقتدي برسول الله شعور مسعد.
إذاً: الصلاة على النبي أن تقتدي به, وأن تقفو أثره, وأن تترسم خطاه, وأن تكون شخصيته نموذجاً لك, تقلدها في كل شيء, فصار في الدعوة مبادئ, وأفكار, ونظم, وقيم تُقرأ, وهناك شخص أمامك؛ إما أمام عينك, وإما أمام عين قلبك, كل هذا الإسلام مجسد في هذا الشخص, كل هذا القرآن مجسد بهذا الشخص, كل هذه المبادئ يحملها هذا الشخص, كل هذه الفضائل يتميز بها هذا الشخص, هذه قضية الدعوة. العبرة أن يكون الإنسان على هدي رسول الله وأن يكون مقتفياً أثره :
الآن أي دعوة, الغِ المثل الأعلى انتهت الدعوة, كلام فارغ, معلم في صف, شخصية المعلم؛ صدقه, أمانته, أبلغ من لسانه, أبلغ من بيانه, لذلك قالوا:
(( استقيموا يُستقم بكم ))
[ الطبراني عن سمرة ]
أنت حينما تستقيم, وتصمت, يستقيم الناس باستقامتك, وأنت من أكبر الدعاة, وأنت صامد, فالعبرة أن تكون على هدي رسول الله, وأن تكون مقتفياً أثر النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تكون متبعاً لسنته, وعندما تختلط الأمور, هذا نصيحة الإمام الغزالي: عندما لا يعجبك الناس, وعندما يسقط الدعاة واحداً تلو الواحد, في بعض المزالق, في حب الدنيا, في مضرة الأقوياء, أن يأتوا بشيء ما أراده النبي, عندما الأمور تضيع, عليك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام, هو الكامل على مدى الزمان إلى آخر الدوران.
إذا كان هناك شخص في حياتك كامل, جيد, هذا بابك إلى الله, وإذا خاب ظنك بمن في عصرك, فأنت قدوتك الدائمة المستمرة هو رسول الله, هو الذي جسد الإسلام بكل أخلاقه.
لا تقل خاب ظني, النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك إلى أبد الآبدين, قدوة , فعليك بسيرته؛ ممكن أن تقرأ سيرته, ممكن أن تقلده, ممكن أن يكون مصدر إشعاع لك, مصدر إلهام, حياته خير لنا, ومماته خير لنا, وهذا ولا ينطبق على غير النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
[سورة الأحزاب الآية:21]
محبة النبي فرض عين على كل مسلم :
بل إن الله عز وجل حينما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
[سورة الأنفال الآية:33]
هو فينا بسنته, هو فينا بشخصه في حياته, هو فينا بسنته بعد مماته.
فممكن أن تنسحب أحاديث الصلاة على النبي بمجملها وفق هذا المعنى, معنى أنه لا بد لك من قدوة, أو لا بد لك من شخص, يتلقى من الله التجليات, ويهبك بعضها إذا اتصلت به في حياته, أو بعد مماته: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾
[سورة النساء الآية:64]
فالاتصال برسول الله الاتصال الروحي, أو الاتصال الفكري, أو الاتصال النفسي, أو تذكُّر فضائله, كل هذه أنواع من الاتصالات, هذه هي حقيقة الصلاة على رسول الله, أي بشكل أو بآخر مركز تلق, وأنت إذا اتصلت به تتلقى من الله الرحمات, وينعم بها على من أحبه, لذلك محبة النبي فرض عين، قال له: (( والله يا رسول أصبحت أحبك أكثر من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، قال : يا عمر، لمَّا يكمل إيمانك، إلى أن جاءه مرةً ثانية فقال : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي وولدي ومالي، والناس أجمعين، حتى نفسي التي بين جنبي، قال : الآن يا عمر ))
[ البخاري عن عبد الله بن هشام ]
لا تستطيع أن تدخل على الله إلا إذا أحببت نبيه حباً يفوق كل حب, أما إن لم تحب النبي حباً يفوق كل الحب فالطريق إلى الله ليس سالكاً, فهو باب الله عز وجل. من لوازم الأدب مع النبي أن يكون هو الوسيلة لنا إلى الله عز وجل :
القسم الثاني بالحديث يقول:
((... ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله...))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
أي النبي عليه الصلاة والسلام هو باب الله الأوحد لكل الخلق, كل الخلق يدخلون على الله من باب النبي.
هو بالمثل المألوف إنسان عرفك على إنسان, ليس لك حق أن تعمل معه اتصالاً من وراء ظهره.
فالنبي هو الذي عرفنا بالله عز وجل, فمن لوازم الأدب مع النبي أن يكون هو الوسيلة لنا إلى الله عز وجل, لا يوجد طريق إلى الله إلا عن طريق رسول الله.
فالإنسان لا يصل إلى الله إلا إذا اقتفى أثر النبي عليه الصلاة والسلام, هذه من ضوابط الاتصال بالله عز وجل، أن يكون هذا الاتصال عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن طريق الصلاة عليه, الصلاة عليه أن تذكر شمائله, وأخلاقه, وفضائله, وأن تُكبر فيه هذه الصفات، وإكبار هذه الصفات نوع من أنواع الاتصال برسول الله. ((... ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السادس و الثلاثون )


الموضوع : هديه في التواصى بالنساء




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحديث التالي يحل مشكلة كل بيت :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((اسْتَوْصُوا بالنساء خيرا، فإن المرأةَ خُلقت من ضِلَع، وإن أعوجَ ما في الضِّلَع أعلاه، فإِن ذهبتَ تُقيمُهُ كسرتَهُ، وإِن تركتَهُ لم يزلْ أعوجَ، فاستوصوا بالنساء))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
هذا الحديث يحل مشكلة كل بيت, أحياناً ينتظر الزوج من زوجته أن تكون على شاكلته, وأن تكون وفق طبعه, وأن تكون في مستوى إدراكه, وفي مستوى نظرته, يُفاجأ أن لها عقلاً غير عقله, ولها طبعاً غير طبعه, ولها اهتمامات غير اهتماماته, ماذا يفعل؟ فإما أن يبقى البيت جحيماً لا يطاق, وإما أن يُقر الإنسان بحقيقة هو أن للمرأة طبيعة عقلية, ونفسية, واجتماعية, غير طبيعته, وعقليته, ونفسيته, واجتماعيته, هذه المعرفة بهذا التفاوت يجعل الحياة مقبولة, ومستثارة, لأن الإنسان حينما يقبل بالواقع, وحينما يكشف حقائق الأشياء, يتعامل معها على هذا الأساس, أما إذا تصور أن له زوجة على شاكلته, في مستوى إدراكه, في مستوى بعد نظره, في مستوى اهتمامه, فهذا لن يكون, لو أنها كانت كما يحب لما قبلها من جهة ثانية زوجة, لو عندها إدراك عميق, وعندها بعد نظر شديد, وتهتم بالأمور الكبرى, وتنصرف عن الأمور الصغرى, لا يقبلها زوجة.
تصور إنساناً يأتي إلى البيت ظهراً؛ لا يوجد أكل, ولا تنظيف, ولا أولاد مرتبون, لكن هناك إدراكاً عميقاً, و فهماً دقيقاً لما يجري في العالم, هذا الإنسان يخرج من جلده من هذه الزوجة, هي لها اهتمامات منزلية, لها اهتمامات بأولادها مثلاً, طبعاً على حساب أنها قد لا توافقه في كل شيء.
كل إنسان له طبيعة هذه الطبيعة قد تتناقض مع ظروف معينة :
((....وإن أعوجَ ما في الضِّلَع أعلاه ...))
بعض شراح الحديث قالوا: لسانها, وبعض شراح الحديث قالوا: عقلها.
على كلٍّ في مكان فيه اعوجاج, وهذا الاعوجاج هو الكمال.
هناك أناس أعطوا توجيهاً لطيفاً جداً: أن هذا الضلع الذي في القفص الصدري ضلع أعوج, كماله في اعوجاجه, لو كان مستقيماً لكان مزعجاً, هذه المرأة التي سوف تهتم بالأولاد لا تنام الليل من أجلهم, لا بد لها من طبيعة تتناسب مع هذا الوضع, وإلا لما تحملت.
أحياناً إنسان يقول لك: افعل هذا العمل, تقول له: والله لا أفعله ولا بمليون ليرة, كل إنسان له طبيعة, هذه الطبيعة قد تتناقض مع ظروف معينة, المرأة صُمِّمت وجبلت على اهتمامها بالصغار, وعلى اهتمامها بزينتها, وعلى اهتمامها بأنوثتها, هذا الاهتمام هو الذي يجلب الرجل إليها, هذا الاهتمام على حساب اهتمام آخر, على حساب إدراك آخر, على حساب عقلية معينة, على حساب طبع معين, لولا أنها تهتم بنفسها, بمظهرها, بأناقة بيتها, بأنوثتها, بجمال بيتها, لما رغبت فيها, أما حينما تهتم بهذا فسترغب بها.
الإنسان له قلب واحد, تهتم بهذا على حساب أشياء كثيرة, أنت إن قبلتها هكذا عشت معها عمراً مديداً, أما إن رفضتها, وهذا من ضيق أفق الرجل, ومن عدم حسن إدراكه للأمور, إن رفضتها, وأردتها على شاكلتك, فلن تجد هذه المرأة في نساء الأرض. الله عز وجل أراد أن يعاني النبي من متاعب الزوجات ليكون قدوة لنا :
الشيء الذي يلفت النظر هو أن النبي عليه الصلاة والسلام عانى من النساء كثيراً, أليس من الممكن أن يجعل الله له نساء كما يريد تماماً؟ لماذا جعل نساءه لا كما يريد؟ أتعبنه كثيراً:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية:32]
﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية:28]
معنى هذا أن هناك متاعب, وزوجات النبي, السيدة عائشة قد تغضب على رسول الله, كانت تقول له: يا رسول الله أما إذا غضبت فتقول: يا محمد, فقال النبي الكريم: "أنا أعرف أنها غاضبة من عدم غضبها من وصفها لي".
فالله عز وجل أراد أن يعاني النبي من متاعب الزوجات ليكون قدوة لنا, هو عندما عانى صار قدوة لنا, لو لم يعان لم يعد قدوة, ما عرفنا قيمة الصبر. المرأة إنسانة من جنس البشر لكن لها خصائص تتميز بها :
لذلك:
((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها –خلقاً- آخر))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
والإنسان يكون منصفاً عندما يكون كاملاً, فإذا طالب الآخرين بالكمال وهو غير كامل, هذا إجحاف وليس إنصافاً.
إذاً: هذا الحديث الذي يحل مشكلة كل بيت: ((اسْتَوْصُوا بالنساء خيرا، فإن المرأةَ خُلقت من ضِلَع...))
هكذا تروي الروايات: ((أن حواء خلقت من ضلع آدم))
هي خلقت امرأة, إنسانة من جنس البشر, لكن لها خصائص, هذه الخصائص المتميزة بها وردت في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
[سورة آل عمران الآية:36]
درسنا في الجامعة كتاباً في علم النفس, علم نفس الطفولة والمراهقة, هذا الكتاب ألفه عالم فرنسي كبير, ومترجم, تقرأ الكتاب من دفته إلى دفته, فتفاجأ أنه خير تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
[سورة آل عمران الآية:36]
كتاب ضخم يتحدث عن خصائص الفتيات؛ الخصائص العقلية, والنفسية, والاجتماعية, والجسمية, حتى في القدرات الخاصة, في الذاكرة, سرعة البديهة, ذاكرة الأسماء, تجد أن أكثر خصائصها تتناسب مع أنوثتها, ومع مهمتها في الحياة, هذا هو الكمال, فنحن عندما بدلنا الأوراق, وأردناها أن تخرج من البيت, وأن تكون بين الرجال, وأن تكلف بمهام كبيرة جداً, الحقيقة هذا خلاف طبيعتها. أنوثة المرأة تغلب على ثقافتها :
مرة في مصر صار هناك مناقشات بالصحف حول حقوق المرأة, وحول مساواتها بالرجل, وحول أن لها خصائص كالرجل تماماً, فهذا النقاش جرى في أشهر كثيرة, ثم عقد لقاء في جامعة القاهرة بين المفكرين, والصحفيين, ورجال الدين, والمثقفين, إلى آخره ليلقي كلٌّ بدلوه في هذا الموضوع, هناك إنسان صاحب دعابة, وعميق التفكير, ما جاء بمحاضرة, جاء بكيس صغير, مربوط في أعلاه, في أثناء المحاضرة أطلق هذا الكيس فيه فئران, فالنساء صحن مذعورات, واضطربن, وخرجن من القاعة, فكان الفصل هو الكيس, الرجل له ترتيب ثان, المرأة لم تتحمل.
أحياناً المرأة تصرخ من صرصور, يكون معها شهادة عليا, ومثقفة, أما أنوثتها فتغلب على ثقافتها.
هناك رجل حدثني قال لي: ائت بامرأة تحمل دكتوراه, والثانية تحمل دبلوم, والثالثة تحمل لسانس, والرابعة تحمل ثانوية, والخامسة تحمل إعدادية, والسادسة معها وثيقة إتمام مرحلة, والسابعة لا تقرأ ولا تكتب, اجمعهن في مكان, ودعهن يتحدثن في شؤون النساء, لا تجد فرقاً بينهن, أي هناك اهتمامات أقوى من أي ثقافة لها, هي التي تجعلها محببة عند الرجال, لو لم تكن كذلك لن تكون مرغوباً فيها، هذا معنى الحديث:
((استوصوا بالنساء, فإن المرأة خلقت من ضلع, وإن أعوج ما في الضلع أعلاه))
قال بعضهم: لسانها. وقال بعضهم: عقلها.
وهناك معنى ثان إن أردت أن تقيمها كسرتها أي هذه تخلَّقت هكذا باعوجاج؛ إن أردت أن تقيمها كسرتها, وكسرها طلاقها. أكثر حالات الشقاق الزوجي أساسها رغبة الزوج في أن تكون زوجته على شاكلته:
أكثر حالات الشقاق الزوجي أساسها رغبة الزوج غير الواقعية في أن تكون زوجته على شاكلته:
((....فإن ذهبت تقيمه كسرته, وإن تركته لم يزل أعوج, فاستوصوا بالنساء))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
وهناك رواية لمسلم يقول: ((إِن المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع، لن تستقيمَ على طريقة، فَإِن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عِوَج، وإِن ذهبتَ تُقيمُها كسرتَها، وكسرُها طلاقُها))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
هذه رواية ثانية, أما الحديث الذي يحل أيضاً أي مشكلة في البيت. ((لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، – لا يفرك لا يكره, لا يبغض-, لا يفرك مؤمن مؤمنة, إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها –خلقاً- آخر))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
أو قال: ((رضي منها غيره))
الله عز وجل صمم الحياة على النقص فلن تستقيم لإنسان :
الإنسان أحياناً لا يكون منصفاً, يكون مجحفاً في علل كثيرة, وفيه نقص كثير؛ نقص بجسمه, ونقص بأخلاقه, ونقص بعلاقاته, ونقص بإدراكه, ويحاسب على أدق أنواع النقص في زوجته, الحياة مركبة هكذا.
نحن في دار عمل, نحن في دار تكليف, نحن في دار سعي, فربنا عز وجل صمم الحياة على النقص, لا تتم لإنسان, الكمال لله وحده, وانظر إلى الناس, يتفوق من جهة, يتخلف من جهة, يحوز على المال, تنقصه الزوجة التي تروق له, تأتيه زوجة تروق له, ينقصه المال, يأتيه المال والزوجة, لا ينجب الأولاد, ينجب الأولاد ليس عنده ما يطعمهم, عنده ما يطعمهم, يشكو من علل في جسمه, لا يشكو من علل في جسمه, عمله صعب, ودخله محدود, رزقه في بلده لكنه قليل, رزقه خارج بلده لكنه كثير, لن تستقيم الحياة على شيء, لأنها لو استقامت لكرهت لقاء الله عز وجل, كرهت لقاء الله, الذين اطمأنوا للحياة الدنيا يكرهون لقاء الله عز وجل, فالإنسان يوطن نفسه أن الحياة لن تستقيم:
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء, ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء, ولم يحزن لشقاء, قد جعلها الله دار بلوى, وجعل الآخرة دار عقبى, فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً, فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي))
[ الديلمي عن ابن عمر]
من نعم الله الكبرى أن تكون زوجة الإنسان على شيء من العلم الديني ومن الوعي :
النقطة الثانية: أن الذي يُعرّف زوجته بالله عز وجل, وبالتالي يُعرفها بواجباتها, يرتاح معها كثيراً, صار عندها وازع داخلي لمعرفة واجباتها تجاهه, أو حقوقه عليها, أما إن تركها من دون علم, طبعاً هي امرأة؛ قد تكون رعناء, وقد تكون أنانية, وقد تؤثر حظوظها على حظوظ زوجها, فلذلك الإنسان حينما يُبقي زوجته على جهلها, وعلى تفلتها, يدفع هو الثمن الباهظ, أما حينما يدعوها إلى الله عز وجل, ويحملها على طاعته فسيرتاح معها كثيراً.
قال لي البارحة شخص كلمة طربت لها, قال لي: أنا طالب علم, وزوجتي طالبة علم, قال لي: والله لا يوجد عندنا ولا مشكلة, لأنها هي طالبة علم أيضاً, كما أنه يرضي الله بالعناية بها, ترضي الله هي بالعناية به.
فمن نعم الله الكبرى أن تكون زوجة الإنسان على شيء من العلم الديني, على شيء من الوعي, تعرف ربها عز وجل، تعرف واجباتها.
فالإنسان يجب أن يسعى, لذلك أكثر الأزواج يريد من زوجته أن تحصنه, وأن تيسر له حاجاته, وأن تكون بشكل تروق له, وينسى أن دينها هو الذي يردعها, دينها هو الذي يحضها على خدمة زوجها, هو الذي يجعلها زوجة صالحة, فكل إنسان يهمل تربية زوجته, وتعريفها بالله عز وجل, يجب أن تعدها إنسانة، لها حق عليك أن تعرف الله, لها حق عليك أن تأخذها إلى الحج, لها حق عليك أن تعلمها العلم, أو أن تسمح لها بطلب العلم, لها حق عليك أن تكون في مرتبة عالية عند الله عز وجل, إن فعلت هذا قطفت أنت الثمن, وكنت أنت الرابح الوحيد من هذا السلوك.
فهذا الذي ينبغي أن يقال في هذا اليوم عن فهم الزوج لطبيعة المرأة, ولاعوجاجها, إن في لسانها, أو في إدراكها, ولأنه إذا أراد أن تستقيم له لا بد من تطبيقها؛ إن ذهبت تقيمه كسرته, وكسرها طلاقها, فاستمتعوا بهن على عوج.
وآلاف البيوت المسلمة تعيش جحيم الشقاق الزوجي بسبب عدم فهم الأزواج لحقيقة هذا الحديث.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السابع و الثلاثون )


الموضوع : هديه في النهى عن ذي الوجهين





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الإنسان الصادق مع نفسه أقرب إلى الله من المنافق :
قال عليه الصلاة والسلام:
((تجدون الناس مَعادِنَ، خيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإسلام إذا فَقُهُوا، وتجدون خيرَ النَّاسِ في هذا الشأن أشَدَّهُم له كراهية، حتى يقع فيه، وتجدون شرَّ الناس ذَا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجْه وهؤلاء بوجْه))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
في هذا الحديث إشارة إلى أن الصادق مع نفسه أقرب إلى الله من ذي الوجهين, ذو الوجهين يدرك ما الذي يرضي الطرف الآخر فيأتي هذا بوجه, وهذا بوجه, هذا منافق, وهذا بعيد عن الدين, أما الصادق مع نفسه فقد يعادي الإسلام أشد عداوة, كسيدنا خالد مثلاً, حارب المسلمين في غزوتين, وانتصر في الثانية, لكنه حينما عرف الحقيقة كان أشد الناس ولاء للإسلام, أما الذي يُرضي هؤلاء, ويرضي هؤلاء, هذا الإرضاء للمسلمين, والإرضاء للمشركين معاً, هذا يُبعده عن الله عز وجل.
والآن النمط السائد أن الإنسان يرضي كل الأطراف, يعرف كل طرف ماذا يرضيه؟ فإن جلس مع الدينين دين, إن جلس مع العلمانيين علماني, إن جلس مع الإباحيين إباحي, إن جلس مع أصحاب المبادئ صاحب مبدأ, طبعاً هو ذكي, ذكاؤه يحمله على التلون, هذا التلون يسقطه من عين الله, مع أنه أرضى الناس جميعاً, ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق, قد يكون خصماً للمسلمين كبير, لكن قناعته أن الإسلام غير صحيح, فلما عرف الحقيقة صار أكبر موال للمسلمين, وهذا شأن أصحاب رسول الله.
قال له: "دخلت على محمد وما من رجل أبغض إليّ منه, وما من دين أبغض إليّ من دينه, وما من أرض أبغض إلي من أرضه, وخرجت من عنده وما من رجل أحبّ إليّ منه".
لا يوجد مانع أن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه, فإذا عرف الحقيقة, أخذ الموقف الصحيح, الإنسان الصادق مع نفسه أقرب إلى الله من المنافق, ولو كان صدقه مع نفسه حمله على العداوة, هو صادق في عداوته, فلما عرف الحقيقة, صار من كبار المؤمنين. من أرضى الناس جميعاً فهو منافق :
الإنسان عليه ألا يكون ملوناً, ألا يكون ذا وجهين, ألا يكون عنده قدرة على التلون عجيبة, مع هؤلاء ومع هؤلاء.
مرة حدثني شخص عن آخر قال لي: عجيب! عنده قدرة على التلون عجيبة, أينما جلس يكون موافقاً لمن يجلس معهم, طبعاً هذا نوع من الذكاء لكن ليس نوعاً أخلاقياً, ذكاء غير أخلاقي.
وكما قلت قبل قليل: من أرضى الناس جميعاً فهو منافق، بهذه الطريقة المجتمع ينهار؛ لأنه يوافق كل إنسان على خطئه, يوافقه على انحرافه, يوافقه على سوء عقيدته, يوافقه على معصيته, أما إذا كان هناك جرأة, و صراحة, و صدق مع الذات, فعندئذ الإنسان لا يوافق إلا على الصواب, فبهذه الطريقة يرقى المجتمع؛ ما دام هناك نفاق, ومراءاة, وكذب, و إرضاء للآخرين, بصرف النظر عن قناعة الإنسان, أكثر الناس يظنون هذا ذكاء، يرضي الناس كلهم؛ إن وجد في الجلسة أناس مشايخ, تجده يتحدث بالدين, المشايخ تحير, والله أخي ما شاء الله, كأنه فينا ومنا, إن كان في المجلس أناس علمانيون, يتحدث بالعلمانية, إن كان في الجلسة أناس شهوانيون, يذكر لك عن مغامراته, بأنه أكبر مغامر شهواني, التلون العجيب هذا يبعده عن الله عز وجل, هذا لا يهتدي, هذا إلهه مصلحته, إلهه المال, فيرضي الناس كلهم ليكسب مالهم, ويكسب بالغرب أصواتهم.
إذا كان هناك عدد كبير من الشاذين, يجب أن نكسب أصواتهم, إذاً: نعدهم أن نسمح لهم بدخول الجيش كما كان في أمريكا, فالعبارة أنني أنا أريد أصوات, فإذا انضم الشاذون إلي أنجح, إذاً: يدافع عن الشذوذ, هذا ما يفعله العالم اليوم, قضية أصوات, يرغبون بالأصوات؛ ولو كانت من منحرفين, ولو كانت من مجرمين.
يقول لك: صار هناك حجم كبير لهؤلاء, إذاً: لا بد من استرضائهم, هذا النموذج المعاصر نموذج مصلحي؛ مصلحته إلهه, المنصب إلهه, المال إلهه:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾
[سورة الجاثية الآية:23]
شر إله عُبد في الأرض الهوى, فإذا كان الإله هو الهوى, صار هناك مرونة فائقة, حتى أهل الدين, إذا كان توحيدهم ضعيفاً, ابحث عن شيء يرضي أهل الدنيا, يرضيهم بفتوى, بأسلوب, إذا تكلم يتكلم بما يرضي الأقوياء فقط, يبحث بالتاريخ الإسلامي عن شيء يدعمهم على حساب دينه, على حساب إخلاصه, على حساب معرفته بالله عز وجل, فهذا مرض خطير, مرض التلون؛ تسميه تلوناً, تسميه الشخصية ذات الوجهين, تسميه نفاقاً. المنافق ذكي جداً ليس له خصم أبداً أما صاحب المبدأ الثابت فله خصوم كثر :
على كلٍّ؛ المنافق ذكي جداً, ليس له خصم أبداً, أينما جلس يُنغِّم, ويعزف على وتر يُرضي من حوله, يظن نفسه ذكياً, وهو عندئذ سقط من عين الله, لأنه كان منافقاً, ليس له لون, لون ثابت لا يوجد, مبدأ ثابت لا يوجد, أما صاحب المبدأ الثابت فله خصوم؛ هناك من يكرهه, هناك من يقدح فيه, هناك من يعاديه, هناك من يحاربه, لكن إذا شخص صاحب مبدأ لو حاربه خصومه هذا وسام شرف.
الآن يقول لك: رجل مبدأ, أما هناك رجل مصلحة, رجل مصلحة هو النمط السائد في العالم, والآن كل الحركات في أي مكان بالعالم, حتى السياسات العامة لأي دولة هدفها المصلحة, إذا أنا مصلحتي مع عدوي أصالحه, مصلحتي مع الشيطان أتبع الشيطان.
أجمل شيء بالإيمان وضوح الهوية :
الحديث الثاني:
(( قال ناس لابن عمر: إنا لَنَدْخُلُ إِلى سلطاننا وأمرائنا. فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إِذا خرجنا من عندهم. فقال: كنا نعدّ هذا نفاقا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-))
[ البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر]
الآن نحن دائماً تجد الجلسة يكون هناك شخص موجود, نثني عليه, يذهب، مباشرة يذمونه, والله هذا نفاق, والله هذا جبن أيضاً, نفاق وجبن, لا تستطيع أن تذمه فلا تمدحه, لا تستطيع أن تمدحه فلا تذمه, ابق باتجاه واحد.
إذا كان هناك شخص تتكلم في حضرته بكلام وتتكلم في غيبته بكلام فهذا نفاق.
أجمل شيء بالإيمان وضوح الهوية, بمدحه بوجهه, وبمدحه بغيابه, أو بذمه بغيابه, وبذمه بوجهه, أنا خصم شريف, الخصم الشريف محترم, أما لا تستطيع عليه في حضوره فتذمه في غيابه أمام الناس, ما الذي حصل؟ سقط.
كيف ينشأ الطفل على النفاق, يجد أباه مثلاً مدح شخصاً في وجهه, عندما ذهب ذمه, هو طفل, يجد مفترقاً, فصار عند الطفل هذا الإنسان جيد وسيئ في آن واحد, هذا غير معقول, فهذا النموذج يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: (( ....كنا نعدّ هذا نفاقا على عهد رسول الله))
((وتجدون شر الناس ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه))
[ البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
أما خيار الناس فأشدهم لرسول الله كراهية حتى يقع فيه- أي يكرهه- أما إذا عرفه يحبه. الصادق مع نفسه أقرب إلى الله عز وجل من المتلون :
الآن أنا أقول لكم: إنسان علماني, الأديان يرفضها كلياً, لكن يرفضها عن قناعة, أما هو فشهم, وأخلاقي, وواضح, هذا الإنسان العلماني الذي رفض الأديان كلها, وينطلق من موقف أخلاقي, هذا أقرب إلى التوبة, وإلى الصلح مع الله, من إنسان يتزيا بالدين, فإذا خلا إلى شياطينه, قال لهم:
﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾
[سورة البقرة الآية:14]
هذا أقرب, الذي له وجه واحد, ولو كان وجهه سلبي للدين, لكنه صادق مع نفسه, أقرب إلى الله, وﺇلى القيم من إنسان أرضى كل الأطراف. المديح الكاذب نوع من أنواع النفاق :
محور هذا الدرس: هذا النموذج الذي ذمه النبي عليه الصلاة والسلام, الآن يسمونه نموذجاً مرناً, يسمونه مرناً, يسمونه لبقاً, عنده قدرة على استيعاب كل الاتجاهات, يسمونه عنده ذكاء اجتماعي, هذه كلها صفات مدح المنافقين, ذكاء اجتماعي مرن, مستوعب الأمور كلها, يرضي الأطراف جميعاً, قاسم مشترك للناس جميعاً, هذه صفة نفاق, أنت لك اتجاه واضح, لذلك لك خصم واضح بهذا الاتجاه, وهذا أساسه الكذب, تكلمت كلاماً لست قانعاً فيه هذا كذب, فإذا أنت عودت الناس تتكلم كلاماً غير صحيح الكلمة سقطت, لم يعد لها معنى.
مرة مدحني شخص في لقاء, والله أنا صدقته, وأكبرته, وشكرته, مرة جلست في جلسة ثانية, هناك شخص أعرفه سيئ جداً, مدحه أيضاً مدحاً شديداً, فاحتقرت مدحه لي, عندما مدح شخصاً سيئاً, وأثنى عليه, وأوهمه أنت إنسان عظيم, فأنا سقط عندي مدحه لي, هذا سياسته المديح, والنبي قال:
(( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))
[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
والمديح إذا ازداد يُوهم الممدوح أنه صالح, لذلك نوع من أنواع النفاق هو المديح الكاذب.
ومن مدحك بما ليس فيك فإنه يذمك.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )


الموضوع : هديه في الدوام على الاعمال الصالحة






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
من سنة النبي في تعامله مع المنهج الاستمرار والمثابرة :
أيها الأخوة الكرام: سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيها مضمونان؛ المضمون الأول: هو المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه, المضمون الثاني: طريقة تعاملنا مع هذا المنهج:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾
[سورة المائدة الآية:48]
الشرعة هي افعل ولا تفعل, الأحكام الشرعية في كل موضوع يتصل بحياة الإنسان, أما المنهاج فطريقة التعامل مع هذه الشريعة؛ فمن سنة النبي عليه الصلاة والسلام في طريقة التعامل مع هذه الشريعة هذا المبدأ, الدوام على الأعمال, ما الذي يحدث؟ الإنسان يكون شارداً, يكون منقطعاً عن الله, يعاني من آلام البعد, من جفوة البعد, أموره معسرة, نفسه ضيقة, شعوره في انقباض؛ هذه المشكلات النفسية, والاجتماعية, والاقتصادية, والجسمية, هذه كلها معاناة كبيرة جداً, فإذا اصطلح الإنسان مع الله انتقل نقلة نوعية, ونقلة مسعدة, وجد حياة أخرى لم يعهدها من قبل؛ حياة التوازن النفسي, حياة الثقة بالمستقبل, حياة الشعور أن الله راض عنه, حياة الطمأنينة, حياة الأمن, حياة التوفيق, حياة التيسير http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/01.jpg
فهذه النقلة النوعية المفاجئة تجعله من أسعد الناس إطلاقاً, بل إن سعادته لا تخفى, ما الذي يحدث؟ يكلف نفسه في هذه الفترة المزدهرة ما لا يطيق, ثم يتراجع عن منهجه خطوة خطوة, فإذا هو أمام نكسة كبيرة, هذه النكسة سببها كان يصلي قيام الليل, لم يعد يصلي, كان يحضر درس علم, لم يعد يحضر, فهذه التراجع يسبب مشكلة.
من منهج النبي في تعامله مع المنهج, من سنة النبي في تعامله مع المنهج الاستمرار, والمثابرة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/02.jpg
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصيرٌ، وكان يُحَجِّرُهُ باللَّيل فيُصلي فيه، ويَبْسُطُهُ بِالنَّهار، فَيَجْلِس عليه، فجعل النَّاسُ يَثُوبُونَ إلى النَّبي، فيُصَلُّونَ بصلاته، حتَّى كَثُرُوا، فأقبَلَ عليهم، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، خُذُوا من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَملُّوا، وإنَّ أحَبَّ الأعمال إلى الله ما دَامَ وإن قلَّ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]
أنت أنفقت بالشهر مئة ليرة يجب أن تستمر عليها, صليت صلاة الضحى يجب أن تستمر عليها, حضرت درس علم يجب أن تستمر عليه, الخطوات الثابتة والمستمرة تعطي ثقة في النفس, أما التراجع فيعطي نكسة, والإنسان حركة, بمعنى الخطوة نحو الأمام وتجره إلى خطوة أخرى نحو الأمام, والخطوة نحو الوراء تجره إلى خطوة أخرى نحو الوراء، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))
[أخرجه مسلم عن عائشة]
العبرة أن يتخذ الإنسان منهجاً متوازناً يطيقه ويستمر عليه :
شيء آخر؛ هذا المنهج منهج العمر ليس قضية شهادة ثانوية, تعمل استنفاراً وتنتهي, أو شهادة جامعية, تدرس عشرين ساعة, بعد ذلك أخذت لسانس وانتهى الأمر, لا, قضية عمر, حتى ينتهي.
فالمفروض أن تتخذ منهجاً متوازناً تطيقه, وتستمر عليه, العبرة أن يكون خطك البياني صاعداً, الخط البياني لا يكون فيه نكسات, فهذه النكسات إذا تكررت أعقبت حالة إحباط في النفس، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))
[أخرجه مسلم عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/03.jpg
أحياناً الإنسان ينفق كل ماله ثم يندم, ليته لم ينفق ولم يندم, الإنفاق جيد, لكن إذا كان يضمن ألا يعقبه ندم, أما بساعة تألق, أنفقت المال كله, راتب الشهر بكامله أنفقته, ثم تلويت جوعاً طوال الشهر, فلو جاءتك خاطرة أنك أنت أخطأت, ليتك لم تفعل, أحبطت عملك.
فأنا من أنصار المنهج المتوازن, الذي فيه صعود ثابت, ولست من أنصار الفورة.
الإنسان أحياناً يفور فورة كبيرة؛ لا تراه إلا في المسجد, لا تراه إلا يصلي, لا تراه إلا ينفق ثم ينتكس, والنكسات خطيرة جداً.
وأنا أقول أنطلق في هذا الدرس: أخ لا يوجد له أي اعتراض, ترك وانحرف, لماذا؟ لأنه كلف نفسه ما لا يطيق, حمل نفسه ما لا يطيق، إن للنفس إقبالاً وإدباراً، هكذا قال سيدنا علي؛ ففي حالة الإقبال احملها على النوافل, وفي حالة الإدبار احملها على الفرائض, فالإنسان حكيم نفسه, هذا منهج العمر, ليس منهج سنة, منهج شهر, أنت تعاملك مع الله إلى أن تنتهي الحياة. التوازن والاستقرار والاستمرار هو الطريق الصحيح الذي ينبغي على الإنسان أن يسلكه :
هناك إنسان لا يخطط لمستقبله, لا يفكر في الزواج إطلاقاً, فإذا أصبح في سن الزواج, وكل من حوله تزوج, هو ما فكر إطلاقاً؛ ليس له عمل, ولا بيت, ولا شيء يستعين فيه, ينتكس أيضاً, لماذا محروم من الزواج؟ أنت لم تخطط, الله عز وجل أعطاك عقلاً, وأعطاك منهجاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/04.jpg
فأنا من أنصار أن يُبنى الإنسان بناء متوازناً؛ يجب أن يتزوج, أن يكون له عمل, أن تكون له دراسة معينة, أن يؤدي الصلوات, أن يطلب العلم, أما ائت بإنسان, اجعله يعطيك كل وقته, وكل حياته, بعد ذلك يختفي فجأة, يكون انتكس, معنى ذلك أنك أنت مشيت بطريق الطفرة؛ الطفرة والفورة طريق غير صحيح, أما التوازن, والاستقرار, والاستمرار فهو الطريق الصحيح.
وفي رواية:
((وكان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]
خطا خطوة في تلاوة القرآن, يتابع باليوم خمس صفحات, ابدأ بخمسة, هناك إنسان يبدأ بخمسة أجزاء لا يتحمل, خمسة أجزاء! مئة صفحة! الحياة معقدة, عندك عمل, عندك مواعيد, فهذا العبء حملت نفسك عبئاً فوق طاقتك, خمسة أجزاء لإنسان متقاعد, لا يوجد عنده عمل, أما في أول حياته, يبني مستقبله, يحتاج إلى قراءة قرآن يومية, فابدأ بخمس صفحات, ثبت خمسة كل يوم, اجعلها عشرة بعد حين, أما تبدأ بخمسة أجزاء, بعد ذلك تدع القرآن كلياً؟!
أنا ضد هذه الفكرة, الفورة ثم الهمود؛ الإقبال الشديد ثم الإدبار, المداومة ثم الانقطاع, الإنفاق ثم الإحجام, أسلوب الفورة أسلوب له مضاعفات في النفس خطيرة, أقلها الشعور بالتراجع, ثانيها النكسة, ثالثها كل حركة نحو الوراء تجر إلى حركة نحو الوراء, كل حركة نحو الوراء تجر إلى حركة أخرى, وكل حركة نحو الأمام تجر إلى حركة أخرى. تناسب قوانين الجسم مع قوانين الشرع :
أنت ضع قدمك على صخر, الأرضية ثابتة, قوية, انتقل لخطوة ثانية, وهذا منهج العمر, منهج الحياة, ليس منهج أربع سنوات لسانس, سنة بكالوريا, تأسيس عمل, لا.
مرة سألت الطبيب سؤالاً: هذه البروستات الغدة الهائلة, التي تقف عند التقاء مفرزات الخصيتين مع الحالبين, عندما يجتمعان في أنبوب واحد, هنا تقبع البروستات, لأن هذه الغدة تفرز مادة معطرة, مادة مطهرة, ثم معطرة, ثم مغذية إذا كان طريق ماء الحياة سالكاً, ثم إذا كان طريق البول سالكاً تفرز مادة قلوية تتعادل مع المادة الحامضية, وتعمل ثمانين عاماً بلا كلل وبلا ملل, تفتح الخط إلى هنا, والخط إلى هنا.
سألت الطبيب: ما الذي يجعلها تلتهب؟ قال لي: تلتهب بعدم الزواج.
معنى هذا أن الإنسان مصمم لأن يتزوج, فيجب أن يخطط لزواجه, والزواج سنة, فتجد الذي خلق الإنسان, وأنزل القرآن واحد, فقوانين الجسم تتناسب مع قوانين الشرع.
الآن رواية ثالثة:
((إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/05.jpg
وفي رواية: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: سَدِّدُوا وقاربُوا، واعلموا أنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]
كنت قبل يومين في تعزية, إنسان شرح هذا الحديث: أن هناك عدلاً, وهناك رحمة, فبالعدل العمل غير كاف, أما الرحمة فهي الجنة برحمة الله، كنت أتمنى أن تُشرح بعمق أكثر.
بيت يقدر بمئة مليون, عملك كله يساوي ثمن مفتاح البيت, أما هو قُدم لك هبة, فمن أجل التنظيم, أنت كل عملك في الدنيا يساوي مفتاح هذا البيت فالله نظم الأمور. قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية:32]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/06.jpg
لكن عملك في الأصل غير كاف, ليس هو ثمن هذا البيت, ثمن مفتاح هذا البيت.
مثلاً أب يعد ابنه إذا نجح في الدرجة الأولى يعطيه دراجة غالية جداً, فالابن بعدم عمقه نجح و كان الأولي على زملائه فاتجه رأساً إلى بائع الدراجات, قال له: هذه الأولية, وأعطني هذه الدراجة؟ يقول له: نريد ثمنها, هذه علاقة بينك وبين أبيك, نريد ثمنها.
أي لا يكفي الإنسان أن يكون مستقيماً, استقامته ليست مقابل الجنة, استقامته سبب الجنة, فأنت مغمور بفضل الله عز وجل.
والعلماء قالوا: "الجنة محض فضل, والنار محض عدل". الانضباط الحقيقي هو انضباط ديني لأن المشرع معك وأنت في قبضته :
قال:
((سَدِّدُوا وقاربُوا، واعلموا أنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/07.jpg
أما: سددوا وقاربوا فدائماً تحرك نحو الهدف, لا تنسَ الهدف.
أحياناً الإنسان ينطلق انطلاقاً صحيحاً:﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾
[سورة الإسراء الآية:80]
لم التفصيل؟ لم لم يقل الله عز وجل: ربي اجعلني صادقاً؟ أحياناً تنطلق انطلاقاً صحيحاً, ضمن الحيز, تنشأ مشكلة تميل مع الدنيا, تخرج غير صادق, الدخول صادق, الخروج غير صادق.
فالدعاء: "ربي أدخلني, وأخرجني".
هناك أعمال جليلة, أعمال إنسانية عظيمة, فالمنطلق لها جيد, سليم, أما الخروج منها فغير سليم, لذلك: سددوا وقاربوا.
مركبات الفضاء عندهم شيء اسمه: تصحيح مسار, دائماً هناك مراقبة للمسار, لو انحرف انحرافاً بسيطاً, ولم يُصحح هذا المسار لا يأتي إلى القمر بل إلى كوكب ثان, فأنت بحاجة إلى تصحيح مسار دائم, هذا معنى: سددوا وقاربوا. الإنسان بحاجة إلى دين يعصمه وإلى آخرة يسعد بها :
الناس يفهمونها فهماً آخر, عكس ما أراد النبي, أي لا تدقق كثيراً, سدد وقارب, هناك معصية لا تدقق كثيراً.
الناس يفهمون هذا الحديث على أنه نوع من التساهل أي: سددوا وقاربوا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10430/ar-10430/08.jpg
قال لك: سدد, وحاول أن تكون الرمية على الهدف تماماً, قربها من الهدف, قربها كي تحدث شيئاً.
فسددوا وقاربوا, واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة, وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
هذا رواه البخاري ومسلم, وفي رواية للبخاري:
((كان أحبُّ الأعمال إلى الله الَّذي يدومُ عليه صاحبُهُ))
[أخرجه البخاري وموطأ عن عائشة]
وفي رواية لمسلم: ((كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))
[أخرجه مسلم عن عائشة]
وكانت عائشة إذا عملت عملاً لزمته.
فاليوم موضوع الأحاديث حول تعاملك مع منهج رسول الله تعامل هادىء, ومستمر, وصاعد, ونحن لسنا مع الطفرة, ولسنا مع الفورة, نحن مع التوازن, ومع بناء الإنسان بناء صحيحاً, كما دعا النبي :" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا".
هذا التوازن, أنت بحاجة إلى دنيا؛ تفتح بيتاً, تتزوج, عندك أولاد, بحاجة إلى دين يعصمك, بحاجة إلى آخرة تسعد بها.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )


الموضوع : هديه في طلب العلم






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الربط بين الجنة و بين العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: في حياة بعض الناس معالم, بمعنى أنه قد يلتقي إنسان بإنسان, فيكون هذا اللقاء سبباً لغنى عريض, التقى مع إنسان, اتفقوا على إقامة شركة, الشركة ربحت أرباحاً طائلة؛ فهذا الغنى العريض, وهذه البحبوحة الكبيرة, سببها هذا اللقاء مع هذا الإنسان.
أحياناً يسلك الإنسان في الدراسة فرعاً معيناً في الجامعة, قد لا ينتبه لخطورته, فإذا هو من أفضل الفروع, يدرُّ عليه أرباحاً طائلة, اختصاص نادر مثلاً, وأحياناً يختار نوعاً من البضاعة, قد لا ينتبه لقيمتها, فإذا هي سبب حياة و بحبوحة كبيرة جداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/02.jpg
على كلٍّ هذه العلاقات, أو هذه الصدف؛ بين لقائك مع إنسان, أو بين اختيارك لفرع معين, والنهاية سعيدة, في مقياس الناس هذه قد تكون صدفة , إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام يبين أنك إذا سلكت طريقاً تلتمس فيه علماً, أي توجهت إلى مسجد, ليس لك هدف دنيوي إطلاقاً إلا أن تطلب العلم, إلا أن تتعلم كتاب الله, أو سنة رسول الله, أو أن تتعلم أحكام الفقه, أو سيرة رسول الله, ما دام هذا السلوك, سلوك هذا الطريق الذي ينتهي بك إلى مسجد تطلب فيه علماً، يقول عليه الصلاة والسلام: هذا الطريق نفسه طريق إلى الجنة.
فالنبي ربط بين الجنة التي خلق الإنسان من أجلها، خُلق الإنسان لجنة عرضها السموات والأرض,
﴿إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾
وبين العلم. إذاً: لا يوجد طريق للجنة إلا ويبدأ بالعلم, وأي طريق آخر لا يبدأ بالعلم هو طريق مسدود, غير سالك إلى الجنة.
من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((من سلك طريقاً))
[مسلم عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/03.jpg
كلمة من تعني اسم شرط جازم, من: لها فعل, ولها جواب أو جزاء, والترتيب الشرطي في حقيقته حدّ ثان, لا يقع الثاني إلا إذا وقع الأول, حدثان مترابطان لا يقع الثاني وهو سلوك طريق الجنة إلا إذا وقع الأول وهو سلوك طريق العلم, فلذلك: "إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم, وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم, وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم -كما قال الإمام الغزالي- لا يعطيك بعضه, إلا إذا أعطيته كلك".
الإنسان له نشاطات في اليوم, ينطلق إلى عمل, يكسب رزقاً, كي ينفق على أهله, ونفسه, وعياله, فكل شخص له مهنة, حرفة, وظيفة, تجارة, صيدلة, طوابق, هندسة, تعليم, هذه حرفة, وهي أحد أهم نشاطات الإنسان, لأنه من خلالها يكسب رزقه, ومن خلالها ينفق على أهله, وعلى نفسه, وعلى أولاده.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/04.jpg
إذاً: ممارسة حرفة لكسب الرزق نشاط أساسي, الإنسان ينام, النوم أحد نشاطات الإنسان, إنه إن لم ينم يهلك, لا بد من أن يسترد نشاطه بالنوم, فالنوم أيضاً سلوك ثابت بالإنسان, عنده خمس ساعات نوم, عنده وقت يمضيه مع أهله, الإنسان عنده دافع اجتماعي, يقعد مع أهله, مع أولاده, مع أصدقائه, جزء من نشاطاته اللقاء اجتماعي, علاقة اجتماعية؛ سهرة, ندوة, نزهة, إلى آخره.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/05.jpg
أحياناً يعالج نفسه عند طبيب, نشاط أساسي, فهذه النشاطات؛ نشاط معالجة, نشاط علم, نشاط كسب رزق, أخطر نشاط تمارسه يتعلق بسر وجودك, وغاية وجودك, نشاط العلم.
أي كيف ينام الإنسان حتى يستعيد نشاطه؟ كيف يأكل؟ هناك شخص لا يأكل؟ يوجد عندك ثلاث وجبات في اليوم الناس جميعاً يأكلون, وينامون, ويعيشون حياة اجتماعية, والناس جميعاً يمارسون حرفة معينة, من أجل كسب قوتهم, أعلى نشاط وأخطر نشاط يتعلق بسر وجودك وبغاية وجودك وبسلامتك وبسعادتك هو نشاط العلم, طلب العلم, وأنت بطلب العلم تغدو إنساناً, وبأي نشاط آخر تبقى بمستوى غير إنساني, أي حيران؛ يأكل, ويشرب, وينام, ويتزوج, وينجب, ويكسب, أما الإنسان يطلب العلم فلأنه إنسان.
هذا الحديث من أخطر الأحاديث: ((من سلك طريقاً))
[مسلم عن أبي هريرة]
على الإنسان أن يتزود بالعلم بشكل دوري :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/06.jpg
يجب أن يكون لك منهل علمي, يجب أن يكون لك مرجع علمي, يجب أن تتزود بالعلم بشكل دوري.
((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً))
[مسلم عن أبي هريرة]
علماً جاءت نكرة, قد يكون علماً في القرآن, أو علماً في الحديث, أو علماً في السيرة, أو علماً في العقيدة. ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً))
هذا الطريق إلى المسجد, أو هذا الطريق إلى المعهد, أو هذا الطريق لمدارسة القرآن, أو هذا الطريق لحفظ كتاب الله, هذا الطريق الذي تسلكه.
كل شخص منا يرتدي ثيابه, يجمل مظهره, يركب مركبة, وهي مركبته الخاصة أو العامة, وينتظر ساعة, أحياناً في الطريق إذا كان محله بعيداً, قادم من محل بعيد, عنده ساعة في الطريق, هذا السلوك ركوب هذه المركبة, سلوك هذا الطريق, هذا الطريق نفسه إلى الجنة. النتائج البرَّاقة لمن يجلس في بيت من بيوت الله يقرأ القرآن و يتدارسه :
(( من سلك طريقا يلتمس فيه العلم سهل الله له إلى الجنة طريقاً، و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و حفتهم الملائكة, و غشيتهم الرحمة، و ذكرهم الله فيمن عنده))
أربع نتائج برَّاقة لمن يجلس في بيت من بيوت الله, يقرأ القرآن, أو يتدارس تفسيره, فأي لقاء في أي بيت من بيوت الله بقصد فهم كتاب الله؛ تلاوته, قراءته, فهمه, معرفة أحكامه, فهذا نشاط يعد من أرقى النشاطات.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/07.jpg
الآن: (إلا حفتهم الملائكة): الإنسان بين وسوسة شيطان وبين إلهام ملك, فالمنقطع عن الله خاضع لوسوسة الشيطان, والشيطان يغريه بالدنيا, يغريه بالمعصية, يغريه بأكل حقوق الآخرين, يغريه بالانغماس في المعاصي والآثام, والملك يغريه بطاعة الله, يغريه بالعمل الصالح, يغريه بإنفاق المال.
فأول صفة من صفات طلاب العلم بالمساجد أن الملائكة تحفهم, كان الشيطان يوسوس لهم, صار الملك يلهمهم, أي أنت معك إلهامات ملائكية, أنت عندك إرشاد من الملائكة؛ يا عبد الله افعل, يا عبد الله أنفق, يا عبد الله اطلب العلم.
(إلا حفتهم الملائكة, ونزلت عليهم السكينة): السكينة, الراحة النفسية, النفس تسكن لها, ضمن النفس مشاعر, مشاعر القلق, مشاعر الخوف, مشاعر الغضب, مشاعر السخط, هذه المشاعر أكثرها مشق, وبعضها مسعد, مشاعر الأمن, مشاعر السكينة, مشاعر الرضا عن الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/08.jpg
فمن لوازم حضور مجالس العلم أن مشاعر الإنسان تسمو؛ كان في قلق, صار في سكينة, كان في اضطراب, صار في هدوء, كان في حيرة, صار في استقرار, كان في سخط, صار في رضا.
(ونزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة): السكينة؛ هدوء و استقرار, الرحمة شيء مسعد يُلقى في قلب الإنسان.
(وذكرهم الله فيمن عنده): الله عز وجل يرفع قدر هذا الإنسان, الإنسان بفطرته عنده ميل إلى الطعام, والشراب, و عنده ميل إلى الطرف الآخر, و عنده ميل إلى بقاء الذكر, العلو, هذا سموه تأكيد الذات, كل إنسان بعدما يأكل, وبعدما يقضي وطره من الطرف الآخر, وبعدما يشبع, وبعدما يتزوج عنده هدف ثالث, يكون ذا أهمية في المجتمع, يكون علماً, يكون لامعاً, يكون مشهوراً, يكون له قيمته, يكون له وزنه, هذه المشاعر يسمونها شعور تأكيد الذات, أو الشعور بالأهمية, هذه محققة بالمؤمن, لكن من طريق مشروع. من سلك طريق العلم رفع الله له قدره :
(ذكرهم الله فيمن عنده): الإنسان عندما يسلك طريق العلم يرفع الله له قدره, والدليل:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية:4]
فالمؤمن له مكانة ناتجة من غير نسبه, وغير حرفته, وغير دخله المالي, له مكانة دينية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/09.jpg
سمعتم عن أحد الدعاة, توفي قبل أسبوع قامت القيامة لوفاته.
شيخ الأزهر السابق توفي رحمه الله, كان رجلاً صالحاً, كان تحت يده مئات الملايين, كان يسكن في بيت مساحته مئة متر, في الطابق الرابع, معه التهاب مفاصل, طاولته فرماكية, كتبه بالكراتين, مشي في جنازته ستة ملايين, أي مكان بمصر إذا قدموا له أرضاً يُنشىء فيه معهداً شرعياً, كل هذه الأموال الطائلة و مات فقيراً, لا يوجد عنده شي, وكان بالإمكان أن يكون أغنى الأغنياء بألف طريق, فمشي بجنازته ستة ملايين, هذا العلم. ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً))
[مسلم عن عمر بن الخطاب]
يرفع بهذا العلم أقواماً، هذا الرجل الذي توفي قبل أسبوع تقريباً جاء إلى الخليج, استقبله أمير البلاد, استقبله على غير النظام البروتوكولي, مرة مرض, وضع تحت تصرفه أربع طائرات ملكية ليُعالج من خلالها, فما الذي رفعه؟ كتاب الله, تفسير هذا القرآن رفعه, أمضى حياته مديدة في تعليم العلم, في شرح القرآن, في تفسيره.
فالموت شيء رائع جداً, أمة بأكملها تتأثر لموت هذا الإنسان, فلذلك: العلم يرفع أقواماً:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية:4]
العبرة أن يغادر الإنسان الدنيا ومعه زاد كبير :
((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين))
[مسلم عن عمر بن الخطاب]
مرة الذي توفي, ذهب لإجراء عملية بلندن, انصبت عليه مكالمات هاتفية, وانصبت رسائل بعدد فلكي, فسألوه بإذاعة لندن: ما سر هذه المكانة التي حباك الله إياها؟ قال: لأنني محسوب على الله, كلام رائع, أي أنا لست محسوباً على جهة أرضية, أنا محسوب, وقد لا أكون أهلاً, لكن لأنني محسوب على الله, الآن: فلان محسوب على فلان, فلان على الفئة الفلانية, كل الناس يعتزون بانتماء أرضي.
قال: لأنني محسوب على الله.
فهذا العلم شيء لا يصدق, معي تفاصيل عن سيرة العلماء السابقين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/10.jpg
يقول الظاهر بيبرس: "والله ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام".
أي له مكانة تفوق أي مكانة في المجتمع, بسبب زهده في الدنيا, واستغنائه عن دنيا الناس, وبسبب أعماله الصالحة, هذا طريق العلم.
عندنا أحد علماء الشام, عندما توفي- كان شيخ القراء- مشي بجنازته مليون إنسان، إذا أردت أن تعرف مهنته, كان يعمل في صنع الدولات, أما القرآن فرفع شأنه.
الآن: علماء كبار, قد يكون أصله قصاباً, لكن هو الآن يعد أول قارئ في الشام مثلاً؛ فهناك علماء, و قراء, و مفسرون, و محدثون, فهذا العلم يرفع الإنسان, فأنت تحقق بالعلم كل أهدافك, حتى الأهداف المعنوية, الإنسان يحب العلو في الأرض, هكذا فطرته, أنت متواضع لله, لكن الله يرفع شأنك, يرفع لك ذكرك.
إنسان قد يسكن في بيت فخم, و قد يركب أجمل مركبة, و قد يتمتع بكل مباهج الدنيا, عندما يموت يترك كل شيء, أما من ترك علماً ينفع الناس من بعده, هذا ذهب إلى الآخرة, ومعه زاد كبير, والعبرة أن تغادر الدنيا ومعك زاد كبير. العاقل من يبحث عن الأعمال التي تذهب معه إلى الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/11.jpg
دائماً ابحث عن ما الذي يدخل معك في قبرك؟ هنا بيت فخم بقي بالدنيا غادرته, زوجة رائعة غادرتها, مكانة اجتماعية غادرتها, أما الدعوة إلى الله فتذهب معك إلى الآخرة, تعلم العلم ذهب معك إلى الآخرة, أعمال صالحة ذهبت معك إلى الآخرة, هنا بطولة الإنسان, يعمل عملاً يذهب معه إلى الآخرة, أما كل مكتسبات الإنسان فتبقى في الدنيا, يغادرها وحده.
والله مرة دخلنا إلى تعزية في أحد أحياء دمشق الراقية, يقدر بيت المتوفى بمئة وخمسين مليون ليرة، صاحبه بمقبرة الباب الصغير, بعدما دفن, ما هذا الصالون؟ ما هذه الزخرفة؟ ما هذا الجبصين؟ ما هذه الثريات؟ ما هذا السجاد؟ بيت مساحته أربعمئة متر, مطل على حديقة, أثاثه قريب من نصف ثمن البيت, وصاحبه بالقبر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10459/12.jpg
هذه الدنيا, هناك خطأ كبير استراتيجي, عندما تضع كل مكتسباتك بالدنيا, هذا مثل مشهور: "لا تضع كل البيض في سلة واحدة".
فأهل الدنيا وضعوا كل البيض في سلة واحدة, فجأة غادروا الدنيا, غادروها صفر اليدين.
أنا أحب أن ألقي ضوءاً: الذي طلب العلم, وعلّم العلم, ومات, إنسان يشتهي الموت, أحياناً يشتهي الموت بهذا الشكل, ترك أثراً كبيراً, ترك شعوراً بالوفاء شديداً, هذه الدنيا, وهناك أناس يموتون, فيرتاح الناس منهم, هذا مستريح ومستراح منه.
الآن أحياناً تجد شخصاً يقرأ القرآن, مات, له تسجيلات بعد سنة, سنتين, ثلاثة, خمس سنوات, عشر سنوات, وهناك مغن يموت, المغني مات, والقارئ مات, لكن القارئ ينتفع الناس بقراءته إلى يوم القيامة, ويرقى بها, والذي غنى يزداد ندماً بعد موته إلى يوم القيامة, والحياة واضحة جداً.
هذا الحديث من أصول الأحاديث أيها الأخوة:
(( من سلك طريقا يلتمس فيه العلم سهل الله له إلى الجنة طريقاً، و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة –اطمئناناً- و حفتهم الملائكة – إلهاماً-, و غشيتهم الرحمة–عطاء-, و ذكرهم الله فيمن عنده – رفع الله ذكرهم وشأنهم–, و من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ))
[رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-28-2018, 07:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الاربعون )


الموضوع : هديه في الخوف





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. خصيصة النفس أنها تخاف وهذا الخوف لصالحها ولسلامتها ولسعادتها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: الإنسان في جسمه له قوانين, وفي نفسه له خصائص, أحد أكبر خصائص النفس: الخوف. قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:19]
بنيته أنه يخاف, وهذا الخوف مفيد جداً:
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾
[سورة المعارج الآية:19-21]
فالإنسان حينما بُني على الخوف, هذا الخوف يقيه الهلاك, كيف أن الجسم بُني على حب البقاء, فالإنسان يخاف من الخطر فيسلم, الخوف الشديد من الخطر هو دافع إلى السلامة والسعادة, كذلك خصيصة النفس أنها تخاف, وهذا الخوف في أصل خلقها, ولصالحها, ولسلامتها, ولسعادتها. فالإنسان:
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾
[ سورة المعارج ]
بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل لا أن يعيش الحاضر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/02.jpg
الإمام النووي - رحمه الله تعالى- في رياض الصالحين ذكر بعض الأحاديث المتعلقة بالخوف، يقول عليه الصلاة والسلام:
((لو يَعلمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللَّهِ من العقُوبةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِه أحد، ولو يَعْلَمُ الكافرُ ما عندَ الله من الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحد))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/03.jpg
الإنسان يعيش في حياته الدنيا, بطولته أن يعيش المستقبل, لا أن يعيش الحاضر, معظم البشر يعيشون الحاضر.
كائن, أجهزته سليمة, دخله وفير, استمتاعه بالحياة شديد, لا يفكر في ساعة المغادرة، ساعة المغادرة ساقطة من حساباته, لذلك حينما تأتي يُصعق, مبرمج حياته و أموره على أنه سيعيش, ولا يفكر في هذه اللحظة التي لا بد منها, لحظة المغادرة, من الذي يسلم منها؟ الذي استعد لها, من الذي يسلم منها؟ الذي أدخلها في حساباته, من الذي يسلم منها؟ هو الذي فكر فيها كل يوم, فهيأ نفسه لهذه الساعة؛ لذلك نخاف كي لا نخاف, نخاف الآن كي لا نخاف عند الموت, والذي لا يخاف الآن سيُصعق, سيصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
الإنسان لو سُحب خط الهاتف منه يختل توازنه, يقول لك: ليس فقط سوف ينسحب خط الهاتف, سينسحب البيت, والزوجة, والدخل, والأرصدة, والمكانة, وكل شيء وصلت إليه في عمر مديد, سيُسحب في ثانية, ثانية واحدة, وكل آمال الإنسان مبنية على ثلاثة أشياء, مبنية على اتساع الشريان التاجي, مبنية على سيولة الدم, مبنية على نمو الخلايا, كل شيء حصّلته في هذا العمر في ثانية تفقده.
الحياة لا تصلح إلا بالإيمان باليوم الآخر :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وَأسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماء، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ, – عندما تحمل حملاً شديداً على دابة, و على الدابة قصب من خشب, الحمولة الشديدة تجعل هذا القصب مثل قفص من خشب, يُصدر أصواتاً معينة, هذا معنى: أطت السماء وحق لها أن تئط-, ما فيها مَوضِعُ قدم, إِلا مَلَكٌ وَاضعٌ جَبهتهُ سَاجِداً لله, والله لو تَعلَمُونَ مَا أعلَمُ لَضحِكتُمْ قَليلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرا، وما تَلَذَّذْتُم بِالنِّساءِ على الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ – إلى الطرقات-, تجأرون إلى الله تعالى – بالدعاء–, والله لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضَدُ))
[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/04.jpg
ما كان إنساناً, شجرة, غير مكلفة, فالإنسان مكلف, سخرت له السماوات والأرض؛ أُعطي عقلاً, أعطي فكراً, أعطي منطقاً, أعطي زوجة, أعطي ولداً, أعطي بيتاً, أنواع منوعة من الأطعمة خلقت له خصيصاً, ولن يحاسب!؟
لذلك: الحياة لا تصلح إلا بالإيمان باليوم الآخر, الحياة كلها, والأرض من دون هذا الإيمان غابة, والذي ترون وتسمعون في أطراف الدنيا؛ قوي يأكل الضعيف, شعب يموت من الجوع, شعب يموت من التخمة, قوى مسيطرة, قوى منهارة, هذه حياة من دون يوم آخر, فإذا أغفلنا الإيمان باليوم الآخر أصبحنا في غابة, والحياة لا تطاق فيها, أما عندما يؤمن الإنسان باليوم الآخر يأخذ حقه, ويخاف من الله عز وجل أن يأخذ ليرة واحدة لا تحل له, لن تستقيم الحياة إلا باليوم الآخر, وهذا الإيمان ثاني أكبر ركن بالإيمان، أن تؤمن أن الله موجود, وسيحاسب.
وأنت مع إنسان من جنسك, من سنك, إذا كان أقوى منك, وعلمه يطولك, وقدرته تطولك, لن تعصيه إطلاقاً, مستحيل أن تعصيه بتفكير منطقي, علمه يطولك, وأنت في قبضته, لن تعصيه, فكيف إذا كنت في قبضة الله عز وجل وكل هؤلاء العباد عباده؟ أنواع الخوف :
لذلك: الخوف هو الصحة, صحتك النفسية بالخوف, والخوف من أجل ألا تخاف, تخاف اليوم من أجل ألا تخاف.
وقد ورد أن الله جلّ جلاله أعظم وأكرم من أن يجمع على عبد خوفين, أو أن يجمع على عبده أمنين؛ من خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة, ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/05.jpg
فهذا الخوف الصحي, يوجد عندنا خوف مرضي, أساسه وساوس متسلطة, مرض نفسي، هذا يعالج, أما الخوف الصحي, الخوف السوي فأن تخاف من ساعة تحاسب فيها على كل شيء:
﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:49]
﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾
المؤمن الصادق في كل دقيقة, في كل موقف, يقول: ماذا سأجيب الله عز وجل لو سألني؟ ابتسامتك مسجلة, عبوسك مسجل, إعطاؤك مسجل, منعك مسجل, صلتك مسجلة, قطيعتك مسجلة, كل حركة, كل سكنة مسجلة, والبطل هو الذي يهيىء لله جواباً عن كل شيء يفعله, وكلما شددت على نفسك كان حسابك أهون، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً. حاجة كل إنسان إلى جلسة تأمل مع نفسه لأنه رهين عمله :
كلما كثرت الأعمال الصالحة كلما كنت في مقعد صدق يوم القيامة عند الله عز وجل, والعبرة أن ترى الدنيا ساعة.
ذكرت مرة, أخ أعطاني شريطاً , -هو لي أساساً- فيه مكالمات مسجلة من اثنتي عشرة سنة, سمعته, ثمانية أشخاص في الشريط تحت أطباق الثرى, لو بقي الشريط اثنتي عشرة سنة ثانية وسمعناه, سوف تجد ثمانية أيضاً, يجب أن يأتي وقت كل شخص في هذا الشريط تحت أطباق الثرى, وهو رهين عمله.
أنا حينما أرى جنازة, سبحان الله ملف وطوي, الآن الأبد كله متعلق بالسنوات التي أمضاها هذا المتوفى, الأبد كله, إلى أبد الآبدين؛ إما في جنة يدوم نعيمها, أو في نار لا ينفد عذابها.
هذا الذي في النعش, انتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة, والدار الآخرة متعلقة بحياته الدنيا؛ هل أمضاها في طاعة؟ هل أمضاها في معصية؟ هل أمضاها في ظلم؟ في عدل؟ في إقبال؟ في إدبار؟ هل قرأ منهج الله عز وجل؟ هل قرأ القرآن؟ هل تعلم القرآن؟ هل أقام حدود القرآن؟ هل أقام أحكام القرآن؟ ماذا فعل؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/06.jpg
فالإنسان بحاجة إلى جلسة تأمل مع ذاته, هذه الحياة ضاغطة, والحياة متعبة, والإنسان ضمن هذا الضغط في دوامة, لا بد من أن يخلو مع نفسه لبعض الوقت, من أنا؟ ماذا أفعل؟ أين كنت؟ ماذا بعد الموت؟ لو أنني مت الآن ما مصيري؟ ما حقيقة مكانتي عند الله؟ هذه أسئلة خطيرة جداً, لذلك:
((لو يَعلمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللَّهِ من العقُوبةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِه أحد، ولو يَعْلَمُ الكافرُ ما عندَ الله من الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحد))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة]
والحديث له رواية أخرى: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً, قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم, ولهم خنين – أي بكاء بصوت مرتفع-))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]
هذا الخوف الصحي. الإنسان كلما نما إدراكه ازداد خوفه وكلما ضعف إدراكه قلّ خوفه من الله عز وجل :
مرة لفت نظري طبيب يعمل في جراحة القلب, قُدم له طعام نفيس, قُدم له حلويات جيدة جداً, وغالية جداً, أبى أن يأكل, قال: أنا أرى كل يوم هذا الشريان التاجي, كيف أنه إذا سُد أصبحت حياة هذا الإنسان جحيماً, لذلك تعاف نفسي أن آكل هذا الطعام, لئلا يُسدَّ هذا الشريان, لأنه يرى كل يوم.
النبي هو الوحيد في الكون الذي رأى اليوم الآخر, الله عز وجل أطلعه على ما سيكون في الإسراء والمعراج, رأى من آيات ربه الكبرى، نحن كلنا نؤمن باليوم الآخر إيماناً غيبياً إلا النبي فإيمانه إيمان شهودي. قال:
((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]
رأى العصاة في النار, رأى أهل الجنة يتنعمون, رأى أهل النار يُعذبون, رأى المرابين, رأى الزناة, رأى الكذابين, كل هؤلاء رآهم النبي عليه الصلاة والسلام، والإنسان كلما نما إدراكه يزداد خوفه, وكلما ضعف إدراك الإنسان يقل خوفه من الله عز وجل, والذي لا يخاف إنسان أحمق, غبي, جاهل. قوانين الله نافذة في الإنسان آمن بها أم لم يؤمن :
آخر نقطة في الدرس: قانون السقوط مثلاً, هذا القانون بإمكانك أن تكذبه, بإمكانك أن تسخر منه, بإمكانك أن تصدقه, افعل ما شئت, كيفما كان وضعك من هذا القانون هو مطبق عليك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10460/07.jpg
إذا نزل شخص من طائرة من دون مظلة, قال لك: هذا القانون كله غلط, ليس له أصل, أي ألغى القانون، أي إيمانك, وعدم إيمانك, قوانين الله نافذة فيك, لو أنك لم تؤمن بها, أو لم تعبأ بها, أو لم تأخذها مأخذ الجد, هي نافذة فيك, واقعة عليك, شئت أم أبيت؛ فإيمانك بالقانون, وعدم إيمانك, وتعظيمك, وسخريتك, لا تقدم ولا تؤخر, قانون نافذ.
فالإنسان حينما يتجاهل الآخرة, الآخرة في طريقها إليك, حينما يتجاهل حساب الله الدقيق, حساب الله الدقيق مطبق عليك, حينما يتجاهل أن الحياة عداد للآخرة ويجعلها نهاية الحياة, هذا الشيء مطبق عليه؛ فإيمانك, وعدم إيمانك, لا يُلغي القوانين, القوانين نافذة.
وهذا الدعاء الشريف:
((اللهم إني عبدك, وابن عبدك, وابن أمتك, ماض في حكمك, عدل فيّ قضاؤك))
[ أحمد عن عبد الله بن مسعود]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الواحد و الاربعون )


الموضوع : هديه في النهى عن النفاق



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الله عز وجل يتولى السرائر :
عن سهل بن سعد رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((التَقَى هو والمشركونَ، فاقتَتَلوا - في غزوة من الغزوات-، فلما مالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِلى عَسْكَرِهِ، ومالَ الآخرونَ إِلى عَسكَرِهم، وفي أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم رَجُل لا يَدَع لهم شاذَّة، ولا فاذَّة إِلا اتَّبَعَها، يضربُها بسيفه, – أي شجاع جداً, قدم أعمالاً بطولية مذهلة في المعركة-, فقالوا: ما أَجْزَأَ مِنَّا اليومَ أحد كما أجزأَ فلان، - أي لا يوجد إنسان أبلى بلاء حسناً, وقاتل قتالاً شديداً, و أظهر شجاعة كبيرة كما أظهر فلان-, فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا إِنَّهُ مِن أهلِ النَّارِ))
وفي رواية: ((قال أصحاب رسول الله: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبداً))
أي كلمة رسول الله حق:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية:3-4]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/01.jpg
فهذا الرجل الصحابي اختل توازنه, إذا هذا من أهل النار من منا من أهل الجنة؟ (( فقال: أنا صاحبه أبدا, قال: فخرج معه, فكلما وقف وقف معه, وإذا أسرع أسرع معه, قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً, فاستعجل الموت, فوضع نصب سيفه بالأرض, وذبابه بين ثدييه, – وضعه بشكل عامودي, و مكانه الحاد بين ثدييه-, ثم تحامل على سيفه, فقتل نفسه, فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله, قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار, فأعظم الناس ذلك, فقلت: أنا لكم به, فخرجت في طلبه, حتى جرح جرحاً شديداً, فاستعجل الموت, فوضع نصب سيفه بالأرض, وذبابه بين ثدييه, ثم تحامل عليه, فقتل نفسه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس, وهو من أهل النار, وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس, وهو من أهل الجنة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي]
أي مستحيل إنسان يغش الناس, قد تتفق مصلحته مع عمل يرضي الناس, قد يجد من مصلحته أن يؤدي الصلوات مع المسلمين, قد يجد من مصلحته أن يتظاهر بمظاهر الدين, لكن الله يتولى السرائر.
فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس –هو ليس من هؤلاء– ويعمل عمل أهل النار، هو يريد الدنيا, يريد مجدها, يريد متعتها, فقد يجتهد أن يكون مع المؤمنين, لكن الله سبحانه وتعالى يكشفه على حقيقته. بالنية الطيبة يأخذ الله بيد الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/02.jpg
أول نقطة في هذا الحديث:
((مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا))
[الزهري عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ]
كل نية سيئة بالإنسان مهما كان ذكياً وأخفاها على الناس, لا بد من أن يكشفها الله عز وجل, وضعه في ظرف صعب جداً, فقتل نفسه: (( وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار ))
في معصية مغلوب, لكن متألم جداً, يتمنى ألا يفعل هذه المعصية, فربنا عز وجل يعينه على نفسه, ويميته مسلماً.
صار عندنا حالتان؛ إنسان يرتكب بعض المعاصي, وهو مغلوب, وهو متألم أشد الألم, وهو نادم أشد الندم, وإنسان آخر يفعل فيما يبدو للناس أعمالاً طيبة, فالذي يكون في الجنة هو الذي ينوي هذه النية الطيبة, أهم شيء أن تكون إنسانيته طيبة, فبالنية الطيبة يأخذ الله بيده, وبالنية السيئة يفضحه الله عز وجل, فلذلك: ممكن أن يكون الإنسان ضمن مجموعة مؤمنين, وهو ليس منهم, و ممكن أن تتفق مصالحه مع ما يفعل هؤلاء. من يضحك على الناس يتولى الله عز وجل فضحه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/03.jpg
هناك شيء واضح جداً, أحياناً الإنسان يكون في بلد إسلامي, فيه تشدد, والحجاب إجباري, فتجد زوجته محجبة, الصلاة إجبارية, وإلا هناك مخالفة كبيرة, أي كيف إذا ارتكب الإنسان مخالفة تموينية فيها سجن لمدة شهرين.
في بلاد أخرى إذا الإنسان لم يغلق محله, وينطلق للمسجد, يعاقب عقاباً شديداً, وقد يجلد في الطريق, وقد يهان, فتجده منضبطاً في هذا البلد, هو يصلي, وزوجته محجبة, فإذا سافر إلى بلد أجنبي, زوجته شبه عارية, هو من حانة إلى حانة, هو في بلده من أهل الجنة, الصلاة في وقتها, أول صف, لأنه لا يستطيع أن يتفلت.
أنا مرة كنت في جدة, في معمل, دخل وقت الظهر, صاحب المحل يبيع, تأخر بإغلاق المحل, دخل المطاوعة, ترجاهم كالأطفال؛ وإلا هناك مخالفة, وإهانة, و ضرب, و ضبط.
فالإنسان إذا كان في بلد فيه تشدد بأداء الصلوات, تشدد في حجاب النساء, وكان يصلي الصلاة بأوقاتها في المسجد, وزوجته محجبة, انظر إلى هذين الشخصين في لندن ماذا يفعلان؟ زوجته شبه عارية, هو من حانة إلى حانة؛ لا صلاة, ولا عبادات, بالعكس زنا, وخمر, وما شابه ذلك.
فمن يضحك على الناس الله عز وجل يتولى فضحه, والدليل قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[سورة آل عمران الآية:179]
مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَة أَلْبَسَه اللَّه رِدَاءَها :
كنت أقول هذه الكلمة: قل ما شئت والله يتولى أن يظهرك على حقيقتك, الله عز وجل يضع الإنسان في ظرف صعب, هذا الظرف يكشفه على حقيقته, هو يدّعي؛ يدّعي الإيمان, يدّعي العقل, يدّعي التقوى, قل ما شئت, صف نفسك بما شئت, لكن الله يتولى أن يكشفك على حقيقتك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/04.jpg
هناك مثل مهم جداً: أنت لن تستطيع أن تخدع كل الناس بكل الوقت, بإمكانك أن تخدع بعض الناس طول الوقت, أو تخدع كل الناس ببعض الوقت, أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت, فهذا مستحيل, هذا يتناقض مع عدالة الله, فالإنسان يخاف, الله عز وجل مطلع على السرائر.
((مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا))
[الزهري عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ]
يكون هناك نية سيئة، خيانة, ازدواجية, الآن من هو الممثل؟ إنسان ذكي جداً, يستطيع أن يؤدي دور إنسان صالح, صحابي أحياناً, متقن دوره إتقاناً شديداً, فإذا رأيته ظننته صحابياً, أكبرته وهو من أهل الدنيا, والفسق, والفجور, فكل إنسان يوجد عنده قدرات عالية جداً ممثل ذكي جداً يستطيع أن يظهر بدور عجيب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/05.jpg
أحياناً في حالات الزواج, تجد بالخطوبة كل طرف يمثل أطهر دور؛ البراءة, واللطف, والأدب, والحياء, والخجل, بعد حين يصبح الزواج قطعة من الجحيم, لأنه كان في تمثيل, فكل إنسان يمثل سيكشفه الله عز وجل.
من هو المنافق؟ ممثل يظهر بشيء, هذه اسمها ازدواجية, وأنا رأيي انفصام شخصية, تجد له وضعاً, هذا من أجل أن ينتزع إعجاب الآخرين, حتى تبقى أموره ميسرة له, إذا خلا مع نفسه, انتهك حرمات الله.
الإنسان الذي له شخصية مزدوجة, الذي عنده انفصام شخصية, له شخصية أمام الناس, يستدر إعجابهم بسلوك ذكي جداً, وله شخصية خاصة يفعلها، ممثل سيكشفه الله تعالى.
هناك شخص بأمريكا, داعية كبيرة من دعاة النصرانية, دخله باليوم بليون دولار, من أكبر الدعاة, وله محطات تلفزيون خاصة له, ودور نشر, ومحاضرات, هو جميل جداً, وطليق اللسان, فتناقش مع عالم مسلم, فمن جملة النقاش أن الإنجيل كلمة الحق, كلمة الله, لأنه طهرني, وطهر قلبي, منضبط بجريمة جنسية بشعة جداً, غير الزنا, أشد من الزنا, وفضح، فالله عز وجل يتولى بنفسه كشف عباده. ((مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا))
أجمل شيء بحياة المؤمن أن تكون سريرته كعلانيته و سره كجهره :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/06.jpg
أجمل شيء بحياة المؤمن لا يوجد عنده انزواء شخصية أبداً, لا يوجد عنده شيء يستحي به, سريرته كعلانيته, سره كجهره, هو في بيته كما هو مع الناس, الانسجام رائع جداً, لا يوجد شيء يستحي منه, ولا يوجد عنده موقف معلن, وموقف مبطن, شيء يفعله أمام الناس, وشيء يفعله فيما بينه وبين نفسه.
أحياناً الإنسان لو كان كذلك شخص بطريقة أو بأخرى يندس إلى حياته الخاصة فيفضحه, والله عز وجل كبير.
أنا أعرف رجلاً, له مكانة, الناس معجبون به إلى درجة كبيرة, وله أعمال لا ترضي الله, فأحد الأشخاص الذين يفعل معهم ما لا يرضي الله, وضع مسجلة, وسجل كلامه المنحط, وأذاعه بين الناس, عند من يعجبون به, فضحه, قصص تندى لها الجبين؛ فكل إنسان عنده انزواء شخصية, عنده انفصام شخصية, عنده مواقف معلنة, مواقف مبطنة, الله عز وجل يتولى فضحه.
وهذه القصة نموذجية, الأحداث التي جرت في عهد رسول الله مقصودة لذاتها, لا يوجد حدث صدفة, هذا الحدث يمثل موقف نموذج بشري, إنسان مصلحته اتفقت مع المسلمين, أبلى بلاء حسناً, أظهر شجاعة, أعجب به الصحابة فجأة.
من قدّم عملاً بسيطاً مع الإخلاص فهو عند الله كبير :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10517/07.jpg
والله من حوالي ثماني سنوات شخص أعجبت به إعجاباً كبيراً, هو استغل هذا الإعجاب, ليس له علاقة بجامعنا, لكن له هيمنة, وله مكانة, سبحان الله! ثم اكتشف بمخالفات كبيرة جداً, جعلته يسقط من عين الناس.
أنا لست متشائماً الآن, لكن أنتم طلاب علم, طلاب حقيقة إن شاء الله؛ ضمن الجماعات الإسلامية, ضمن المساجد, ضمن حلقات الدين, هناك حالات صعبة جداً, حالات مرضية كبيرة, إنسان طالب دنيا, إنسان طالب عز, إنسان طالب جاه من خلال الدين.
فالله عز وجل يتولى السرائر, يعرف السرائر, ولا يوجد أروع من الإخلاص, لو قدمت عملاً بسيطاً مع الإخلاص أنت عند الله كبير, ولو قدمت عملاً كالجبال مع النفاق, ومع الازدواجية, ومع انفصام الشخصية، أنت عند الله صغير.
أنا أصرّ على انفصام الشخصية؛ إذا خلا في بيته ينتهك حرمات الله, أما أمام الناس فله مظهر راق, معنى هذا أنه ممثل, والممثل إنسان غير محترم, قد يُمثل دوراً راقياً جداً, وفي فيلم ثان يمثل دوراً سيئاً جداً, معنى هذا أنه ليس له اتجاه, ليس له مبدأ, عنده ذكاء عال, يتقن أي دور.
فهذا الذي يصل إلى مصالحه من خلال الدين إنسان ممثل, وهذا سوف يفضحه الله عز وجل.
وهذا مضمون مقولة الإمام الشافعي: "لأن أتجر بالرقص, أهون من أن أتجر بالدين".




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثانى و الاربعون )


الموضوع : هديه في حب الحياة اثناء الحياة وحب لقاء الله اثناء النزاع





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحياة فرصة لا تعوض يُبنى عليها حياة أبدية :
عن عائشة رضي الله عنها قالت, قال عليه الصلاة والسلام:
((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه, ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه, فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت, فكلنا نكره الموت؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس كذلك, ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله, ورضوانه, وجنته, أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه, وإن الكافر إذا بُشر بعذاب الله وسخطه, كره لقاء الله, فكره الله لقاءه))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة]
الحديث دقيق, الإنسان ما دام حياً, قلبه ينبض, يكره الموت, لأن الله عز وجل ركب في أعماقنا حبّ الحياة, هذا كلام حقيقي, وواقعي, ما من واحد على وجه الأرض يتمنى الموت, إلا أن المؤمن يكره الموت, ويحب الحياة, ليزداد عمله الصالح, الحياة فرصة لا تعوض, هذه الفرصة سوف يُبنى عليها حياة أبدية, سيبنى على هذه الحياة المحدودة, الأيام المعدودة, حياة أبدية, ولا يوجد إنسان يشعر أنه وصل للقمة, دائماً هناك تقصير.
فالإنسان إذا كان عنده بحبوحة في الحياة يتلافى التقصير بعمل صالح, بتوبة, بإخلاص, بطلب علم, إلى آخره. طالب الحقيقة لا يداري ولا يماري :
فلما قال:
((....من كره لقاء الله كره الله لقاءه, فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت, فكلنا نكره الموت؟...))
أول ملاحظة: طالب الحقيقة صريح, طالب الحقيقة لا يداري ولا يماري, ولو كان مع رسول الله, السيدة عائشة مع رسول الله.
فأنا ألاحظ أحياناً ضمن حلقة بسيطة, إذا سئلنا ماذا يرضي الشيخ؟ نجاوبه رأساً, مثلما يريد, نرتاح ونريحه, هذا طريق غير علمي, طالب الحقيقة يناقش, لا يقبل شيئاً لم يقنع به, أي أنا أجيب كما يرضي فلان حتى أحظى عنده, لا.
صلى النبي ركعتي الظهر, فلما سلم أحد الصحابة الذين هم أضعف شأناً من بين أصحابه - ذو اليدين-, قال: "يا رسول الله, أقصرت الصلاة أم نسيت؟ – طبعاً بأدب يسأل رسول الله- فقال عليه الصلاة والسلام: كل ذلك لم يكن, -ما سكت ولا تراجع-, قال له بعضهم قد كان, فالنبي سأل أصحابه: -الآن طلب التواتر, الآن يوجد عنده رواية آحاد, شخص قال له: أنت صليت ركعتين, فسأل الصحابة, قالوا: ركعتين-, فقال عليه الصلاة والسلام: إنما نُسِّيت كي أسن, لولا أنني نسيت كيف أسجد لكم سجود السهو؟":
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى* إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾
[سورة الأعلى الآية:6-7]
الصادق يسأل و يناقش و يرفض المجاملة و المحاباة :
أنا قصدت من هنا: الصادق يسأل, والصادق يناقش, والصادق واقعي, والصادق لا يقبل شيئاً ما قبله طالب حقيقة, القضية ليست قضية تجمع مصلحي, مجاملة, المصالح محققة في هذا التجمع, يتكلم كما يريد, ونحن نرضيه, أمورنا ميسرة, لا, هذا كلام مرفوض.
يروون عن رجل -هذه قصة رمزية لكن عميقة جداً- انكليزي, استأجر حمارة يركبها، و صاحب الحمارة يمشي إلى جانبه, ويسبه سباباً شديداً, وهو يظن أنه لا يعلم العربية, فمر شخص يعرف هذين, قال له: ﺇنه سبّك, قال له: أعلم أنه يسبني, لكن الحمارة تسير.
أحياناً لا يهم الإنسان إذا كان هناك قضية تجمع مصلحي, حلقات علم, أساسه أن يؤمن مصالحه, يقول: علينا ألا نناقشه، و لو تكلم غلطاً نقبل منه, ولو لم تقتنع نقبل منه, ماذا تكلم نقبل منه, نريد أن نسير أمورنا, هذه علاقة, ليست علاقة علمية, هذه علاقة مصلحة, علاقة نفاق, أما العلاقة العلمية فأنا لا أقبل شيئاً حتى أقتنع فيه.
أي الذي يطلب يعلم, يريد أن يقتنع بالعلم, لا يوجد حل وسط, ولا مجاملة, ولا محاباة.
أي:
((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه, ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه, فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت, فكلنا نكره الموت؟ - والسيدة عائشة مؤمنة كبيرة- قال عليه الصلاة والسلام: ليس كذلك, ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله- أي هو على فراش الموت, وفي النزع الأخير, وقد علم أنه مغادر الدنيا, فإذا بشر برحمة الله, من علامات الإيمان أن الله يُري المؤمن ساعة نزعه مقامه في الجنة- ورضوانه, وجنته, أحب لقاء الله ...))
عمل المؤمن الطيب يجعله يحب لقاء الله عز وجل :
أقول لكم هذا الكلام: سمعت عن بعض الصالحات والصالحين, هم على فراش الموت, قال لها ابنها: شفاك الله لنا, قالت له: يكفي هذا, لا أريد الدنيا, زهقت منها, أريد الله, هذا شيء ثابت, فالإنسان إذا كان عمله طيباً, ومستقيماً، تمنى لقاء الله عز وجل.
والله أعرف رجلاً, أنا لا أعرفه شخصياً, لكن سمعت عنه, رجل له محل بالحريقة صالح جداً, له ميزة, ما دخلت عليه لجنة لجلب التبرعات إلا وقال لها: هذا الصندوق, افتح وخذ ما تشاء, ولا تعلمني كم أخذت, هكذا طبيعته, لا يسمح له أن يقول له: كم؟ خذ ما تشاء, عمّر مسجداً, له أعمال طيبة, يحب الخير, صار معه ورم خبيث بالدم, وذهب إلى بلد بعيد ورجع, القصة طويلة لكن ملخصها: في البيت عدة هواتف, رن التلفون, رفع السماعة, ردّ ابنه, هو يسمع أن أجله ينتهي بعد يومين, قال له: مع أبيك يومان, - القصة رواها لي صديقه-, لما عرف نفسه منتهياً, قبل ثلاثة أيام اتصل بصديقه و طلب منه أن يأتي إلى عنده– هو مستورد- قال له: هذه الصفقة مدفوع ثمنها, تتابع استيرداها, وتبيعها, وتعطي أرباحها لأولادي, هذه الصفقة لم يدفع ثمنها, ألغها, وقل لهم: الشخص سيموت.
أعطاه تعليمات بكل الصفقات, وكل المستودعات, وكل الذمم, خلال ساعتين أو ثلاث, أنهى كل علاقاته المالية, في اليوم الثاني استدعى كل أقربائه, وأولاده, وأصهاره, وبناته, وودعهم, في اليوم الثالث له بالشام شيخ مشهور, -الآن خارج سوريا-, غسل نفسه بيده, وجلس على السرير, وجاء الشيخ, وعملوا له مولداً لمدة ساعة, ومثلما جاء بالهاتف بالضبط توفي الساعة الواحدة ونصف تقريباً.
يقول لي صديقه الذي وكله بتجارته: أنا لم أر إنساناً تلقى نبأ الموت برحابة صدر, قال له: يا أبو فلان أنا انتهيت, الحمد لله.
عمله الطيب جعله يحب لقاء الله عز وجل, هذه هنا النقطة أن يكون لك عمل.
لو قيل لك: تعال معنا, أهلاً وسهلاً, أنا منتظر هذه الساعة.
فالمقياس ليس أثناء الحياة تحب الموت, لا, هذا الكلام ليس واقعياً, الشيء الواقعي كل واحد منا يحب الحياة, بل إن المؤمن يحب الحياة أضعاف ما يحبها غير المؤمن, لماذا؟ لأن الله عز وجل أقامه بعمل صالح, والعمل يزداد, في تقدم, فكل إنسان يحب الحياة, وهذا الشيء الواقعي؛ لكن وهو على فراش الموت, وهو في النزع الأخير, رأى مقامه في الجنة, فقال: مرحباً بلقاء الله.
المؤمن يرحب بلقاء الله عز وجل عندما يشعر أن الموت قريب :
لذلك: اقرؤوا سير الصحابة وانظروا, القاسم المشترك عند كل الصحابة أن كل واحد منهم كان في أسعد لحظات حياته ساعة لقاء الله.
ما هذا؟ "واكربتاه يا أبت!؟ -ما هذا الكلام!؟- قال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم, غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه".
أنا تقريباً قرأت سيرة سبعين أو ثمانين صحابياً، كانت ساعة الفراق في أسعد لحظات حياته, يا أخوان هذا الآن درس بليغ لنا, اعمل عملاً صالحاً بإخلاص, بحيث لو شعرت أن الموت قريب, لا يوجد عندك قلق شديد, لا يوجد خوف, مرحباً بلقاء الله.
إذا شخص حج حجاً مقبولاً, وحدث معه أحوال في الحج, واصطلح مع الله, عندما ينتهي من عرفات, لو فرضنا هكذا جاء ملك الموت نظيفاً.
فالإنسان ينظف حاله, يجهز حاله, يصطلح مع الله, يؤدي الذمم والحقوق, لا يطمع بالدنيا, فهذا الحديث مؤشر.
الإنسان أحياناً يوهمه الله أن أجله انتهى, الله عز وجل مربٍّ, له أساليب عجيبة, هو سيعيش ثلاثين سنة أيضاً, لكن يلقي في روعه أنه انتهيت, يصير خطأ في التشخيص, مرض عادي, لكن أخذ نتيجة غيره, فيشعره أن الأجل انتهى, ما ردّ الفعل عند المؤمن؟ المؤمن يرحب بلقاء الله عز وجل.
قالت:
((يا نبي الله أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت, قال: ليس ذلك, ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله, ورضوانه, وجنته, أحب لقاء الله))
المعاصي و الآثام تجعل الإنسان يكره لقاء الله عز وجل :
بالمقابل: إذا كانت حياة الإنسان معاص, وآثاماً, ومالاً حراماً, وفسقاً, وفجوراً, وجاء ملك الموت يكره لقاء الله.
أعرف رجلاً متفوقاً بالدنيا تفوقاً شديداً, عنده خبرة بالتجارة عالية جداً, أصيب بمرض خبيث و هو ما يزال في الثامنة و الثلاثين من عمره، الأهل لم يبلغوه, فله ابن عم -أحد أخواننا- زاره, سمع منه كلاماً بذيئاً لا يُقبل؛ له صاحبات, وله عشيقات, وله شراب, وأموال كثيرة, فلما علم أنه مصاب بمرض خبيث, كانت تأتيه حالات هستريا كل دقيقتين أو ثلاث, يبحث, يقول: لا أريد أن أموت.
يقول أحد جيرانه في البناء: والله سمعنا صياحاً, لا يوجد بيت في البناء لم يسمع صوته, عندما فارق الحياة صرخ صراخاً شديداًً.
الحالة واضحة, إنسان أحبّ لقاء الله, وهو على فراش الموت, رأى مقامه في الجنة, بشر بالجنة, فأحبّ لقاء الله, وإنسان آخر عمله سيئ, عندما عرف مكانه في النار, صرخ خوفاً وذعراً.
فالكافر وهو على فراش الموت حينما يرى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
الإنسان يكره لقاء الله بسبب المعاصي والآثام ويحب لقاء الله بسبب الأعمال الصالحة:
هناك حديثان خطيران بالمعنى نفسه, قال:
((إذا أحبّ لقائي أحببت لقاءه, وإذا كره لقائي كرهت لقاءه))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
والحديث الأخير: ((من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ الله لقاءه))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
والحقيقة الإنسان يكره لقاء الله بسبب المعاصي والآثام, ويحب لقاء الله بسبب الأعمال الصالحة والطاعات.
هذا الذي أحبّ أن يلغي الإسلام بتركيا نهائياً – أتاتورك- يقولون: قبل أن يموت بأسبوع كان يرى النار تحرق بيته, يطلب مدير الإطفائية, و يسبه, و يقول له: ألا تطفئ النار؟ فيجيبه أنه لا يوجد نار! أناس يرون ثعباناً, أناس يرون ناراً تشتعل, الحقيقة: شيء مخيف.
أنا لي صديق, له عمة توفيت, قال لي: ثماني سنوات أراها تشتعل, النار تشتعل بثيابها, وهي في حالة صعبة جداً, بعد ثماني سنوات رأيتها في حالة طيبة, سألتها عن حالها, قالت له: يا فلان الحليب.
لها زوج متزوج من غيرها, وله أولاد, تسقي ابنها حليباً كامل الدسم, وابن زوجها نصف الكأس كان حليباً ونصفه ماء, توفر الحليب لأولادها, تسقي أولاد زوجها نصف الكأس حليب, وتضع ماء, يصبح الكأس مليئاً وتسقيه.
طبعاً الرؤيا ليست حكماً قطعياً, لكن يستأنس بها, فحسب هذه الرؤيا ثماني سنوات تُعذب في النار بهذا العمل البسيط.
هناك أخ من أخواننا له أخ توفي, تاجر في سوق الهال, تحت يده ثمانية آلاف ليرة لإنفاقهم في الخير, كان يصرفهم على حاله, ولم يدفعهم, ومات, رآه يشتعل, قال له: الثمانية آلاف يا أخي, والله جاء أخوه و دفعهم لأحد الأخوان حتى الله عز وجل أنقذه. فالقضية خطيرة يا أخوان.
ملخص الدرس: اعمل عملاً إذا جاء ملك الموت تحب لقاء الله, وإياك من عمل إذا جاء ملك الموت تكره لقاء الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الثالث و الاربعون )


الموضوع : هديه تفاهة الدنيا امام الاخرة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الدنيا أهون على الله من أن تكون عقاباً للكافر أو مكافأة للمؤمن :
عن جابر رضي الله عنه:
((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بالسوق والناس كَنَفَتَيْه, فمر بجدي أسكَّ ميت, فتناوله بأذنه, ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء, وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه لأنه أسك, فكيف وهو ميت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/01.jpg
هذا كلام النبوة, هذا كلام الذي لا ينطق على الهوى, شاة ميتة وأذنها أسك أي صغيرة, وهذا عيب.
والحديث الآخر المعروف: (( لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]
إنها أهون على الله من أن تكون عقاباً للكافر, أو أن تكون مكافأة للمؤمن؛ لأنها محدودة, ولأنها زائلة, ولأنها منقطعة بالموت, فعطاء الله لا يمكن أن يكون منقطعاً بالموت, عطاء الله للأبد, فالدنيا ليست من عطاء الله عز وجل.
فالنبي يقدم مثلاً لا أحد يحبه؛ جيفة, فطيسة:
أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء, وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه لأنه أسك, فكيف وهو ميت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) الرزق و الكسب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/02.jpg
وعن عبد الله رضي الله عنه قال:
((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿ألهاكم التكاثر﴾))
ألهاكم كما قال عليه الصلاة والسلام أي الإنسان انشغل بشيء خسيس عن شيء نفيس, أنت في الدنيا من أجل أن تعرف الله, من أجل أن تدفع ثمن الجنة وهو العمل الصالح, من أجل أن يكون لك عمل تلقى الله به, من أجل أن تكون في دار السلام بسلام:
((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ:
﴿ألهاكم التكاثر﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/03.jpg
قال: يقول ابن آدم: مالي مالي, وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, أو لبست فأبليت, أو تصدقت فأمضيت؟)) [أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الشخير]
صار هناك تقسيمان؛ مال, و كسب, أو الأصح رزق, وكسب؛ الرزق ما انتفعت به, والكسب ما لا تنتفع به.
فالإنسان مستهلكاته من الطعام والشراب, مستهلكاته من الثياب, الغرفة التي يسكنها, السرير الذي ينام عليه, الثياب التي يلبسها, الطعام الذي يأكله, هذا رزقه, أما حجمه المالي فكسبه, حجمه المالي لا يقدم ولا يؤخر, لم ينتفع به, إنما يحاسب عليه, لم تنتفع به, لكنك تحاسب عليه, أما الذي انتفعت به فهو رزقك, الذي انتفعت به ثلثاه زائد, الذي أكلته أفنيته, والذي لبسته أبليته, بقي الذي أنفقته, صار التقسيم كسباً ورزقاً؛ الرزق ما أكلته فأفنيته فان, ما لبسته فأبليته فان, من الرزق ما أنفقته هو الذي يبقى, وهذا الذي ينفعك يوم القيامة. المفارقة الحادة بين إنسان ترك كل شيء وإنسان أخذ كل شيء :
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((يتبع الميت ثلاثاً: أهله, وماله, وعمله, فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله, ويبقى عمله))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/04.jpg
أحياناً يموت إنسان من أغنياء الناس, من كبار الأغنياء, أحياناً يموت عالم, تشعر أن الغني حينما مات ترك كل شيء, وأن الذي أمضى حياته في طاعة الله, وفي العمل الصالح, وفي خدمة هذا الدين, حينما يموت أخذ معه كل شيء, مفارقة كبيرة جداً, مفارقة حادة بين إنسان ترك كل شيء وإنسان أخذ كل شيء.
يا علي: (( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
و: (( خير له مما طلعت عليه الشمس ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
و: (( خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]
دخلت إلى معمل في أمريكا, كل دقيقة سيارة, أرقى أنواع السيارات في أمريكا, كل دقيقة, السيارات تمشي على شريط، إذاً صاحب هذا المعمل كم ثروته؟. من عرف خطورة الحياة يعمل ليلاً نهاراً ليكسب عملاً صالحاً يرفع مقامه عند الله
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/05.jpg
الإنسان إذا عرف خطورة الحياة لا ينام الليل, يعمل ليلاً نهاراً ليكسب أعمالاً صالحة ترفع مقامه عند الله في الجنة, لا يوجد بالإيمان شيخوخة أبداً, يتعب جسمه, يصعد على الدرج بصعوبة, أما نفسه فشابة, الشباب بالمؤمن دائم, نفسه شابة, لأن هدفه كبير جداً؛ مهما بذل من جهد, مهما سهر من ليل, مهما أنفق من مال, يجد هذا العمل لا شيء أمام عطاء الله عز وجل, وأمام ما أعدّ له في الجنة من نعيم مقيم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/06.jpg
فلذلك الإنسان إذا كان بأي سن؛ كان بالأربعين, بالخمسين, بالستين, إذا كان له سير إلى الله عز وجل, يلاحظ إنساناً من سنه لكنه شارد, تجلس معه تجده فارغاً, ليس عنده عمل, كل شيء مارسه ملّ منه, تجده يملؤك يأساً, يملؤك مللاً, يملؤك ضجراً, لأنه ليس له هدف, إنسان بلا هدف, إنسان يقول لك: أمضي وقت, الوقت صار عليه عبء.
المؤمن لا يجد دقيقة, لا يجد خمس دقائق, لا يجد ساعة, هو في شباب دائم, أما ما دام هدفك أكبر من طاقاتك فأنت في شباب, حينما تستوعب نفسك أهدافك؛ بدأ الملل, وبدأ السام, وبدأ الضجر.
معقول إنسان يجلس على كرسي خيزران بقهوة عشر ساعات, يلعب بالطاولة, وعنده زوجة, وأهل, وأولاد!! يقرأ موضوعاً, يقرأ كتاباً, يقرأ القرآن, يحضر مجلس علم, يجلس مع أخوانه, يحدثهم عن الله عز وجل, اثنتا عشرة ساعة, ملل مخيف.
المؤمن في نشاط ذهني دائم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/07.jpg
أحياناً إذا تقاعد الإنسان يُصاب بمرض نفسي, كان بدائرة الاهتمام, كان له عمل, فلما نُحِّي عن عمله صار متقاعداً, هُمش, لما همش اختل توازنه.
كشف الفرنسيون حقيقة نفذوها أن مدرسي الجامعة عندما يبلغون الستين يكونون في أوج عطائهم, فالأنظمة عمياء, يتقاعد الإنسان, يكون في أوج عطائه, في أوج ملكاته, فوجدوا أنه من الخطأ الكبير أن يتقاعد أستاذ جامعة, يبقى في منصبه إلى أن يعتزل هو عن منصبه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/08.jpg
الآن يوجد في جامعات فرنسا أستاذ جامعة بالتسعين, بالخامسة والتسعين, بالمئة, لأنه كلما كبر صار أكثر نضجاً و عطاء, ومن كان يعمل بعقله عقله لا يخرف أبداً.
عندنا قاعدة: العضو الذي يعمل لا يضمر.
انظر المؤمن لأنه يصلي, ويقرأ القرآن, ويطلب العلم, قلّما يخرف, المؤمن في نشاط ذهني دائم, إذا طلب العلم يسمع, يتفاعل, يفكر, يتأمل, يقبل, يعترض, في نشاط ذهني, قام ليصلي كل يوم خمس أوقات؛ الفجر ركعتان, الظهر أربع, أول ركعتين فيهم قراءة, الثانيات لا يوجد فيهم قراءة؛ هناك ركوع, و سجود, و قعود, و قعود أخير, هذا كله نشاط ذهني, فقلّما تجد مؤمناً يخرف, لأنه في نشاط ذهني دائم.
من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
ليس معنى هذا أن يكونوا فقراء, لكن ليس معناها أيضاً أنهم في غنى فاحش, هذا الغنى الفاحش ألهاك عن ذكر الله, صار مصيبة, الغنى المطغي مصيبة من أكبر المصائب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10519/09.jpg
فكان من عادتي أن أسأل كل إنسان عن عمله, وعن حاله, يقول: الحمد لله مستورة, إذا قال لي: مستورة, أقول له: لقد أصابتك دعوة النبي.
أي هذا أكمل حال, حال الكفاف, مصروفك يغطي حاجاتك, لكن عندك راحة بال, أما صاحب الأموال الطائلة, إدارتها, والقلق عليها, أحد أكبر أسباب المرض.
من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر، فالإنسان إذا كان عنده أموال طائلة, إدارتها وحدها تحتاج إلى فريق عمل, فإذا أدارها وحده كثيراً ما يصاب جسمه بخلل خطير, لأنه لن يتحمل.
الآن كم إنسان من رقم الضريبة صار معه جلطة؟! أحياناً يكلفونه بعشرين مليوناً فلا يتحمل, تجده مات بجلطة قلب, ضحية ضريبة, مات بسبب ضريبة, أما الذي رزقه كفاف, فهذا مستمتع بالحياة بأعلى درجة, دون أن تكون عبئاً عليه.
يوجد عندنا قاعدة بالمال, يوجد عندنا درج للمال, ويوجد عندنا خط أحمر, دون الخط المال بخدمتك, فوق الخط أنت في خدمته, أنت عبد له, فإذا كان دون الخط فهو في خدمتك؛ لذلك: من هو الشقي؟ من كان في خدمة ماله, من هو السعيد؟ من كان ماله في خدمته.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الرابع و الاربعون )


الموضوع : هديه عن العدل فى المرؤوسين



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من لم يعدل بين من وكِّل بهم فعاقبته النار :
أيها الأخوة: الأحاديث اليوم موجهة إلى رجل تولى أمر عدة أشخاص, تحت يدك ثلاثة موظفين, أنت رئيس دائرة, تحت يدك معلمو مدرسة, أنت مدير مدرسة, تحت يدك أطباء, أنت مدير مستشفى, تحت يدك عمال, أنت مدير معمل, تحت يدك أولاد, أنت أب, تحت يدك بنات, أنت أب أيضاً, أصهار, أنت عم, أي إنسان له سلطة على مجموعة أشخاص هناك عدة أحاديث تقصم الظهر.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة، يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن معقل بن يسار]
في رواية: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن معقل بن يسار]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10604/01.jpg
حتى على مستوى عريف صف, إذا الله عز وجل ولاك منصباً قيادياً, جعلك رئيس دائرة, عندك أربع موظفين؛ لم تنصحهم, لم تعدل بينهم, لم تحفهم برعايتك, الجزاء بجهنم. ((إلا حرم الله عليه الجنة))
وأقرب شيء الأب وأولاده, الأب وبناته:
قال له: (( إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي النُّعْمَانَ نُحْلًا، وَإِنَّ عَمْرَةَ سَأَلَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ : فَقَالَ : أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ، قَالَ : فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ النُّعْمَانَ؟ قَالَ : لَا، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود، والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
أهم شيء أن هذا الأمر ليس كل إنسان منا قاض, لكن كل إنسان منا أب, كل إنسان منا له أولاد, له أصهار, له بنات, له أقرباء, فإن لم يعدل, العقاب النار, لم يرح رائحة الجنة. من لم يَرحم لا يُرحم :
هناك رواية ثانية, أو حديث ثان:
((ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم, وينصح لهم, إلا لم يدخل معهم الجنة))
[أخرجه مسلم عن معقل بن يسار]
أتباعه في الجنة وهو في النار, الذين تولى أمرهم في الدنيا هم في الجنة, وهو في النار.
سيدنا عمر سأل والياً ولاه أمور المسلمين: "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: فإذا جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك, إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسد جوعتهم, ونستر عورتهم, ونوفر لهم حرفتهم, فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرهم, إن هذه الأيدي خلقت لتعمل, فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً, فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية".
وفي حديث آخر: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ من أمْر أُمَّتي شَيْئا، فَشَقَّ عليهم، فَاشْقُقْ عليه، ومَنْ وَلِيَ منْ أَمْرِ أُمَّتي شَيْئا فَرَفَقَ بِهِم، فَارفُق بهِ))
[أخرجه مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهري]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10604/02.jpg
أحياناً إنسان بالمالية, تأتيه معاملة, يكلفه الرقم الأعلى، رقم خيالي, فلكي, أغلب الظن يصاب بجلطة على التكليف, على التبليغ، يقول لك: أنا لم أعمل شيئاً, أنا عبد مأمور, لا لست عبداً مأموراً, أنت عبد مطلقة يدك, لماذا لم يدفع لك فكلفته بالمبلغ الأكبر، معنى هذا أنك تستطيع أن تخفضها له بالأساس, بدأ بالحد الأقصى حتى يبتز, يظن نفسه ذكياً, يظن نفسه أنه حقق دخلاً كبيراً, يظن نفسه حل مشاكله, أنت وقعت في أكبر مشكلة, هي النار.
كل إنسان يقسو على الناس, يجهدهم, يشق عليهم, يضعهم في زاوية حرجة, الله عز وجل منتقم, ينتقم منه أشد الانتقام, وهناك قصص كثيرة بهذا الموضوع, كل إنسان لم يرحم الخلق عاقبته جهنم. ((إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
[ورد في الأثر]
((مَا مِنْ أمِير يَلي أُمُورَ المُسلمينَ، ثم لا يَجْهدُ لهم، وَيَنْصَحُ لهم، إلا لم يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ))
[أخرجه مسلم عن معقل بن يسار]
أحياناً يكون هناك وعيد، مثلاً: ((من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
هناك أنواع كثيرة من الوعيد تمس جانباً من سعادة الإنسان, إلا أن هذا الذي يفعل مع الخلق هكذا أوعده الله بالنار. من كان عادلاً كان أقرب إلى الله لأنه الله هو العدل :
وعن عياض بن خمار رضي الله عنه قال:
((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهل الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط, -يتصدق, موفق–, ورجل رحيم, رقيق القلب لكل ذي قربى, ومسلم عفيف متعفف ذو عيال))
[أخرجه مسلم عن عياض بن خمار المجاشعي]
رحيم, وعفيف, وعادل, أهل الجنة هؤلاء روادها؛ رحيم, وعادل, وعفيف.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ المُقْسِطِينَ عند الله, على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمينِ الرَّحْمنِ وكلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَِّذينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهمْ وَمَا وَلُوا))
[أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
أنا ألاحظ هناك آباء كثر يقعون من ظلم أولادهم في عوامل كثيرة, يكون متزوجاً من اثنتين, أولاد الأولى التي طلقها, أو التي هجرها, أو التي لا يحبها, لا يحبهم أيضاً, أولاد الثانية يعتني بهم, يكرمهم, يغطيهم, والابن عنده حساسية للعدل تفوق حدّ الخيال.
يقول لك: أبي أخذ لأخي بيتاً كبيراً, أنا أخذ لي بيتاً صغيراً, أبي دعا أخي يوم العيد على الغداء, أنا لم يدعني, ينشأ عند الأطفال أو عند الكبار حساسية مذهلة.
فالأب المؤمن الذي يرجو رحمة الله يعدل بين أولاده حتى في القبل؛ حتى في الابتسامة, حتى في العطاء, وكلما كنت عادلاً كنت أقرب إلى الله عز وجل, لأن الله هو العدل, هو الحق.
فلذلك الإنسان أحياناً يعبد الله ستين عاماً, ثم لا يعدل بين أولاده في الوصية, فتجب له النار, تصور من وصية, من توزيع أموال, ستون سنة تعبد الله, ولم تكن مقسطاً, وعادلاً في توزيع أملاكك, تجب النار لهذا الإنسان.
لذلك أنا أؤكد أن الدين ليس قضية عبادات, الدين في الأساس معاملات, والمعاملات تشمل كل جوانب الحياة, فعندما نفهم الدين عبادات لن نكون أصحاب دين:
((ترك دانق من حرام ,خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام))
[ورد في الأثر]
الموقف العادل أروع شيء ترقى به عند الله :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله, ورجل قلبه معلق في المساجد, ورجلان تحابا في الله, اجتمعا عليه, وتفرقا عليه, ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله, ورجل تصدق بصدقة فأخفاها, حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه, ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
يعنينا من هذا الحديث: إمام عادل, للخُلُق أركان, أحد أركان الخلق العدل؛ فيجب أن تعدل, والذي ترونه في هذه الحياة تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10604/03.jpg
أي حتى على مستوى النظام العالمي الموحد, تجد دولة تخالف قرار الأمم المتحدة, تخالف قراراً واحداً فتُستباح أرضها, وثرواتها, وتعاقب, ودولة ثانية تخالف ستين قراراً ولا أحد يقترب منها, إلا باللوم, إلا بالاستنكار فقط, استنكار ولوم, هناك ظلم.
فالإنسان حينما يلي أمر الناس, ولا يعدل بينهم, يستحق غضب الله عز وجل.
سبحان الله! أحياناً الإنسان من جهله يلحق أعمالاً متعبة, لكن أجرها قليل, ويترك أعمالاً جليلة أجرها كبير, يلحق المفضول, ويدع الفاضل, قبل أن تؤدي الصلوات النافلة, يجب أن تعدل بين الناس.
أحياناً أب يسمع من ابنته, ولا يسمع من صهره, لا يكون عادلاً, اعتبر كلام ابنته منزلاً, وصهره لم يطلبه, سمع من ابنته, وأخذ موقفاً، وصهره إنسان، طرف آخر, اسمع منه.
دائماً وطن نفسك أن تسمع من الطرفين, تتفاجأ أنه يوجد مع الثاني معلومات دقيقة جداً, فكل إنسان يتكلم كما يريد, يتكلم الشيء الذي لمصلحته.
أنا القصة هذه خاتمتها, يتكلم لك كلاماً منطقياً, منطقياً جداً, ويختار نقاط الضعف المتعلقة بخصمه و يكبرها, والنقاط الإيجابية الخاصة به يكبرها, يصبح هو ملك, وخصمه شيطان, تأتي بالخصم, تجد العكس أيضاً, الثاني يتكلم نقاطه الإيجابية يكبرها, والسلبية المتعلقة بخصمه يكبرها, يصبح الثاني ملكاً.
فالإنسان إذا لم يكن صادقاً, و لا منصفاً, هذا لماذا يعيش؟ لماذا اسمه إنسان؟
أروع شيء ترقى به عند الله الموقف العادل, أي لا تأخذه في الله لومة لائم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( الخامس و الاربعون )


الموضوع : هديه فى الدعاء







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الله عز وجل بيده كل شيء وبيده حلّ أية مشكلة :
أيها الأخوة: هناك عدة أحاديث متعلقة بالدعاء, سبب اختياري لها أنه قبل يومين جاءني أخ كريم من بلاد بعيدة, وعرض عليّ مشكلة, كلما فكرت في حلّ لهذه المشكلة أغلق الباب, أو أعلمني أن الباب مغلق, أفكر في هذا الاتجاه هناك باب مغلق, في هذا الاتجاه باب مغلق, والمشكلة كبيرة جداً, ولا تحتمل, وليس لها حل, فقفز ذهني إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يقول:
((ينْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخر، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَه؟ حتى ينفجر الفجر ))
[ مسلم عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/01.jpg
أي إذا ضاقت بك الحيل, وعسر عليك الأمر, ورأيت الطرق مسدودة, والحلول مفقودة, ورأيت أن هذه المشكلة لا قدر لك بها, الله يوجد عنده حل, لكن نحن لا نعلم, لا يوجد مشكلة إلا ولها عند الله حل, لأنه هو الذي خلقها, وخلقها لحكمة بالغة, وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا, وإلا هذه الآية لا معنى لها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية:60]
أنت مع إنسان تدعوه, يقول لك: لا أقدر, هذا فوق إمكاناتي, فوق اختصاصي, لا يوجد شواغر, لا يوجد سماح, لا يوجد موافقة, هناك مادة بالقانون تمنعني من أن أخدمها, فأمام الإنسان مليون عقبة وعقبة, إلا أن الله عز وجل بيده كل شيء, وبيده حل أية مشكلة. الدعاء أكبر سلاح بيد المؤمن :
الإنسان إذا ضاقت به الحيل, وعسر عليه الأمر, وسدت أمامه الطرق, ووقع وأُسقط من يده, ورأى عجزه وضعفه, ليس له إلا باب الله عز وجل يطرقه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/02.jpg
فكلما وضعني أخ كريم أمام مشكلة, ليس لها حل, وإمكاناته لا تمكنه من حلها, والذين من حوله ليس بإمكانهم أن يحلوا له هذه المشكلة, ليس أمامي إلا هذا الحديث:
(( ينْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخر، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَه؟ حتى ينفجر الفجر ))
[ مسلم عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ]
والدعاء أكبر سلاح بيد المؤمن, إلا أن الإنسان قد يخجل أن يسأل الله, خجله مبعثه عدم استقامته, عدم الاستقامة تكون حجاباً بينك وبين الله .
فالإنسان غير المستقيم لا يدعو الله عز وجل, ولو دعاه بلسانه, دعاؤه أجوف, دعاؤه فارغ, أما حينما تصطلح معه, فتشعر أن لك حقاً عليه, هو أنشأ لك هذا الحق, قال لك: حق الله على عباده ألا يعذبهم. الشدائد تسوق الإنسان إلى باب الله عز وجل :
الحديث الطويل المشهور في الصحاح, المتفق عليه يقول:
((يا عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا, يا عبادي, كلكم ضال إلا من هديته, فاستهدوني أهدكم - اطلب من الله الهداية, الأرض كلها ضلالات, الأرض كلها فتن, الأرض كلها ظلمات- استهدوني أهدكم, -اطلبوا الهداية مني، إذا الإنسان قال: يا رب دلني بك عليك, دلني عليك, أو دلني على من يدلني عليك, خذ بناصيتي إليك, نور قلبي-، فاستهدوني أهدكم, يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته, فاستطعموني أطعمكم))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/03.jpg
إذا أتقن الإنسان حرفة, وله منها دخل, هذه نعمة كبيرة, لولا هذا الإتقان, ولولا هذه الحرفة, لمات من الجوع, فربنا عز وجل رزاق, يمنحك أسباب الرزق؛ هذا مهندس, هذا مدرس, هذا طبيب, هذا صانع, هذا مهني, هذا حرفي, هذا مزارع, لو الله عز وجل أصاب الدماغ بخلل, انتهى, صار عبئاً.
لي صديق يعمل في وزارة الصناعة, وله مرتبة عالية هناك, لديه صديق درس بفرنسا, معه دكتوراه بالجيولوجيا, وزوجته فرنسية, ويبدو أنه على جانب من المال, له بيت في حي راق من أحياء دمشق, وصل إلى مرتبة قريب من معاون وزير؛ ذكاء, وعلم, وغنى, ومال, وهيمنة, فقد بصره, خلال عملتين جراحيتين فقد بصره كلياً, جلس في بيته, البريد يأتيه كل يوم مع موظف من موظفيه, الموظف يشرح له مضمون الاستدعاء, ويعطيه توجيهاً, وينفذه خلال شهرين, طبعاً الإنسان لا يحتمل, لا يقرأ, فقد بصره, ممكن أن يقول له الموظف أي شيء خلاف مضمون الرسالة, ويأخذ توجيهاً منه, فمستحيل أن يستمر, فسرح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/04.jpg
صديقي زاره, قال له بالحرف الواحد: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف أتسول, ولا أملك من الدنيا إلا هذا المعطف الذي على كتفي, ولا أملك لا هذا البيت, ولا هذه الشهادة, ولا هذه المرأة, وأن يرد الله إلي بصري.
فالله عز وجل رزاق, مكنك من عمل, والناس اتجهوا نحوك, و ممكن أن ينصرفوا عنك. ((فكلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم, يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم, يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار, وأنا أغفر الذنوب جميعاً, فاستغفروني أغفر لكم, يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني, ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني, يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم, كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم, ما زاد في ملكي شيئا, يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم, كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم, ما نقص ذلك من ملكي شيئا, لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم, قاموا على صعيد واحد فسألوني, فأعطيت كل إنسان منكم مسألته, ما نقص ذلك مما عندي, إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر, يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل, ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))
[أخرجه مسلم في الصحيح والترمذي في سننه عن أبي ذر الغفاري]
تقنين الله عز وجل تقنين تأديب وليس تقنين عجز :
الفقرة الأخيرة رائعة:
((ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/05.jpg
حدثني أخ مهندس, قال لي: لي ثماني أخوات, والدنا فقير جداً, ولم يدع لنا شيئاً, هو أكبرهم, وتوفي والده, قال لي: نويت إذا الله أكرمني أن أعلم كل أخواتي, و أن أوصلهم إلى أعلى مرتبة, ذهب إلى السعودية, اشتغل, حكى لي قصة طويلة, لم يزل يتقلب من منصب إلى منصب, إلى أن أصبح مدير مشروع توسعة الحرم, وأكرمه الله إكراماً شديداً, علم ثماني أخوات, وزوجهم.
فأنا تأثرت من هذه القصة, نيته وحدها سبب التوفيق؛ نوى أن يكون أباً لأخواته, أن يمنحهم العلم, ويزوجهم, فأكرمه الله بمنصب رفيع جداً، إذاً: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل, ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))
لا تقل: قدر, لا تقل: دهر, لا تقل: ليس لي خط, لا تقل: الطرق مغلقة, لا تقل: الظروف صعبة, الله لا يوجد عنده ظرف صعب, هذه عندنا, وتقول: لا يوجد سوق, الله يوجد عنده سوق, يخلق الرواج من وسط الكساد, ويخلق البيع من وسط الجمود, الله عز وجل هو الحاكم, ولا يوجد شيء ناقص عند الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾
[سورة الحجر الآية:21]
فالله عز وجل يقنن تقنين تأديب وليس تقنين عجز. الدعاء مفتاح النجاة :
الحديث الثاني:
((أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء))
[أخرجه مسلم في الصحيح وأبو داود والنسائي في سننهما عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/06.jpg
أي افتح الخط مع الله عز وجل, أحياناً الإنسان يكون له عمل تجاري, يفتح خطاً مع شركة, أرسلوا لي البضاعة, يبيعها, و يربح, يقول لك: أكرمنا الله بهذا الخط.
فأنت افتح خطاً مع الله عز وجل بالدعاء, عندك مشكلة؛ مشكلة ولد, مشكلة بنت, مشكلة عمل, مشكلة صحية, مشكلة اجتماعية, هناك إنسان قوي يهددك, إنسان يتربص بك, يكيد لك, وأنت ضعيف, لا تقدر عليه, أقوى منك, عندك مشكلة داخل البيت, عندك زوجة غير جيدة, الله عز وجل بيده كل شيء, افتح خطاً ساخناً مع الله
أعجبني أخ مرة قال لي على الهاتف: فتحت خطاً ساخناً مع الله، أناجيه كل يوم, و أسعد لحظات حياتي حينما آتي إلى البيت لأصلي, فأنا أصلي كل يوم قيام الليل, مع أني لخمسة وثلاثين عاماً لم أصلِّ ركعة, ولم أصم يوماً, ثم تاب إلى الله عز وجل. شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس :
والحديثين الأخيرين:
((ينْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخر، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَه؟ حتى ينفجر الفجر ))
[ مسلم عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/07.jpg
قال لي أخ مرة: هناك جهة تعطيني مبلغاً من المال شهرياً, ومع شروط قاسية, و فظاظة, و تكبر، نفسي أبت عليّ, فصليت ركعتين قبل الفجر, وسألت الله في السجود أن يرزقني رزقاً من جهة أخرى, ويكون أوسع, وفيه كرامة أكثر، خلال يومين تهيأ لي عمل, والله وفقني فيه, فالاستجابة خلال يومين, ورفضت هذا المبلغ الذي تقدمه لي هذه الجهة, بإباء, ورفعت رأسي.
فالله عز وجل جعلك عزيزاً؛ لا تخضع لغير الله, لا تتضعضع أمام غني.: ((من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
لا تتمسكن, لا تعرض همك دائماً للناس, لا تتشكى, لك رب لن ينساك, لا ينسى من فضله أحد, والأمر كله بيده, لذلك: شرف المؤمن قيامه بالليل, وعزه استغناؤه عن الناس.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10605/ar-10605/08.jpg
استغن عن الرجل تكن نظيره, احتج إليه تكن أسيره, أحسن إليه تكن أميره.
قد يملك إنسان ألوف الملايين, استغن عنه, تصبح نظيره, لا تطمع بما عند الناس إطلاقاً, ما عند الناس يفنى, وما عند الله باق, لا تضع نفسك موضع الذل أمام إنسان, الله هو الغني, هو الرزاق ذو القوة المتين.
الحديث الشريف: ((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر]
الرواية الثانية: ((إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل يعطى ؟ هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ حتى ينفجر الفجر ))
[ الدار قطني عن أبي هريرة]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السادس و الاربعون )


الموضوع : هديه فى الكلمة الحسنة و الكلمة السيئة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الكلام يفتت المجتمع و يضعفه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10606/01.jpg
عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم:
((إن العبد ليتكلم بالكلمة -من رضوان الله - لا يلقي لها بالاً, يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سخط الله - لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنم))
[أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما والترمذي في سننه ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
ظاهرة التفتت في المجتمع الإسلامي سببها التعاون المادي, قد يكون خمس وعشرون بالمئة, لو أخذنا ألف شخص, الذين يتعاملون مع بعضهم بعضاً مادياً لا يزيدون عن الربع, فما بال الباقين متخاصمين؟ متعادين؟ الذي يفتت المجتمع هو الكلام, الذي يضعف قوة المسلمين خصوماتهم الناتجة عن كلام قيل في حق بعضهم بعضاً.
فلذلك الإنسان يتوهم أنه كلام, لم يتكلم إلا هذه الكلمة فقط, هذه الكلمة أورثت العداوة والبغضاء, هذه الكلمة صرفت إنساناً, له أخ صالح يحبه, جاءته وشاية فانصرف عنها؛ لأن الكلمة السيئة تفتت المجتمع, تضعف تماسكه, تجعل الأفراد متعاونين, متباغضين, لذلك الكلمة السيئة من أقبح الأعمال, أدخلها الله مع الأعمال. ((إن العبد ليتكلم بالكلمة -من رضوان الله - لا يلقي لها بالاً, يرفعه الله بها في الجنة, - بالمقابل- وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سخط الله - لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنم))
المؤمن يعد كلامه من عمله :
مرة انتبهت إلى نقطة كانت غائبة عني: أخ من أخواننا دعا أحد أقربائه لحضور درس, رجل فقير جداً, من أطراف الريف, فلما وصل إليّ ليسلم عليّ قال لي: هذا ابن خالتي, أنا بشكل طبيعي رحبت به, وسلمت عليه بحرارة, وقلت: اهتم به, يقول هذا الشخص: أنا ما جئت للمسجد إلا لأستريح من ضغط هذا القريب, ضغط عليه, فجاء مرة ليستريح من ضغطه, فإذا به لا يغيب درساً بعد هذا اللقاء, يقول: السبب هو الترحيب, السلام الحار, الاحترام.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10606/02.jpg
فأنت كلمة لا تكلفك شيئاً, شددت إنساناً لنفسك, والإنسان أحياناً يتكلم كلمة فيها قسوة, ينفر الإنسان من نفسه, فالإنسان عنده حساسية, كلمة طيبة تطيب قلبه, تشده إلى الحق, وكلمة باطلة, قاسية, خافية, تنفره من الحق, وبالنهاية أربعة حروف, خمسة حروف, لفظتها من دون اهتمام قطعت؛ فهناك كلمة تقطع, وهناك كلمة تصل, وهناك كلمة تنفر, وهناك كلمة تحبب, وهناك كلمة تشد, وهناك كلمة تصرف:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
يا أيها الأخوة: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة -من رضوان الله - لا يلقي لها بالاً, يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سخط الله - لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنم))
أحياناً كلمة تكون سبب طلاق, كلمة تكون سبب فك شركة, كلمة تكون سبب دمار أسرة, كلمة تكون سبب شقاق بين صديقين, كلمة تكون سبب شقاء بين جارين, لذلك المؤمن يعد كلامه من عمله، والله عز وجل قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾
[سورة البقرة الآية:83]
الكلمة الحسنة في الموعظة أما في الحوار فالكلمة الأحسن :
نحن مكلفون أن نقول الكلمة الطيبة حتى في الحوار، قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[سورة النحل الآية:125]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10606/03.jpg
الموعظة الحسنة, الكلمة الطيبة, المريحة, اللطيفة, الحامية, الرقيقة, أما إذا ناقشت إنساناً فهذا شيء آخر, يجب أن تختار الكلمة الأحسن, الكلمة الحسنة في الموعظة, أما في الحوار فالكلمة الأحسن: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[سورة النحل الآية:125]
إذا كان هناك مئة كلمة حسنة بالجدال يجب أن تختار الكلمة الأحسن, ليس القصد أن أفحم الخصم, وأصغره, وأبين له جهله, وأستعلي عليه, ليس هذا هو القصد, القصد أن آخذ بيده إلى الله, القصد أن أحببه بهذا الدين؛ فلذلك: الله أمر نبيه وهو سيد الخلق فقال له: قل: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مبين﴾
[سورة سبأ الآية:24]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10606/04.jpg
فالنبي الكريم على علو قدره, وعلو علمه, وخلقه, وكماله, ومكانته عند الله, قال له: نحن أو أنت على حق أو على باطل, جعل نفسه مساوية لخصومه, فأنت حدد الهدف, تريد أن تستعلي عليه تكلم ما شئت, تريد أن تأخذ بيده إلى الله تلطف معه, لأنه لا يوجد ألطف من هذا، الدليل: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[سورة طه الآية:43-44]
هذه النصيحة لسيدنا موسى مع من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
[سورة النازعات الآية:24]
مع من قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص الآية:38]
مع إنسان ذبح أبناء بني إسرائيل, واستحيا نساءهم, وقهرهم, مع جبار, طاغية, ظالم, ادعى الألوهية: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
[سورة طه الآية:44]
أنت لست مكلفاً أن تكون قاسياً مع الناس, أنت مكلف أن تقول الكلمة الطيبة. الانضباط دليل الاتصال بالله عز وجل :
حديث آخر:
((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها, يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب))
[ السيوطي عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10606/05.jpg
أي لا يعرف مؤداها, ولو تتبعت حالات الطلاق أساسها كلمة, كلمة قاسية من زوجته, ردّ الفعل طلقها, كلمة قاسية من زوج, ردّ الفعل نشزت, فالكلمة القاسية تسبب الفراق.
فإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها – أي الخير أو الشر- يزل فيها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب: (( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ))
[ البخاري عن سهل بن سعد]
ما الذي يُدخل الناس النار؟ اللسان والفرج: ((...مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ...))
من يضمن لي استقامة لسانه وحفظ فرجه أضمن له الجنة.
تجد المسلم, هذه الصفة صارخة فيه, ضبط لسانه؛ لا يوجد عنده كلمة قاسية, لا يوجد عنده كلمة فاحشة, لا يوجد عنده تعليق مزعج, لا يوجد عنده شيء محرج, لأن انضباطه دليل اتصاله بالله عز وجل, وغير المسلم تجد تعليقاته سخيفة, ولاذعة, يحرج الناس, يسبب شقاوة وعداوة بين الناس, حتى بين الزوج وزوجته. اللسان و اليد أحد أسباب الشقاق بين الناس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10606/06.jpg
الحديث الثالث:
((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده, والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))
[ البخاري عن عبد الله بن عمر]
المسلم لا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بيده, بالعكس يحسن إليهم بعمله, ويسلمون من لسانه, الذي هو أحد أسباب الشقاق بين الناس.
وهذا الحديث له ميزة أنه من سلمت سمعة المسلمين منه, المسلمون لهم كيان معنوي, فإذا أساء الإنسان لا يسيء إلى شخصه فقط, يسيء إلى الدين الذي ينتمي إليه, وأنت عندما تعامل غير المسلم لا تتهم ذاتك عندئذ, يتهم دينك.
ودائماً غير المسلم إذا أسأت إليه يقول لك: هكذا الإسلام؟ هكذا دينكم؟ فالطرف الثاني ينسى أنك فلان بل يذكر أنك مسلم.
فكل إنسان يسيء إلى الآخرين يسيء إلى دينه وهو لا يشعر, والمسلم لا يسلم إلا إذا سلم المسلمون, أي سلمت سمعة المسلمين, وسلم كيان المسلمين من لسانه ويده.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : ( السابع و الاربعون )


الموضوع : هديه فى حسن الظن بالله



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. حسن الظن بالله ثمن الجنة :
أيها الأخوة الكرام: حسن الظن بالله ثمن الجنة, الإنسان ينبغي أن يؤمن بالله, لكن الذي ينبغي أن يفعله أيضاً أن يحسن الظن بالله, فكم من مؤمن بالله, مؤمن بوجوده, لا يحسن الظن به, مؤمن بوجوده, ليس مؤمناً بأسمائه الحسنى, وصفاته الفضلى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/01.jpg
أحياناً الإنسان يجد شخصاً أمامه, يسأل عن اسمه, لا يكتفي بأن يأخذ اسمه, لا بد من أن يعرف حرفته, ثقافته, اختصاصه, أخلاقه.
من لوازم معرفة الرجل أن تعرف أخلاقه, وأن تعرف اختصاصه, وأن تعرف ثقافته, فلذلك الإنسان مطالب أن يعرف الله عز وجل بأسمائه الحسنى, وصفاته الفضلى.
فهناك كلمات يطلقها العامة, هذه الكلمات تدل على جهلهم بالله عز وجل, يقول لك أحدهم: إن الله خلق الناس ليعذبهم, يقول لك: سبحان الله! لا يوجد أحد مرتاحاً؛ الله عز وجل خلق الناس ليرحمهم, خلق الناس ليسعدهم, خلقهم لجنة عرضها السموات والأرض, فالإنسان إذا فهم بعض المعاني التي لا تليق بالله عز وجل يكون قد أساء الظن به, وحسن الظن بالله ثمن الجنة, ثمن دخولك الجنة أن تحسن الظن بالله عز وجل:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية:154]
الإيمان بكمال الله و وجود الله و وحدانية الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/02.jpg
الذي يظن أن الله أجبره على المعصية, ثم قدر عليه النار إلى أبد الآبدين, هذا الإنسان يسيء الظن بالله عز وجل, إذا تكلم هذا الكلام أبعد الخلق عن ربهم, نفرهم منه, أعطى صورة لا تليق بالله عز وجل, أنه خلقهم وقدّر عليه المعصية والكفر, ثم أدخله النار إلى أبد الآبدين:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
***
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/03.jpg
هؤلاء الجبريون وما أكثرهم قد تستمع إلى آلاف الكلمات من قبل المسلمين بمعنى الجبر أن الله عز وجل أجبر الناس على أفعالهم, مع أن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية:28]
ويقول : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية:148]
الإنسان إذا آمن أن لهذا الكون خالقاً, ليس هذا هو الإيمان المنجي, لا بد من أن تؤمن بوجود الله, ولا بد من أن تؤمن بكمال الله, ولا بد من أن تؤمن بوحدانية الله, أي الأسماء الحسنى يمكن أن تضغط إلى ثلاث كلمات؛ موجود, واحد, كامل. على الإنسان ألا يسيء الظن بالله عز وجل :
في درس الجمعة ذكرت أن الإنسان يتقي أسماء الجلال بأسماء الجمال, أسماء الجلال؛ الله عز وجل مهيمن, والله عز وجل قهار, الله عز وجل جبار, منتقم, هذه أسماء الجلال.
والإنسان أحياناً حينما يرى ظالماً استشرى ظلمه, ثم ينتقم الله منه, يشعر براحة ما بعدها راحة, هذا الانتقام هو عين الكمال.
فالإنسان لماذا يستقيم على أمر الله؟ يتقي أسماء الجلال, ويرجو أسماء الجمال؛ الله رحيم, الله عز وجل لطيف, الله حكيم, قريب، سميع، مجيب, هذه أسماء الجمال, فلا ملجأ من الله إلا إليه, نفر منه إليه, نتقي أسماء جلاله, ونرجو أسماء جماله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/04.jpg
فالحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقول الله عز وجل:
(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي...))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
لذلك نحن بعلاقاتنا الاجتماعية نسمع قصصاً كثيرة جداً, المشكلة أن معظم هذه القصص نستمع إلى آخر فصل فيها, فلان مثلاً انتحر, فلان فلس, فلان مرض, فلان صار معه حادث, آلاف القصص نستمع إلى الفصل الأخير, والفصل الأخير يدعو إلى التساؤل, يدعو إلى الحيرة, يدعو إلى الاستفهام, أما لو أتيح لنا أن نعرف هذه القصص من أول فصل فيها حتى آخر فصل, لوجدنا حكمة ما بعدها حكمة, ورحمة ما بعدها رحمة, وعدلاً ما بعده عدل.
فالإنسان لئلا يسيء الظن بالله, ولئلا يحمل الناس على أن يسيئوا الظن بالله, لا ينبغي أن يذكر قصة لا يعرف فصلها الأول والأخير, إن عرف فصلها الأول والأخير يعرف أن حكمة الله مطلقة, وعدله مطلق. المصائب التي يسوقها الله للخلق هي مصائب تربية وعلاج وليست مصائب قسوة وانتقام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/05.jpg
العبرة أنه عليك ألا تكون سبباً ليسيء إنسان الظن بالله عز وجل, بيّن له حكمة كل شيء, بيّن له حكمة الأوامر, بيّن له علة الخلق, بيّن له أن هذه المصائب التي يسوقها الله عز وجل للخلق إنما هي مصائب تربية وعلاج وليست مصائب قسوة وانتقام:
(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي...))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وعن جابر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه))
[مسلم عن جابر]
لذلك الناس هناك مقرِّب وهناك مبعد, هناك منفر وهناك محبب، فإذا رويت قصة دون أن تعرف فصولها, ربما تركت انطباعاً عند هذا الإنسان, أن الله عز وجل قسا عليك, والله عز وجل على أنه مستقيم حرمه الدنيا, وفلان على أنه فاجر أعطاه الدنيا, فهذا كله يحتاج إلى تعليم, وإلى تدريس. الطريق الآمن أن تعرف الله من خلال خلقه :
لذلك الإنسان إذا بدأ بمعرفة الله من خلال خلقه أأمن وأسلم له من أن يتعرف إلى الله من خلال أفعاله, اجعل معرفة الله من خلال أفعاله, في المرحلة الثالثة اعرف الله من قرآنه, من كلامه, اعرف الله من خلقه, إن عرفت الله من خلقه, ومن كلامه, يمكنك أن تعرف الله من أفعاله, عندك الإمكانية أن تفسر أفعاله, أما أن تبدأ بأفعاله فقد تجد مجاعات, قد تجد شعوباً مقهورة, وشعوباً ظالمة, قد تجد مصائب كبيرة جداً؛ من زلازل, من فيضانات, من براكين, من إتلاف محاصيل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/06.jpg
هناك قصص من دون تعليل كثيرة جداً, هذه إن رويتها دون أن تعللها تكون قد أسأت الظن بالله عز وجل.
العبرة أن يمشي الإنسان في الطريق الآمن, تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا, تمشي في الطريق الآمن, أن تعرف الله من خلال خلقه:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية:190-191]
الطريق الثاني: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[سورة محمد الآية:24]
من عرف الله عليه تنفيذ أمره :
الآن بعد أن عرفت الله من خلال خلقه, ورأيت الكمال المطلق, ورأيت الإعجاز, ورأيت الحكمة, ومن خلال قرآنه, ورأيت حكمة هذا القرآن, لك أن تنفذ أمره تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:11]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/07.jpg
أذكر مرة زرت قريباً لي في العيد, فحدثني عن شخص تزوج على كبر زوجة ثانية, وأحبها حباً جماً, واستجاب لرغبتها, فتنازل لها عن بناء يملكه في المهاجرين, بناء من ثلاثة طوابق, بعد أن تنازل لها عن هذا البناء, هي تحب غيره, طردته من البيت, وتزوجت من الذي تحبه.
قال لي: مصيبة أن الإنسان فجأة فقد كل شيء - قصة لا أذكر تفصيلاتها- قلت له: هذه القصة لا بد لها من فصل لا تعرفه أنت, قال لي: كيف؟ قلت له: هكذا بهذه البساطة إنسان في سن متقدمة, له مكانة اجتماعية, امرأة بسيطة, صغيرة, تضحك عليه, وتجعله خارج المنزل!! ثم انتبه فجأة, قال لي: والله الآن تذكرت, هذا ورث ورثاً كبيراً من والده, و له خمس أخوات, هو أحدهم, فأخذ المال كله وحده, فكان هذا الفصل الأخير عقاباً عادلاً من الله عز وجل على اغتصاب أموال أخواته.
الآن مثلاً أحياناً تقع جريمة ليست جريمة إذا المجرم لم يلق القبض عليه يصير هناك قلق, أما حينما تقرأ عن جريمة عن عمل عملاً سيئاً ثم ألقي القبض عليه, وسيق للمحاكمة, تجد عدالة, وهذا شيء مريح. على الإنسان ألا يحمل فكرة غير صحيحة عن الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/08.jpg
العبرة أن الإنسان لا يحمل فكرة غير صحيحة عن الله عز وجل, لا يتحدث حديثاً يكون سبب تنفير الناس من الله عز وجل, أو سبب بعدهم عنه, وهناك قصص كثيرة, و تفسيرات.
أي:
(( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل النار))
[رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الحديث من دون تفسير صعب جداً؛ هذا يحتاج إلى تفسير, هذا ليس من أهل الجنة, إنه يعمل بعمل أهل الجنة, هذا منافق, هو يعيش في مجتمع مسلم من أجل تحقيق مصالحه فعل هذا العمل.
الناس يفهمونه فهماً آخر: أن الله عز وجل يجعل الشخص يطيعه كل حياته, ثم يزحلقه زحلقة فيضعه في النار, هذا مستحيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية:17]
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾
[سورة فصلت الآية:46]
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية:7-8]
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية:47]
آيات كثيرة جداً تدل على حكمة الله المطلقة, وعلى عدله المطلق, ورحمته المطلقة. على الإنسان الابتعاد عن الكلام الذي لا يعرف مؤداه :
أنا قصدي من هذا الدرس محور واحد أن الإنسان لا يتكلم كلاماً يعطي الآخرين انطباعاً أن الله ليس حكيماً, ليس عادلاً, خلقنا ليتعبنا, خلقنا ليعذبنا, القضاء والقدر منته, أي الله عز وجل قدّر على الكفار الكفر, وقدّر عليهم المعاصي, وقدّر عليهم دخول النار إلى أبد الآبدين, من دون اختيار منهم. الله عز وجل قال:
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
[سورة البقرة الآية:286]
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية:3]
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية:148]
فأنا قصدي إياك أن تقول كلمة لا تعلم مؤداها. علامة المؤمن أنه يسأل :
القرآن الكريم ذكر المعاصي في القرآن بشكل تصاعدي؛ ذكر الفحشاء والمنكر, والإثم والعدوان, والشرك والكفر, أما أعلى معصية جاءت في قمة هذه المعاصي, فهي:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية:33]
قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:43]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/10613/09.jpg
أهل الذكر؛ في أي موضوع بالدنيا اسأل أهل الذكر, الذي يذكرون الحقيقة, أما في أمور معرفة الله, فقال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
أما أن تقول بما لا تعلم, أن تحدث بما لا تعرف, فهذا ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: (( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي...))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
و: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه))
[مسلم عن جابر]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-30-2018, 02:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هدى النبى صلى الله علية وسلم

الدرس : (الثامن و الاربعون )


الموضوع : هديه فى الامانة باختيار القائد او الامير





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأمانة من أخطر الموضوعات في الدين :
عن أبي ذر رضي الله عنه قال, قلت:
((يا رسول الله, ألا تستعملني؟ -معنى الاستعمال هنا أن يجعله عاملاً, والياً, حاكماً, موظفا كبيراً, رجل مسؤولية-, قال: فضرب بيده على منكبي -تحبباً, وترفقاً, وتلطفًا- ثم قال: يا أبا ذر, إنك ضعيف - أي القيادة تحتاج إلى خصائص- وإنها أمانة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة, إلا من أخذها بحقها, وأدى الذي عليه فيها))
[أخرجه مسلم في الصحيح وأبو داود والنسائي في سننهما عن أبي ذر]
هذا حديث دقيق بمعنى أن الذي يتولى أمر عشرة عليه مسؤوليات جسام؛ عليه أن يكون قوي الشخصية, عليه أن يكون جازماً, عليه أن يكون ذا بصيرة, عليه أن يؤدي هذه الأمانة, لأن كل شيء الآن, كل شيء الله عز وجل أناطه إليك, سيحاسبك عنه, أنت مخير, وُضعت تحت يدك هذه الأمانة؛ طلاب الصف أمانة في عنق الأستاذ, المريض أمانة في عنق الطبيب, الموكل أمانة في عنق المحامي, البناء أمانة في عنق المهندس, هذا الذي يقف أمامك يشتري أمانة في عنقك, هل بعته سلعة جيدة بسعر معقول أم غششته أم أخذت من ماله أكثر مما أعطيته؟
قضية الأمانة أيها الأخوة من أخطر الموضوعات في الدين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[سورة النساء الآية:58]
الأمانات؛ ابنك أمانة, زوجتك أمانة, جسمك أمانة بين يديك, الإنسان حياته فيما يتوهم ملكه هي ملك المسلمين, ملك أسرته, ملك أولاده, إذا دخن مثلاً ضيع الأمانة, أتلف قلبه, أتلف أوعيته, أتلف جسده, فأي شيء ملَّكته ولم تُحسن التصرف به سوف تحاسب عليه, هذه الأمانة التي أرادها أبو ذر أمانة كبرى, أمانة الولاية, هناك أمانات أصغر, التي أكبر منها أمانة الرسالة, النبي عليه الصلاة والسلام بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, هناك أمانة التبليغ أمانة العلماء, و أمانة الواجب, كل إنسان له اختصاص عمل, و أمانة المجالس, و أمانة الأسرة, و أمانة العمل. أكبر أمانة يحملها الإنسان هي نفسه التي بين جنبيه :
على كلٍّ؛ موضوع الأمانة هي أخطر ما يتمتع به الإنسان, أكبر أمانة هي نفسه التي بين جنبيه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:9-10]
الأمانة بالمعنى البسيط أنا أودعت عند إنسان مبلغاً, ثم أداه لي بالتمام والكمال, هذا معنى ضيق جداً للأمانة, لو فهمنا الأمانة بالمعنى الواسع لكنا في حال غير هذه الحال. ((...يا أبا ذر, إنك ضعيف، وإنها أمانة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة, إلا من أخذها بحقها, وأدى الذي عليه فيها))
كل شيء يأتي من قلب كبير بأسلوب لطيف و بعبارة رقيقة يُقبل :
هناك شيء بالسنة دقيق, هناك معلومات جاء بها النبي, أعطانا إياها في السنة هي حقائق.
هذه الحقائق كيف أداها لنا النبي؟ ما الطريق لها؟ الطريق منهج النبي في الدعوة, هذا الشيء مستقل, لن تجد هذا إلا في ثنايا الأحاديث.
مثلاً هناك رواية أخرى: عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي))
[ مسلم عن أبي ذر]
هذا تلطف, ترفق, هذا من قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾
[سورة البقرة الآية:83]
أنت ممكن أن ترفض بأسلوب أديب, بأسلوب لطيف, بأسلوب فيه جبر خاطر, بأسلوب فيه نعومة: (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم ))
نصيحة, فكل شيء يأتي من قلب كبير, بأسلوب لطيف, بعبارة رقيقة, يُقبل.
أحياناً موظف, يأتي مواطن يقدم استدعاء, يطلب شيئاً, لا يوجد, ممنوع, بغلظة, بجفوة, نفس الجواب ينتقل بشكل آخر, يقول له: هناك مادة لا تسمح لي أن أوافق لك, أرجو الله أن يكرمك في موطن آخر, هذا غير مقبول, الفكرة نفسها أديتها بشكل أخرق.
قال له: (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم ))
بطولة الإنسان أن تنبع إمكاناته من ذاته لا من الآخرين :
وهناك حديث آخر مطلق يقول عليه الصلاة والسلام:
((إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة, وبئست الفاطمة))
[أخرجه البخاري في الصحيح والنسائي في سننه عن أبي هريرة]
الإنسان إذا ألف أن يكون أميراً على عشرة أشخاص, شيء مغر جداً, الذي يحدث الكل يعظمونه, يمجدونه على غير استحقاق, يحيطونه بهالة من التعظيم, شيء مريح, أما حينما تُنزع منه هذه المهمة فيتمزق. ((....فنعمت المرضعة, وبئست الفاطمة))
فالإنسان سهل عليه أن يأخذ شيئاً, أما الحرمان منه فصعب جداً.
من الأدعية المأثورة: "اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء, ومن عضال الداء, ومن شماتة الأعداء".
فالنبي عليه الصلاة والسلام بين هذه الحقيقة, قال: ((نعمت المرضعة))
الأخذ سهل, أما السلب فصعب جداً, لذلك أحياناً الإنسان يختل توازنه.
أعرف رجلاً مدير مدرسة ابتدائية, ما هذا المنصب؟ شيء كله متاعب, فلما أحيل على التقاعد اختل توازنه النفسي, وصار يحتاج إلى طبيب نفسي.
فالإنسان حينما يتوعد يعطي أمراً, يتلقى تعظيماً, هذا منزلق خطير, هذا المنزلق يصبح يتعلق بالوظيفة تعلقاً جنونياً, وكأنه تعود على أن يجلس في مكان ويعطي أمراً؛ لذلك أصعب الأشخاص الذي يكون له رتبة معينة, ثم يحال على التقاعد, يفقد كل شيء في يوم واحد؛ فقد الاحترام, فقد التعظيم, فقد التبجيل.
هناك نقطة دقيقة أن بطولة الإنسان أن تنبع إمكاناته من ذاته لا من الآخرين, إذا نبعت من ذاته هذه معه دائماً, لا يتأثر, لا يجعل بطولته تأتيه من الخارج؛ من سيارة, من منصب, من عمل, يجعل بطولته أخلاقية من الداخل أينما ذهب.
أي هناك إنسان يملأ من حوله سعادة, وهناك إنسان لذائذه تأتيه من آلة, من مركبة, من منصب, من مكانة, من رتبة؛ فكلما حرصت على أن تنبع السعادة من الذات فهذه ملكك, لا يستطيع أحد أن يأخذها منك, أما إذا حرصت على لذائذ تأتيك من الخارج, فأنت عبد لها, حينما تُنزع منك, هذه الطامة الكبرى حينما تنزع منك. للمنصب وجهان؛ وجه نفعي ووجه أخلاقي :
الحديث الأخير: عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال, قال عليه الصلاة والسلام:
((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسالة أعنت عليها, وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها))
[البخاري عن عبد الله بن سمرة]
شخص يتولى مدير مدرسة ابتدائية, له غرفة خاصة, طاولة, هاتف, أمامه المعلمون, فإذا أرادها بهذه الميزات, معنى هذا أن هذا الإنسان يحب الدنيا, يركن إلى نفسه فلا ينجح, أما إن أرادها لخدمة الطلاب, ولتحقيق رسالة, اختلف الأمر فأعانه الله عليها, للمنصب وجهان؛ وجه نفعي, ووجه أخلاقي, الوجه النفعي أن تنتفع بهذه الميزات, وأن تتمتع بهذا التعظيم, النفع الآخر الأخلاقي هو أن تحقق رسالة بهذا المنصب, فالقوة أساسية لتحقيق أي شيء. ((....فإنك إن أعطيتها من غير مسالة أعنت عليها, وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها))
لذلك ورد أن طالب الولاية لا يُولَّى, ما دام قد طلبها فقد أرادها لذاتها, أما إن لم يطلبها فأرادها لغيرها.







والحمد لله رب العالمين

آفراح
07-08-2018, 01:03 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

عاشقة الأنس
11-01-2018, 10:58 AM
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك