تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : أسماء الله الحسنى


السعيد
01-27-2018, 08:34 AM
https://www.yabeyrouth.com/images/qouran.gif
السّلامُ _ القدُّوسُ _ الملكُ _الرحمن -الرحيم- الله - المتكبّرُ - الجبّارُ - العزِيزُ - المُهيمنُ - المؤمنُ- القهّارُ - الغفَّارُ -المُصوَّرُ- البارئُ - الخالقُ - القابضُ -الباسطُ - العليمُ- الفتّاحُ - الرّزّاق - الوهّابُ -
الحَكمَ - البصيرُ - السّميعُ - المُعز - المُذِل - الخافضُ - الرافعُ - الغفورُ - العَظيم - الحَليم - الّلطيفُ - الخَبيرُ - العَدّل - المُقيتُ - الحَفيظُ - الكَبيرُ - العَليُّ - الشكورُ - المُجيبُ - الرّقيبُ - الكَريمُ - الجليلُ - الحَسيبُ - البَاعثُ - المجيدُ - الوَدُودُ الحَكيمُ الوَاسعُ المَتِينُ القَوي الوَكيلُ الحَق - الشَّهيدُ - المُحيي - المُميتُ - المُبدئُ -المُعيدُ - المُحصيُّ - الحَميد - الوَليُّ - الوَاحدُ - المّاجدُ - الوَّاجدُ - القَيُّومُ - الحَيُّ - الأَوّلُ - المُقَدِّمُ - المُؤَخَّرُ - المُقتدِرُ - القادِرُ - الصّمَدُ - المتَعال - الوَالِي - البَاطِنُ - الظّاهرُ - الآخِرُ - الرؤوفُ - العفُوُ - المنتقِمُ - التوّابُ - البرُ - الغنيُّ - الجامعُ - المُقسطُ - ذو الجَلال - وَالإكرام - مالكُ - المُلك - الهادي - النّورُ - الضّارُّ - النّافعُ - المانِعُ - المُغنِيُّ - الصبّوُرُ - الرّشيدُ - الوارِثُ - الباقي - البديع

السعيد
01-27-2018, 09:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
إن من أسماء الله الحسنى: الملك، وإن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة قال تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)﴾
(سورة الحشر)
وقال تعالى:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
(سورة الفاتحة)
وعند السادة الشافعية يجب أن تقرأ في الركعة الأولى: مالك يوم الدين، وفي الركعة الثانية: ملك يوم الدين، وقد ورد هذا الاسم في آية أخرى قال تعالى:

﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾
(سورة القمر)
وفي آية رابعة قال تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
(سورة آل عمران)
وفي آية خامسة قال تعالى:

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾
(سورة يس)
تعريف الملك:
القدرة على التصرف إذاً هو من أسماء الذات، وهو من أسماء الأفعال، فيمكن أن يكون من أسماء الذات ومعناه: القدرة على التصرف، ويمكن أن يكون من أسماء الأفعال ومعناه المتصرف.
حديث قدسي:
((أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإنِ العبادُ عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإنّ صلاحهم بصلاحكم))
الله: ملك بل مالك الملوك ومعنى هذا أن أي شيء يُملَّك مالكه الله سبحانه وتعالى، وقال بعض العلماء: الملك هو الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، والله سبحانه وتعالى مالك وملك.
أحياناً يملك الإنسان الشيء ولا ينتفع به وليس من حقه أن يتصرف فيه، وأحياناً ينتفع فيه ويتصرف فيه ولا يملكه، وأحياناً يملك الشيء وينتفع به ويتصرف فيه وليس المصير له، مثال بيت يملكه ملكاً حراً شرعياً يسكنه، فإن صدر قرار استملاك يصبح مصيره ليس له، إذاً إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك: يملك الشيء ويتصرف به ومصيره إليه، فتكون أعلى درجات الملكية هي ملكية الله سبحانه وتعالى.
سئل أعرابي يملك قطيعاً من الغنم، لمن هذه ؟ قال: لله في يدي، فالمؤمن الصادق: بيته ومتجره، سيارته، خبرته، مكانته، شهاداته، يراها بملك الله عز وجل. مثال: أعلى طبيب في اختصاصه، إذا تجمدت خثرة في دماغه، يفقد ذاكرته فمصيره إلى مستشفى المجانين، إذاً مَن مالك الملك ؟ الله سبحانه وتعالى.
هذه العين التي ترى بها، من مالكها ؟ الله سبحانه وتعالى، هذه الأذن، هذا اللسان، هذه الحركة، هذه القوة، أيْ مِن لوازم الأيمان: أن ترى أن كل شيء بحوزتك هو ملك لله عز وجل سمح لك أن تتصرف به. لمن هذا القطيع يا فلان ؟ لله في يدي، وبيتك لله في يدك، ومتجرك لله في يدك، وسمعتك ومؤلفاتك وعقلك وذكاؤك لله في يدك.
الآن إذا قلنا: فلان ملك، نقصد بها حقيقةً أم مجازاً، العلماء قالوا: لا يمكن أن يملك حقيقةً إلا الله، وأيُّ وصف للملكية لغير الله فهو وصف مجازي وعلى سبيل المجاز فقط، لأن الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، فهل من ملك يستغني في ذاته عن كل موجود ؟ ألا يشرب، ألا يستنشق الهواء، ألا يأكل، ألا يشعر بحاجة إلى النوم، ألا يخاف، ألا يحزن، ألا يتمنى أن يكون له أعوان كثر، إذاً أي إنسان مفتقر في وجوده وفي صفاته إلى إنسان آخر، لا يمكن أن يكون ملكاً حقيقياً، الملك الحقيقي هو الله عز وجل، وإذا سمينا فلاناً ملكاً فهو من باب المجاز.
الملك الحقيقي الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاجه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، فهو ملك في ذاته، في وجوده، في صفاته، مستغنياً عن كل شيء، بحاجة إليه كل شيء، هذا هو الوصف الدقيق للملك ولا ينطبق إلا على الله عز وجل، إذاً الملك الحقيقي هو الله، وكل من يصف نفسه أنه ملك أو مالك هذه الدار أو مالك هذه الدكان أو مالك هذه التجارة أو صاحب هذه الشركة هذا من باب المجاز، أعرف حجمك الحقيقي رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده.
الله سبحانه وتعالى: مالك مُمَلِّك، الشخص الذي لا يستطيع أن يملكك فليس ملكاً، فمن لوازم هذا الاسم أن الله مالك مملك، والدليل قال تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
(سورة آل عمران)
والملك الحقيقي الذي يملك هواه ولا يملكه هواه، والذي أُعتِق من أَسْرِ نفسه وليس ملكاً لنفسه، قال تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾
(سورة يوسف)
هذه الآية دقيقة جداً: سيدنا يوسف يصف بأنَّ الله قد آتاه الملك: أيُّ مُلْكٍ آتاه ! لعلكم ظننتم أنه كان أميناً على خزائن الأرض، أغلب علماء التفسير قالوا: لا، بل آتاه الملك الحقيقي فهذا الملك الذي يؤتيه الله لمن يشاء ملك زائل، وليس فضيلة يفتخر بها، فما هو الملك الحقيقي ؟ هو أنه ملك نفسه، لمجرد أن قال: معاذ الله حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، حينما قالت هيت لك قال معاذ الله، قال علماء التفسير: هذا هو الملك الحقيقي، الملك الذي لا يزول، الملك الذي تسعد به إلى الأبد، أن تملك نفسك ولا تملكك، أن ينقاد لك هواك ولا تنقاد له، إذا انقاد لك هواك وسيطرت عليه فأنت ملك، إذا سيطرت على نفسك فأنت ملك، إذا ملكت زمام نفسك فأنت ملك، إذا سيطرت على شهواتك فأنت ملك، إذا قدت نفسك إلى طريق الخير والسعادة فأنت ملك أما إذا قادتك نفسك إلى الضلال والشهوات والمعاصي والآثام أنت مملوك، إذا قادك عقلك أنت ملك، إذا قادك هواك فأنت مملوك، وشتان بين أن تكون ملكاً وبين أن تكون مملوكاً.
أحد أكبر زعماء أوروبا في الحقبة السابقة والذي حقق انتصاراً ساحقاً في الحرب العالمية الثانية له كلمة لا أنساها، قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا، نحن ضعاف أمام أنفسنا. شخصية كبيرة تغريه امرأة تعمل معه، تنهار نفسه أمام فتنتها. إذاً أنت مملوك، كل أهل الدنيا عندهم نقطتا ضعف مدمرتان: المال والنساء، أي يملك أشياء كثيرة وله إطلاع واسع، له قدرات عجيبة، ومع ذلك المرأة والدرهم والدينار تمتلكه، إذاً هو مملوك. لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ...))
(سنن ابن ماجة )
مملوك هو في خدمة المال ولم يجعل المال في خدمته، المال أصلاً مُسخر لك لكنك سُخِّرت له فأنت عبد له.
((تعس عبد الفرج تعس عبد البطن تعس عبد الخميصة.))
إذاً أنت مملوك، إذا قرأتم هذه الآية ترنموا بها:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
الملك الحقيقي أن تملك نفسك لا أن تملكك، أن ينقاد لك هواك لا أن تنقاد له، أن تسيطر على شهواتك، أن تكون مع الحق حيث كان الحق، أن تكون وقَّافاً عند كتاب الله، أن تعترف بالحق الذي لغيرك عليك وإن كان مراً، هذه هي البطولة الحقيقية، هذا ما اتجه إليه معظم المفسرين في قوله تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾
بعضهم قال: المَلِكُ: الذي ملك قلوب العابدين فأقلقها، الحقيقة أن الإنسان منذ أن عرف الله عز وجل، أو منذ أن بدأ في معرفة الله، دخل في دوَّامة الحب، أصبح مشغولاً، أصبح عظيماً بعد أن كان تافهاً، يعني أن المؤمن قلق لا ينزاح عنه قلقه حتى يلقى الله عز وجل، هل اللهُ راض عني ؟ هل عملي وفق ما يرضي الله ؟ هل الله يحبني ؟ هل في عملي إخلاص ؟ هل في عملي زيغ ؟ هل هناك ما أرجوه غير الله عز وجل ؟
ومَلَكَ قلوبَ العارفين فأحرقها، المَلِكُ مَنْ إذا شاءَ مَلَّك ومن إذا شاء أهلك:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾
(سورة البروج)
إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتّش، أعطانا قبل سنوات أمطاراً غزيرة دهشنا بها سبعين ضعفاً عن إنتاج السنوات السابقة من القمح وإذا انحبست أمطار السماء، فَمَنْ في الأرض كلها يستطيع أن يصدر قراراً بإنزال المطر ! ولو اجتمعت الأمم كلها، المجالس كلها، والقيادات كلها، وإذا انحبست الأمطار مات الزرع وتبعه الضرع وتبعه الإنسان.
فنحن عبيد لأننا مفتقرون لماء السماء:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)﴾
(سورة الملك)
اللهُ سبحانه وتعالى. المَلِكُ من إذا شاء ملّك وإن شاء أهلك، الملك الحق من لا ينازعه معارض، لا خصومات لا معارضون لا مُشَوشون منتقدون، ولا يمانعه ناقد فهو في تقديره منفرد، وبتدبيرهُ متوحِّد، ليس لأمره مرد ولا لحكمه رد، والمَلِكُ من دار بحكمه الفلك.
ذكر الله تعالى في آية واحدة خمسة بنود للملكية، قال تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
(سورة آل عمران)
العلماء فسروا المُلْك أنه ملك الآخرة كما فسَّروه ملك الدنيا، فإذا كنت مؤمناً، مستقيماً، صادقاً مخلصاً، لك عمل طيب فأنت ملك، ولكن مِن ملوك الدار الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ؟ والإمام علي يقول: " الغنى والفقر بعد العرض على الله"، وقال:

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾
ولكن من تشاء ؟ إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
ما معنى يهدي من يشاء ؟ يعني من شاء الهداية هداه الله.
" ويضل من يشاء "
من شاء الضلالة أضله الله، فالهداية والضلالة أصلهما هداية جزائية أو ضلال جزائي مبني على هداية أو ضلال اختياري، قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)﴾
(سورة الصف)
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاء﴾
تؤتي الهداية من شاءها، وتنزع الملك ممن تشاء: رفض الدين، رفض رحمة رب العالمين، رفض وعده العظيم، أراد الدنيا، أراد شهواتها، ينصرف الإنسان إلى الملاهي، إلى شهواته، إلى دور اللهو، إلى معاصيه، إلى انحرافاته.
بالمناسبة مُلْك الدنيا: يؤتيه الله لمن يحب ولمن لا يحب، وأما مُلك الآخرة فلا يأتيه إلا لمن يحب.
المعنى الثاني: ملك الدنيا، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)﴾
(سورة الأنعام: من الآية 165)
مَن مَلَّكَكَ هذا البيت ؟ الله سبحانه وتعالى، لمن كان هذا البيت ؟ لفلان، كيف باعه ؟ ضاقت به الأمور فباعه، من الذي جعلك خليفة له في هذا البيت ؟ الله سبحانه وتعالى، هذا العمل من ولاّك إِياه ؟ الله سبحانه وتعالى، لماذا عُزِل فلان ؟ بحكمة الله وتقديره، إذاً المعنى الآخر: تؤتي الملك مَنْ تشاء، المعنى الدنيوي، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ الأرض ﴾
ما الحكمة ؟ لماذا أعطى فلاناً ومنع فلاناً ؟ ومَلَّكَ فلاناً ونزع من فلان ؟ لماذا رفع فلاناً وخفض فلاناً ؟ الجواب:

﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
يمتحنك بالغنى وبالفقر، بالصحة وبالمرض، بالقوة وبالضعف، قال فإذا كان هذا العبد متمرداً فما الجواب، قال:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾
قال فإذا كان طائعاً فما الجواب ؟

﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾
(سورة طه: الآية 82)
إذاً: جعلكم خلائف الأرض، ووزع الحظوظ توزيع ابتلاء وسوف تُوَزَّعُ في الآخرة توزيع جزاء إذاً هو مالك الملك: إِما أن يُمَلِّكك ملك الآخرة أو ملك الدنيا أو ملك الآخرة والدنيا:

ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
***
﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾
دخلنا في باب العز والذل، هنالك شيء دقيق جداً: إذا أعزك الله سخر لك أعداءك، وإذا أراد الله أن يذل عبداً ما، أذله أقرب الناس إليه.

﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾
اجعل لربك كل عزك يستقرَّ ويثبُت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميّت
***
إذاً من لوازم أن الله مَلِك أنه هو الذي يعز وهو الذي يذل، فكن مع العزيز.

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
ولذ بحمانا واحتمي بجنابنـا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
إذاً فالذلُّ خير، ونزع المُلكِ خير، ولكن يسمى شراً من وجهة نظر الإنسان.

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾
تصريف الكون، تسيير الكون، الأرض تدور حول الشمس بمدار اهليلجي بيضوي، مَن يجعلها على مسارها تماماً؟ هل في الكون كله قوة تستطيع أن تجعلها على مسارها لو خرجت ؟ إنها إن خرجت انتهت وجذبتها كواكب أخرى !!

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً(41)﴾
(سورة فاطر )
يمسكها على مسارها، إذا خرج القطار عن سِكَّته، طفل رضيع أو نملة صغيرة أو ذبابة حقيرة هل بإمكانها أن تعيده إلى السكة ؟

﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾
مَن جعل الأرض تسير في الثانية 30 كم ؟ مَن جعلها تدور في الساعة 1600 كم ؟ مَن جعلها بهذا الحجم ومن جعل بعدها عن الشمس بهذه المسافة ؟ هذا من اسم الله: الملك.

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)﴾
(سورة آل عمران: الآية 27)
ظاهرة النبات، ظاهرة توالد الإنسان، تكاثر الحيوان، تكاثر النبات.

﴿ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾
بذرة الزيتون تبدو لك قطعة من الخشب كامن فيها شجرة بقوة هذه البذور، هذه أنماط الحياة، دورة الحياة، الشجرة يابسة في الشتاء كأنها خشب يأتيها الربيع فإذا هي خضراء.
مرة طلب سيدنا عمر من سيدنا عمرو بن العاص أن يصف له مصر وكان بليغاً، قال: يا أمير المؤمنين مصر طولها شهر، وعرضها عشر، يعني طولها مسيرة شهر وعرضها مسيرة عشرة أيام، يخط وسطها نهر ميمون الغَدَوات مبارك الرَّوْحات، يا أمير المؤمنين بينما هي عنبرة سوداء - ترابها أسود اللون لخصوبته - إذا هي درَّة بيضاء - طواف النيل - إذا هي زبرجدة خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء، وصف مصر في الشتاء وفي فيضان النيل وفي الربيع والصيف، وصف طولها ووصف عرضها.
إذاً مِن معاني الملك أنه يقلب النهار، ويخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحي، ومن معاني أنه يخرج الميت من الحي والحي من الميت: أن الكافر قد يلد مؤمناً وأن المؤمن قد يلد كافراً:

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)﴾
(سورة هود: الآيتان: 45- 46 )
آخر بند في المُلْكية:

﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
قد يرزق الإنسان الضعيف، وقد يفقر القوي الذكي، لذلك التجار يقولون ليس عند الله تاجر ذكي، ومن دعاء المؤمنين على الكافرين " اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم " فالكافرُ يدبر فإذا هو يدمر نفسه. ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
هناك سؤال: هل يملك العبد بالتمليك، لو أنّ إنساناً ملَّكَك شيئاً هل تملكه، كيف نناقش هذه الفكرة ؟ مالك هذه الدار، هذه المركبة، تملَّكَ بالمكنيك كاملَ أربعٍ وعشرين قيراطاً، هذا كلام نقوله نحن، وليس هناك غلط كبير في هذا الكلام، العلماء قالوا بالحرف الواحد: الأصح أن الإنسان لا يملك ! لماذا ؟ لأن استقلاله بالتصرف في الغير فرع من كونه مستقلاً في نفسه، فإذا كان العبد لا استقلال له في نفسه وذاته البتة، فكيف يكون مستقلاً في تصرفه بالغير. ولهذا قال ربنا عز وجل مُعلماً رسولاً ومن بعده عباده:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
(سورة الأعراف)
إذا كان النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، أفيملك النفع والضر للآخرين ؟ الجواب لا. مِن باب أولى، إذا كنتُ عاجزاً عن هداية ابني ! فهل بإمكاني أن أهدي ابنك ؟ مستحيل! فلذلك فالكلام القطعي والثابت أن الله سبحانه وتعالى هو المَلِك الحقيقي وأن الإنسان إذا ملك فملكيَّةُ مجازية فمثلاً قد يقول لك مستخدم في وزارة الخارجية: والله عينا فلاناً سفيراً ! هذا كلام مجازي، إنَّ الذي عين فعلاً، ليس المستخدم بل الوزير. أَّما في الحقيقة المطلقة: الذي مُلَّكَ هذا الإنسان هذا المنصب، هو الله سبحانه وتعالى.
العبد مثلاً متى يكون مسافراً ؟ إذا سافر سيده، متى يكون مقيماً ؟ إذا أقام سيده، هل للعبد استقلال في حركته عن سيده ؟ لا، إذاً كلام قطعي: يجب أن تشعر وأنت تملك أوراق الملكية للبيت أن هذا البيت ملك الله عز وجل. في أية لحظة يمكن أن تبيعه، قد يتعطل جهاز بالجسم، فيقال لك: هذه العملية تكلفتها 800 ألف ليرة ومصاريف سفر وإقامة، وبالعملة الصعبة، والنتيجة بيتك ثمن للعملية، فتعرضه للبيع، فسبحان مالك الملك ومثل آخر: كُلْيِة تكلفة زراعتها 1000000 ليرة، وكل شيء تملكه ثمن لهذه العملية، صمام القلب كلفته 500 ألف ليرة، فالإنسان إذا عافاه الله فهو غني وغني بالمعنى الحقيقي.
هناك موضوع دقيق بعض الشيء، وقبل الوصول إليه، يقول تعالى:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)﴾
(سورة النحل)
إذا كان العبد مملوكاً لا يقدر على شيء، فهل يكون مالكاً ؟ أَيْ متصرفاً في ملك الآخرين، هذا مستحيل ! لكن ما بال الآية الكريمة تقول:

﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾
(سورة الروم )
فتبصَّر يا أخي المؤمن، الأمر دائماً بيد الله فكيف نفسر قوله تعالى

﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾
(سورة الانفطار)
الآن، الأمر لله وفي آية أخرى:

﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
وفي آية أخرى:

﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾
(سورة الأنعام)
وفي آية أخرى:

﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)﴾
(سورة القصص)
وفي الدنيا لمن الحكم ؟ أليس الحكم لله ؟ بلى، مثال آخر:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
(سورة هود)
وكما يقول الله تعالى:

﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾
(سورة الشورى)
بيدِ مَنْ كانت إذاً ؟ هنا العلماء وقفوا وقفة رائعة قالوا: الحقيقة أَنَّ الأمر بيد الله من قبل ومن بعد والحقيقة أن الحكم لله دائماً والحقيقة أنه إليه يرجع الأمر كله دائماً. لكنِ الكفار الغافلون الشاردون الضعاف يرون أنَّ الأمر بيد زيد أو عبيد في الدنيا والحكم بيد فلان والأمر بيد فلان أما إذا كان يوم الدين كل الخلائق قاطبة ترى أن الأمر بيد الله وأَن الحكم لله وأنه إلى الله تصير الأمور، فالبطولة أَنْ ترى هذا الشيء في الوقت المناسب.
إذاً حتى الكفار والشاردون وحتى أعتى الكفرة سوف يرون أن الأمر بيد الله وأَنَّ الحكم لله وأَنَّه إليه يرجع الأَمر كله. ولكنهم في الدنيا لا يرون الله عز وجل، يرون أولياء من دونه. يرون مراكز قوى في الحياة هم يعبدونها من دون الله. ويوم القيامة يرون الحقيقة.
إذاً القضية قضية وقت فقط، إما أن ترى الحق في الوقت المناسب قبل أن يفاجئك الموت أو لابد أن تراه يوم القيامة فيكون حسرة أية حسرة إذاً البطولة لا أن تنتظر إلى أن ترى مع الآخرين الحقائق، البطولة أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب كي تستفيد منها.
هناك شيء آخر: لماذا لا يكون العبد مالكاً مطلقاً ؟ قيل: لأنه لا يستغني عن كل شيء: فلو فرضنا أنّ ملكاً عظيماً يستغني عن كل أفراد رعيته، فهل يستغني عن الهواء أو عن الماء أو عن الطعام أو عن الزواج؟ لذلك حين طلب هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي ترامت أطراف دولته إلى أقاصي الدنيا. كأس ماء قال له وزيره وكان ذكياً يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو منع عنك، قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال إذاً ملكك يساوي كأس ماء.
في بعض متاحف القاهرة ملك من فراعنة مصر الكبار اسمه توت عنخ آمون كشفت مقبرته بأكملها، كما دفن معه طبعاً من الذهب والحلي والأغراض مالا سبيل لوصفه، ولكن وقفت عند نقطة واحدة: أن هذا الملك مات شاباً في الثامنة عشرة من عمره، حيث إِنّ التابوت قصير جداً والجثة قصيرة جداً، قلت وقتها سبحان الله ! مهما كان الإنسان مالكاً ولديه من الثروات ما لديه تبقى الحياة بيد الله عز وجل، فمصر كلها كانت بيده، مقدرات مصر كلها بيده، ومع ذلك توفاه الله في الثامنة عشرة من عمره، فالمقبرة عامرة بالذهب وبشتى أنواع الحلي وبشيء تحار به العيون ومع ذلك مات في سن مبكرة فما أغنى مالُه ولا رَدَّ الموت ملكه. إنه مُلك، ولكنّه عارية.
قال بعض الأمراء لبعض الصالحين وقد التقيا يوماً سلني حاجتك ؟ فقال له الصالح: إليَّ تقول! قال الأمير: نعم، قال الصالح: لي عبدان هما سيداك. قال الأمير: ومن هما ؟ قال الصالح: الحرص والأمل؛ الحرص على الدنيا والأمل المديد هما عبدان عندي وهما سيداك، فقد غلبتهما وغلباك، وملكتهما وملكاك. فالإنسان يكون ملكاً إذا سيطر على شهواته.
بعض الصالحين قال: كنت أمر بعسفان فوقع بصري على امرأة جميلة، فمال إليها قلبي فاستعنت بالله واتقيت ومررت، فلما نمت تلك الليلة رأيت يوسف عليه السلام في المنام فقلت له: أأنت يوسف ؟ قال: نعم، فقلت الحمد لله الذي عصمك من امرأة العزيز، فقال لي: والحمد لله الذي عصمك من العسفانية، هذا هو الملك الحقيقي عندما تطيع الله عز وجل.
سيدنا يوسف لما مر بالقصر كان عبداً في القصر ثم صار ملكاً، جارية تعرفه عبداً ورأته في موكب الملك، فقالت سبحان الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته وسبحان الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، فالحقيقة هي: مَن تحقق مِن ملك سيده كأنه ملك كل ملك سيده.
حُكي عن شفيق البلخي أنه قال: كان ابتداء توبتي أن رأيت غلاماً في سنِة قحطٍ يمزح زهواً والناس تعلوهم كآبة، فقلت له: يا هذا ما هذا المرح ؟ ألا تستحي ؟ أما ترى ما فيه الناس من المحن ؟ فقال لا يحق لي أن أحزن ولسيدي قرية مملوكة أدخر فيها كل ما أحتاج، فقلت في نفسي: إن هذا العبد لمخلوق ولا يستوحش لأن لسيده قرية مملوكة، فكيف يصح أن أستوحش أنا وسيدي مالك الملوك فانتبهت وتبت - الغلام لقنه درساً في التوبة - إذاً بعضهم يقول دبِّر أو لا تدبر، فالمدبر هو الله سبحانه:

كـن عـن همومـك معرضـا وكـل الأمـور إلى القضا
وابشر بخير عاجـــــــل تنسى به ما قد مضـــى
فلرب أمر مسخـــــــط لك في عواقبه رضـــى
ولربمـــا ضاق المضيــق ولربما اتسع الفضــــا
الله يفعل ما يشـــــــاء فلا تكن معترضـــــا
الله عودك الجميـــــــل فقس على ما قد مضــى
***
ولرُبّ نازلةٍ يضيق بها الغنى ذرعاً
نزلت وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فُرجت وكنت أظنها لا تُفرجُ
***
سمعت أنه نزلت في إيطاليا العام الماضي أمطارٌ في ليلة واحدة تعادل أمطار العام بأكملِهِ وفي لحظة واحدة فإن الله عز وجل قادر على أن يرزقنا مطراً غزيراً يصبح المعدل فوق المعدل الطبيعي. ولو تأخر المطر، فالأمر بيد الله عز وجل، لكن لا تنسوا أنَّ تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز.
من آداب الإيمان بأن الله هو الملك، أن يكون العبد بما في يَدَيِ الله أوثق منه مما في يديه إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يديِ الله أوثق منك مما في يديك، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أكرم الناس منزلةً فاتق الله.
الحاتم الأصم كان صائماً يوماً فلما أمسى قُدِّم إليه فطوره فجاء سائل فدفع ذلك الفطور إليه فَحُمِلَ إليه في الوقت ذاته طبق عليه كل ألوان الأطعمة فأَتاه سائل آخر فدفع إليه كل ذلك، ففتح بصره فإذا دنانير في الوقت نفسه بين يديه، فلم يتمالك أن صاح: الغوث من الخَلفِ. وكان في جيرانه من يسمى " خلفاً " فتسارع الناس إليه وقالوا يا أخي ِلمَ تُؤذى الشيخ وما زالوا به حتى جاءوا به إلى الشيخ وقالوا هذا خَلَف جاءك معتذراً، فقال إني لم أعْنيِهِ إطلاقاً إنما عجزت عن شكر الله عز وجل على ما يعاملني به من الخلف فكلما أنفقت شيئاً أعطاني الله خيراً منه.
أحد الصحابة وهو عبد الرحمن بن عوف قالت عنه السيدة عائشة: أخشى أَن يدخل الجنة عبد الرحمن زحفاً لكثرة ماله، فقال هذا الصحابي الجليل والله لأَدخلنَّها خبباً ( ركضاً ) وما عليّ إذا كنت أُنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء.
قال من عرف أَنَّ الملك هو الله وحده: آنَفُ أن أتذلّلُ لمخلوق ؛ فإذا عرفتَ ما في إلاّ الله ملك أنفت أن تتذلل لمخلوق، وقال بعضهم: أيجمل بالحرِّ أن يتذلل للعبيد وهو يجد ِمن مولاه ما يريد، أُطلبْ تعطِ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أيليق بك وقد عرفت أنَّ الله هو الملك ولا ملك سواه أن تتذلل لسواه، مَنْ عرف الله لم يحتج إلى عَوْنِ المخلوقين وفتنتهم وبذا تستغني عن الناس، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس.
بشر الحافي رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم فقلت: يا أمير المؤمنين عظني فقال لي: " ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلباً للثواب وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله"، وإذا وثقت بالله عز وجل الله لا يخيبك، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
قيل لبعض الشيوخ أوصني، فقال: كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، فقال وكيف أفعل ذلك ؟ قال: ازهد في الدنيا تكن ملكاً في الدنيا، استغن عن الرجل تكن نظيره واحتج إليه تكن أسيره، أحسن إليه تكن أميره، وإمَّا كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة.
سئل حسن البصري: بمَ نلت هذا المقام، قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
قال سفيان بن عيينة: بينما أنا أطوف بالبيت إذ رأيت رجلاً وقع في قلبي أنه من عباد الله الصالحين، فدنوت منه فقلت: هل تقول شيئاً ينفعني الله به، فلم يرد عليّ جواباً، ومضى في طوافه فلما فرغ صلى خلف المقام ركعتين، ثم دخل الحجر فجلس فجلست إليه، فقلت يا سيدي هل تقول لي شيئاً ينفعني الله به، فقال هل تدري ماذا قال الله عز وجلُ: وقد سمع نداء الحضرة الإلهية: أنا الحي الذي لا أموت هلمّوا إليّ أطيعوني أجعلكم أحياء لا تموتون.

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾
الإنسان أول ليلة في قبره يقول الله عز وجل له:
(( عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ))
قال ألم تسمع ربك يقول:
((أنا الحي الذي لا أموت فإن أطعتموني جعلتكم أحياء لا تموتون في جنة عرضها السماوات والأرض، أنا الملك الذي لا أزول هلموا أطيعوني أجعلكم ملوكاً لا تزولون ملوك الدار الآخرة أنا الملك الذي إذا أردت شيئاً قلت له كن فيكون، هلموا أطيعوني أجعلكم كذلك أي كلما دعوتموني أجبكم، كلما سألتموني أعطيتكم أنا عند ظنكم:" ولئن سألني أحدكم لأعطينه ولئن دعاني لأجيبنه))
هذه بعض التعريفات والآداب والحدود في شأن اسم الله الملك.
والحمد لله رب العالمين

السعيد
01-28-2018, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




حديث عظيم أصل في أسماء الله:




أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس أسماء الله الحسنى، وما زلنا في المقدمات.
في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))




معنى: أَحْصَاهَا:




هذا حديث صحيح اتفق عليه الشيخان، وهو من أعلى مراتب الصحة، لكن كي نفهم معنى: مَنْ أَحْصَاهَا، نقرأ الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) ﴾
(سورة مريم)






الفرق بين الإحصاء والعدِّ:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/01.jpg
يبدو أن الإحصاء شيء، والعد شيء آخر، فأنت كمعلم يمكن أن تعد طلابك بشكل سريع، أما أن تحصيهم، أن تعرف إمكاناتهم، مستوياتهم، تفوقهم، وضعهم العائلي، وضعهم في البيت، مدى تقيدهم بمنهج الله عز وجل، الإحصاء دراسة شاملة، النبي عليه الصلاة والسلام يجعل إحصاء الأسماء سبباً وحيداً كافياً لدخول الجنة:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))




















وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ



أقرّب هذا المعنى بآية ثانية:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)
حينما قال: " وَالْبَاقِيَاتُ "، معنى ذلك أن المال والبنين شيء زائل، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمـــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول
***
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾
(سورة الكهف)
ودقة الآية أن المال من دون بنين مشكلة كبيرة، وأن البنين من دون مال مشكلة أكبر.

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾
(سورة الكهف)


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/02.jpg
لكن الله عز وجل حينما قال:




﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)
متع الدنيا زائلة، فما الباقيات الصالحات ؟
قال بعض العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، دقق، إن سبحته أي نزهته عن كل نقص ومجدته، وحمدته ووحدته وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء، وإن عرفته صغر في عينك كل شيء، وما معنى: الله أكبر ؟ أكبر من كل شيء، بل أكبر مما عرفت.

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)







أنت أيها الإنسان زمنٌ:




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/03.jpg
البطولة أيها الإخوة، أنت زمن، في أدق تعاريف الإنسان، أنه بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، هذا تعريف الإمام الجليل الحسن البصري، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، وتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة، بل إن الإنسان بضعة أيام، وهو في الحقيقة زمن فقط، بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، لذلك جاءت الآية الكريمة:
﴿ والْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} ﴾
( سورة العصر )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/04.jpg
جواب القسم أن الإنسان خاسر لا محالة، لماذا ؟ لأن مضي الزمن يستهلكه فقط، لكنه يستطيع تلافي هذه الخسارة إذا تعرف على الله، وتعرف إلى منهجه، وحمل نفسه على طاعته، وتقرب إليه بالأعمال الصالحة.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾
( سورة العصر )
قال الإمام الشافعي: " هذه أركان النجاة في الدنيا "، لا بد من أن تتعرف إلى الله، ولا بد من أن تحمل نفسك على طاعته، ولا بد من أن تدعو إليه، فالدعوة إليه فرض عين على كل مسلم، الدليل:

(( بلغوا عني ولو آية ))
[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]
لكن الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف.
لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان إما أن يستهلك عمره استهلاكاً، أو أن يستثمره استثماراً، إذا تعرف إلى الله، وتعرف إلى منهجه، وحمل نفسه على طاعته، وتقرب إليه يكون قد أنفق وقته استثماراً، أنفق وقته في عمل جليل ينفعه بعد مضي الزمن.







أهمية العلم بأسماء الله تعالى:



لذلك أيها الإخوة الكرام، موقع أسماء الله الحسنى من العقيدة موقع كبير:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/05.jpg
ماذا يقول العالم الجليل ابن القيم رحمه الله تعالى ؟ يقول: العلم بأسمائه وإحصائها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي أحصى جميع العلوم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[ رواه الدارمي ]
الآن فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه.
إنسان يحمل أعلى شهادة في الفيزياء النووية، إذا انتهى أجله انتهت هذه الشهادة، يقول لك: الدكتور فلان عميد أسرتهم، انتهى، لكن إذا تعرف إلى الله ينتفع بهذه المعرفة بعد الموت وإلى أبد الآبدين، لهذا كل علم ممتع، لكن ما كل علم ممتع بنافع، والعلم النافع قد يكون غير مسعد، ما كل علم نافع بمسعد، إلا أنك إذا تعرفت إلى الله فهو علم نافع ممتع مسعد في الدنيا والآخرة:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))













معرفة الله لابد أن تكون مصحوبة برحمة مستقرة في قلب المؤمن:




كيف نحصيها ؟ قالوا إحصائها أن تتعرف إلى ألفاظها وعددها، وقالوا: إحصائها أن تفهم معانيها ومدلولاتها، وقالوا: إحصاءها الدعاء بها كما ينبغي، دعاء، وثناء وعبادة، ودعاء، مسألة، وطلب، هذا معنى إحصائها عند ابن القيم رحمه الله تعالى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/06.jpg
الآن أيها الأخوة، ينبغي أن تتعرف إلى الله، وأن تشتق منه كمالاً إذا اتصلت بالرحيم، لا بد من أن يستقر في قلبك الرحمة، دقق في قوله تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
يا محمد، بسبب رحمة استقرت بقلبك عن طريق اتصالك بنا لنت لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك،
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
أي لو كنت بعيداً لامتلأ القلب قسوة، فإذا امتلأ قسوة انعكس غلظة، فإذا انعكس غلظة انفض الناس من حولك، هذه معادلة رياضية، اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، معادلة رياضية بالتمام والكمال.
فلذلك أيها الإخوة، إذا كان للإيمان مؤشر، ومؤشر للرحمة يمشي مع هذا المؤشر تماماً، فكلما ازداد إيمانك ازدادت رحمتك، ومن لا يرحم لا يرحم، يا عبادي، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، وأبعد قلب عن الله القلب القاسي.
الآن أقول لك: حينما تعرف اسم الرحيم، وتتصل بالرحيم يمتلأ قلبك رحمة، وهذه ثمار الصلاة الحقيقية.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
من أدق ما قال المفسرون حول هذه الآية: ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، فإذا ذكرته أديت واجب العبادة، أما إذا ذكرك الله عز وجل ملأ قلبك رحمة، ملأ قلبك أمناً، ملأ قلبك غنىً، ملأ قلبك رضىً، ملأ قلبك يقيناً، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، لذلك ورد في الأثر:
" بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر "







بالحكمة تسعد:




إذا دخلت إلى بيت صديق يقدم لك بعض الضيافة، لكنك إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله فقد يهبك الله الحكمة.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة تسعد بالمال، ومن دون حكمة تبدد المال.
أيها الأخوة الكرام، من أجل عطاءات الله الحكمة، أنت إذا اتصلت بالحكيم تغدو حكيماً من معاني:

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
تخلق بالكمال الإلهي، اشتق من الله الحكمة، اشتق منه الرحمة، اشتق منه العدل، حينما تتعرف إلى الله، وتستقيم على أمره، وتتصل به تشتق منه الكمال الإلهي، فلذلك:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} ﴾
( سورة الشمس )
الفلاح كل الفلاح، النجاح كل النجاح، الفوز كل الفوز في أن تعرفه، يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
أيها الإخوة الكرام، ورد في الأثر:ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الـذي رأوه لــما وليت عـنا لغيرنـا
ولــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبـنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
***
أيها الإخوة الكرام،

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
تعرف إليه، ثم استقم على أمره، ثم اتصل به تشتق منه كمالاً تتقرب به إلى الله عز وجل، الرحيم يقبل الرحيم، الحكيم يقبل الحكيم، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[ مسلم ]






منزلة الأخلاق في الإسلام:




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/07.jpg
أيها الإخوة الكرام، في النهاية حينما أثنى الله على رسوله بماذا أثنى عليه ؟ أثنى عليه بالخلق العظيم:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9}﴾
( سورة الشمس )
من معاني زكاها أن هذا الإنسان اشتق من الله الكمال، فصار خيراً وعطاءً وانضباطاً ورحمة، ولطفاً وتواضعاً، ما الذي يلفت النظر في الإنسان ؟ ليس علمه، وليست إمكاناته، وليس ماله، يلفت النظر في الإنسان أخلاقه، والذي يجلب الناس إليك الأخلاق، لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.













وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا



النقطة الدقيقة أيها الإخوة،
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )





– الدعاء هو العبادة:



هل تصدقون أن الدعاء مخ العبادة، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أخرى الدعاء هو العبادة، بل إن الله عز وجل حينما قال:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (77) ﴾
( سورة الفرقان)
دقق، حينما تدعو جهة ما فأنت موقن أنها موجودة، وما من إنسان يدعو جهة غير موجودة يكون أحمق، وحينما تدعو الله فأنت حتماً موقن بوجوده، وأنت حتماً موقن بأنه يسمعك، والله عز وجل إن تكلمت فهو يسمعك، وإن تحركت فهو يراك، وإن أسررت شيئاً فهو يعلم ما في قلبك، إن تكلمت فهو يعلم، وإن تحركت فهو يراك، وإن أسررت فهو عليم بذات الصدور، لذلك قال العلماء: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ".
حينما تدعو الله فأنت موقن قطعاً أنه موجود، وموقن قطعاً أنه يسمعك، وموقن قطعاً أنه قادر على كل شيء، وهو على كل شيء قدير، القوانين بيده، الأقوياء بيده، مَن فوقك بيده، مَن تحتك بيده، من حولك بيده، صحتك بيده، رزقك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/08.jpg

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر عذاب نفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر، فلذلك:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
أسماءه حسنى، وكماله مطلق.
أيها الإخوة الكرام، القاضي إذا حكم ألف حكم، وخمسة أحكام منها غير عادلة، ناتجة عن خطأ في التصور، أو في المعلومات، يسمى عند أهل الأرض قاضياً عدلاً، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أنه لا يمكن أن نجد خطأً واحداً في أفعال الله عز وجل، هذا معنى: سبحان الله، الله عز وجل مطلق، منزه عن كل نقص إطلاقاً، فلذلك حينما تتصل بالإله المطلق تشتق منه الكمال، والذي يلفت النظر في شخصيتك الكمال الذي اكتسبته من اتصالك بالله عز وجل.
نعود بالآية مرة ثانية:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾
( سورة آل عمران)






ملمح دقيق فدقِّقوا فيه:



هناك ملمح دقيق جداً أيها الإخوة، أنت أيها النبي، أنت سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، وحبيب رب العالمين، ويا من بلغت سدرة المنتهى، ويا من أوتيت الوحي والقرآن والمعجزات، على الرغم من كل ذلك: " وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ "، فكيف بإنسان ليس نبياً ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه معجزات، ولا عنده بيان ولا فصاحة، وفيه غلظة ؟ لمَ الغلظة ؟ مَن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت )






بين أخلاق الدعوة وخلاق الجهاد:



ما لم تعامل الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فأنت لست في المستوى المطلوب، لكن هناك أخطاء كثيرة تداخلت، فقد أخلاق الجهاد مع أخلاق الدعوة إلى الله، أخلاق الدعوة إلى الله قال تعالى عنها:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت )
أما أخلاق الجهاد.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (73) ﴾
( سورة التوبة )
هذه أخلاق الجهاد، وأكبر خطأ أن يستخدم الدعاة أخلاق الجهاد في الدعوة إلى الله.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
فلذلك حينما تدعو الله فأنت موقن أنه موجود، وحينما تدعو الله فأنت موقن بأنه يسمعك، وحينما تدعو الله فأنت موقت بأنه قدير على كل شيء، وحينما تدعو الله فأنت موقن، فضلاً عن كل ذلك أنه يريد أن يستجيب لك، ويحبك:

﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )








خَلَقنا ربُّنا ليرحمنا:




في الأثر القدسي:
(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلى، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين ))
[ ورد في الأثر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/09.jpg
وإذا قال العبد، وهو راكع: يا رب، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو ساجد: يا رب، يقول الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو عاصٍ: يا رب، يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك.
دققوا في هذه الآية:

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾
( سورة طه )
إنسان ناجى ربه فقال: يا رب، إذا كانت رحمتك بمن قال: أنا ربكم الأعلى:

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾
( سورة طه )
فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى ؟
وإذا كان رحمتك بمن قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص: 38)






فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله ؟ لذلك:




﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾
( سورة الفرقان)
حينما تدعو الله فأنت موقن بأنه موجود، وموقن بأنه يسمعك، وموقن بأنه قدير على كل شيء، وموقن بأنه يحب أن يرحمك.
﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
لذلك:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾
( سورة الفرقان)
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )




خاتمة:



تعرفوا إليه تعرفوا إلى منهجه، احملوا أنفسكم على طاعته، تقربوا إليه بالأعمال الصالحة، اتصلوا به، إن اتصلتم به تشتقوا الكمال الرائع من الذات العلية، من الذات الإلهية، عندئذ الكمال ليس تصنعاً، الكمال سجية، فيه لطف، فيه تواضع، فيه رحمة، فيه إنصاف، فيه حكمة بالغة، لذلك حينما تتصل به تذكره، وذكرك له أقلُّ من ذكره لك، إذا ذكرك منحك القرب، منحك السعادة، منحك الرضى، منحك اليقين، منحك الأمن، هذه نعم الله الكبرى.
أيها الأخوة، فلذلك نحن في هذا الدرس إن شاء الله مهدنا لأسماء الله الحسنى، وفي لقاء آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذا الموضوع.
والحمد لله رب العالمين

منال نور الهدى
01-28-2018, 05:40 PM
جزاك الله خير جزاء وبارك الله في طرحك الطيب
والمعلومات القيمة والمفيدة
في أمان الله وحفظه

السعيد
01-29-2018, 12:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(1)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.







من أسماء الله الحسنى: (الأكرم):




أيها الأخوة الكرام، الاسم اليوم الأكرم، هذا الاسم ورد في أول سورة أنزلت من القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾

( سورة العلق)







لكل إنسان حاجات دنيا متعلقة بالأرض وحاجات عليا متعلقة بالسماء:





بادئ ذي بدء الله عز وجل أودع في الإنسان قوة إدراكية يتميز بها على بقية المخلوقات، ولأنه أودع فيه قوة إدراكية أصبحت عند هذا الإنسان حاجة إلى المعرفة، وهذه الحاجة يمكن أن توصف بأنها حاجة عليا، له حاجات دنيا متعلقة بالأرض وله حاجة عليا متعلقة بالسماء، فركّب الملك من عقل بلا شهوة وركب الحيوان من شهوة بلا عقل وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) ﴾

( سورة البينة )
فوق الملائكة وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، فالله عز وجل سخر لهذا الإنسان ما في السماوات، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 13 )










طلب العلم فريضة على كل مسلم:





http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/01.jpg
أمره أن يقرأ أي يتعلم وطلب العلم فريضة على كل مسلم، هذا العلم أنواع قال اقرأ باسم ربك، يعني ما لم ينقلك العلم إلى معرفة ربك فليس علماً، العلم ما هداك إلى الله، العلم ما عرفك بهذا الإله العظيم، العلم ما حملك على طاعته، العلم ما دفعك إلى التقرب إليه، العلم ما هداك إلى سرِّ وجودك، العلم ما هداك إلى غاية وجودك، لذلك اقرأ أما المفعول به فهو محذوف وحينما يحذف المفعول يطلق الفعل، يعني اقرأ في الكون، الكون قرآن صامت واقرأ في القرآن فهو كلام الخالق، واقرأ في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فهو قرآن يمشي، يعني اطلب العلم، ما لم يطلب الإنسان العلم لا يؤكد إنسانيته، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إلا أن العلم له شأن آخر لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾

( سورة العلق)

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾

( سورة البقرة)

الخالق وحده الذي ينبغي أن يعبد، الجهة التي صنعتك ينبغي أن تتبع تعليماتها.








ارتباط العلم بالإيمان:



﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾

( سورة العلق)
يمكن أن نسمي هذه القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾

( سورة العلق)

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/02.jpg
العلم مرتبط بالإيمان وما لم ينقلك العلم إلى الإيمان فليس علماً، وقد يكون ذكاءً ليس غير، لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، إنسان عنده دماغ يمكن أن يفهم دقائق الأشياء فاختص باختصاص نادر وجلب له هذا الاختصاص دخلاً كبيراً فلكياً هذا ذكي جداً، لكن ما لم تعرف سر وجودك، وغاية وجودك، ما لم تعرف الخالق والرب والمسير، ما لم تعرف أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى فلست عاقلاً، العاقل من عرف الله وأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر ]
وفي بعض الأدعية: ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾

( سورة العلق)

تجاوز الحالات السفلى إلى الحاجة العليا، ابحث عن الحقيقة اعمل بها.








الخاسر من لم يتحرك وفق منهج الله لأن الموت ينهي كل شيء:



﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

( سورة العصر )
يقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن أنه خاسر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/03.jpg

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

( سورة العصر )
لو شخص دخله اليومي مليون دولار ولم يتعرف إلى الله عز وجل فهو بنص هذه الآية خاسر، لأن هذه الدنيا تنتهي بالموت والموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي أمن الآمن، ينهي خوف الخائف، الموت ينهي كل شيء.
لذلك ما لم تتعرف إلى الله، وما لم تتحرك وفق منهجه، وما لم تدعُ إليه فأنت خاسر، وبإمكانك أن تتلافى الخسارة بأن تعمل في هذا الوقت الذي سيمضي عملاً ينفعك بعد الموت، لذلك دائماً اجعل هذا المقياس الدقيق أي حركة، أي نشاط، أي مسعى له أثر بعد الموت هذا ينفعك، وأي نشاط وأي حركة تنتهي عند الموت لا قيمة لها، هذه من الدنيا لذلك دخلوا على سيدنا أبو عبيدة بن الجراح وكان قائد الجيوش الإسلامية في الشام دخلوا على غرفته فيها قدر ماء مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، قالوا: ما هذا يا أمين هذه الأمة ؟ قال هو للدنيا وعلى الدنيا كثير ألا يبلغنا المقيت ؟ لذلك الدنيا لأنها تنتهي بالموت ليس لها شأن عند الله.

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ الترمذي، ابن ماجه عن سهل بن سعد]








أول قراءة ينبغي أن نقرأها قراءة البحث والإيمان لنبحث عن الحقيقة:





إذاً لا بد من أن نبحث عن الحقيقة، ولا بد من أن تتحرك وفق الحقيقة، ولا بد من أن ندعو إلى هذه الحقيقة، وقد يكون هناك عقبات وقد تكون هناك صوارف فلا بد من الصبر.

﴿ وَالْعَصْر (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

( سورة العصر )
إذاً أول قراءة ينبغي أن تقرأها قراءة البحث والإيمان، ابحث عن الحقيقة، ابحث عن الذي خلقك، تساءل لماذا خُلقت ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟ ما العمل العظيم الذي ينبغي أن أفعله ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ من أين وإلى أين ولماذا ؟ ابحث.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾

( سورة العلق)








العلم الذي أراد الله أن نتعرف إليه هو قراءة البحث والإيمان:


أي العلم ما انتهى بك إلى الإيمان، فإن لم ينتهِ بك إلى الإيمان فهو ذكاء فقط، والذكاء ينتهي عند الموت، هو ذكاء أو ثقافة، أما العلم الذي أراده الله حينما قال الله عز وجل:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر الآية: 9 )
العلم الذي أراده الله أن تتعرف إليه، وأن تتعرف إلى منهجه، وأن تحمل نفسك على طاعته، وأن تبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، هذه القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾

( سورة العلق)





نفسك التي بين جنبيك أقرب آية إليك للتفكر في خلق الله تعالى:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/04.jpg
أقرب آية إليك نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾

( سورة البلد)
يوجد بالشبكية مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، بالميليمتر مربع في أرقى آلة تصوير رقمية احترافية في عشرة آلاف مستقبل ضوئي، في الميليمتر مربع في شبكية العين مئة مليون مستقبل، لذلك العين تفرق بين ثمانية ملايين لون.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) ﴾

( سورة البلد)



إكرام الله عز وجل الإنسان بالبيان:



الله أكرم، أكرمك بماذا ؟ بالبيان، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

( سورة الرحمن)
بالبيان يتواصل الناس أرقى تواصل، التواصل بيان، بالبيان تتكلم فتعبر عن أفكارك، تعبر عن مشاعرك، بالكلام تنتقل العلوم من إنسان إلى إنسان، بالمعاصرة، ومن جيل إلى جيل بالكتابة، ومن أمة إلى أمة بالترجمة، لذلك:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

( سورة الرحمن)

هذه القراءة الأولى أكرمك الله بأن منحك نعمة الإيجاد ومنحك نعمة الإمداد ومنحك نعمة الهدى والرشاد، إنه الأكرم، و أكرم اسم تفضيل وهذا الاسم ورد معرفاً بأل، مراداً به العالمية دالاً على كمال الوصفية، الأكرم، لا عطاء يعدل عطاءه.








من خسر الآخرة خسر كل شيء:




منحك نعمة الإيجاد والإيجاد إلى متى ؟ لا إلى الموت، الموت نقطة محطة في الطريق، كل نفس ذائقة الموت لا تموت لكنها تذوق الموت وفرق كبير بين أن تذوق الموت وبين أن تموت، قال تعالى:

﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) ﴾

( سورة الزخرف)
الإنسان خلق ليبقى إلى أبد الآبدين، يبقى في جنة عرضها السماوات والأرض أو في نار لا ينفذ عذابها، البقاء مستمر لكن إما في جنة أو في نار لهذا أيها الأخوة الكرام، أكبر خسارة يمكن أن نتصورها أن تخسر الآخرة، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (15) ﴾

( سورة الزمر)
هذه القراءة الأولى، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾

( سورة العلق)






على كل إنسان أن يقرأ ليصل بقراءته إلى معرفة سرّ وجوده وغاية وجوده:


أقرب آية لك نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى:

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾

( سورة الأعلى )
هذا الماء الدافق ثلاثمئة مليون حوين، تحتاج البويضة إلى حوين واحد، قال تعالى:
﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) ﴾

( سورة الطارق )

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾

( سورة عبس)

أمر إلهي لذلك هذه قراءة، اقرأ ولتنتهي قراءتك إلى معرفة ربك، اقرأ ولتنتهي قراءتك إلى معرفة سر وجودك وغاية وجودك.








القراءة الثانية المتعلقة باسم الأكرم قراءة الشكر و العرفان:




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/05.jpg
في قراءة ثانية متعلقة باسم الأكرم، القراءة الثانية:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾

( سورة العلق)
ماذا منحك ؟ نحن موجودون لو اطلعت على كتاب نضدت حروفه قبل تاريخ ميلادك، أثناء تنضيد حروف هذا الكتاب أنت من ؟ لا شيء، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾

( سورة الإنسان )
إطلاقاً ما لك وجود، ما لك اسم، ما لك اسم بالنفوس، ليس لك أي اسم بأي مكان، لم يكن لك وجود، إذاً الله عز وجل أكرمك أي منحك أكبر عطاء أنه أوجدك، منحك نعمة الإيجاد أوجدك وأودع فيك حاجات، أودع فيك حاجة إلى الهواء، والهواء موجود بنسب رائعة لو أن هذه النسب تغيرت لاحترق كل ما في الأرض، الأوكسجين إلى الأزوت، منحك نعمة الإيجاد ومنحك نعمة الإمداد وهذا الكون سخره لك بنص قرآني:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 13 )

ما نوع التسخير ؟ قال تسخيران تسخير تعرف وتسخير تكريم، كل شيء في الأرض مسخر لك تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم.








من آمن و شكر الله عز وجل حقق الغاية من وجوده:




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/06.jpg
إذا قرأت كتاباً عن العسل ذابت نفسك بهذا الشراب الذي فيه شفاء للناس، وقد لا يتاح لك أن تلعق لعقة عسل واحدة لكنك إذا عرفت الله من خلال العسل حققت الهدف من العسل أنه عرفك بالله، والذي يأكل العسل ليلاً ونهاراً ولم يفكر في هذا الشراب الذي جعل الله فيه شفاء للناس عطلت أكبر هدف من خلق هذه الآية، تأكد أن أي شيء في الأرض له وظيفتان، له مهمتان، سخر لك تسخيرين تسخير تعريف وتكريم، تماماً كما لو قدم لك صديق هاتفاً فيه خصائص مذهلة من اختراعه وقدمه هدية لك أنت دون أن تشعر ينطوي قلبك على شعورين، شعور الإعجاب بهذا الاختراع وشعور الامتنان بأنه هدية، فدقق لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: نظر إلى هلال قال هلال خير ورشد.
هذا الكون مسخر لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت، دقق الآن حققت الهدف من وجودك فإذا حققت الهدف من وجودك توقفت المعالجات الإلهية، الآية:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 174 )

لأنه منحك الكون، لأنه سخر لك الكون تسخير تعريف ينبغي أن تؤمن ولأنه سخر لك الكون تسخير تكريم ينبغي أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك إذاً تنتهي المعالجات، طبيب قرر استئصال كلية قبل أن يستأصلها عمل فحصاً تعمل، ألغى العملية، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك لذلك ربك الأكرم ينبغي أن تكون قراءتك للكون قراءة شكر وعرفان.
أول قراءة قراءة بحث وإيمان، القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، يوجد هواء، يوجد ماء عذب زلال، يوجد زوجة، يوجد أولاد، يوجد طعام، شراب، فواكه، معادن، كل شيء، لذلك القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، ما لم يمتلئ قلبك شكراً لله فأنت بعيد عن الإيمان.








أنواع الهدى:



1 ـ هداية المصالح:


لذلك أول كلمة في الفاتحة الحمد لله رب العالمين، منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، أما الهدى أيها الأخوة الكرام، على أنواع أول هدى، هداك إلى مصالحك، يعني لما الإنسان تكسر يده مصممة اليد على أن تلتئم، حينما يجرح الجلد مصمم على أن يلتئم، هداك إلى مصالحك
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/07.jpg لولا جهاز التوازن المتمثل بالقنوات الهلالية في الأذن الداخلية لما وجدت إنسان يمشي على الأرض

أنت تمشي أعطاك قدمين لطيفتين لكن يقابلهم جهاز توازن لولا جهاز التوازن لما أمكنك أن تمشي على قدميك، لذلك الميت لا يقف ما في توازن، التوازن ثلاث قنوات متداخلة فيها سائل، فيها أهداب لما تميل السائل يبقى مستوياً يرتفع بمكان دون مكان، بالمكان المرتفع في أهداب يصلح الإنسان، لولا جهاز التوازن ما في إنسان يمشي على قدمين، ما في إنسان يركب دراجة.
إذاً هداك إلى مصالحك، الطعام فيه سم تتقيأه، الجرثوم دخل في جهاز مناعة، تحدثت عنه البارحة هداك إلى مصالحك، الأشياء التي تؤذي تكرهها، الأشياء التي تحبها محببة إليك تنفعك، لو أنه جعل الطعام كريهاً، لن يأكل، الطعام التفاحة مثلاً حجمها مناسب قوامها هش فيك أن تأكلها لا تحتاج إلى آلة طحن أحجار، فيها غذاء، فيها رائحة طيبة، فيها شكل جميل هداك إلى مصالحك هذا أول هدى.



2 ـ هداية الوح



ثم هداك بالوحي، جاءك وحي من السماء، بيّن لك من أنت، أنت المخلوق الأول، لماذا خلقت ؟
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

( سورة الذاريات )
فأول هداية هداية المصالح، ثاني هداية هداية الوحي.



3 ـ هداية التوفيق



ثالث هداية هداية التوفيق، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾

( سورة الكهف)

التوفيق هداية، أنت فكرت في خلق السماوات والأرض، تمنيت أن تقدم عملاً بين يديك يمنحك المال، يمنحك القوة، تمنيت أن تكون داعية يطلق لسانك في التعريف به، منحك نعمة الإمداد.







4 ـ هداية الجنة:


آخر هداية إلى الجنة، قال تعالى:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾

( سورة محمد)

هداك إلى مصالحك، الطفل أول ما يولد لو أنه مال يتابع الميل حتى يقع، بعد ثلاثة أشهر يكون جهاز التوازن بدأ يعمل، لو أنت ميلته يجلس، هذه هداية، هداك إلى مصالحك، أحياناً التقيؤ هو إخراج ما في المعدة يكون الطعام فاسداً، إذا في فساد الإنسان يتقيأه، إذا الجنين في تشوه يسقط، السقط هو جنين مشوه، في أشياء بالطب وأشياء بالتشريح وأشياء بالفيزيولوجية مذهلة.
السعال في أشعار هدبية بالقصبة الهوائية تتحرك نحو الأعلى باستمرار، و حتى الآن لم تنجح جراحة الرئتين لأن الذي تزرع رئته لا يسعل، و السعال أساسي في سلامة الرئة، فالسعال هداك إلى مصالحك، التقيؤ هداك إلى مصالحك، التوازن هداك إلى مصالحك، الآن أعراض الأمراض هداك إلى مصالحك، لكل داء دواء، الأمس ذكرت طبيب من إنكلترا، درس بأمريكا، عُين مع شركة عملاقة في الصين، داوى شخص ياباني، هو إنكليزي و درس بأمريكا و عمله بالصين و المريض ياباني، إذا لم يوجد بنية واحدة للبشر، بنية تشريحية واحدة و وظائف فيزيولوجية واحدة، كان لا يوجد طب، هذا التوحد، أما يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع، كل إنسان له شكل وجه، له هوية، قزحيته هوية...

من عبد الله و استعان به وفقه وهداه إلى الجنة:
إذاً منحك نعمة الإيجاد، و منحك نعمة الإمداد، و منحك نعمة الهدى و الرشاد، الهدى هداك على مصالحك، و الهدى هداك إليه بالوحي، و الهدى وفقك، هداية التوفيق، و أوضح شيء:

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾

( سورة الكهف)
هذا معنى قوله تعالى:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾

(سورة الفاتحة)
أي لا حول يا رب عن معصيتك إلا بك، و لا قوة على طاعتك إلا بك، و إياك نعبد و إياك نستعين هذه هدى التوفيق، ثم يهديك إلى الجنة:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

( سورة محمد)






والحمد لله رب العالمين

السعيد
01-29-2018, 12:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(2)








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.







من أسماء الله الحسنى: (الرب):




أيها الأخوة الكرام، كما تعلمون: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/01.jpg

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
وفي القرآن الكريم:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾

( سورة الأعراف )
وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله أسماً أعظماً، فما اسم الله الأعظم ؟ بعضهم قال الحي القيوم، وهناك اجتهاد مقبول أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي يتعلق بحالك، فالمريض اسم الله الأعظم له الشافي، والفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والمقهور اسم الله الأعظم له الناصر، وقد ورد أن الرب اسم الله الأعظم لأنه أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لذلك قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ﴾

( سورة البلد )








نظام الأبوة من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله:





الحقيقة نظام الأبوة من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله، أن إنسان سعادته بسعادة ابنه، طمأنينته بطمأنينة ابنه، نظام الأبوية يدل على الله، إنسان يتمنى أن تسبقه، يتمنى أن تتفوق عليه، لا يسعده إلا سلامتك وسعادتك لذلك قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/02.jpg

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ﴾

( سورة البلد )

يعني لو تصورنا أن مؤسسة ضخمة أرادت أن تعين موظفاً، هذا الموظف يخضع للتجريب في هذه الفترة التجريبية تحصى عليه أخطاؤه، فإذا كانت بحجم غير مقبول رفض، لكن لو أن مدير المؤسسة أراد أن يكون ابنه هو الموظف، ما الذي يحصل ؟ ليس القصد هنا إحصاء الأخطاء ولكن القصد أن يربى، فعند كل خطأ يُوَجّه، يعلم، يحاسب، هذا شأن الأب.








الرب هو الأب الحاني على أولاده:




إذا قلنا الحمد لله رب العالمين، ما معنى كلمة رب بالمعنى البسيط ؟ الأولي http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/03.jpg
البديهي أن الأب يهيئ لأسرته بيتاً، يهيئ لهذا البيت أثاثاً، يهي لهذا البيت أجهزة، يهيئ لهذا البيت طعاماً وشراباً، إن رأى ابنه مريضاً يسارع إلى معالجته ويشرف على إعطاء الدواء، وإن رأى بيد ابنه حاجةً ليست له يسأله يحقق معه قد يعاقبه، قد يؤدبه، يعني أبسط شرح لمعنى الرب هو الأب الحاني على أولاده، يهيئ المسكن والحاجات والطعام والشراب والمدرسة والغرفة الخاصة والتوجيه والتعليم والمحاسبة والتربية والعقاب أحياناً والمكافأة والتكريم.
يمكن أن نفهم معنى اسم الرب ببساطة من أب عالم، من أب رحيم، من أب يسعى لإمداد أولاده بكل ما يحتاجون، ويسعى لتربية أجسامهم، وتربية عقولهم، وتربية نفوسهم، وتربيتهم تربية اجتماعية، وتربيتهم تربية بدنية، وتربيتهم تربية جنسية، هذا الأب الحاني العالم الرحيم الذي لا يقلقه إلا مصير أولاده، لا يقلقه إلا سعادتهم، إلا إيمانهم، إلا سموهم، يمكن أن نفهم معنى هذا الاسم الذي يمكن أن يكون اسم الله الأعظم من مفهومات الأبوة والبنوة لذلك ليس عجيباً أن يأتي نظام الأبوة آية دالة على عظمة الله.

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) ﴾

( سورة البلد )









الرب أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان لأن الله يربينا عن طريق آياته:




هذا الاسم أيها الأخوة ورد في القرآن الكريم، قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/04.jpg

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾

( سورة يس )

﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) ﴾

( سورة سبأ )

ولعل هذا الاسم هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأن الله عز وجل يربينا، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا ويربي عقولنا، عن طريق آياته الكونية، وعن طريق آياته التكوينية وعن طريق آياته القرآنية.








من أدق معاني الربوبية أن الله أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى:




أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل في آيات كثيرة أشار إلى مفهوم الربوبية قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/05.jpg

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)

أعطاه القوام المناسب، الأجهزة المناسبة، الحواس المناسبة، النسج المناسبة، الخصائص المناسبة، أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى.






البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته حيث زودها تعالى بعدة أجهزة منها:




1 – جهاز استقبال حراري:


لو أردنا أن نختار مخلوقاً من أتفه المخلوقات على الإنسان البعوضة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/06.jpg
البعوضة في رأسها مئة عين، وثمانية وأربعون سناً في فمها، وثلاثة قلوب في صدرها، قلب مركزي وقلب لكل جناح، لكل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)
من أدق معاني الربوبية أن الله عز وجل أعطى كل شيء خلقه، هي بحاجة أن ترى الأشياء لا بألوانها، ولا بحجمها، ولا بشكلها، إنها ترى الأشياء بحرارتها، أعطى الله البعوضة جهاز استقبال حرارياً، حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)

أعطاها جهاز استقبال حرارياً أي جهاز رادار.





2 ـ جهاز تحليل للدم:




عندها جهاز تحليل للدم ما كل دم يناسبها تحلل الدم أولاً، ثم تمتصه ثانياً، وقد ينام أخوان على سرير واحد يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يصب بشيء.







3 ـ جهاز تمييع:




جهاز تمييع، لأن لزوجة دم الإنسان لا يسري بخرطومها.







4 ـ جهاز تخدير:



أعطى البعوضة جهاز تخدير لكي لا تقتل في أثناء امتصاص الدم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/07.jpg
تمتص الدم وتطير وتبتعد ينتهي مفعول التخدير فيشعر الإنسان بوخز في يده فيتوهم أنها على يده فيضربها وهي في سماء الغرفة تضحك عليه.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)
أعطاها جهاز تحليل، أعطاها جهاز تمييع، أعطاها جهاز تخدير، أعطاها جهاز استقبال حراري، في فمها ثمانية وأربعون سناً، في رأسها مئة عين، في صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح، الآن في خرطومها ست سكاكين، أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً، وسكينان تلتئمان على شكل أنبوبين لامتصاص الدم وفي أرجلها محاجم إذا وقفت على بلور على سطح أملس على الضغط، وفي أرجلها مخالب إذا وقفت على سطح خشن.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)







خلق الله عز وجل الإنسان بأحسن تقويم و يتجلى ذلك في:



قس على ذلك قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

( سورة التين)





1 – العين:
أعطاك عينين من أجل أن تدرك البعد الثالث، بعين واحدة ترى الطول والعرض بعينين ترى البعد الثالث http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/08.jpg
أعطاك أذنين من أجل أن تعرف جهة الصوت، قد ينطلق بوق مركبة من على يمينك يدخل هذا الصوت إلى الأذن اليمنى قبل اليسرى بفارق واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، يوجد بالدماغ جهاز يكشف تفاضل الصوتين فيكتشف أن البوق من الجهة اليمنى، فيعطي الدماغ أمراً بالانتقال إلى الجهة اليسرى.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)





2 ـ الشعر:



لكل شعرة شريان، ووريد، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، لكل شعرة.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/09.jpg
في شبكية العين مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، مئة وثلاثون مليون بمليمتر وربع يعني بواقع مئة مليون مستقبل ضوئي في كل مليمتر مربع من أجل أن تميز بين ثمانية ملايين لون.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)







3 ـ الدماغ:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/10.jpg
جعل في ماء العين مادة مضادة للتجمد، جعل الدماغ يتألف من مئة وأربعين مليار خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)
الحديث عن الجسم والله يستغرق سنوات وسنوات، قال تعالى:
﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾

( سورة الذاريات)
دقق في معنى الربوبية.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)





4 ـ العظم:


هذا في الإنسان، الإنسان عظمه ينمو ويصل إلى الحد المناسب ويتوقف النمو، يعبر العلماء عن هذه الحالة بنوم الخلية العظمية يكسر العظم بعد سبعين سنة تستيقظ الخلية العظمية وترمم هذا الكسر. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/11.jpg

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)
لم يجعل لك في الشعر أعصاب حس وإلا أنت مضطر إلى أن تذهب إلى المستشفى وتخدر تخديراً كاملاً كي تحلق شعرك.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)







عظمة الله عز وجل في خلق الجنين حيث:




1 ـ جعل الله في طحال المولود كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل:




نحن نفهم الأشياء فهماً سطحياً، لو تعمقنا في خلقنا لرأينا عظمة الله عز وجل، معنى الرب أعطاك كل ما تملك، الطفل الصغير ليس في حليب أمه حديد، جعل الله في طحال المولود كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل.





2 ـ تزويد الجنين بمنعكس المص:



أعطى الطفل الرضيع منعكس المص لمجرد أن يولد يلتقم ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب الهواء فيأتيه الحليب.





3 ـ تزويد الطفل عند الولادة بمادة مذيبة للشحم:


جهازه الهضمي ممتلئ بمادة شحمية عند الولادة في أول يومين لا يأتيه الحليب يأتيه مادة مذيبة للشحم.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)





جهاز التوازن عند الإنسان من أكبر آيات الله الدالة على عظمته:






الحديث عن هذا الموضوع لا ينتهي، لكن ما معنى الرب ؟ أعطاك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/12.jpg
كل ما تستطيع، كل ما تحتاجه من أجهزة، من أدوات، من نسج، من خصائص، يعني في بالقلب شريان ليس له وظيفة واضحة جداً، وظيفته الواضحة عند انسداد بعض الشرايين يؤخذ هذا الشريان ويوضع كقطع غيار للقلب.
الحديث بخلق الإنسان لا ينتهي، لكن معنى الرب أنه أعطاك كل ما تحتاج، قال ثم هدى، هداك إلى مصالحك، أنت ماشي لكي لا تقع أودع في أذنك الوسطى جهاز توازن جهاز التوازن ثلاث قنوات فيها سائل وفي أشعار فوق السائل فأنت إذا ملت يمنة السائل يبقى مستوياً، يمس الجدار المائل، تتحسس الأشعار، تعيد وضعك لولا جهاز التوازن ما في إنسان يمشي على قدمين أبداً، والدليل لن تستطيع أن توقف الميت على قدمه، فقد التوازن، أنت بالتوازن لك أرجل لطيفة صغيرة لولا جهاز التوازن لاحتجت إلى قاعدة استناد واسعة جداً، والدليل في بعض محلات الأقمشة يضعون تمثال لامرأة انظر إلى القاعدة سبعين سنتمتر من أجل أن يبقى هذا الجسم منتصباً.

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)





المشيمة عند الأم:



في قرص لحمي ينزل مع الجنين في هذا القرص شيء لا يصدق تجتمع في هذا القرص دم الأم مع دم الجنين، ولا يختلطان، ولكل دم زمرة ومعلوم عند الأطباء أن الدم إذا جاءه دم من زمرة أخرى ينحل فوراً، لو أن دم الأم والابن اختلطا لماتت الأم والجنين فوراً، لا يختلطان، بينهما غشاء هذا الغشاء سماه الأطباء الغشاء العاقل http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/13.jpg
يأخذ الأوكسجين من دم الأم يضعه في دم الجنين، طبعاً لما أخذ الأوكسجين قام الغشاء العاقل بدور جهاز التنفس، يأخذ المواد السكرية من دم الأم فيطرحها في دم الجنين، قام بدور جهاز الهضم، يأخذ الأنسولين من دم الأم فيطرحه في دم الجنين، قام بدور البنكرياس، صار في الجنين سكر وأوكسجين وأنسولين، يحترق السكر عن طريق الأوكسجين بوساطة الأنسولين فالجنين حرارته سبع وثلاثين، ناتج الاحتراق ثاني أكسيد الكربون يأتي الغشاء العاقل يأخذ ثاني أكسيد الكربون من دم الجنين يضعه في دم الأم، جزء من تنفس الأم ثاني أكسيد كربون الجنين، يأخذ عوامل مناعة الأم عبر الغشاء العاقل إلى دم الجنين، كل الأمراض التي أصيبت بها أمه هو محصن منها، والغشاء العاقل يختار الغذاء المناسب، البروتين، الشحوم، السكريات، الفيتامينات، المعادن، أشباه المعادن، وكأنه عالم من علماء التغذية وهذه النسب تتبدل ساعياً وينفذها، لذلك سماه الأطباء الغشاء العاقل، ولو سلم الغشاء العاقل إلى مجموعة أطباء في قمة التفوق لمات الجنين في ساعة واحدة.
الآن الطفل بحاجة إلى مادة معينة ليست في دم أمه، الأم تشتهي طعاماً فيه هذه المادة، شهوة الأم الحامل حاجة ابنها إلى بعض الأغذية.

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ (50) ﴾

( سورة طه)







من ازداد فهماً بدقائق آيات الله في خلقه ازداد تعظيماً له:




﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾

( سورة فاطر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/14.jpg
كلما ازددت فهماً بدقائق آيات الله في خلقه كلما ازددت تعظيماً لله عز وجل وخشية له وخضوعاً له.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)







التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله:





http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/15.jpg
أعطاه الخلق الكامل، الحوت وزنه مئة وخمسين طن، خمسين طن دهن، وخمسين طن عظم، وخمسين طن لحم، ويستخرج من الحوت تسعون برميلاً زيت سمك و يرضع وليده ثلاثمئة كغ في اليوم ثلاث مرات، طن من الحليب كل يوم.

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ (50) ﴾

( سورة طه)
من بعوضة فيها أجهزة متنوعة إلى الحوت الأزرق الذي يزيد وزنه عن مئة وخمسين طناً.
﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)
أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تجد نفسك أمام عظمة الله وكأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله، وأوسع باب تدخل منه على الله، ولا تنسى هذه الآية:
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه)







المتابعة عنصر هام و أساسي من عناصر التربية:




الآن موضوع المتابعة، انظر إلى الأب الكامل العالم الرحيم الحاني، كيف أنه يتابع أولاده متى جاء ؟ متى خرج ؟ من صديقه ؟ لماذا تأخرت ؟ المتابعة، ماذا قال الله عز وجل عن هذه المتابعة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/16.jpg

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾

( سورة الرعد)
تصور الطبيب مرّ على مريض طلب التحليل، الضغط مرتفع يعطي توجيهاً أوقفوا الملح، يرى أن هناك فقر دم يعطي توجيهاً بإعطائه أدوية فيها حديد، دائماً الطبيب يتابع حالة المريض، وكل نقص أو زيادة أو تطرف في التحليلات في قرار يتخذه، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾

( سورة الرعد)

هذه هي التربية، مرة ثانية اسم الرب هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأن الإنسان الأب أب لكن مرة كنت في الطريق أمشي فإذا إنسان يصيح لإنسان آخر قال له إذا ماله أب ماله رب ؟ له رب الله يربينا جميعاً ونحن في العناية المشددة إن شاء الله.








تفرد الله عز وجل بالخلق و لا خالق إلا الله:





http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/17.jpg
الآن يوجد معنى آخر للربوبية الله خالق كل شيء وحده، هنا معنى جديد، الله عز وجل يتفرد بالخلق ولا خالق إلا الله.

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (62) ﴾

( سورة الزمر)
خلق.
﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾

( سورة الزمر)
تصرف، لذلك سيدنا هود قال:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

متحدياً، الله سبحانه وتعالى يتفرد بالخلق وبالتصرف.








كمال الخلق يدل على كمال التصرف:



القاعدة الدقيقة جداً أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، وفي هذا الكون آيات باهرات دالة على قيوم الأرض والسماوات.
الله عز وجل له أسماؤه الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )








رب العالمين لا يليق ولا يقبل ولا يعقل أن تعبد غيره:




الآن من معاني الربوبية، قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/18.jpg

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) ﴾

( سورة الشعراء)
من هو الله رب العالمين ؟ قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) ﴾

( سورة الشعراء )
هذا هو الرب لذلك لا يليق ولا يقبل ولا يعقل أن تعبد غير الخالق، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )








من أبرز خصائص عقيدة المسلم معرفة أسماء الله الحسنى:





لعل اسم الرب اسم الله الأعظم، بل إن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أمس الحاجة إليه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/19.jpg
فالفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم القوي، والمهزوم اسم الله الأعظم الناصر، والجاهل اسم الله الأعظم العليم، فأنت في أية حاجة تحتاج إلى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

( سورة الشعراء )
لذلك أيها الأخوة الرب هو الذي يربي عباده، يربي أجسامهم، ويربي نفوسهم ويهديهم إلى مصالحهم، ويهديهم إليه عن طريق الوحي، ويهديهم بالتوفيق ثم يهديهم إلى الجنة، يهديهم إلى مصالحهم بالأجهزة والخصائص التي منحوا إياها ويهديهم إليه بالوحي ويهديهم بالتوفيق، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾

( سورة الكهف)
ثم يهديهم إلى الجنة لذلك أيها الأخوة، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المسلم بل هو من أبرز خصائص عقيدة المسلم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
01-30-2018, 09:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(3)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى ( المولى ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم من أسماء الله الحسنى، ومع اسم ( المولى ).

اسم ( المولى ) ورد مطلقاً ومضافاً
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، ورد مطلقاً وورد مضافاً، فالله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال )
وفي آية ثانية: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾
( سورة الحج )
ورد مضافاً: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) ﴾
( سورة التوبة)
الحاجة إلى التدين:
أيها الإخوة الكرام، أريدَ بهذا الاسم العلمية، وأريدَ به الدلالة على كمال الوصفية، وهذا الاسم ينقلنا إلى موضوع دقيق، وهو الحاجة إلى التدين.
الحاجة إلى التدين حاجة في أصل فطرة الإنسان، لماذا ؟ لأن الإنسان خلق ضعيفاً، هكذا خلقه الله عز وجل.
نقاط مهمة في خلق الإنسان:
1 – الضعف:
ضعفُ الإنسان لصالحه:
وهذه نقطة ضعف في أصل خلقه، ولكنها لصالحه تماماً ؛ كهذه الوصلة الضعيفة في الآلات الغالية جداً، لو جاء تيار كبير لساحت، وانقطع التيار، وسلم الجهاز، فطبيعة ضعف الإنسان لصالحه، لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ (15) ﴾
( سورة فاطر)
الإنسان بكامل قوته، وبكامل جبروته أحياناً، وبكامل طغيانه قطرة دم لا ترى بالعين تتجمد في بعض أوعيته أو في دماغه فيصاب بالشلل، وفي مكان آخر يصاب بالعمى، وفي مكان ثالث يصاب بفقد الذاكرة، فالإنسان ضعيف، وقد خُلِق ضعيفاً ليفتقر بضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، لذلك أحياناً يغتني الإنسان أو يقوى فينسى ربه، قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) ﴾
( سورة العلق )
مع أنه ضعيف، ومع أنّ أي خلل في جسمه يجعل حياته جحيماً، أحياناً قد يقوى بماله أو بمنصبه أو بعلمه المادي فيطغى، لذلك: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴾
(سورة المدثر)
إذاً: من فضل الله علينا، ومن نعمته العظمى أننا ضعاف، ومع الضعف الافتقار إلى الله، ومع الافتقار إلى الله سعادة وأيّ سعادة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
أما في حُنين: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
أيها الإخوة الكرام، الآية: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾
( سورة النساء )
هكذا خلق، وهذا الضعف في أصل خلقه لصالحه.
أذكركم مرة ثانية، الضعف في الإنسان تماماً كالقطعة تسمى بالمصطلح الأجنبي الفيوز، قطعة في آلة غالية جداً، عظيمة النفع، معقدة التركيب، هذه القطعة الضعيفة إذا جاء تيار قوي من شأنه أن يحرق الآلة تسيح هذه الوصلة الضعيفة، فيسلم الجهاز، وكذلك الإنسان، هذا أول بند في نقاط ضعف الإنسان.
2 – العَجَل:
نقطة ثانية:
﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) ﴾
(سورة الإسراء)
معنى الجزع:
يريد الشيء السريع، يريد المتعة الآنية، لذلك يعيش معظمُ الناس لحظتهم، يستمتعون، وينسون آخرتهم، ينسون مغادرة الدنيا، فلذلك البطولة لا أن تعيش الماضي، أو أن تتغنى بالماضي، ولا أن تعيش الحاضر، لكن البطولة والعقل والذكاء أن تعيش المستقبل، ماذا في المستقبل ؟ في المستقبل مغادرة الدنيا، وأخطر حدث في حياة الإنسان المغادرة، وما من إنسان أشد عقلاً مِن هذا الذي يعد لهذه الساعة التي لا بد منها، الإنسان عجول، يحب البيت الواسع، والمركبة الفارهة، والزوجة الجميلة، ولو أضر هذا بآخرته.
﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) ﴾
(سورة الإسراء)
لذلك حينما يختار الإنسان هدفاً بعد الموت يرقى عند الله، لأنه عاكس طبعه، ومعظم الناس يبحثون عن متع آنية، وعن مكاسب وقتية، يعيشون لحظتهم، ولا يعيشون مستقبلهم والكيّس العاقل من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
إذاً: البطولة أن تعيش المستقبل، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا.
3 – الهلع:
نقطة ضعف ثالثة في حياة الإنسان، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
هكذا خلق.
معنى الهلع:
معنى ( هلوعًا ) جاء شرحه بعد قليل:
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
إذا شعر الإنسان أن فيه ورما بسيطا إلى أن يتأكد ما إذا كان ورماً حميداً أم خبيثاً لا ينام الليل، هذا شأن أيّ إنسان، إن شعر أن في قلبه خللا، والحياة منوطة بالقلب، لذلك لا ينام الليل.
طبيعة الإنسان أنه خلق هلوعا، إذا مسه الشر كان جزوعا، ولولا أنه هلوع لما تاب تائب إلى الله، ولولا أنه هلوع لما اقتيد الإنسان إلى باب الله عز وجل، ولولا أنه هلوع لما اصطلح مع الله، لأنه هلوع فالله عز وجل جعله بهذه الصفة لتسهل توبته، وتسهل عودته إلى الله، وليصطلح مع الله.
(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلان فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر ]
أيها الإخوة الكرام، ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
الهلوع: ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
ثلاث نقاط ضعف هي موضع قوة الإنسان:
الإنسان حريص على سلامته وعلى رزقه، فأيُّ شبح مصيبة لاحَ له في الأفق يهدد سلامته، أو يهدد رزقه انخلع قلبه له، إذاً: الله عز وجل يسوقه إلى بابه، يسوقه إلى التوبة، يحمله على التوبة، يقوده إلى الصلح مع الله عز وجل، فهذه نقاط ثلاث لصالح الإنسان، أن الإنسان عجول وضعيف وهلوع.
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
فهو حريص على ما في يديه، لماذا ؟ لأن هذا الحرص يرفع مقامه عند الله إذا أنفقه، أنت حريص على المال، فإذا أنفقته ترقى عند الله، مع أن المال محبَّب، قال تعالى:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾
( سورة آل عمران)
لأن هذه الأشياء محببة إلينا فبإنفاقها يرقى الإنسان، إذاً: هذه نقاط أساسية في أصل خلق الإنسان لصالحه، هذه النقاط الثلاث نقاط الضعف في أصل خلقه هي سبب كبير في حاجته إلى التدين، وأيّ إنسان بحاجة إلى التدين، حتى الذي يعتقد اعتقادات خاطئة، حتى الذي يعبد الحجر والشمس والقمر، ويعبد أشياء من دون الله، الدافع الأساسي للتدين أنه ضعيف، خلق الإنسان ضعيفا، فالبطولة وأنت بحاجة ماسة إلى التدين أن تعبد الإله الحقيقي، أن تعبد خالق السماوات والأرض، أما الذين عبدوا من دونه وثناً وشمساً وقمراً وحجراً هم يبحثون عن شيء يطمئنهم، هم ضعاف، حتى الإنسان غير المؤمن في منصب رفيع في العالم الغربي يلجأ إلى فلكي ليرسم له مستقبله، الإنسان ضعيف، وهذه نعمة كبرى لصالح المؤمن.
الإنسان محتاجٌ إلى مولى:
أيها الإخوة الكرام، دققوا في قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال)
أنت بحاجة إلى مولى، بحاجة إلى مرجع، بحاجة إلى مربٍّ، بحاجة إلى سند، بحاجة إلى من يدعمك، بحاجة إلى من تتوكل عليه، بحاجة إلى من يطمئنك، بحاجة إلى جهة قوية تحتمي بها من شرور أعدائك، هذا شيء طبيعي جداً في الإنسان، إلا أن المؤمن وصل إلى الإله الحقيقي، وصل إلى خالق السماوات والأرض، وصل إلى مَن بيده كل شيء، وصل إلى من بيده مصائر الخلائق، والله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾
( سورة هود)
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك، فلابد أن تعتقد أن الله هو المعطي وحده، وهو المانع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو المعز، وهو المذل، وهو الناصر، وهو المغني، وهو الرازق، هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن تتجه إلى الله، فلذلك التوحيد يقود إلى طاعة الله عز وجل، وهو نعم المولى، هو عليم، لا تحتاج مع الله إلى إيصال، ولا إلى حلف يمين، هو يعلم، وبعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، هو يعلم هو معك، أعداءك بيده، أقرب الناس إليك بيده، فإذا أحبك الله سخر لك أعداءك ليخدموك، وإذا تخلى الله عنك ـ لا سمح ولا قدر ـ يتطاول عليك أقرب الناس إليك، فهذه كلمة دقيقة جداً: ليس إلا الله، وهذا معنى: لا إله إلا الله.
وكما بينت في لقاءات سابقة أنه لا ينبغي أن تقول: الله ضار، الله ضار نافع، يضر لينفع، ومانع معطٍ، يمنع ليعطي، وخافض رافع، يخفض ليرفه، ومذل معز، يذل ليعز، إذاً: أسماء الله تعالى كلها حسنى، والذي يبدو لك من شدة و جبروت هي لصالح المؤمن: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) ﴾
( سورة الأنعام)
مثلٌ للتوضيح: تصور ابنا له أب محترم جداً، عالم أخلاقي، وضعه المادي جيد جداً، وهذا الأب حريص على ابنه حرصاً لا حدود له، هيأ له غرفة خاصة، تابع تربيته الأخلاقية، تربيته الإيمانية، تربيته الدينية، تربيته العلمية، تربيته الاجتماعية، تربيته النفسية، تربيته الجسمية، تربيته الجنسية، تابعه ووضعه في أفضل المدارس، هيأ له أفضل المدرسين، اهتم بصحته، اهتم بعاداته، وتصور ابنا ماله أب، وأمه مشغولة عنه بالأسواق، وهو في الأزقة ومداخل البنايات، من مخفر إلى مخفر، من مكان إلى مكان، عنده تُهَمٌ كثيرة جداً، تُهَمٌ أخلاقية، و تُهَمٌ مالية، وعنده سرقات، وله إضبارة واسعة، وازن بين هاذين الشابين، شاب بأعلى درجات الانضباط والكمال، وشاب بأسوأ درجات التفلت والانحلال. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ
اسمعوا الآية:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد)
لك مرجع، لك كتاب تقرأه، هذا حرام، هذا حلاب، لك إله تدعوه في الليل، لك إله عظيم تسأله فيجيبك، تستغفره فيغفر لك، تتوب إليه فيتوب عليك، لك مرجع، في حياتك منظومة قيم، هناك شيء حلال وشيء حرام، شيء ممكن وشيء غير ممكن، شيء مباح وشيء مكروه، شيء واجب وشيء مستحسن، أنت تعيش بمنظومة قيم، وهذا من فضل الله علينا. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد)
يصعد صعوداً حاداً، ويسقط سقوطاً مريعاً، يأتيه المال من كل جهة فينفقه بلا وعي، مع الكبر والغطرسة، فيسحقه الله عز وجل، ويدمر ماله، الفرق كبير جداً. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾
( سورة السجدة)
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾
( سورة القلم )
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾
( سورة القصص )
نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
أيها الإخوة، من نعم الله الكبرى أن يكون الله عز وجل وليك، قال تعالى:
﴿ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال)
آية واحدة تملأ قلبك طمأنينة: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 216 )
إذا فتح الله عليك باب الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، فربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[ أخرجه مسلم]
لذلك أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
الله عز وجل يتولى أمرنا، وقد تضيق علينا الدنيا، وأحيانا تشح السماء، فيقيم المسلمون صلاة الاستسقاء، ويلجؤون إلى الله، أحياناً يأتي شبح مرض، هذا المرض سبب توبة نصوح، أحياناً يأتي شبح فقر، هذا الفقر يسوقنا إلى باب الله، بطولتك أن تفهم حكمة الله في المصائب، البطولة أن ترى حكمة الله في أفعاله، لأن الله عز وجل حكيم.
كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
نعم المولى، فهو عليم، حكيم، قدير، وقعت في ورطة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ إن دعوته أولاً فهو موجود، ثانياً يسمعك، ثالثاً قادر على أن يلبيك، رابعاً يحبك، فهو موجود وسميع، وقدير ورحيم.
تولِّي الله حفظ ونصرَ أنبيائه:
1 – موسى عليه السلام:
لذلك قال تعالى:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم. ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
2 – يونس عليه السلام:
سيدنا يونس كان في بطن الحوت:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 88 )
قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا
شيء آخر:
﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 15 )
أنت حينما تطيع الله عز وجل وحينما تعبده دقق ينشأ لك حقاً عليه ألا يعذبك، لذلك:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة: 18 )
لو أن الله قبِل دعواهم لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه.
هذا ما يتمتّع به المؤمن الذي تولاّه الله:
1 – الأمن:
المؤمن يتمتع بأمن لا يتمتع به أحد على الإطلاق، والدليل:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
لو أن الآية: أولئك الأمن لهم، أي لهم ولغيرهم، هذه البلاغة عبارة قصر وحصر. ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
2 – الحكمة:
يتمتع المؤمن بالحكمة:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
3 – الرضى:
يتمتع المؤمن بالرضى، فلذلك حينما يسوق الله الإنسانَ إلى بابه عن طريق مصيبة، أو شبح مصيبة، أو ضيق، أو عدو جاثم على صدره، أو شبح فقر، أو شبح مشكلة، فهذه في الفهم الإيماني نعمة باطنة:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان: 20)
إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى:
وأقول لكم هذه الكلمة: حينما يتابعك الله عز وجل، وحينما يخضعك لتربيته فأنت في خير عميم، وأنت في نعمة كبرى، إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى، لكن المصيبة الكبيرة أن يتابع الله نعمه عليك، وأنت تعصيه، المصيبة الكبيرة أن تكون خارج العناية الإلهية:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا (11) ﴾
( سورة محمد )
أحياناً يشدد عليهم أحياناً يضيق عليهم أحياناً يسلط عليهم عدوهم. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِف طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص )
الآن دققوا: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
لذلك إذا كنت ضمن العناية المشددة فالله يتولى أمرك، وإذا تولى الله أمرك فأنت في نعمة كبرى، في متابعة من ضمن الله عز وجل.
إذا أخطأت جاء العقاب، أو أسرفت في الإنفاق جاء التقتير، أو استعليت على إنسان جاء التأديب الذي من نوع هذه المعصية فصار تحجيما، كإنسان تطاول عليك، لأن الإنسان حينما يتطاول على غيره الله يؤدبه من جنس الذنب.
الخاتمة:
الخلاصة: مادمت خاضعاً للعناية الإلهية فأنت في نعمة كبرى، لأن الله مولاك، نعم المولى ونعم النصير، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
فيا أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( المولى ) من أقرب الأسماء للإنسان، ولي أمرك، يتولى شؤونك، ينعم عليك، يقتر عليك، يرفعك، يخفضك، يملأ قلبك طمأنينة، أو يملأ قلبك خوفاً، يتولى أمر جسمك، وأمر نفسك، وأمر مستقبلك، وأمر إيمانك، وأمر عقيدتك، وأمر علاقاتك، هذا التولي نعم المولى ونعم النصير.
هذا الاسم أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، من أقرب الأسماء للإنسان، ولأن الإنسان عنده نقاط ضعف ثلاث ؛ خلق هلوعا، وكان عجولا، وخلق ضعيفاً، نقاط الضعف تستوجب أن يكون له سند قوي يلجأ إليه، يحتمي به، يستعيذ به، يتوكل عليه، يعتمد عليه، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والحمد لله رب العالمين

آفراح
01-30-2018, 12:44 PM
جوزيت كل الخير وكل الشكر على مجهودك الرائع
تحية

السعيد
01-30-2018, 04:28 PM
تسلمين اختى افراح

السعيد
01-30-2018, 04:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(4)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( النصير ):





النصير كمالٌ في الوصف ومبالغة فيه:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/01.jpg
أيها الإخوة الكرام، الاسم اليوم هو ( النصير )، وهذا الاسم ورد مطلقاً مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية، وهو صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة تعني شيئين ؛ تعني مبالغة الكّمّ، ومبالغة النوع، أي مهما يكن العدو قويا فالله هو النصير، ومهما تكن الأعداء كثيرة فالله سبحانه وتعالى نصير.





الآيات والأحاديث الوارد فيها اسم النصير:





الله نصير مع أقوى عدو، ونصير مع أكثر الأعداء تنوعاً، لذلك هذا الاسم ورد مطلقا، وورد مقرونا باسم المولى في آيتين فقط.



الآيات:


الآية الأولى:





الآية الأولى:




﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾

( سورة الأنفال )




الآية الثانية:



﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾

( سورة الحج )




الأحاديث:



وورد هذا الاسم أيضا مقيداً في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا قَالَ:

(( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ ))

[ الترمذي وأبو داود ]






قواعد النصر:





لكن ما من اسم يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الاسم، لكن هذا النصر له قواعد.



النصر من عند الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/02.jpg
أول قواعد النصر أن النصر من عند الله، وحينما يتوهم المسلمون أن النصر من عند زيد أو عبيد فقد وقعوا في وهمٍ كبير، قال تعالى:
﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 10 )

﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )



أنواع النصر:





1 – النصر الاستحقاقي:


وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ولكن هناك نصر استحقاقي، فالمؤمن حينما يكون على ما ينبغي وينتصر فهذا نصر سماه العلماء النصر الاستحقاقي، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )
كان أصحاب النبي من الافتقار ومن الاستقامة ومن التوحيد ما استحقوا به نصر الله عز وجل.
بالمناسبة، حينما قال تعالى:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 10 )




النصر الاستحقاقي ثمنه الإيمان والإعداد:



معنى ذلك أنه من عند الله، ولكن له ثمن، ما ثمن هذا النصر ؟ الإيمان والإعداد:
الإيمان:
الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ـ والإعداد المتاح فقط.
الآية الأولى:

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم الآية: 47 )
كلام خالق الأكوان، وزوال الكون أهون عند الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين،
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا ﴾

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور الآية: 55 )
الشرط الأول للنصر هو من عند الله ولكن له ثمن، والبند الأول في الثمن الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، أما الإيمان الذي لا يحمل على طاعة الله فلا قيمة له إطلاقا.
الإعداد:
الآن الإعداد:
﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )
لكن رحمة الله أنه كلفنا أن نعد العدة المتاحة، وليست المكافئة، وفرق كبير بين أن نعد العدة المكافئة، وهذا مستحيل الآن، وبين أن نعد العدة المتاحة.
عندما أؤمن الإيمان الذي يحملني على طاعة الله، وحينما أعد لأعدائي العدة المتاحة عندئذ أكون قد دفعت ثمن النصر، وما لم يدفع ثمن النصر فالنصر مستحيل، وهذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، إذن النصر من عند الله، وله ثمن، والثمن له بندان الأول الإيمان، والثاني الإعداد.
إذا آمنا ولم نعد فلا ننتصر، وإذا أعددنا ولم نؤمن فلا ننتصر، لذلك قالوا: الإيمان والإعداد شرطان كل منهما لازم، لا يحقق الثاني إلا إذا كان الأول، فكل شرط من هذين الشرطين لازم غير كاف، وما لم يتحقق الشرطان معاً فلن يكون النصر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/03.jpg
حينما نتعامل مع الله وفق قواعده القرآنية، ووفق نواميسه نقطف الثمرة، أما إذا تعاملنا مع الله تعاملا ضبابياً مزاجياً، ولم ندفع الثمن فلن ننتصر، إذًا: النصر من عند الله، وله ثمن، ثمنه الإيمان والإعداد، لكن أي إيمان ؟ الكلّ يدعي أنه مؤمن، الإيمان الذي يترجم إلى استقامة، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، لذلك لماذا لم ينتصر المسلمين في أُحُد ؟ لأنهم عصوا، ولو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله.
ولماذا لم ينتصر المسلمون في حنين ؟ في أُحُد وقعوا في معصية، وفي حنين وقعوا في شرك خفي، فقالوا: لن نهزم مِن قلة، إذًا: إما لسبب سلوكي في أُحد، أو لسبب اعتقادي في حنين، قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ﴾

( سورة التوبة )




درسان بليغان من معركة أُحُد وحُنين:



الآن نستنبط من وقعة أحد ووقعة حنين أن هناك درسين بليغان، الأول: حينما تقول: الله، يتولاك الله عز وجل، وحينما تقول: أنا، يتخلى عنك، وهذا الدرس نحتاجه كل يوم، بل كل ساعة، قل: أنا بعلمي، واختصاصي النادر، وخبراتي المتراكمة، ومالي العريض، وجاهي الكبير، يتخل الله عنك، في حرفتك، في مهنتك، لا تقل: أنا، أنا كلمة مهلكة، قل: الله، في زواجك، في عملك، في حرفتك، حينما تقابل عدوا فإذا قلت: الله، يتولاك الله، فإذا قلت: أنا، يتخلى عنك، وما أشد هذين الدرسين عظة وفهما لما يجري في العالم.
لذلك حينما نعتد بأنفسنا يتخلى الله عنا، " وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هويا تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ".
فلذلك أيها الإخوة الكرام، النصر من عند الله، وله ثمن، وما لم ندفع الثمن فلن نشم رائحة النصر، وهذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فالنصر الأول هو النصر الاستحقاقي، حينما ندفع ثمنه إيماناً مترجماً إلى التزام، إلى وقوف عند الحلال والحرام، إلى فعل ما ينبغي، إلى تطبيق منهج الله، إلى أن يرانا الله حيث أمرنا، وأن يفتقدنا حيث نهانا، والثمن الثاني أن نعد القوة المتاحة.
لذلك التوكل من دون إعداد تواكل، وهو معصية، أن تقول: يا رب، توكلت عليك، ولا تفعل شيئا، سيدنا عمر وجد رجلا معه جمل أجرب، قال: << يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل ؟ فقال: أدعو الله أن يشفيه، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً >>.
ورأى سيدنا عمر أناسا يتكففون الناس في الحج، قال: مِن أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، بل أنتم المتواكلون، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله.
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]
أن نستسلم، ونقول: ما بيدنا شيء، انتهينا، هذا كلام الضعفاء، كلام ضعاف الإيمان، كلام الجهلة، الله موجود:
﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )
وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الله موجود، الله فعال:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾

( سورة الكهف )

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾

( سورة هود)

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84) ﴾

( سورة الزخرف)

آيات التوحيد، وما تعلم العبيد أفضل من التوحيد.






2 – النصر التفضُّلي:



إذاً: النصر الأول هو النصر الاستحقاقي، حينما يدفع ثمن النصر إيمانا بالله يحمل على طاعته، وإعدادا للقوة المتاحة، الآن هناك نصر آخر سماه العلماء النصر التفضلي دليله الآية الكريمة:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة الروم )
في هذه الآية إعجاز، فبعد أن اكتشفت أشعة الليزر أمكن قياس المسافات بدقة متناهية، وأمكن قياس المسافة بين الأرض والقمر بدقة متناهية، وأمكن قياس المنخفضات والأغوار بدقة متناهية، وبعد أن اكتشفت هذه الأشعة تبين أن أخفض نقطة في الأرض غور فلسطين، والروايات التاريخية تؤكد أن هذه المعركة التي جرت بين الروم والفرس كانت في غور فلسطين، فقال الله عز وجل:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة الروم )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/04.jpg
الروم أهل كتاب، وأهل الكتاب مشركون، ومع ذلك انتصروا، هذا النصر ليس استحقاقياً، ولكنه نصر تفضلي، فنحن في عبادتنا نقول: يا رب، إن لم نكن نستحق النصر الاستحقاقي فانصرنا نصراً تفضلياً، والنصر التفضلي يعني أن المنتصر ليس كما ينبغي، لكن حكمة الله اقتضت أن ينتصر، لذلك أثبت الله للصحابة الكرام وهم نخبة البشر فرحهم بهذا النصر.
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة الروم )

هذا هو النصر التفضلي، إذا كانت فئة ليست كما ينبغي، وانتصرت على الكفار وأعداء الله فهذا شيء ينبغي أن نفرح له بنص هذه الآية.
هذا هو النصر الثاني النصر التفضلي.




3 – النصر المبدئي:


لكن هناك نصر ثالث، ما هو ؟ النصر المبدئي:

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) ﴾

( سورة البروج )
الآن كلام دقيق، أصحاب الأخدود هل انتصروا ؟ بالمقياس التقليدي لم ينتصروا، لكنهم انتصروا نصرا مبدئياً، لأنهم ثبتوا على إيمانهم بالله.
بالمناسبة، مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين، وقال للأول: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: ما سمعت شيئا، فقتله، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: أشهد أنك رسول الله.
الآن استمعوا إلى ما قاله النبي الكريم عن هذه الحادثة، قال: أما الأول فأعز دين الله فأعزه الله، الذي قتل النبي عليه الصلاة والسلام عدَّه منتصرا، لأنه صمد على مبدئه، ومن هذا النوع من النصر ماشطةُ بنتِِ فرعون، جاؤوا بأولادها الخمسة، لأنها قالت لما وقع المشط من يدها: يا الله، البنت قالت لها: ألك رب غير أبي ؟ قالت: الله ربي ورب أبيك وربك، فحدثت أباها، فجاء بقدر من النحاس، وجعل فيه زيتا مغليا، وجاء بأولادها الخمسة، وأمسك الأول، وقال: ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى الأول في الزيت المغلي فظهرت عظامه طافية على سطح الزيت، وأمسك ولدها الثاني، ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى الثاني، وألقى الثالث، وألقى الرابع، الخامس رضيع، فلما قال لها: ألك رب غيري ؟ سكتت، تضعضعت، ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة، فأنطق الله ولدها الرضيع، قال: اثبتي يا أمي، فأنت على الحق، وألقاه في الزيت، ثم ألقاها في الزيت، هذه انتصرت نصرا مبدئيا، أي ثبتت.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج شم رائحة لم يشم مثلها إطلاقا، فقال: يا جبريل، ما هذه الرائحة ؟ رائحة طيبة جداً، قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون، ففي النصر المبدئي يمكن أن لا تنتصر بالمقياس التقليدي، لكنك مُتنا على الإيمان، وهذا نصر مبدئي، وفي هذا المعنى تسلية وتطمين لكل مَن قُتِل وهو على حق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/05.jpg
فالنبي قال: أما الأول فأعز دين الله فأعزه الله، القلق على من ؟ على الثاني الذي قال: أشهد أنك رسول الله، يا الله ما أعظم هذا الدين ! أما الثاني فقد قبل رخصة الله، ما كلف الله الإنسان فوق ما يستطيع، فلو أن الماشطة قالت: أنت ربي، فلا شيء عليها، ولكن لو أخذ كل المؤمنين بالرخص ما بقي هناك بطولات، فالإمام أحمد بن حنبل لم يقبل بخلق القرآن، فدخل السجن، وعذب.
لذلك الأمة في حاجة لمن يدفع ثمن مبدئه غاليا، ولو أن كل إنسان أخذ بالرخص فلن نجدد في الأرض بطولات إطلاقاً.
فهناك نصر مبدئي ؛ بأن يموت الإنسان على مبدئه صراحة، ولم يساوم عليه.
مرة كنت في بلد إسلامي، تركيا، وذكرت هذه القصة، وقلت: أما الأول، للتقريب، أعطي مائة ألف دولار، وأما الثاني فأعطي مائة ألف ليرة تركية، في الأجر ليس كالأول، الأول ضحى بحياته من أجل مبدئه، وكل شيء له ثمن، وكل شيء له حساب عند الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، درس بدر وحنين، تقول: الله يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك، وهذا الدرس نحتاجه كل يوم، وفي كل ساعة، وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي حرفنا، وفي مواجهتنا لمن نخافهم، قل: الله، فإن الله يتولاك.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )






قصص القرآن قوانين سارية في كل زمان ومكان:





لا أمل، فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم، فرعون بطغيانه وجبروته وحقده ولؤمه وقوته وراءهم، والبحر أمامهم.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
لذلك الله عز وجل يقلب القصص القرآنية إلى قوانين، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

( سورة الأنبياء )

إذًا: أول نصر استحقاقي، والثاني تفضيلي، والثالث مبدئي، فالإنسان لا يعدم أن ينتصر نصرا مبدئيا، هذا بإمكانه.






لا للإحباط وسوءِ الظن بالله:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/06.jpg
شيء آخر:

﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (15) ﴾

( سورة الحج )
عنده وهم خاطئ ؛ أن الله لا ينصره، وقد يقع الإنسان في سلسة إحباطات يتوهم أن الله لن ينصره، فيسيء الظن بالله.
﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ (6) ﴾

( سورة الفتح )
وأقول لكم بكل صراحة: إن بعض المسلمين وقعوا في الإحباط واليأس، ولذلك هناك امتحانان صعبان:
الامتحان الأول: أن يقوِّي اللهُ الكافر حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟ وأحيانا يظهِر الله آياته حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله.
نحن الآن في الامتحان الأول، وهو صعب جداً، الطرف الآخر قوي ومتغطرس، ويفعل ما يقول، فبعض المؤمنين ضعفوا:
﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
إذن النصر التفضلي والنصر المبدئي والنصر الاستحقاقي وموضوع بدر وحنين، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك.
والموضوع الثاني: أُحُد وحُنين، في أُحد كانت المعصية سلوكية، وفي حنين كان الشرك الخفي، الصحابة الكرام وفيهم رسول الله لم ينتصروا ؛ لأنهم قالوا: لن نغلب من قِلة، هذه بعض موضوعات النصر، لأن الله عز وجل هو النصير، ولا نصير سواه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )
أي تدفعوا ثمن النصر إيمانا يحمل على طاعته وإعدادا للقوة المتاحة.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
01-31-2018, 09:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(5)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية.
مع اسمٍ من أسماء الله الحسنى: ( الرفيق ):





1 – ورودُ اسم ( الرفيق ) في السنة الصحيحة:


أيها الإخوة الكرام مع اسم جليل من أسماء الله الحسنى، وهو ( الرفيق )، هذا الاسم ورد في السنة النبوية الصحيحة، ورد مطلقاً معرّفا بأل، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، فقد ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]





2 – معنى اسم الله ( الرفيق ):


فالله سبحانه وتعالى هو ( الرفيق )، لو أردنا أن نقف وقفة متأنية عند معاني هذا الاسم لقلنا:
أولاً: الرفيق هو اللطيف، والرفيق هو الذي يرافقك، والرفيق هو الذي يتصرف برفق، هو لطيف، وهو مرافق، وهو الذي يتصرف برفق، لو أردنا أن نرى هذا الاسم من خلال أفعال الله قد نقف عند ومضات من رفقه جل جلاله.




3 – مظاهر رفق الله بمخلوقاته:


http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/01.jpg
الطفل الصغير له أسنان، لبنية هذه الأسنان كيف تسقط من دون ألم، وما من طبيب أسنان إلا وهو مضطر أن يعطى الإنسان مخدرا حتى يقلع هذا السن، وإعطاء إبرة المخدر أمرٌ مؤلم، أما الطفل حين يسقط سنه يذوب شيئاً فشيئاً إلى أن يراه مع لقمة طعامه، فنزع سن الطفل نوع من اللطف، الله عز وجل يقول:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ (4) ﴾
( سورة الحديد )
أنت لا تحتمل أن يكون معك إنسان دائماً، تخرج من جلدك من رفقته، لكن الله معنا، معنا بلطف دون أن نشعر.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/02.jpg
مثلا الهواء لطيف، يحمل الطائر، يحمل طائرة وزنها ثلاثمئة وخمسين طنًّا، وأنت تمشى ضمن الهواء، وتستنشق الهواء، ولا ترى الهواء، الهواء مما يؤكد معنى أن الله رفيق.
أيها الإخوة، رحمته لعباده، فمغفرته لعباده رفق، وقبول توبته من عباده رفق، وتحريمه التدريجي للخمر رفقٌ.

(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
والإنسان عليه أن يتخلق دائما بالكمال الإلهي، لذلك كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، والحلم رفق، والمعالجة بحكمة من الرفق، والحلم من الرفق، والعفو من الرفق، والمغفرة من الرفق، والتسامح من الرفق، لذلك حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)





4 – الرفقُ من صفات المؤمن:


من معاني هذه الآية الكريمة أنك إذا تخلقت بالكمال الإلهي تستطيع أن تقبل عليه أحد أسباب اتصالك به أنك تتوسل إلى الاتصال به للتخلق بكماله، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، يحب الرفق في تربية الأولاد، يحب الرفق في معاملة الزوجة، يحب الرفق في التعامل التجاري.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى ))
المؤمن من صفاته أنه رفيق لطيف، وإذا كان معك فظله خفيف، لا ينتقد، لا يحاسب، لا يدقق، لا يؤاخذ، لا يقسو، لطيف، المؤمن لين العريكة، يألف ويؤلف.
الحقيقة أنْ ليس الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يصلي، هناك فرق جوهري كبير جداً، حينما تعامل المؤمن تراه لطيفاً، وحينما ترافق المؤمن ترى ظله خفيفاً، وحينما تتعامل مع المؤمن تراه سمحاً، تراه عَفوًّا، تراه متسامحاً.
فلذلك التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
توسل إلى الله بأن تتخلق بالكمال الإلهي، وما من اسم من أسماء الله الحسنى إلا ولك منه موقف، إذا كان من أسماء الله الحسنى أنه عفو كريم فينبغي أن تعفو عمن ظلمك، وقد ورد في بعض الأحاديث:

(( أمرنى ربى بتسع، خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، و القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطى من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[ ذكره الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح عن أبي هريرة ]





5 – الله معنا بعلمِه فلا تغفلوا:


وهو معكم، هو معنا دائماً، لكن كلما ارتقت شفافية الإنسان يعبد الله كأنه يرى الله:
(( قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
لكنه لطيف، لذلك الذي يعصي ربه في رابعة النهار، نهاراً جهراً، وينسى أن الله معه، وأن الله يراقبه، هذا ليس بكامل الإيمان، لذلك من أرقى مستويات الإيمان أن تؤمن أن الله معك، قال تعالى:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) ﴾
( سورة الإسراء)
قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾
( سورة الشعراء)
يراك حين تقوم، هو رفيق هو معنا، ولكنه معنا بعلمه، معنا من دون أن نشعر، كيف أنك تمشي في الهواء من دون أن تشعر، وتستنشق الهواء من دون أن تشعر، ولا ترى الهواء لكنه موجود، والدليل إذا هبت العواصف دمرت مدنا بأكملها، الهواء يحمل الطائرات، فهو موجود، لكنك لا تتضايق من الهواء، بل تستنشقه.





6 – لابد من الرفق للوصول إلى الأهداف:


أيها الإخوة، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[ مسلم ]
وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]
توسل إلى أهدافك بالرفق، انصح، عظ موعظة حسنة، جادل بالتي هي أحسن.





7 – لا تكن فظا غليظ القلب:


لا تكن فظا غليظ القلب، النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم أوتي المعجزات، أوتي الوحي، أوتي القرآن، كان جميل الصورة، كان فصيح اللسان، كان رحيماً، كان حليماً، كان متواضعاً، ومع كل هذه الصفات يقول الله له: أنت أنتَ، أنت بكل هذا الكمال:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159)﴾
( سورة آل عمران)
ولو كنت فظا غليظ القلب، فكيف بإنسان ليس نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي القرآن، وليس فصيحاً، وليس جميل الصورة، وليس رحيماً... ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب.
لذلك:

(( مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ))
[ البخاري ومسلم عن عائشة ]
إذا دخلت إلى البيت فقل: السلام عليكم، إذا أردت أن تربي أبناءك فقل: يا بني، هذا الشيء يؤذيك، أنا ناصح أمين لك، من دون أن تبدأ بالضرب والشتم والقسوة.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/03.jpg
إنّ صفات المؤمن صفات كاملة، هذا الحديث أساسي جداً في حياتنا، البيت الذي فيه رفق فيه حب وهدوء، فيه راحة نفسية، فيه أولاد ينشؤون نشأة صحية، يرون أباهم وأمهم على وفاق، وعلى وئام، كلام منخفض، النصيحة مهذبة، ومَن أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر، بطريقة ليست منكرة، لا تكن فظاً غليظ القلب ؟
بماذا أثنى الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام ؟ هو سيد الخلق، هو نبي، هو رسول، أعطي المعجزات، هذه كلها من وسائل الرسالة، لكنه أثنى عليه بشيء مِن كسبِه، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
الرفق هو اللطف، والرفق هو من يرافقك، لذلك ما في جهة يمكن أن تكون معك في سفرك، وتستخلفها في بيتك إلا الله، ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ:

http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/04.jpg
(( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ، وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ))
[ الترمذي، أبو داود]
إذا سافر الإنسان، وقبل أن يسافر قال: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، فبغيابك لو أن إبريقا من الماء الساخن وقع فوق وجه طفل صغير، وشوه وجهه يجعل حياة هذه الأسرة جحيماً لا يطاق، الله رفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام.





من معاني ( الرفيق ):





الرفيق هو اللطيف، والرفيق هو الذي يرافقك، والرفيق هو الذي يتولى الأمر برفق.
قال بعض العلماء: " الرفيق هو اللطيف بعباده، القريب منهم "، وهو معكم أينما كنتم، الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه، أقرب إليك من حبل الوريد، أقرب إليك من خواطرك، أقرب شيء إليك خواطرك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، من خواطرك، يحول بينك وبين قلبك، يغفر ذنوبك، ويتوب عليك، لأنه رفيق بكم، وتكفلهم بالتربية والعناية من غير عوض، وما من إنسان يدخل على إنسان اختصاصي في الطب أو الهندسة أو المحاماة إلا ويحتاج إلى أجرة، إلا أنك إذا لجأت إلى الله يتولاك من دون عوض، لأنه رفيق بك، وقدّر أرزاق العباد.
أحياناً يكون الوعل في قمة جبل، هناك نبع مستودع، هذا النبع من جبل أعلى من أجل هذا الوعل الذي يعيش في قمم الجبال، قدر لعباده ومخلوقاته أرزاقهم وطعامهم وشرابهم، وأمدهم بما يحتاجون، وهداهم لما يصلحهم.




هداية الله لمخلوقاته :





الهداية كما تعلمون أربعة مراحل، هدي المخلوقات إلى مصالحها، فالإنسان إذا كان الطعام فاسدا يشم أنفه رائحة الطعام الفاسد، والطعام الفاسد له رائحة كريهة، فرائحة الطعام الفاسد الكريهة، والأنف الذي فوق الفم هداك إلى أن لا تأكل هذا الطعام، وإذا كان في المعدة طعام فاسد فالإنسان يتقيؤه، والتقيؤ من رحمة الله عز وجل، هداك إلى أن تخرجه من جوفك، إذا كنت تمشي وملت قليلا تصحح عن طريق جهاز معقد جهاز التوازن، لأنه رفيق بك، فإذا كان البرد شديدا فهناك آلية معقدة جداً في الجسم تكافح البرد، وإذا كان هناك حر شديد فهناك آلية معقدة ثانية آلية العرق، العرق يخرج الماء فيمتص حرارة الجلد، وبهذه الطريقة يتعدل الجلد في حرارته.
إذًا: الله عز وجل رفيق في أفعاله، لذلك يقدر لهم أرزاقهم، ويهديهم لما يصلحهم، فالإنسان ينام، ولما ينام تتباعد الخلايا العصبية، لذلك السيالة في النوم لا تتخطى الفراغ، إنسان نائم لا يستيقظ، أما إذا كان الصوت عاليا جداً فهذا الصوت العالي جداً يقفز، ويتخطى هذا الفراغ، فيستيقظ الإنسان.
هداك إلى مصالحك، والحديث عن هداية الله عز وجل لمصالح الإنسان شيء لا ينتهي.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/05.jpg
أنت ترى الخطر بعينك في البيت، هناك مدفأة خرج الدخان منها كثيفاً فهناك خلل ببناء المدفأة، لكن أحياناً تسمع صوتا في غرفة ثانية خرج فالبصر محدود بالجدران، أما الصوت فيتجاوز الجدران خرج يقول لك: هناك حركة، وإذا كان حيوان صغير قد مات تحت السرير فلا تشاهده خرج و لا تسمع صوته خرج بعد أيام تشم رائحة كريهة، فهداك إلى مصالحك بالنظر، وهداك إلى مصالحك بالسمع، وهداك إلى مصالحك بالشم، أيّ شيء له عرض، أعراض الأمراض من رفق الله بنا خرج ولولا عرض للمرض كانت المشكلة كبيرة، هداك إلى مصالحك
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/06.jpg
الله جعل في العظم عصبا حسيا، ما فائدة العصب الحسي ؟ لأنه رفيق بنا، فإذا حدث كسر فالألم الشديد الذي لا يحتمل يجعلك تدع العظم المكسور كما هو، وأن تدعه كما هو أربعة أخماس معالجته، حكمة العصب الحسي في العظام حكمة كبيرة، وحكمة أن الشعر لا يوجد به عصب حسي كبيرة، ولو كان في بالشعر عصب حسي لاحتجت إلى مستشفي، وإلى تخدير كامل من أجل أن تحلق شعرك.
إذًا: هو رفيق بنا، ببنية أجسامنا، بوظائف أجسامنا، الإنسان يتوضأ براحة، لكن لو وضعت ماء بارداً على ظهره فلا يحتمله، أعصاب الحس في الأماكن المكشوفة التي تقتضي التنظيف الدائم ضعيفة جداً، وفي الأماكن المستورة أعصاب الحس فيها قوية جداً، لذلك توزيع أعصاب الحس فيه حكمة بالغة
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/07.jpg
هذا المرفق لولاه كيف تأكل ؟ لابد أن ينبطح الإنسان كالهرة ليأكل، لكن له مرفق، وهذا المرفق يوصل الطعام إلى فمك، وإلا ليس هناك طريق ثان.
الله رفيق في بنية أجسامنا، في وظائف أعضائنا، في ما حولنا، البطيخ ينمو على الأرض، لو كان ينمو على الأشجار قد تقتل حبة البطيخ إنساناً، القطعة الكبيرة على الأرض، والقطع اللطيفة على الأشجار.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/08.jpg
إخواننا الكرام، هذا الاسم واسع جداً، تأكل تفاحة، أولًا طعمها طيب، ورائحتها طيبة، وحجمها معتدل، وقوامها يتناسب مع الأسنان، وفيها فوائد، لو كان الطعام طيبا، وما فيه فوائد، أو فيه فوائد والطعم كريه، أو فيه فوائد والطعم طيب، لكن بنيتها قاسية كالصخر، هذه الفاكهة من لطف الله بنا، هذا الاسم واسع جداً، http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/09.jpg

((... فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ))
تخلق بكمال الله، والمؤمن حليم لطيف، يألف ويؤلف، يقدم النصيحة بلطف شديد.
لذلك هداهم الله إلى مصالحهم، ونعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة، يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم الصالحة، ويقربهم، وينصرهم على عدوهم، يعاملهم برحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التوبة والغفران، رفيق في خفاء، يحاسب المؤمنين بفضله ورحمته، ويحاسب المخالفين بعدله وحكمته، ترغيبا منه في توحيده، و حلما منه عليهم في تقصيرهم.
الله عز وجل رفيق، هذا حديث رائع جداً:
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم عن عائشة ]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/10.jpg
أوضح مثلٍ: وأنت في البيت، وأنت تربي أولادك، حدثونا في الجامعة في علم النفس أن الأم التي ترضع ابنها بقسوة ينشأ قاسياً، فقد تكون متعبة منه، وهذا الوضع يجعل عند الطفل عقدة، والبيت الذي يربى فيه الطفل بالعطف والحنان والمودة والإكرام تجد هذا الطفل متعاطفا، والآن هناك علم اسمه علم نفس الجنين، فقد ثبت أن الجنين يدرك أنه مرغوب فيه أو غير مرغوب فيه، فإذا كان مرغوبا فيه حملته أمه حملا خفيفاً، وإن لم يكن مرغوباً فيه كان حمله متعباً جداً، فصار في علم نفس الجنين الأم التي تقرأ القرآن لها وضع خاص، والتي تشرب الدخان وضع خاص.
لذلك أيها الإخوة، الإنسان محاسب عن كل شيء، لذلك ينبغي أن يتخلق بكمال الله عز وجل.
أيها الإخوة، من معاني أن الله سبحانه وتعالى لطيف أو رفيق، قال تعالى:
﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾
( سورة المجادلة: الآية 7 )
الله رفيق معنا، فثلاثة رحال جالسون الله موجود معهم، الأربعة الله عز وجل خامسهم، والخمسة هو سادسهم، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة المجادلة: الآية 4 )
معكم بعلمه، لكنه رفيق، لكن أجمل شيء أن الله مع المؤمنين لا بعلمه فحسب، ولكن بتوفيقه، بل بإكرامه، بل بحفظه، بل بتأييده، بل بنصره معهم، قال تعالى:
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) ﴾
( سورة الأنفال )
وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ والدعاء الذي ذكرته قبل قليل:

(( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
والنبي عليه الصلاة والسلام خُيِّر بين زهرة الحياة الدنيا، وبين أن يكون مع الرفيق الأعلى، قال: بل الرفيق الأعلى.
وعلامة المؤمن أن أسعد لحظات حياته حينما يأتيه ملك الموت، قال تعالى:
﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس )
فلذلك أيها الإخوة، لا يكفي الإنسان أن يؤدي الصلوات أداءً شكلياً، الدين كمال، الدين لطف، الدين إذا دخل أب إلى البيت كان عند أهل البيت عيدا، لكن هناك أب إذا خرج من البيت كان الوضع عندهم عيداً، الفرق كبير بين أن يكون العيد إذا دخلت أو إذا خرجت، لأن المؤمن ينبغي أن يكون رفيقاً.

(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]




والحمد لله رب العالمين

السعيد
01-31-2018, 03:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(6)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




اسم الله ( الرزّاق ):





1 – ورودُ اسم ( الرزّاق ) في القرآن والسنة:

أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، إنه اسم ( الرزاق )، فالله سبحانه وتعالى سمّى نفسه (الرزاق) في الكتاب وفي السنة، ففي الكتاب في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾
( سورة الذاريات)
وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ))
[ الترمذي ]
هذا الاسم الكريم ورد مطلقاً ومعرفا بـ ( ال )مراداً به العلمية، دالا على كمال الوصفية.



2 – معنى صيغة المبالغة في ( الرزّاق ):
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/07.jpg
وصيغة هذا الاسم صيغة مبالغة، وإذا جاءت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني شيئين: تعني كَمًّا، وتعني نوعاً، الله عز وجل يرزق من يشاء بغير حساب، ويرزق النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، يرزق كل المخلوقات، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾
( سورة هود)
كلمة ( الدابة ) جاءت نكرة تنكير شمول، لتشمل هذه الكلمة كل شيء يدب على وجه الأرض، و( مِن ) تفيد استغراق أفراد النوع.
لو دخلت إلى صف وقلت: هؤلاء الطلاب لهم عندي جائزة، أي الذين أمامك، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي جائزة، شمل الغائبين، إذًا ( من ) تفيد استغراق أفراد النوع، فإذا جاءت ( على ) قبل لفظ الجلالة دلت على الإلزام الذاتي، أن الله سبحانه وتعالى ألزم ذاته العلية برزق العباد.





قوانين الرزق متحركة غير ثابتة:





أيها الإخوة، الآيات كثيرة جداً، والموضوع واسع جداً، ولكن لحكمة بالغة ثبتَ الله ملايين القوانين كي تستقر حياتنا، وكي تنتظم، ولكنه لحكمة بالغة حرك قوانين الصحة والرزق، وكأن الصحة والرزق أداتان لتربيتنا، لذلك:
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/02.jpg
ويقاس على ذلك، لو أن المسلمين أقاموا القرآن الكريم لأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، وقد يُحرَم المرء بعض الرزق بالمعصية، إذًا حرك الله قوانين الرزق، وربطها بالإيمان والاستقامة، وإقامة أمر الله، قال تعالى:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾
( سورة نوح )
أيها الإخوة الكرام، ثبات آلاف القوانين من أجل استقرار الحياة، ثبات قوانين المعادن، فقد يبنى بناء شامخ، الحديد خصائصه ثابتة، لو تغيرت خصائص الحديد لانهار البناء.
ثبات خصائص البذور، ثبات ملايين القوانين، لكن الرزق ليس ثابتا، والصحة ليست ثابتة، وكأن الصحة والرزق أداتان من أدوات تربية الله لنا، فلذلك ربط الرزق أحيانا بالتقوى والاستقامة، والطاعة والاستغفار، وهناك بحث قيم جداً حول زيادة الرزق وفق الكتاب والسنة.





كلمة ( الرزق ) واسعة غير محصورة في المال:





لكن النقطة الدقيقة أن كلمة رزق أوسع بكثير من أن تكون مالاً أو طعاماً وشراباً، والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾
( سورة الواقعة )
فالإنسان إذا عرف الله فهذا رزق من الله، فإذا ألقى الله في قلب الإنسان الأمن فهذا من رزق الله، الأمن رزق، إذا ألقى الله في قلبك الرضا هذا رزق، إذا ألقى الله في قلبك السكينة فهذا رزق، إذا ألقى الله في قلبك الرحمة فهذا رزق، لذلك الأرزاق أوسع بكثير من أن تكون مالاً أو صحة أو طعاماً وشراباً.
الرزق هو الشيء الذي تنعم به، فنعمة الأمن من أعظم الأرزاق، والرضى من أعظم الأرزاق، والصحة من أعظم الأرزاق، لذلك العلماء أشاروا إلى ما يسمى الرزق السلبي، حينما تعافى من جميع الأمراض فهذا رزق سلبي، يمكن أن يدفع الإنسان الملايين لمعالجة جسمه من مرض عضال، حينما ينجو الإنسان من ظلم ظالم قد يبدد المال كله، هناك رزق سلبي، وهو من خصائص المؤمنين، فإذا نجاك الله من أمراض عضالة، من ظلم الظالمين فهذا رزق.
فلذلك الرزق أوسع بكثير من أن يكون طعاماً وشراباً، أو من أن يكون مالاً، لذلك إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، و لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، السكينة رزق، كما أن المال رزق، والجمال رزق، والصحة، والقوة والسكينة رزق، والرضى رزق، والحكمة رزق، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
وأرزاق الله عز وجل لا تعد ولا تحصى، ولكن معظمها يستحقها المؤمن بإيمانه وتوحيده واستقامته، وإذا ذهبت لتعدد النعم التي أسبغها الله على المؤمنين فإنها نعم عظيمة لا تعد ولا تحصى.
أيها الإخوة، من أشقى الناس مَن كان رزقه من الله أن يكذب بآياته، قال تعالى:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾
( سورة الواقعة )
بعثة النبي أعظم منحة إلهية لنا، القرآن الكريم منهج عظيم سخره الله لنا، لذلك أيها الإخوة، يجب أن نفهم مبدئياً أن الرب رب، وأن العبد عبد، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما أراد أن يؤكد بشرية الأنبياء ماذا قال ؟ قال تعالى:

﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾
( سور الفرقان )
أي هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى أن يمشوا في الأسواق، هذا شأن العبد، مفتقر إلى الطعام والشراب، ومفتقر إلى ثمن الطعام والشراب، إذًا هو يعمل، فالذي يعمل ليكسب مالاً ليشتري طعاماً ليس إلهًا.
﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾
( سور الفرقان )




من معاني الرزّاق خلقُ الأرزاق بحكمة من حيث النوع والكم والوقت والتتابع:





http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/03.jpg
أيها الإخوة الكرام، من معاني الرزاق أنه خلق الأرزاق، كم من الدواب يذبح كل يوم على مستوى الأرض ؟ مليارات، هذا رزق العباد، كم من أطنان القمح ينتج كل عام ؟ بلدنا الطيب المتواضع ينتج أحيانا من محافظات شمال شرق ستة ملايين طن، وحاجة بلدنا كله إلى مليون طن فقط، إذًا الله عز وجل رزاق، مَن خلق هذا القمح ليكون غذاء كاملا ؟ الله جل جلاله، مَن جعل سوق القمح غذاء نموذجيا كاملا للدواب ؟ الله جل جلاله، التبن الذي هو سوق القمح هذا غذاء إستراتيجي للأنعام، من صمم القمح ليكون غذاء كاملاً ؟ عدد أنواع القمح بعشرات الألوف، هذا القمح ينبت في الصيف والشتاء، وفي قمم الجبال وفي الوديان والصحاري والسواحل، وفي المنطقة الحارة والباردة، أنواع منوعة رزقا للعباد، الله عز وجل جعل هذا الغذاء كاملا، من أعطى هذه الدابة القدرة على إنتاج الحليب ؟
مما يلفت النظر أن الغدة الثديية في البقرة شيء محير، إنها كالقبة تماماً، فوق هذه القبة شبكة أوعية دموية كثيفة جداً، وأن الخلية الثديية تختار من الدم حاجتها لتكوين الحليب، قال تعالى:
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) ﴾
( سور النحل )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/04.jpg
الفرث قد يكون سائلاً، وقد يكون غازياً، كثاني أكسيد الفحم، وقد يكون صلباً كالروث.
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) ﴾
( سور النحل )
هذا الحليب الذي وهبنا الله إياه عن طريق الأنعام غذاء كامل، ما شرب النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الحليب شيئاً إلا قال: اللهم زدنا منه، مشتقات الألبان غذاء أساسي للإنسان، من صممه ؟ من خلقه ؟ الله جل جلاله.
هذه الفواكه التي ترونها من صمم أنها تنضج خلال صيف بأكمله، لماذا القمح ينضج في يوم واحد ؟ والفواكه تنضج على مدى الصيف ؟
حدثني أخ كريم ضمن حقل من البطيخ قال لي: جنيت منه قدرَ تسعين سيارة، كل يوم سيارة مملوءة على مدى ثلاثة أشهر.
من جعل الفاكهة تنضج تِباعاً ؟ من برمج أن هذه فواكه تبدأ بالكرز، ثم المشمش، ثم التفاح، ثم الأجاص... من وزع نضج هذه الفواكه، وجعل آخرها العنب على مدى الصيف، تصميم من ؟ رزق من ؟
لذلك معنى الرزاق أنه خلق الأرزاق، لكن الذي يلفت النظر تناسب هذه الأرزاق مع بنية الإنسان، القمح غذاء كامل للإنسان.





حليب البقرة:


http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/05.jpg
فهذه الغدة الثديية خلية تختار هي مِن شبكة الدم الذي فوقها ما يناسبها لصنع الحليب، أما كيف تختار، وكيف تصنع الحليب، هذا حتى الآن شيء غير معلوم، لكن هذه الغدة الثديية التي على شكل قبة تأخذ حاجتها من الدم، وترشح نقطَ من الحليب، هذه النقاط تجتمع في ثدي البقرة، ثدي البقرة يجمع أربعين كيلوا من الحليب، ولئلا يتمزق هذا الثدي هناك جداران داعمان متعاكسان في ثدي البقرة، ولكل جزء من هذا الثدي حلمة، لو أن أربعة إخوة لهم بقرة، كل أخ يأخذ من حلمة نصيباً متساوياً مع بقية إخوته، قال تعالى:
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾
( سور النحل )
هذا معنى اسم ( الرزاق )، من صمم هذه البقرة ؟ إنها معمل صامت رائع، تأكل الحشيش فتعطيك الحليب، من صمم الدجاجة تأكل كل شيء فتعطيك البيضة ؟ من صمم هذه الفواكه والثمار؟ هذه الخضراوات ؟ من صمم المحاصيل القمح والشعير والعدس والحمص ؟ من جعل هذه المواد متوافقة أتم التوافق مع بنية الإنسان ؟ لو أن التفاحة مثلاً بقوام لا يقطع بأسنانك ماذا تفعل ؟ لو أن طعم التفاحة لا يحتمل لا تأكلها، لو أن شكلها لا يعجبك لا تأكلها، الشكل مناسب، والطعم مناسب، والقوام مناسب، وفيها معادن، وفيها حديد، وفيها مغنيزيوم، ومواد سكرية، وحجم معتدل، ولها قشرة تحميها من العطب، هذا تصميم من ؟ لذلك أيها الإخوة، قال تعالى:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾
( سور عبس )
هذا أمر إلهي في القرآن الكريم، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، قال تعالى:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) ﴾
( سور عبس )
إذاً: التفكر في الرزق من موجبات القرآن الكريم، لأن القاعدة الأصولية: كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت تأكل الطعام صباحاً وظهراً ومساءً تفكر، الزبدة من مشتقات الألبان، واللبن المصفى من مشتقات الألبان، والجبنة من مشتقات الألبان، والقشطة من مشتقات الألبان، والسمن من مشتقات الألبان، ما هذه الألبان التي أكرمنا الله بها ؟





الأرزاق متناسبة مع بنية الجسم:





لذلك أيها الإخوة، مما يلفت الأنظار أن هذه الأرزاق متناسبة تناسباً رائعاً مع بنية الجسم.
أحياناً تشتري قطعة لمركبتك، حينما تأتي في مكانها الصحيح، على مستوى الميليمتر معنى ذلك أن المعمل واحد، المعمل الذي صنع السيارة هو الذي صنع هذه القطعة، وتناسب الأرزاق بدءاً من العدس والشعير، والقمح والحمص إلى الخضراوات إلى فواكه، إلى الألبان إلى العسل، تناسب هذه الأرزاق مع بنية الجسم هذا من صنع الحكيم، وهذا يؤكد اسم ( الحكيم ) أيضا.




كيف يكسب الناس الأرزاق ؟





شيء آخر، كيف تكسب هذا الرزق ؟ جعل لك معايش، هذا معنى دقيق جداً، فكم من إنسان في الأرض يعيش على طول الشعر ؟ ملايين، كم من إنسان يعيش على الحر المكيفات والبرادات والثلج ؟ كم من إنسان يعيش على الحر ؟ كم من إنسان على الأرض يعيش على البرد ؟ كم من إنسان في الأرض يعيش على جهل الصغار بالتعليم والجامعات، كم من إنسان يعيش على المرض ؟ كم من طبيب في الأرض ؟ معنى معايش أي: أسباب لكسب الرزق، وجعلها متناسبة مع الإنسان، ثم أعطاك وسائل كسب الرزق.
إنّ الإنسان يتمتع بخبرة عالية، هذه الخبرة مودعة في ذاكرته، والإنسان يتبدل تبدلا كاملا كل خمس سنوات، إلا دماغه وقلبه، إذا تبدل الدماغ خسر كل خبرته، فيقول: أنا كنت طبيبا، لكن ثبات خلايا الدماغ مِن نعمِ الله الكبرى.


الخبرات:

وأحد أسباب كسب الرزق خبراتك، والخبرات التي تملكها إما خبرات في الطب، أو الهندسة، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو الفلك، أو في صنعة، أو في حرفة، أو في مهارة، أو في شيء آخر، فكلّ إنسان يعيش بالخبرة التي يملكها من حرفة يحترفها، من مهنة يمتهنها، فهي خبرات متراكمة.
إذاً: الله عز وجل فضلاً على أنه خلق لك الأرزاق، وجعلها متوافقة توافقا تاماً مع خلق الإنسان، أعطاك وسائل لكسب الرزق، كل واحد منا له عمل، والعمل بفضل مهارات يملكها وخبرات، هذا بالتجارة، هذا بالصناعة، هذا بالزراعة، هذا بالطب، هذا بالهندسة، هذا بالتدريس، هذا بالفيزياء، بالكيمياء، بالحقوق لحل مشكلات الناس، كل إنسان يعيش من حرفة، من مجموعة خبرات متراكمة يستخدمها لكسب المال، إذاً: الله عز وجل جعل لك معايش، والآية دقيقة:
﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ (10) ﴾
( سور الأعراف )
يعني وسائل فعالة لكسب الرزق.





بين فقرِ القدَر وفقرِ الكسل فقرِ الإنفاق:



أيها الإخوة الكرام، لكنك إذا رأيت إنساناً فقيراً فأنا لي رأي في هذا الموضوع، هناك فقر القدر، إنسان معه عاهة معذور عند الله، هذا قضاء الله وقدره، وله حكمة بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، لكن هناك الفقر المذموم، وهو فقر الكسل، هذا صاحبُه يرجئ، ولا يتقن عمله، بل يقصر ويغش أحياناً، هذا الإنسان إذا كان فقيراً ففقره من خطأ يرتكبه، إنه الكسل، أنا أسميه فقر الكسل، وهناك فقر الإنفاق، فقر سيدنا الصديق حينما أنفق ماله كله، فقال: يا أبا بكر، ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: أبقيت الله ورسوله، هناك فقر القدر، وفقر الكسل، وفقر الإنفاق.




أسباب الرزق:





لكن الرزق أيها الإخوة له سببان أساسيان، أن تأخذ في أسباب الرزق، ثم تتوكل على الله.


السبب الأول: الأخذ بالأسباب:

عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
[ أبو داود وأحمد ]
أن أسعى، أن أخرج من البيت، أن أقرأ الصحف التي فيها إعلانات لأعمال، أن أتحرك.


السبب الثاني: التوكُّل على الله:

ثم أتوكل، لذلك لما سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج فقال: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>.
يدرس، يجمع الخبرات، يطرق أبواب الوزارات، أحياناً يفتح الصحف التي فيها إعلانات عمل، هذا هو السعي، وبعدئذ يتوكل على الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، لكن آية مهمة جداً تحتاج إلى شرح طويل، هي قوله تعالى:





وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ





﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/06.jpg
أنا متى أقول: أين المخرج ؟ حينما تكون الأبواب كلها مغلقة أبحث عن المخرج، أحيانا كلما طرقت باباً رأيته مسدودا، فباب الوظيفة مسدود، وباب التجارة مسدود، وباب الصناعة مسدود مثلاً، فالرزق أحياناً يجعلك في حيرة من أمرك، الأبواب كلها مغلقة، اتق الله، طبق منهج الله، وانتظر أن يفتح الله لك أبواب رزقه، هذه آية، ولزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، والآية وعد:
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
( سورة الطلاق )
هذا الكلام موجه للشباب، الشاب بحاجة إلى عمل، بحاجة إلى مسكن، بحاجة إلى زوجة، وقد يتوهم أحياناً أن الطرق كلها مسدودة.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
هذا كلام خالق الأكوان، هذا كلام من هو طليق الإرادة، هذه الآية وما فيها من وعد لا علاقة لها بالظروف كلها، ظروف صعبة، بطالة، فرص عمل قليلة، هذا كله كلام غير مقبول.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
ولهذه الآية وقفة متأنية إن شاء الله في لقاء قادم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-01-2018, 07:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(7)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





مع اسم من أسماء الله الحسنى: ( الشاكر ):


1 – ورودُ اسم ( الشاكر ) في القرآن:



أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو: ( الشاكر )، فقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين، الموضع الأول قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) ﴾

( سورة البقرة)
والموضع الثاني:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾

( سورة النساء )

ولم يرد هذا الاسم في السنة المطهرة.



2 – اسم ( الشاكر ) علَمٌ متضمِّن لصفات الكمال:


وهذا الاسم يفيد المدح والثناء، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية.





حقائق بين يدَي اسم ( الشاكر ):


الحقيقة الأولى: الإحسان إلى المخلوق جزاءه دنيوي وأخروي:


أيها الإخوة، الحقيقة الأولى في هذا الموضوع:
ما من إحسان يقدم إلى مخلوق كائناً من كان أو كائناً ما كان، ما من إحسان يقدم إلى مخلوق عاقل أو غير عاقل إلا سيكافئ الله من أحسن هذا الإحسان في الدنيا أو في الآخرة، وما أحسن عبدٌ من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تقدِّم عملاً طيباً لأيّ جهة في الأرض، لأيّ كائن في الأرض، ثم لا تجد من الله مكافأة ؛ إن في الدنيا أو في الآخرة.
أيها الإخوة الكرام، هذه الحقيقة الأولى، لأنك إذا تلقيت معروفاً من إنسان، ولأنك مؤمن، ولأنك على شيء من الكمال لا تملك إلا أن تشكره، لا تملك إلا تبتسم له، لا تملك إلا أن تمتن له، لا تملك إلا أن تثني عليه، فكيف بصاحب الكمال المطلق ؟ فكيف بخالق السماوات والأرض ؟ فكيف بالذي هو صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى.
أيها الإخوة الكرام، هذه أول حقيقة، إذا أحسنت إلى مخلوق ما، كائناً بشرياً أو حيوانا أو نباتًا فهذا الإحسان محفوظ عند الله، تكافَأ عليه في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، ولا يضيع عند الله شيء.
هذه الحقيقة الأولى لهذا الاسم العظيم.



الحقيقة الثانية: كيف يشكرك الله عزوجل ؟


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/01.jpg
الحقيقة الثانية، أنت حينما يقدم إليك معروف تشكر بلسانك تقول له: شكراً، جزاك الله خيراً، والإله العظيم إذا قدمت إلى أحد عباده معروفاً، تعرفه أو لا تعرفه، عرف أو لم يعرف فإنه يشكرك.
سيدنا عمر مرة جاءه رسول من معركة نهاوند، وحدثه عن المعركة، ثم قال هذا الرسول: يا أمير المؤمنين، مات خلْقٌ كثير، قال: مَن هم ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر، وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
لا يمكن أن يضيع عند الله شيء، مهما تصورت العمل قليلا أو صغيرا، ومهما كانت قيمته تافهة فهو عند الله محفوظ، وإذا أسدي إليك معروف تشكر بلسانك، أو تمتن بقلبك، أو تقدم له مكافأة، أو هدية أو عمل أو تقدم له خدمة.
هذا الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، كيف يشكرك ؟ جاءت الآية لتبين بالتعبير المعاصر آلية الشكر، قال تعالى:

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) ﴾

( سورة إبراهيم )






معنى الزيادة في قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ


المعنى الأول:


الزيادة إما من نوع الذي قدمته، قدمت مالاً، فالله عز وجل شكره لك أن يزيد لك مالك، قدمت له وقتاً، شكر الله لك أن يبارك في وقتك، قدمت له من جهدك، شكر الله لك أن يسخّر من يقدم لك جهداً، ومستحيل أن تفعل معروفاً دون أن ترى الجزاء.
أيها الإخوة الكرام، لو أخذنا المال، إن قدمت مالاً فالله يشكرك بأن يزيد في مالك، والآية التي تصدق على كل حالات الشكر:

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) ﴾

( سورة إبراهيم )
لذلك قال تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾

( سورة البقرة)
عبدي:
(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ الطبراني في المعجم الكبير والأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ]



الله يعلم المحسن ويخلف عليه مالَه:



لكن لاحظ الإنسان لما يذهب إلى مريض ؛ دون أن يشعر هو حريص حرصاً بالغاً أن يضع بطاقة في داخل الهدية ليتأكد أنهم إذا فتحوا هذه الهدية، ويرون مَن الذي أرسل هذه الهدية، فأنت حريص على أن يعلم مَن قدمت له الهدية أنها منك، فلا تكتفي أن تعطيها لابنه، ولا تكتفي أن تضع البطاقة على ظاهر الهدية فقط فتسقط، بل تضعها في داخل الهدية كي تتأكد أن الذي قُدِمَت له هذه الهدية عرف من أين جاءته، والله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾

( سورة البقرة)
طمأنك الله عز وجل أنّ أيّ عمل صالح تقدمه لمخلوق كائناً مَن كان هو في علم الله، ومع الله لا تحتاج إلى بطاقة ؛ أن هذا العمل من فلان.
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾

( سورة البقرة)
هذه الحالة الأولى، أنت بحاجة إلى أن تتأكد أن هذا العمل الذي قمت به بعلم الله، والإنسان كما قال الله عز وجل يحب المال:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (14) ﴾

( سورة آل عمران)
في أصل كيانك فُطرتَ على حب المال، والبشر جميعاً من دون استثناء يحبون المال، لكن بعضهم يصرّح، وبعضهم لا يصرّح، لكن الذي لا يصرّح هو يحب المال كالذي يصرّح، هذه جِبِلّة فينا، ولأننا نحب المال كان إنفاق المال عملاً ثميناً، لأنك تنفق شيئاً تحبه.
كما تعلمون الإنسان جُبِلَ على طبع، ومعه تكليف، طبعه أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، طبعه أن يبقى نائماً، والتكليف أن يستيقظ، طبعه أن يملأ عينيه من محاسن النساء، والتكليف أن يغض البصر، طبعه أن يخوض في فضائح الناس، والتكليف أن يسكت، فلذلك الله عز وجل يقول لك:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾

( سورة سبأ)
هؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ألا تكفيهم هاتان الآيتان، الله يعلم وهو يخلف، وما نقص مال من صدقة:

(( يا عبدي، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ الترغيب والترهيب بسند صحيح ]

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ الطبراني في الكبير والبزار عن أبي هريرة بسند صحيح ]

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[ أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس ]

(( الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ))

[ الطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف ]

(( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها ))

[ الجامع الصغير عن علي بإسناد ضعيف ]
والقصص التي تروى في هذا الموضوع واللهِ لا تعد ولا تحصى، حتى إن المؤمن ليخجل من الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/02.jpg
سيدنا عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة، كان ذا مال وفير، مرة بلغه أنه سوف يدخل الجنة حبواً، قال: << والله لأدخلنها رملاً، وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ؟ >>.

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
أنا أتمنى عليكم أن تسألوا محسنا عما حصل له بعد إنفاق المال، يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، الإنسان يحرسه الله بالعلم، لكن المال إذا أنفقته في الحسابات في الآلة الحاسبة يقلّ، لكن برحمة الله يزيد، فلذلك نحن قد نغفل في حياتنا حسابات البركة، فإذا أنفق الإنسان ماله بارك الله له في ماله، والحد المعقول أنه يرزقه رزقاً سلبياً، ما هو الرزق السلبي ؟
الحد الأدنى أن يحفظه من أمراض وبيلة، من ظلم ظالم، من مصادرات، من مخالفات، من بطش الأقوياء، من تدمير، من حريق، من خراب، هذا رزق سلبي، وأحيانا الله عز وجل يبارك له في ماله، فبمال معقول يحقق أهدافا كبيرة جداً، هذا من مكافأة الله للمحسن، يحفظه، ويبارك له في ماله.
أيها الإخوة الكرام، هذان باعثان لإنفاق المال، أن الله يعلم، وأن الله يخلف على المنفق ماله، أي: يضاعف له هذا المال أضعافاً كثيرة، ويمكن أن تتعامل مع الله بآيات القرآن الكريم، ويمكن أن تتعامل معه بطريقة عملية، فإذا اقتربت منه بنفقة كافأك مكافأة كبيرة.
والله مرة حدثني أخ توفي أحد أقربائه، فزار أولاده، وقال لهم: دَيْن أبيكم عليّ، لكنه لا يعلم كم الدين، وهذا خطأ منه، توقعه بعشرات الألوف، فإذا هو بمئات الألوف أقسم لي بالله أن دفع مبلغا قريبا من أربعمئة ألف ليرة، بالتمام والكمال، وحدثني عن قصته في صحن المسجد، وبكى، قال: والله بعد أيام جاءني مبلغ من صفقة لبضاعة كاسدة نصيبي من هذه الصفقة المبلغ الذي دفعته.
أحيانا تتعامل مع الله بالتعامل اليومي:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾

( سورة البقرة)

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾

( سورة سبأ)
هذه الحقيقة الأولى، شكر الله لك، الله شاكر، إذا أنفقت من مالك يزيد لك مالك، وما نقص مال من صدقة.

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

(( يا عبدي، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))




المعنى الثاني:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/03.jpg
المعنى الثاني أيها الإخوة، أيّ عمل صالح اتجاه أيّ مخلوق، كائناً من كان هو قرض لله حسن، وهناك آية قرآنية الذي يقرأها من المؤمنين يقشعر جلده:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾

( سورة البقرة)

الله عز وجل عدّ أيّ عمل صالح، ولو اتجاه حيوان، ولو اتجاه نبات، سقيت نباتا، هذا العمل يضاعف لك جزاءه أضعافاً كثيرة، فأنت معرّض كل يوم أن تقرض الله قرضاً حسناً، هذا معنى دقيق جداً، الإله العظيم يقول لك: يا عبدي، أقرضني، اعتنِ بهذا المخلوق، أطعم هذا الجائع، اكسُ هذا العاري، عالج هذا المريض، هناك أصحاب حرف مؤمنون يقدمون جزءا من خبراتهم لوجه الله.




أبوابُ العمل الصالح لا تعدّ ولا تُحصى:



حدثني طبيب أسنان جاءته مريضة تحتاج إلى تقويم لأسنانها، وهي معلمة، ودخْلها محدود جداً، والمبلغ فوق طاقتها، فبعد أن اعتذرت عن متابعة المعالجة للرقم الكبير ناداها، قال: هل تقبلين هذا التقويم هدية مني ؟ يقسم لي بالله العظيم أنه أمضى ستة أشهر وكأنه في الجنة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/04.jpg
أحيانا هناك مكافأة من نوع ثانٍ، الله يكافئك بسعادة، بطمأنينة غير المكافأة المادية، أنت مفطور على حب وجودك، وعلى حب سلامة وجودك، وعلى حب كمال وجودك، وعلى حب استمرار وجودك.
دققوا أيها الإخوة الكرام، سلامة وجودك بطاعة الله، والطاعة الاستقامة، والاستقامة سلبية، والاستقامة تسبقها ( ماءات ) جمع ما النافية، ما أكلت مالاً حرامًا، ما كذبت، ما غششت، كلها ( ماءات )، الاستقامة تحقق لك السلامة، أما كمال الوجود فلا تكفيه الاستقامة، يحتاج إلى بذل، بذل من وقتك من مالك، من خبرتك، كمال الوجود يحتاج إلى بذل، إلى عطاء من وقتك، من مالك، من خبرتك، لذلك:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾

( سورة الكهف )
أضرب مثلا لعلّي أذكره كثيراً: مجنَّد غرّ التحق بقطعة عسكرية، القطعة جزء من لواء كبير، أو من فرقة كبيرة على رأسها لواء أركان حرب، هذا الجندي الغر لا يستطيع الدخول على هذا اللواء الكبير بحكم التسلسل العسكري، هناك سبعة أمامه، وسبعتان، عريف أول، و ثمانية، وثمانيان، ونجمة ونجمتان، وتاج ونجمتان، لكن هذا المجند الغر الذي التحق منذ التطوع بإمكانه أن يدخل على اللواء من دون إذنٍ إذا وجد ابنه يسبح، وكان يغرق فألقى بنفسه في الماء وأنقذه، فهْمكم كفاية.
إذا خدمت إنسانا، أطعمت جائعا، كسوت عاريا، لبَّيت حاجة إنسان، أنت موظف، جاءك مراجع من محل بعيد، ونفقة الإقامة غالية جداً، وجمدت أعمالك كلها وخدمته، مستحيل أن يضيع هذا عند الله، فلذلك صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
أيّ عمل تقدمه لأيّ مخلوق يعدّ قرضاً حسناً لله عز وجل:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾

( سورة البقرة)
أنت معرّض كل يوم إلى تلبية حاجات الناس، سائل سألك، مريض استعان بك، إنسان ضال في الطريق قال لك: أين بيت فلان ؟ وهو غريب، فأَعَنته على الوصول إلى البيت، والقصص والله لا تعد ولا تحصى.
إنّ الذين تعاملوا مع الله ذاقوا من الله المكافأة، المكافأة النفسية، والمكافأة المادية بالعطاء، لذلك حينما يكون الإنسان محسناً، وتأتيه الخيرات من كل جانب هذا بسبب إحسانه، وأنت مهمتك في الحياة أن تعبد الله، ثم أن تشكره، لأنك إن عبدته فسوف تأتي الخيرات من كل جانب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/05.jpg

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾

( سورة الزمر )

تنتهي مهمتك أن تعبده العبادة الصحيحة، الصادقة، والعبادة الصحيحة الصادقة جزء منها العمل الصالح، والكلام الدقيق: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
اسأل نفسك: ماذا قدمت للأمة ؟ إذا قدمت لها صناعة متقنة، صار عملك عبادة، لذلك قالوا: العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك، وخدمة الناس عامة، والمسلمين خاصة، هذا العمل الحرفي المهني لم يشغلك عن طاعة، ولا عن أداة صلاة، ولا عن طلب علم، انقلب على عبادة، لذلك المؤمن عاداته عبادات، والمنافق عباداته سيئات، عباداته الخالصة، صلاته يرائي بها، المؤمن عاداته وأحواله المعيشية، جاء بطعام لبيته، أخذ أهله إلى نزهة، تسجل عند الله عبادة، لأن هدفه إرضاء الله عن طريق خدمة عباده ؟






خاتمة:


فلذلك أيها الإخوة الكرام، أي عمل صالح يقدم لأي مخلوق كائناً من كان هو عند الله قرض حسن لله.
إذا قال ملِكٌ، أغنى ملوك الأرض لمواطن فقير: أقرضني مئة ليرة، ماذا تفهم منها ؟ أراد أن يعطيه بيتاً، بيتا كاملا، أراد أن يكون لهذا العطاء سبب، أقرضني مئة ليرة، هل هذا القرض حقيقي ؟ أم أراد من هذا القرض أن يمتحن محبته، وأن يكافئه على هذا القرض بمنزل فخم جداً هدية. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/06.jpg

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾

( سورة البقرة)
أحياناً يكون العمل صغيرا أمامك، تبسمتم في وجه موظف عندك، فقط ابتسامة، سألته عن أحواله: كيف حالك يا بني ؟
هناك موظف عبوس قمطرير، يدخل إلى مكتبه له هيبة وكهنوت، وهناك مدير عام متواضع، فإذا ابتسمت في وجه من يعمل معك، إذا ابتسمت في وجه خادم عندك، سألته عن صحته، تبسمك في وجه أخيك صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، مهما توهمت العمل صغيراً فهو عند الله كبير.
جاء أعرابي النبيَّ عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقرة من سورة:
[ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ]، قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، أي صار فقيها ما قال: فَقِهَ، فَقِهَ عرف الحكم، قال فَقُه، يعني أصبح فقيهاً.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-01-2018, 02:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(8)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




من أسماء الله الحسنى: ( الستِّير ):


1 – ( الستّير ) وليس الستَّار:

أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( الستير )، وقد يدور على ألسنة الناس اسم الستار، واسم الستار لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة أما الذي ورد اسم ( الستير )، فقد ورد هذا الاسم في السنة، ولم يرد في القرآن مقروناً باسم الحَيِيّ، والاسم الحقيقي في هذا الموضوع اسم ( الستير )، وليس الستار.


2 – ورودُ اسم ( الستّير ) في السنة الصحيحة:

هذا الاسم ورد مطلقاً مُنَوّناً، مراد به العلمية، دالاً على كمال الوصف.
في الحديث الشريف الصحيح عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ:
(( إِنّ اللهَ عزّ وَجَلّ حَلِيمٌ حَيّ سِتّيرٌ، يُحِبّ الحَيَاءَ والسّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمُ فَلْيَسْتتِرْ ))
[ النسائي ]
وفي سنن البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه:

(( إن الله ستير يحب الستر ))



3 – لابد أن يكون السترُ من صفات المؤمن:

الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
ولا بد من وقفة عند كلمة: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾، يعني تقربوا إلى الله بالتخلق بالكمالات الإلهية، ويمكن أن تتقرب إلى الرحيم بأن تكون رحيماً، ويمكن أن تتقرب إلى العدل بأن تكون منصفاً، ويمكن أن تتقرب إلى ( الستير ) بأن تكون ستّيراً.





الإنسان بين طبع الفضائح وتكليف الستر:





ولا بد من التنويه إلى أن طبع الإنسان يقتضي الفضيحة، يستمتع في أن يذكر فضائح الناس، وأن يكشف عوراتهم، وأن يتندر بسقوطهم، والله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾
( سورة النور الآية: 19 )
الإنسان معه طبع، ومعه تكليف، الطبع يتناقض مع التكليف، طبعه يقتضي أن يبقى نائماً، مسترخياً، غارقاً في نوم لذيذ، والتكليف يقتضي أن يستيقظ ليصلي الفجر في جماعة.
عَن جُنْدَب بْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))
[ مسلم ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[ متفق عليه]
إذاً: الطبع يقتضي أن أخوض في فضائح الناس، والتكليف يأمرني أن أستر، الستر يحتاج إلى إرادة، إلى قوة إرادة، معك قصة ممتعة جداً تسرّ الحاضرين، يتلهفون إليك، وتشرئب أعناقهم إليك، لكنك مؤمن، والمؤمن ستّير، فيسكت.
فلذلك هذا الذي يمشي مع طبعه، نقول له:

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))
[ أحمد عن ابن عباس ]
قضية سهلة جداً، يسترخي، أيّ شيء يعرفه تكلم به، لكن: عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))
[ رواه مسلم ]
هناك إنسان وصل إلى شيء أذنه فينشره، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا أن إنساناً يحدثك بحديث، ولم يقل لك: هذا الحديث أمانة، إطلاقاً، لكن سمع خطوة نعال وراءه فالتفت قلقاً، فالتفاتته القلقة تعني أن هذا الحديث بالأمانة، ما قال لك شيئاً، لكن رأيته قد أصابه قلق حينما سمع وقع خطوات وراءه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ ))
[ أبو داود والترمذي ]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ... ))
[ أبو داود وأحمد ]
الطبع في الإنسان يقتضي أن تنشر فضائح الناس، لذلك أعظم ما عند المؤمنين أنهم مجتمع ستّير، وأحقر ما في مجتمع الكفر أنه مجتمع فضائحي، أساسه الفضائح، والآن الإعلام أساسه الفضائح.





الفضائح إمّا مالية أو جنسية:





بالمناسبة: لو تتبعت فضائح أهل الدنيا من آدم إلى يوم القيامة لا تزيد الفضائح على موضوعين، فضيحة مالية، وفضيحة جنسية، وأنت حينما تحصن نفسك في موضوع المال وفي موضوع الجنس تكون في حصن حصين، وفي حرز حريز.
لذلك أيها الإخوة، الحديث الشريف:
(( إِنّ اللهَ عزّ وَجَلّ حَلِيمٌ حَيّ سِتّيرٌ، يُحِبّ الحَيَاءَ والسّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمُ فَلْيَسْتتِرْ ))
والحديث الآخر:

(( إن الله ستير يحب الستر ))
أختك حدثتك عن مشكلة بينها وبين زوجها، والمجلس بالأمانة، فضحتها، وذكرتَ ذلك لأختها الثانية، والثالثة، والرابعة، ولأخواتها، ولأخيها، فإذا مشكلتها مع زوجها بين كل الناس، هذا ليس من صفات المؤمن.
إن الإنسان يمكن أن يتقرب إلى الله بكمال مشتق من كمال الله، الله ستّير، فالمؤمن يجب أن يكون ستّيراً.





معنى ( الستِّير ):


المعنى الأول:

أولاً: ( الستّير ) في اللغة على وزن فعيل، وهذه الصيغة من صيغ المبالغة، يستر مليون فضيحة، ويستر أكبر فضيحة، صيغ المبالغة تأتي في الكم والنوع، الله غفار صيغة مبالغة، يغفر أكبر ذنب، ويغفر مليار ذنب، كماً ونوعاً، الستّير على وزن فعّيل، وهو من صيغ المبالغة، ومعنى ستر الشيء ؛ أخفاه.


الفرق بين السَّتر ـ بفتح السين ـ والسِّتر ـ بالكسر ـ:


ملاحظة: فرق بين السِتر، والسَتر، السَتر مصدر، ستر يستر ستراً، أما السِتر فهو اسم، هذه القماشة التي توضع على النافذة اسمها سِتر، وهناك فرق بين الاسم والمصدر، المصدر يدل على حدث، تماماً كشق يشق، الآن هذه العملية اسمها شَق، أما هذا الخط اسمه شِق، الله عز وجل يستر عباده.
أولاً: ( الستير ) من شأنه حب الستر والصون والحياء، وأساساً الله عز وجل جعل في الإنسان خصيصة، أن سرك لا يطلع عليه أحد، لا صديق، ولا قريب، ولا زوجة ولا ملِك، لذلك أعجب العجب ممن ستره الله عز وجل وهو يفضح نفسه، هذا يشيع بين الشباب والشابات بعد الزواج، تحدثه عن ماضيها، مَن سألكِ عن هذا ؟ وهو نوع من الحق، فإذا شك في ماضيها وقع النفور، أو يحدثها عن علاقاته السابقة، وحينما يبتعد الإنسان عن الله يسوقه الشيطان دون أن يشعر، مع أن الله عز وجل سترك.
حدثني أخ قال لي: إن إنسانا صالحا ذكر له بعضُ أصدقائه أنه زنى في وقت مضى، قال لي: والله مضى على هذه القصة ثلاثون عاماً، كلما نظرت إليه تذكرت أنه زنى.
الإنسان لا يغفر، فإذا وقع من إنسان زلة واللهُ ستره، فليس له حق في أن يفضح نفسه، وليس عندنا في الإسلام ما يسمى بالبوح، تقف أمام رجل دين، وتبوح له بكل أخطائك، هذا شيء ليس واردا عندنا إطلاقاً، الله ( ستّير )، ما دام أن الله سترك فيجب أن تستر نفسك، ولا داعي أبداً أن تبوح بأخطاء صدرت منك لأيّ إنسان.
إذاً: ( الستير ) هو الذي مِن شأنه حب الستر والصون والحياء.
تروي الكتب قصة رمزية: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام استسقى ربه، فقال الله له: يا موسى، إن فيكم عاصياً، فلا مطر، إن فيكم عاصياً، فقال: من كان يعصي الله فليغادرنا، ما غادره أحد، وبعد حين نزلت الأمطار كأفواه القرب، قال: يا رب، مَن هذا الذي كان يعصيك ؟ قال: عجبتُ لك يا موسى، أستره عاصياً، وأفضحه تائباً ؟!
من تاب الله عليه، وستره ينبغي ألا يفضح نفسه إطلاقاً، حتى لو كان عليك ذمة في الجاهلية، وتبت إلى الله، ولا بد من أن تؤدى هذه الذمة لصاحبها يمكن أن ترسلها له بحوالة بريدية، من دون أن تفضح نفسك، تقول له كنت عندك مرة، واختلست هذا المبلغ منك من الطاولة، حتى لو كان عليك حق فلا بد من أن تؤدي هذا الحق من دون أن تفضح نفسك، لأن الله ( ستّير )، أسبغ عليك ستره، فلا تفضح نفسك.


المعنى الثاني:

( الستير ) يأتي بمعنى آخر، معنى المنع والابتعاد عن الشيء، فقد ورد في الحديث الصحيح أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:
(( جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ))
[ متفق عليه ]
مَن يصدق أنه إذا ربّى بنتاً أو بنتين، فأحسن تربيتهما، ربّاهما على الصلاح والحياء، والورع والتقوى، ثم اختار لهما زوجين صالحين من المؤمنين، ومات فله الجنة ؟!
يكفي أن تربي بنتين، وفي بعض الروايات بنتاً واحدة، يكفي أن تربي بنتاً، أن ترعاها، أن تؤدبها بأدب الإسلام، أن تحجبها، أن تختار لها زوجاً مؤمناً، يكفي هذا العمل لتكون في الجنة.
إذاً: الستر هنا بمعنى البعد، فتربية هذه البنت تربية صالحة تبعدك عن النار.
إخواننا الكرام، من البيت هناك مئات الطرق إلى الله، من البيت، من الطريق هناك مئات الطرق إلى الله، من عملك هناك مئات الطرق إلى الله، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، هل هناك بيت ما فيه بنات ؟ هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، يقول سيدنا سعد ابن أبي وقاص:
<< ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس >>، ومعنى رجل لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل.
﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة النور الآية: 37 )
كلمة رجال في القرآن لا تعني أنهم ذكور، تعني أنهم أبطال.
قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، واحد من عامة المؤمنين، ما هذه الثلاثة ؟! يقول: << ما سرتُ في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>، معنى ذلك أن الجنازة لها قول، القول قد يكون بلسان المقال، أو بلسان الحال.
ورد في بعض الآثار " أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي ".
قال: << ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>.
لذلك إذا مشى الإنسان في جنازة فهذا الذي في النعش انقضى أجله، وخُتم عمله سيحاسب عن كل شيء.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
كل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت.

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طلت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***
لذلك قالوا: أندم الناسِ عالِمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، ما طبق علمه، وأندم الناسِ غني دخل ورثته بماله الجنة، ورثوه حلالاً، وأنفقوه في طاعة الله، فدخلوا بمال أبيهم الجنة، ودخل هو بماله النار، لأنه كسبه بطرق متعددة لا ترضي الله عز وجل.
فلذلك المعنى الدقيق: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>.
الآن يمشي الرجل في الجنازة فيتحدث عن الصفقات، والبيت الفلاني، والمحل الفلاني، والحفلة الفلانية، قال له: هل حضرتها ؟ كانت رائعة ! وهو يمشي في جنازة.
<< ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها >>.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
في الجنازة بطل، والصلاة بطل.
الثالثة، وهي موطن الشاهد: << وما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى >>.
إذا ربيت هذه البنت، وأحسنت أخلاقها، وحجبتها، ودللتها على الله، واخترت لها زوجاً مؤمناً فلك الجنة، هذا عمل يكفي لدخول الجنة.
أيها الإخوة:

(( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ))
( الستير ) هو سبحانه وتعالى، ويحب الستر، ويبغض القبائح، ويأمر بستر العورات، ويبغض الفضائح، ويستر العيوب على عباده، وإن كانوا بها مجاهرين، ويغفر الذنوب مهما عظمت، طالما كان عباده موحِّدون.



قصة مناسبة لموضوع الستر:



ليس من عادتي أن أروي قصصا مبنية على منامات، لكن هناك قصة مؤثرة جداً، أن أحد خطباء دمشق، والقصة من خمسين سنة تقريباً، رأى في المنام رسول الله، وتأثر تأثراً بالغاً بهذه الرؤيا، وقد ورد عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي ))
[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري والترمذي ]
هذا الخطيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال له: قل: لجارك فلان، وجاره بائع متواضع جداً، إلى جانب المسجد، قل لجارك فلان: إنه رفيقي في الجنة، هذا الخطيب تألم ألماً شديداً، البشارة لي أم له ؟ لجاره، وهو إنسان متواضع، من عامة الناس طرق بابه، دخل إلى بيته ورحب به، قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، ولن أعلمك إياها إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ امتنع، فلما ألح عليه، قال له: والله لن أنقلها إلى مسامعك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك، قال له: والله أنا خطبت امرأة وتزوجتها، وفي الشهر الخامس، كانت حاملاً في الشهر التاسع، يعني أن الحمل ليس مني، قال له: زلت قدمها، قال له: بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، بإمكاني أن أسحقها، لكن أردت أن أجعلها تتوب على يدي، جئت لها بولاّدة، وولدت في الليل، وحملت الطفل الصغير الذي ليس منه تحت عباءتي، ودخلت جامع في السنجقدار، دخل المسجد بعد أن نوى الإمام فريضة الفجر، وضع الغلام وراء الباب، والتحق بالمصلين، ولم يره أحد، فلما انتهت الصلاة تحلق الناس حول الغلام، ودهشوا، فجاء هو، وكأنه لم يعلم ما الخبر، قال: ما الخبر ؟! قالوا: تعال انظر، قال: أنا أكفله، أعطوني إياه، فأخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط، وهو تولى تربيته، ورده إلى أمه، وتابت على يديه، الله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾
( سورة النحل الآية: 90 )
العدل أن تطلقها، وأن تسحقها، وأن تركلها بقدمك، لكن الله أمرك بالإحسان، فأنت إذا فعلت هذا فقد أنقذتها من الفضيحة، وأنقذتها من الضياع، وما كل قضية تحل بالعدل، بل تحل آلاف القضايا بالإحسان، ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾، لا تكن فضّاحاً، كن ستّيراً.
الله عز وجل ( ستّير )، يحب كل ستّير، وتخلق بهذا الكمال الإلهي، وتقرب إلى الله بهذا الكمال الإلهي، ولا تكن فضّاحاً.
فلذلك في مجتمع الفضائح ما من قصة يرويها إنسان إلا وهي بعد أيام بين كل الناس.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصف المرأة المؤمنة بأنها ستيرة، وأما التي تخرج من بيتها تشتكي على زوجها فهي فضاحة، لا ينظر الله إلى امرأة تشتكي على زوجها، يحب الله المرأة الستيرة، المرأة الستيرة امرأة مؤمنة.



خاتمة:

أيها الإخوة الكرام، حينما أتخلق بهذا الاسم، وبهذا الكمال أتقرب إلى الله.
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
نحن في علاقاتنا الاجتماعية الغيبة هي أحد أسباب الفضائح، حتى قال الواحد للثاني: لقد اغتبتني، قال له: من أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك، فالقضية تنطلق من غيبة، وتنتشر.
فهذا الذي أتمنى أن يكون واضحا عند إخوتنا الكرام، في أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى أنه ( ستّير )، ويمكن أن تتقرب إلى الله بهذا الكمال، وهو أن تستر.
الكلام له قواعد شرعية في موضوع الفتوى، في موضوع إنكار المنكر، في حالات أخرى، أما الأصل أنه ينبغي أن تستر، والمجالس بالأمانة.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-02-2018, 12:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم





(9)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.






من أسماء الله الحسنى: ( الجميل )


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الجميل ).
قد ورد هذا الاسم في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))






ما هو الكِبْر ؟




بالمناسبة، أيها الإخوة، لو أن عندك كمية قليلة من اللبن، وجاءك ضيوف كُثر، فإنه يمكن أن تضيف لهذا اللبن خمسة أضعافه ماءً من اللبن ويكون شراباً سائغاً، فتحمَّل هذا اللبن خمسة أضعافه ماء، لكنه لا يتحمّل قطرة بترول، فإن أضيفت إليه قطرة واحدة من البترول ألقيتَه وأهرقته، لأن البترول يتناقض في طعمه مع الماء، أما اللبن فلا يتناقض.
كذلك الكبر يتناقض مع العبودية لله،

(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/01.jpg
قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر ))

[ أخرجه البزار وابن والبيهقي عن أنس ]
ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال:

(( العجب العجب ))
رُبّ معصية أورثت صاحبها ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
لذلك الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل.

(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))



الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس:




أما الكبر فشيء آخر، بطر الحق أي ردّ الحق، وغمط الناس ؛ أن تبخسهم مكانتهم، أن ترد الحق، أن ترى نفسك أكبر من الحق، أن تتكبر عن أن تنصاع إلى الحق، أن تتأبى، هذه معصية إبليس.

﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 32 )
فلمجرد أن ترد الحق، وأن ترفضه، وأن تتعنت، وأن يركب الإنسان رأسه، وأن تأخذه العزة بالإثم، إذاً: هذا هو الكبر، ولمجرد أن تحتقر الناس، وأن تستهين بهم، وأن ترى نفسك فوقهم، وتغمط الناس فهذا كِبْرٌ.
المؤمن يعترف بفضل الآخرين، يعترف بقيمة الآخرين يعترف بإنجازات الآخرين، هناك من يسلط الضوء على ذاته فقط، ويضع مَن حوله في التعتيم، هذا هو غمط الناس، وتعريف الكبر عند رسول صلى الله عليه وسلم:
(( الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ ـ أي رد الحق ـ وَغَمْطُ النَّاسِ ـ أن تزدري الناس ))
لذلك ليس من صفات المؤمن أن يزدري أخاه.

(( بِحسْبِ المْرِء مِنَ الشرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلمَ ))

[ رواه الترمذي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

أن يرى نفسه فوقه.




النبي أشد الناس تواضعا:




من علامات الإيمان التواضع، دخل على النبي الكريم رجل أصابته رعدة، من هيبة النبي، كان عليه الصلاة والسلام له هيبة، من رآه بديهة هابه ومن عامله أحبه، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ ابن ماجه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/02.jpg
كان مع أصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاة، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أحدهم: علي طبخها، والثاني علي سلخها، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( وعلي جمع الحطب ))

[ ورد في الأثر ]
تواضعاً لله عز وجل.
الحديث دقيق جداً:

(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
الله يحبك أن تكون أنيقا، ثيابك نظيفة، ومتعطرا، شعرك معالج، يحبك كذلك.

(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))




الإنسان مفطور على حب الجمال:




بالمناسبة، الإنتاج العقلي والشعوري للبشرية لا يزيد على علم وفلسفة وفن، فالعلم ما هو كائن، والفلسفة ما يجب أن يكون، والفن ما هو ممتع، فمن الفن ما هو مباح، كأن تكون أديباً، الأدب جمالي، التعبير المثير عن دقائق الحياة، أو أن يكون الفعل جميلاً هو الكمال.
لذلك قالوا: الإنسان فُطر على حب الكمال، وحب الجمال، وحب النوال الإنسان يحب الجميل، فقد يكون الطفل جميل الصورة، يدع في قلب أبيه تعلقاً شديدا، وأحياناً يكون العطاء خالصا كريما، فالإنسان يحب المحسن.

" يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبِّ مَن أحسن إليها "

والإنسان يحب النوال، العطاء، والجمال، والكمال، وهذا موقف كامل، الوفاء والرحمة والتواضع.
أحياناً تقرأ قصة، أو تقرأ سيرة، فتجد صحابيا جليلا كان أديباً أدباً جماً، وقد قيل للعباس: أيّكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ عمه العباس، فقال: << أنا ولدت قبله، وهو أكبر مني >>.
هناك كلمات رائعة جداً، وتصرفات رائعة، وشكل رائع.




1 – ورودُ اسم ( الجميل ) في الحديث الصحيح:


أيها الإخوة، هذا الحديث ورد فيه اسم ( الجميل )، وهو حديث في صحيح مسلم.
ورد هذا الاسم مطلقاً، منوناً، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، ورد أيضاً في رواية أحمد في مسند ابن مسعود فيه تفصيل، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا ـ أي نظيفًا ـ وَرَأْسِي دَهِينًا، وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، حَتَّى ذَكَرَ عِلَاقَةَ سَوْطِهِ، أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا، ذَاكَ الْجَمَالُ، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَازْدَرَى النَّاسَ ))

[ أحمد في المسند ]




2 – الجمال المادي والمعنوي مطلوب، وليس من الكِبْر:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/03.jpg
هذا الكبر، الأمر واضح تماماً، الكبر رد الحق، وازدراء الناس، بطر الحق وغمط الناس، أمّا أن تكون أنيقا، أن يكون بيتك مرتباً، منظماً، فيه تناسب ألوان، أن تكون مركبتك نظيفة، أن يكون ثوبك حسناً، أن يكون كلامك فصيحاً، أن تكون تصرفاتك رائعة، فهذا هو الجمال:
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))




3 – لابد للمؤمن أن يكون جميلا بالمعنى العام:


دائماً وأبداً أقول لكم: يجب أن تشتق من كمال الله كمالاً يكون هذا الكمال وسيلة للإقبال على الله.

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
تتقرب إلى الجميل بالجمال، تتقرب إلى الرحيم بالرحمة، تتقرب إلى العدل بالإنصاف، تتقرب إلى اللطيف باللطف، تتقرب إلى الكريم بالكرم.

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي تقربوا إليه بأن تتخلقوا بهذا الكمال الإلهي، هذا محور هذه الدروس.

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

ما من شيء يقربك من الله عز وجل كأن تكون متخلقاً بكمالات الله.




4 – معنى الجمال:


أيها الإخوة، الجميل في اللغة مأخوذ من الجمال، وهو الحُسن في الخَلْق والأخلاق.
نحن كلما ذكرنا الجمال ننطلق إلى تصور جمال الشكل، لكن أحياناً هناك أعمال وتصرفات تستمع إليها فتبقى شهراً غارقاً في نشوتها.
كما حدثتكم ببعض القصص، هناك مواقف فيها وفاء، مواقف فيها رحمة، مواقف فيها إنصاف، مواقف فيها حب، هذه المواقف جميلة جداً، وقد يكون الذي يفعلها ليس جميلاً.
مثلاً: ورد في صفة بعض التابعين وهو الأحنف بن قيس، أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب ؟ وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شرب، هذا كمال رائع جداً مع دمامة لا توصف.



5 – ليس الجمال محصورًا في الجمال الجسدي المادي:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/04.jpg
لذلك الرجل جماله، بفصاحته، جماله في أخلاقه، جماله في كرمه، جماله في تواضعه، جماله في رحمته، لعل المرأة تتوهم أن كل قيمتها في جمالها الجسدي، وهذا خطأ.



أحاديث مهمة في بيان أهمية جمال الأخلاق:




عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

[ متفق عليه ]
يجب أن نحرر مفهوم الجمال مما تراكم من أذهان الناس أنه جمال الشكل فقط، هناك مواقف جميلة، أحيانا تعيش مع امرأة في أعلى درجة من الوفاء، والحب، والتفاني والخدمة، تسعد بها سعادة أيّما سعادة، وقد يعيش المرء مع امرأة بارعة الجمال يكرهها من أعماقِ أعماق قلبه، لأن جمال الأفعال من أعلى مستويات الجمال.
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا ؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ ))

[ النسائي، أبو داود ]
مودتها تقرّبها من زوجها، فالجميل مأخوذ من الجمال، وهو الحسن في الخَلْق والخُلُق، وكان عليه الصلاة والسلام حسنَ الخَلق والخُلق.
إذا رأى الإنسان صورته في المرآة ماذا يقول ؟ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:

(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))

[ أحمد ]
قال بعض الشعراء:

جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر المجوس
***
مرة إنسان جميل الصورة، أنيق الثياب جداً، تكلم كلاماً بذيئاً، فقال له أحدهم: إما أن تتكلم وَفق ثيابك، أو البس وَفق كلامك، فالتناسب رائع جداً، أحيانا إنسان أنيق، حسن الصورة ثيابه أنيقة، جميلة لكن كلامه بذيء، هذا الجمال وهذه الأناقة يناسبهما علم، يناسبهما كلام منضبط، لذلك: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[ أحمد ]
وبعض العلماء، منهم الإمام الغزالي عدّ من آفات اللسان أكثر من عشرين آفة، وعلماء آخرون منهم عبد الغني النابلسي عدّ آلاف أمراض اللسان، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:

(( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ، قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[ أخرجه الترمذي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/05.jpg
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

(( حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[ رواه أبو داود والترمذي وأحمد ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[ الترمذي ]

والكلمة الطيبة صدقة، وقد ترقى بكلمة رقياً لا يعلمه إلا الله، كلمة تواضع، كلمة مؤانسة، كلمة اعتراف بالحق، هذا كله في ميزان حسنات الإنسان.






من الأخلاق الجميلة:




إذاً: ( الجميل ) مأخوذ من الجمال، وهو الحُسن في الخَلق وفي الخُلق.



1 – الصبر الجميل:



هنالك صبر جميل، قال تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾

( سورة المعارج )
هناك صبر مع الضيق، مع التوتر، كأن الإنسان مرجل يغلي، مع كلام قاسٍ، الأبواب تخبط، البلور يكسر، هذا ليس صبرا جميلا، يجب أن تصبر صبراً جميلاً:

﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾

( سورة المعارج )



1 – الصفح الجميل:



وهناك صفح جميل، أنا سامحتك، لا تنس أن كل خيرك من خيري، لا تسامحه.

﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾

( سورة الحجر )
إذا سامحته انتهى كل شيء، لا تذكره بخطئه.
مثلاً: أيهما أخطر ؛ أن يتآمر إنسان على إنسان فيضعه في السجن، أم يضعه في البئر ؟ البئر الموت فيه محقق، إخوة يوسف وضعوه في البئر، والموت محقق، أما امرأة العزيز فوضعته في السجن، ولما التقى يوسف بإخوته ماذا قال ؟ قال:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 100 )
ما ذكّرهم بجريمتهم، أما الخروج من البئر فنعمة أكبر، مع أن الموت في البئر محقق، وفي السجن غير محقق، فمن كماله ما ذكّرهم بجريمتهم:

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 100 )

إخواننا الكرام، إن قرأتم قصص الأنبياء فتخلَّقوا بأخلاقهم، الأنبياء مدارس، كل نبي له مدرسة، وعلى رأسهم سيد الخلق وحبيب الحق.
إذاً: هناك صبر جميل، وصفح جميل، وفعل جميل، وعفو جميل، وعطاء جميل.
أنا أتمنى على الإنسان إذا فعل خيراً أن ينساه، وإذا فُعل معه خير لا ينساه حتى الموت.
أتمنى أنك إذا فعلت خيراً يجب أن تناساه وكأنك لم تفعله، أما إذا أسدي إليك معروف فينبغي ألا تنساه ما حييت.





مراتب الجمال الربّاني: جمال الذات والصفات والأفعال والأسماء:


الله عز وجل ( جميل )، قال: جماله على أربع مراتب، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماءه كلها حسنى:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
قطعاً، حتى لو توهمت أن الأسماء الحسنى منها المنتقم، لو تبحرت في معنى المنتقم لذابت نفسك تعظيماً لله، لو تبحرت في معنى المتكبر لذابت نفسك تعظيماً لله:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

فالله عز وجل جماله على أربع مراتب، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماءه كلها حسنة، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/06.jpg
لذلك لما قال بعض العلماء: " الشريعة عدل كلها، لأنها منهج الله، رحمة كلها حكمة كلها، مصلحة كلها، وأية قضية خرجت من الحكمة إلى خلافها، ومن العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ".
حتى إن علماء العقيدة قالوا: " الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، الله عز وجل ذاته جميلة، وصفاته جميلة، وأفعاله جميلة، وأسماءه جميلة.
لكن المشكلة أن جمال الذات لا يدركه أحد في الكون، لا يعرف الله إلا الله، جمال الذات، لا يدركه أحد في الكون ولا الأنبياء، لكن جمال الصفات تدل على جمال الذات، وجمال الصفات محجوبة بأفعاله، فأفعاله الجميلة تدل على جمال صفاته، وجمال صفاته تدل على جمال ذاته، وأنت ترى أفعاله، ترى الربيع، ترى العصفور، ترى الوردة، ترى الزهرة، ترى طفلا جميل الصورة، هذه كلها أفعاله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/07.jpg
أحيانا تأكل طعاما طيبا، مَن أودع في الطعام هذا الطعم ؟
أحيانا يهب نسيم عليل فتنتعش به، مَن ساق هذا النسيم ؟
أحيانا ترى مرجا أخضر، مَن أعطاه هذا اللون الجمال ؟
ترى السماء زرقاء، البحر صافيا، الجبال خضراء، الأطفال الذين وهبهم الله مسحة جمال، وهناك إنسان قد يفتن بابنه من جماله، هذه كلها أفعاله، أفعاله تشير إلى صفاته، وصفاته تشير إلى ذاته، جمال الذات لا يعلمه أحد في الكون حتى الأنبياء.
لذلك قال بعض العارفين: " لا يعرف الله إلا الله "، حصراً.
نحن مع جمال الأفعال نرى المطر تنعش الأرض، نرى النبع، الماء الزلال، نرى الفاكهة الجميلة، منظر الفاكهة جميل جمالا رائعا جداً، وأحيانًا يزينون بعض الغرف بصور الفاكهة، فاكهة جميلة، البساتين جميلة، الماء الرقراق جميل، يجب أن تخترق جمال الكون إلى جمال الخالق.






آية خطيرة فافهم معناها: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً


إخواننا الكرام:

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )
من أجل امرأة عصى الله، ما الذي فتنه بها ؟ جمالها، من أجل المال عصى الله، ما الذي فتنه ؟ المال، فالمال يعطيك الجمال، يعطيك بيتا جميلا جداً واسعا، له إطلالة، يعطيك مركبة فارهة جداً، يدعك تختار أجمل زوجة.
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )
لماذا هو في العذاب ؟ ما الذي أغواه وعصى به ربه ؟ الجمال، هذا الذي أغواه الجمال فعصى ربه من أجله.
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/08.jpg
هنا قوة الجمال.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــــا وليت عنا لغيرنا
و لــــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلـعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الـذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة لــــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
و لـــــو لاح من أنوارنا لك لائح تركت جمـــيع الكائنات لأجلنا
***

هؤلاء الذين أطاعوا الله هم الفائزون، عرفوا أن يختاروا الجمال المطلق، الجمال الأبدي.






لابد أن تترك الجمالَ أو يتركك فانتبه:


﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾

( سورة الرحمن )
لو أحب الإنسان زوجته، لا بد من أن يتركها في الموت، أو أن تتركه إن ماتت قبله إلا أنك إذا أحببت الله فأنت معه إلى أبد الآبدين.
أيها الإخوة، لهذا الموضوع تتمة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-02-2018, 12:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم





(10)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى: ( المُعطي ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى وهو اسم ( المعطي ).

1 – ورودُ اسم ( المعطي ) في السنة الصحيحة:

لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، بل ورد في السنة، ففي صحيح البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَاللَّهُ الْمُعْطِي، وَأَنَا الْقَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ))

[ متفق عليه ]

2 – أعظمُ عطاءٍ من اللهِ هو العلمُ:

أول ملمح في الحديث كرامة العلم أعظم كرامة، قال تعالى:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾

( سورة النساء )
لأن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية، وما لم يبحث عن الحقيقة، وما لم يطلب العلم فقد هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
لذلك: كرامة العلم أعظم كرامة عند الله، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم.
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة )
فالله سبحانه وتعالى اعتمد في القرآن الكريم العلم والعمل كقيمتين مرجِّحتين بين خلقه، فبطولة الإنسان أن تأتي مقاييس التفوق عنده كما هي في القرآن.
الناس في الدنيا يعظِّمون الأغنياء والأقوياء، لكن القرآن الكريم بيّن لنا أن رتبة العلم أعلى الرتب:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

العلمُ بالله وبخَلق الله وبأمرِ الله:

وكما تعلمون هناك علم بخلقه، وعلم بأمره، وعلم به، العلم بخلقه وبأمره يحتاجان إلى مدارسة، إلى كتاب، وإلى معلّم، وإلى شهادة، وإلى امتحان، هذه مدارسة، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة.
على كلٍ في الملمح الأول من الحديث الشريف:

(( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))
والبطولة لا أن يكون طلب العلم في أوقاتك الهامشية، يجب أن يكون طلب العلم جزءاً من خطتك في الحياة، لأن هناك إنسانا بحسب فراغه يطلب العلم، لكنْ عنده أشياء أساسية لا يعلو عليها شيء، أما المؤمن فطلب العلم جزء أساسي من حياته، ولا يعلو عليه شيء، وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: << يل بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>.
إذاً: في الإنسان حاجات سفلى، وحاجات عليا، الحاجة العليا الكبيرة طلب العلم، فما لم يطلب الإنسان العلم لا يرقى إلى مستوى إنسانيته، والإنسان من دون علم وُصِف في القرآن الكريم بأنه:
﴿ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾

( سورة الجمعة الآية: 5 )

﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾

( سورة الأعراف الآية: 176 )
بل أبلغ من ذلك:
﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنافقون الآية: 4 )

لذلك الذي يرقى بالإنسان إلى مستوى إنسانيته، وإلى مستوى يليق به هو طلب العلم.

3 – الماء من عطاء الله:

إلا أن الحديث فيه ملمح ثانٍ، وهو موضوع درسنا:
(( وَاللهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ ))
الملمح الثاني: أنه الأصل أن هذا الماء من عطاء الله، نحن وضعناه في خزانات، وسُقناه إلى البيوت بأنابيب، ووزّعناه بقوارير، هذا عمل ثانوي، لا يعد من صلب الماء، الماء منحة من الله عز وجل، فكل شيء الأصل أنه عطاء من الله، نحن تفننا بعرضه، بتعليبه، بتغليفه، بوصوله، أما الأصل فإن الله هو المعطي.

(( وَاللهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ ))

4 – المعطي المانع:

دائماً وأبداً في الأسماء الحسنى أسماء يجب أن تلفظ معاً، كاسم " الضار "، الأولى أن يلفظ اسم " الضار " مع اسم " النافع "، تقول: " الضار النافع "، " المعطي المانع "، " المعز المذل "، لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يمنع ليعطي، ويأخذ ليعطي، ويخفض لرفع، ويذل ليعز، لأن الإنسان حمل الأمانة، لكنه قصر في حملها، فتأتي المعالجة.
الفرق واضح جداً، بين من يعين موظفاً، ويعطيه مدة ستة أشهر ليمتحنه، مهمة صاحب المؤسسة أن يحسب على هذا الموظف أخطاءه، لكن بلا رحمة، إذا كانت بحجم لا يحتمل ألغى عقده، أما لو أن كان هذا الموظف ابنه فإنه يتابعه، كل خطأ يوقفه عنده، ويعطيه التوجيه، لأن رحمة الأب تقتضي المتابعة، ولأن الله رب العالمين رحيم بعباده، فإذا أخطاء الإنسان تابعه بالمعالجة.
أنا أتصور لو أن الله سبحانه وتعالى لم يربِّ عباده فإن معظمهم إلى النار، لكن هذا ربّاه بمرض، هذا بقلق، أو بشبح مصيبة، أو بضيق معين، الله عز وجل يسوقنا إلى بابه سوقاً، وهذا من نِعم الله عز وجل، فهو معطٍ ومانع، خافض ورافع، معز ومذل، وقد ورد في الأثر:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ))

[ رواه الديلمي عن ابن عمر ]
لا تستقيم الدنيا لأحَدٍ، وهذا لحكمة بالغةٍ أرادها الله.

(( ودار تَرحٍ لا دار فرح ))
فيها أحزان، فيها آلام، فيها فراق الأحبة، فيها أمراض تصيب الأولاد أحياناً.

(( ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها ))
أي: مَن عرف حقيقة الدنيا.

(( لم يفرح لرخاء ))
لأنه مؤقّت.

(( ولم يحزن لشدة ))
لأنه مؤقّت، الموت ينهي كل شدة، الموت ينهي قوة القوي، وغنى الغني، وذكاء الذكي، وصحة الصحيح، لذلك:

(( فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشدة، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ))

﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )
لذلك:

((ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دارَ بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))
في بعض الأحاديث القدسية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ ))

[ أخرجه مسلم ]
الله عز وجل حينما أخذ من الإنسان بعض صحته ليعوِّضه أضعافاً مضاعفة من القرب والسكينة.

((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ ))

فهذه فكرة دقيقة جداً، الله عز وجل يأخذ ليعطي، يمنع ليعطي، يخفض ليرفع يضر لينفع، هذه الأسماء الأَولى أن تذكر مَثْنى مَثْنَى.

5 – من عطاء الله نعمة الإيجاد:

شيء آخر، الله عز وجل ما الذي أعطانا إياه ؟ النعم الكبرى الصارخة، أعطانا نعمة الإيجاد، فإنه أوجدنا.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾

( سورة الإنسان )

أنت موجود، لك كيان، لك اسم، لك زوجة، لك أولاد، لك بيت، لك مكانة، عندك قناعات.
لذلك نعمة الإيجاد النعمة الأولى، وأنا أحياناً لما أتصفح كتابا، وأطلع على تاريخ تأليفه، فإذا كان تاريخ التأليف قبل ولادتي أتخذ موعظة كبيرة، أنا في هذا التاريخ أين كنت؟ ما لي اسم في الأرض كلها.

6 – من عطاء الله نعمةُ الإمداد:

منحك الله نعمة الإيجاد، لا يكفي الإيجاد، أعطاك جهاز تنفس الهواء، أعطاك جهاز هضم، هناك ماء، وطعام، ولحوم، وخضراوات، ومحاصيل، وأنت بحاجة إلى طرف آخر فخلق المرأة من أجلك، وخلقك من أجلها، أعطاك النصف الآخر، فأنجبت أولادا ملؤوا البيت فرحة، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد.

7 – من عطاء الله نعمةُ الهدى والرشاد:

أحيانا يشق الطريق، بعد حين توجد الشاخصات، هنا منحدر زلق، وهنا تقاطع خطر، وهنا الطريق ضيقة، هذه الشاخصات هداية للسائقين.
فبعد أن منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، هذه نعم كبرى، فضلاً على أنها نِعَمٌ لا تعد ولا تحصى.

8 – من عطاء الله تسخير الكون تسخير تعريف وتكريم:

لكن الكون أكبر ثابت في الإيمان، هذا الكون بنص القرآن الكريم سُخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، الدليل:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 13 )
بالمناسبة، المسخَّر له أكرم من المسخَّر، الإنسان سُخِّر له ما في الكون، فهو المسخَّر له، وهو أكرم عند الله من الشيء المسخَّر، وهذه حقيقة أولى، الإنسان هو المخلوق المكرَّم المكلَّف.
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )
لأنه قَبِل حمل الأمانة، كان المخلوق الأول تكريما وتكليفا، لذلك قال سيدنا علي: << رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سَمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>، هذا الكلام خطير جداً تؤكده الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )
على الإطلاق، لمجرد أنك إنسان في الأصل فأنت فوق المخلوقات جميعاً:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )
بالمقابل: << وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

بين أن تكون أرقى من الملائكة، وبين أن يكون الإنسان الذي كفر بربه دون أحقر حيوان فراق كبير جدا، فلذلك أعطانا هذا الكون، وسخّره لنا تسخير تعريف وتكريم.


موقف المؤمن من تسخير التعريف والتكريم:


لو أن إنسانا قدّم لك جهازا متطورا جداً، وفيه قفزة نوعية بخصائصه، وهو من اختراعه، فقدمه لك هدية، يجب أن ينتابك شعورٌ، شعور التعظيم له على هذا الإنجاز العلمي الكبير، وشعور الامتنان، لأنه قدّمه لك مجاناً، ولأن الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان:

﴿ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
تسخير تعريف وتكريم، فردّ فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم، أن تشكر، لمجرد أنك آمنت، وشكرت فقد حققت الهدف من وجودك، وإذا حُقق الهدف من الوجود تتوقف كل أنواع المعالجة، الآية:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 147 )
إذا آمنت بهذا الإله العظيم، والرب الكريم، والمسيّر الحكيم، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، إنك إن آمنت، ثم أيقنت أنه منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد فقد حققت الهدف من وجودك، لذلك تتوقف عندها جميع أنواع المعالجات، والآية دقيقة جداً:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 147 )

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

[ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]
لأن عطائي كلام، وأخذي كلام، كن فيكون، زل فيزول.
الآن الدقة البالغة في الحديث:

(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))

[ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]
لا تعتب على أحد.
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى )

(( ما من عثرة، واختلاج عرق، وخدش عود، إلا بما كسبت أيديكم، وما يعفو الله أكبر ))

[ ورد في الأثر ]


رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى


النقطة الدقيقة في هذا اللقاء: قال تعالى:

﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾

( سورة طه )

فرعون سأل سيدنا موسى:
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )
ما معنى قول النبي ؟

(( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ))

[ ابن ماجه عن ابن عمر ]
ما قال: أعطوه أجراً، أجره الذي يعادل جهده، أجره الذي يحقق له كرامته، بالمقابل:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )

أعطاه الخلق الكامل.


الإنسان خَلَقه الله خَلْقًا كاملاً:


﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

1 – العينان:

أعطاه عينين، لماذا أعطاه عينين، ولم تكن عيناً واحدة ؟ بالعينين يدرك البُعد الثالث، بعين واحدة يدرك بُعدين، الطول والعرض، بالعين الثانية تدرك البعد الثالث، أنت ترى الطول والعرض والعمق، والدليل أنك بعينٍ واحدة لا تستطيع أن تضم إبرة، يأتي الخيط بعيدا عن الإبرة عشرة سنتيمترات، بالعينين معًا تعرف المسافة.

﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾

( سورة البلد )
العين جعل مادة مضادة للتشنج، بالميل متر المربع في شبكية العين في مئة مليون مستقبل ضوئي، عصية ومخروط بالميل متر مربع بشبكية العين فيها مئة مليون من أجل صورة دقيقة جداً، من أجل أن تميز بين 8 ملايين لون، واللون الواحد لو دُرج 800 ألف درجة لفرقت العين البشرية بين لونين، لذلك:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

2 – الشَّعرُ:

أعطاك شَعرا، ففي الرأس تقريباً بالشكل المتوسط 300 ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغة، والحكمة البالغة أنه ليس في الشعر أعصابُ حسٍّ، لو فيه أعصاب حس لكانت عملية حلاقة الشعر تحتاج إلى مستشفى، وإلى تخدير كامل، هذه من حكمة الله عز وجل.

3 – الأنف:

الأنف فيه عشرون مليون عصب شمٍّ، ينتهي كل عصب بسبعة أهداب، الهدب مغمس بمادة تتفاعل مع الرائحة، تتشكل شكلا هندسيا، كرة، موشورا، هرما، هذا الشكل رمز الرائحة، يشحن إلى الدماغ للذاكرة الشمّية، وعندنا عشرة آلاف بند، هذا الشكل يعرض إلى أن يتوافق هذا الشكل مع هذا الشكل تقول: هذه رائحة كمون في الأكل، مثلاً، فالشمّ آلية معقدة جداً.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )

4 – الأذنان:

الأذنان: لمَ لمْ تكن أذنا واحدة ؟ بالأذن الواحدة لا يمكن أن تعرف جهة الصوت، بالأذنين تعرف الجهات، هناك صوت بوق لمركبة من اليمين، دخل هذا الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه، والفرق الزمني واحد على 1620 جزءا من الثانية، فأدركت أن المركبة على اليمين، فأعطاك الدماغ أمرًا بالانحراف نحو اليسار، وهذه آلية معقدة جداً.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )

5 – القدَمانِ وآلية التوازن:

هدانا إليه، لو أن الإنسان ليس عنده قنوات توازن في الأذن لاحتاج إلى قَدَم مساحتها 70 سم حتى يقف، يحتاج إلى قاعدة ارتكاز واسعة جداً، أما لأن في الأذن جهاز توازن فيمكن عند الميل أن يصحح التوازن، ولولا هذا الجهاز لم ركب إنسان دراجة إطلاقاً، ولا مشى إنسان على الأرض، فالقدمان لطيفتان بحجم معقول جداً، وأنت واقف.
إذاً: التوازن من آيات الله الدالة على الله.

6 – أعصاب الحس في الأسنان:

وضع الله عز وجل في لبّ السن عصب حسي، ليس له فائدة، إذا بدأ النخر، ووصل إليه لا تنام الليل، تسارع إلى الطبيب، ولولا هذا العصب لخسر الإنسان كل أسنانه، العصب الحسي جهاز إنذار مبكر.

7 – آلية اجتماع اللعاب في أثناء النوم:

وأنت نائم غارق في النوم يجتمع اللعاب في فمك، تذهب رسالة إلى الدماغ، اللعاب زاد على حده، يأتي أمر من الدماغ وأنت نائم، يفتح البلعوم لسان المزمار، يغلق القصبة الهوائية، يفتح المريء فتبلع ريقك، وأنت نائم:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

8 – البروستاتة:

البروستاتة تقع بين مجرى البول ومجرى ماء الحياة، عند الالتقاء، هذه في اللقاء الزوجي تفرز مادة مطهرة، ومادة مغذية، ومادة معطرة، هذه البروستاتة موضعها في مكان حرج عند ملتقى ماء الحياة مع بول الإنسان، ففي حال الحمل يجب أن يكون المجرى طاهراً، فتفرز مادة مطهرة، ومغذية، ومعطرة:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )



الخاتمة:


الموضوع طويل جداً، موضوع أن نكتشف عظمة خلق الإنسان، هذا من التفكر في خلق السماوات والأرض.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة آل عمران )
إنّ جزءًا من الإيمان أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، المعلومات موجودة، لكن لا تقرأ هذه المعلومات قراءة إيمانية، ندرسها في كلية الطب، لكن لا تقرأ قراءة إيمانية.
لو فكر الإنسان في جسمه، فكر في حواسه الخمس، فكر في أجهزته، فكر في جهاز الدوران، في القلب، في جهاز الأعصاب، في جهاز الهضم، فهذه آيات دالة على عظمة الله عز وجل:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )


والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-03-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(11)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الديَّان ):


1 – ورودُ اسم ( الديَّان ) في السنة النبوية:


أيها الإخوة الكرام، مع اسم من أسماء الله الحسنى، و الاسم اليوم ( الديان )، ولم يَرِد هذا الاسم في القرآن، ولكنه ورد في حديث النبي العدنان، ورد دالاً على العلمية وعلى كمال الوصف.
عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا ؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ؟ قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ))

[ أحمد في المسند بسند حسن ]



2 – معنى: الديَّان:


و ( الديان ) مِن دانَ يدين، أي جاز يجازي، ويوم الدين هو يوم الجزاء.





طريقة الإيمان باليوم الآخر:



دائرة المحسوسات ودائرة المعقولات ودائرة الإخباريات:

ولا بد من وقفة متأنية حول طريقة الإيمان بيوم الجزاء، بيوم الدين، ونحن في سورة الفاتحة نقرؤها كل يوم عشرات المرات:

﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

( سورة الفاتحة )

الحقيقة أن هناك دوائر ثلاث، دائرة المحسوسات، وأداة اليقين بها الحواس الخمس، ودائرة المعقولات، وأداة اليقين بها العقل، ودائرة الإخباريات، وأداة اليقين بها الخبر الصادق.
في الدين حينما نضع كل قضية، أو كل مقولة في مكانها الصحيح يسهل البحث فيها.




1 – دائرة المحسوسات:



فالمحسوسات شيء ظهرت عينه وظهرت آثاره، ظهرت عينه أو ذاته، وظهرت آثاره، فأداة اليقين بها الحواس الخمس.
هناك ضوء متألق تراه بعينك، صوت مسموع تسمعه بأذنك، لون أبيض تدركه بالعين، شيء خشن تحسه باللمس، طعم مر تكتشفه بالذوق.
الله عز وجل أودع فينا الحواس الخمس، والعلوم حينما تطورت صنعت استطالات للحواس الخمس، فالمجهر استطالة للعين، والتلسكوب استطالة للعين، وتكبير الصوت استطالة للأذن.
إذاً: الدائرة الأولى دائرة المحسوسات، أداة اليقين بها الحواس الخمس، فأية قضية تعني شيئاً ظهرت عينه وآثاره أداة اليقين بها الحواس الخمس، هذه قضية لا خلاف فيها، ونحن نشترك فيها مع بقية المخلوقات.
إن الدابة حينما ترى حفرة تقف، الحواس الخمس أداة اليقين بها، الحواس الخمس نشترك فيها مع بعض المخلوقات.



2 – دائرة المعقولات:



ولكن الدائرة التي يتميز بها الإنسان هي دائرة المعقولات، وتعني شيئاً غابت عينه، وبقيت آثاره.
أنت ترى من التنظيم المنظِّمَ بعقلك، وترى من التسيير المسيِّر، وترى من الحكمة الحكيم، وترى من الخلق الخالق.
الدائرة الثانية دائرة المعقولات، وهي جهة غابت عينها وبقيت آثارها، وهذا مجال العقل.
إن هذا الكون أثر من آثار الله، بل هو الثابت الأول في العقيدة، كون ينطق بوجود الله، وأعيننا لا ترى الله.

﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار ُ﴾

( سورة الأنعام الآية: 103 )
ولكن العقول تصل إليه، فالذات الإلهية غابت عن حواسنا، ولكن الله سبحانه وتعالى أودع فينا عقولاً نستطيع من خلال هذه العقول لا أن نحيط، بل أن نصل، وفرق كبير بين الإحاطة والوصول، أنت بمركبتك تصل إلى البحر، لكن بهذه المركبة لا تستطيع أن تخوض بها البحر، فعقولنا تصل إلى الله.

وفي كل شيء آية تدل على أنه واحد
***

إذاً: الدائرة الثانية دائرة المعقولات، يمكن أن تؤمن الإيمان الصحيح من خلال العقل، فالكون يدل على الله، يدل على الله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وأسماء الله الحسنى ظاهرة في الكون، بل إن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، بل إن الكون يشفّ عن أسماء الله الحسنى، فبإمكانك أن تصل إلى الله من خلال الكون، أن تصل إليه مؤمناً بوجوده، ووحدانيته، وكماله.
ويمكن أن تصل من خلال العقل إلى أن هذا القرآن كلامه، ولاسيما من خلال وقوع الوعد والوعيد، ومن خلال إعجازه، فوقوع الوعد والوعيد دليل قطعي على أن هذا الكلام كلام الله، وإعجاز القرآن الكريم دليل أيضاً على أن هذا الكلام كلام الله.
ويمكن أن تؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال العقل، لأن الذي جاء بهذا الكتاب المعجز لا بد من أن يكون رسول الله، القضية واضحة جداً، أنت بعقلك تؤمن بوجود الله ووحدانيته، وكماله من خلال الكون.
وبعقلك تؤمن بأن هذا القرآن كلام الله من خلال الإعجاز، ومن خلال وقوع الوعد والوعيد، وأنت بعقلك تؤمن أن هذا الإنسان الذي اسمه محمد بن عبد الله هو رسول الله من خلال القرآن، وهنا ينتهي دور العقل، وأي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به.
مثلاً: هناك ميزان في أعلى مستوى، وفي أعلى أداء، إلا أنه مصمم لمكان أو لدكان، أو لبقالية تستخدمه ما بين خمسة غرامات، إلى خمسة كيلوات، فيه ذواكر كثيرة و تعقيدات مذهلة، ودقة بالغة، إلا أن هذا الميزان مهمته محدودة، بين خمسة غرامات وخمسة كيلوات، مادام استخدامه ضمن هذين الحدين فهو يؤدي نتائج رائعة.
ويجب أن تؤمن أن العقل محدود بمهمة محدودة، ما دام استخدامه في هذا المجال فالعقل يؤدي نتائج رائعة.




3 – دائرة الإخباريات:



إلا أنك إذا استخدمت العقل في شأن غيبي، في شأن غابت عينه وآثاره فالعقل لا يفلح.
إذاً: أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، أخبرك الله بالقرآن الكريم عن الماضي السحيق، عن بدء الخليقة، أخبرك القرآن الكريم ماذا بعد الموت، عن اليوم الآخر، عن الحساب، عن الجزاء، عن الجنة، عن النار، عن الصراط، أخبرك الله عن أسمائه الحسنى.
إذاً: ما دام البحث وفق هذا النظام ففي القضية الحسية أداة اليقين بها الحواس الخمس، وفي القضية العقلية أداة اليقين بها العقل، وفي القضية الإخبارية أداة اليقين بها الخبر الصادق.
القضية الأولى: ظهرت عين الشيء وآثاره.
القضية الثانية: غابت عين الشيء وظهرت آثاره.
القضية الثالثة: غابت عين الشيء وآثاره.
حينما تضع كل قضية في الدين في مكانها الصحيح تجد يسراً في الفهم، ويسراً في اليقين، ويسراً في التعامل معها، فالقضايا التي غابت عينها وآثارها أداة اليقين بها الخبر الصادق.
يوم الدين من الدائرة الثالثة.
أنا أنصح كل الإخوة المؤمنين إذا تحاوروا مع إنسان اهتزت عنده بديهيات الإيمان ألا يطرحوا معه قضايا من النوع الثالث ليس لها دليل عقلي، وليس لها دليل حسي، دليلها الوحيد الإخباري، وهو لا يصدِّق هذا الخبر الذي جاء به القرآن الكريم.
إذاً: يوم الدين من الدائرة الثالثة، من دائرة موضوعاتها غابت عينها وآثارها، وسبيل اليقين بها الخبر الصادق، فنحن آمنا بالله من خلال الكون، وآمنا بالقرآن من خلال الإعجاز، وآمنا بالنبي الكريم من خلال القرآن، وانتهى دور العقل، وجاء دور النقل.
النقل أخبرنا أن هناك يومًا آخر، يوما تسوى فيه الحسابات، يوما تؤخذ من القوي إلى الضعيف من الظالم للمظلوم، يوما يعطى لكل ذي حق حقه، يوما يقوم الناس فيه لرب العالمين، يأتي الناس ربهم فرادى، هذا اليوم أساسي جداً في الإيمان.





الإيمان بالله واليوم الآخر ركنان متلازمان:


لذلك: ما اقترن ركنان من أركان الإيمان في القرآن كما اقترن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر.
إن الإيمان بالله ينبغي أن يحملك على طاعته، والإيمان باليوم الآخر ينبغي أن يمنعك من أن تؤذي مخلوقاً، وما لم يحملك إيمانك بالله على طاعته، وما لم يحملك إيمانك باليوم الآخر على البعد عن إيذاء خلقه فالإيمان لا قيمة له إطلاقاً.
بل قد أقول لكم إبليس حينما قال:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )

آمن بالله رباً وعزيزاً، ولكن لأنه استكبر وعصى فهذا الإيمان لا قيمة له.
إذاً: لا قيمة للإيمان الذي لا يحملنا على طاعته، ولا قيمة للإيمان باليوم الآخر الذي لا يحملنا على اتقاء أن نؤذي مخلوقاً.






قد يكون الإيمان باليوم الآخر من دائرة المعقولات:


أيها الإخوة، إلا أن عالماً كبيراً من علماء المسلمين وهو ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر من الدائرة الثانية، دليله عقلي، لأن العقل لا يقبل أن كوناً عظيماً يشفُّ عن خالق عظيم، عن خالق قوي، عن خالق كامل، عادل، رحيم أن يخلق إنسان قوياً وضعيفاً، والقوي يأكل الضعيف، وينتهي الأمر.
إنسان غني يستغل الفقير، ويأتي يوم الدين، وينتهي الأمر، لا يعقل، ولا يقبل ألاّ تسوى الحسابات، لا يعقل ولا يقبل ألا يكون هناك يوم تسوى فيه الحسابات، يؤخذ للضعيف من القوي، للمظلوم من الظالم.
لذلك ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

( سورة مريم الآية: 71 )

أي النار، وقد قال العلماء: ورد النار غير دخولها، دخول النار دخول جزاء، أما ورود النار فورود إطلاع، فمِن أجل أن تتحقق من عدل الله الإنسان يرد النار يوم القيامة، ولا يتأثر بوهجها، ليرى تحقيق اسم الله العدل.






تحقيق اسم العدل كاملا يوم القيامة:


بالمناسبة، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا، إلا أن اسم العدل محقق جزئياً، فالله سبحانه وتعالى يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن تسوية الحسابات، وختام الحسابات:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 185 )
إذاً: يمكن أن يكون الإيمان باليوم الآخر عن طريق العقل، لأن كمال الخلق يدل على كما التصرف، لا يعقل لإله عظيم، قوي كريم، رحمن رحيم أن يدع عباده من دون حساب، قال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 115 )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُخلق الإنسان عبثا، العبثية تتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بوجود إله كامل وعادل، أو أن تؤمن بالعبثية، لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، موظف للخير المطلق، أما الشر مطلق فلا يوجد، لذلك:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل: والشر.

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
لأن إيتاء الملك خير، وأحياناً يعد نزع الملك خيرا، خيراً للأمة، وخيرا لمن أدبه الله بهذا، والإعزاز خير، والإذلال خير.
لذلك: يرى علماء التوحيد أنه لا يجوز أن تقول: الله ضار، والضار من أسمائه، بل ينبغي أن تقول: الله ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي هو يضر لينفع، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ ))

[ رواه البخاري ]

حينما تؤمن بكمال الله، ووحدانيته ترى أن الشر النسبي موظف للخير المطلق.






معنى صيغ المبالغة الواردة في صفات الله تعالى:



لذلك: ( الديان ) صيغة مبالغة، وماذا تعني المبالغة إذا ارتبطت بأسماء الله الحسنى تقول: غفور، وزن فعول من صيغ المبالغة، يعني يغفر أكبر ذنب، ويغفر مليون ذنب، يغفر كماً ونوعاً.
إنّ صيغ المبالغة إذا تعلقت بأسماء الله الحسنى فتعني شيئين، تعني المبالغة في الكمّ، والمبالغة في النوع، فالله عز وجل ( ديان ) ، بمعنى أنه سيحاسب عن كل الذنوب مهما كثرت، و ( الديان ) سيحاسب عن أكبر الذنوب مهما كبرت، لذلك:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )
النبي عليه الصلاة والسلام في عدد من أحاديثه ورد في نصوصه اسم ( الديان ):

(( أنا الملك، أنا الديَّان ))

[ رواه أحمد عن أنيس رضي الله عنه ]

(( والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل كما شئت، كما تدين تدان ))

[ أخرجه عبد الرزاق في الجامع عن أبى قلابة، وفي سنده ضعف ]






العاقل مَن يعيش مستقبله:


البطولة ألاّ تعيش الحاضر كشأن معظم الناس الغافلين، البطولة أن تعيش المستقبل، وفي المستقبل حساب دقيق:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[ رواه أحمد في مسنده عن عائشة ]
وسيدنا عمر يقول: << والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ >>.
أرجح الناس عقلاً من خاف من الواحد الديان، أرجح الناس عقلاً من هيأ جواباً للملك العادل رب العالمين، أعقل الناس من عاش المستقبل، من عاش يوم الحساب.
لذلك سئُل طالب نال الدرجة الأولى في الامتحان: " لمَ نلت هذا التفوق ؟ قال: لأن لحظة الامتحان لن تغادر مخيلتي طوال العام ".
والمؤمن الصادق قبل أن يعطي، قبل أن يمنع، قبل أن يغضب، قبل أن يرضى، قبل أن يصل، قبل أن يقطع، قبل أن يطلّق، قبل أن يتّهم، قبل أن يفتري، قبل أن يضرب، قبل أن يفعل أيّ شيء نقول له: أعندك جواب لله عز وجل ؟
لو أن الله أوقفك يوم القيامة بين يده وقال لك: لمَ فعلت كذا ؟ منحتك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لمَ فعلت كذا ؟ لمَ طلقت زوجتك ؟ لمَ أخرجت شريكك من الشركة ؟ لمَ ؟ لمَ لم تعتنِ بابنك ؟ كل شيء سوف نُسأل عنه، والبطولة لا أن تعيش الحاضر كما يعيشه معظم الناس، البطولة أن تعيش المستقبل.
فلذلك أيها الإخوة، ما من إنسان أعقل ممن عاش اليوم الآخر، لذلك يجب أن ننقل اهتماماتنا نقلاً حقيقياً من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، يجب أن نُهيئ لكل سلوك جواباً له يوم القيامة.
يقول لي أحدهم: أنا أعطيت ابني هذا البيت، أقول له: إذا كان معك جواب يوم القيامة فلا مشكلة أبداً، أنت مالِك، والمالك يهب، والهبة جائزة في الشرع، أما أحياناً تعطي عطاءً فيه محاباة، وفيه ظلم.
فالبطولة قبل أن تفعل، قبل أن تتحرك، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تغضب، قبل أن ترضى، قبل أن تصل، قبل أن تقطع، هيئ لربك جواباً، هيئ جواباً ليوم الدين، وتقرأ في الفاتحة كل يوم:
﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
والعقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، ومِن نعم الله العظمى هذا الخيال، فالخيال يتيح لك أن تعيش المستقبل، الخيال يتيح لك أن تصل إلى المستقبل قبل أن تصل إليه بل إن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بيّن لك مشاهد من يوم القيامة.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ *يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾

( سورة الحاقة )






الخاتمة:


إخوتنا الكرام، أزمة أهل النار في النار أزمة علم، والدليل:

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )
فإذا أردنا الدنيا فعلينا بالعلم، وإذا أردنا الآخرة فعلينا بالعلم، وإذا أردناهما معاً فعلينا بالعلم، والعلم لا يعطينا بعضه إلا إذا أعطيناه كلنا، فإذا أعطيناه بعضنا لم يعطِنا شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، وطالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-03-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(12)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المحسن ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم: ( المحسن ).
1 – ورودُ اسم ( المحسن ) في السنة النبوية:
قد ورد هذا الاسم في السنة النبوية دالاً على كمال الوصفية مرادا به العلمية، فقد ورد عند الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله على وسلم قال:
(( إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله عز وجل محسن يحب الإحسان ))
[ الجامع الصغير بسند حسن ]
2 – الإسلام أمَرَ بالإحسان مطلقًا:
التعذيب ممنوع، لو رأيت عقربا يجب أن تقتله بضربة واحدة، أما أن تفنن في تعذيبه فهذا مناقض لمنهج الله عز وجل.
وقد ورد من حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ِ))
[ مسلم في صحيحه ]
صورة نبوية لسيدنا إبراهيم في الإحسان إلى الضيف:
أيها الإخوة، قضية الإحسان أن يأتي فعلك كاملاً، لو أنك دعوت إنسان إلى طعام فقد علّمنا القرآن آداب الدعوة، فقال عز وجل:
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾
( سورة الذاريات الآية: 26 )
سيدنا إبراهيم راغ، أي انسلّ خفية، لم يستأذن الضيف في إحضار الطعام، لأن الضيف يستحي، لو عرضت على أن تأتيه بالطعام لتعفف، يقول لك: لست جائعا.
لذلك من كمال أدب الضيافة ألاّ تستأذن الضيف في إحضار الطعام:
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾
( سورة الذاريات الآية: 26 )
أي انسل خفية. ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾
( سورة هود)
لم يكن إحضار الطعام متأخراً، جاء الطعام سريعاً، وهذا من كمال الدعوة، وجاء بطعام نفيس: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾
( سورة هود)
أي طيب.
الآن:
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾
( سورة الذاريات الآية: 27 )
أحياناً يكون طبق الطعام بعيدا عن الضيف، يستحي أن يتمطى ليصل إليه، يجب أن تقرب له الطعام، وهناك إنسان أحياناً يضع الطعام أمام الضيف، أو يضع الفاكهة أمام الضيف، ولا يدعوه إلى تناول الطعام، حديث ممتع، أو حديث خطير، فالطعام أمامه، أو الفاكهة أمامه، ولا يقول له: تفضل، والضيف يستحي أن يمد يده قبل أن يدعى.
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾
﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾
﴿ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾
( سورة الذاريات )
كمال الإحسان في الدعوة ألا تستأذن الضيف، وأن يأتي الطعام سريعاً، وأن يكون الطعام طيباً، وأن يقرب الطعام إلى الضيف، وأن يدعى إلى تناول الطعام.
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
كلمة إحسان واسعة جداً، الله عز وجل قال:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
الإحسان في خَلق الإنسان:
جعل لك عينين، ولولا العينان لما أدركت البعد الثالث، أنت بعين واحدة ترى بعدين سطحيين، لكنك في العين الثانية ترى البعد الثالث، ترى العمق.
وجعل لك أذنين، وبأذن واحدة يصل الصوت إليك، لكن بالأذنين تعرف جهة الصوت.
وجعل العين في محجر لتكون في حرز حريز، وجعل الدماغ في صندوق عظمي بالجمجمة، وجعل النخاع الشوكي في العمود الفقري، وجعل أخطر معمل معامل الكريات الحمراء في نقيِ العظام.
جعل الرحم في عظم الحوض.
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
وفي الشَّعر، جعل لكل شعرة وريدا، وشريانا، وعصبا، وعضلة، وغدة صبغية وغدة دهنية، وليس في الشعر أعصاب حس، من أجل أن تهذب شعرك من دون مستشفى، ولولا أن الشعر خالٍ من أعصاب الحس لاضطر الإنسان إن أراد أن يهذب شعره إلى تخدير شامل في المستشفى.
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
قرنية العين جعلها شفافة، إذاً: لابد من أن تغذى قرنية العين بطريقة فريدة، لا عن طريق الأوعية، بل عن طريق الحلول، من أجل أن تكون الرؤية شفافة شفافية مطلقة أودعت العين مادة مضادة للتجمد، لو أن ماء العين كان صاحبه في مكان الحرارة دون الصفر لفقد بصره، لكن أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد.
أعظم هذا التصريف احترافية رقمية في ـ المليمتر ـ عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما في شبكية العين في المليمتر مئة مليون مستقبل ضوئي
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
الله ( محسن )، من أجل أن تفرق بين 8 ملايين لون، ولو درجت اللون الواحد إلى 800 ألف درجة لكشفت العين السليمة الفرق بين الدرجتين:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
القلب يضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم، قد يحتاج الإنسان إلى متر مكعب من الوقود السائل طوال الشتاء، أما القلب فيضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم بلا كلل وبلا ملل.
الحديث عن الجسم لا ينتهي، المعدة، الأمعاء الدقيقة، الكليتان، جهاز التصفية، العضلات الملساء والمخططة، الإرادية واللاإرادية، والأوعية، الشرايين عميقة، والأوردة سطحية، لو عكست الآية، وجُرح الإنسان لخرج دمه كله.
حدثني طبيب جراح قطع معه في أثناء عمل جراحي شريان، أقسم لي أن الدم وصل إلى سقف الغرفة من الضغط، فالأوعية خارجية، أما الشرايين فعميقة.
لو دققت في خلق الإنسان لوجدت العجب العجاب، حتى في الحواس الخمس. ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
( سورة القمر )
كأس الماء لو رأيت ما فيه من بكتريات لما شربته، جعل للبشر عتبة لا ترى أكثر مما ينبغي أن تراه، ولا تسمع أكثر مما ينبغي أن تسمعه.
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
( سورة القمر )
لذلك كلمة محسن تعني أنه محسن في خَلقه، محسن في التصميم، محسن في الأجهزة، محسن في الحواس، محسن في قوام الإنسان.
هذا المفصل داخلي، أما الركبة فخارجة، تصور العكس، تصور لو لم يكن هذا المفصل كيف يأكل الإنسان ؟ يجب أن يأكل كالهرة تماماً، ينبطح ويتناول الطعام بلسانه من الطبق مباشرة. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
الإحسان في خلق الفواكه:
انظر إلى التفاحة بحجم مناسب، وبقوام مناسب، وبرائحة مناسبة، وبشكل مناسب، وبمحتويات مناسبة، فيها حديد، فيها سكر، فيها معادن، فيها كالسيوم، فيها مغنزيوم:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
3 – معنى ( المحسن ):
لذلك: ( المحسن ) شيء دقيق جداً، ( المحسن ) اسم فاعل من أحسن يحسن إحساناً، فهو محسن، والحسن ضد القبح، وحسن الشيء زينه، يعني تصور إنسان بلا جلد منظره لا يحتمل.
تماماً كبيت على الهيكل، أما كسوة البيت، والطلاء، والنوافذ، والأرض، والأثاث:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
صوَرٌ من إحسان الله في مخلوقاته:
تصور الإنسان بلا شعر، لكنه بشعر وجلد، والجلد متماسك، والأعضاء متناسقة، تصور الإنسان بلا جهاز توازن، يحتاج الإنسان إلى قاعدة استناد تزيد على سبعين سنتيمترًا حتى يبقى واقفا، أما بقدم صغيرة لطيفة تبقى متوازنا، فالتوازن سره في أجهزة التوازن، ففي الأذن ثلاث قنوات، فيها سائل، فيها أهداب، وأي ميل يبقى السائل مستوى يمس أهداب من جهة معينة، فتدرك أنت أن هناك خللا في التوازن، فتصحح الوضع، ولولا جهاز التوازن في الأذن لما استطاع الإنسان أن يقف إطلاقاً.
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
انظر إلى طعامك، لو أن المحاصيل القمح والشعير والعدس والحمص تنضج تباعاً كالفواكه، شيء لا يحتمل، تمسك سنبلة فتقول: يا ترى نضجت كي أقطعها ؟ المحاصيل تنضج في وقت واحد.
لو أن الفواكه تنضج في وقت واحد لكان شيئا غير محتَمل ! حقل البطيخ يعطيك لتسعين يوما على مدى أشهر الصيف، كل الفواكه والخضروات تنضج تباعاً، ولو أن كل الفواكه يبدأ نضجها في وقت معين لكان الأمرُ صعبًا، لكن تبدأ بفاكهة، بعد شهر فاكهة ثانية، آخر شيء العنب في الخريف، قبله التين، قبله الإجاص، قبله الدراق، قبله الكرز، أيضاً الفواكه موزعة في الصيف توزيعا مريحا، على مدى الصيف، كل أسبوعين أو ثلاثة أو شهر ينضج نوع من الفاكهة، هذا من الإحسان.
البقرة تعطيك من الحليب ما يفوق ثمن الطعام، لو أنها تعطيك من الحليب أقلّ من ثمن الطعام فلا أحد يقتني بقرة، لو أن الدجاجة تعطي في الشهر بيضة واحدة لكانت مكلفة، وأصبحت غير اقتصادية، كل يوم لها بيضة، وطعام الدجاج لا يساوي الإنتاج الذي ينتجه من البيض، وهذا من الإحسان.
لو أن هذا الفكر بدأ يجول في خلق الله عز وجل لتعرف على الله، لذلك أرقى عبادة هي التفكر: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
صفة الإحسان تتجلّى في جهاز المناعة المكتسب:
أنت معك جهاز مناعة عبارة عن جيش بكل معاني الكلمة، فيه خمس فرق: فرقة الاستطلاع، فرقة مهمتها استخبارية فقط، يدخل الجرثوم إلى الجسم فتتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، وتأخذ شفرة الجرثوم ولا تقاتله، تأخذ هذه الشفرة إلى مركز صنع المصول، إلى مركز معامل الدفاع في العقد الليمفاوية، وتعطي العقد تركيب الجرثوم، وصفاته الكيماوية، هذه المراكز معامل أسلحة تصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم، المعامل أو العقد الليمفاوية تشكل معامل للسلاح، والفرقة الاستطلاعية تشكل جهاز المخابرات في الجسم، وهناك فرقة المقاتلين، وهي الفرقة الثالثة، هذه الفرقة تحمل المصل المضاد، وتتجه إلى الجرثوم فتقاتله، وينشب بينهما قتال، وقد ينتصر الجرثوم، وربما لا ينتصر.
عندنا فرقة رابعة، وهي فرقة الخدمات، هذه الفرقة تنظف أرض المعركة، وتدفن الجثث، وأحياناً يرى الإنسان كتلة بيضاء في جلده، هذه أثر معركة بين الجراثيم وكريات الدم الحمراء، هذا تصميم من ؟
هناك فرقة أخرى خامسة، وهي فرقة تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهمها، وفي الإنسان ملايين الخلايا السرطانية، لكن لكل خلية سرطانية قامع يمنعها أن تكون فعالة، وهناك أشياء تفك هذا القامع، الشدة النفسية، والمواد البترولية، والمواد البلاستيكية، والإشعاع النووي هذه أسباب السرطان، فجهاز مناعة مكتسب جهاز مذهل.
الدماغ موضوع في صندوق عظمي، بين الدماغ والصندوق سائل، هذا السائل من أجل امتصاص الصدمات، لو أن طفلا وقع على رأسه هذا الاهتزاز الشديد السائل يوزعه على كامل مساحة الدماغ، يبقى الطفل سليماً.
التفكر في خلق السموات والأرض يجعلك تقف أمام عظمة الله عز وجل، وأمام الإحسان.
لذلك الله عز وجل يصف نفسه عن طريق نبيه بأنه محسن كاسم، أما كفعل:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
كمعنى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
في أكمل حالة.
إحسان الله يتجلى في عظام الإنسان:
في خلق الإنسان شيء عجيب، مثلاً: الخلية العظمية هذه تنمو، فإذا وصل الإنسان إلى المستوى الكامل يقف النمو.
من أسماء الله عز وجل ( القابض ) و (الباسط )، يقف النمو، وتنام الخلية العصبية، وبعد سبعين سنة من نومها إذا حصل كسر تستيقظ كي يلتئم العظم، هذا صنع مَن ؟ قدرة مَن ؟
العظام متينة جداً، أنت ماذا تأكل ؟ تأكل الحديد، فإذا به عظم، عنق الفخذ يتحمل قوة ضغط تساوي تقريباً 250 كغ، كل عنق فخذ يتحمل ربع طن، العنقين نصف طن، هذا العظم المتين من أين جاءته المتانة ؟!.
ميناء الأسنان ثاني أقسى عنصر في الكون، الأول الماس، بعده ميناء الأسنان، من أين جاءت هذه ؟.
أيها الإخوة، هذا من كمال خلق الله:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
4 – ينبغي لك أن تكون محسنًا:
الآن أنت أيها الإنسان، من أجل أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله ينبغي أن تكون محسنا، لذلك قال الله عز وجل:
﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾
( سورة لقمان الآية: 22 )
كما أن الله محسن إليك، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، ينبغي أن تكون محسناً، وكلمة محسن هي ألصق صفة بالإنسان المؤمن، محسن في كلامه، فلا بذاءة، ولا تهجم، ولا سخرية، ولا فحش، ولا طرف قبيحة محرجة تُحمّر الوجه، بل الكلام منضبط، محسن في تصرفاتك، محسن في زيارتك، محسن في قيادة مركبتك، محسن في تنظيم عملك.
5 – الإحسان صفة جامعة شاملة:
الإحسان صفة الواحد الديان، وكل إنسان مؤمن ينبغي أن يشتق هذه الصفة من الله عز وجل، محسن في تربية أولاده، محسن في علاقاته، محسن في مواعيده، محسن في دعواته، محسن في أفراحه، محسن في أحزانه، الإحسان صفة جامعة مانعة، فكما أنك تكتشف إحسان الله من خلال خلقه، يجب أن تكون أنت محسناً تجاه الخلق.
الزوج يجب أن يكون محسناً لزوجته:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة النساء الآية: 19 )
محسن في تربية أولاده:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أبي هريرة ]
محسن في عمله، عمله متقن.
(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه ))
[ الجامع الصغير بسند حسن عن عائشة ]
أنا لا أصدق أن هناك صفة شاملة إلى درجة لا تصدق، هناك إحسان في الكلام، إحسان في المعاقبة، اتق الوجه، أردت أن تؤدب ابنك فاتقِ الوجه، لأنه كرامة الإنسان، فالنبي نهي عن ضرب الوجه، هناك ضرب معتدل، ليس القصد إيقاع الألم الشديد، القصد لفت نظره.
مرة النبي الكريم أرسل غلاما في حاجة، وتأخر كثيراً، فغضب، النبي بشر، معه سواك، قال له:
(( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أم سلمة ]
محسن في تربية أولاده، إذا كنت مدير مؤسسة فكن محسنًا في معاملة الموظفين.
كلمة ( محسن ) واسعة اتساعا يفوق حد الخيال، الاحتفال فيه إحسان، وأحيانا يكون الاحتفال في أربع ساعات، والله فيه إساءة، والوقت ثمين جداً، أما احتفال منظم في ساعة ونصف فيه إحسان خيرٌ، وهناك تعزية ما فيها إحسان، في بعض البلاد التعزية تقريباً عشرين ساعة بغير كلام، ولا قرآن، كلام فقط، حديث عادي.
قضية الإحسان تشمل الأفراح والأتراح، وتربية الأولاد، حتى في الثياب إحسان، ثياب نظيفة، ألوانها متناسقة، بسيطة، ما فيها تعقيدات، حتى في مكان عملك فيه نظام، ونظافة، وترتيب بالدكان، هذا أيضاً إحسان.
في علم النفس تعلّمنا أن هناك صفات وسمات، السمات عميقة جداً، مثلاً: سما، والضبط يظهر في مواعيد مضبوطة، والضبط يظهر في هندام منضبط، والضبط يظهر في مشروع منضبط.
الآن هناك برامج كمبيوترية، يمكن أن تبدأ بالبناء فما تضيع ثانية، الموضوع مدروس دراسة دقيقة جداً، كل شيء يحتاج إلى جفاف، وإلى استواء، يعطيك ماذا تفعل من أجل أن لا تضيع ثانية واحدة، والإنسان كلما تقدم صان وقته، وأدار وقته.
هناك إحسان يكون في إدارة في الوقت، أحياناً إلغاء الروتين إحسان، تخفيف الأعباء على مواطن إحسان، هذا يشمل الأنظمة التي تنظمها الدولة، أحيانا تجمع حاجات المواطنين في بناء واحد، هذا إحسان.
كلمة إحسان واسعة بشكل غير معقول، يمكن أن تكون محسناً في كلامك، وفي تصرفك، وفي تربية أولادك، وفي معاملتك لزوجتك، وفي عملك، وفي أفراحك، وفي أتراحك، في كل شيء.
إن الله كتب الإحسان على كل شيء، والمؤمن محسن، والمؤمن يشتق هذه الصفة العالية من الله عز وجل: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي تقربوا من الله بكمال مشتق من كمالات الله.والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-04-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(13)






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.






من أسماء الله الحسنى: ( الشافي):


أيها الأخوة الأكارم، الاسم اليوم " الشافي " ورد هذا الاسم في الحديث الشريف الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم والحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا عاد مريضاً يدعو له ويقول:
((اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً ))

هذا الاسم أريد به العلانية، ودلّ على كمال الوصفية، وجاء معرف بأل.
ولكن لا بد من مقدمة كي تتضح ماذا تعني كلمة الشافي ؟.






حياتنا مفعمة بالقوانين الثابتة ولكن لحكمة بالغة حرك الله شيئين الصحة والرزق:



أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: الله سبحانه وتعالى قنن القوانين في الكون، ثبت القوانين، وكأن القانون علاقة ثابتة بين متغيرين، ولولا القوانين ما استقرت الحياة، ولا انتظمت الدنيا، فخصائص المعادن ثابتة، خصائص البذور، الأفلاك ثابتة، أقول ولا أبالغ: مليارات القوانين ثابتة، لمئات ملايين السنين، يمكن أن يقال لك بحساب فلكي دقيق أن الشمس تشرق في عام ألفين و ثمانين في السادس عشر من شباط الساعة الخامسة وأربع دقائق مثلاً.
إذاً الله عز وجل ترسيخاً للنظم، وإراحة للناس، وتطميناً لهم ثبت القوانين، تنشئ بناء ضخماً من الاسمنت المسلح، لو أن الحديد غيّر صفاته لانهار البناء، تشتري سبيكة ذهبية، لو أن الذهب غيّر خصائصه، لخسرت ثمنها، تزرع بذرة معينة تنتج كما زرعت، حياتنا مفعمة بالقوانين الثابتة، وهذه من رحمة الله بنا، ولكن لحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله حرك شيئين، حرك الصحة، وحرك الرزق، قد تأتي الأمطار كثيرة وقد تشح السماء، قد ينعم الإنسان بصحة، وقد يفقد صحته.





تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:


السؤال الآن: أنه كان من الممكن أن لا يمرض الإنسان إطلاقاً، أوضح مثل:
قد تقتني طاولة في بيتك في غرفة الضيوف، مهمتها أن يضع الضيف عليها كأسا من الماء، وقد يقف عليها الإنسان فتحمله، ما معنى ذلك ؟ كأس الماء لا يزيد وزنه عن مئتي غرام، وقد يقف عليها إنسان، وإنسانان، وثلاثة، وتحملهم، معنى ذلك أن الاحتياط فيها مئات الأضعاف، لو كان في الإنسان لكل جهاز ألف ضعف احتياط ألغي المرض كلياً.
والدليل: أن تفجيراً نووياً كان في الصحراء في أفريقيا، التفجير لصالح فرنسا بعد التفجير (والتفجير كما تعلمون ماحق من الضغط، ومحرق من الحرارة)، رؤوا عقرباً يمشي في أرض التفجير، أجريت عليه بحوث لعشرات السنين، تبين أن العقرب يستطيع أن يعيش من دون طعام وشراب ثلاث سنوات، ويستطيع إذا غمسته في الماء أن يبقى حياً ثلاثة أيام، من دون هواء، ويتحمل من الإشعاع النووي ما يزيد ثلاثمئة ضعف ما يتحمله الإنسان ولو نقلته من حرارة الصحراء 60 فوق الصفر، إلى 10 تحت الصفر لم يتأثر، كان من الممكن ألا يكون مرضاً على الإطلاق، وكان من الممكن ألا يكون شح السماء على الإطلاق لأن بعض العلماء كشفوا في الفضاء الخارجي البعيد سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة كل يوم بالمياه العذبة، فإذا قنن الله الأمطار فالتقنين تقنين تأديب لا تقنين عجز.

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )






الإنسان حينما يغفل عن الله يدفع ثمن أخطائه باهظة و يؤدبه الله في الدنيا قبل الآخرة:


إذاً كان من الممكن أن لا يكون هناك مرض إطلاقاً، وكان من الممكن ألا يكون نقص في الرزق إطلاقاً، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون هناك تقنين رزق، وأن يكون هناك تأخر صحة، ولعل الصحة والرزق، والإنسان حريص على صحته، وعلى رزقه حرصاً لا حدود له، لعل في هذا تأديباً لنا، لماذا ؟ لأن الإنسان خُلق لجنة عرضها السموات والأرض وجيء به إلى الدنيا ليدفع ثمن الجنة، جيء به إلى الدنيا ليعبد الله، جيء به إلى الدنيا ليتحرك لمنهج الله، ما أودع الله فيه شهوة إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، ليس في الإسلام حرمان، ولكن في الإسلام تنظيم.
الإنسان حينما يغفل عن الله، ويتحرك بدوافع شهواته، بعيداً عن منهج الله، يقع في شر عمله، يدفع ثمن أخطائه باهظة، ولأن الله رب العالمين، ولأنه خلقه لجنة عرضها السموات والأرض، يؤدبه في الدنيا، هو رب.
سأوضح معنى كلمة رب: قد تكون مدير لمؤسسة، وتعين موظفاً، وتشترط عليه التجريب لستة أشهر، أنت كمدير مؤسسة، وعندك موظف مهمتك في هذا الوقت أن تحصي عليه أخطاءه، فإذا تفاقمت اعتذرت عن تعيينه في المؤسسة، لو أن ابنك في المؤسسة كلما أخطأ نبهته، كان موقفك إحصاء أخطاء صار الموقف مع ابنك تقويم أخطاء.





الله عز وجل رحيم بعباده فإذا أخطؤوا يؤدبهم إما برزقهم أو بصحتهم:


لأن الله رحمن رحيم، ولأن الله رب العالمين، فإذا أخطأ العبد أدبه، أدبه إما بصحته، أو أدبه برزقه:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )

﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن )
الآيات واضحة جداً.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾

( سورة المائدة الآية: 66 )

إذاً الله عز وجل يؤدب عباده بتقنين الرزق، قد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية.
وفي موضوع يعالج في وقت آخر إن شاء الله كيف يزداد الرزق ؟ يزداد بالاستغفار، بإقامة الصلوات، بصلة الرحم، بالتصدق، بالأمانة... إلخ.






المرض أحد أكبر أسباب تربية الإنسان:



أيها الأخوة، إذاً كان من الممكن أن نمرض، لو أن الله سبحانه وتعالى جعل في كل جهاز من أجهزتنا، وفي كل عضو من أعضائنا احتياطات كبيرة جداً، الطاولة في البيت تُستخدم لوضع كأس ماء، وقد يقف عليها إنسان وزنه ثمانين كيلو، وتحمله، إذاً كأس الماء مئتي غرام وزن الإنسان 80 كغ، كم احتياط يوجد ؟ ثلاثمئة احتياط، لو أن كل عضو في جسم الإنسان أخذ هذا الاحتياط الكبير ألغي المرض إطلاقاً، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء لنا أن نمرض ليكون المرض أحد أكبر أسباب تربية الإنسان، لأن الإنسان بحسب فطرته حريص على وجوده وعلى رزقه.





خلق الله كامل كمالاً مطلقاً ولكن أخطاء الإنسان تؤدي به إلى المرض:


أيها الأخوة، الآن يوجد إشارة ثانية في القرآن دقيقة جداً، متعلقة باسم " الشافي" قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
دقق في السياق: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ الآية الثالثة بحسب السياق وإذا أمرضني فهو يشفيني، لا، قال:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ ﴾

( سورة الشعراء الآية: 80 )

عُزي المرض إلى الإنسان، بمعنى أن خلق الله كامل كمالاً مطلقاً، ولكن أخطاء الإنسان قد تكون أخطاء فردية، وقد تكون أخطاء في العصر، في عصر الضجيج، في عصر التلوث، في عصر تغيير خلق الله، معظم حياتنا فيها تغيير لخلق الله, نريد أن ينمو هذا الفروج إلى كغ بأربعين يوماً، يجب ألا ينام، هذا وضع غير طبيعي.
نريد أن نطعم البقر طحين الجيف، فجن البقر واضطر الإنسان أن يحرق ثلاثين مليون بقرة، ثمنها ثلاثة وثلاثين مليار جنيه إسترليني، وما جنون البقر إلا من جنون البشر لما نغير خلق الله عز وجل.
لما ننام في النهار ونسهر في الليل، هذا بخلاف منهج الله عز وجل، لما نحاول أن نأكل كل شيء بكل الأوقات عن طريق زراعة محمية هذه لها أخطار، طبيعة حياتنا فيها أخطار كبيرة جداً، عندما نحاول أن نحفظ الطعام بمعلبات نضع مادة مضادة للفساد بنزوات الصوديوم، والمادة مسرطنة.
عندما استخدمنا المبيدات الكيماوية رفعت ملوحة التربة، لما استخدمنا الأدوية الكيماوية أيضاً، الدواء الكيماوي يحل مشكلة من جهة ويخلق مشكلة من جهة ثانية، هناك تغيير بخلق الله، أكثر ما يعانيه الناس من الأمراض من التلوث، من استخدام المبيدات، من استخدام الأسمدة الكيماوية، من استخدام مشتقات البترولية، والآن الخبر الأول في العالم ارتفاع الحرارة، الاحتباس الحراري بسبب ثاني أوكسيد الكربون.






من طبق القواعد الصحية التي جاءت بها رسالات الأنبياء تمتع بصحة جيدة طوال حياته:


إذاً المرض يعزى إلى الإنسان، الخطأ من الإنسان، لو تصورنا أن الإنسان اتبع القواعد الصحية التي جاءت بها رسالات الأنبياء، لقلّ المرض إلا أن يكون قضاءً وقدراً أقول كلاماً دقيقاً، أحياناً يأتي المرض قضاء وقدر، لكن في الأعم الأغلب يكون المرض عقب تقصير في تطبيق التعليمات التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام.
هناك مستشفى بألمانيا كتب عليها: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع عن محمد بن عبد الله، هذا الكلام يعد كلاماً أساسياً في الطب الوقائي، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع.
إذاً لو أن الإنسان طبق التعليمات لتمتع بصحة جيدة طوال حياته، وقد تلاحظ أحياناً إنسان يحرص على تطبيق التعليمات الصحية حرصاً بالغاً في الأعم الأغلب يتمتع بصحة عالية جداً.
وكان هذا العالم الجليل الذي رؤي في الثالثة والتسعين، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، إذا سُئل يل سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟! يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.





الله عز وجل ثبت أشياء استقراراً للنظام وحرك شيئين تأديباً لنا:


إذاً الله عز وجل ثبت أشياء استقراراً للنظام، وحرك شيئين، حرك الرزق وحرك الصحة، ليكون هذا التحريك أداة تأديب لنا.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾

( سورة البقرة )

ها هو التأديب، وهذه هي التربية. فلذلك:

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى )

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]






الله عز وجل خلق لكل إنسان جهاز مناعة قوامه الكريات البيضاء و فِرقه هي:



1 ـ فرقة الاستطلاع:


لكن لو دخلنا في تفاصيل اسم "الشافي" من الزاوية العلمية، الله عز وجل وضع فينا جهاز المناعة، وجهاز المناعة يكاد يكون جيشاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، قوام هذا الجيش الكريات البيضاء، هذه الكريات مجموعة فرق، هناك فرقة الاستطلاع، فرقة معلومات استخبارات، أو اسمها في بعض الجيوش الاستطلاع، مهمتها معلوماتية فقط فإذا دخل إلى الجسم جرثوم تتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، تقترب من هذا الجرثوم تأخذ شفرته الكيماوية وتعود لا تقاتله، إلا أنها تستكشف خصائصه (شفرته الكيماوية) وتذهب إلى مؤسسة معامل الدفاع.



2 ـ فرقة تصنيع السلاح:


فرقة ثانية مهمتها تصنيع السلاح، متواجدة في العقد اللمفاوية، فالكريات البيضاء من فرقة الاستطلاع، تأخذ شفرة الجرثوم الكيماوية وتتجه إلى العقد اللمفاوية، في العقد يصنع المصل المضاد للجرثوم، لكن أعظم ما في الفرقة الثانية تصنيع المصول.
قد نعطي الطفل مثلا لقاح الكوليرا، يعني جرثوم مضعف، فكما هي العادة الكرات البيضاء الاستطلاعية تأخذ شفرته الكيماوية وتذهب إلى العقد اللمفاوية في فرقة تصنيع المصل، وتعطى الشفرة، وتصنع المصول المضادة لهذا الجرثوم، وتحفظ في ذاكرة هذه الفرقة، فإذا عاد الجرثوم بعد سبعين عاماً الملف جاهز.
لذلك لولا ذاكرة فرقة تصنيع المصول لما كان من معنى إطلاقاً للقاحات في الأرض، لا قيمة للقاحات أساساً من دون ذاكرة مودعة في فرقة تصنيع المصول.



3 ـ فرقة المقاتلين:


الفرقة الثالثة فرقة المقاتلين، هذه الفرقة مهمتها أن تأخذ المصل المضاد وتتجه إلى الجرثوم، وتجري معركة بين الكريات البيضاء المقاتلة (هذه الفرقة الثالثة)، وبين الجرثوم.



4 ـ فرقة التنظيف:


أحياناً الإنسان يرى ورما خفيفاً، ثم بقعة بيضاء من القيح، هذه نتائج المعركة معركة تجري في الجسم بين الكريات البيضاء المقاتلة وبين الجراثيم، فإذا حُسمت المعركة لصالح الكريات البيضاء، في فرقة الخدمات، تنظف أرض المعركة، وتزيل آثار العدوان.



5 ـ فرقة المغاوير:


اكتشف بعض العلماء فرقة خامسة اكتشفها في عام 1967م " اسمها فرقة المغاوير " بالتعبير الأجنبي كومندوس، هذه الفرقة تستطيع أن تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهما.





الشدة النفسية سببها ضعف التوحيد:





ثبت أن كل إنسان في دمه ملايين الخلايا السرطانية، لكنها غير مفعلة عليها قامع يقمعها، يمنع تفعيلها، فإذا ذهب القامع عن بعضها الفرقة الخامسة المغاوير تكتشف هذه الخلية السرطانية فتلتهما، وينجو الإنسان من الورم الخبيث.
قال: هذا القامع ما الذي يفكه ؟ الشدة النفسية، الخوف، القلق، الحقد، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 119 )
الغيظ مميت، الآن المرض الأول في العالم الشدة النفسية، خوف، تهديد قد يكون سلامة لكن ما في أمن.
لذلك قالوا: أنت من خوف المرض في مرض، يعني أحياناً تأتي أمراض القلب من خوف مرض قلب، أنت من خوف المرض في مرض، ومن خوف الفقر في فقر وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف التهديد في مرض، من خوف شبح الحصار الاقتصادي في مرض، من خوف شبح الاجتياح في مرض، هذه كلها أمراض الإنسان الآن يتحمل من الضغوط ما لا يحتمله إنسان في عصور سابقة.
لذلك: ما في حل إلا التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ما في حل إلا أن ترى أمرك بيد الله، وأن الذي خلقك لن يسلمك إلى أحد غيره.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )






ارتفاع نسبة السرطانفي عصرنا إما لضعف في نفوسنا أو ضعف في إيماننا:


ما لم توقن أن أمرك وسلامتك وأهلك وأولادك ورزقك وصحتك بيد الله، وأنك إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا عبدت الله أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، هذه المعاني الناس في أمس الحاجة إليها، قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

( سورة الأنعام )

الفرقة الخامسة إذاً فرقة مغاوير، ما الذي يفك القامع ؟ الشدة النفسية، والإشعاع النووي، وصول مشتقات البترول إلى جوف الإنسان، هذا الذي يغسل المحركات بالبنزين إذا أكل بيديه قل أن يغسلهما جيداً عنده احتمال وصول المشتقات إلى جوفه، وهذه تسبب الأورام.
وشيء آخر كما قال العلماء: التوسع في استخدام البلاستيك، البلاستيك يجب أن نبتعد عن استعماله مع الحرارة الشديدة، أو مع المواد الحامضة، أو أن يدخل إلى جوفنا بعض منه عن طريق التيفال، وعاء تيفال بعد سنتين يصبح حديداً، المادة أين ذهبت ؟ أكلناها، فمشتقات البترول، والتوسع في استخدام البلاستيك، والإشعاع النووي والشدة النفسية، تفك القامع.
لذلك ارتفاع نسبة السرطان أصبحت إلى عشرة أمثال، لخطأ في عصرنا، أو ضعف في نفوسنا، أو ضعف في إيماننا، هذه حقيقة أيها الأخوة.






جهاز المناعة جيش يقويه الأمن والحب والود و يضعفه الخوف والقلق والحقد:


الآن في غدة اسمها " التايموس " اكتشفت أخيراً أنها غدة لا وظيفة لها هكذا قال الأطباء، ثم اكتشف أنها أخطر غدة في جسم الإنسان، قال هذه مدرسة حربية، تدخلها الكريات البيضاء وتبقى فيها سنتين، تتعلم من هو الصديق، ومن هو العدو، كريه بيضاء معها سلاح خطير، الكريه المحاربة الفرقة الثالثة، هذه سموها الخلية التائية الهمجية جاهلة تدخل في هذه الغدة وتبقى سنتين، لما كُبّرت مئات المرات بدت وكأنها مدرج روماني، وهذه الخلايا التائية الهمجية كأنهم طلاب علم، تبقى الخلية التائية الهمجية سنتين وبعدها تمتحن هناك مخرجان امتحانيان، الأول تعطى هذه الكريه الممتحنة عنصراً صديقاً فإذا قتلته ترسب وتقتل، وإذا لم تقتله تنجح وتتخرج، ثم تمتحن امتحاناً آخر تعطى عنصراً عدواً فإذا لم تقتله ترسب وتقتل، وإذا قتلته تنجح وتتخرج.
قال بعد سنتين تضمر هذه الغدة ضموراً كلياً، الأمر الذي جعل بعض الأطباء أن يقولوا لا وظيفة لها، تبين أن الجيل المتخرج يتولى إلى نهاية الحياة تعليم الأجيال الصاعدة فصار أول جيل تخرج من هذه الكلية الحربية، يتولى تعليم الأجيال الصاعدة، لكن بعد الستين أو السبعين يضعف التعليم، مع ضعف التعليم ينشأ شيء اسمه " الخرف المناعي" منها التهاب المفاصل الرثوي، منها سبعة أمراض تقريباً، يعني ما معنى التهاب مفاصل ؟ يعني ضعف التعليم، صار العنصر القوي الكرية البيضاء تقتل الصديق، أي أصبح حرباً أهلية، فالتهاب المفاصل الرثوي نتيجة حرب أهلية داخل الجسم.
أيها الأخوة، جهاز المناعة هذا الجهاز يؤكد اسم " الشافي " جيش بكل معاني هذه الكلمة، هذا الجيش يقويه الأمن والحب والود، يضعفه الخوف والقلق والحقد.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-04-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(14)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( المُبِين ):


1 – ورودُ اسم ( المبين ) في القرآن الكريم:



مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المبين )، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في آية واحدة، قال تعالى:

﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

( سورة النور )






2 – ورودُ اسم ( المبين ) معرَّفًا بـ ( أل ) إشارة إلى الوصفية:



ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفا بـ ( أل )، فلان اسمه راشد، راشد اسم علم، أما إذا عرفت الاسم لقلت: جاء الراشد، أنت تريد أن تؤكد اتصاف هذا الإنسان بالرشد، فحين يعرّف اسم العلم يقصد منه التعريف، ودقة اتصاف صاحب الاسم بصفته، إذا قلت: جاء راشد، قد يكون جاء رجل اسمه راشد، لكنه غير راشد، كأن تقول: فلان سعيد، اسمه سعيد، وهو من أشقى الناس، فلان كامل، وفيه كمية نقص لا تعد ولا تحصى.
لذلك إذا عُرِّف الاسم العلم بـ ( أل ) أُشير إلى اتصاف صاحبه بهذه الصفة، فاسم الله تعالى ( المبين ) ورد معرَّفا بـ: أل:
﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

( سورة النور )

شيء آخر أيها الأخوة، نحن نعلم في اللغة أن الكلمات معارف ونكرات، المعرفة ما دلت على معين، والنكرة ما دلت على غير معين، تقول: عاصمة، فهي غير معين، نكرة، أما دمشق فمعرفة.
قال بعض النحاة:

إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل
الضمير معرفة، اسم العلم معرفة، اسم الإشارة معرفه، اسم الموصول معرفة، المُعرف بأل معرفة، المضاف معرفة، المنادى معرفة.

إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل.






3 – اسم ( المبين ) مفيدٌ للمدح والثناء:



هذا الاسم يفيد المدح والثناء، والعبد عبد والرب رب، شأن العبد الافتقار، وشأن الرب المدح والثناء، لكن لو أن غنياً تواضع، وقال لمن يسأله عطاءً: أنا لا أملك شيئًا، ليس هذا المقام مقام تواضع، مقام أن تذكر له أنك يمكن تساعده، فشأن الله المدح والثناء، وشأن العبد الافتقار.





غزوة بدرٍ وحنين درسان بليغان:





في حياة الناس درسان بليغان، الدرس الأول درس بدر، والدرس الثاني درس حنين.
النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، وهو قمة البشر وقد اختاره الله، واختار له أصحابه، قال:
(( إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))

[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أنس ]
أصحابه والنبي على رأسهم في بدر افتقروا إلى الله في بدر فقال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )
النبي نفسه، وهو في أعلى درجات القرب والافتقار إلى الله، لكن أصحابه في حنين قالوا:

(( لن نغلب من قلة ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم، عن ابن عباس ]
فتخلى الله عنهم، قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة الآية: 25 )





لا تقل: أنا، لي، عندي:





درْسا بدر وحنين يحتاجهما المؤمن في كل يوم، بل في كل ساعة، فإذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، وإذا قلت: الله، تولاك، قل: أنا ابن فلان، يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي علم يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي تجربة غنية في هذا الموضوع، قل: أنا أعلم من حولي يتخلّ الله عنك، إياك أن تقول: أنا، قالها إبليس:

﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
فأهلكه الله، وقالها قوم بلقيس:

﴿ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )
وقالها قارون:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
فخسف به الأرض، وقال فرعون:

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )
فدمره الله، أنا، ونحن، ولي، وعندي كلمات مهلكات، فإذا قلت أنا تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاك الله، ونحن جميعا بحاجة ماسة لهذين الدرسين في كل ساعة من حياتنا.
هناك طبيب جراح نسائي في بلد عربي متفوق، له زميل طبيب من المستوى نفسه، له زوجه في حملها إشكال، فذهب إليه، واتفق أن تكون الولادة عنده، ثم سأله زميله: هل ترى أن نسأل طبيبا آخر؟ قال: أنا أعلم مَن في هذه المدينة بهذا الاختصاص، بكل كِبْر، القصة طويلة، لكن مغزاها أن هذا الطبيب ارتكب خطأ فادحا جداً لا يرتكبه ممرِّض، الأمر الذي وجب على القائمين على شؤون الصحة أن يسحبوا منه الشهادة لأول مرة في تاريخ البلد العربي بعد النهضة والاستقلال.
لا تقل: أنا، لا تقل: ليس هناك من هو أعلم مني.
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة يوسف )
إن شاب ناشئًا ألقى درساً فتحلق والتف الناس حوله، وأحبوه، ورجل آخر مِن أهلِ العلم آلمه هذا الإقبال على هذا الشاب، فجاء إليه، وأراد أن يصغّره، فحضر درسه، فلما انتهى الدرس، سأل هذا الفتى: وقال له: يا هذا، هذا الذي قلته ما سمعناه، تصغيرا له، فالشاب مؤدب جداً، قال: يا سيدي، وهل تعلمت العلم كله، فإذا قال: نعم، فقد خالف قوله تعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

قال: لا، قال: كم تعلمت منه ؟ قال: شطره، قال: يا سيدي هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه.
إياك أن تقول: أنا، قل: بفضل الله، الله مكني أن أنال هذه الشهادة، الله مكني أن أتقن هذه الحرفة، الله مكني أن ألقي هذه الكلمة، الله مكني أن تنجح هذه العلمية.
أعرف طبيبا جراحاً عصبياً، المريض على الطاولة، يصلي أمامه ركعتين، ويقول: يا رب، ألهمني الصواب، أنا مفتقر إليك.
عوِّد نفسك في كل عمل تقدم عليه أن تقول: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا المتين، شأن العبد أن يفتقر، وشأن الرب أن تثني عليه، وأن تمدحه، كي نطمع بفضله، وكي نقبل عليه، وكي نلجأ إليه، وكي نعتمد عليه.






لا تُظهِر نفسَك وتعتِّم على غيرك:





أيها الإخوة، لكن بالمناسبة، إذا مُدح المؤمن ربَا الإيمان في قلبه، وهناك إنسان بطبيعته لا يُظهِر مَن حوله إطلاقاً، تعتيم شديد على مَن حوله، وتسليط للإضاءة شديد على شخصه، هو يكبُر ومَن حوله يصغرون، ليس هذا من شأن النبي عليه الصلاة والسلام.

(( لو كان نبيا بعدي لكان عمر ))

[ أخرجه الترمذي عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ ]
سيدنا الصديق ما ساءني قط، وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر.
سيدنا ابن الجراح أمين هذه الأمة، كل صاحبي أعطاه النبي حقه، هذه بطولة أن تُظهِر مَن حولك، لا أن تعتم من حولك.
فذالك أيها الإخوة، إذا مُدح المسلم رَبا الإيمان في قلبه، والمؤمن الصادق إذا مُدح والله يزداد تواضعاً لله، يزداد محبة له، يقول: يا رب، إني تبرأت مِن حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، يا رب، هذا فضلك، يا رب، هذا توفيقك يا رب، هذا من عندك، يا رب، هذا من تأييدك.
المؤمن الصالح إذا مُدح ربا الإيمان في قلبه، وهناك أشخاص إذا مدحتهم، يصدقون، ويستعلون، ويتغطرسون، ويعانون من أمراض نفسية كانوا في غنىً عنها.
إذاً: أنت أيها الأخ المؤمن كن حكيما، إذا كان مدحك يسوق الإنسان إلى الفجر فإياك أن تمدحه، لذلك ورد أيضاً:

(( احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ ))

[ أخرجه مسلم المقداد بن الأسود ]

ورد النهي عن المديح، وورد الثناء على المديح، هذا بحسب حال الممدوح، فإذا كان مؤمناً ربا الإيمان في قلبه، وإن كان غير مؤمن ازداد كبراً وغطرسة واستعلاء.






علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب:





أيها الإخوة، قضية التولي والتخلي، أخطر شيء في حياتنا، قل: الله، حقيقة المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تؤلهها، وأن تنسى الله معها، وهذا شأن العالم الغربي، وسهل أيضاً ألا تأخذ بها جهلاً وتواكلاً وتقول: توكلنا على الله.
سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، سألهم: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>.
يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا شيء مهم جداً أيها الإخوة.
إذاً: المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها، يعتمد على الله، وقبل أن يسافر يراجع مركبته مراجعة دقيقة، ثم من أعماق أعماقه يقول: يا رب، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أما ألاّ يأخذ بالأسباب، ولا يراجع المركبة، ولا يتفقد مكابحها، ولا أجهزتها، ولا وسائلها، ويقع الحادث، ثم يقول: هذه مشيئة الله، فهذا افتراء على الله، هذه نتائج التقصير، ولو فهِم المسلمون أن الأخذ بالأسباب من الدين، بل هو من صلب الدين لما كانوا فيما هم فيه الآن من ضعف، لكن العالم الغربي وقع في متاهة أخرى، أخذ بالأسباب واعتمد عليها، ونسى الله، وتغطرس، فأدبه الله عز وجل.
الإنسان يؤدَّب مرتين، مرة إذا أخذ بالأسباب واعتمد عليها، وأشرك مع الله، وينسي ربه، ومرة إن لم يأخذ بها، ففي الحالتين يؤدب، لذلك البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست شيء.





الكون مسخَّر للإنسان تعريفًا وتكريما:





أيها الإخوة، الكون كما تعلمون مسخر تسخير تعريف وتكريم، تماماً لو قدم لك أحدهم هاتفا متطورا جداً، وفيه خدمات كبيرة جداً، قدمه لك أحدهم هدية، وهذا الجهاز من اختراعه، أنت بماذا تشعر ؟ تشعر بإكبار لهذا الإنجاز العلمي، وتشعر بامتنان، لأنه أعطاك إياه هدية، هذا مثل للتبسيط.
هذا الكون الذي سخره الله للإنسان، سخره له تسخير تعريف وتكريم، من أين جئنا بهذا المعنى ؟ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ:

(( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[ رواه أبو داود وفي سنده ضعف ]
هلال خير أنتفع به، وهلال رشد يرشدني إلى ربي، هذا منهج.
الطعام أمامك، طعام خير ورشد، تنتفع به، وتتعرف إلى خالقه، نظرت إلى السماء، نظرت إلى النجوم، إلى البحار، إلى الجبال، نظرت إلى الأسماك، إلى الأطيار كل شيء سخره الله لنا تسخير تعريف وتكريم، فردُّ فعل التعريف أن تؤمن، وردُّ فعل التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن، وحينما تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وإنْ آمنت وشكرت توقفت المعالجة، الدليل قال تعالى:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

( سورة النساء )
في اللحظة التي تؤمن بها بالله، وتشكره على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد، فقد حققت سر وجودك وغاية وجودك، واعلم علم اليقين أنه ربما وفي العمل الأغلب وإن شاء الله تتوقف كل المعالجات، لذلك ورد في بعض الأحاديث عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ ))

[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك ]

إذا دعوت وأنبت، واستقمت، وتبت يتوقف كل شيء في حقك، وهذه بشارة كبيرة جداً.






التوحيد لا يغفي من المسؤولية:





أيها الإخوة، ولكن كما تحدثت عن التوحيد لا بد من التنويه أن الله عز وجل حينما سمح لموضوع حديث الإفك أن يكون، قال في القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية: 11 )
لأن كل شيء وقع أراده الله، ولأن كل شيء أراده الله وقع، ولأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ولأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فخير، لكن لئلا يتوهم الإنسان أن القضاء والقدر يعفيه من المسؤولية، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

( سورة النور )
كي أترجم هذه الفكرة إلى حياتنا: طبيب اشتغل مع ممرضة في المستشفى بحديث غزلي، جاء إنسان في الإسعاف، قال لهم: انتظروا، حتى مات، فالطبيب مسؤول، ولا يقل: سبحان الله ! مات بأجله، لا، أنت مسؤول، الدليل: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم ]

التوحيد لا يلغي المسؤولية.




4 – الاشتقاق اللغوي لاسم ( المبين ):


أيها الإخوة، المبين اسم فاعل من المشتقات نحن لغتنا لغة اشتقاق، وهي من أرقى اللغات ( المبين ) اسم فاعل، نحن في لغتنا اللغة أُسَر، هناك أسرة جدها بانَ، فيها اسم فاعل بائن، فيها فعل رباعي، أبان، فيها اسم فاعل رباعي مبين، وهناك بينونة، عندنا فعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل واسم مفعول، وصفة مشبهة باسم الفاعل، واسم تفضيل، اسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، لغتنا من أرقى اللغات، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى اختارها لكلامه:

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾

( سورة الشعراء )
وفي اللغة لقطات مذهلة، اللغة العربية تتسع اتساعاً مذهلاً، فهناك كلمة نظر، وحدّج، حدج نظر مع المحبة، وفي الحديث الشريف:

(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ))

هناك نظر شزراً، مع الاحتقار، وهناك شَخَص مع الخوف، وحَدج، وهناك بَحْلق مع التحديق، وحملق، ظهر حملاقُ العين، واستشرف مع التمطي، واستشف مع اللمس، ولَمَح، نظر، وأعرض، هناك ولّى، وظهر، واختفى.
العربية من أرقى اللغات الإنسانية، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوتهم، وفي العربية مثلا: كتب، ومكتب، وكتابة، وكتاب، من أسرة واحدة، وفي اللغة الإنجليزية Write, book, table، كل كلمة من اشتقاق، نحن كتب، يكتب، كاتب، مكتوب، مكتب، كتاب، هل نظرت إلى النظام ؟
فلذلك ( المبين ) اسم فاعل من أبان، أظهر، أما بائن مِن بان، وهو فعل لازم، اسم فاعله بائن، أما أبان: اسم فاعله مبين.
بانت المرأة ؛ انفصلت عن زوجها، وفي الطلاق الثالث تكون البينونة الكبرى.




5 – معنى اسم ( المبين ):


شيء الآخر، ( المبين ) الواضح:

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )
السحرة جاءوا بأنابيب، وطلوها على شكل ثعبان، ووضعوا فيها زئبقًا، ثم وضعوها على مكان ساخن، تمدد الزئبق، تحركت هذه الأنابيب المطاطية

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الشعراء )
شيء رائع جداً:

﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾
أي: واضح.
﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

( سورة الدخان )

حينما يرى الإنسان أنه خسر الأبد، وخسر الآخرة قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة الزمر )
الخسارة الحقيقية أن تخسر الله، أن تخسر الجنة، أن تخسر الأبد.
لذلك أبان ؛ أظهر، والبيان ؛ الفصاحة.
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )





البيان أرقى أداة اتصال بشري:





البيان أرقى أداة اتصال بشري، فلو فرضنا دولة فيها نظام، لكن ما فيها لغة، وأراد حاكم هذه البلدة أن يمنع التجول، ماذا يفعل ؟ يحتاج على شرطي لكل مواطن يدفعه إلى البيت، لكنه يصدر بلاغا في أربع كلمات لا تجد بعد ذلك إنسانا في الطريق.
أرقى أداة اتصال بين البشر اللغة، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )
أيضا البيان شفهي للتواصل المباشر، وكتابي للتواصل الغير مباشر.

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
البيان الكتابي ينتقل من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، والبيان الكتابي مع الترجمة ينتقل من أمة إلى أمة، ومن ثقافة إلى ثقافة، والإنسان خُص بالبيان:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

(( وإن من البيان لسحرا ))

[ أخرج مالك أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ]

(( إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ))

[ أخرجه البخاري عن أُبي بن كعب ]







والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-05-2018, 08:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(15)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( القريب ):


1 – ورودُ اسم ( القريب ) في القرآن الكريم مقترنا بغيره من الأسماء:


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( القريب )، وقد ورد اسم الله ( القريب ) في القرآن الكريم مطلقاً منوناً، مرادا به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، ومقترناً باسم الله المجيب، كما في قوله تعالى:

﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ﴾

( سورة هود )
واقترن باسمه السميع، في قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾

( سورة سبأ )




2 – ورودُ اسم ( القريب ) في القرآن الكريم مفرَدًا:


ورد هذا الاسم أيضاً مفرداً في قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 186 )




3 – قربُ الله قربُ علمٍٍ وقدرةٍ:


أيها الإخوة، هذا الاسم له قرب من الإنسان شديد، المعنى أنك إذا أيقنت الله معك فلن تستطيع أن تعصيه، بل حينما تشعر أن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة لا يمكن أن تتجاوز أمره

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق )
فعلّة خلق السماوات والأرض أن تعلموا.
﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

( سورة الطلاق )




4 – قربُ الله يستلزم معيّته:


حينما توقن أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، وأن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة، أنت في قبضته، وعلمه يطولك، وقدرتك تطولك، فكيف تعصيه ؟ حتى إنه قد قيل: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )
وهو مع المؤمنين بالحفظ، والتأييد، والنصر، التوفيق.
فلذلك أيها الإخوة، ورد في مرتبة الإحسان:

(( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))

[ مسلم عن عمر بن الخطاب ]

﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الشعراء )
أحياناً يكون الإنسان قريباً منك، يلازمك كظلك، لا يفارقك، مهما يكن محبوباً تضجر من قربه، تقول: دعني وشأني، أيّ إنسان إذا لازمك ورافقك لا تحتمل قربه، تحتاج من حين لآخر ألا أن تنفرد بنفسك، ومع أن الله معنا في كل وقت، وفي كل حين، وفي كل شأن:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

لكن معية لطيفة لا تشعر بثقل وجوده، بل تشعر براحة وجوده.




5 – قربُ الله أكبر ضمان لاستقامة العبد:


فلذلك أعلى درجة من الإيمان أن تشعر أن الله معك، وأكبر ضمانة للاستقامة أن تشعر أن الله معك، وأكبر باعث للخشية أن تشعر أن الله معك، وأكبر مُطمئِنٍ لك أن تشعر أن الله معك.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء )
بالموازين الأرضية لا أمل، فرعون بقوته، بجيشه، بطغيانه، بحقده، بجبروته، يتابع نبياً مع شرذمة قليلين من بني إسرائيل، إلى أن وصلوا إلى البحر، وانتهى الأمر، بالموازين الأرضية لا أمل في النجاة أبداً.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
معية الله للمؤمنين معية النصر، معية التوفيق، معية التأييد، معية الحفظ، ومعية الله لأي إنسان كائناً من كان، حتى ولو كان ملحداً فهو معه معية العلم:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

إما أن تكون المعية معية علم لكل خلقه، وإما أن تكون المعية معية توفيق، وحفظ، وتأييد ونصر.






معية الله لها ثمن:






إلا أن المعية الخاصة لها ثمن، ولا شيء بلا ثمن.

﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

( سورة المائدة الآية: 12 )
معية الله عز وجل لها ثمن، وأعلى درجة الإيمان أن تشعر أن الله معك، قريب منك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، قال بعض العلماء: أقرب إليك من روحك.
امسك قطعة كهربائية، وضمها إلى صدرك، وضمها ضماً شديداً، مهما تكن قريباً منها، ومهما تكن قريبة منك، مهما شددت عليها، الذي أقرب إليها منك القوة الكهربائية التي تحركها، لكن الله سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى أقرب إليك من القوة التي تمدك بالحياة.
﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾

( سورة ق )
فهو معنا، يطلع علينا، يطلع على خواطرنا، على نوايانا، يطلع علينا، إذا تكلمنا فهو يسمعنا، يطلع علينا فهو يرانا، يطلع على قلوبنا إذا أضمرنا، لا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عنه خافية، هذا الإيمان إلى أن نصل إليه نكون قد حققنا تسعة أعشار الطريق إلى الله، أن الله قريب:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الشعراء )
أيها الإخوة، للتقريب: إن الإنسان لو زاره رجل من علية القوم، من وجهاء الحي، من أقرب الناس إليه، في الأعم الأغلب يرتدي ثيابا جميلة، في الأعم الأغلب يجلس جلسة مؤدبة، في الأعم الأغلب ينتقي كلمات دقيقة، في الأعم الأغلب يتجمل أمامه، فإذا كان هذا حالنا مع كبراء القوم، هذا مع علية القوم، فكيف حال المؤمن مع خالق السماوات والأرض ؟.
الحقيقة أن الخشوع يحتاج إلى إحساس بالقرب، ودائماً وأبداً يشعر المؤمن أن الله معه، فهو أولاً في طمأنينة، وثانياً في مراقبة.
الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى:
﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )
قال هذا الأعرابي: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، لم يقل فَقِه قال فَقُه، يعني أصبح فقيهاً، آية واحدة كفته.
صدقوا أيها الإخوة، أن هناك آيات لا تعد ولا تحصى، الواحدة منها تكفي.
﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

وهو قريب منكم.






وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ





﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 186 )
أحياناً تدعو الله بقلبك، ولا تحرك شفتيك، ولا تنطق بكلمة.
حدثني رجل، قال لي: والله انتهيت من أداء خدمتي الإلزامية، ولا أملك من الدنيا شيئاً، أعطتني أختي سوارا من الذهب، فبعتها، واشتريت بها بطاقة إلى بلاد الخليج، وأنا راكب في الطائرة أضمرت في قلبي أن إذا أكرمني الله عز وجل سأبني له مسجداً في بلدتي، قال لي: الله ما حركت شفتاي بهذا الكلام، وبعد أعوام مديدة أنشأ هذا المسجد، وصليت في المسجد، وحدثني عن قصته.
لذلك الله عز وجل مطلع على خواطرك، يمكن أن تدعوه بقلبك.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ﴾

( سورة مريم )

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ﴾

( سورة البقرة الآية: 186 )
الدعاء سلاح المؤمن، وأنت بالدعاء أقوى إنسان، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله.
أيها الإخوة:

(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه ))
[ أخرجه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
فأنت إذا أيقنت أن الله قريب منك، وأنه معك، وأنه مطلع على سريرتك، لأنه يسمع دعاءك، ويرى حركتك، ويعلم ما في قلبك، لا بد من أن تستقيم على أمره، ولا بد من أن تستحي منه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي ]






الإسلام والإيمان والإحسان:






إذاً: الموضوع أن تشعر أنه معك، ومرتبة الإحسان، وهذه في النصوص الصحيحة تأتي فوق مرتبة الإيمان، هناك مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، مرتبة الإسلام أن تخضع للواحد الديان، أن تخضع جوارحك لمنهجه، أن تؤدي زكاة مالك، أن تصلي الفرائض، أن تدفع الزكاة، أن تحج البيت، أن تغض البصر، أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، منجزاً للوعد، راعياً للعهد، هذا هو الإسلام.

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾

( سورة الحجرات الآية: 14 )
فالإسلام أولاً، مرتبة الإسلام خضوع الجوارح والأعضاء لمنهج الله عز وجل، أما الإيمان فأن ينعقد مع هذا الخضوع صلة بالله عز وجل، فتقبل عليه، لذلك الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالإقبال على الله، وينقص بفتور العلاقة معه.
المرتبة الثالثة مرتبة الإحسان، هذه متعلقة باسم ( القريب )، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أيها الإخوة، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.
أيها الإخوة، ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ ))

[ متفق عليه ]
إنه معكم، وأبرز ما يميز المؤمن خشوعه، وأسباب خشوعه إيمانه أن الله معه، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى تبين أن الناس يتفاوتون بإيمانهم، بقدر إدراكهم بقرب ربهم:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )




6 – من معاني اسم ( القريب ):


الآن ما معنى اسم ( القريب ) على التفصيل:



1 ـ القرب المكاني:



أول معنى هناك القرب المكاني، القريب عكس البعيد، القريب ليس بينك وبينه حجا
ب، البعيد بكل معاني الكلمة، هناك قرب المكان، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )
من معاني القريب قرب المكان، تؤكده هذه الآية الكريمة:

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )




2 ـ القرب الزماني:



ومن معاني القريب قرب الزمان.

﴿ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )

إما قرب مكاني، وإما قرب زماني.




3 ـ قُربُ النَّسب:



ومن معانيه القريب في النسب:

﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾

( سورة النساء الآية: 7 )
عندنا قرب نسب، وبالمناسبة: هناك قاعدة: الأقربون أولى بالمعروف، من أدق هذه القواعد: القرب النسبي، والقرب إلى الفقر، والقرب إلى الإيمان، عندك ثلاثة موازين في دفع صدقتك أو زكاتك، إما أنه أفقر، أو أنه أقرب إلى الإيمان، أو أنه أقرب إليك نسباً.
إذاً:

﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾

( سورة النساء الآية: 7 )




4 ـ قُرب الحظوة:



ومن معاني القرب قرب الحظوة، أحيانا يكون الإنسان قريبا من إنسان يحتل مركزا مرموقا، وله رجلٌ قريب جداً منه، بإمكانه أن يدخل عليه بلا استئذان، بإمكانه أن يبوح له بكل شيء، هذا قربُ الحظوة، وعندنا قرب مكان، وقرب زمان، وقرب حظوة، هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾

( سورة الواقعة )
كيف هو قريب ؟ قال: هو قريب من خلقه كما شاء، وكيف شاء، هو القريب من فوق عرشه، أقرب إلى عباده من حبل الوريد، كما قال تعالى:
﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾

( سورة ق الآية: 16 )

﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الواقعة )
إنسان حضرته الوفاة، أقرباءه، زوجته، أولاده، إخوته حوله، قريبون منه، يضعون يدهم على جبينه، وهذا على يده يقيس ضغطه، كل هذا القرب قال تعالى:

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾
لذلك حينما تصل إلى أن تؤمن أن الله معك دائماً، تكون قد قطعت تسعة أعشار الطريق إلى الله، والإحساس بقرب الله عز وجل أكبر باعث على طاعته، وأكبر باعث على الخشية منه، والإنسان حينما يرى أن الله معه يقبل عليه.

(( يا موسى أتحب أن أكون جليسك قال: كيف ذلك يا رب ؟ أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))

[ ورد في الأثر ]

لذلك القرب من الله قمة التدين، قمة الإيمان أن تكون قريباً من الله، القرب من الله يعني الانضباط، القرب من الله يعني الشعور بالأمن، القرب من الله يعني الشعور بالسكينة، القرب من الله يعني الشعور بالسعادة، الشعور بالرضا، هذه المعاني الدقيقة جداً لذلك في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 45 )
ذكر الله لكم وأنتم تتصلون به أكبر من ذكركم له، وأنتم تعبدونه، لأن الله إذا ذكر الإنسان منحه نعمة الأمن، والأمن بشكل أو بآخر خاص بالمؤمنين، قال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )
والله أيها الإخوة، ما من نعمة أعظم عند الله من أن تشعر بالأمن، من أن تشعر أن مصيرك بيد الله، لا بيد زيد، ولا بيد فلان أوعلان، مصيرك بالله، رزقك بيده، صحتك بيده، الأقوياء بيده، أعداءك بيده، أقرب الناس إليك بيده، من له علاقة حميمة معك بيده.
لذلك:
(( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))






هذا ما يعنيه القربُ من الله:






لذلك القرب من الله يعني الشعور بالأمن، سيدنا يونس وجد نفسه فجأة في بطن حوت، بمقاييس الأرض الأمل صفر، النجاة صفر، بطن الحوت، يقف المرء في فمه قائماً، وجبته المعتدلة أربعة أطنان، الإنسان كله خمسين كيلوا، والحوت وجبته المعتدلة بين وجبتين أربعة أطنان، نبي كريم يجد نفسه في بطن حوت، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، العلماء يقولون: تحت 200 متر ظلام دامس، إذا أخرج يده لم يكد يراها، فهو في ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
لأنه يحس أن الله معه.
﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
أروع ما في الآية أن التعقيب نقلها من قصة وقعت إلى قانون مستمر، قال:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

لذلك المؤمن سلاحه الدعاء، إحساسه أن الله قريب منه، وأن الدعاء أقوى ما يميزه عن غير المؤمن، والدعاء له قوة لا يملكها خصمه.




7 – من ثمرات اسم ( القريب ):


أيها الإخوة الكرام، من ثمرات اسم ( القريب ) أنه ينصرك، فلا تخشى بالله لومة لائم.
حينما أدى الحسن البصري واجب العلماء في التبيين، وبيّن، وسمع الحجاج مقالة الحسن البصري، وغضب غضباً شديداً، وتوعده بالقتل، وقال لمن حوله: " يا جبناء والله لأروينّكم من دمه، وأمر بقتله، وجاء بالسياف، وأرسل في طلبه، دخل الحسن البصري إلى المجلس، فإذا بالسياف، وإذا بالنطع قد مد، فحرك شفتيه، لأنه يشعر أن الله قريب منه، فحرك شفتيه، وإذا بالحجاج يختلف أمره، يقف له، ويقول: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، شيء غير متوقع، ومازال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره، وسأله في بعض القضايا، واستفتاه، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر، الذي صُعق السياف والحاجب، فتبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك بغير ما فُعل بك، فماذا قلت بربك ؟ قال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ".
أنت حينما تشعر أن الله قريب منك تدعوه في أي وقت، وفي أي مكان، وفي أطباق السماء وأنت راكب الطائرة، وفي أعماق البحار وأنت في غواصة، وعلى سطح الأرض، وعلى أي مكان في الأرض، وفي أي حال.
لذلك الشعور بالقرب من الله شعور مُسعِد، الشعور القرب من الله شعور مطمئن، الشعور بالقرب من الله شعور السكينة التي تسعد بها، ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-05-2018, 08:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(16)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (الجواد):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( الجواد ).



1 – ورودُ اسم ( الجواد ) في السنة النبوية:


وقد ثبت هذا الاسم في السنة الشريفة، فقد سمّى النبي صلي الله عليه وسلم ربه علي سبيل الإطلاق ( الجواد ) مرادا به العالمية، ودالاً على كمال الوصفية، فقد ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنه:
أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
(( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق و يكره سفاسفها ))

[ أخرجه البيهقي عن ابن عباس ]




2 – نعمةُ الوجود وتسخيرُ الكون من لوازم اسمِ ( الجواد ):


وبادئ ذي بدء، الله عز وجل كل هذا الكون منحة منه، وأنت أيها الإنسان منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، هذا الكون سخره لك، لأن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على المخلوقات في عالم الذر، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 73 )
ولأن الإنسانَ قَبِل حمل الأمانة، ولأنه قال: يا رب أنا لها، استحق أن تُسخّر له السماوات والأرض.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 13 )
ولا شك أن المُسخَّر له أفضل عند الله من المُسَخَّر، فأنت أيها الإنسان المخلوق المكرَّم، لمّا قبِلتَ حمل الأمانة جعلك الله المخلوق المكرَّم.
قال الإمام علي: << رُكِّب الملَك من عقلٍ بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>.
إذاً: وجودنا على وجه العالم منحة من الله، هذه المنحة اقتضت أن نُكلف أن نعبده فعلة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )
هذه علة وجودنا.
حينما تذهب إلى بلد لتنال الدكتوراه، وهذا البلد كبير فيه حدائق، فيه وزارات، فيه ملاهٍ، فيه دور سينما، فيه متاحف، فيه أسواق، أنت في هذا البلد لك هدف واحد، علة وجودك في هذا البلد أن تنال الدكتوراه، وعلة وجود الإنسان في هذا الأرض أن يعبد الله، الدليل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )





كلُّ شيء يقرِّب من الله فهو مشروعٌ:





أيها الإخوة، ما دامت علة وجودنا أن نعبد الله فأيّ شيء في الكون يقربك من الله مشروع، وأي شيء في الكون يبعدك عن الله غير مشروع، هذه حقيقة كبرى.
لو أن الطالب ذهب إلى بلد ليدرس فأيّ شيء يقرّبه من تحقيق هدفه مشروع، وأي شيء يبعده عن هدفه غير مشروع.
لذلك أيها الإخوة الكرام، نحن في أمسّ الحاجة إلى فهم هذا المعني الدقيق:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

الإنسان هو المخلوق المكرَّم، فإذا عرف الله، واستقام على أمره سبق الملائكة المقرَّبين، وإذا غفل عن الله، وتفلت من منهجه انحط إلى أسفل سافلين.






الناس صنفان لا ثالث لهما:





هؤلاء البشر أيها الإخوة، على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتمائهم، وأعرافهم، وأنسابهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، واتجاهاتهم، وأطيافهم، هم عند الله رَجُلان لا ثالث لهما: رجل عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه فشقي، وهلك في الدنيا والآخرة، ولا تجد نموذجا ثالثا، هذا تقسيم رب السماوات والأرض.

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )
هذا النموذج الأول:

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

صدّق أنه مخلوق للجنة، فلما صدّق أنه مخلوق للجنة اتقى أن يعصي الله، فلما اتقى أن يعصي الله بنى حياته على العطاء، فهذه خصائص ثلاث: صدق بالحسنى، والحسنى هي الجنة، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، هي خصائص المؤمن، جعل الآخرة أكبر همه، وجعلها مبلغ علمه، وجعلها منتهى آماله، ومحط رحاله، فنقلَ اهتماماته كلها إلى الآخرة، عندئذٍ اتقى أن يعصي الله، عندئذٍ أراد أن يدفع ثمن الجنة، وثمن الجنة هو العمل الصالح.






الإنسان يسلَم بالاستقامة و يسعد بالعمل الصالح:





كما هو معلوم أن الإنسان بالاستقامة يسلم، لكن بالعمل الصالح يسعد.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

( سورة فصلت الآية: 20 )
لكن:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت )
بالاستقامة يسلم، وبالعمل الصالح يسعد.
لذلك أيها الإخوة، إن الله جل جلاله ( جواد )، منح الخلائق الوجود، فأنت موجود، ووجودك منحة من الله، لكن هذا الذي لا يفقه حقيقة وجوده إنسان شارد، لماذا أوجدك ؟ ليسعدك.
﴿ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )

خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسلمهم، خلقهم ليجعل لهم جنتين: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة.






3 – لابد من التخلُّقِ بصفة الجود:


إن الله جل جلاله ( جواد )، يحب الجود، ولا أزال أركز على هذه النقطة، يمكن أن تعبد الله بأن تتخلق بكمال مشتق من كماله، هو ( جواد )، يحب الجود، يحب العطاء، فالمؤمن يبني حياته على العطاء.
أيها الإخوة، دققوا: تقسيمات الأرض لا تنتهي، دول الشمال، دول الجنوب، العرق الآري، العرق الملوّن، الأغنياء، الفقراء، الأقوياء، الضعفاء، الأصحاء، المرضى، تقسيمات البشر لا تنتهي، أما البطولة فأن تعتمد تقسيمات خالق البشر، خالق البشر عنده مؤمن أو كافر، مستقيم أو منحرف، يعطي أو يأخذ، ينصف أو يجحد، يصدق أو يكذب، فإن الله ( جواد ) يحب الجود، فإذا أردت أن تتقرب إلى الله تخلق بالكمال الإلهي.
لذلك الأنبياء جاؤوا إلى الدنيا فأعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا.
دقق، في حياة المؤمن يحب أن يدعو إلى الله، يحب أن ينفق ماله، ووقته، وخبرته، وجهده، بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، يعطي وهو في قمة السعادة، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأنبياء ملَكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب ـ ودقق ـ الناس جميعاً من دون استثناء تبع لقوي أو نبي، اسأل نفسك هذا السؤال: أنت لمن ؟ هل أنت تابع للأقوياء ؟ معك صلاحية ؟ تحتل منصبا ؟ قوي ؟ غني ؟ متبحر في العلم، هذا التبحر يدر عليك دخلاً كبيراً ؟ أنت إذاً تابع للأقوياء.
هل أنت مؤمن ؟ تعطي من وقتك، من خبرتك، من جهدك، من معلوماتك، فإذا أسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإذا أسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، ببساطة بالغة يمكن أن تقيّم نفسك ما إذا كنت من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة، فما الذي يُسعِدك أن تعطي أو أن تأخذ ؟ إن الله ( جواد ) يحب الجود.





ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها:






دقق الآن، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها.
عَنِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))

[ متفق عليه ]
هناك إنسان ذو هموم عالية جدا، وهناك إنسان تافه.
﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾

( سورة الكهف )
ما له وزن، هؤلاء لهم:

﴿ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 124 )

لا يبالي الله بأي أودية الدنيا هلك الإنسان الشارد، لأنه غارق في ملذاته، غارق في سفاسف الأمور، في أشياء لا تقدم ولا تؤخر، ما هو الضابط في هذا ؟
حينما تُقبل على شيء فهذا الشيء هل يصل معك إلى القبر ؟ أم يبقى عند شفير القبر ؟ هذا هو الضابط.
هناك إنسان يعتني ببيته عناية بالغة، لم يرتكب معصية، لكن هذه العناية البالغة التي امتصت كل وقته، هل تكون معه في القبر ؟ لا، لكن العمل الصالح يدخل معه في القبر.






يجب أن تكون الرؤية صحيحة موافقة للشرع:





أيها الإخوة الكرام، القضية قضية مهمة جداً، أنا ما الذي ينفعني في المستقبل ؟ عمل صالح، طاعة لله، تلاوة للقرآن، دعوة إلى الله، تربية للولد، إعطاء من المال، ما الذي يدخل معي في القبر ؟ هذه الأعمال.
إنّ الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 100 )
البطولة ألا تندم، متى لا تندم ؟ إذا عملت لأُخراك، و متى تندم ؟ إذا عملت لدنياك، لأن الدنيا تغر وتضر وتمر.

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

( سورة لقمان )
الدنيا تغر، كيف ؟ تظنها بحجم أكبر من حجمها، هذا الحجم الكبير في مقتبل الحياة، بعد حين تراها بحجم أقلّ من حجمها، لكنك عند مغادرة الدنيا لا ترى الدنيا شيئاً، لا ترى إلا الله.
البطولة أن تصح رؤيتك وأنت في مقتبل حياتك حتى يأتي عملك صحيحاً.

(( يحب الله معالي الأخلاق و يكره سفاسفها ))
دقق: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ الترمذي ]
لذلك:

(( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، و يكره سفاسفها ))
ورد في الحديث القدسي الصحيح:

(( أن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض منهم عني ناديته من قريب ))

[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]
وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم ]
هذا منهج، فإنْ جاءت الأمور كما تحب فيجب أن تحمد الله عز وجل، وإن جاءت على غير ما تحب فلا تلومنّ إلا نفسك.
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى )

الإنسان حينما يفقه حكمة المصيبة ينضبط، حينما تفهم على الله فتنة المصيبة تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله عز وجل.





إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ:





أيها الإخوة، روي الترمذي في سننه من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ ))

[ الترمذي ]
إذا قدمت صدقة فلتكن من أطيب مالك، إذا قدمت هدية لتكن من أطيب الهدايا، لأن
((اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ))
هؤلاء الذين ينفقون شيئاً يكرهونه، ينفقون طعاماً تعافه أنفسهم، هؤلاء لا يتقربون إلى الله بهذا الشيء:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ))






النظافة الأخلاقية في الإسلام:





(( نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ))
النظافة من الإيمان، هناك نظافة جسمية، ونظافة نفسية، هناك إنسان صادق، أمين.
ما أروع ما قاله سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام، وعن نبي الإسلام، قال:

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ... ))

[ أحمد عن أم سلمة ]
هذه هي الجاهلية الأولي، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 33 )
نفهم من هذه الآية أن هناك جاهلية ثانية، هي أمرّ وأدهى، يوم يؤتمن الخائن، ويخوَّن الأمين، يصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق، يضام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، موت كقعاص الغنم كما ترون، لا يدري القاتل لمَ يَقتُل ؟ ولا المقتول فيمَ قُتِل.

(( يوم يكون المطر قيظا، والولد غيظا، ويفيض اللئام فيضا، ويغيض الكرام غيضا ))

[ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ]
هذه الجاهلية الثانية، الجاهلية الأولى التي قال عنها سيدنا جعفر:
(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ... ))
ـ دقق ـ إنْ حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، هذه هي صفات المؤمن، هذه أركان الاستقامة، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، وتاج ذلك: نعرف نسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
هذا هو الإسلام، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، أما حينما أقول: بني الإسلام علي خمس، الخمس شيء، والإسلام شيء آخر، بني الإسلام، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )





لا تُقبل الشعائر إلا بصحة المعاملات:





ما لم تكن أخلاقك صارخة، ما لم يكن التواضع، والحب، والرحمة، والصدق، والأمانة، والكرم، والعطاء، والعفو، والحلم فلا ترقى إلى مستوى المؤمنين، أما الصلاة والصيام والحج فهذه عبادات شعائرية، لكن الأصل العبادة التعاملية، بل إن العبادة الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، لذلك قال بعض العلماء: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، فالصلاة عبادة شعائرية.
عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]
انتهت الصلاة.
الصوم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ أخرجه أحمد و البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ]
الحج:

(( من حج بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى: أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

[ سلسلة الأحاديث الضعيفة ]
الزكاة:
﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية.
فلذلك:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ ـ ساحات دوركم ـ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))

[ الترمذي ]






مسكُ الختام:


ملخص الملخص: يجب أن تتخلق بكمال مشتق بكمال الله.

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
لا تقِس نفسك بالصلاة، قس نفسك بالكمال، هل أنت جواد ؟ هل أنت صادق ؟ هل أنت أمين ؟ هل أنت متواضع ؟ هل أنت محسن ؟ هل أنت منصف ؟ هذا يرفعك عند الله، إذا ضُمَّ إلى عبادتك الشعائرية نجحت، وأفلحت، وفزت.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-05-2018, 02:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم





(17)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الحيي ):





أيها الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحيي.



1 ـ ورود هذا الاسم في السنة فقط:


هذا الاسم لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة، فقد سماه النبي صلي الله عليه وسلم سمى ربه بالحيي:
(( النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بلا إزار (بلا ثياب)، فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال: إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر (أي عن نظر الآخرين)، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ))

[ رواه أبو داود عن يعلى بن أمية]



الله عز وجل يستحي من عبده إذا سأله ألا يجيبه:



وقد ورد هذا الاسم مطلقاً مراداً به العالمية دالاً على كمال الوصفية:

(( إن ربكم تبارك وتعالي حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً ))

[ أخرجه أبو داود عن سلمان الفارسي]
أي الله يستحي من عبده إذا سأله ألا يجيبه، إذا دعاه ألا يلبيه، إذا استغفره ألا يغفر له، إذا تاب إليه ألا يتوب عليه، لذلك قالوا ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا.
ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أنه:

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ حتى يطلع الفجر))

[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة]



بطولة الإنسان أن يسأل الله عز وجل عملاً صالحاً يتقرب به إليه:



المؤمن أيها الأخوة، له مناجاة مع الله عز وجل.
إنما أشكو بثي وحزني إلي الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، كلام سيدنا يعقوب فالإنسان حينما تلم به ملمة يلوح له شبح المصيبة، يخاف شيئاً، يخشى شيئاً الله عز وجل علمنا أن نسأله وأن ندعوه وأن نستغفره وأن نتوب إليه، لأنه حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، فكما أن الله يستحي منك ينبغي أن تستحي أنت منه والحياء من الإيمان.
مرة ثانية أيها الأخوة إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً، لذلك البطولة أن تحسن أن تسأله، اسأله ما يرضيه، اسأله ما يقربك إليه، اسأله خير الآخرة، اسأله أن تعرفه، اسأله أن تستقيم على أمره، اسأله عملاً صالحاً تتقرب به إليه، اسأله العلم لأن كرامة العلم أعظم كرامة.

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

( سورة النساء )

أي الإنسان يسأل ملكاً، الملك ماذا يعطي ؟ يعطي بيتاً، يعطي مركبة، تسأله قلماً، البطولة أن تسأله بقدر كرمه، أن تسأله بقدر غناه، أن تسأله بقدر محبته لك، أن تسأله لأنه على كل شيء قدير.




2 ـ من معاني الحيي: المتصف بالحياء:


أيها الأخوة، الدعاء هو العبادة، فإن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، الحيي المتصف بالحياء، نحن تعلمنا ونذكر هذا كثيراً أن قوله تعالى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

يعني أنت لن تستطيع أن تتقرب إلى الله بأفضل من كمال مشتق منه، هو حيي فأنت أيها المؤمن يجب أن تتخلق بهذا الخلق، والحياء من الإيمان، علامة الإيمان الحياء والحياء مؤشر على الإيمان.
فالحيي المتصف بالحياء، صفة خلقية رقيقة لطيفة تمنع النفس عن أن تقترف شيئاً مناقضاً لما هو معروف عندها.






لكل إنسان فطرة تتفق مع منهج الله عز وجل:





أيها الأخوة، قد لا ينتبه الإنسان إلى بعض المصطلحات سمى الله الأعمال الطيبة التي تنسجم مع الفطرة معروفاً لأن الفطر السليمة في أصل خلقها تعرفها، القضاء البريطاني يأخذون عشرة من الطريق يعرضون عليهم جريمة بحسب الفطر السليمة قد يكشفون الحقيقة، الإنسان له فطرة سليمة لذلك الحياء أن تمتنع عن فعل شيء تعرفه فطرتك السليمة بداهة ابتداءً من دون تعليل.
البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، لك فطرة هذه الفطرة تتفق مع منهج الله مئة بالمئة، يعني ما أمرك الله بشيء إلا وفطرتك وجبلتك ترتاح له، وما نهاك عن شيء إلا وفطرتك وجبلتك تنفر منه.
لذلك سميت الأعمال الطيبة التي أودعت قيمتها في فطرة الإنسان معروفاً، وسمي الشيء الذي تأباه الفطر السليمة منكراً، من كلمة معروف ومنكر يعني هذا الشيء يتوافق مع فطرة النفس توافقاً تاماً الدليل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾

( سورة الروم: 30)
لأن إقامة وجهك للدين حنيفاً ينقلب على فطرتك:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (30) ﴾

( سورة الروم: 30)



الإسلام دين الفطرة:


أن تقيم وجهك للدين حنيفاً، إقامة وجهك للدين حنيفاً هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} ﴾

( سورة الشمس )
المعنى الدقيق الإنسان حينما يفجر لا يحتاج إلى من يعلمه ولا إلى من يرشده ولا إلى من يذكره ولا إلى من ينصحه يكتشف بفطرته ذاتياً وبداهةً أنه أخطأ هذه الفطرة، لذلك قالوا الإسلام دين الفطرة، كل الأمر إلهي إن طبقته ترتاح نفسك فلذلك:
﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾

( سورة الحجرات)




الحياء علامة الإيمان:


الشيء الدقيق أن الإنسان حينما يصطلح مع الله يصطلح مع فطرته، يرتاح، هذه الراحة لا توصف، والله بعد أن يتوب الإنسان كأن جبالاً أزيحت عن صدره، صار خفيفاً انسجم مع فطرته، تماماً كمركبة من أرقى الأنواع من أغلى الأنواع من أحدث الأنواع سرت بها في طريق وعر هذه المركبة السيارة مصممة للطريق المعبد لا تكتشف ميزاتها إلا في الطريق المعدل، سهولة في الحركة، نعومة في الصوت، سرعة في المشي، أما إذا سرت بها في طريق وعر كله صخور وأكمات تتكسر، تماماً كالنفس، الله عز وجل حيي، هذه صفة من صفات الله عز وجل، واسم من أسمائه، حيي في ذاته وفي صفاته وقد فطرنا على الحياء فالإنسان إذا كان وقحاً يسقط من عين نفسه، في تعبير معاصر ينهار داخلياً، إذا وقح بذيء اللسان، قاسي الكلمات.
يقول عليه الصلاة والسلام فيما ورد صحيح البخاري من حديث ابن مسعود:

(( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))

[ أخرجه البخاري عن ابن مسعود]

هذا الحديث دقيق جداً، يعني الإيمان علامته الحياء، فالذي لا يستحي لا خير فيه ولا جدوى منه ولا أمل في صلاحه، علامة الإيمان الحياء.




3 ـ الفرق بين الحياء و الخجل:


لكن لابد من التفريق بين الحياء كفضيلة وبين الخجل كمرض نفسي، الخجل مرض، أحياناً الإنسان يخجل من أن يطالب بحقه، يخجل أن ينطق بالحق، يخجل أن يصرح بالحقيقة، هذا مرض، الخجل يعدّ نقيصة في شخصية الإنسان، لكن الحياء فضيلة، أنا أستحي ولكني أطالب بحقي بأدب، أنا أستحي ولكنني لا أستحي من الحق، لذلك:
(( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))

[ أخرجه البخاري عن ابن مسعود]

يوجد معنى آخر دقيق جداً، أنك إذا كنت ترضى عن الله عز وجل لا تعبأ بكلام الناس، هذا العمل إن لم تستحِ من الله (في بعض المجتمعات الإسلامية التعدد غير مقبول إطلاقاً لكن إنسان له أخ وتوفي و له خمسة أولاد وهو عمهم لو تزوج زوجة أخيه ورعى الأولاد وضمهم إليه لا يوجد مانع ) هذا يرضي الله عز وجل لكن لا يرضي الناس، فإذا لم تستحِ من الله في شيء تفعله فاصنع ما شئت، لا تعبأ بكلام الناس.




المنافق من أرضى الناس جميعاً:



المؤمن يتعامل مع جهة واحدة هي الله عز وجل، المؤمن يخاف الله وحده ولا يعبأ بكلام الناس وإرضاء الناس غاية لا تدرك، ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق، في بحياته كلمة لا، لا يستحي بها، شيء يتناقض مع منهجه قد رفض دعوة فيها معاصي، يعني الناس أحياناً يضحون بطاعتهم لربهم مراعاة لسمعتهم بين الناس هذا خطأ كبير، إذا لم تستح من الله كان عملك صحيحاً وفق المنهج تبتغي به رضوان الله عز وجل، فاصنع ما تشاء، شخص سأل النبي الكريم عندي يتيم أفأ ضربه ؟ قال: مما تضرب منه ولدك. إذا ابنك أردت أن تؤدبه لمصلحته لا عليك لا تعبأ، ضرب يتيم، هذا ابني، كما أنني أؤدب ابني أؤدب اليتيم، إذا لم تستح فاصنع ما تشاء، إذا لم تستح من الله.
لذلك اعمل لوجه الواحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هما واحداً كفاه الله الهموم كلها.



4 ـ الحياء صفة عظيمة من صفات المؤمنين:


في حديث طويل لأبي سفيان مع هرقل يقول أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، كان يعارض النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سأل هرقل عن رسول الله قال لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، الحياء يردع، والحياء ضمانة الذي عنده حياء فيه صفة عالية جداً.
سيدنا موسى كان حيياً:

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25) ﴾

( سورة القصص )
لو أنها قالت إن أبي يدعوك، يقول لها ما هي المناسبة ؟ صار في حوار:
﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25) ﴾

( سورة القصص )
لذلك:
﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾

( سورة الأحزاب)

إذاً الحياء من صفات المؤمنين.




من لا يستحي لا خير فيه:



لذلك قالوا: العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراءأحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن.
يعني الشاب ألزم ما يلزمه التوبة، والمرأة ألزم ما يلزمها الحياء، والغني ألزم ما يلزمه السخاء، والفقير ألزم ما يلزمه الصبر، والأمير ألزم ما يلزمه العدل، ورد:
أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، وأبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد.
فالحياء من الإيمان، وإذا لم تستحِ فاصنع ما شئت على معنيين: إن لم تستحِ فلا خير فيك، وإن لم تستحِ من الله فافعل ما شئت ولا تعبأ بكلام الناس.
في آيات دقيقة جداً من هذه الآيات:

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾

( سورة البقرة )

إن لم تنفقوا أو: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن أنفقت كل أموالكم، لذلك الإسلام وسطي.




حياء الشرع هو الحياء الذي يحفظ للعبد استقامته:



أيها الأخوة، حياء الشرع هو الحياء الذي يحفظ للعبد استقامته هذا حياء الشرع لأن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود ]

أدخلت إليه طعاماً اشتريته بمال حلال لذلك يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، يقول العبد يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له.
ولحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعباً والحرام سهلاً، لو عكس الآية لأقبل الناس على الحلال لا حباً في الله ولا رغبة في طاعته ولكن لأنه أسهل، لكن لحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعباً، يعني الإنسان يشتغل ساعات طويلة يأخذ مبلغاً معيناً، يوجد إنسان آخر يأخذ هذا المبلغ في ربع ساعة ولكن بالحرام، ففرق كبير بين الحلال والحرام.




بطولة الإنسان أن يبدأ من النهاية:



أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، البطولة أن تبدأ من النهاية ، الآن في دورات مشهورة جداً البرمجة العصبية اللغوية يعني في قاعدة فيها ابدأ من النهاية ، شيء دقيق جداً ابدأ من الموت ثم اعمل ، تؤسس عملاً ، تدرس ، تنال الدكتوراه ، تؤسس شركة ، ولكن لأنك بدأت من الموت أنت تراقب الله عز وجل لا تعصي الله وتسرع إليه ، ابدأ من النهاية وأن تذكر الموت والبلى ، فإن فعلتم ذلك فقد استحييتم من الله حق الحياء :
(( أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، البطولة ))

[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
وفي كل دروس أسماء الله الحسنى البطولة أن تعرف أسماء الله الحسنى وأن تتخلق بكمالاتها ليكون هذا التخلق بكمالاته سبباً للاتصال به:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )




دين الإنسان الحقيقي في بيته و عمله:


مرة ثانية أيها الأخوة، الدين الحقيقي ليس في المسجد، في المسجد أن أجل أن تتلقى تعليمات الصانع في درس علم، وفي المسجد من أجل أن تقبض ثمن استقامتك وأنت في الصلاة، لكن دينك في مكتبك، دينك في دكانك، دينك في السوق، دينك في بيعك وشرائك، دينك في صناعتك، في مواد مؤذية للإنسان توضع في الأغذية، السعر يزداد والأرباح تزداد لكن على حساب صحة الناس، في أشياء لا تعد ولا تحصى، هرمونات ترش بها النباتات تصبح الحبة كبيرة جداً ولها ألوان زاهية لكنها مسرطنة الهرمونات، فالإنسان دينه في عمله، دينه في بيته، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.





خاتمة:





لذلك أيها الأخوة، الحياء أن تستحي من الله أن تعصيه، أن تستحي من الله أن تستخدم جارحة من جوارحك في معصية الله، الحياء أن ترى أن الله معك، في رواية أخرى أن إنساناً ـ كما قال النبي الكريم ـ اغتسل أمامه عرياناً، قال خذ إجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحي من الله.
فالحياء من علامات الإيمان ودائماً المؤمن يستر جسمه وغير المؤمن يكشف عورته، الإنسان في بيته يرتدي ثياباً معقولة، أما غيره إنسان يكون بالثياب الداخلية في بيته أمام أولاده، أمام بناته، ما في حياء، والله في جامعة من جامعات الدول العظمى كانت ترفع شعار لا إله حدثني طالب قال دورات المياه مشتركة ما في حواجز بينهما إطلاقاً، صالون كبير فيه خمسين ستين مكان لقضاء الحاجة بلا حواجز.
(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ))

[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود ]







والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-05-2018, 02:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم





(18)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الخلاق):


أيها الإخوة الكرام، مع اسماً جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الخلاق" هذا الاسم العظيم ورد مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله عز وجل، مراد به العلنية، دالاً على كمال الوصفية، فقد ورد في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الحجر )
وفي قوله أيضاً:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة يس )




الخلاق المبدع كماً ونوعاً:


"الخلاق" من حيث الصياغة اللغوية اسم مبالغة لاسم الفاعل، تقول: غافر وغفار، خالق وخلاق، وماذا تعني المبالغة في أسماء الله الحسنى ؟ تعني الكم، والكيف الكم والنوع.
أي للتقريب ؛ غافر يغفر ذنباً واحداً، لك ذنب يغفره الله لك فهو غافر، لكن لبعض الناس مئة ألف ذنب، الله غفار يغفرها مهما كثرت، و هناك ذنب كبير جداً، ويغفر الذنب مهما عظم.
المبالغة تعني الكم، والنوع، مهما عظم الذنب يغفره الله فهو غفار، ومهما كثرت الذنوب يغفرها الله فهو غفار، الله عز وجل خالق، لكن "خلاق" فيها معنى الكم يخلق ما يشاء، وفيها معنى النوع، الكم في قوله تعالى:

﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾

( سورة النساء )
يخلق مليارات، مليارات المليارات، هذا الكم، أما النوع:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

( سورة النمل )
الإتقان.
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

( سورة التغابن )

يعني الخلاق المبدع، كماً ونوعاً.




من لوازم الخلاق كمالُ الخَلقِ والتصرُّفِ:


لكن أيها الأخوة ، معنى الخالق حتى نفهم "الخلاق" معنى الخالق أي أن الله سبحانه وتعالى خلق من لا شيء كل شيء ، على غير مثال سابق ، لكن الله جل في علاه سمح للإنسان أن يعطى هذا الاسم ، الدليل قال الله عز وجل :
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )
الإنسان أحياناً يصنع طاولة، يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، صنعة الإنسان يصنع شيئاً من كل شيء، المواد الأولية كلها يأخذها من الأرض، والفكرة يراها بعينه، الإنسان إذا صنع شيئاً يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، بينما خالق السماوات والأرض يصنع كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق.
الإنسان حينما يوازن لأن الله سمح لهذا الإنسان الذي يصنع شيئاً من كل شيء، أن يُسمى مجازاً خالقاً، وتأتي الآية الكريمة:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
أي الله عز وجل أودع بالإنسان كلية بحجم البيضة، صغيرة، تعمل بصمت بلا ضجيج، بلا تكلفة، تعمل ليلاً نهاراً، وأنت نائم، وأنت تمشي، وأنت تتحرك، وأنت مسافر، وأنت مقيم، وكل كلية فيها عشرة أضعاف حاجتك، عشرة احتياطات، فالكليتان فيهما عشرون احتياطاً، أما الكلوة الصناعية كحجم الطاولة، يجب أن تستلقي على السرير، ثماني ساعات، وأن تدفع مبالغ طائلة، وأن تتعطل ثلاث مرات في الأسبوع، وأن تتألم، هذه كلية صناعية، وتلك كلية طبيعية.
آلة التصوير، فيها بكل ميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما العين بالميليمتر هناك مئة مليون مستقبل ضوئي،
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾




الله تعالى ليعرفنا بذاته العلية سمح لذاته العلية أن توازن مع صنعة خلقه:

الله عز وجل ليعرفنا بذاته العلية سمح لذاته العلية أن توازن مع صنعة خلقه قال:

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
أحياناً يصنع الإنسان حاسوباً، يقرأ مئات ملايين الحروف في الثانية، لدرجة أنك إذا أعطيته الأمر رأيت النتيجة، الله قال
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
أي لا يوجد زمن بين المقدمة والنتيجة، إذاً أن يوازي الإنسان صنعة الواحد الديان بين أن ترى وردة طبيعية فواحة الرائحة، تحس أنها تأخذ بالألباب، وبين أن ترى وردة صنعت من مادة بترولية تمجها نفسك بعد حين، بينما ترى امرأة في محل بيع ألبسة مجسد لامرأة، وبين أن ترى امرأة حقيقية هي ابنتك مثلاً، مسافة كبيرة جداً بين امرأة مصنوعة من مادة صناعية، وبين إنسانة تتحرك فيها حياة، فيها فكر، فيها مشاعر، فيها روح، فيها فهم، فيها علم، لذلك
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

الإنسان صنع طاولة، هذه الطاولة جامدة، تبقى هكذا إلى أبد الآبدين، لكن ما صنع شيئاً، صنع ذكر وأنثى ؟ هذه الطاولات تتوالد ؟ هذا شيء معجز، خلق ذكراً، وخلق أنثى، وخلق ميلاً متبادلاً بينهما، ومن هذا الميل المتبادل ينتج أطفالاً، هذا شيء عظيم.




الموازنة بين صنعة الله المتقنة و صنعة الإنسان:

نظام الزوجية مطبق في كل شيء، مطبق في النبات.

﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 10 )

تصور لو لم يكن هناك بذور، الله خلق مليارات الأطنان من القمح، استهلكوا، ما الحل ؟ النبات في بذرة، والبذرة بالقوة شجرة، لو أكلت حبة تين كلها بذور، كل بذرة شجرة، أحياناً يكون بالسمكة في مبيض، في ملايين البيوض، وكل بيضة سمكة، بالتوالد هذا عطاؤنا.
لذلك أيها الأخوة، الفكر البشري حينما يمشي في طريق الموازنة بين صنعة الديان، وبين صنعة الإنسان يرى عظمة الله عز وجل، لأنهم قالوا قديماً:
وبضدها تتميز الأشياء.
فلذلك الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء، بينما الإنسان خلق شيئاً من كل شيء، والله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء من دون مثال سابق، أما أي شيء صنعه الإنسان وفق مثال سابق، الغواصة تقليد للسمكة، والطائرة تقليد للطائر، الحديث عن الطيور حديث لا ينتهي، قد تقطع الطيور رحلة تزيد عن 17 ألف كم، كيف تهتدي ؟ لا أحد يعلم حتى الآن، بالتضاريس تهتدي في الليل، كلما وضعت نظرية لاهتداء الطيور في هذه الرحلة الطويلة العلم يراها عاجزة عن تفسير بعض حالات الطيران.
إذاً الله عز وجل أمرنا أن نوازن بين صنعته المتقنة، وبين صنعة الإنسان، لا يوجد إنسان يقدر أن ينزع سن من إنسان إلا بألم، يقول لك صار هناك مادة مخدرة، حتى نعطي هذه المادة المخدرة لا بد من وخزة في اللثة، يتألم، أما الطفل حينما ينزع الله له أسنان اللبن بلا ألم إطلاقاً، لأن الله لطيف.




التقنين الإلهي تقنين تأديب لا تقنين عجز:


إذاً: اسم "الخلاق" تعني إتقان الصنعة، واسم "الخلاق" تعني الخلق اللانهائي، كل شيء الله عز وجل يخلقه لا حدود لخلقه، هذا الذي يقال أنه في أزمة مياه، أزمة غذاء، هذا الكلام ليس صحيحاً.

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )
لذلك التقنين الإلهي لا يمكن أن يكون تقنين عجز، إنه تقنين تأديب فقط.
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن )

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )

لذلك أي تفسير يتجه نحو أزمات قادمة هو كلام مفتعل، له هدف خسيس، الله عز وجل خلاق عليم.
قرأت بحثاً عن سحابة في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، في بلاد أخرى يهطل في الليلة الواحدة ما يساوي أربعمئة مم يعني المعدل السنوي لدمشق على مرتين، بليلة واحدة، إذا أعطى أدهش، الله خلاق الأرزاق بيده، المياه بيده، أمطار السماء بيده.
لذلك إذا قنن الله عز وجل فتقنينه تقنين تأديب، لا تقنين عجز، والله عز وجل ثبت مليارات القضايا، ثبت نظام البذور، ثبت خصائص المعادن، ثبت مليارات القوانين، لكنه حركة الرزق والصحة، حركهما من أجل أن يأخذ بيدنا إليه، فالإنسان حريص على رزقه، وحريص على صحته، فمن خلال الرزق والصحة يمكن أن يأخذ الله بيد عباده إليه هذا نوع من أنواع التربية، إذاً الله عز وجل "خلاق عليم".




تسخير كل شيء في الكون للإنسان:

شيء آخر: الإنسان حينما يقول الله له:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 21 )

هناك مفهوم الربوبية، في نظام الربوبية، مفهوم عطاء، الله عز وجل خلق الكون، الكون وما سواه، خلق الإنسان، خلق الحيوان، خلق النبات، هذا عطاء، الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالنبات، أمدك بالحيوان، أمدك بمقومات حياتك، هذا معنى الرب خلق وأمدّ، مفهوم الربوبية مفهوم العطاء، منحك نعمة الوجود، منحك مقومات الحياة، منحك كل شيء، كل شيء في الكون مسخر لك، هذا مفهوم الربوبية، لكنه أرسل إليك رسلاً، افعل ولا تفعل، في أمر، في نهي، في حلال، في حرام، في مكروه، في سنة، في فرض، في واجب، في محرم، هذا المفهوم الآخر مفهوم التشريع، مفهوم الإلوهية.




اختلاف الناس بمفهوم الإلهية و ليس بمفهوم الربوبية:

لذلك البشر لم يختلفوا على مفهوم الربوبية أبداً، حتى الذين عبدوا الأوثان.

﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾

( سورة الزمر الآية: 38 )
لماذا تعبدون الأصنام ؟
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾

( سورة الزمر الآية: 3 )
إذاً ليس هناك اختلاف في الأرض على مفهوم الربوبية، إبليس اللعين آمن بالله رباً، قال ربي:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص )
إبليس آمن بالله خالقاً، قال:
﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾

( سورة الأعراف )
آمن به، آمن بالآخرة، قال:
﴿ َأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

آمن به مربياً، وخالقاً، وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر.
إذاً ليس مفهوم الربوبية محل اختلاف إطلاقاً، محل الاختلاف مفهوم الإلهية.




انضباط الشهوات وفق منهج الله تعالى ليرقى بها الإنسان صابراً و شاكراً:

الإنسان أودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها تارة صابراً، وتارة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، هذه الشهوات لا بد من أن تنضبط، تنضبط بمنهج الله عز وجل، الشهوة يمكن أن تتحرك بموجبها 180 درجة، سمح لك بمئة درجة، المرأة محببة.

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )

لكن سمح لك بالزواج، يوجد بحياتك محارم، الأم، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الابن، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وبنت البنت، هذه محارم سمح لك بحيز لا يمكن أن تتجاوزه، صار شيء بحياتك اسمه حرام، الزنا حرام، والقتل حرام، أكل أموال الناس بالباطل حرام، مفهوم الإلوهية، مفهوم الرسالة، مفهوم الأمر والنهي هذا محل خلاف.
لذلك تشريعات الأرض تتناقض مع تشريعات السماء، صار في شرك، صار في كفر.



الربط بين مفهوم الربوبية ومفهوم الإلوهية لحكمة من الله تعالى:


الآن الله عز وجل لحكمة بالغة ٍ بالغة ربط بين مفهوم الربوبية، ومفهوم الإلوهية، قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 21 )
المرأة قد تقول لابنها: يا بني والدك لا يرضى أن تأتي بعد الساعة التاسعة يغضب أشد الغضب إنه يرزقنا، إنه يطعمنا، إنه يكسونا، إنه يحبنا، أي أعطته مبرر الطاعة لأنه يعطي.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
من هي الجهة التي ينبغي أن تطيعها ؟ هي الجهة الخالقة، الخالق وحده ينبغي أن تطيعه، الخالق وحده ينبغي أن تنصاع لأمره.
فلذلك ورد في بعض الآثار القدسية:

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري ))

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]
المجتمعات المتفلتة يعبد فيها غير الخالق.

(( أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ))

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]



صنعة الله المتقنة:

لذلك:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾
يخلق ما يشاء كماً، وإذا صنع شيئاً صنعه بإتقان ما بعده إتقان.
البعوضة أحقر مخلوق عند الإنسان، يوجد برأسها مئة عين، بفمها 48 سناً، بصدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، لكل قلب دسامان، وأذينان، وبطينان، هناك جهاز استقبال حراري، وجهاز تحليل دم، وجهاز تخدير، وجهاز تمييع، بخرطومها ست سكاكين، و بأرجلها مخالب، ومحاجم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 26 )
لو وازنت بين صنعة الإنسان، مع أن الإنسان إذا شرد عن الله عز وجل يؤخذ بصنعة الإنسان، وبين صنعة الواحد الديان.
هذه البقرة معمل، معمل يقدم لك هذا الحليب، الذي هو أحد أسباب الغذاء، هذا الحليب بلا صوت، بلا ضجيج، بلا تلوث، تأكل الحشيش تعطيك الحليب، تصنع منه مشتقات الألبان، لو فكر الإنسان في طعامه.

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

( سورة عبس )
كيف القمح هو المحصول الأول في حياة الإنسان، ساق السنبلة هي الغذاء الأول للحيوان، كيف أن القمح غذاء كامل للإنسان، ساق السنبلة غذاء كامل للحيوان.
﴿ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

( سورة النازعات )




منهج الله منهج واسع جداً علينا التقيد به:

أخواننا الكرام، إذا الإنسان تفكر في آيات الله الدالة على عظمته عرفه، وإذا عرفه أحبه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعته إن الـمحب لمن يحب مطيع
***
يمكن أن نستنبط أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تطاع هي الجهة الخالقة،
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
يعني مفهوم الربوبية مفهوم عطاء، خلق، إكرام، منح، مفهوم الإلوهية مفهوم انضباط، في أمر، في نهي، في حلال، في حرام، في واجب، في سنة، في سنة مؤكدة، في كراهة، في تحريم شديد، في أحكام لا تعد ولا تحصى.
لذلك منهج الله منهج واسع جداً، يجب أن تتقيد به لعل الله سبحانه وتعالى يسلمنا جميعاً، ويسعدنا جميعاً.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-06-2018, 08:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(19)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( القدير ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو ( القدير )، ونحن حينما ونقرأ الآية الكريمة:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )




1 – الإنسان ضعيف عاجز:


إذاً: أسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، والإنسان في أصل فطرته، مفطور على حب القدير، هناك ضَعف في أصل خلق الإنسان، هذا الضعف لصالحه، هذا الضعف الذي في أصل خلق الإنسان أحد أسباب تدينه، حتى الذين يؤمنون بديانات أرضيه ليس عندها أصل عند الله سبحانه وتعالى هم يلبون حاجه في نفوسهم أتت من ضعفهم، فالضعيف يحتاج إلى قوي.
﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾

( سورة النساء )

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾

( سورة المعارج )
فالإنسان دون أن يشعر يتجه إلى قوي يلوذ به، إلى قوي يحميه، إلى قوي يدافع عنه، إلى قوي يلجأ إليه.
فالإنسان حينما يتجه إلى الله الحقيقي خالق السموات والأرض، يكمل ضعفه الذي أراده الله باعثاً إلى معرفة الله وطاعته، وقطف ثمار عبوديته لله عز وجل.
فالإنسان ضعيف، وهذا الاسم:
﴿ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة فاطر )



2 – الإنسان مفطور إلى الاتجاه إلى قوي:


بالمناسبة أيها الأخوة، طبيعة النفس تقتضي أنها لا تتجه إلا لما توقن أنه يعلم، ويسمع، ويرى.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )
الله عز وجل إن تكلمت فهو يسمع، وإن تحركت فهو يرى، وإن أضمرت فهو يعلم، يسمعك إذا دعوته، ويراك إذا توجهت إليه، ويعلم سرك وجهرك، وفضلا ًعن ذلك الإنسان لا يتجه إلى جهة إلا إذا أيقن أنها تسمعه، وأنها قادرة على أن تلبيه.
الإنسان بحاجه إلى مبلغ فلا يذهب إلى إنسان فقير، لأن هذا مضيعة للوقت، يذهب إلى من يتوهم عنده المبلغ.
إذاً: أنت تدعو من ؟ تدعو من يسمعك، وتدعو من هو قادر على حل مشكلتك، وتدعو من يحبك، القوي الذي يعاديك لا تتجه إليه، تتجه إلى قوي يريد أن يرحمك، فلمجرد أن تدعو الله عز وجل ـ دقق ـ لمجرد أن تدعو الله عز وجل فأنت مؤمن بوجوده، ومؤمن بسمعه وبصره وعلمه، ومؤمن بقدرته ومؤمن برحمته.
لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 77 )
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
قَالَ:

(( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ))

[ الترمذي ]
في رواية أخرى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ))

[ الترمذي ]
الدعاء هو العبادة، فلمجرد أن تدعو الله من أعماق قلبك، وأنت موقن بأنه يعلم، ويسمع، ويرى، وهو قادر على أن يلبّيك، وهو يحب أن يلبيك، يحبك ويرحمك، فأنت مؤمن.
لذلك بعض الأسماء أحياناً أقرب إلى الإنسان من بعض الأسماء الأخرى، أنت إنسان ضعيف مفتقر:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعً ﴾

شديد الجذع، حريص على ما في يديه:

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾

ضعفك وهلعك، وشدة خوفك، وحرصك على ما في يديك، هذه الصفات التي هي صفات ضعف في أصل خلقك هي لصالحك.


3 – كل شيء بيد الله القويّ:


مِن هنا يأتي اسم ( القدير )، إنك تعتز بقوي.
اجعل لربك كل عـز ك يستقر ويثبــت
فإذا اعتززت بمن يمو ت فإن عزك مـيت
***

أنت كمؤمن حينما تعتز بالله فأنت أقوى الأقوياء.
ورد في بعض الآثار: " إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أدرت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاَتق الله.
إخوتنا الكرام، لا يجتمع مرض نفسي مع الإيمان، لأن الله موجود، كل شيء بيده.
تصور شابا سيق إلى الخدمة الإلزامية، ووالده قائد الجيش، وفي الجيش عريف، ومساعد، وملازم، وملازم أول، ورائد، ومقدم، وعقيد، وعميد، كلها هذه الرتب مهما علت فهي تحت قبضة أبيه، فإذا هدده عريف وبكى فهو غبي جداً.




4 – الإيمان بأن الله قويٌّ يبعث على الطمأنينة والثبات والنصر:


حينما يؤمن الإنسان بالله فأيّ قوي هو في قبضة الله، كل ما حولك بيد الله، كل مَن حولك بيد الله، كل مَن فوقك بيد الله، كل مَن تحتك بيد الله، لا يمكن أن يقبل خوف وفزع، وهلع وانهيار مع الإيمان بالله، بل إن الإيمان بالله أصل في الصحة النفسية، التماسك والقوة والمعنويات المرتفعة، ومواجهة الأخطار بثبات، ورباط جأش يحتاج إلى إيمان.
القصص التي يرويها القرآن هي لمن ؟ هي لنا:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء )
بل بالمنظور الأرضي احتمالات النجاة صفر، فرعون بجبروته، بقوته، بأسلحته، بحقده، بطغيانه، وراء فئة وشرذمة قليلة جداً مستضعفه خائفة، وصلت إلى البحر، وهو مِن ورائهم.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

( سورة الشعراء )
الله عز وجل يريدك أن تثق به، يريدك أن تكون مطمئناً لقدرته ورعايته.
فلذلك من صفات المؤمن أنه واثق من نصر الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذهب إلى الطائف وكذبه أهلها، واستخفوا به، واستهزؤوا به، وأغروا صبيانهم، أي نالوه بالأذى، وسال الدم من قدمه، الآن قفل راجعاً إلى مكة، يقول له زيد: يا رسول الله، كيف ترجع إلى مكة وقد أخرجتك ؟ أنا أتصور إذا كان هناك خط بياني الدعوة قد وصل الخط إلى النهاية الصغرى، مكة أخرجته، وكذبته، وكفرت بدعوته، واستهزأت به، فلما لجأ إلى أهل الطائف فعلوا به أشنع مما فعل أهل مكة، ليس له أحد، فقال كلمة لا تنسى، قال: يا زيد إن الله ناصر نبيه، هذه ثقة الإنسان بالله مبعثها معرفته.
ولما انتقل من مكة إلى المدينة مهاجراً، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، مكافأة على من يقتله، أو من يقبض عليه، وهذا رقم فلكي في مقاييس ذلك العصر، تبعه سراقه ليلقي القبض عليه، أو ليقتله، ويأخذ المئة ناقة، فقال له النبي الكريم بكل بساطه: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ماذا يقول ؟! أنت ملاحق مهدور دمك، تقول: كيف بك يا سراقه إذا لبست سواري كسرى ؟ أي أنك سوف تصل إلى المدينة سالماً، وسوف تؤسس دولة، وسوف تنشئ جيشاً، وسوف تحارب أقوى دولة في العالم، وسوف تنتصر عليها، وسوف تأتيك غنائم كسرى إلى المدينة، ولك يا سراقه سوار كسرى.
أيها الإخوة، الآن العالم الإسلامي خطه البياني في النهاية الصغري، في الحضيض، اصطلح العالم كله على محاربته، وأي عمل عنيف على سطح الأرض ينسب إلى المسلمين، والعالم شرقاً وغرباً يحارب المسلمين، والإعلام بكل قوته يحارب المسلمين، والمؤمن الصادق لا تضعف معنوياته أبداً، إن الله ناصر هذا الدين، إن الله لا يتخلى عن المؤمنين، وأخطر شيء في حيات الأمة أن يهزم الإنسان من الداخل:
﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )





أوهام لا أساس لها من الصحة تتناقض مع الإيمان بالله:





إخوتنا الكرام، إذا توهم الإنسان توهماً أن الله لا يعلم ما يجري فهذا يناقض إيمانه بالله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾

( سورة الأنعام الآية: 59 )
وإذا توهم أن الله لا يقدر أن يدمر أعداءه هو واهم، وهذا يناقض إيمانه بالله عز وجل:

﴿ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
وإذا توهم أن الله لا يعنيه ما يجري في الأرض فهو واهم، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )
وإذا توهم أن أعداء المسلمين يفعلون شيئاً ما أراده الله فهو واهم، لقول الله عز وجل:
﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾

( سورة الأنفال )
يجب أن تؤمن أن الله يعلم، وهو قادر، ويعنيه ما يجري في الأرض، وهؤلاء أعداؤه لا يستطيعون أن يتحركوا إلا بإذنه، ولن يتفلتوا من قبضته.
إذاً: هناك حكمة بالغة فيما يجري، ولصالح المسلمين، ولكن هذه نعمة باطنة، وليست نعمة ظاهرة، قال تعالى:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

( سورة لقمان الآية: 20 )

إذاً: كلمة ( القدير ) تملأ النفس طمأنينة، تملأ النفس ثقة بنصر الله عز وجل.




5 – ورودُ اسم ( القدير ) في الكتاب والسنة:


هذا الاسم أيها الإخوة ورد في القراَن وفي السنة معاً، في القرآن ورد في قوله تعالى في سورة الروم:

﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾

( سورة الروم )
ورد أيضاً في ثلاثين موضعا في القرآن الكريم، كقوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران )
في ثلاثين آية في القراَن ورد فيها:

﴿ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
وآية واحدة ورد فيها:

﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾
وفي الحديث الشريف في قوله عليه الصلاة والسلام:

(( لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ))

[ رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه ]
وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد:

(( اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ ))

كن مع الله ترَ الله مـعك و اترك لكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
***

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر الآية: 2 )
إذا كان الله معك فمن عليك ؟! وإذا كان عليك فمن معك ؟! ويا رب، ماذا فقَد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟
شيء آخر، في ثلاثين موضعا في القراَن الكريم ورد اسم ( القدير )، من هذه المواضع مثلاً:

﴿ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾

( سورة الممتحنة )

إذاً: هذا الاسم ( القدير ) ورد في القراَن والسنة.




6 – اشتقاق اسم ( القدير ) في اللغة العربية:


من أي فعل اشتُق ؟ إما من التقدير، وإما من القدرة، فالإنسان أحيانا يكون عالما، إذاً: عنده تقدير دقيق، و أحيانا يكون قويا عنده قدرة، وأحياناً تلتقي مع إنسان بأعلى درجات العلم، لكنه لا يملك أن ينفذ ما يطمح إليه، وقد تجد إنسانا آخر في أعلى درجات القوة، ولكن لا يعلم ماذا يفعل، فهو إمّا قوي لا يعلم، وإما عالم لا يقدر.
تماماً كما ذكرت من قبل: أحياناً الإنسان يقدر إنساناً ولا يحبه، وقد يحب إنساناً ولا يقدره، يكون الأب، وتكون الأم أحياناً بأعلى درجات الحب، لكن لم يتح لها أن تكون مثقفة ثقافة عالية، لها ابن يحمل أعلى شهادة، يحب أمه حباً لا حدود له، لكن في ميزان العلم لا وزن لها، وقد يلتقي مع إنسان عالم كبير لكنه لئيم، فيقدّر علمه، ولا يحبه، لكن الذات الإلهية بقدر ما تعظمها بقدر ما تحبها.

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

بالجلال تعظمه، وبالإكرام تحبه، هذه أسماء الله الحسنى.
الله عز وجل قدير، من التقدير، يعني أنه ذو علم دقيق جداً، وقدير من القدرة، فبقدر ما تطمئن إلى علمه تطمئن إلى قدرته، وبالعكس، وبقدر ما تطمئن إلى قدرته تطمئن إلى علمه.
فإذاً: اسم ( القدير ) مأخوذ من التقدير، أو من القدرة.
للتقريب: طبيب يتفقد مرضاه، وقف عند مريض، قرأ اللائحة الطبية، رأى الضغط مرتفعا، وهو طبيب، أعطى أمراً، وأمره نافذ، أن يوقفوا الملح في الطعام، الأمر سلطة، وقراءة التقرير علم، أن الضغط مرتفع، والضغط المرتفع خطر، فأعطى أمراً بمنعه من تناول الملح في وجباته الرئيسية.




7 – اسم ( القدير ) يدور مع الإنسان في جميع حياته:


الله عز وجل له قضاء وقدر، القضاء علم، والقدر تقدير، وهذا الاسم يدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، الله عز وجل علم من هذا الإنسان كبراً، فهيأ له معالجة حكيمة، وضعه بموقف وقد أُهين به، حينما يهان يتألم أشد الألم، ثم يلقي في روعه أن هذه الإهانة بسبب الكبر الذي يظهر منك، فصار الله عز وجل قديرا يعلم بدقة، وقدير يملك القدرة كي يعيده إلى الصواب.
الله عز وجل قدير، وقدير صيغة مبالغة لقادر، قادر قدير، غافر غفور غفار، وصيغ المبالغة كثيرة جداً، فاعول فاروق، فعِل حذر، لو عدتم إلى كتب اللغة لرأيتم صيغ المبالغة صيغاً عديدة، منها فعِل، فلان حذر، فلان فاروق، يفرق بين المتناقضات.
لذلك قادر اسم فاعل، وقدير صيغة مبالغه لاسم الفاعل، مقتدر من اقتدر، والفعل خماسي فيه حروف زائدة، والزيادة في المبنى دليل على الزيادة في المعنى.
أيها الإخوة، الله عز وجل مع عباده يعلم أحوالهم ويعالجهم، وكما يقول العوام: العين بصيرة واليد قصيرة، هذا شأن الإنسان، وقد يكون الإنسان قديرا، لكنه جاهل، قدير جاهل، متعلم ضعيف، لكن الله قدير، قدير بعلمه، قدير بقوته.
إذا لُذت به فأنت في مأمن، وأنت في راحة، وأنت في طمأنينة، والله عز وجل قال:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية: 28 )
وبالمناسبة من باب التعليق اللغوي: لو أن الله قال: تطمئن القلوب بذكر الله، ما المعنى ؟ أي أنها تطمئن بذكر الله وبغير ذكر الله، إما حين يقول:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية: 28 )
فيعني: لا تطمئن إلا بذكر الله، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطمئن إلا إذا كنت مع الله، لأن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال والقوة لكل الناس، لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه من المؤمنين، والأمن نعمة يختص بها المؤمن:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )
إذاً: أيها الإخوة، ( القدير )، من القدرة، و( القدير ) من العلم من التقدير، قدير من التقدير، قدير بالقدرة، هو يعلم، وقادر على أن يعطيك سؤلك.
لذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))

[ الترمذي ]






خاتمة:


وهذا الاسم العظيم من أقرب الأسماء إلى الإنسان، فأنت ضعيف وهو قدير، أنت فقير وهو غني، أنت لا تعلم وهو يعلم، يا رب أنا لا أعلم، لكنك تعلم، أنا ضعيف، لكنك قوي، أنا فقير، ولكنك غني، والإنسان المؤمن يقوى بمن يعبده، فأنت ضعيف، لكنك مع القوي.
أيها الإخوة الكرام، معية الله لها نوعان: معية عامة، فهو معكم أينما كنتم، ومعية خاصة معية المؤمنين، فهو معكم بعلمه، لكنه الله مع المؤمنين، معهم ناصراً وحافظاً، ومؤيداً وموفقاً، إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )
أي معهم بحفظه وتأييده، ونصره وتوفيقه.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-06-2018, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(20)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( القاهر ):

1 ـ القاهر علمٌ مع الدلالة على كمال الوصفية:


أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( القاهر )، وقد سمى الله نفسه ( القاهر )، مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية.



2 ـ ثبوت اسم القاهر في الكتاب العزيز:


وقد ورد هذا الاسم في موضعين فقط في القرآن الكريم، ولم يرِد في السنة، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

( سورة الأنعام )
وقال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾

( سورة الأنعام )





أسماء الله كلها حسنى:





أيها الإخوة، الله جل جلاله له أسماء جلال، وله أسماء كمال، والإنسان يحب القوي، يحب أن يكون مع القوي، يحب أن يكون تابعاً لقوي، يحب أن يعتز بالقوي، يحب أن يلجأ إلى القوي، وأسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى.

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
نحن في حياتنا اليومية قد نجد صديقاً طيباً جداً، لكنه ضعيف، نعجب بطيبه، ولا يعجبنا ضعفه، وقد نجد إنساناً قوياً، لكنه ليس بطيب، لا تعجبنا قوته مع خبثه، ولا يعجبنا طيب هذا الإنسان مع ضعفه، فمتى نعجب بإنسان ؟ إذا كان في الوقت نفسه من القوة حيث لا يستطيع أحد ينال منه، ومن الطيب والكمال حيث تتعلق النفوس به، هذا هو الكمال المطلق ؛ أن تكون قوياً، وأن تكون كاملاً.
﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

( سورة التغابن الآية: 1 )

هناك إنسان له الملك، لكن ليس له الحمد، وإنسان له الحمد، لكن ليس له الملك، فلذلك الكمال البشري يتعلق بالكمال الإلهي، وأجمل شيء في حياة المؤمن أنه مع القوي، وأنه مع الغني، وأنه مع العليم، وأنه مع الرحيم، وانتماء المؤمن إلى الله عز وجل انتماء حقيقي.






إذا كان الله معك كنتَ أقوى الناس:





كيف أن الإنسان أحياناً يكون ابن ملِك، كيف يشعر في بلد طويل عريض ؟ في بلد فيه مؤسسات، فيه وزارات، فيه جيش، فيه شرطة، لأنه ابن الملك يشعر باعتزاز، يشعر أن قوته من قوة الملك، يشعر أن كرامته من كرامة الملك، صدقوا أيها الإخوة، هذا شعور المؤمن مع الله عزوجل.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
لا بد من أن تحب، ومن طبيعة البشر أن يحب البشر، ولكن البطولة من تحب ؟ من توالي ؟ من تعظم ؟ المؤمن يحب الله، ويتعامل مع الخلق جميعاً، وقلبه لله عز وجل.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله ))




3 ـ صفة القهر صفة كمال مطلق لله تعالى:


يعتز بالله، الله عز وجل هو ( القاهر )، لكنه كامل، لا يقهر إلا الظالمين، فقد تلتقي بقوي يقهر الطيبين، ينتقم من المؤمنين، لكن الله عز وجل كامل كمال مطلق.
لا إله إلا أنت الحليم الكريم، لا إله إلا أنت القوي الوحيد، لا معبود بحق إلا الله، لا معطي، ولا مانع، ولا معز، ولا مذل إلا الله، هو القوي، لكنه رحيم، قوي لكنه عدل، قوي لكنه عليم، قوي لكنه حكيم، القوة مطلوبة مع الكمال، والذي نلاحظه أحياناً أن العالم الإسلامي معه وحي، معه حق، معه قرآن، معه تعليمات الصانع، لكنه ضعيف.
لذلك انصرف الناس عن المسلمين لأنهم ضعاف، وقد يقول قائل: ما نصيبك من هذا الاسم ؟ يجب أن تكون قوياً.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة الشورى )
ما منا واحد إلا ويعتز بالبطل صلاح الدين الأيوبي، حينما انتصر على 27 جيشاً من جيوش الفرنجة، ودخل القدس، وقام خطيب القدس يذكر بعض الآيات الكريمة التي تبين أنه قد انقضى عهد الظالمين.
أيها الإخوة، الإنسان يحب الله، لأن الله كامل وقوي، ( قاهر )، كماله يمنعه أن يقهر الطيبين.
بالمناسبة: حيثما جاءت ( على ) مع لفظ الجلالة فتعني الإلزام الذاتي، قال تعالى:
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

حيثما جاءت ( على ) مع لفظ الجلالة فتعني أن الله عز وجل ألزم نفسه بهذا الكمال.




4 ـ معنى ( القاهر ) في اللغة:


أيها الإخوة، ( القاهر ) في اللغة اسم فاعل مِن قهر يقهر قهراً فهو قاهرٌ، وقهرت الشيء غلبته، وعلوت عليه مع إذلاله بالاضطرار، تقول: أخذتهم قهراً، أي من غير رضاهم، وأُقهر الرجل إذا وجدته مقهوراً، أو صار أمره إلى ذل، وإلى صغار، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شأن يأجوج ومأجوج:
(( قَهَرْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَوْنَا مَنْ فِي السَّمَاءِ قَسْوَةً وَعُلُوًّا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

النقطة الدقيقة جداً في هذا الاسم: أن الله كامل، لا يقهر إلا الظالمين، إلا المنحرفين، إلا المتغطرسين، وحينما يرى الإنسان غطرسة لا تحتمل، وعلواً في الأرض لا يحتمل، وسفكاً في الدماء لا يحتمل، وانتهاكاً للحرمات لا يحتمل، مثل هذا الإنسان إذا رأى قوة بطشت، وأنهت هذا الظلم، أنهت هذا العدوان، أنهت هذا الطغيان يرتاح أشد الراحة، هذا معنى اسم ( القاهر ) الذي هو من أسماء الله الحسنى.




5 ـ القهَّار صيغة مبالغة لاسم ( القاهر ) في الشرع:


وهذا المعنى أيضاً يلتقي مع اسم القهار، القهار صيغة مبالغة، ( القاهر ) اسم فاعل من قهر، بينما القهار صيغة مبالغة لاسم الفاعل، وقد بينت كثيراً أن صيغة المبالغة إن جاءت مع أسماء الله الحسنى فتعني شيئاً آخر، تعني أن الله يقهر أكبر قوة مهما عتت وعلت وبغت.
هناك قوى في الشرق كانت تملك من القنابل النووية ما تستطيع أن تبيد القارات الخمس خمس مرات، وقد قهرها الله عز وجل، وأصبحت في الوحل.
فلذلك يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

( سورة الإسراء )

القهار يقهر أكبر قوة تظنها لا تقهر، لذلك قالوا: عرفت الله من نهض العزائم، وفي حالات كثيرة ترى إنسانا متغطرسا جبارا، يتلذذ بقتل الأبرياء، وانتهالك الحرمات، يتلذذ بهدم البيوت، لا يموت، وفي صورة أخيرة لهذا الذي هدم سبعين ألف بيت بغزة بشكل قميء زري نقلت في الإنترنت، بقي ثلاث سنوات طريح فراش، ولم يمت بعد، لذلك سبحان من قهر عباده بالموت.




6 ـ معنى اسم ( القاهر ):


أيها الإخوة، ( القاهر ) سبحانه وتعالى هو الغالب على جميع الخلائق، وهو يعلو في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه.

﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )
هو الواحد الأحد الفرد الصمد، المتفرد بالقوة والجلال، القاهر فوق عباده وهناك أسماء كثيرة تقترب من هذا الاسم، منها المنتقم، لذلك كن مع الله فأنت قوي.

كن مع الله تر الله معك و اترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثـم من يعطي إذا ما منعك
الله عز وجل حينما قال عن نفسه:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

أي هو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، وذل لعظمته وكبريائه كل شيء.




7 ـ لا ينازع أحدٌ الله في جبروته وقهره:


لذلك أي إنسان ـ دققوا ـ من ينازع الله كبرياءه وعظمته يقصمه الله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[ أبو داود ]
وفي ضوء هذا الاسم أيها الإخوة، أمة قوية جداً، تملك من الأسلحة ما لا يوصف، تفردت بقيادة العالم، لا تنطوي على كمال إطلاقاً، تخطط لبناء مجدها على أنقاض الشعوب، وبناء رخائها على إفقار الشعوب، وبناء عزها على الشعوب، وبناء غناها على إفقار الشعوب، أن تنجح خططها على المدى البعيد، وصدقوا ولا أبالغ هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب، بل مع وجوده.

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
يستحيل أن يكون لهذا العالم إلا إله واحد، لأنه الله:

﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾



8 ـ من لوازم ( القاهر ) العلوُّ والغلبة:


له العلو والغلبة، فلو فرضنا وجود إلهيين اثنين مختلفين، ومتضادين، وأراد أحدهما شيئاً خالفه الآخر فلابد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته هو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو القاهر القادر، فلمَ تدعي جهة أنها خلقت السماوات والأرض ؟ ولم تدّعي جهة أخرى أنها قهرت عبادها، لذلك:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
مرة ثانية:

﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
وهو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، وذل لعظمته وكبريائه كل شيء، وعلا على عرشه فوق كل شيء.
قال بعض العلماء: ( القاهر ) أي ؛ المذلل، المستعبد لخلقه، العالي عليهم، وإنما قال: فوق عباده، لأنه وصف تعالى نفسه بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئاً أن يكون مستعلياً عليه، فمعنى الكلام إذاً غالب عباده المذل لهم إذا طغوا، وبغوا، وفسدوا، العالي عليهم بتذليله لهم وخلقه إياهم فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه.
تخضع للقوي لكنه عادل، تخضع للقوي لكنه رحيم، تخضع للقوي لكنه يسمعك لذلك أنت تدعو من ؟ تدعو جهة موجودة، تؤمن بوجودها حتماً، وتدعو جهة تسمعك، فإن سكت تعلم ما في نفسك، فإن تحركت رأتك، وإن تكلمت سمعتك، إن أسررت علمت ما في نفسك، إن تحركت رأتك، فأنت تدعو جهة تدعو على تلبية طلبك، ولو بدا لك مستحيلاً، تدعو جهة تحب أن ترحمك، هذا هو الله عز وجل.
فلذلك الحياة مع الإيمان بالله حياة رائعة فيها عز، فيها قوة، فيها راحة، فيها استسلام، فيها رضا، فيها طاعة.
اجعل لربك كل عـزـــك يستقر ويثبــت
فإذا اعتززت بمن يمــــوت فإن عزك ميت




9 ـ نصيب المؤمن من اسم ( القاهر ):


أيها الإخوة، الآن أنت ما نصيبك من هذا الاسم ؟ هو قاهر.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
الاستسلام والخنوع، والتماوت، والتضعضع ليس من صفات المؤمن.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
اللهُ معك، استعن بالله ولا تعجز، فالخضوع، والقلق، والخوف، والاستسلام، والتطامن ليس هذا من صفات المؤمن، أنت عبد القاهر، أنت عبد القوي، أنت عبد الغني.
إذا توهمت أن الله لا ينصرك، ولا يدافع عنك، وأنت المؤمن، وأنت المستقيم فقد وقعت في سوء ظن كبير، لأن الله لا يتخلى عن عباده المؤمنين، بل إن الله لا يعذب عباده المحبين، والدليل:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
لم يقبل دعواهم، بل رد عليهم:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )

الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من هذه الآية: أن الله لا يعذب أحبابه.
أنت مع القوي، بربكم هذه القصص التي وردت في القرآن عن الأنبياء هي لمن ؟ هل هي لهم ؟ ماتوا وانتهوا، هي لنا، فأيّ مصيبة تفوق حد الخيال ؟






قصص تؤكد قهر الله وغلبته:



1 ـ سيدنا يونس في بطن الحوت قصة وقانون:



أحيانا يكون دخلُ الإنسان قليلا، وعنده مرض، عنده مشكلة في بيته، عنده مشكلة في عمله، عنده ابن معاق، أما أن يجد نفسه فجأة في بطن حوت وزنه 150 طنًّا ! وجبته المعتدلة بين الوجبتين 4 أطنان، و الإنسان وزنه 70 كغ، فهو لقمة واحدة، وجد نفسه في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

( سورة الأنبياء )
القصة انتهت، إياك، ثم إياك، ثم إياك أن تتوهم أن هذه القصة وقعت ولن تقع مرة ثانية، هذه وقعت وتقع كل يوم، الدليل التعقيب الذي جاء بعدها:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
قلَبها اللهُ من قصة إلى قانون:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

هذه القصة لنا.




2 ـ سيدنا موسى مع فرعون:



سيدنا موسى مع أتباعه حينما كانوا في اتجاه البحر، وراءهم فرعون بجبروته، بقوته، بأسلحته، بحقده، ولكل عصر فرعون.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء الآية: 61 )

تعلّموا أيها الإخوة من الأنبياء العظام ثقتَهم بالواحد الديان، تعلموا منهم اعتزازهم بالله عز وجل.




3 ـ النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء:



في غار حراء، وقعت عين المشركين على عين الصديق، قال: يا رسول الله لقد رأونا، قال:
(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ))

[ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن أنس بن مالك ]
ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الأعراف )



4 ـ النبي عليه الصلاة والسلام مطارد مهدور الدم:



ذهب إلى الطائف، ودعا أهلها، كذبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم بإيذائه، وسال الدم الشريف من قدمه، وعاد إلى مكة، مكة أخرجته، مكة كفرت به، مكة تخلت عنه، لم يبقَ له أحد، إن صح التعبير أن للدعوة الإسلامية نهاية صغرى، ففي الطائف الخط البياني هبط إلى النهاية الصغرى، الآن يعود النبي إلى مكة، يسأله زيد: يا رسول الله، كيف ترجع إليها وقد أخرجتك ؟ ما لك أحد فيها، والله قال قولة تملأ القلب طمأنينة، قال:
(( إن الله ناصر نبيه ))،

ثقته بالله عجيبة.
هو في الهجرة هُدر دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، انتهى، يتبعه سراقة، يقول له: يا سراقة ـ دقق في كلام النبي ـ كيف بك إذا لبست سوار كسرى، معنى هذا الكلام أنني سأصل، وسأصل سالماً، وسأؤسس دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولة، وسأنتصر عليهما، وستأتيني غنائمها، ولك يا سراقة سوار كسرى، وفي عهد عمر جاءت كنوز كسرى، وسأل عمر عن سراقة، أعطاه سوار كسرى، وألبسه، وقال: بَخٍ بخٍ، أعيرابي من بني مدلج يلبس سوار كسرى !






خاتمة:


أخطر شيء في حياتنا اليأس، أخطر شيء بحياتنا التطامن، أن تقول: انتهينا، ما انتهينا، أنت مع الله، والله عز وجل لا يتخلى عن عباده.

﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾

( سورة محمد )

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
لذلك أفضل حالة أن تكون مع القوي، وأن تعتز بالقوي، وأن تعتز بالقاهر، وأن تعتز بالقهار، وأن تستمد قوتك منه، وأن تشعر بعزة وكرامة:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 140 )
لو أن الله عز وجل سلم الأرض للأقوياء فقط، للكفار ليئس المؤمنون، ولو سلمها للمؤمنين لنافق جميع الناس لهم:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا ﴾
مرة بيد الأقوياء الكفار، ومرة بيد المؤمنين، ونصيبنا في هذه الحياة أننا في عصر القوة مع الطرف الآخر، فلنصبر، ونحتسب، والله عز وجل لن يضيعنا.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-06-2018, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(21)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الأعلى ):





أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( الأعلى ).



1 ـ ورودُ اسم ( الأعلى ) في القرآن والسنة:


أيها الإخوة، ورد هذا الاسم في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الصحيحة، قال تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾

( سورة الأعلى )



الفرقُ بين المطلَق والنسبيّ:



أريد أن أوضح لكم الفرق بين المطلق والنسبي:
قد نرى قاضياً أصدر ألف حكم، خمسة أحكام ليست عادلة، لكن بقية الأحكام عادلة، هو عندنا قاض عادل، لكن عدله نسبي، لكن إذا قلت: الله عز وجل عدلٌ، فعدله مطلق، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يظلِمَ في ملكه مخلوقا، كمال الله مطلق، لكن المشكلة أحياناً أن الإنسان يحاول أن يبحث بعقله عن عدل الله، لا يمكن أن يدرك عدل الله بعقله إلا بحالة مستحيلة، أن يكون له علم كعلم الله، لذلك نحن جميعاً في حياتنا آلاف القصص نعرف الفصل الأخير منها، هذه القصص التي نعرف الفصل الأخير منها ليست صالحة للنشر، لكن بحكم علاقتنا الحميمة أحيانا نطلع علي قصة من أول فصل إلى آخره تتضح عدالة الله المطلقة، أنت حينما تؤمن أن أسماء الله حسنى وصفاته فضلى، أيْ أن عدله مطلق، رحمته مطلقة، حكمته مطلقة.



2 ـ من لوازم ( الأعلى ) أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع لحكمة:


ولابد من توضيح الحقيقة بهذه العبارة، كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، إذا قلت: سبحان ربي الأعلى، إذا قرأت قوله تعالى:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾

( سورة الأعلى )
كل أسمائه كاملة كمالاً مطلقاً، أما نحن بني البشر فيمكن أن نصف إنسانا بالعدل، وفي بعض أحكامهم حكم ليس كما ينبغي، يمكن أن نصف إنسانا بالرحمة، وفي بعض تصرفاته تصرف ليس كما ينبغي، لكن الإله العظيم إذا وصفته بأنه عادل أو رحيم أو حكيم فأسماءه حسنى، بمعنى مطلقة.


3 ـ من لوازم ( الأعلى ) أن الله لا يغفل عن أعمال العباد:


لكن مثلا: الله عز وجل قال:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

( سورة إبراهيم)
أنت متى تنهى ؟ لو قلت لك: إياك أن تصل إلي الشمس، هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً، لأنك لن تستطيع أن تصل إلي الشمس، لا يكون النهي نهيا حقيقيا إلا إذا كان بالإمكان أن يقع المنهي عنه، فقد أقول لك: لا تتأخر، يمكن أن تتأخر فأنهاك عن التأخر، لا تكذب، يمكن أن يكذب الإنسان فينهى الأب ابنه عن الكذب، فالنهي يعني أن المنهي عنه يمكن أن يقع، هذه الحقيقة الأولى.
إذا قال الله عز وجل:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

( سورة إبراهيم)
معنى ذلك أنه قد يبدو لبعض البشر أو لمعظم البشر اليوم، اليوم بذات أن الله غافل عما يعمل الظالمون، فلحكمة بالغة الإله العظيم له امتحان صعب، ونحن واقعون فيه، هذا الامتحان الصعب بأنْ يقوّي أعداءه، إلى أن يفعلوا ما يريدون فيما يبدو لقاصري النظر، إلى أن يقول ضعيف الإيمان: أين الله ؟ وقد قيل: أين الله.
تجد بلادا إسلامية مضطهدة، مسلوبة الإرادة، أمرها ليس بيدها، ليست كلمتها هي العليا، تعوم علي ثروات هائلة، لها موقع استراتيجي رائع، ومع ذلك حرب عالمية ثالثة معلنة علي هذا الدين في كل أنحاء الأرض، فالإنسان في ساعة ضعف قد يتوهم أن الله غافل، فيأتي الجواب:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

( سورة إبراهيم)



4 ـ من لوازم ( الأعلى ) أنه منزَّه عن ظلم العباد:


لذلك أنا أنصح الإخوة الكرام ألا تتورط برواية قصة لا تعرف فصولها كلها، إن كنت تعرف الفصول كلها من أول فصل إلى آخر فصل فيجب أن يقشعر جلدك لعدل الله عز وجل، ولكن نحن نرى الظاهر، نرى إنسانا مضطهَدا، نرى إنسانا رزقه قليل، والله عز وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147) ﴾

( سورة النساء )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُظلَم الإنسان بلا ذنب منه:
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى )

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
وحسن الظن بالله ثمنه الجنة، وضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
فيا أيها الإخوة، حينما تقول: سبح اسم ربك الأعلى معنى سبح يعني نزِّهه، معنى سبح مجِّد، فيجب أن تنفي عن الله عز وجل كل نقص متوهم، لذلك قالوا: الله واحد أحد، واحد ليس له شريك، وأحد ليس له مثيل، فكلمة أعلى كلّ شيء أعلى في حكمته، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، معنى بالحكمة المطلقة أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

(سورة القصص )
هذه المصائب التي تترى على المقصرين، على المذنبين، على الشاردين، على الغافلين، لو أن الله عز وجل لم يضيق عليهم ولم يعالجهم لقالوا يوم القيامة:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

(سورة القصص )

الرسول هنا المصيبة:

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

(سورة القصص )
أيْ مصيبة:
﴿ فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) ﴾

(سورة طه )





الدنيا دار ابتلاء وامتحان والآخرة دار الجزاء والخلود:




لذلك أيها الإخوة، حينما تحسن الظن بالله، وحينما تسبح الله، وحينما تمجد الله، وحينما تعلم علم اليقين أن أسماء الله حسنى، أي كاملة كمالا مطلقا ترتاح نفسك، وهذا هو الإيمان الصحيح، أما أن تقول: لا إله إلا الله، ولك اعتراضات لا تعد ولا تحصى علي تصرفات الله عز وجل، فليس هذا من الإيمان، والعوام لهم كلمات هي الكفر بعينه، يقول لك مثلا: الله يعطي الحلوى لمن ليس له أسنان، هذا الكلام ليس له معنى إطلاقاً، لأن الدنيا دار ابتلاء.
أيها الإخوة، ورد في بعض الآثار أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
أيها الإخوة الكرام، حياتنا الدنيا إذا قيست بالآخرة صفر، أوضح لكم ذلك:
مثلا: ضع الرقم (1) في الأرض، وأصفارا إلى الشمس، وكل ميليمتر صفر، ما هذا الرقم، هل يمكن لعقل أن يستوعب هذا الرقم ؟ واحد في الأرض ومئة وستة وخمسة مليون كيلو متر من الأصفار، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم ضعه صورة لكسر، وضع مخرجه لا نهاية، القيمة صفر، هذا من بديهيات الرياضيات، أيّ رقم مهما كان كبيراً إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، الآخرة لا نهاية.
طبعا الله عز وجل وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾

( سورة الإسراء)

قد تجد امرأةً تأتي من أقصى الدنيا كي تخدم في بيت لتأخذ أجرا يسيرا جداً كي تطعم أطفالها، من دون اليوم الآخر ينشأ عندك مليون سؤال، مليون مشكلة، لكن اليوم الآخر يومٌ أبديّ إلي ما شاء الله، لذلك الإنسان قد يخسر الحياة الدنيا، قد تكون حياة الإنسان متعبة، خشنة، دخله قليل، لكنه مستقيم، والذي طغى وبغى ونسي المبتدا والمنتهى علي الشبكية يعيش في بحبوحة كبيرة جداً، لكن العبرة في الدار الآخرة، لذلك سيدنا علي رضي الله عنه يقول: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>.






عدلُ الله مطلقٌ لا يشوبه ظلمٌ:





النقطة الدقيقة في بداية هذا الموضوع الدقيق أن أفعال البشر نسبية، وكمالهم نسبي، والإنسان في الأعم الأغلب حكيم، في الأعم الأغلب رحيم، في الأعم الأغلب عادل، لكن كمال الله مطلق، لا يمكن أن يظلم عصفورا في ملك الله من آدم إلي يوم القيامة، هذا الإيمان، لأن الله عز وجل قال:

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ (17) ﴾

( سورة غافر)

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) ﴾

( سورة الإسراء)
في نواة التمرة رأس مؤنّف كالإبرة تماماً، هذا اسمه نقير، وبين فلقتي النواة خيط، هذا اسمه الفتيل، وفي النواة غلالة رقيقة قشرة شفافة هذه هي القطمير.
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾

( سورة النساء)
ولا قطميرا:
﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

( سورة الأنبياء)
هذا اليقين بكمال الله يريح النفس، والإيمان شيء ثمين جداً، والمؤمن متوازن.
مثلاً: الله عز وجل قال:
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) ﴾

( سورة الشورى)



أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ






هناك سؤال كبير: بيد مَن كانت الأمورُ حتى آلت إليه، الأمر بيد الله في الدنيا والآخرة، والآية متعلقة بالآخرة، لكن يبدو مِن صياغتها أن الأمر في الدنيا ليس بيد الله، ماذا قال علماء التفسير ؟ قالوا: هؤلاء الذين شردوا عن الله، هؤلاء الغافلون، هؤلاء ضعاف الإيمان يرون في الدنيا آلهة غير الله، يرون الأقوياء آلهة، يرون الطغاة آلهة، لكن المؤمن الحقيقي لا يرى في الدنيا مع الله أحداً، لا يرى فعّالاً إلا الله، لا يرى قهاراً إلا الله، لا يرى ناصراً إلا الله، لا يرى معطياً إلا الله، لا يرى رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معزاً إلا الله، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
فلذلك الأعلى من أسماء الله الحسنى، فهو واحد أحد، واحد لا شريك له، أحد ليس كمثله شيء.



5 ـ من لوازم ( الأعلى ) كمالُ الخَلقِ والتصرُّفِ:


الله عز وجل قال:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ﴾

( سورة المؤمنون )
سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته، وقد وصف الله بعض مخلوقاته مجازاً أنها خالقة، لكن الإنسان إذا صنع شيئاً يصنع شيئاً من كل شيء، بينما خالق البشر إذا خلق شيئاً يخلق كل شيء من لا شيء، وإذا صنع الإنسان شيئاً يصنعه من كل شيء، وعلى مثال سابق، بينما خالق البشر يصنع كل شيء من لا شيء ومن دون مثال سابق، فالله عز وجل سمح أن توازن ذاته العلية مع عباده كي تعرف الفرق.
أحيانا يصنعون كُليةً صناعية حجمها كحجم هذه الطاولة، يجب أن تستلقي إلي جانبها ثماني ساعات في الأسبوع ثلاث مرات، وازن بين هذه الكلية الصناعية وبين الكلية الطبيعية، هذا العضو الذي لا صوت له يعمل بانتظام ليلاً نهاراً، وأنت مرتاح، وأنت نائم.
وازن بين آلة التصوير وبين هذه العين، آلة التصوير بالمليمتر مربع فيها أكثر من عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما العين ففي المليمتر مربع من الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، القرنية شفافة شفافية مطلقة، مع أن الغذاء يتم في كل أنسجة الجسم عن طريق الأوعية، إلا في القرنية فعن طريق الحلول:
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة المؤمنون )

نقطة دقيقة: كمال الخلق يدل على كمال التصرف، في الخلق إعجاز، في خلق السماوات والأرض، في خلق الإنسان، في خلق الحيوان، في خلق الأطيار، في خلق الأسماك، النباتات شيء معجز، أيعقل أن يكون هذا الإعجاز في خلقه لا يقابله كمال في تصرفاته ؟ لذلك قالوا: هناك آيات كونية، وهناك آيات تكوينية، وهناك آيات قرآنية، الآية العلامة الدالة علي عظمة الله، فالآيات الكونية خَلقه، والآيات التكوينية أفعاله، والآيات القرآنية كلامه، لكن الأولى أن تبدأ بآياته الكونية، لأنها واضحة لا لبس فيها، جلية حاسمة ناطقة بكماله، أن تبدأ بآياته الكونية، وأن تثنّي بآياته القرآنية، وأن تؤخر التفكر في أفعاله بعد أن تتفكر في خلقه، وبعد أن تتدبر كلامه، خلقه وكلامه يلقيان ضوءًا علي أفعاله.
للمرة الأخيرة: لا يمكن أن ندرك عدل الله بعقولنا، لأن عقلنا قاصر، تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.






دائرة المحسوسات والمعقولات والإخباريات:





دائرة المحسوسات:

العقل البشري قاصر، وكنت أقول دائما: هناك دائرة اسمها دائرة المحسوسات، أداة اليقين فيها الحواس الخمس، ومع تقدم العلم واستطالاتها كالمراصد والمجاهر ومكبرات الصوت إلى آخره، الدائرة الأولي دائرة المحسوسات، وهي شيء ظهرت عينه وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس واستطالاتها.



دائرة المعقولات:

أما الدائرة الثانية فهي دائرة المعقولات، هذه الدائرة شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، أداه اليقين في هذه الدائرة الثانية العقل، العقل مرتبط بالواقع، شيء غابت عنك عينه، طريق ترابي، رأيت آثار عجلات، تقول: لقد مرت سيارة على هذا الطريق يقيناً، ومن مسافة ما بين العجلتين تقدر حجم السيارة، ومن عرض العجلة تقدر مستواها، إذاً: أنت بآثار العجلات أيقنت أن هناك سيارة مرت، فالماء يدل علي الغدير، والأقدام تدل علي المسير، هذا اليقين الاستدلالي يقين عقلي، لكن في اليقين العقلي ذات الشيء غابت، وبقيت آثاره، لكن من دون آثار العقل لا عمل إطلاقاً.
أيها الإخوة، الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولكن تصل إليه العقول، لا أقول: تدركه، بل تصل إليه العقول، كما لو أنك تركب مركبة يمكن أن تقلّك إلى البحر، لكن لن تستطيع بهذه المركبة أن تخوض أمواج البحر، هذا اليقين الثاني، العقل مرتبط بالواقع، في الواقع قرص مدمج فيه سبعة آلاف كتاب، لو سألت إنسانا مات قبل خمسين عاما: هل تصدق أن في قرص سبعة آلاف كتاب ؟ مكتبة بأكملها بأربعة جدران ممتلئة بالكتب من الأرض إلي السقف في قرص صغير، وبنصوص مضبوطة بالشكل، وفيها بحث، وقد نبحث في كل هذه الكتب في ثلاث عشرة ثانية، شيء لا يصدق، لكن الآن هذا شيء واقع، العقل مرتبط بالواقع، أما لو سألت إنسانا: مات قبل خمسين عاما فإنه يتهم من يقول هذا الكلام بالجنون.
الدائرة الثانية: شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، أداة اليقين به العقل، الكون كله آثر من آثار الله عز وجل، الكون كله ينطق بوجود الله عز وجل ووحدانيته وكماله، الكون كله ينطق بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، هذا شيء واضح.



دائرة الإخباريات:

أما الدائرة الثالثة فهنا المشكلة، الدائرة الثالثة شيء غابت عينه، وغابت آثاره، لا أثر أبداً ليوم القيامة، لو جبت الأرض كلها هل ترى يوم القيامة ؟ هل ترى آثاره ؟ الجن، الملائكة، وعندك آلاف الموضوعات أخبرنا الله بها، أداة اليقين بهذه الدائرة الثالثة الخبر الصادق، لذلك حينما لا تخلط بين الدائرة الأولى والثانية والثالثة فهذه القضية حسية، هذه القضية عقلية، هذه القضية إخبارية، ترتاح وتنتظم الأمور، لذلك قضية اليوم الآخر دليلها إخبار الله لنا، الدنيا محسوسة، ترى المرأة الجميلة علي شبكية العين، وترى القصر الرائع علي شبكية العين، وترى الطعام الطيب على شبكية العين، وترى المركبة الفارهة على شبكية العين، ولكن الآخرة والجنة كلمات في القرآن الكريم:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) ﴾

( سورة الضحى )






الإيمان بالغيب شيء عظيم:





لذلك الإٍيمان بالغيب شيء عظيم جداً:

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾

( سورة البقرة)
البطولة أن تؤمن بالغيب.
أنت متجه إلي حمص، لك مبلغ ضخم في هذه المدينة، وخرجت من دمشق، فإذا لوحة كتب عليها في ظاهر المدينة: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في مدينة النبك، ترجع، لكن ما الذي دعاك إلى أن ترجع ؟ هذا النص، خمس كلمات غيرت اتجاه المركبة، لكن لو أن دابة تمشي على هذا الطريق أين تقف ؟ في حمص، ما الذي حكم هذه الدابة ؟ حكمها الواقع، ما الذي حكم الإنسان ؟ حكمه النص، هذا الإيمان بالغيب، الله أخبرك بجنة ونار وحساب:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر)





خاتمة:





هناك حساب دقيق، وتسوية حسابات بين البشر، لذلك ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما كركن الإيمان بالله واليوم الآخر.
إذًا:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾

( سورة الأعلى )
كماله مطلق، وكمال البشر نسبي، هو واحد أحد، واحد لا شريك له، وأحد لا مثيل له.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-06-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(22)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الطيّب ):





أيها الإخوة، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الطيب ).



1 ـ ورودُ اسم ( الطيِّب ) في السُّنة:


هذا الاسم لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة المطهرة، ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))

[ مسلم ]
وفي حديث آخر:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ... ))

[ الترمذي ]



2 ـ لابد للمؤمن أن يكون طيِّبًا:


النقطة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى لأنه ذاتٌ كاملة لا يتجلى على مخلوق أو على إنسان إلا إذا كان طيباً، لذلك بإمكانك أن تقف في الصلاة، وأن تركع، وأن تسجد، إن لم تكن طيباً فلن يتجلى الله عليك، ولا يلقي في قلبك النور، ولا يمنحك القرب، بينما الأقوياء ببساطة بالغة يمكن أن تتقرب إليهم برفع صورة لهم فرضاً، أو بكتاب، أو بثناء، أو بكلمة تلقيها في حضرته، تتقرب إليهم بهذه الطريقة، ولا يشترط بعدها أن تكون كاملاً، لكن الإله العظيم لا يقبلك إلا إذا كنت طيباً، لا يقبلك إلا إذا كنت ورعاً، لا يقبلك إلا إذا كنت طاهر السريرة، لا يقبلك إلا إذا كنت مستقيماً.
لك أن تفعل كل شيء في الحقل الديني، أما أن تشعر بقرب من الله عز وجل، وأنت لست طيبا، بل فيك خبث واحتيال وكذب ودجل ونفاق، لن تستطيع أن تصل إليه إلا إذا كنت طيباً ورعاً مستقيماً طاهراً ملتزماً، لذلك الفرق صارخ بين أتباع الأنبياء وأتباع الأقوياء، أتباع الأنبياء كمَّلٌ، لأن الله لا يقبلهم إلا إذا كانوا كذلك، ولا يتجلى عليهم، ولا يمنحهم توفيقه، لا يمنحهم تأييده، ولا يمنحهم قربه إلا إن كانوا طيِّبين.
في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟






المؤمنون أتباع الأنبياء:





النقطة الدقيقة للمرة الثانية: أن أتباع الأنبياء كمل، أتباع الأقوياء يرفعون شعارات، يرفعون صورا، يتكلمون بالمديح، لكنهم في علاقاتهم ليسوا كمّلاً، لذلك الفرق صارخ بين مؤمن وتابع لقوي أن المؤمن يتبع الأنبياء.
مرة ثانية، كالأب تماماً يطعم كل أولاده، و له ابن صالح مستقيم طاهر بار، ودّ الأب المودة لهذا الابن كبيرة، لكنه يطعم الكلَّ ويسقيهم.
الإنسان يأكل ويشرب، لكن أن تتصل بالله، أن تذوق طعم القرب منه، أن يلقي في قلبك نوراً، أن تكون مسدداً موفقاً مرشداً، هذا يحتاج إلى طهر:
(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
النبي عليه الصلاة والسلام رأى تمرة على السرير كما في الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ تَحْتَ جَنْبِهِ تَمْرَةً مِنْ اللَّيْلِ فَأَكَلَهَا فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرِقْتَ الْبَارِحَةَ، قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَحْتَ جَنْبِي تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا، وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ ))

[ أحمد ]
ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط.
أنت لا تعلم حينما تكون طيباً ماذا ينتظرك من الله عز وجل، التوفيق، النصر، التأييد، السكينة، السعادة، الرضى، أنت لا تعلم ماذا ينتظرك فيما لو كنت طيباً:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))
أنت لست نبياً ولا رسولاً، ولكنك مأمور أن تتبع النبي في أخلاقه.
بين ممرض وجراح قلب لمسافة كبيرة جداً، لكن هذا الممرّض لو أراد أن يعطي حقنة فلابد من تعقيمها، هناك إجراءات لابد منها، لا فرق بين ممرض وطبيب جراح فيها:

(( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))
إن كانت هناك شهوة أغلى عليك من الله فالطريق إلى الله غير سالك، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

( سورة التوبة )
لأن
(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))




3 ـ لن تقطف ثمار العبادات إلا إذا كنتَ طيِّبَ النفس:


النقطة الدقيقة للمرة الثالثة: بإمكانك أن تفعل كل شيء مادي، بإمكانك أن تذهب إلي الحج، وأن تصوم رمضان، وأن تصلي، إن لم تكن مستقيماً فلن تقطف ثمار هذه العبادات، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، فهذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل، هذا الذي يعتدي علي أعراض الناس، هذا الذي يقول كلاماً لا يرضي الله عز وجل ليس طيباً، لذلك لن يستطيع أن يقطف من ثمار العبادات شيئاً.
الفكرة دقيقة جداً، تريد القرب من الله، تريد أن تكون في عين الله، أن تكون في توفيق الله، و تكون في تأييد الله، أن ينصرك الله، أن تحيى حياة طيبة، تريد أن تكون متفوقاً عند الله، كن طيباً، لأن
(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
أتباع الأنبياء شيء، وأتباع الأقوياء شيء آخر، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأنبياء عاشوا للناس، أما الأقوياء فأخذوا ولم يعطوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأقوياء عاش الناس لهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، فإن
(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
تريد أن تخطب وده كن طيباً، تريد أن تنال رضوانه كن طيباً، تريد أن يتجلى على قلبك كن طيباً، تريد أن تخشع في الصلاة كن طيباً تريد أن يقبل صيامك كن طيباً تريد أن يقبل حجك كن طيباً، هذه العبادات لا يمكن أن تقطف ثمارها إلا إذا كنت طيباً، لأن
(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))

الطريق إلى الله عز وجل واضح، ومتاح لكل مؤمن، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

( سورة الكهف )
هذا مُتاحٌ، بإمكانك أن تكون أسعد الناس.
صدقوا أيها الإخوة، ولا أبالغ، لا يجتمع حزن مع إيمان بالله، معك سلاح الدعاء، أنت بالدعاء أقوى الأقوياء، معك جنة القرب.
كنت أقول دائماً عبر سؤال في الهاتف أقول للسائل: إذا عرفت الله كنت أكبر من أكبر مشكلة، فإن لم تعرفه فأنت أصغر من مشكلة.
فلذلك: " ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء "، يا رب، وماذا فَقَد من وجدك ؟ وماذا وجدك من فَقَدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك من معك ؟

(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ))

يمكن أن يكون هذا الحديث الصحيح شعاراً لك في حياتك، في تجارتك، في سفرك، في بيعك، لذلك أَطِبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة.




4 ـ المؤمن الطيِّب ليس عنده ازدواجية الشخصية:


أعظمُ ما في المؤمن أن سريرته كعلانيته، وأن خلوته كجلوته، وأن باطنه كظاهره، ما عنده ازدواجية أبداً، لأنه طيب ما عنده أسرار أبداً، ما يفعله في البيت يفعله أمام الناس، ما يفعله أمام الناس يفعله في البيت، ما عنده شيء للاستهلاك الخارجي، وممارسة خاصة.
صدقوا أيها الإخوة الكرام، أن مرض انفصام الشخصية أحياناً يصيب معظم الناس بشكل مخيف، لا يسمى مريضا، لكن له موقفان، في بيته موقف ومع الناس موقف، مع الذين آمنوا له كلام، ما شاء الله، ما هذا الدرس، لكنْ مع الطرف الآخر يقول لك: كله دجل، له موقفان، كله دجل، موقف مع هؤلاء، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾

( سورة البقرة )

المؤمن ليس عنده ازدواجية في الشخصية، سريرته كعلانيته، باطنه كظاهره خلوته كجلوته، لأنه طيب، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.




5 ـ معنى ( الطيِّب ):


طاب يطيب طيباً، تقول: ما أطيبه، أي ما أجمله، أي ما أزكاه، ما أنفسه، ما أحلاه، ما أجوده، شيء طيب وطعام طيب:

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ (157) ﴾

( سورة الأعراف )



6 ـ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ


كل شراب مسموح به، هناك مئة شراب الآن، حرم عليك الخمر فقط، كم نوعًا من اللحم مسموح به ؟ مئات الأنواع، حرم عليك لحم الخنزير، المحرمات بالنسبة إلى المحلّلات لا شيء:

﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ (157) ﴾

( سورة الأعراف )
وكأن الطيب تطيب النفس به، إنسان اشتهى المرأة، فتزوج، في بيته محترم، هذه الشهوة يمكن أن يصل إليها من طريق مشروع، لأن ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، يقارب زوجته، ويصلي قيام الليل، ويبكي في الصلاة، لأنه وفق المنهج:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50) ﴾

( سورة القصص)
المعنى المخالف: لو أنك اتبعت هواك وفق هدى الله فلا شيء عليك، أحببت المال اكسبه من طريق مشروع، تتزوج وتشتري بيتًا، تنجب أولادا تسعد بهم، تأكل طعامًا طيبًا من دخلٍ مشروع.
مرة ثانية، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلاله، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً.
لكن أيها الإخوة، بالمناسبة تصور إنسانا جائعا جداً، وأمامه طعام من لحم مشويّ مع مقبّلات، طعام نفيس جداً، وطيب جداً، اللحم نفسه لو تركته في الهواء أياماً طويلة والجو حار يتفسخ، ويكون له رائحة لا تحتمل قد تخرج من جلدك منها.
قد تكون الدابة ميتة في الطريق، من كيلومترين اثنين تشمّ رائحة لا تحتمل، تذكر هذا المثل: قطعة لحم إن كانت طازجة مشوية وأنت جائع فهي أنفس طعام، وإن تفسخت لا تحتمل، لذلك قال تعالي:
﴿ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (100) ﴾

( سورة المائدة)
الكثرة لا تحيل الخبيث طيّباً، والكثرة لا تجعل المحرم حلالاً، وكثرة الباطل لا تجعله حقاً، فلا تَقُل: أنا مع مجموع الناس:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (116) ﴾

( سورة الأنعام )
كن مع الأقلية المؤمنة، كن مع الأقلية الملتزمة، كن مع الأقلية الوقافة عند كتاب الله، لذلك:
﴿ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (100) ﴾

( سورة المائدة)
هناك إنسان طيب طاهر صادق متواضع أمين، إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، الله عز وجل قال:
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179) ﴾

( سورة آل عمران)



7 ـ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ


الله عز وجل عنده امتحانات، تكلم ما شئت، ادَّعِ ما شئت، لكن الله متكفل أن يجعلك في ظرف يكشف حقيقتك، هذا هو الابتلاء:

﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )
الإنسان يفتن:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

( سورة العنكبوت )

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179) ﴾

( سورة آل عمران)

يقول الرجلُ لأمه: بعد أن أتزوج ستكون هذه الزوجة خادمة لك، خير إن شاء الله، بعد الزواج لا يتحمل أمه، ويقول لها: متى يريحنا الله منك ؟ بعدما تزوج كان كلامه السابق باطلا، الله عز وجل متكفل أن يحجمك، تكلم ما شئت، أعط نفسك أيّ مقام يضعك الله في ظرف يكشف حقيقتك، وهناك الآن ذهب من أربعة وعشرين قيراطًا، وواحد وعشرون، وثمانية عشر، وستة عشر، وهناك نحاس مطلي بالذهب، ونحاس، ومعدن خسيس، والناس معادن.




8 ـ ما صفاتُ البلدة الطيبة ؟


أيها الإخوة هناك أماكن طيبة، بلدة طيبة ورب غفور، ما صفات البلدة الطيبة ؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

[ الترمذي ]
البلدة الطيبة التي يكون فيها أمراء طيبون أغنياء سمحاء، والأمر شورى بينهم.
الأعمال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (267) ﴾

(سورة البقرة)




9 ـ الأعمال والأقوال الطيبة:


هناك كسب طيب بتجارة مشروعة، وهناك نادٍ ليلي دخلُ صاحبِه كبيرٌ، وهناك ملهى وتجارة مخدرات ورشوة، ومكاسب كثيرة جداً لا ترضي الله عز وجل، الله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (267) ﴾

(سورة البقرة)
هناك كلام طيب وكلام خبيث:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ (25) ﴾

(سورة إبراهيم)
أحيانا الكلمة تنتهي بالإنسان إلى طاعة الله وإلى التوبة، وإلى الصلح مع الله، فما من شيء أعظم عند الله من كلمة الحق، قل الحق ولا تخشَ في الله لومة لائم، وكلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرّب أجلاً، الكلمة الطيبة تطير في الآفاق، والكلمة الخبيثة تطير في الآفاق، لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ البخاري ]

مثلا: يقول لك كاتب: أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، هذه كلمة خبيثة تزهد الناس بمكارم الأخلاق، لكن أنت قوي، لأنك أخلاقي، وأخلاقي لأنك قوي، وليس هناك خُلق أساسه الضعف، بل تعفو عن مقدرة، وتعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وقد ورد: " أحِبّ الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد "، شاب في مقتبل العمر، وهو مستقيم وعفيف " أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ".




10 ـ الأشياء الطيبة يوم القيامة:


الأشياء الطيبة في الآخرة:

﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (12) ﴾

(سورة الصف)
والطيبات الأعمال الصالحة، الله عز وجل قال:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾

(سورة الكهف)

الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: الأعمال الصالحة، أو هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذه من الطيبات.




11 ـ الله طيب في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعالِه وخَلقِه:


أيها الإخوة، الله جل جلاله طيب في ذاته، طيب في أسمائه وصفاته:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) ﴾

(سورة طه)
أسماءُه كلها حسنى:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(11) ﴾

( سورة الشورى)
له ذات كاملة، والله طيب في خَلقه:
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(88) ﴾

( سورة النمل)
في شبكية العين بالميليمتر مربع مئة مليون مستقبل ضوئي، وهذه آلة التصوير الاحترافية الرقمية أحدث آلة في المليمتر مربع عشرة آلاف مستقبل، أما شبكية العين في المليمتر مئة مليون مستقبل:
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(88) ﴾

( سورة النمل)

طيب في خلقه، طيب في أسمائه، وفي صفاته، وفي ذاته، وطيب في أفعاله، كل شيء وقع أراده، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
لكل واقع حكمة، ولو كان الموقِع مجرماً، قد يكون الموقع مجرماً، لكن لكل واقع حكمة، لمجرد أن الله سمح لهذا الذي وقع أن يقع إذًا هناك حكمة بالغة.
هو طيب في أفعاله، وفي خلقه، وفي صفاته، وأسمائه، وفي ذاته.




12 ـ معنى آخر من معاني الطيب:


المعنى الأخير: الله طيب، بمعنى أنه قدوس منزه عن النقائص والعيوب، وقد طيب الدنيا للموحدين:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(97) ﴾

(سورة النحل)
وطيب الآخرة، فجعلها خالدة لروادها، الدنيا طيبة للموحدين، فألهمهم رشدهم، وأحياهم حياة طيبة، والآخرة طيبها، فجعلها إلى أبد الآبدين.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-07-2018, 09:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(23)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الإله ):





أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم، هو: ( الإله ).



1 ـ ورود اسم ( الإله ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:


فقد ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، قال تعالى:

﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) ﴾

( سورة البقرة )
وقال تعالى:

﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ (73) ﴾

( سورة المائدة )



معنى السنة:



أما في السنة فلا بد من تمهيد:
تعريف سنة النبي عليه الصلاة والسلام: هي أقواله وأفعاله وإقراره، أيّ شيء قاله هو من السنة، وأيّ شيء فعله هو من السنة، فإذا سمع كلاماً وسكت عنه فهو من السنة، لأنه لا يمكن أن يسكت على خطأ، فإذا سكت معنى ذلك أنه أقره، والنبي عليه الصلاة والسلام نقل لأصحابه قول خبيب حينما قتل.
بالمناسبة، سئل خبيب قبل أن يقتل: أتحب أن يكون محمد مكانك، وأنت في أهلك وعافيتك ؟ فقال كلمة لا تنسى، قال: << والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، يعني الورود والأزهار، والبيت الواسع بالمقاييس المعاصرة، التكييف والطعام، ومركبة فارهة، والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة >>.
لذلك قال أبو سفيان: << ما رأيت أحد يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً >>.
أيها الإخوة الكرام، الإسلام هو الحب، فإذا ألغي الحب من الإسلام كان جثة هامدة، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، لأن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه الكريم أن أساس العلاقة بين العباد وربهم علاقة حب:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) ﴾

( سورة المائدة )
فلذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي يوحى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم )
فلما قتل خبيب، قبل أن يقتل صلي ركعتين، وقال:

وَلَسْتُ أُبَالِى حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمـــاً عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذاتِ الإِلَهِ وَإِن يَشـــأ يُبارِك عَلى أَوصالِ شِلوٍ مُــمَزَّعِ
وذلك في ذات الإله،من أجل الله عز وجل، لذلك:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾

( سورة الأنعام )
فالنبي عليه الصلاة والسلام نقل قول خبيب: << وذلك في ذات الإله >>، ولم يعترض عليه، إذن الإله بدليل السنة النبوية من أسماء الله الحسنى.
أيها الإخوة، في صحيح البخاري ورد الدعاء التالي:

((... اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

فـ ( الإله ) من أسماء الله الحسنى بنص القرآن الكريم، وبإقرار النبي عليه أتم الصلاة والتسليم.




2 ـ معنى ( الإله ):


لكن أيها الإخوة، ما معنى ( الإله ) ؟
قال علماء اللغة: ( الإله ) اسم مفعول، ونحن لغتنا والحمد لله لغة راقية جداً، لغة تصريف، عندنا فعل، وعندنا مصدر، وعندنا فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، وصفة مشبهة باسم الفاعل، لغتنا مبنية على نظام الأُسَر.
مثلا: عرف، المعرفة مصدر،عرف، يعرف، عارف، معروف، اعرف عراف، فهناك جد وهناك أحفاد كثيرون.
للتقريب، أنت في اللغة الإنجليزية تقول: table طاولة، book كتاب، write يكتب، أما في اللغة العربية فتقول: مكتب وكتاب وكتابة، من أسرة واحدة، فـ ( الإله ) اسم مفعول بمعنى المألوه، والمألوه أي: المعبود محبةً وتعظيما.
أيها الإخوة، أصل الفعل ألِه يأله إلهةً، و( الإله ) هو الله، الآن كل ما اتخذ من دون الله معبودا هو إله عند من اتخذه، حينما تخضع لشيء، حينما تطيع شيئاً أو جهةً، حينما تستسلم لها، لو لم تسمِّها إلها فقد جعلتها إلهاً:

﴿ أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 23 )

أيّ جهة تخضع لها، تستسلم لها، تحبها، تتفانى في طاعتها هي إلهك.




3 ـ أن يكون اللهُ إلهَك ومعبودَك:


ما البطولة ؟ أن يكون الله إلهك، لا أن تكون الشهوة إلهك، لا أن يكون قوي من أقوياء أهل الأرض إلهَك، لا أن يكون الشيطان إلهَك، لابد من جهة تخضع لها، إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، لذلك البطولة أن تعبد الله، البطولة أن يكون الله جل جلاله إلهك، بمعنى تخضع له، تحبه، تتفانى في طاعته، هو مرجعك، هو الحكم.



4 ـ لا معبودَ بحقٍّ إلا الله:


أيها الإخوة الكرام، لا معبود بحق إلا الله، هذا معنى: ( لا إله إلا الله )، أي: ليس هناك في الكون جهة تستحق أن تعبدها إلا الله:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )
من يستحق العبادة ؟ هو الخالق:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 21 )
من يستحق العبادة ؟ هو الرب، من هو الرب ؟ هو الممد، هو من يمدك بالهواء ؟ لو أن اجتماعاً على أعلى مستوى في الأرض ضمّ كل الدول، واتخذ قرار بإنزال الأمطار هل تنزل الأمطار ؟ الذي يمدك بالماء، بالهواء يمدك بالنبات، بالطعام والشراب:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 21 )
الخالق يُعبد، الرب يُعبد:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾

( سورة هود )
اعبد مَن إليه يرجع الأمر كله، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أحمد ]



5 ـ عبادةُ الله علّةُ وجود الإنسان:


ذلك أيها الإخوة، أكاد أقول: إن العبادة علة وجودك في الدنيا، وهي علة واحدة.
للتوضيح: أرسلك والدك إلى بلد غربي لتنال رسالة دكتوراه، إلى باريس مثلاً، المدينة الكبيرة العملاقة الصاخبة، فيها مسارح، فيها ملاهي، فيها حدائق، فيها مكتبات، فيها أسواق، مدينة مترامية الأطراف، وأنت إنسان في هذه المدينة، لو سألناك: ما علة وجودك في هذه المدينة ؟ لك في هذه المدينة علة واحدة، سبب واحد لبقائك فيها، هدف واحد في هذه المدينة ؛ أن تنال الدكتوراه، ولذلك أخطر سؤال تسأله لنفسك: ما علة وجودي في الأرض ؟



إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى



الناس يتحركون:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

( سورة الليل )
هذا يسعى لكسب المال، ثم يفاجأ أن المال ليس بشيء عند الموت.
جمع رجلٌ ثمانمئة مليون من القمار، وهو على فراش الموت شعر بالخطر، فطلب أحدا ممّن يعمل في الحقل الديني، هكذا قال بالضبط، قال: ماذا أفعل ؟ قال: والله لو أنفقتها كلها ما تنجو من عذاب الله:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

( سورة الليل )

لكن يا ترى هل الحركة متوافقة مع الهدف ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟
هناك سؤال أيها الإخوة،هذا سؤال يتضح بالمثل التالي:
ذهب رجلٌ إلى باريس، ونام في الفندق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب ؟ ما هذا السؤال ؟ نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن أتيت طالباً فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن أتيت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن أتيت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات، متى يصح عملك في مكان ما ؟ إذا عرفت سر وجودك، وغاية وجودك، لذلك لا شيء يعلو في حياة الإنسان على معرفة سر وجوده، وغاية وجوده، وقد تجد إنسانا في أعلى درجات العقل يطلب العلم، يبحث عن عمل صالح يرقى به عند الله، يربي أولاده تربية صحيحة، يتعامل مع الناس وفق منهج الله، هذا عرف سر وجوده، وغاية وجوده، لذلك أنت كائن متحرك، ما الذي دفعك إلى الحركة ؟
هذه الطاولة لا تتحرك، ليس فيها شهوات، ولا تحِبّ طاولة ثانية أمامها، لا تأكل، ولا تشرب، ليس عندها طموحات، لو تركتها مئات السنين تبقى على ما هي عليه، أما أنت ـ أيها الإنسان ـ فكائن متحرك، لماذا ؟ لأن الله أودع فيك حب الطعام والشراب، أودع فيك حاجة إلى الجنس، فتتزوج، أودع فيك حاجة إلى تأكيد الذات، فالحاجات الأساسية، الحاجة إلى الطعام للحفاظ على فردك، والحاجة إلى الجنس للحفاظ على النوع، والحاجة إلى تأكيد الذات للحفاظ على الذِّكر، هذه الحاجات الثلاث تدفعك إلى الحركة، فأنت كائن متحرك، البطولة أن تكتشف ما إذا صحت حركتك أو لم تصح.
إن طالبًا عنده امتحان في آخر سنة، مادة أساسية، الامتحان مصيره يبني على نجاحه، وتعيينه في منصب، وتأمين الدخل، وشراء بيت، والزواج، التعيين وتأمين بيت والزواج مبني على نجاحه، عنده مادة أساسية أخيرة، وأصعب مادة، والامتحان بعد أيام، ما الحركة المناسبة له ؟ أن يقبع في البيت، وأن يقرأ الكتاب المقرر، لو أن أصدقائه الخلَّص أخذوه إلى مكان جميل مطلٍّ على البحر، والجبل فيه نبات أخضر، والطعام نفيس جداً، وهو يحبهم، جالس مع أصدقاء يحبهم، والمكان جميل، والطعام طيب، لماذا يشعر بانقباض شديد ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع الهدف القريب.




السعادة في توافق الحركة مع الهدف:



إذاً: السؤل الثاني: أنت متى تسعد ؟ تسعد إذا جاءت حركتك متوافقة مع هدفك.
اسأل تاجرا لا بيع ولا شراء عنده، وهو جالس طول النهار في المحل، هاتوا شاي، هاتوا قهوة، هاتوا مجلة، هاتوا جريدة، تجده مسموم البدن، مع أنه مرتاح، الراحة لا تتناسب مع هدف المحل التجاري، أما لما ينسى أن يتغدى من كثرة البيع فهو أسعد إنسان، ما يجلس دقيقة، من محل لمحل، فلما يكون البيع شديدا يكون معه تعب شديد، ويكون التاجر في أسعد لحظاته، ولما يكون في راحة تامة واسترخاء، وضيافة مستمرة، وأصدقاء وصحف ومجلات، تجده في أتعس حالاته.
متى تسعد ؟ إذا جاءت حركتك موافقة لهدفك، ومتى تشقى ؟ إذا جاءت الحركة ليست موافقة لهدفك.
الآن السؤال: علة وجودنا على وجه الأرض الوحيدة أن نعبده، الدليل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )
ما العبادة ؟ بتعريف مختصر، غاية الخضوع لله، وغاية الحب، بالتعريف المفصل: هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
لا بد من أن تعرفه حتى تعبده، لذلك أكبر جزء من دينك طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم.
العلة الوحيدة من وجودك على وجه الأرض بنص كتاب خالق السماوات والأرض أن تعبده، من هو الخاسر ؟

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

( سورة الكهف )



أنت إنسان ضعيف:



الإنسان يقول لك: أنا، أنت حياتك متوقفة على قدر شريانك التاجي، ميليمتر وربع، فإذا ضاق هذا الشريان دخلت في متاعب لا يعلمها إلا الله، أول شيء تحتاج إلى قسطرة، ثم يخيرونك بين زرع شريان أم ( استاند ) ؟ يحتار، يسأل أول طبيب، والثاني، أيهما أفضل ؟ أيهما أدوم ؟ أيهما أصح ؟ أيهما أسلم ؟ وكل مكانتك، وكل حيويتك، وكل نشاطك وهيمنتك، و شخصيتك وحجمك المالي متوقف على سيولة الدم، فإذا تجمد الدم في أي مكان في الدماغ حدث شلل، ومع الشلل ثبات، وهذا الذي لا زال حياً من ثلاث سنوات، وأمد الله في عمره، والذي هدم سبعين ألف بيت في غزة لا يزال حياً حتى الآن، عنده ثبات، الله كبير، فأنت وهيمنتك وعظمتك، وحجمك المالي ومكانتك تتوقف هذه المكانة على شيء ثالث، على انضباط نمو الخلايا، فإذا نمت نمواً عشوائياً فهذا المرض الذي حير أهل الأرض يصيب الكبار والصغار، والشباب والأطفال، والنساء والشيوخ، والأقوياء والضعفاء، يصيب كل المخلوقات، حتى الآن ليس له دواء، ورم خبيث وانتهى بالموت.
مرة كنت عند طبيب قلب فجاءه اتصال هاتفي، يقول صاحبه: أيّ مكان في العالم، أيّ مبلغ مؤمَّن، قال: لا أمل، بلغ المرض الدرجة الخامسة.
فلذلك علة وجودك الوحيدة أن تعبد الله، إذاً: ليس هناك من جهة في الكون تستحق أن تعبدها إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، معنى لا إله إلا الله، الإله المعبود، أله يأله إلاهةً، ( الإله ) هو الله الذي يستحق أن تعبده:

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) ﴾

( سورة المدثر)



العبادة الشعائرية تصح بصحة العبادة التعاملية:



لكن بعد أن شرحت معنى العبادة عندنا أنواع للعبادة:
عندنا عبادة شعائرية، كالصلاة والصوم والحج، وعندنا عبادة تعاملية، الفكرة الخطيرة أن العبادة الشعائرية لا تصح، ولا تُقبَل إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وتركُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام.

1 ـ الصلاة:
النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه:

(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان ]
هذه الصلاة.
2 ـ الصيام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالعَطَشُ ))

3 ـ الحج:

(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))

[ ورد في الأثر ]

4 ـ الزكاة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾

5 ـ النطق بالشهادة:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم، وفي سند الحديث مقال كبير ]





خاتمة:





علة وجودنا في الأرض أن نعبده، وإذا ربحنا الأبد نكون قد ربحنا الربح الحقيقي:

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 185 )
قائد القوات الإسلامية في دمشق أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، فإذا بيته هو غرفة، وعلى الأرض جلد غزال، وقِدر مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، قالوا: ما هذا ؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلغنا المقيل ؟
ما مِن إنسان له قريب ساكن بأرقى أحياء دمشق، وتوفى، وذهب إلى التعزية، إلا ويقول في نفسه: مَن صمم هذه التزينات ؟ من اشتري هذه الثريات ؟ من اشتري هذا السجاد ؟ أين هو الآن ؟ إنها موعظة كبيرة جداً، والموعظة الأشد أنه ما من نعي إلا كتب عليه: وسيشيع إلى مثواه الأخير، فالمثوى الذي نعيشه الآن مثوىً مؤقت، اعتن به ما شئت، لابد من تركه، وأيّ إنسان ساكن في بيت في يوم من الأيام يخرج منه أفقيا مرة واحدة ؟ ولن يَعُود، ووالله ما رأيت على وجه الأرض أعقل ولا أذكى ولا أكثر نجاحاً وتفوقاً وفلاحاً ممن أعدّ لهذه اللحظة التي لابد منها.
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلابد من ونزول القبر.

و كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمـــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول
***
ما من يوم ينشق فجره إلا وينادى: " يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.

ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
***
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ الترمذي ]

" وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدمه، وقطعت أسباب السماء بين يديه "
أيها الإخوة، تفكُّرُ لحظة واحدة ينقلك من الضياع إلى الوجدان.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-07-2018, 09:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(24)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( المليك ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، واليوم مع اسم ( المليك ).



1 ـ ورودُ اسم ( المليك ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )




العلم والعمل مقياسان شرعيان لتقييم الناس:




أيها الإخوة، البشر لهم مقاييس، يكبرون الغني، يكبرون القوي، يكبرون الوسيم، يكبرون الذكي، لكن خالق البشر من خلال القرآن الكريم يتعمد قيمة العلم، وقيمة العمل، قال تعالى:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر الآية: 9 )

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة الآية: 11 )

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 123 )
فالقرآن الكريم من عند الخالق العظيم، اعتمد قيمة العلم والعمل، بينما أهل الدنيا اعتمدوا القوة والمال، والوسامة والذكاء، والبطولة أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس القرآن، لا وفق مقاييس البشر، لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ رواه مسلم ]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ رواه الترمذي ]
فالبطولة أن تكون صاحبَ:

﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾

لا أن تكون لك مكانة عند أهل الأرض وأنت لا ترضي الله، البطولة أن تكون لك مكانة عند ( المليك ) المقتدر.




مَن هو الوليُّ:




فلذلك من أدق تعريفات الولي في القرآن الكريم تعريف بسيط.
بالمناسبة، ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، تعريف الولي في القرآن الكريم:

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾

( سورة يونس )
فقط.
سيدنا سعد بن أبي وقاص كان خال النبي، وكان عليه الصلاة والسلام يحبه كثيراً ويداعبه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ))

[ الترمذي ]
وما فدى أحداً من أصحابه كما فدى سعد ابن أبي وقاص، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ:

(( يَا سَعْدُ ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))

[ متفق عليه ]
ومع ذلك قال له سيدنا عمر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام: << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخَلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له >>.
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13 )
فالمعنى الأول من اسم ( المليك ) أن يكون لك عند هذا الإله العظيم ( المليك ) مقعد صدق:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة حيث أن أبا بكر رضي الله عنه، قال: يا رسول الله مُرني بشيء أقوله إذا أصبحت، قال:

(( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ. قالَ: قُلْها إذَا أصْبَحْتَ، وَإذَا أمْسَيْتَ، وَإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ ))

[ رواه الترمذي ]

إذاً: ورد هذا الاسم في القرآن وفي السنة.
كتعليق على هذا الحديث، ورد من بعض أقول العلماء: لا بد للمؤمن من مؤمن يحسده أحياناً، مؤمن لكنه يحسده، ومن منافق يبغضه، ومن كافر يقاتله، ومن شيطان يغويه، ومن نفس ترديه، هذه حقيقة، ومعركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، ووطن نفسك أنه لا بد من أن يكون للحق من يعارضه، هذا شيء طبيعي جداً.




2 ـ معنى ( المليك ):


أيها الإخوة، الملك الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، إنسان مالك لأرضٍ، وإنسان ملِك، هذه الأرض لا يملكها الملك، لكن يحكمها، ومالك هذه الأرض لا يحكم، لكن الله جل جلاله ملك ومالك، يملك ويحكم، والمُلك في الدنيا والملكوت في الآخرة، المُلك في عالم الشهادة، والملكوت في عالم الغيب، والله جل جلاله مالك المُلك والملكوت.



3 ـ الله مالك كل شيء خَلقًا وتصرُّفًا ومصيرًا:


و( المليك ) ملِك ومالك، وصاحب الملك والملكوت، و( المليك ) ـ دققوا الآن ـ يملك كل شيء، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
للتوضيح: قد تملك المنفعة، ولا تملك الرقبة، وقد تملك الرقبة، ولا تملك المنفعة، وقد تملكهما معاً، ولا تملك المصير، لكن:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
الله جل جلاله يملك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
معمل طائرات حربية يصنع طائرة، صنعها وباعها، الآن أمرها بيد مَن ؟ بيد من اشتراها، فقد تقصف بلاداً لا يرضى صانع الطائرة أن تُقصف، لكنها خرجت من يديه.
لكن ولله المثل الأعلى:

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الزمر )
يملك ويحكم.
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾

( سورة الأعراف الآية: 54 )
قد تصنع طائرة، وقد تأتمر بأمرك، ولكن قد تفاجَأ بأنها سقطت، لا تملك مصيرها، هذا للتوضيح.
الله عز وجل مالك المُلك والملكوت، ملك ومالك، مالك كل شيء خَلقاً وتصرفاً ومصيراً.
( المليك ) أيها الإخوة، صيغة مبالغة، والقاعدة الثابتة أن الأسماء الحسنى إذا وردت بصيغة المبالغة تعني الكم والنوع معاً، أعلى درجات الملك، ويملك الله كل شيء، إن الله يرى دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
هذه الصيغة ( المليك ) تدل على كمال الملكية، كمال الملكية ودوامها أزلاً وأبداً.
الآن الله عز وجل مليك، بمعنى أنه مالك لكل شيء يُملّك، يملك الحياة، فهو الذي يهب الحياة، وهو الذي يأخذها.
هناك قصة: طائرة على ارتفاع 43 ألف قدم، تطير فوق جبال الألب، حصل فيها انفجار فانشطرت شطرين، وقع أحد ركابها من مكان الشطر، وقع من ارتفاع 43 ألف قدم نزل فوق غابة كبيرة من غابات جبال الألب، فوق هذه الغابة خمسة أمتار من الثلج وأغصان الأشجار كانت ماصة للصدمة، فنزل واقفاً، لأن الله يملك الحياة، بالمقاييس الأرضية مستحيل لإنسان يقع من ارتفاع 43 ألف قدم أن يبقى حياً.
وهناك قصة أخرى قبل عشر سنوات تقريباً: تحطمت نافذة طائرة، وكان إلى جانب هذه النافذة امرأة من باكستان معها ولدان صغيران، فخرجا من نافذة الطائرة، والطائرة مضغوطة 8 أمثال حاجتها من الهواء، طبعاً الموت محقق على ارتفاع خمسين ألف قدم، الطائرة تتجه إلى باكستان من السعودية، الشيء الذي لا يصدق أن الطفلين بقيا حيّين، لأنهما سقطا إلى جانب صياد، فرأى شيئاً من السماء يسقط، تتبع الشيء فإذ هما طفلان، أخذهما إلى القارب وأبلغ السلطات، وبلغت السفارة في باكستان، وجاءت الأم وأخذت ولديها.
الله عز وجل واهب الحياة، وهو الذي يأخذ الحياة بأقلّ سبب، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى في مثل هذا.
قد يتمتع الرجل بأعلى درجات الصحة، ولا يشكو من شيء، في ثانية واحدة يصبح خبراً على الجدران، فلذلك الله مالك الحياة، ومالك الرزق.

وَلَو كانَتِ الأَرزاقُ تَجري عَلى الحِجا هَلَكنَ إِذَن مِن جَهلِهِنَّ البَهائِــــمُ
***
إنسان يتمتع بأعلى درجات الذكاء ورزقه محدود جداً، وإنسان أقل ذكاء منه بكثير له رزق وفير، فالله مالك الحياة، مالك الرزق، مالك السمع والبصر والقوة، ومن أدق أدعية النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ:

(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ))

[ الترمذي ]
من تكريم الله للإنسان أن يمتعه بسمعه وبصره، وعقله وقوته ما دام حياً، من يملك نمو الخلايا ؟ إذا نَمت الخلايا نمواً عشوائياً ينتهي الإنسان، ورم الخبيث يصيب كل الأعمار، ويصيب كل أجزاء الجسم، في الدماغ، في الجلد، في الجهاز الهضمي، في الغدد الليمفاوية، مَن يملك نمو الخلايا ؟ الله جل جلاله، من يملك الشرايين ؟ من يملك مرونتها ؟ الله جل جلاله، مَن يملك سيولة الدم ؟ الله جل جلاله، مَن يملك من حولك ؟ الله جل جلاله، مَن يملك مَن فوقك ؟ الله جل جلاله، مَن يملك مَن دونك ؟ الله جل جلاله، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
الإنسان لضعف إيمانه ولجهله يتوهم أنه يفعل ما يشاء، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )
يعني أنت في قبضة الله، ولو كنت قوياً، ولو كنت غنياً.
إن أخًا أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، قال كلمة خطيرة، قال: الدراهم مراهم، تحل بها كل المشكلات، فأدّبه الله بأن أدخله السجن المنفرد، وبقي فيها 67 يوماً، وفي كل يوم يقول: الدراهم مراهم ؟! لن تحل هذه المشكلة بالمال.
فلذلك الإنسان إذا عرف من اسم ( المليك ) أن بيده كل شيء، بيده حواسك، بيده نشاطك وقدرتك، بيده زوجتك، بيده أولادك، إذا رضي الله عنك خدمك عدوك، وإذا غضب عليك تطاول أقرب الناس إليك.
بالمناسبة، المكانة صفة في الأجسام عبر عنها العلماء بأنها مقاومة قوى الشدة، والفولاذ المضفور أمتن عنصر في الأرض، لذلك الجسور المعلقة، و( التلفريك )، والمصاعد تستخدم الفولاذ المضفور، أما القساوة ومقاومة قوى الضغط فأقسى عنصر هو الماس، لذلك الحفارات تستخدم رؤوس من الماس.
الآن لماذا جاءت هذه الآية ؟
﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
الإنسان مربوط بحبل مهما كان قوياً لا ينقطع، مهما كان غنياً لا ينقطع، في أية لحظة هو في قبضة الله، هذا شعور المؤمن.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
القوة بيده، السمع بيده، البصر بيده، العقل بيده، الشريان التاجي بيده، سيولة الدم بيده، نمو الخلايا بيده، الكبد، القلب، الكليتان، فشل كلوي، تشمع كبد، هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

وهو ( المليك ).




4 ـ مِن لوازم المليك أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع:


لكن الآن نحتاج إلى حقيقة خطيرة كي ينسجم الإيمان مع ما يحدث، كي ينسجم الإيمان بأن الله مليك يملك كل شيء مع ما يحدث، هناك مقولة رائعة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، لأنه لا يليق بمقام الألوهية أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، بل لكل واقع حكمة، ولو كان الموقِع مجرماً، هذا الإيمان، لكل واقع حكمة، ولو كان الموقع مجرماً، ما دام قد سمح الله بوقوعه فلابد من حكمة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها.



ليس هناك شرٌّ مطلَق في الكون:




لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، اطمئنوا، الشر من أجل الشر، لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بوجود إله عظيم حكيم عليم رحيم، فعال لما يريد، أو بشر مطلق، والله عز وجل يوظف شر الإنسان للخير المطلق.
كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
إذاً: الآن النتيجة، كل شيء وقع مع أنه على الشبكية نتوهم أن فلانا وقع هذا القرار، وفلانا غزا هذه البلاد، وفلانا اتخذ قراراً بإعلان الحرب، كنتيجة توحيدية كل شيء وقع وقع ضمن خطة الله، بل إن خطة الله استوعبت خطة القوي الظالم.
مرة سألوا تيمور لنك: من أنت ؟ سبحانك يا رب ! أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، فحينما يغضب الإنسان قد يضرب، وقد يكسر، وقد يصيح، وقد يشتم، فإذا غضب الله عز وجل يبعث تيمور لنك، سُئل: من أنت ؟ قال: غضب الرب، الدليل القرآني:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

( سورة القصص )
الآن توظيف الشر النسبي من الطغاة والظلام للخير المطلق.
﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

( سورة القصص )
هذه سياسة الله، وأسأل الله أن تكون هذه الهجمة الشرسة على من هذا القبيل:

﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾






خاتمة:


إخوتنا الكرام، ابتلي المسلمون برجل بطاش في العصور السابقة، فجاء نفر من علية القوم إلى الإمام الحسن البصري، والإمام الحسن البصري والله له كلمة تكتب بماء الذهب، لما كان عند والي البصرة، وجاء توجيه من يزيد إنْ نفذه أغضب الله، وإن لم ينفذه أغضب يزيد فعزله، قال له: ماذا أفعل ؟ فقال له الحسن البصري: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله "، هذه مقولة تكتب بماء الذهب، " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله "، فهذا النفر جاء إلى الحسن البصري يشكون له هذا الجبار القاسي العنيف، ماذا ينبغي أن يفعل، أو ماذا ينبغي أن يفعلوه معه، فقال: " تعلمون رأيي فيه ؟ قالوا: لهذا أتيناك قال: لا تخرجوا عليه، لأن ظلم القوي هي نقمة الرب، وإن نقم الله عز وجل لا تدفع بالسيوف وحدها، بل تدفع بالتوبة والإنابة أولاً، ثم إعداد القوة ثانياً.
كما فعل صلاح الدين الأيوبي، حينما أزال كل المنكرات، وعلّم الأجيال العقيدة الصحيحة، والاستقامة التامة، وبعدها واجه الغرب، فلابد من دولة وأوبة وعودة، وإقبال وصلح مع الله أولاً، ثم لا بد من إعداد العدة المتاحة، والقوة المتاحة، عندئذٍ يكون نصر الله عز وجل.
قال الحسن: " وإنها إن عولجت بالسيوف وحدها من دون إنابة إلى الله كانت الفتنة أقطع من السيوف "، كما ترون فيما يجري حولنا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-07-2018, 02:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(25)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




من أسماء الله الحسنى: ( الأَحَد ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الأحد ).


1 ـ ورود اسم ( الأَحَد ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:

هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ * ﴾
( سورة الإخلاص )
وقد ورد أيضاً في السنة الشريفة الصحيحة، فعن ابن ماجة، أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول:

(( اللَّهمَّ إِني أسألُكَ بأني أَشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللهُ، لا إلهَ إلا أنتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا أحَدٌ، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لقد سأل اللهَ باسمه الأَعظَمِ، الذي إِذا دُعِيَ به أجابَ، وإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى ))
( الأحَد ) اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في سورة الإخلاص في قوله تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ * ﴾
وورد أيضاً في السنة الشريفة الصحيحة.


وقفة متأنية مع اسم الله الأعظم:



ولكن لا بد من وقفة عند اسم الله الأعظم:
اختلف العلماء في اسم الله الأعظم، فبعضهم قال: الرحمن، وبعضهم قال: الله، هذا الاختلاف يحسم بحقيقة رائعة، وهي أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت بحاجة إليه في ظرف معين، فإذا كنت فقيراً فاسم الله الأعظم بالنسبة إليك هو اسم الغني، وإذا كنت ضعيفاً فاسم الله الأعظم بالنسبة إليك هو اسم القادر، وإذا كنت تائهاً فاسم الله الأعظم هو اسم الهادي، وكل هذه الأسماء تدور مع الإنسان، فتارةً التواب، وتارةً المغني، تارةً الرحيم، تارةً القوي، تارةً الناصر، فكل حالة أنت فيها هناك اسم من أسماء الله الحسنى هو بالنسبة إليك اسم الله الأعظم.
والذي يلفت النظر أنه ورد في القرآن الكريم في آية هي أصل في هذه الدروس:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
إذا كنت مظلوماً فادعُ الله باسمه الناصر، وإذا كنت مضطراً فادعُ الله باسمه المجيب، وفي كل حال أنت فيه هناك اسم من أسماء الله الحسنى شفاء لك، وحصن لك، وأساس في حلّ مشكلتك.



المؤمن الصادقُ خاضع لله، متواضع مع خَلق الله:



أيها الإخوة، المؤمن الصادق يتعامل مع الله تعاملا يوميا، يتعامل مع الله تعاملا ساعيًا، المؤمن الصادق يناجي ربه، يستعين به، يستغفره، يتوب إليه، يتوكل عليه، يعبر لربه عن محبته، يا رب، إني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقي ؟
ورد في بعض الآثار القدسية:
(( ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[ ورد في الأثر ]
المؤمن الصادق له مناجاة مع الله، المؤمن الصادق يمرغ جبهته في أعتاب الله، المؤمن الصادق عزيز عزة لا توصف، لكن أمام الله فهو في منتهى الذل، في منتهى الانكسار، في منتهى الخضوع.
وهناك حقيقة تلفت النظر: كلما مرغت وجهك في أعتاب الله عز وجل رفعك الله، وزادك عزاً وقوةً وحكمةً، فبقدر ما تخضع له فيما بينك وبينه يرفع شأنك.
أنا لا أتصور أن في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنسانًا رفع الله ذكره كرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأتصور أيضاً أنه من إنسان خضع لله، وكان عبداً، وفي أعلى درجات القرب في سدرت المنتهى كرسول الله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
( سورة النجم )
الإنسان من شانه العبودية، والله من شأنه الربوبية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجه ]
الله عز وجل يغفر لك آلاف الذنوب:

(( يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))
[ الترمذي عن أنس ]
لكن ذرة واحدة من كبر تحجبك عن الله.
للتقريب: جاءك ضيوف كثر، وما عندك شيء تقدمه لهم، إلا كأس لبن أضفت خمسة أضعافه ماء، وجعلته شراباً سائغاً، الكأس من اللبن قبِل خمسة أضعافه ماء، لكن لا يقبل قطرة نفط واحدة، لأن هذه القطرة تفسده.
لذلك: " رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ".

(( لو لم تذنبوا، لخفت عليكم ما هو أكبر ))
يا الله ! ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال:

(( العجب ))
[ الجامع الصغير بإسناد حسن عن أنس ]
فشأن العبد أن يتذلل لمولاه، لكن المشكلة أن الذين شردوا عن الله يستكبرون على الله، وهو يتذللون، وينبطحون أمام عبد لئيم، فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، والعبد اللئيم لا يرحم، ولا يسترضى، ولا يؤمَن جانبه، فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم.



2 ـ بين اسم ( الأَحَد ) والواحد:

أيها الإخوة، ( الأحد ) من مشتقات الواحد، الواحد ( الأحد )، فالواحد مفتتح العدد، أول عدد واحد، أما ( الأحد ) فهذه للنفي، ما جاء من أحد، أما الواحد فللإثبات، جاء واحد من القوم، في الإثبات تستخدم لفظ ( واحد )، وفي النفي تستخدم لفظ ( أحد )، ما أطلّ علي أحد من الخلق، ودعوت قوماً فجاءني منهم واحد، الواحد لا شريك له، لكن ( الأحد ) لا مثل له، وهناك فرق بينهما، الواحد من حيث الكم، أما الأحد فمن حيث النوع، فالواحد لا شريك له، أما ( الأحد ) فلا مثل له.
لذلك قال تعالى:
﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾
( سورة مريم )
السمِيّ المشابه، هل تعلم مشابها لله عز وجل ؟ كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
أما الأحدية فقالوا: هي الانفراد ونفي المثلية، والانفراد لذاته، وصفاته، وأفعاله.



3 ـ من معاني ( الأحد ):

من معاني ( الأحد ) أنه يحتاجه كل شيء في كل شيء، وليس محتاجاً إلى شيء، يحتاجه كل شيء في الكون في كل شيء، وليس محتاجاً إلى شيء، أحد صمد، وجوده ذاتي، أما الإنسان فعبد لله، وجوده معتمد على إمداد الله له.


بين العبيد والعباد:



لذلك ورد في القرآن عبيد وعباد، والفرق بينهما كبير، العبيد جمع عبد القهر أما العباد جمع عبد الشكر، فأيّ إنسان ولو كان ملحداً، ولو كان كافراً، ولو كان فاجراً هو عبد لله، بمعنى أن حياته متوقفة على إمداد الله له، لو توقف القلب فأملاكه بالمليارات تنتقل إلى غيره، كان رجلاً فأصبح خبراً، قال تعالى:
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 44 )
حتى العتاة، الطغاة، المستكبرون، الملحدون، الكافرون هم عبيد لله قهراً، وكل مكانتك الاجتماعية مبنية على ذاكرتك، وهناك حالات فقدِ الذاكرة، كل مكانتك الاجتماعية مبنية على حركتك، وأقل خثرة من الدم في أحد شرايين الدماغ تنتهي الحركة، كل مكانتك الاجتماعية، من عقلك، والعقل قد يذهب فجأة.
فلذلك أي إنسان مهما كان قوياً، ومهما كان متجبراً فهو عبد لله قهراً، هذه عبودية القهر، لكن المؤمن حينما عرف الله، وأحبه، وأقبل عليه، وأطاعه، وتقرب إليه فهذا عبد لله أيضاً من نوع آخر، هذا عبد الشكر، لذلك عبد القهر تجمع على عبيد.

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
بينما عبد الشكر تجمع على عباد.
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 65 )
فرق كبير بين عبيد وعباد.
أيها الإخوة الكرام، ( الأحد ) الفرد، الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء، وليس محتاجاً إلى شيء، ويستحيل أن تحيط به.
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.



النفي المجمَل والإثبات المفصَّل في أسماء الله وصفاته:



أيها الإخوة، من خصائص أسماء الله الحسنى أن الصفات الفضلى لله عز وجل أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، لكن هناك خصيصة دقيقة، النفي المجمل والإثبات المفصل.
يمكن أن تمدح إنسانا، وأن تقول: هذا ليس لئيماً، ولا بخيلاً، ولا مجرماً، أعوذ بالله، هذا مدح، من كمال الأدب مع الله عز وجل أن تنفي عنه النقص إجمالاً، ومن كمال الأدب مع الله عز وجل أن تثبت كماله تفصيلاً، هو رحيم، ودود، غني، لطيف، من كمال الأدب مع الله أن تنفي عنه النقص إجمالاً، ومن كمال الأدب مع الله أن تثبت صفاته الفضلى تفصيلاً، بعضهم قال في قوله تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 115 )
﴿ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾
هي القرآن الكريم، والقرآن الكريم بين دفتيه كل ما في القرآن الكريم لا يزيد على شيئين، أمر وخبر، فالله أمرَك أو أخبرَك، فأمره عدل، وخبره صدق، ما بين دفتي كتاب الله أمرٌ وخبرٌ، أمره عدل، وإخباره صدق، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
بعضهم قال: القرآن حمّال أوجه، يعني: يا عبادي منكم الصدق ومني العدل، تتفاوتون عندي بصدقكم، الصدق له معانٍ عميقة جداً، المعنى الساذج البسيط الذي يتبادر إلى ذهن كل الناس أن الإنسان إذا حدثك فهو صادق، هذا المعنى صحيح، لكن هناك صدق الأقوال، وهناك صدق الأفعال، أن تأتي أفعالك وفق أقولك.
مَن هم الأنبياء ؟ الذين ما رأى الناس مسافة إطلاقاً بين أقوالهم وأفعالهم، مَن هم المنافقون ؟ الذين رأى الناس بوناً شاسعاً بين أقالهم وأفعالهم.
فيا عبادي منكم الصدق، ومني العدل.
أو:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
هذا تمهيد، بعضهم قال: لا، ما بين دفتي القرآن وصف للواحد الديان، وأمر وخبر، فسورة الإخلاص تعريف بالله، فهي ثلث القرآن، هذه السورة تعدّ عند بعض العلماء ثلث القرآن الكريم.



معرفة الله والطريق إليها:



أيها الإخوة، السبب أن أصل الدين معرفة الله عز وجل، هذه كلمة للإمام علي رضي الله عنه: أصل الدين معرفته، وشرف العلم من شرف المعلوم، فمن الممكن أن تكتب دراسة مطولة على قصيدة الإلياذة لهوميروس، قصيدة قيلت في عصور قديمة جداً، وكلها ضلالات وآلهة وشرك، فإذا درس الإنسان هذه القصيدة دراسة مفصلة، وإنسان درس أسماء الله الحسنى، فشرف العلم من شرف المعلوم، وفضل العلم بالله على العلم بخلقه كفضل الله على خلقه، فكلما ارتفع مضمون العلم ارتفع المتعلم، وكلما ارتفع موضوع العلم ارتفع المتكلم.
لكن أيها الإخوة، طرقُ معرفة الله عز وجل ثلاث، يمكن أن نعرفه من آياته الكونية من الكون، خلقه، ويمكن أن نعرفه من آياته التكوينية أفعاله، ويمكن أن نعرفه من كلامه قرآنه، آياته الكونية عن طريق التفكر، وآياته التكوينية عن طريق النظر، وآياته القرآنية عن طريق التدبر.
آياته الكونية عن طريق التفكر:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
أما آياته التكوينية أفعاله:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف ألْف مستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل وألف أَلف ألف مستحيل أن تقبل عليه وتُذل، ومستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تُعرض عنه وتعز، سبحانك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
أما آياته القرآنية:
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾
( سورة محمد )
إذاً: هناك طرق ثلاثة لمعرفة الله: خلقه عن طريق التفكر، وأفعاله عن طريق النظر، وقرآنه عن طريق التدبر.



العلمُ بخَلق الله والعلمُ بأمر الله والعلمُ بالله:



أما العلوم فتقسم إلى أقسام ثلاثة علم بخلقه، هذا اختصاص الجامعات في الأرض، علم الفلك، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، علم الذرة، علم النفس، علم الاجتماع، علم النفس التربوي، الجغرافيا، التاريخ، علم بخلقه، والعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا.
والمسلمون إذا أهملوا اختصاصاً هم في أمس الحاجة إليه، وتفوق بالاختصاص عدوهم، أثموا جميعاً، وعلم بأمره، هذا اختصاصات كليات الشريعة في العالم الإسلامي افعل ولا تفعل، الحلال، والحرام، والقرض، والوكالة، والحوالة، والكفالة، أحكام الزواج، أحكام الطلاق هذا علم بأمره.
النقطة الدقيقة: أن العلم بخلقه، وأن العلم بأمره يحتاجان إلى مدارسة، كلمة مدارسة تعني أستاذا، طالبا، كتابا، محاضرة، مراجعة، حفظا، تلخيصا، امتحانا، شهادة، هذه مدارسة، فالعلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، والعلم بأمره يحتاج إلى مدارسة، لكن نتائج العلم بخلقه، ونتائج العلم بأمره هذه المعلومات تستقر في الدماغ، قد يكون الإنسان أمهر طبيب في الأرض، وهو لئيم لؤماً لا يوصف، قد يكون بأعلى اختصاص، ويسلك سلوكاً لا يرضي.
فالعلم بأمره وبخلقه معلومات دقيقة جداً تحتاج إلى ذاكرة، إلى متابعة، إلى دراسة، إلى انتباه... والنتيجة معلومات تستقر في الدماغ، ولا علاقة لها بالسلوك.


العلم بالله وثمراته في الإنسان:



إن العلم به يحتاج إلى مجاهدة، قال بعض علماء القلوب: جاهد تشاهد، العلم به يحتاج إلى ضبط الجوارح، ضبط اللسان، ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، ضبط البيت، يحتاج إلى بذل، إلى عطاء، إلى خضوع لله عز وجل، إلى عمل صالح، إلى تضحية، إلى إنجاز للوعد، تحقيق للعهد، يحتاج إلى أخلاق، من ثمار العلم به أن الله يلقي في قلبك الآمن، والأمن أثمن نعمة على الإطلاق.
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
والله أيها الإخوة، في قلب المؤمن أمنٌ لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم.
ومن ثمار معرفة الله عز وجل الرضى، السكينة تسعد بها ولو فقدتَ كل شيء، وتشقى بفقدها، ولو ملكت كل شيء، الحكمة، السكينة، الرضى، الرحمة، النور يقذف في قلبك، ترى الحق حقاً والباطل باطلاً.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 28 )
من ثمار العلم به: أن العقل يهتدي، وأن النفس لا تشقى.

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، من ثمار معرفة الله عز وجل: أنه لا خوف على هذا المؤمن، ولا هو يحزن، هاتان الكلمتان غطتا الماضي، والحاضر، والمستقبل.

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
لا يضلك عقلك، ولا تشقى نفسك، ولا تندم على ما فات، ولا تخشى مما هو آت، كل الخير، كل السعادة، كل الرضى، كل السلامة، كل الذكاء في معرفة الله، وطاعته:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-07-2018, 02:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(26)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( السُّبُّوح ):





أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( السَّبُّوح ).


1 ـ ورودُ اسم ( السُّبُّوح ) في السنة المطهرة:

فقد ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ ))
[ رواه مسلم وأبو داود، والنسائي ]



2 ـ معنى ( السُّبُّوح ):

( السُّبُّوح ) من التسبيح، والتسبيح هو التعظيم والتنزيه.


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً



ولا بد من وقفة متأنية إذ أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، يقول الله عز وجل عن المنافقين:
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة النساء )
إذا قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
فالأمر ينصب على كلمة ( كثيرًا )، قياساً على هذه القاعدة، الله عز وجل يصف الذي لا يصلي في الدنيا:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
تحت عظيم خط، بمعنى أن إبليس كان يؤمن بالله، الدليل:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
آمن به رباً، وآمن به عزيزاً.
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن باليوم الآخر، قال:
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن به خالقاً، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
فإن الأمر يتجه إلى الذكر الكثير، لذلك قالوا: برئ من النفاق مَن أكثر مِن ذكر الله، وبرئ مِن الشح مَن أدى زكاة ماله، وبرئ مِن الكِبر مَن حمل حاجته بيده.
إذاً: إذا قال الله عز وجل

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾



لابد من التسبيح الحقيقي:



فالمطلوب هو الذكر الكثير، وإذا أمرنا أن نسبح الله فالمقصود التعظيم والتنزيه.
معنى: ( سُبُّوح ): أي هو الذي يُسبَّح ويُقدس، و( السُّبُّوح ) على وزن فعلول، أو على وزن فعول، مبالغة مِن سبّح يسبح تسبيحاً، أي أنه مهما سبحته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، ومهما قدسته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، لأن ( السُبُّوح ) من صيغ المبالغة، وإذا وردت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني الكم والنوع، فلو سبّحته كلُّ الخلائق فلا يكفي، لأن التسبيح كما ينبغي، ولو سبحه أعظم الخلائق، النبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، وهو في سدرة المنتهى تسبيحه ليس كما يمكن أن يكون مع الله عز وجل، لأنه لا يعرف الله إلا الله.
أيها الإخوة، إذا قال واحد منا: فلان سبح في كلامه، أي أكثر من تسبيح الله، لكن في هذه اللغة العظيمة التي اختارها الله لغة لكلامه.
﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾
( سورة الشعراء )
بكلمة يمكن أن تعبر عن جملة، هذا اسمه النحت، فإذا قلت: سبحان الله، يقال: فلان سبحل، فإذا قلت: أدام الله عزك، يقال: فلان دمعز، فإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله يقال: فلان حوقل، فإذا قلت: لا إله إلا الله يقال: فلان هلّل، فإذا قلت: الله أكبر يقال: فلان كبّر، هذا من دقائق اللغة العربية.
أيها الإخوة، التسبيح، التعظيم، تعظيم الله في كل كمالاته، هو غني عن تعظيمنا، لكننا إذا عظمناه سعدنا بقربه في الدنيا والآخرة.
﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
( سورة الزمر الآية: 7 )
لكن إذا سبحناه فمن أجلنا، من أجل سعادتنا، من أجل سرورنا، من أجل طمأنينتنا، من أجل أن نكون موفَّقين، فلذلك:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
( سورة الأعلى )
هذا أمر إلهي بالتسبيح، التسبيح كالتعظيم، فحينما تسبح الله فأنت في الأفق الأعلى، أنت في عظائم الأمور، لا في سفاسفها.
قد يشتغل الإنسان بالسفاسف، متى يندم ؟ حينما يرى أنه ضيع حياته في سفاسف الأمور، ونسي الآخرة التي هي العطاء الكبير، فإذا فات الإنسانَ هذا العطاءُ فاته كل شيء.
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 15 )



3 ـ كل شيءٍ يقرِّبك من الله هو تسبيحٌ:

حينما تفكر في كمال الله، في رحمته، في حلمه، في قوته، في قدرته، في لطفه، في جبروته، في انتقامه، هذه كلها كمالات الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
إن جزءَا كبيرا من عبادتك أن تسبح الله عز وجل، فلو حدثتنا عن المجرات، ولم تقل: سبحان الله، فحديثك عن المجرات تسبيح لله، إن حدثتنا عن العين، إن قرأت كتاباً في الفقه، وعظمت هذا الأمر الإلهي فأنت بهذا تسبح الله، فأيّ شيء يقربك من الله هو تسبيح، أي ذكر لله تسبيح، أيّ ذكر لآياته تسبيح، أي شرح لقرآنه تسبيح، فأنت تسبح في كمالاته، والسبح هو الفراغ.
﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ﴾
( سورة المزمل )
معك مجال لا ينتهي، المال ينتهي، تأكل فتشبع، ترتدي ثياباً جديدة، تنام على السرير، هذا السقف، لو معك مليارات، لو تملك أموال أهل الأرض، لا يمكن أن تأكل إلا وجبة تملأ بها معدتك، ثم تنام على سرير واحد، وترتدي ثوباً واحد.
المشكلة أيها الإخوة أن الدنيا محدودة، ولها سقف، لكنك إذا خرجت من ذلك لمعرفة الله فهناك اللانهاية، هناك تتصل بخالق السماوات والأرض.



4 ـ التسبيح تنزيه الله عن كل شيءٍ لا يليق به:

إذاً: التسبيح هو التعظيم، تعظيم الله عز وجل في كمالاته، والتسبيح تنزيه الله عن الصاحبة والولد.
﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ﴾
( سورة الجن )
والتسبيح تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له، فقد يقول لك أحدُهم: فلان خَلَقه كافراً، وكتب عليه الكفر، وجاء إلى الدنيا، وحقق إرادة الله، فاستحق النار إلى أبد الآبدين، من قال لك ذلك ؟ هذا عكس التسبيح.
﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾
( سورة سبأ )
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
أن تتوهم أن الله أجبر عباده على أفعالهم، فكيف يحاسبهم وقد أجبرهم على أفعالهم ؟ لمن الحجة إذاً ؟ قال تعالى:
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149 )


5 ـ من التسبيح تنزيه الله عن الظلمِ:

فمن التسبيح أن تنزهه عن الظلم.
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 70 )
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أيها الإخوة، التسبيح أن تنزه الله عن الصاحبة والولد، وأن تنزه الله عن كل ما لا ينبغي له، بل أن تنزهه عن الشريك والند والضد.


6 ـ من معاني التسبيح:

وقال بعضهم: ( السُّبُّوح ) له أوصاف الكمال والجمال، الإنسان ماذا يحب ؟ بعضهم أجمل ما يحبه الإنسان في ثلاث كلمات، الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال، يحب العطاء، يحب الجمال، يحب الكمال، والله سبحانه وتعالى مصدر للجمال والكمال والنوال، أفعاله كاملة، الاتصال به يسعد، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فأنت تحب الجمال والكمال والنوال، وهذه من عند الله، هو منبع الجمال، والكمال والنوال، إذاً: له أوصاف الكمال والجمال بلا نقص، وله الأفعال المقدسة عن الشر والسوء.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل والشر، لأن الشر المطلق لا وجود ه في الكون.
أيها الإخوة:
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 44 )


7 ـ كلُّ شيءٍ في الكون يسبِّح اللهَ:

ألا يستحي الإنسان أن يكون كل شيء في الكون يسبح الله عز وجل، والإنسان غافل ؟
إلى متى أنت في اللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾
( سورة الحج الآية: 18 )
سجودها عبادة لخالقها، لكن لا نفقهها.

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادق لأطـعته إن المحب لمن يحب يطيـع
***
شيء آخر أيها الإخوة:
﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 47 )
حجر يهبط من خشية الله بنص القرآن الكريم، والإنسان قلبه كالحجر، لا يتأثر ولا يرحم، ولا يبكي، ولا يخشع.
﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة البقرة )
علم الله هبوطها من خشيته، أنا أطلعكم على آيات قرآنية تتحدث عن تسبيح الكون له، فإذا كان الإنسان غافلاً فما موقفه يوم القيامة ؟.

أيا غافلاً تبدي الإساءة والـجهلا متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراه كأنك العين عمياء أو حــــولا
لأنت كمزكوم حوى المسكَ جيبُه ولكنه الـــمحروم ما شمه أصلا
***
ألا يستحي الإنسان أن يكون كل من في الكون يسبح الله عز وجل وهو غارق في شهواته ونزواته ؟!!



8 ـ معنى سُبُحَاتُ وَجْهِهِ:

ما معنى سُبُحات وجه الله ؟ قالوا: أنوار وجه الله، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم عنه صلى الله عليه وسلم:
(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
سُبُحات وجهه ؛ أنوار وجهه.

(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 143 )
دُكَّ الجبلُ.
﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
لذلك قال تعالى:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 103 )
لكن العقول تصل إليه من خلال الكون، تعرفه، وفي الدنيا لا يستطيع كائناً من كان أن يرى الله إلا في الآخرة.
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
ورد في بعض الآثار أن الإنسان أحياناً ينظر في الجنة إلى وجه الله الكريم فيغيب من نشوة النظرة خمسين عاماً، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ! ألا ترجى جنته ! ألا تخشى ناره ! بعض العارفين قال:

فلو شاهدت عيناك من حسنـنا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
و لو سمعت أذنك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا
و لو نسمت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
و لو لاح من أنوارنا لك لائـح تركت جمــيع الكائنات لأجلنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا لــــه قد جهلتنا
***


9 ـ تسبيحُ الله في كلِّ وقت:

أيها الإخوة، الصلاة تسبيح، التسبيح هو الصلاة، والصلاة هي التسبيح، دقق في هذه الآية:
﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾
( سورة الروم الآية: 17 )
ينبغي أن تسبح الله في المساء وفي المغرب والعشاء:

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾
﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾
( سورة الروم )
الفجر.
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً ﴾
( سورة الروم الآية: 18 )
﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾
( سورة الروم )
الظهر، الأوقات الخمس في هذه الآية:

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾
﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الواقعة )
هذا أمر إلهي، قالوا: سبحه بأسمائه، ونزهه عن الأسماء التي لم يسمِّ نفسه بها.

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
وادعوه بأسمائه الحسنى.



10 ـ الطريق إلى تسبيح الله هو التفكر في الكون:

لكن قد يسأل سائل: هل من طريق إلى تسبيحه ؟
صدقوا أيها الإخوة، ما من طريق أقرب إلى تسبيحه من أن تتفكر في مخلوقاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( تفكروا في مخلقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
[ الجامع الصغير عن أبي ذر بسند فيه ضعف ]
تفكروا في مخلوقاته، كلما ازددت تفكيراً ازددت تعظيماً لله عز وجل، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله ولأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
من منا يصدق أن في الدماغ 140 مليار خلية لن تعرف وظيفتها حتى الآن، فوق 14 مليار خلية قشرية فيها المحاكمة، والذاكرة، الذاكرة مساحتها بحجم العدسة فيها سبعون مليار صورة، الذاكرة، والمحاكمة، والتفكر، والاستنتاج، والاستنباط، والاستقراء، والحكم، والانفعالات، والرؤية، والسمع، والبصر، كلها في هذه القشرة الدماغية، في هذه القشرة 14 مليار خلية، والدماغ مؤلف من 140 مليار خلية، فإذا قرأت هذا الموضوع ألا تعظم الله عز وجل ؟ ألا تقول: سبحان الله.
كلّ أنسجة الجسم تتغذى عن طريق الشعريات إلا قرنية العين، من أجل أن ترى رؤية نقية صافية قرنية العين لها نظام خاص، تأخذ الخلية الأولى غذاءَها، وغذاء جارتها، وتسرب لها الغذاء عبر الغشاء الخلوي، من أجل أن ترى الأشياء بوضوح تام.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
في الغدة النخامية هرمون للكظر، إذا كان الرجل ماشيًا في الطريق، أو في بستان ورأى ثعبانا، هذا الثعبان تنطبع صورته على شبكية العين إحساساً، الشبكية لا تقرأ الصورة.
لما يأتي مريض غير متعلم يعطيه الطبيب التحليل لا يفهم منه شيئاً، يأخذه إلى الطبيب ليقرأه له.
تنتقل الصورة إلى الدماغ، هناك تقرأ، هناك ملفات الثعبان، ومفهومات الثعبان، جاءته من دراسته، ومن مشاهداته، ومن قصص سمعها، ملف الثعبان في الدماغ يقرأ الصورة، الدماغ ملك الجهاز العصبي ويدرك الخطر، يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية أن تواجه الخطر، الغدة النخامية وزنها نصف غرام، وهي من أخطر الغدد، هي ملكة الغدد، الملكة تفرز هرمونًا إلى الكظر فوق الكلية، الكظر يعطي خمسة أوامر، أول أمر إلى القلب فيرتفع النبض إلى 180، ثاني أمر إلى الرئتين، فيزداد الوجيب، ثالث أمر إلى الكبد لإطلاق كمية سكر إضافية، فالخائف سكر دمه زائد، أمر بعده إلى الكبد ليطلق هرمون التجلط، أمر إلى الأوعية المحيطية كي تضيق لمعتها، فالدم يذهب إلى العضلات لا إلى الجلد، فالخائف يصفر لونه.
هل من المعقول في ثانية تنتقل الصورة من العين إلى الدماغ، وتقرأ هنا، الدماغ يدرك الخطر، يلتمس من ملكة الغدد النخامية أن تواجه الخطر، والنخامية تتجه إلى الكظر تعطي أمرا لهذا الكظر أن يواجه الخطر، الكظر يعطي أمرا بتسريع القلب إلى 180 نبضة، ورفع وجيب الرئتين، وإفراز كمية سكر، وإطلاق هرمون التجلط، ثم تضييق الأوعية المحيطية، هذا صنع من ؟
لذلك يمكن أن تسبح الله عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، الله سبحانه وتعالى أتقن كل شيء.
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾
( سورة الملك الآية: 3 )





خاتمة:


أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( السُّبُّوح ) يسعدنا جميعاً، إذا سبحناه، إذا سبحنا في كماله، إذا سبحنا في مخلوقاته، إذا تفكرنا في عظمته، لذلك أصل الدين معرفة الله:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-08-2018, 09:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(27)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الوتر ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الوتر ).



1 – ورودُ اسم ( الوتر ) في السنة:


في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]




معنى الحفظ:




الحقيقة هناك حديث آخر:
(( احفظ الله يَحْفَظْك ))

[ أخرجه الترمذي عبد الله بن عباس ]

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 152 )

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )
إن نصرت دينه نصرك، وأنا أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
ذكره لك غير ذكرك له.

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة النساء الآية: 45 )
أي أن الله سبحانه وتعالى حينما تذكره يذكرك، أما إذا ذكرته فقد أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن، والأمن لا يتمتع به إلا المؤمن.

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )
منحك الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة الآية: 269 )
منحك الرضى، منحك السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
لذلك:

(( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ ))
كلمة الحفظ واسعة جداً، حفظ الاسم أي تعرف عليه، وتخلق بهذا الخُلق، واجعل هذا الخُلق وسيلة إلى الله، إلى التقرب إليه، الله عز وجل رحيم، يمكن أن تتقرب إليه بأن ترحم عباده، الله عز وجل عدل، يمكن أن تتقرب إليه إن كنت منصفاً، الله عز وجل كريم يمكن أن تتقرب إليه إن كنت كريماً،

المعنى الدقيق:


(( لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ ))
أي عرف هذا الاسم، واشتق من الله كمالاً من خلال هذا الاسم فتقرب إلى الله بهذا الكمال:

(( وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))
وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]
بمعنى أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، وأحد لا ند له، كيف يحب الوتر ؟ يحب أن تكون متفوقاً، النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة، طلب التفوق، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ ))

[ الترمذي ]
ولما اسلم حمزة توقف إيذاء قريش لرسول الله وأصحابه، ولما أسلم عمر صلى المسلمون في بيت الله الحرام.
إذاً: المطلوب أن تكون متفوقاً، لا أن تكون رقماً سهلاً، وهناك ملايين أتوا إلى الدنيا، تزوجوا، وأنجبوا أولاداً، وماتوا، ولم يعلم بهم أحد، لكن القلة القليلة في العالم الذين تفوقوا، وتركوا أثراً كبيراً في مجتمعاتهم.
للتقريب: سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام واحد، جاء إلى هذه الدنيا، وغادرها بعد 63 عاماً، وعم الهدى الأرض، ألم تسأل نفسك مرة: ماذا فعلت ؟ ما الأثر الذي تركته في الدنيا ؟ هل كنت في قلوب الناس.
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

( سورة النحل الآية: 120 )
فالله عز وجل ينتظرك أن تكون متفوقاً، أن تكون رقماً صعباً.

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما ترك حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية ]





بعض صفات الله أعطاها للمخلوق:






الله عز وجل لا شريك له، أحد لا ند له، وقد أعطاك بعض صفاته كيف ؟ لكرامتك عنده أعطاك بعض صفاته، الله عز وجل فرد واحد أحد، فرد صمد، أعطاك بعض الخصائص التي تتميز بها عن كل الخلق، لك قزحية عين لا تشبه قزحية عين إنسان آخر في الأرض، الآن تؤخذ في بعض المطارات صورة قزحية العين وتوضع على الجواز، ولا يمكن لهذا الجواز أن يزور إطلاقاً، فالقزحية أعطتك صفة الفردية، ونبرة الصوت تنفرد بها، ورائحة الجلد تنفرد بها، وبصمة الإصبع تنفرد بها، والزمرة النسيجية تنفرد بها، وبلازما الدم تنفرد به، والنطفة تنفرد بها.
في أحدث بحث أن نطفة الإنسان يتميز بها من بين كل البشر، وأن المرأة تحفظ هذه النطفة، تحفظ رمزها، وما دامت تأتي تباعاً إلى الرحم فالوضع طبيعي وسليم، أما إذا تعددت هذه النطف في مجيئها إلى المرأة فهناك خطر ينتظرها، لكن متى يمكن أن تستقبل نطفة أخرى، بعد انقطاع الأولى بعد أربعة أشهر، هذا موضوع سمعته في مؤتمر إسلامي في القاهرة.
لذلك الله عز وجل واحد أحد فرد صمد، أعطاك هذه الصفة.
عند الترمذي من حديث عَلِيٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة ]
لا تكن إنسانا عاديا من الملايين، لا تكن إنساناً من الهمج الرعاع، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: << يا بني، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى، ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >>.
لا تكن مع هذه الملايين التي شردت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عبدت شهوتها من دون الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لتأكل، لا تكن مع الملايين التي جعلت شهوتها إلهها.
عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ))

[ البخاري ]
لا تكن مع الملايين التي غفلت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لحظتها، ولم تذكر ماذا بعد الموت، لا تكن مع الملايين التي عبدت المال من دون الله.

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]




2 – معنى ( الوتر ):


لكن في اللغة: الوتر هو الفرد، أو ما لم يتشفع من العدد، فالسبعة عدد وتر، أما سبعة وعشرون فعدد شفع، والتواتر هو التتابع.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

( سورة الفجر )
الوتر آدم، والشفع شُفع بزوجته أصبحوا اثنين.
الوتر: هو الله، لأنه واحد لا شريك له، وأحدٌ لا مثيل له.
﴿ وَالشَّفْعِ ﴾



الله وتر والمخلوقات شفعٌ:




جميع الخلق، الإله واحد والخلق كثيرون.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾

( سورة الفجر )
البشر خُلقوا أزواجاً، خُلقوا شفعاً، فأنت في أصل تركيبك مفتقر إلى زوجة، والأنثى في أصل تركيبها مفتقرة إلى الزوج.
إذاً: شأن العباد أن يكونوا شفعاً، وشأن الله أن يكون وتراً، الله واحد، والخلق كثُرٌ.
الله عز وجل حينما قال:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

( سورة الروم الآية: 21 )
لماذا يسكن الزوجة لزوجته ؟ بل لماذا تسكن الزوجة لزوجها ؟ أي تميل إليه، ويميل إليها، ومن أنجح أنواع الزواج ما كان كل طرف قرّةَ عينٍ للطرف الآخر، يسكن إليها، لأنه يكمل بها نقصه، وتسكن إليه لأنها تكمل به نقصها، هي تكمل به نقصها القيادي، هو يكمل بها نقصه العاطفي:

﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾




كن مع القِلّة المتفوِّقة بالطاعة:




الله عز وجل وتر، لكن يحب الوتر، يحب التفوق، النبي تفوق، أيعقل أن يقسم الله عز وجل بعمر النبي ؟! قال تعالى:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )
كم من شابٍ في الأرض في القارات الخمس، لو كان بخلوة مع امرأة بارعة الجمال، ودَعته إلى نفسها، بل أجبرته، كم من شاب يأبى ذلك ؟
سيدنا يوسف قال:

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )
إذاً: سيدنا يوسف تفوّق، والأكثرية يرونها مغنماً كبيراً، بينما المؤمن يراها بُعداً عن الله عز وجل.

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )
كأنما النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول:

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
فيعني كن مع القلة المتفوقة، كن مع القلة التي عرفت ربها، كن مع القلة التي أعطت ربها كل ما عندها.

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
كن مع القلة التي تركت أثراً في الحياة.
مرة سألت طلاب: من يذكر لي اسم تاجرٍ عاش في دمشق 1876، وله علامة تامة ؟ ما عرف أحد، قلت لهم: وأنا أيضاً لا أعرف، لكن من منا لا يذكر سيدنا عمر ؟ سيدنا خالدًا ؟ هؤلاء العظام تركوا بصمات واضحة في الأرض.
كن مع القلة المتفوقة، كن مع الذين أحدثوا في الحياة أثراً كبيراً، كم مع الذين عاشوا في قلوب الملايين.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
فلذلك الإنسان شأنه الشفع، شأنه أن يكون مع آخر، والحد الأدنى الزواج، إنسان لا يستقر إلا إذا تزوج، والفتاة لا تنجح في حياتها إلا إذا خُطبت وتزوجت، هذا شأن الخلق، لكن شأن الحق أنه واحد أحد فرد صمد.

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾

( سورة الإخلاص )

﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾

( سورة الجن )



الإنسان مطبوعٌ على الاجتماع:




أيها الإخوة، الله عز وجل مكنك من اختصاص، من حرفة، من قدرة، من مهارة، وأحاجك إلى مليون حاجة، أنت بحاجة إلى طبيب، بحاجة إلى معلم يعلم أولادك، بحاجة إلى خياط يخيط لك ثيابك، بحاجة إلى خباز يخبز لك الخبز، بحاجة إلى فلاح يفلح لك الأرض، بحاجة إلى من يصنع لك الأدوات، أنت بحاجة إلى من يصنع لك الأثاث، تتقن حاجة، وأحاجك إلى مليون حاجة.
إذاً: قهرك أن تكون مع أخيك الإنسان، أنت مفتقر إلى زوجة، أنت فضلاً على ذلك مفتقر أن تعيش في مجتمع، أنت مدرس، طبيب، مهندس، لكن بحاجة إلى خياط، بحاجة إلى سباك، بحاجة إلى بلاط لبيتك، بحاجة إلى نجار، بحاجة إلى حداد، حاجات الإنسان لا تعد ولا تحصى، وكل حاجة خبرات متراكمة، وتطورات، وصناعات.
بعض الحِرف يقول لك: بذرة هجين، الخبرات المتراكمة من خلال تطوير هذه البذرة وتهجينها، عمرها مئة عام، فأنت تتقن حاجة واحدة، أو حاجتين، مكنك الله من شيء أو شيئين، لكنك بحاجة ماسة إلى مليون شيء.
إذاً: الله عز وجل جعلك مفتقرًا إلى الزوجة، وجعل الأنثى مفتقرة إلى زوج، وجعلك مفتقراً إلى المجتمع، تشترى خبزًا، هناك مَن فلح الأرض، هناك مَن زرع القمح، هناك مَن اعتنى بالقمح، مَن سمد القمح، مَن سقى القمح لأشهر عديدة، هناك مَن حصد القمح، هناك مَن درس القمح، هناك مَن طحن القمح، هناك مَن خبز العجين، هناك مَن قدم لك الخبز، أنت مدرس، أما هذا الرغيف فاشتغل به آلاف الأشخاص حتى وصل إليك.
إذاً: شأن الخلق أنهم مفتقرون إلى بعضهم، لكن الله شأنه أنه واحد أحد، فرد صمد،
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾

﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾
لكن الله سبحانه وتعالى أرادك أن تكون متفوقاً، أرادك أن تكون من النخبة، من القلة، من الذين عرفوا ربهم، من الذين استجابوا لربهم.
لذلك قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )
هو وتر، لكن البشر شفع.
الآية دقيقة جداً، لا يمكن أن يلتقي فرد من بني البشر مع فرد آخر إلا بإذن الله، لا يسمح الله بالدواء أن يؤثر في الإنسان إلا بإذن الله، لا يسمح لهذا العقرب أن تلدغ إنسانًا إلا بإذن الله.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أخرجه الإمام أحمد ]
الآن:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 )
كلمة الشفع كلمة واسعة جداً، أنت بحاجة إلى طعام، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إليه، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إلى سببين، لذلك الأنبياء:

﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 )
مفتقرون في وجودهم إلى الطعام، بل مفتقرون إلى ثمن الطعام، لذلك يأتون في الأسواق.
أيها الإخوة، شأن الخلق أنهم شفع، وشأن الله أنه وتر.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
الكون ما سوى الله، السماوات والأرض ما سوى الله، شأن الله أن يكون فرداً، واحداً، أحداً وتراً، وشأن الخلق أن يكونوا شفعاً.
لكن معنى:

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
يعني: كن متميزاً بأخلاقك، كن متميزاً بخبرتك، كن متميزاً بعطائك، كن متميزاً بالأثر الذي ينبغي أن تتركه، تذهب إلى أطراف الصين هناك مساجد، ومسلمون، تذهب إلى أطراف الغرب، إلى المغرب، إلى موريتانيا إلى غينيا، هناك مسلمون، أثر من ؟ أثر هذا النبي العظيم.

(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))






خاتمة:


لا تكن رقماً سهل، أيّ إنسان إذا بدل قناعاته برقم من المال انتهى، أي إنسان يتشدد، وإذا أغريته بمبلغ من المال وافق، هذا له ثمن، قل أو كثر، أما المؤمن فرقم صعب، لا يساوم، ولا يبيع مبادئه.
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ))

[ السيرة النبوية ]
لذلك الله عز وجل ذكرنا أننا مفتقرون إلى بعضنا، الحد الأدنى إلى زوجة، والحد الأدنى الأنثى مفتقرة إلى زوج، والحد الأوسع أنك مفتقر إلى مجموع، فكم مِن إنسان في الأرض عاش على الحر، أو على البرد، أو على طول الشعر، أو على جهل الذين يعلمون، أو على المرض، الله جعل معايش، جعلك مفتقراً إلى الآخر، هذا شأن العباد، لكنه في الوقت نفسه أراد أن تكون متميزاً متفوقاً.
لذلك:

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
الشفع هم الخلق، لأنهم مفتقرون إلى بعضهم، والوتر هو الله، يحتاجه كل شيء في كل شيء.
هذه أسماء الله الحسنى، من حفظها دخل الجنة، أي عرف أبعادها، فهم مضامينها، وبعد ذلك تخلق بأخلاق رضية مشتقة من كمال الله، وبعد ذلك قلد هذا الخالق في معاملته للخلق، لذلك من حفظها دخل الجنة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-08-2018, 09:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(28)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( المنّان ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المنان ).



1 ـ ورودُ اسم ( المنان ) في السنة النبوية:


اسم ( المنان ) أيها الإخوة، لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة المطهرة، مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية، كما تعودنا في أسماءه الحسنى الثابتة، وقد ورد هذا الاسم في سنن أبي داود، من حديث أنس رضي الله عنه، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يصلي، ثم دعا، فقال هذا الرجل:
(( اللَّهمَّ إني أَسأَلُكَ بِأنَّ لَكَ الحمدَ، لا إِلهَ إِلا أنْتَ، المَنَّانُ، بَديعُ السَّمَواتِ والأرضِ، ذو الجَلالِ والإِكْرَامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحَابِهِ: أتَدرونَ بمَ دَعَا ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلم، قال: والذي نفسي بيده، لَقَدْ دَعا الله باسمه الأعظم، الذي إِذَا دُعِيَ به أَجَابَ، وإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى ))

[ أبو داود ]




اسم الله الأعظم:




هذا النص النبوي الشريف الصحيح ينقلنا إلى اسم الله الأعظم، اسم الله الأعظم إذا دعوت به أجابك، وإذا سألت به أعطاك.
وقد اختلف العلماء حول اسم الله الأعظم، بعضهم قال: الرحمن، بعضهم قال: الرب، وفي هذا الحديث اسم الله الأعظم ( المنان ).
وهناك من العلماء من يجتهد في أن اسم الله الأعظم هو الذي أنت بحاجة إليه، فإذا كان العبد مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كان العبد فقيراً فاسم الله الأعظم هو الرزاق، وإذا كان العبد مقهوراً فاسم الله الأعظم المنتقم، وإذا كان العبد ضعيفاً فاسم الله الأعظم هو القوي، أسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، والله عز وجل يقول:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )




معاني قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا




لهذه الآية معان كثيرة، من معاني هذه الآية لن تستطيع أن تدعو الله إلا إذا توسلت إليه بكمال مشتق منه، تريد أن يجيبك الرحيم ؟ كن رحيماً، تريد أن يستجيب لك ؟ كن عادلاً، تريد أن تلبى دعوتك ؟ كن منصفاً:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

معنى آخر لهذه الآية: أنت بحسب حالك اختر من أسماء الله الحسنى الاسم المناسب، فقد تكون متطلعاً إلى الشفاء، قل: يا شافٍ، يا عظيم، قد تكون متطلعاً إلى النصرة قل: يا ناصر، يا رب انصرني، انصر دينك يا رب.
فلذلك اسم الله الأعظم موضوع خلافي، المتفق عليه أن اسم الله الأعظم إذا دعوت به أجابك، وإذا سألت به أعطاك.




حظُّ المؤمن من الدعاء:




لكن هذا ينقلنا أيضاً إلى موضوع آخر: هو أنك حظك من الدعاء ليس الاستجابة، لكن حظك من الدعاء الاتصال بالله، لأن الله عليم، يجيبك ولم تدعه، ولا يجيبك ولو دعوته، كيف ؟ يجيبك ولو لم تدعه إذا كانت الإجابة خيراً في حقك، ولا يجيبك ولو دعوته إذا كان مضمون دعائك ليس في صالحك، فكثيراً ما يدعو الإنسان ربه، كمن يطلب من أبيه أداة حادة لجرح أخيه، عندئذٍ لا يستجيب له، فقال علماء التفسير: حظك من الدعاء ليس أن يجيبك الله، بل أن تتصل به، لأن الله سبحانه وتعالى جعل حاجاتنا عنده، وأمرنا أن ندعوه كي نتصل به، كي نذوق حلاوة القرب.
فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف:

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له وليس ذلك لغير المؤمن ))

[ رواه مسلم عن صهيب الرومي ]
والمؤمن أيها الإخوة حينما يوقن أن الله سبحانه وتعالى رحمته عامة، وأفعاله حكيمة، ولا يفعل إلا الأصلح، لأنه كامل كمالاً مطلقاً، عندئذٍ يستجيب لقضاء الله وقدره، ومن علامات المؤمن أنه يرضى بقضاء الله وقدره.

(( إذا أحب الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اقتناه ))

[ ورد في الأثر ]

إذاً: اسم الله الأعظم قد يكون اسم الرب، وقد يكون اسم الرحمن، وقد يكون اسم ( المنان )، كما ورد في هذا الحديث، ولكن قد يكون اسم الله الأعظم الاسم الذي أنت في أمسّ الحاجة إليه.




2 ـ معنى ( المنان ) في اللغة:


1 ـ القطع:


أيها الإخوة، ( المنان ) في اللغة صيغة مبالغة، مِن الفعل منّ يمُن مَناً، معنى منّ، يمن، مناً: أي قطع يقطع، قطع الشيء، وذهب به، معنى ذلك أنه منّ.
شيء آخر، منّ عليه، أي أحسن وأنعم عليه.

﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾

( سورة القلم )
أي غير محسوب، أو غير مقطوع، أو غير منقوص، هناك معان دقيقة لمنّ منّ، يمن، مناً، اسم المبالغة ( المنان )، على وزن فعّال، كأن تقول: غفّار.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

( سورة طه الآية: 82 )

إن اسم الله إذا جاء بصيغة المبالغة فيعني مبالغة في الكمّ، أو في النوع، فالله عز وجل إذا قلت: يا غفار، فإنه يغفر أكبر ذنب تتصوره، وإذا قلت: يا غفار فيغفر مليون ذنب، والصلح مع الله يتم بلمحة واحدة، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والصلح سريع.
أيها الإخوة، بعض العلماء قال: المنة ؛ النعمة الثقيلة.
قدم إنسانٌ لإنسان هدية بألف ليرة، هذا عمل طيب، أما أن يعطيك بيتاً، و مركبة، وأرضاً، ورأس مالٍ، بلا مقابل، فهذا عطاء كبير بمقياس البشر.
فالمن النعمة الثقيلة، ولا تكون حقيقة إلا لله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، أوجدك، ولم تكن شيئاً مذكورا، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، فالنعم العظيمة، النعم الجليلة، هي نعم الله عز وجل.




المنن والنعم الثقيلة لا تصح حقيقة إلا لله:




شيء آخر: هذه الدنيا أعطاها الله لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطاها لقارون وهو لا يحبه، وأعطاها لسيدنا عثمان بن عفان، كان غنياً وهو يحبه، هذه الدنيا أعطى الدنيا لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لنبيه الكريم سليمان، لأن الدنيا تنتهي بالموت فلا تعد عطاءً يليق بكرم الله.
لذلك المنن ؛ النعم الثقيلة، لا تصح حقيقة إلا بنعم الله، وأكبر نعمة يمكن أن تصل إليها نعمة الهدى، لأن المال عرض حاضر، يتوقف القلب فتصبح كل أموالك المنقولة وغير المنقولة للورثة، في ثانية كان إنسان ملء السمع والبصر فأصبح خبراً على الجدران، يقال فيه: رحمة الله عليه، كان إنسانا فصار جثة، وأحيانا يسافر الإنسان راكبا فيرجع بضاعة في صندوق، لها معاملة، وتخليص، وتقرير، كان إنسانًا فصار خبرًا، فلذلك لا يليق بكرم الله أن يكون عطاءه منقطعاً، والدنيا دار انقطاع، لذلك الموت ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ينهب مرض المريض.
الدنيا دار بلاء وانقطاع، من كل شيء إلى لا شيء، من كل شيء إلى كفن، كان بتوقيع على دفتر شيكات يمنح مليارات، فأصبح ملفوفاً بكفن، والغريب أن هذا الكفن ليس له جيب يضع فيه دفتر شيكات، هذه الحقيقة.
فلذلك المنن ؛ النعم الثقيلة، ولا تصح حقيقة إلا بنعم الآخرة، لذلك:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب )
البطولة أن تفوز فوزاً عظيماً، البطولة أن تستحق الجنة.
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )
البطولة كما قال الإمام علي رضي الله عنه: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>.
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 15 )
لكن ( المنان ) هو الذي يقدم لك نعمة ثقيلة، وعلى الحقيقة هي نعم الله عز وجل، ولكن هناك مَن يمنّ عليك، يقول لك: لحم كتفك من خيري، هذا منٌ بالقول، وهو مستقبح، وهناك منٌ بالعمل ؛ أن يعطيك، أن يملكك، أما المنّ بالقول فمستقبح، ولكن العلماء أجازوه في حالة نادرة، حينما تُكفَر النعمة.

أعلمه الـرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
وكم عملته نظم القوافي *** فلما قـال قافية هجاني
المنّ حقيقة بالفعل لا يليق إلا لله، أما المنّ بالقول فيفعله معظم السفهاء، لذلك:
﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾

( سورة البقرة الآية: 264 )
هناك إنسان كلما فعل خيراً يذكره، كيف البيت ؟ هل أنت مرتاح فيه إن شاء الله ؟ إذا أعطاه ثيابا، هل أنت مرتاح إن شاء الله، وهل القياس مناسب ؟ يقولها أمام الناس.

﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
المنّ القولي مستقبح، إلا في حالة نادرة إذا كُفرت النعمة.

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
حينما وجد الأنصار على أنفسهم في لعاعة من الدنيا تألف النبي بها قوماً ليسلموا، ووكلهم إلى إسلامهم، قال:

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، ألم تكنوا عالة فأغناكم الله ))

فلذلك المنّ مقبول في حالات نادرة ؛ حينما ينسى الإنسان الخير، ينسى العطاء فيذكره غيرُه به.




2 ـ فضل الله وعطاءه ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام:


أيها الإخوة، من معاني المنّ من قوله تعالى:

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 164 )
أكبر عطاء هذا النبي العظيم.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

( سورة يونس الآية: 58 )
أما المنّ القولي ـ دققوا ـ:
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 17 )
الله منّ عليكم بالعطاء، وأنتم تمنون بالقول، والمنّ القولي مستقبح، وهو يذهب أجر العمل الصالح، فإن فعلت خيراً يجب أن تنساه إلى الأبد، وكأنك لم تفعل شيئاً، والأكمل إذا فعل معك معروف ينبغي ألا تنساه ما حييت، أكمل موقف بمن أحسنت إليه أن يذكر هذا الفضل.
﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 237 )
أكمل موقف لمن أحسنت إليه ألا ينسى هذا الفضل، وأكمل موقف لمن أحسن أن ينسى، المحسن يجب أن ينسى، والمحسن إليه ينبغي ألا ينسى.
أيها الإخوة، أحياناً الإنسان من كماله لو ذكر إنسان فضله يقول: لله المنة، والفضل، هذا فضل الله، إذا ذكر إنسان إحسان المحسن أيضاً من كمال المحسن أن يقول: لله المنة والفضل، وأساساً لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ألم تكونوا ضلالاً ))
لم يقل فهديتكم، قال:
(( فهداكم الله بي ))

لله المنة والفضل، فإذا أراد إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، فأنت تواضع، والتواضع موقف موضوعي، ليس موقف مجاملة.
مرة أحد الإخوة الكرام قدم بيتا في موقع جيد جداً لمشروع خيري، القائمون على هذا المشروع الخيري أقاموا له حفلا تكريميا، وكل المتكلمين أثنوا على إحسانه وعطائه إلا رجلا واحدا قال كلاماً آخر، قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، وأن تقف في رتل طويل تنتظر الدور لقبض مبلغ يسير مع التوقيع المهين، ولكن الله أكرمك بأنك تعطي ولا تأخذ.
صدقوا أيها الإخوة، حينما تعطي يجب أن تذوب لله شكراً، أنه سمح لك أن تعطي، والعطاء والأخذ لا علاقة له بالذكاء، قد تجد إنسانا قمة في الذكاء، وهو مضطر أن يبذل ماء وجهه ليأخذ، وقد تجد إنسانا قمة في الذكاء، ومع ذلك هو فقير، يضطر أن يسأل، ويتذلل، وإنسان آخر أقلّ ذكاء، وأقلّ فهما، لكن الله رزقه، فإذا أعطيت يجب أن تذوب شكراً لله أنه سمح لك أن تعطي، ولم يلجئك إلى أن تأخذ.




3 ـ المنّان يعطي قبل السؤال:


( المنان ) هو الله عز وجل، و ( المنان ) ذو الهبات العظيمة، والعطايا الوافرة، الذي ينعم، ويبدأ بالنوال قبل السؤال.
للتقريب: أب كريم، قوي، غني، ابنه بحاجة إلى ثياب جديدة، الكمال المطلق يقتضي أن يشتري له هذا الثياب من دون أن يسأله، فمن كمال الله عز وجل أن يعطي قبل السؤال، ويعطي من دون سؤال.
هذا يذكرنا بما قلته قبل قليل: حظك من الدعاء الاتصال، لأن كرم الله يقتضي أنه يعطيك، ولم تكن سائلاً، وقد تسأله ولا يعطيك، إن كان هذا العطاء ليس في صالحك، لأن الله عز وجل لا يفعل إلا ما هو خير لك.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

لم يقل: والشر، أي أن عطاءك خير، ومنعك خير، إعزازك خير، وإذلالك خير، لكن العلماء، قالوا: لا ينبغي أن تقول: الله ضار، ينبغي أن تقول: الضار النافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله الخافض، هو يخفض ليرفع، لا ينبغي أن تقول: الله المذل، هو يذل كي تتوب إليه، عندئذٍ يعزك، الله عز وجل يعطي من دون سؤال، ولله المنة والفضل، ولا منة لأحد عليك، وهو المحسن إلى العبد، والمُنعم عليه، ولا يطلب جزاء.




وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ




﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾

( سورة المدثر )
لا تمنن من أجل أن تستكثر الرد.
أحيانا يدعي إنسانٌ الذكاء، يقول: أنا الآن أخدمه، لكن أنا لي مصلحة معه، أخدمه، لكن أنتظر منه في وقت ما أن أسترد هذه الخدمات عطاء كبيرا، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾

لكن الله سبحانه وتعالى يمنحك كل شيء، ولا يطالبك بشيء.




حقُّ الله على عباده:




الإمام البخاري رحمه الله تعالى روى حديثاً رائعاً عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبي عليه الصلاة والسلام.

(( قال يا معاذ: هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة ـ قال: فإن حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنت حينما تعبد الله تؤدي واجب العبودية، وهذا من حق الله عليك.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 1)
ما حق الله على عباده ؟ أجاب النبي عليه الصلاة والسلام: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً.
سؤال ثانٍ:

(( يا معاذ بن جبل، قلتُ: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ))
دققوا، والله أيها الإخوة الكرام القسم الثاني من هذا الحديث يملأ القلب أمناً وأماناً، يملأ القلب طمأنينة، يملأ القلب ثقة بالله عز وجل.

(( يا معاذ هل تدري ما حقُّ العباد على الله ))
كيف بإله عظيم يعطي إنساناً ضعيفاً حقاً عليه ؟!
سأله ثانية وثالثة:

(( قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا معاذ حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذِّبهم ))

أنشأ الله لك حق عليه، قال لك: اعبدني.






خاتمة:


قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
حينما ادعى من ادعى وقال: نحن:

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )
رد الله دعواهم.
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )
استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لا يعذب أحبابه، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن يُعذب الله أحبابه، فإذا أحببته، إذا أطعته، إذا أخلصت إليه، إذا نصحت عباده، ولم تبنِ مجدك على أنقاضهم، ولا غناك على إفقارهم، ولا عزك على إذلالهم، وكنت خادماً لهم، ونصحتهم، ولم تلقِ في قلوبهم الخوف، ولم تبتز أموالهم، ولم تفضح ثغراتهم، إذا كنت محسناً فإن الله يحبك، وإذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق، فلذلك:

(( يا معاذ حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذِّبهم ))

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )
فإذا قال المسلمون: نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الجواب جاهز:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-09-2018, 01:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(29)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( المسعِّر ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المسعر ).



1 – ورود اسم ( المسعِّر ) في السنة النبوية:


لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سمى به ربه جل جلاله، ففي حديث صحيح في سنن الترمذي عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ ))

[ الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]





ما هو العلم ؟




هذا الحديث الشريف الصحيح له أبعاد كثيرة، نبدأ بحقيقة ثابتة وهي: أن تعريف العلم ما أفضى بك إلى قانون، والقانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع عليها دليل، فإن لم تطابق الواقع كان الجهل، وإن لم يكن عليها دليل كان التقليد، وإن لم يكن مقطوعاً بصحتها كان الوهم والشك والظن.
فالعلم يقيني، العلم شمولي، العلم مطّرد، علاقة ثابتة بين متغيرين، تفضي إلى قانون، هذه العلاقة مقطوع بصحتها، ليست شكاً، ولا وهماً، ولا ظناً، ولكنها يقين، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، لو لم تكن كذلك لكانت جهلاً عليها دليل، ولو لم يكن الدليل لكان التقليد.



في الكون في قوانين:




إذاً: في الكون في قوانين.
النقطة الأولى أيها الإخوة، أن هذه القوانين التي تصل إلى المليارات ثبتها الله عز وجل، ثبتها كي تستقر حياتنا، مليارات القوانين، الفيزيائية، والكيميائية، والفلكية، ودوران الفلك، وخصائص المواد، أية علاقة ثابتة بين شيئين هي قانون، مليارات القوانين ثابتة من آدم إلى يوم القيامة.
مثلاً: يمكن أن تقول: في عام 2700 ـ يوم 28 شباط الشمس تشرق 5 و3 دقائق، لأن الأفلاك ثابتة، بالثواني، خصائص المواد، الحديد له خصائص، أنشأنا بناء من مئة طابق، لو أن الحديد يغير خصائصه لانهار البناء، تشتري سبيكة ذهبية بمبلغ كبير جداً، لو أن الذهب يغير خصائصه لفقدت هذه السبيكة قيمتها.
هناك نِعم لا تعد ولا تحصى، قوانين ثابتة، تزرع فاكهة معينة، ثم تأتي الثمرة من هذه الفاكهة، لأن قوانين الإنبات ثابتة، وقوانين الأفلاك ثابتة، وقوانين الدوران ثابتة، وقوانين الليل والنهار ثابتة، وخصائص المواد ثابتة، وقوانين الزراعة ثابتة، هذه نعمة لا تعدلها نعمة، فكل هذه القوانين ثابتة مطّردة، شاملة، لا تتغير، ولا تتبدل، وهي محل اتفاق في العالم كله، فقانون التمدد لا علاقة له بالسياسة، في الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، وقديماً وحديثاً، في بلد متخلف، وفي بلد متقدم، القانون هو القانون، هناك نِعم لا تعد ولا تحصى منها ثبات القوانين لتكون حياتنا مستقرة، والتعامل مستمرا.



الحكمة الربانية اقتضت تحريك قانون الرزق والصحة:




ولكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة حرك الله بعض القوانين، من هذه القوانين الرزق، هذا قانون متبدل، والصحة، والإنسان حريص على صحته حرصاً لا حدود له، وحريص على رزقه حرصاً لا حدود له، ولعل الحكمة من ذلك أن الله عز وجل يريد أن يكون الرزق والصحة وسيلتين من وسائل التربية.
هذه الطاولة مثلا صنعت لاستخدام لا يزيد على بضع مئات من الغرامات، لكن يمكن أن يقف عليها ستة أشخاص، معنى ذلك أن فيها احتياط ألف ضعف عن استعمالها، إذاً يمكن أن تعيش مئات السنين كما هي، لأنه فيها احتياطًا على مهماتها ألف ضعف.
كان من الممكن أن يكون لكل جهاز في جسمنا ولكل عضو احتياط ألف ضعف، فلا مرض، والإنسان بالتعبير المعاصر سريع العطب، أحيانا خثرة في الدماغ تنهي حياته، أو سكتة قلبية فجأة، فكان من الممكن لإنسان أن يعيش مليون سنة كما هو شاب تماماً، لكن شاءت حكمة الله أن يكون المرض، والصحة متبدلة.
الرزق متبدل، فنحن في بلدنا الطيب يمكن في عام مجموع إنتاج القمح 650 ألف طن، في أعوام ستة ملايين، الإنتاج متبدل.



2 – معنى ( المسعَِّر ):


ما معنى الله ( المسعر ) ؟ بالتعبير الاقتصادي الكم له علاقة بالسعر، فأحيانا تكون كميات المحاصيل فلكية، السعر ينخفض، وأحيانا يكون الكم قليلا، فيرتفع السعر.
أول ملاحظة أن الله عز وجل ثبت الأشياء، وحرك أشياء، الذي حركه من أجل أن يربينا، لأن الإنسان في الأصل خلق هلوعاً، هذا ضعف في أصل خلقه، وهو ضعف لصالحه، من أجل تربيته، لو لم يكن الإنسان هلوعاً لما تاب بعد شدة، ولا ما اصطلح مع الله بعد عسر، لأن العسر يقلقه، والشدة تقلقه، والخوف يقلقه.



الإنسان هلوعٌ جزوعٌ ضعيف:



﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )
هكذا خلق.
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

( سورة المعارج )
بل الذي أراه والله أعلم إن دخلت إلى مسجد، ورأيت فيه آلافاً مؤلفة فاعتقد يقيناً أن تسعة أعشار هؤلاء جاؤوا إلى الله عقب تدبير حكيم، لاح له شبح مرض، ليس له إلا الله فأقبل عليه، وتاب إليه، لاح له شبح فقر، فاعتصم بالله، ودعا الله عز وجل، فهناك شريحة من البشر كبيرة جداً لا تستجيب إلا عقب الشدة، فالله سبحانه وتعالى بدّل قوانين الرزق، وقوانين الصحة.
الإنسان أحياناً يسعد بصحته، فإذا لاح له شبح مرض لجأ إلى الله، وهذا من فضل الله علينا.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )
وخلق ضعيفاً.
﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

( سورة النساء )
لأنه إذا كان ضعيفاً افتقر في ضعفه، فسعد بافتقاره، ولو خلقه الله قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه.
أحياناً يكون الإنسان قويًا، وغنيا، يتوهم أنه مستغنٍ عن الله، وكل إنسان يعتدّ بحجمه المالي، أو بصحته، أو بمكانته، أو بقوته، أو بمنصبه، لحكمة بالغةٍ بالغة يؤتى الحذر من مأمَنه، من جهة أمنه، من جهة ثقته، من جهته قوته، قد يصاب، لذلك عرفت الله من نقض العزائم.
أحيانًا إنسان عنده اختصاص نادر، يتوهم أنه لن يصيبه مكروه باختصاصه، يفاجأ أنه في اختصاصه أصابه مكروه، يؤتى الحذر من مأمنه.
فكلمة ( المسعِّر ) تعني أن الله عز وجل بيده الرزق، الأمطار بيده، لو أن الله سبحانه وتعالى أصاب بلاداً بالجفاف، هؤلاء القادة الذين في البلاد، والزعماء، ليجتمعوا، وليتخذوا قرارا بإنزال المطر.
زرت بلدا في إفريقيا فوجدت أن ما يهطل من أمطار في الليلة الواحدة يساوي أمطار دمشق في عامين، 400 مم، وفي أماكن أخرى الأمطار فيضانات مهلكة، وفي أماكن الريح مدمرة.
بالتعبير المستخدم حديثاً الخيارات التي عند الله لا تعد ولا تحصى، الشيء الثمين جداً الذي هو قوام الحياة كالهواء يغدو مدمراً، والماء مدمر، فقلّته مدمرة، وكثرته مدمرة، بحكمة حكيم، وقدرة قدير، وعلم عليم.
فلذلك الحديث مرة ثانية:
(( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ))

هذا أمر تكويني، وأنتم تعلمون أيها الإخوة، أن هناك أمراً تكوينياً هو فعل الله، وأن هناك أمراً تكليفياً هو أمره، الله عز وجل أمر العباد في بيعهم وشرائهم ألاّ يظلموا.




الإسلام حريص على السعر المعتدل:




بالمناسبة، ما من نشاط يمارسه الإنسان أوسع من نشاط البيع والشراء، فالبيع والشراء أوسع نشاط بشري، أنت مضطر أن تشتري طعامك وشرابك، وأن تشتري لباسك، وحاجاتك، وأجهزتك، فالبيع والشراء عمل مستمر يومي، وأخطر ما في البيع والشراء السعر.
لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا سأل الولاة يسألهم: << كيف الأسعار عندكم ؟ >> لأن رحمة الله تتجلى في الأسعار، وقد تجد كل شيء متوفرا، لكن الأسعار فوق طاقة المشتري، كيف الأسعار عندكم ؟
(( يا رسول الله: غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لنا ))

لما يضع الإنسان السعر يظلم به البائع، وأحيانا يكون السعر أقلَّ من الكلفة، فإذا باع الحاجة بسعر أعلى من الكلفة قليلاً فلأنه تحت سيف القانون، وأحيانا التسعير ظالم، وأحياناً يكون الاستيراد ممنوعا، فيغلو العيش، يغلو، ولو سمح باستيراده عاد إلى السعر الطبيعي، إلى القانون الذي يسمونه قانون العرض والطلب.
في الإسلام مثلاً مئات الأحاديث التي تمنع الغش، والاحتكار، والإيهام، والتدليس، ومعاصي البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، لو أننا تلافيناها جميعاً، واستقمنا على أمر الله جميعاً لفوجئنا أن السعر أصبح معتدلاً في كل شيء، لأن السعر بيد الله، بحسب الكم وبحسب الحاجة، الكم والحاجة يتداخلان، ويتفاعلان فيشكلان السعر، وهناك مواد كثيرة كان ممنوعا استيرادها فبلغت سعرا خياليا، فلما سُمح باستيرادها أخذت سعراً طبيعياً جداً، وهو سعر السوق كما يسمونه، والآن هو نظام السوق، وتجارة السوق، ففي في السوق عرض وطلب، أما إذا منعت شيئاً، أو احتكرته، أو أوهمت الناس بشيء، أو دلست عليهم السعر يغلو عندئذٍ.
لذلك الإسلام من عظمته حرص حرصاً شديداً على أن يبتعد المسلم عن كل المعاصي في البيع والشراء، فإذا ابتعد كان السعر طبيعياً، ولا يحتاج إلى تسعير.




3 – إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ:


التسعير في حالات الأزمة والشدة لا ينافي أن الله هو المسعر:




إن الدراسة المطولة حول هذا الموضوع تؤكد أن ولي أمر المسلمين في مناسبات معينة، في أيام الشدة، في أيام الحروب، من حقه أن يسعر، حفاظاً على مصالح المسلمين، هذا الاستثناء لا يلغي القانون، القانون أن الله هو ( المسعر )، لكن أحياناً تكون أزمات اقتصادية طاحنة، وهناك مخزون كبير جداً من هذه البضاعة، لكنه رهن الاحتكار وعدم البيع، وهذه معصية كبيرة.
من منا يصدق أن المشتري أحيانا يعد محتكراً، فهناك سلعة مثلا لها إنتاج معين، فأنت حين تشتري الحاجة الطبيعية لك فسعرها معتدل، لما يكون هناك قلق، وتشتري خمسة أضعاف حاجتك، المشتري هو المحتكر، لأنه ساهم بفقد البضاعة، وبرفع سعرها.
لذلك الوعي الاقتصادي مهم جداً، في الأزمات إذا أقبل الناس على شراء سلعة معينة يرتفع سعرها، إلى درجة جنونية.
فلذلك الأصل أن الله هو ( المسعر ) بشرط أن ينفى الاحتكار، أن ينفى التدليس والغش، والإيهام، وهناك مئات المعاصي التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء، أحياناً تلقي الركبان، يخرج الإنسان إلى ظاهر المدينة يتلقى مَن يحملون بضاعة إلى المدينة، هم لا يعلمون السعر، يوهمونهم بسعر معين، فيبيعون، ويعودون إلى بلدتهم، لكنهم اشتروا البضاعة بنصف قيمتها، لذلك تلقي الركبان منهي عنه، الإيهام منهي عنه، التدليس منهي عنه، الاحتكار منهي عنه، الغش منهي عنه، فإذا تلافينا كل هذه المعاصي في البيع والشراء فوجئنا أن السعر معقول، بسعر طبيعي، سعر أساسه العرض والطلب، أساسه الكمية، وأساسه الحاجة.
إذاً: الأصل الله جل جلاله هو ( المسعِّر )، أنت أيها الإنسان، أو أنت أيها المختص بشؤون العامة، اضبط المخالفات في البيع والشراء فقط، وانتهى الأمر، لأن السعر يحدده ربنا جل جلاله، لأنه هو ( المسعِّر ) بالكمِّ.
أحياناً يكون الضمان لفاكهة، الشراء بأربعين ليرة، والمرجو أن يباع مئة كيلو، يباع بخمس ليرات، تأتي كميات مخيفة، في كل سنة إنتاج معين يكون فيه طفرة في الكمِّ، فصار السعر غير معقول بالرخص، فلذلك الله عز وجل هو ( المسعر ) بالكمّ.
أحيانا يأتي صقيع فيتلف محاصيل مخيفة بالمليارات، والصقيع إذا استمر ستَّ ثوانٍ بدرجة معينة مثلاً ستّ درجات فوق الصفر، وهناك علم دقيق بهذا الموضوع، في درجة معينة إذا استمرت ستَّ ثوان تتلف المحصول كله، وتسودّ الثمار كلها.
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

( سورة القلم )

بالتعبير الذي يستخدمه الناس: الله عز وجل خياراته لا تعد ولا تحصى، تجد في موسم طويل مديد أمطارًا غزيرة، في أثناء انعقاد الثمر تأتي موجة صقيع تتلف كل الموسم، كل المحصول أتلفته، الأمر بيد الله عز وجل.




الاستقامة ضمان للرزق، والمعصية سبب لتلفه وغلائه:




لذلك:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

( سورة الجن )

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

( سورة المائدة الآية: 66 )
أما المعاصي فتؤدي إلى هذا الجفاف، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، الرزق كما قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))

[ ابن ماجه ]
لذلك:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾

( سورة طه: الآية: 132 )
إذاً بيت تؤدى فيه الصلوات الخمس، بيت فيه معالم الإيمان، يتلى في القرآن هو بيت مرزوق، ومحل تجاري ليس فيه معاص ولا آثام، فيه غض بصر، فيه ضبط لسان هذا المحل التجاري مرزوق، الرزق متعلق بالاستقامة، هذه آيات كثيرة.
الله هو ( المسعِّر )، وإذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتش، والخيارات التي بيد الله عز وجل لا تعد ولا تحصى.
فيا أيها الإخوة، مرة ثانية الله عز وجل له فعل تكويني، وأمر تكليفي، الفعل التكويني الأمطار بيده، الإنتاج بيده.
والله مرة رأيت قمحة في الغوطة أنبت 35 سنبلة، عددتها بيدي، أخذت سنبلة وسحقتها، وعددت عدد حبات القمح فكانت خمسين حبة، ضربت 35 بـ50 فإذا هي 1750 حبة من سنبلة واحدة.
أحيانا الكميات تكون فلكية، وأحيانا تكون الكميات شحيحة، هذا معنى قوله النبي الكريم:
(( إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ ))

بفعله التكويني، فعله التكويني هو المسعّر، بالكمّ، بالأمطار.
في مرة شحت الأمطار في هذه البلدة إلى درجة حتى أن الخبراء في حوض دمشق قالوا: دمشق مقدِمة على جفاف، والله حدثني طبيب عضو في هذه اللجنة، قال لي: يمكن أن يموت النبات كله، في العام القادم نزلت أمطار لم ينزل مثلها من خمسين عامًا، 350 ميلي في السنة، 30 ـ 40 نبعا جف من 20 سنة تفجر، مياه بعض الأطراف وصلت إلى الشام، الله عز وجل الأمر بيده.




تقدير الله للأرزاق مقرون بالتأديب، وتقنين العبد مقرون بالعجز:




الفكرة الدقيقة جداً: لا يمكن أن يكون تقنين الله تقنين عجز، نحن أحياناً نقنن الكهرباء، تقنين عجز، يقول لك: المولدات معطلة، في نقص بالطاقة الكهربائية، الإنسان حينما يقنن، يقنن تقنين عجز، لكن خالق الأكوان حينما يقنن، يقنن تقنين تأديب فقط، تقنين الله عز وجل لا يمكن أن يكون تقنين عجز، لقول تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )
قلت لكم سابقاً: إن سحابة اكتشفت في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم الواحد بمياه عذبة، فالشح في المياه تأديب، النقص في المياه تأديب، الفيضانات تأديب، نقص الرياح تأديب، اشتداد الرياح تأديب، فالعبرة أن نستفيد مما يحصل، لأنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
فالله عز وجل له فعل تكويني في التسعير، وله فعل تكليفي، منعك من الغش منعك من الاحتكار، منعك من التدليس، منعك من الكذب بالبيع والشراء.

(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وعاملهم فلم يكذبهم ))

[ مسند الشهاب عن علي بسند فيه مقال كبير ]
منعك من مئات المعاصي، فإذا انضبطت بها، وابتعدت عنها جاء السعر طبيعيًا جداً ومريحًا، وكما قلت لكم: أوسع نشاط بشري هو البيع والشراء، وأخطر ما في البيع والشراء هو السعر، والسعر بيد الله عز وجل، والله هو ( المسعِّر )، وباستقامتنا ترخص الأسعار، وببعدنا عن الله عز وجل ترتفع الأسعار.
كان عمر بن الخطاب يسأل ولاته عن الأسعار رحمة بهم، ومرة سأل أحد ولاته، قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، فقال له: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: يا هذا، إن الله استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيانهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-09-2018, 01:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(30)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( السيد):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السيد" .




تعظيم الناس بعضهم بعضاً من أعظم الأخطاء التي يقع بها المسلمون:



ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، أحد الصحابة الكرام وهو: مطرف بن عبد الله بن الشخير قال:
(( قال أبي: انطلقتُ في وفَدِ بني عامر إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله، قلنا: وأفضلُنا فَضلا، وأعظمُنا طَوْلا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يَستَجْرِيَنَّكم الشيَطان ))

[ أخرجه أبو داود عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ]
لذلك مزلق خطير أن يعظم الناس بعضهم بعضاً، النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وأحب الخلق إلى الله، وسيد ولد آدم، ومن بلغ سدرة المنتهى، ومن كان الوسيلة العظمى إلى الله عز وجل، قال:
(( السيد الله ))
أيها الأخوة، سيدنا عمر رضي الله عنه كان مع أصحابه في جلسة، فقال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فغضب غضبة وأحدّ فيهم النظر، وخافوا إلى أن قال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خير منك، فقال: من ؟ فقال: أبو بكر، قالوا: كذبتم جميعاً وصدق، عدّ سكوت أصحابه على قول من قال ما رأينا خير منك بعد رسول الله عدّ سكوتهم كذباً، فقال: كذبتم جميعاً وصدق، والله كنت أضلّ من بعيري، وكان أبو يكر أطيب من ريح المسك.
فلذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))

[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
أحدهم مدح أخاه أمام رسول الله، قال له: ويحك قطعت عنق صاحبك
(( أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله ))



النبي الكريم ربى أصحابه على الطاعة و العمل لله :

كلكم يذكر أنه حينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ماذا قال الصديق ؟ قال قولاً يلفت النظر، قال: من كان يعبد محمداً (هكذا فقط) وأنا أعتقد أنه ما على وجه الأرض إنسان يحب إنساناً كما أحب الصديق رسول الله ولكنه كان موحداً.
أيها الأخوة الكرام، سيدنا خالد وهو في قمة نجاحه، قائد جيوش المسلمين عزله سيدنا عمر، لمَ ؟ لا أحد يعلم، وهو قائد الجيوش رجع جندياً في بعض المعارك وتسلم القيادة أبو عبيدة الجراح، لما جاء إلى المدينة، سأل سيدنا عمر، يا أمير المؤمنين لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ فقال سيدنا عمر: والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، هناك رواية أخرى:
أن سيدنا عمر جاءه جندي من جنود خالد، فقال هذا الجندي: إن معركة فيها خالد لا يمكن أن تُهزم، فخاف عليهم من الشرك الخفي، خاف عليهم أن يتوهموا أن الناصر هو خالد، أراد أن يعزله، و ينتصروا بعد عزله، لأن الناصر هو الله.
وفي هذه الرواية الثانية جاء من يهمس في أذن سيدنا خالد، أنك قائد الجيوش، وأن القوة بيدك، وأن الجيش بيدك، اذهب إلى المدينة واعزل عمر، وتولى مكانه قال: والله ما كنت لأفعل، لأنني جندي لله، وسواء أكنت قائد أو جندياً الأمر عندي سيان.
هكذا ربى النبي أصحابه، رباهم على الطاعة، رباهم أن يضعوا حظوظهم تحت أقدامهم، رباهم أن يعملوا لله.




من تذلل لله رفعه: على كلٍ هذا الصحابي قال:



(( قال أبي: انطلقتُ في وفَدِ بني عامر إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله، قلنا: وأفضلُنا فَضلا، وأعظمُنا طَوْلا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يَستَجْرِيَنَّكم الشيَطان ))

[ أخرجه أبو داود عن عبد الله بن الشخير ]
أيها الأخوة، خطيب خطب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما شاء الله وشئت، قال النبي الكريم: بئس الخطيب أنت، قل ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن جعلتني لله نداً ؟!.
أخوانا الكرام، كلما تذللت لله رفعك الله، كلما كنت عبداً له أعزك الله، كلما مرغت وجهك في أعتابه رفعك الله، وأنا لا أعتقد أنه على وجه الأرض إنسان رفعه الله كما رفع رسول الله، هل يعقل أن يقسم خالق السماوات والأرض بعمر إنسان ؟ لقد أقسم الله بعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )



عدم مخاطبة الله عز وجل النبي الكريم باسمه مباشرة بل ورد اسمه مخبراً عنه:

ما خاطب الله النبي باسمه إطلاقاً.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 59 )

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 67 )
ما خاطبه باسمه إطلاقاً، بينما خاطب الأنبياء:
﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾

( سورة مريم الآية: 12 )

﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي ﴾

( سورة المائدة الآية: 116 )
ما خاطب الله نبيه باسمه مباشرة بل ورد اسمه مخبراً عنه:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾

( سورة الفتح الآية: 29 )

أما الخطاب يتميز النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله خاطبه بالنبوة والرسالة.




النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لذلك فهو سيد البشر:



فيا أيها الأخوة الكرام، أن نعرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني أن نرفعه فوق بشريته.
(( إنما أنا بشر، أرضى كما يرْضى البشر، وأغْضَبُ كما يغضب البشر ))

[ أخرجه مسلم عن أنس بن مالك ]
ولولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر هو بشر قال:

(( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
مرة ثانية: لولا أنه بشر يشتهي كما نشتهي، ويخاف كما نخاف، ويتمنى كما نتمنى، ويطلب السلامة كما نطلبها، لولا أنه بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر.


الحكمة من الهامش الاجتهادي الضيق الذي سمح الله به للنبي الكريم:

لماذا سمح الله للنبي الكريم بهامش محدود جداً، ضيق جداً أن يجتهد ؟ فإذا اجتهد وأصاب أقره الوحي على اجتهاده، وإن كان الأولى بخلاف ما اجتهد الوحي صحح له هذا الاجتهاد.
﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 43 )

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾

( سورة عبس )
لماذا ؟ أليس من الممكن أن لا يدع له هذا الهامش إطلاقاً ؟ قال بعض العلماء: هذا الهامش الاجتهادي الضيق جداً الذي سمح الله له به من أجل أن يكون هناك فرق بين مقام الألوهية، ومقام النبوة، هذا من حكمة الله عز وجل.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )
ولولا أنه بشر لما كان قدوة لنا، لأنه انتصر على بشريته، ولحكمة بالغةٍ بالغة في كل عصر، وفي كل مصر، هناك أناس من بني البشر ينتصرون على بشريتهم ويكونون حجة على غيرهم، في هذا العصر، في عصر الفساد، في عصر التفلت، في عصر يصدق فيه الكاذب، ويكذب فيه الصادق، في عصر يؤتمن الخائن، ويخون الأمين في عصر القابض على دينه كالقابض على الجمر، في عصر:

(( يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً ))

[ أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]

في عصر يوسد الأمر إلى غير أهله، في عصر تعد الفضائل مغرماً، والنقائص مغنماً، في هذا العصر لابدّ من أن تجد إنساناً انتصر على بشريته، واستقام على أمر ربه وركل الدنيا بقدمه.



من تواضع لله رفعه و من تكبر وضعه :

أيها الأخوة ، لمَ لا يكون أحدنا شيئاً مذكوراً ؟ لمَ لا يكون أحدنا بطلاً ؟ لمَ لا ينتصر على بشريته ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان بشراً لكنه كان سيد البشر، كان بشراً لكنه أحبّ الله حباً تفوق بهذا الحب، حتى صار سيد الأنبياء والمرسلين.
إذاً العلاقة عكسية، كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك، كلما قلت الله تولاك الله، فإذا قلت أنا تخلى عنك.
الصحابة الكرام في بدر قالوا الله، افتقروا إلى الله، تذللوا إلى الله فانتصروا.
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )
أما في حنين اعتدوا بقوتهم، اعتدوا بعددهم، فقال قائلهم: (وهم الصحابة الكرام وفيهم سيد الأنام):

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

فلم ينتصروا، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )




من هان أمر الله عليه هان على الله:


إخوانا الكرام، المسلمون في أشد الحاجة إلى هذا الدرس، تقول الله يتولاك الله ، تقول أنا بخبرتي، بقوتي، بجماعتي، بأسرتي، بمالي، بسطوتي، بسلطتي، بمنصبي ، تقول أنا يتخلى الله عنك، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار بي أصحابا ))

[ أخرجه الحاكم عن عويم بن ساعدة ]
هو قمة البشر وأصحابه نخبة البشر، ومع ذلك في أُحد لم ينتصروا، لأنهم عصوا، فلو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وفي حنين لم ينتصروا لأنهم وقعوا في شرك خفي.

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

فلم ينتصروا، ولو أنهم انتصروا لسقط التوحيد، فإذا عامل الله أصحاب رسول الله الذين بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، إذا عامل الله أصحاب رسول الله، وهم قمم في مجتمعاتهم هكذا، نحن لماذا نطمع أن يأتينا النصر على طبق من ذهب، ونحن غارقون في المعاصي والآثام ؟ لماذا نطمع ؟ والله طمعنا سذاجة، طمعنا جهل كبير.

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد )

هان أمر الله على الناس فهانوا على الله، لذلك العلاقة عكسية، كلما تذللت لله رفعك، ما الذي يمنعك أن قول في السجود يا رب أنت ربنا، ورب كل شيء، يا رب نحن بك، أنت القوي يا رب، أنت الغفور، أنت الرحيم، تذلل لله.




السيادة المطلقة لله لأن السيد الحقيقي هو الله:


السيادة المطلقة لله، لكن السيادة النسبية لم تنفع من مخلوق، الله عز وجل عليم وهناك إنسان عالم، لكن علم الإنسان شيء، وعلم الله شيء آخر، تقل السيد فلان، ما في مشكلة، سيادة نسبية، تفوق الإنسان.
(( واللهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

تفوق، كان كريماً، أخلاقياً، عمله طيباً، ضحى بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، له سيادة نسبية، النبي قال: قوموا لسيدكم (سيدنا سعد)، يعني الإنسان يتفوق لكن السيد الحقيقي هو الله، السيادة المطلقة لله، "السيد" هو الله، "السيد" حقيقة هو الله، هو الرب، هو المالك، مالك كل شيء، مالك السماوات والأرض، الخلق كلهم عبيده، فالسيادة المطلقة عدا الحقيقية لا تكون إلا لله.




الله تعالى سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي تعرف من هو الله:


الخلق كلهم عبيده، الإنسان سيد سيادة مقيدة، نسبية، بل مجازية، للتقريب حينما قال الله عز وجل:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )
هل هناك خالق إلا الله ؟ أما الإنسان إذا صنع شيئاً، إذا صنع شيئاً من كل شيء على مثال سابق الله عز وجل سماه مجازاً خالقاً، لكن الله خالق السماوات والأرض صنع كل شيء من لا شي، وعلى غير مثال سابق، وهو الخالق، أما إذا قال الله عز وجل:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

أن يوصف الإنسان خالقاً مجازاً، هكذا بالآية الكريمة.

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

أي سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته، كي تعرف من هو الله.




كل مخلوق مهما كان قوياً عبد لله: أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة التي تؤكد هذه السيادة المطلقة "السيد" الله:


﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ﴾

( سورة مريم )

كل مخلوق مهما كان قوياً، ولو كان ملحداً، ولو كان كافراً، هو عبد لله، هو عبد القهر، الإنسان كل قوته، وهيمنته، وقوة شخصيته، وأمواله المنقولة، والغير منقولة، ومنصبه منوط بضربات قلبه، فإذا توقف القلب لسبب أو آخر أصبح خبراً على الجدران، المرحوم فلان، كل قوته، وهيمنته، وكل حجمه المالي، وكل رفعة منصبه، منوط بقطر شريانه التاجي، فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب كبيرة جداً، كل هذه المكانة ، والقدرة، والهيمنة، والعظمة المتوهمة منوطة بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حباته، حتى هذه اللحظة ليس هناك علاج للورم الخبيث، يصيب كل الأعمار، يصيب معظم الناس، هذا المرض تحدى بني البشر.




عبد القهر و عبد الشكر: لذلك هناك عبد جمعه عبيد، هناك عبد القهر الذي جمع هذا العبد عبيد.


﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

( سورة فصلت )
وهناك عبد الشكر، هذا العبد الصالح، الذي عرف الله عز وجل، الذي تفكر في خلق السماوات والأرض فعرف الله، هذا العبد الصالح الذي خضع لله، هذا العبد الصالح الذي أحبّ الله، هذا العبد الصالح الذي شكر الله، هو عبد، لكن جمعه عباد.
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 63 )

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

( سورة الحجر الآية: 42 )
فرق كبير بين أن تكون في قبة الله، وفي أية لحظة تنتهي الحياة، في أية لحظة يتوقف القلب، في أية لحظة سكتة دماغية، في أي لحظة احتشاء قلب، في أي لحظة حادث سير، بين أن تكون عبداً في قبضة الله، هذا عبد القهر، وبين أن تكون عبداً لله عرفته وأطعته، وتقربت إليه، وأحببته فرق كبير جداً.
لذلك العلماء قالوا: هناك عبد القهر، وهناك عبد الشكر.

(( يا محمد إن الله يخيرك بين أن تكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً ؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير، فأومأ إليه: أن تواضع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نبياً عبداً ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.




الله عز وجل مع كل الخلق :


لذلك ننتقل إلى شيء مناسب جداً ننتقل إلى شيء مناسب جداً: المعية، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )
مع كل الخلق، مع المؤمن والكافر، مع الصالح والطالح، مع القريب والبعيد
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

أي معكم بعلمه.



الله تعالى مع المؤمنين بالنصر و التأييد و الحفظ بشرط طاعتهم له:


أيها الأخوة، لكن هناك معية خاصة، المعية العامة الله مع كل البشر، مع الكفار مع المؤمنين، مع الملحدين، مع الطائعين، مع العصاة، مع الفجار، مع أعدائه، بعلمه وفي قبضته، لكنه مع المؤمنين معية خاصة، معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد معهم بالحفظ، إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )
معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالنصر، لكن هذه المعية مقيدة، لها ثمن باهظ.
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

( سورة المائدة الآية: 12 )
أنا معكم بثمن، الثمن الطاعة.
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )

فالنصر، والـتأييد، والتوفيق، والحفظ، هذه لها ثمن أن تكون مطيعاً لله عز وجل .




الله تعالى يحب التفوق و يحب أن يكون الإنسان متميزاً بين بني البشر:


أيها الأخوة، إن لم تكن عبداً لله، إن لم تكن عبداً لله فأنت شئت أم أبيت عبد لعبد لئيم، ومسافة كبيرة جداً بين أن تكون عبداً، ومن كان عبد لله فهو حر، وبين أن تكون عبداً لعبد لئيم، يتفنن بإذلالك، يتفنن في التخلي عنك، يتفنن في قهرك، إما أن تكون عبداً لله، أو أن تكون عبداً لعبد لئيم.
سيدنا إبراهيم قال:

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾

( سورة الشعراء )
أيها الأخوة الكرام، "السيد" الله، هو "السيد" مطلقاً، وإذا قلنا فلان سيد مجازاً شيء محدود، في مهمة محدودة جداً، سيد نسبي، والله عز وجل يحب التفوق، يحب أن تكون متميزاً بين بني البشر.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-09-2018, 01:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(31)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( المؤمن ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو (المؤمن).

1 – ورودُ اسم ( المؤمن ) في القرآن الكريم:
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد في الآية الكريمة:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )


2 – معنى ( المؤمن ):

كلمة مؤمن اشتقاقاً هي اسم فاعل مِن آمَن، يؤمن، فهو مؤمن، أما الثلاثي: أمِن يأمن، آمن.
ماذا تعني بالضبط كلمة مؤمن ؟ تعني كلمة مؤمن المصدق، آمن أي صدّق، وتعني كلمة مؤمن الذي ينفذ الأمر بحذافيره، صدق الآمر فأتمر، صدق الآمر في أمره فأتمر، هذا من أوجَه معاني كلمة مؤمن، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾
( سورة يوسف )
أي ما أنت بمصدق
﴿ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾
فالمؤمن هو المصدق، والمؤمن المنفّذ، والدليل الحديث الشريف في البخاري:
(( أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ ))
[ متفق عليه عن ابن عباس ]
أيها الإخوة، المعاني كثيرة، لكن أوجَه معنى لكلمة مؤمن أنه صدق وأطاع، صدق عقيدة، وأطاع عملاً، المنطلق النظري صدق أن هذا حق، والتطبيق العملي نفذ هذا الأمر.


من لوازم السماع التطبيق:


لكن في القرآن الكريم ملمح دقيق في قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
( سورة الأنفال )


فمن لوازم السماع عند الله التطبيق:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
شاهد آخر:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
( سورة التحريم الآية: 4 )


علامة صحة السماع الحركة، التطبيق:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾

قانون هام: إدراك ـ انفعال ـ سلوك:



للتوضيح: لو أنك قلت لواحد من الناس: على كتفك عقرب، فبقي هادئاً، والتفت نحوك، وابتسم، وقال لك: أشكرك على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، هل سمع ما قلت له ؟ ما سمع إطلاقاً، لو سمع ما قلت له لقفز، وصرخ، وخلع معطفه.
فلذلك بعض العلماء يرى أن علاقتك بالمحيط وفق هذا القانون، إدراك، انفعال سلوك، فإن سمعت كلاماً، ولم تدرك فحواه ثم لا تنفعل، وإن لم تنفعل لا تتحرك، هناك قانون دقيق جداً.
أوضح مثل لهذا: كنت تمشي في بستان فرأيت ثعباناً، علامة صحة إدراكك انفعالك الشديد، والخوف، والصراخ، علامة صحة إدراكك انفعالك، وعلامة صحة انفعالك إما أن تقتله، وإما أن تهرب منه، فانفعال بلا حركة انفعال كاذب، وإدراك بلا انفعال إدراك كاذب، تدرك فتنفعل فتتحرك.
إذا أدرك أحدنا حقيقة يوم القيامة، وأن كل عمل تعمله سوف تحاسب عليه لا يمكن إلا أن تطيع الله، لكن فينا ضعف في الإدراك، يلزمه ضعف انفعال، يلزمه ضعف تطبيق:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾


التكذيب العملي أخطر من التكذيب بالقول:


أيها الإخوة، مثل آخر: زرت طبيباً، وعالجك، كتب لك وصفة، لك أن تقول له: شكراً لك على هذا الاهتمام، وأنا معجب بعلمك، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك على هذا الاهتمام، دقق، لمجرد أنك لم تشترِ الدواء، فأنت كذّبت علمه عملياً، المجاملات ما لها قيمة، إن لم تشترِ الدواء، وإن لم تستعمل الدواء وفق تعليماته الدقيقة فأنت مشكك في علمه .
أخطر شيء في حياة المسلمين التكذيب العملي، ولا تجد في العالم الإسلامي مسلماً واحداً يقول لك: ليس هناك آخرة، لكن هناك التكذيب العملي، تلاحظ كسب الإنسان، كسب ماله، إنفاق ماله، بيته، عمله، علاقاته، حله، ترحاله، سفره، أفراحه، أتراحه، لا يلتزم بها بمنهج الله، ولأنه لا يلتزم فهو مكذب عملياً بالآخرة.
الإيمان بالآخرة إن صح ينبغي أن تنعكس مقاييسك 180 درجة، إن لم تنعكس مقاييسك 180 درجة فالإيمان بالآخرة غير صحيح، إيمان شكلي، إيمان تصديقي، تصديق بغير تحقيق.
أيها الإخوة، أخطر شيء في حياة المسلمين التكذيب العملي، على اللسان لن تقال كلمة خلاف القرآن، الآخرة حق، الجنة حق، النار حق، لكن الكسب حرام ! والبضاعة محرمة ! والعلاقة ربوية ! والاختلاط محرم ! فكيف يستسيغ الإنسان أن يرتكب كل هذه المعاصي وهو يقول: هناك حساب، وهناك جنة، وهناك نار.
أخطر شيء في حياة المسلمين لا أن يكذبوا بألسنتهم اليوم الآخر، بل أن يكذبوا بأفعالهم.
أيها الإخوة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة، المؤمن حركي، الإيمان السكوني غير صحيح، مؤمن لا يقدم، ولا يؤخر، ولا يفعل ولا يلتزم، ولا يَصِل، ما لم تصل لله، وتقطع لله، وترضى لله، وتغضب لله، وتعطي لله، وتمنع لله، ما لم يجدك الله في مكان أمرك أن تكون فيه، ما لم يفتقدك في مكان نهاك الله عنه، ما لم تتحرك، ما لم تعطِ، ما لم تلتزم، ما لم تطبق، ما لم تجعل من حركتك وفق منهج الله، فالإيمان غير صحيح، وهذا يسمى التكذيب العملي.
لذلك كلمة مؤمن تعني مؤمنًا صادقًا ما جاء به القرآن الكريم، وطبق أوامر القرآن الكريم، وصدق ما جاء به النبي الكريم، وطبق سنة النبي الكريم، الإيمان تصديق وتطبيق، الإيمان اعتقاد وسلوك، الإيمان ما أقره اللسان، وصدقه العمل، وآمن به القلب هذا عن كلمة معنى مؤمن، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تتحقق فينا معاني كلمة مؤمن ، لأن الإيمان مرتبة عالية جداً.

الإيمان مرتبة عالية:



كيف أن الإنسان إذا قيل: له دكتور ؟ حقيقة معه ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، وليسانس، ودبلوم عام، ودبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، حرف الدال قبل اسمه يعني كل هذا.
كلمة مؤمن أعلى مرتبة يبلغها مؤمن، يعني آمن بما جاء به وحي السماء، وطبق ما جاء به وحي السماء، أما الإيمان بلا تطبيق فهو تكذيب عملي، لكن ليس تكذيباً لفظياً، بل هو تكذيب عملي، هذا عن معنى كلمة مؤمن.




3 – كيف نفهم اسم ( المؤمن ) ؟

ولكن كيف نفهم أن الله هو ( المؤمن )، كيف نفهم أن ( المؤمن ) اسم من أسماء الله الحسنى ؟


لا يُظلَم عند الله أحد :


من معاني كلمة مؤمن حينما تنسب لله عز وجل، وحينما تكون اسماً من أسماء الله الحسنى أنه أمن الناس أن لا يظلم أحد من خلقه، والإنسان لا يطمئن إلا إذا وحّد، وحينما ترى أن الأمر بيد الله وحده، وأنه:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
وأنه:
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
وأنه:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
وأنه:
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
ما لم تر أن يد الله تعمل وحدها، ما لم تر أن الله بيده كل شيء، ما لم تر أن الله هو الفعال، هو المعطي وحده، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، ما لم توحد فلن تستطيع أن تطمئن إلى وعود الله، ولن تخاف من إنذاراته.
لذلك ( المؤمن ) أمن الناس ألا يُظلم أحد في خلقه من ملكه، الدليل، دقق:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾
( سورة النساء الآية: 40 )
آية ثانية:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
في نواة التمرة خيط بين فلقتي النواة، هذا الخيط هو الفتيل ما قيمته ؟ ما قيمة مليون من هذا الخيط، بلا سبب
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
( سورة النساء )
النواة لها رأس مؤنف كرأس الدبوس، هذا الرأس ما حجمه ؟
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾
( سورة فاطر )
القطمير غشاء يغلف النواة.
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 47 )
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي ]

لا تتهم الأقدار، لا تقل: لا حظ لي، لا تقل: أضربها يمينا فتأتي شمالا، لا تقال: قلَب لي الدهرُ ظهر المجن، لا تقل: القدر يسخر مني، هذا كله كلام شيطاني:
(( فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
أيها الإخوة، الله عز وجل صفاته مطلقة، معنى مطلقة أن عصفورًا في ملك الله من آدم إلى يوم القيامة يُظلم فهذا الظلم يتناقض مع اسم العدل، الله عز وجل مطلق، والإنسان نسبي، فالقاضي قد يحكم ألف حكم، عشرة أحكام منها غير صحيحة، يسمى عادلا عند الناس، الخطأ محتمل عند الإنسان، أما عند الله غير محتمل:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
ولا من:
﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
ولا:
﴿ نَقِيراً ﴾
ولا:
﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
ولا:
﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 40 )


نفي شأن الظلم عن الله :


هذه آية دقيقة جداً، هذه الصيغة أيها الإخوة، تنفي أكثر من عشرة أفعال سماها علماء اللغة نفي الشأن، لو سألت إنسانا ـ لا سمح الله ـ: هل أنت سارق ؟ إن كان من عِلية القوم، وقال لك: لا، فالإجابة غير صحيحة، يقول لك: ما كان لي أن أسرق، أي مستحيل أن أفكر، أو أن أدعم، أو أن أرضى، أو أن أفعل، وقد عدَّ علماء اللغة عشرة أفعال تنفى بهذه الصيغة، الله عز وجل قال:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
مستحيل !
أيها الإخوة، الله عز وجل صفاته مطلقة، لا تحتمل أي خطأ، لكن قد يقول قائل: وهذه الحروب ؟ وهذه الاجتياحات ؟ وهذا الفقر ؟ وهذه المجاعات ؟ وهذا الزلزال ؟ وهذا الفيضان ؟ وهذا البركان ؟ كيف نفسر ذلك ؟ الجواب: لا يمكن أن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك، إلا في حالة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله، ولكن تستطيع أن تؤمن أشد الإيمان بعدل الله المطلق حينما تصدق ما جاء به القرآن:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
ولا:
﴿ فَتِيلاً ﴾
ولا من:
﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
ولا:
﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾
هذا خبر عن الله، فإن شككت في هذه الآيات فأعد إيمانك بالقرآن، قف وراجع حساباتك، لن تستطيع أن تؤمن بعدل الله بعقلك وحده، لأن عقلك محدود المهمة، أما إذا كان عندك علم الله عز وجل لأن هذا مستحيل يمكن.
أيها الإخوة، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، وغني عن ظلمنا.
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
لكن إن صدقت خبر الله أنه لا يظلم هذا هو الإيمان، يعني مثلاً: قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
( سورة الفيل )
بربكم هل شاهدتم هذه الحادثة ؟ من شاهدها ؟ ماذا قال علماء التفسير ؟ قال: ينبغي أن تأخذ إخبار الله وكأنك رأيته بعينك، الحد الأدنى بالإيمان أن تأخذ خبر الله وكأنك رأيته بعينك، وأن تأخذ وعيد الله وكأنه وقع.
﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
( سورة المحل الآية: 1 )
معناها ما أتى،
﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 11 )
قال: فعل ماضٍ، لم يقل: بعد، فيجب أن تأخذ إخبار الله وكأنه وقع، ويجب أن تأخذ أيضاً إخبار الله وكأنك تراه بعينك، فالمؤمن الذي آمن أن هذا القرآن كلام الله ، وعشرات الآيات تنفي أدق أنواع الظلم:
﴿ فَتِيلاً ﴾
و:
﴿ نَقِيراً ﴾
و:
﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
و:
﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
و:
﴿ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾

هذا هو الإيمان بالقرآن، أما أن تملك علماً كعلم الله فهذا مستحيل !
شيء آخر، هذه الدنيا أمام الآخرة لا شيء، تصور الرقم واحد في دمشق وأصفار لا أقول: إلى حلب، بل إلى الشمس، واحد أمام 156 مليون كيلومتر أصفار، لا كل ميليمتر صفر، وواحد في دمشق، وأصفار إلى الشمس، وكل ميلي صفر، كم هذا الرقم ؟ أول ثلاثة أصفار ألف، 3 أخر مليون، 3 أخر ألف مليون، 3 رابعة مليون مَليون، الآن كل ميلي صفر لـ156 مليون كم للشمس، هذا الرقم ضعه صورة، ومخرجه لا نهاية، قيمته صفر، فالدنيا لو عشت 130 عاما، ملكت مئة مليار دولار، مليار مِليار ِ، مليون مليار مِليار، وعندك في كل مدينة قصر، مهما فعلت فالدنيا أمام الآخر صفر، فإذا وعد الله عز وجل المظلوم بالجنة، فيلزم منه عدم الظلم:
﴿ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
البطولة أن تربح الآخرة البطولة أن تضحك آخراً، لا أن تضحك أولاً، الموت ينهي كل شيء، لا يليق بعطاء الله العظيم أن يكون في الدنيا فقط، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي كل شيء، لا يليق بعطائه أن يكون بالدنيا فقط، فإذا ادخر واحد الله عز وجل للعبد عطاء في الآخرة فحينما يرى عطاء الله بعد الموت يذوب محبة لله.


ليس هناك ظلم مطلق في الكون:


أيها الإخوة، لا يمكن لا أن تثبِت عدل الله بعقلك، إلا أن تصدق خبر الله في القرآن، وهذا شيء مستحيل ؛ أن يكون لك علم كعلم الله، وفي النهاية الشر المطلق لا وجود له في الكون، لكن هناك شر نسبي موظف للخير المطلق، والظلم المطلق لا وجود له في الكون، لكن هناك ظلم ظاهري، يندرج تحت بند التربية، الدليل:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
من أعان ظالماً سلطه الله عليه، من أعان ظالماً كان أول ضحاياه، في ظلم ظاهري، أما حقيقي ما في، ولو دققت كما أقول لك: في ظلم ظاهري صارخ، لكن هذا الظلم موظف لتربية النفوس.


4 – ( المؤمن ) هو مَن يجير المظلوم:


أيها الإخوة الكرام، المؤمن هو الذي يجير المظلوم من الظالم، وتروَى في هذا قصة رمزية: أن ملِكًا في القديم توعد شيخ النجارين بوعيد لا يحتمل، طلب منه مئة كيس نشارة خلال ساعات، يعمل سنتين لا يخرج معه كيس نشارة، وشيخ النجارين مثل نقيب الآن، أيقن هذا أنه مقتول لا محالة، فودع أولاده، ودع زوجته، كتب وصيته، أنهى كل شيء، بعد الفجر جاء أتباع الملك ليأخذوه إن لم يؤدِ هذا العدد، فقيل له: مات الملك تعال فاصنع لنا تابوتاً.
أحياناً يجير الله المظلوم من الظالم، هذا معنى اسم ( مؤمن )، الدليل:
﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 88 )
من الذي يجير ؟ هذا الذي هدم 70 ألف بيت في غزة، هذه السنة الثالثة ما مات ، والله يمد بعمره، الله عز وجل إذا أخذَ كان أخذُه عزيز مقتدر، وإذا أخذ الظالم لم يفلته.
﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾
( سورة هود )



الخاتمة:


أيها الإخوة الكرام، اسم ( المؤمن ) اسم دقيق جداً، لكنه يتصل أشد الاتصال بالحياة الدنيا، هو ( المؤمن ) الذي يؤمنك، علاقتك معي يا عبدي:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
لو أنه أسلمك إلى غيره كيف يأمرك أن تعبده ؟ مستحيل ! قال لك:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
حياتك بيده، والرزق بيده، والأقوياء بيده، والضعفاء بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، وزوجتك بيده، وأولادك بيده، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقَد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء.
نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم، الناصر الذي يجيرنا من الظالم، نحن في أمسَ الحاجة إلى أن نطمئن إلى وعد الله، الله عز وجل أنشأ لنا حقاً عليه إن عبدناه كانت المكافأة ألاّ يعذبنا.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
( سورة الأنفال )









والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-09-2018, 01:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(32)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



مِن أسماء الله الحسنى: ( الملِك ):


أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، واليوم مع اسم الله تعالى: ( الملِك ) .

1 – ورودُ اسم ( الملِك ) في القرآن والسنة:
أيها الإخوة، ورد هذا الاسم كثيراً في الكتاب والسنة، ففي القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح مسلم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ:
(( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ... ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود و الترمذي والنسائي ]
وفي صحيح مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يَنْزِلُ الله تعالى إِلى السماءِ الدُّنيا كُلَّ لَيلةٍ حين يَمضي ثُلُثُ الليلِ الأولُ فيقول: أَنَا الملكُ، أنا الملكُ، مَنْ ذَا الذي يدعوني فأستجيب له ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود و الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
لذلك:
(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود و الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
ساعات الفجر ساعات مباركة، ساعات الإجابة.
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء )


2 – مِن لازمِ اسم ( الملِك ) نفاذُ أمرِه في مُلكِه:
أيها الإخوة، ( الملك ) أمره نافذ في ملكه، قد يكون الإنسان مالكاً، وأمره ليس نافذاً في ملكه، أما ( الملك ) فأمْرُه نافذ في ملكه، لذلك في بعض الآثار القدسية:
(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

3 – لا ملِك حقيقةً إلا الله:
أيها الإخوة، العلماء يؤكدون أنه لا ملِك إلا الله حقيقية، الذي يملك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، لكن هذا لا يمنع أن يسمى إنسان ملكاً، قال تعالى:
﴿ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾
( سورة الكهف )
أما ( الملِك ) الحقيقي فهو الله الذي يملك كل شيء.
بشرح مفصل: كل شيء يُملَك يملكه الله، سمعُك بيده، وبصرك بيده، وقوتك بيده، ومَن حولك بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، والتوفيق بيده، والنصر بيده، والحفظ بيده، وحينما توقن أنه لا إله إلا الله، وأنه ( الملك )، أمرُه نافذ في ملكه، تتجه إليه وحده.


4 – لابد للمسلم من التوجُّه للملِك الحقيقي:
دائماً وأبداً أضرب هذا المثل: لو أن لك معاملة لها أثر مصيري في حياتك، والمفوّض بالتوقيع على الموافقة رجل واحد في كل هذا البناء، والبناء من عشرة طوابق، فيه ألف موظف، الذي هو مفوّض بالموافقة على طلبك هو المدير العام، هل تبذل ماء وجهك لغير هذا المدير العام ؟ مستحيل ! هل تتضعضع أمام موظف صغير ؟ ما دام هذا الأمر بيد مدير العام، إذاً تتجه إليه وحده.
حينما تؤمن أن كل شؤونك بيد الله.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده، فحينما تؤمن أنه لا إله إلا الله، ولا معطي، ولا مانع، ولا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا موفق ولا حافظ، ولا ناصر إلا الله، تتجه إليه.
المشكلة الأولى في حياة المسلمين أن توحيدهم ضعيف، فلما ضعف توحيدهم وقعوا فيما هم فيه، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
أيها الإخوة، الله عز وجل ملكٌ مطلقاً، يملك كما قلت خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، وأنت كإنسان قد تملك شيئاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع بشيء ولا تملكه، وقد تنتفع وتملك، لكن المصير ليس إليك، لك بيت تملكه رقبة، وتملك منفعته، أي تسكنه، لكن قد يأتي قرار تنظيمي للمدينة يؤخذ منك بأبخس الأثمان، فقد تملك ولا تنتفع، وقد تنتفع ولا تملك، وقد تنتفع وتملك، والمصير ليس إليك.
أما إذا قلنا: الله ( الملك ) يعني أن ملكه مطلق، خلقاً، تصرفاً، ومصيراً.


5 – من لوازم ( الملِك ) استغناءه عن المخلوقات:
معنى ( الملك ) أنه يستغني في ذاته، وصفاته، وأفعاله عن كل موجود، أما الإنسان فوجوده مرتبط بإمداد الله له، ففي أية لحظة يقطع الله عنه الإمداد يموت، فما هو الموت ؟ الموت انقطاع المدد الإلهي، وفي أي لحظة يفقد الإنسان حياته، يكون شخصاً مهماً فيصبح خبراً، يكون ذا هيبة وسلطان فيصبح قصة، يكون شخصاً يركب طائرة فيعود بضاعة في نعش لها معاملات معقدة في التخليص.
فالله عز وجل ملِك حقيقي، لأنه يستغني عن كل موجود، ووجوده ذاتي، مِن هنا كان هناك عبد القهر، وجميع بني البشر عبيد لله عز وجل، بمعنى أنهم في قبضة الله ، في أي لحظة تنتهي الحياة، لأتفه الأسباب، سكتة دماغية، سكتة قلبية، حادث طارئ، فهم عبيدُ قهرٍ، أما المؤمنون لأنهم عرفوا الله اختياراً، وأطاعوه اختياراً، وأحسنوا إلى خلقه اختياراً، وأقبلوا عليه اختياراً فهم عباد، جمع عبد الشكر، وعبد القهر جمعه عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
وهناك عبد الشكر جمعه عباد.
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
الفرق كبير بين أن تكون عبد قهر، وبين أن تكون عبد شكر، وإذا قال الله عز وجل:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
هذه معية عامة، أي معكم بعلمه، أما إذا قال:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
هذه معية خاصة، والمعية الخاصة تعني شيئاً كثيراً، تعني أن الله مع المؤمن بنصره، وتأييده، وحفظه، وتوفيقه.
معنى ( الملك ) أنه مستغنٍ عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، الآية الدقيقة:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )


الإعزاز والإذلال والمنع والعطاء من الله خيرٌ كلُّه:


الآية ليس فيها: بيدك الخير والشر،
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
لذلك قالوا: الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي موظَّف للخير المطلق، والدليل هذه الآية:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
إيتاء الملك خير، وأحياناً نزعه خير، إعزاز الإنسان خير، وأحياناً إذلاله خير، لكن علماء العقيدة يرون أنه لا ينبغي أن تقول: الله ضار، مع أنه من أسمائه، ينبغي أن تقول: هو الضار النافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله خافض، قل: الله خافض رافع، لأنه يخفض ليرفع، لا ينبغي أن تقول: الله مذل، هو يذل، قل: الله مذل معز، يذل ليعز.
ورد في بعض الآثار:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة المنع عاد المنع عين العطاء، حينما تكشف الحقائق، وحينما ينكشف سر القضاء والقدر يذوب المؤمن كالشمعة تماماً محبة لله عز وجل لِما ساقه له من شدائد، ولولا هذه الشدائد لما كان كما هو.
قطعة فحم بحجم البيضة ما قيمتها ؟ لا شيء، وهناك قطعةٌ من الماس في استنبول قيمتها 150 مليون دولار، بحجم البيضة، أكبر قطعة ألماس في العالم في متحف توبي كبي، هذه القطعة ثمنها 150 مليون، لأن الماس أصله فحم، من شدة الضغط والحرارة أصبح ماساً.
للتقريب: إذا كان هناك ضغوط، ومعالجات إلهية دقيقة، وشدة، هذه تصقل الإنسان المؤمن، واللهُ تعالى يتولى تربيته، ويحاسبه، فبطولتك أن تكون ضمن العناية المشددة، ضمن المتابعة الإلهية، ضمن التربية الإلهية، فإذا أعطيتَ الدنيا وأنت على غير طاعة الله فهذا مؤشر خطير جداً، معنى ذلك أن هذا الإنسان خارج العناية المشددة، إن رأيت الله يتابعك، ويحاسبك، ويسوق لك بعض الشدائد عند بعض الأخطاء، حينما تسرف، يقلّ دخلك، حينما تستعلي يأتي مَن يحجمك، حينما ترى أن الله يتابعك فهذه نعمة كبرى، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
مصائب المؤمنين مصائب دفع إلى الله ورفع، ومصائب العصاة والفجار مصائب ردع وقصم، أما مصائب الأنبياء فمصائب كشف، لأنهم ينطوون على كمال لا يظهر إلا بالمصائب، فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ:
(( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ))
[ أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]


علاقة المؤمن باسم ( الملِك ):

أيها الإخوة، الله عز وجل يقول:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾
( سورة يوسف )


المُلكُ الحقيقي أن تمنع تملك عند فورة الشهوة:

لبعض المفسرين لفتة رائعة، أن المُلكَ الذي أتاه الله لسيدنا يوسف ما هو ؟ إن كان الملكُ المألوف أنه عزيز مصر فهناك ملوك في الأرض كُثر، وهم أحياناً فجّار منحرفون طغاة، فهل هذا هو العطاء الحقيقي ؟ بعضهم قال: العطاء الحقيقي أن تملك نفسك، حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، والعلماء أشاروا إلى عشرة أشياء ترغب هذا الشاب الوسيم بالفاحشة، وقال:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
هذا هو الملك، أن تملك نفسك، أن تملكها عند الغضب، أن تملكها عند الشهوة ، أن تملكها عند المغريات، ما كل إنسان يصمد أمام هذه الفتنة، فالذي يملك نفسه، ولا تملكه، يملك هواه ولا يملكه، الذي يملك أن يتصرف وفق منهج الله في الشدائد، وفي الصعوبات هو الملِك.
أيها الإخوة، الحياة فيها صوارف، وفيها عقبات، وهذه الصوارف والعقبات من أجل أن يرقى الإنسان عند الله، فإذا استطعت أن تنجو من الصوارف إلى غير منهج الله وأنت تتجاوز العقبات التي وضعت على الطريق إلى الله، فأنت بطل.
فلذلك:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
أي آتيتني سيطرة على نفسي، يقول أحد زعماء بريطانيا: ملكنا العالم، ولم نملك أنفسنا، حتى إن أجمل كلمة تلخص الحضارة الإسلامية أنها سيطرة على الذات، فحينما فتحت القدس من قِبل الفرنجة ذُبح 70 ألف إنسان في يومين، أما حينما فتحها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لم يهرق قطرة دم، بسبب السيطرة على الذات، وأعظم شيء في المؤمن أنه منضبط، مسيطر على ذاته، هذا هو الملك الحقيقي، أن تملك نفسك.


الإيمان مرتبة علمية أخلاقية جمالية:

قالوا: الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، أخلاقية، جمالية، نحن الآن نستهين بكلمة مؤمن.
مثلاً: فلان دكتور، معه إتمام مرحلة ابتدائية، معه شهادة إعدادية، معه شهادة ثانوية، معه شهادة ليسانس، أو بكالوريوس، معه دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، والدكتوراه فيها بحث جديد لم يسبق إليه، وناقشه مجموعة علماء كبار، واعتمدته الجامعة، وأصبح كتابًا، إن وجد اسم د. قبل اسم الشخص يكون قد مرَّ بكل هذه المراحل.
للتقريب: إن وجدت إنسانًا مؤمنًا فيعني أنه يتمتع بمرتبة أخلاقية، وليس هناك مؤمن كاذب، ولا مؤمن محتال، ولا مؤمن متكبر، ولا مؤمن وصولي، ولا مؤمن منافق، والمؤمن مرتبة أخلاقية، ومرتبة علمية، وهو مَن عرف الحقيقة الكبرى في الكون، عرف الله، عرف سر وجود الإنسان وغاية وجوده، ومرتبة جمالية، فله أذواق عالية جداً، منغمس في سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، فالإيمان مرتبة جمالية، أخلاقية، علمية.
قالوا: المؤمن إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون، له رؤية عميقة، فهِم حقيقة الحياة الدنيا، فهم حقيقة الوجود، حقيقة الكون، حقيقة الحياة الدنيا، حقيقة الإنسان، طبيعة المهمة التي أنيطت به.

المؤمن همُّه كبير، ورسالته نبيلة:

المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، وهناك أقوياء وضعفاء في العالم، وأغنياء وفقراء، الضعفاء والفقراء مسحوقون، لكن هناك موقف للنبي عليه الصلاة والسلام خلاف هذا فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(( أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي ؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ))
[ متفق عليه ]
لا تكون إنساناً كامل الإنسانية إلا إذا شعرت بمن حولك، هذا الذي يعيش لشهواته، وحظوظه، ولا ينتبه إلى البؤساء، والفقراء، والضعفاء، هذا إنسان بعيد عن منهج الله عز وجل، المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، وله قلب كبير، هذا القلب يكبر، ولا ترى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر، ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير.
صدقوا أيها الإخوة، كلمة من القلب: المؤمن أكبر من أكبر مشكلة في الدنيا، بينما غير المؤمن أصغر من أصغر مشكلة في الدنيا، مشكلة طفيفة تسحقه، تقلبه إلى يائس، إلى محبط، إلى مستسلم لمصيره، أما المؤمن فأكبر من أكبر مشكلة تحيط به، له قلب كبير، وعزم متين، همته عالية، وإرادة صلبة، هدفه أكبر من حاجاته، هناك إنسان حاجته بيت، حاجته زوجة، حاجته دخل، هذه كل أهدافه، فإذا تزوج وكان له دخل، وله بيت انتهت كل أهدافه، يحس بالفراغ، يحس بالتفاهة، أما المؤمن فيحمل هم أمته، أهدافه أكبر من حاجاته، رسالته أسمى من رغباته.
إخوتي الكرام، هناك صفة في العالم الغربي، أنا أضع يدي عليها تماماً، الصفة أن الإنسان هناك بلا هدف، هدفه نفسه، هدفه دخله، هدفه شهواته، هدفه حظوظه، هدف كبير يسعى له، والإنسان لا يتقدس إلا بهدف كبير، لا يسعد إلا إذا كان له رسالة وهدف يحمله، رسالته أثمن من رغباته، يملك نفسه.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾






خاتمة:



الملك يملك نفسه، ولا تملكه، يقود هواه، ولا ينقاد له، تحكمه القيم، ويحتكم إليها من دون أن يسخرها لمصالحه، أو يسخر منها.
الحقيقة أيها الإخوة، الإيمان مرتبة عالية جداً، الإيمان يعني إنسانا حقق الهدف من وجوده، الإيمان يعني أن الإنسان حقق الهدف الذي خُلق المؤمن من أجله، عرف الله عز وجل، وعرف منهجه، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
فلذلك:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
علاقة الإنسان بهذا الاسم أن يملك نفسه عند الغضب، عند العقبات الكأداء، عند الصوارف المغرية، والمؤمن رجل مبدأ، المؤمن رجل قيم، لأنه اتصل بـ ( الملك )، فملك نفسه، وأعظم مرتبة تملكها أن تملك نفسك، وأكبر سيئة تصيب الإنسان أن يتفلت من منهج الله، أن يثيره موقف استفزازي يخرجه عن طوره وعن مبادئه وعن قيمه.
سبحان الله ! هذا الاسم له تطبيقات رائعة جداً، أرجو الله سجانه وتعالى في لقاء قادم أن نتابع هذا الموضوع.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-09-2018, 02:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(33)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( العزيز):


أيها الأخوة الأكارم: مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "العزيز" .


ورود اسم العزيز في:
1 ـ كثير من آيات القرآن الكريم:
أيها الأخوة، هذا الاسم ورد في كثير من آيات القرآن الكريم، لعله ورد قريباً من مئة آية، من أبرز هذه الآيات:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )


2 ـ ورود اسم العزيز مقترناً بأسماء أخرى:
ورد مقترناً بأسماء أخرى:
﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة الحشر )
﴿ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
( سورة الأنعام )
﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
( سورة إبراهيم )
﴿ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الدخان )
﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
( سورة ص )
﴿ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾
( سورة ص )
﴿ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾
( سورة هود )
﴿ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة الملك )
﴿ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )


3 ـ ورود اسم العزيز في السنة الشريفة:
وفي صحيح الجامع الصغير من حديث عائشة رضي الله عنها أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))
[ أخرجه النسائي في الكبرى والطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]

من معاني اسم العزيز:
1 ـ العزيز هو الغالب:
معاني هذا الاسم "العزيز" هو الغالب.
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
لمجرد أن تتحقق جنديتك لله عز وجل فأنت الغالب، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون جندياً لله ولا تنتصر.
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾


بطولة الإنسان أن يكون مع الغالب دائماً:

لذلك أيها الأخوة، إن لم ننتصر فالخطأ منا ، الكرة في ملعبنا، هناك خلل في جنديتنا لله عز وجل،
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
الله عز وجل يقول في آيات كثيرة من هذه الآيات:
﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾
( سورة ص )
أي غلبني، "العزيز" هو الغالب، فالبطولة أن تكون مع الغالب دائماً، والخطأ المدمر أن تنحاز إلى المغلوب، إذا كنت مع الغالب فأنت الغالب، إذا كنت مع الله فأنت المنتصر، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.


قوة المؤمن تنبع من تطبيقه لمنهج الله عز وجل:

أيها الأخوة الكرام، كلمة أقولها لكم: لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، هو ينصره، ولكن لنقلق على أنفسنا.
أول معنى من معاني هذا الاسم أنه الغالب، فالبطولة أن تكون مع القوي، قوة المؤمن من توكله على الله، قوة المؤمن من اعتماده على الله، قوة المؤمن من تطبيقه لمنهج الله كثمن لنصر الله، نصر الله له ثمن، الأمور ليست بالتمنيات، التمنيات بضائع الحمقى.
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
دقق:
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
مهما دعوت الله، الله عز وجل لا يستجيب دعاء المعتدي.
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
إذا في عدوان، إذا في ظلم، مهما رفعت صوتك بالدعاء، لن يستجاب لك.
تروي بعض القصص أن ملكاً قوياً التقى بعالم جليل قال له: ادعُ الله لي، فقال له هذا العالم: لا تظلم ولست بحاجة إلى دعائي.
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
"العزيز" هو الغالب
﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾
غلبني
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.


2 ـ العزيز هو الشريف:
المعنى الآخر: "العزيز" هو الشريف، بكل مجتمع في فئة من الناس تسمى في اللغة علية القوم، عزيز، صادق، كريم، أصيل، جواد، صبور، حليم، هؤلاء النخبة من الناس هم أعزة القوم.
لذلك ماذا قالت بلقيس ؟:
﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾
( سورة النمل الآية: 83 )
كلام من ؟ كلام بلقيس، ماذا قال الله عز وجل:
﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
( سورة النمل الآية: 83 )
إذا إنسان لم يعرف ربه لكن تكلم كلمة صحيحة، يجب أن تكون خطأ ؟ لا ، بلقيس قبل أن تعرف الله قالت:
﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾
خالق السماوات والأرض قال:
﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
يعني الانفتاح يقتضي أن تصغي إلى كل قوم، الإمام الشافعي يقول: أنا على حق، وخصمي على باطل، وقد أكون مخطئاً، وخصمي على حق، وقد يكون مصيباً، تواضع حينما تحاور.
"العزيز" هو الجليل والشريف.


3 ـ العزيز هو القوي:
شيء آخر: "العزيز" هو القوي.
﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾
( سورة يس الآية: 14 )
أي قويناهم بثالث، إذا قلت فلان عزيز يعني قوي، والناس يحبون الأقوياء وطبع في الإنسان أن يحب القوي، لكن من هو أقوى الأقوياء ؟ خالق السماوات والأرض، من هو القوي إلى أبد الآبدين ؟ خالق السماوات والأرض، إن أردت أن تكون قوياً كن مع القوي لا تكن مع الضعيف، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.


الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد:

الآن لو دخلنا في التفاصيل، الشيء العزيز نادر الوجود، هناك معادن عزيزة مثلاً اليورانيوم، معدن نادر، غالٍ جداً، كل شيء نادر وجوده قليل يسمى عزيزاً ، العوام أحياناً يقول لك: مادة عزيزة، قليلة، لكن إذا قلنا الله عزيز لا مثيل له، لا ندّ له، لا نظير له، واحد أحد فرد صمد:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
( سورة الإخلاص )
إذا قلت شيء عزيز أي قليل، وجوده نادر، أما إذا قلت الله عزيز يعني واحد أحد، فرد صمد
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
( سورة الشورى الآية: 11 )
وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك.


4 ـ العزيز من يحتاجه كل شيء في كل شيء:
الآن الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه إذا قلنا الله عزيز أي يحتاجه كل شيء في كل شيء، الناس بحاجة إلى ملك يوفر لهم الأمن، والحاجات، والنظام،...إلخ، لكن أحياناً يكون هناك راعٍ بأطراف المملكة، يأكل ويشرب من هذا الذي أمامه، من حليب الغنم، ومن لحمها، وليس بحاجة إلى الملك، أي أحياناً يكون أقوى إنسان لسنا بحاجة إليه، لكن إذا قلنا الله عزيز تحتاجه النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، يحتاجه كل مخلوق لأنه إمدادك من الله، لو مات الإنسان ووزناه لا ينقص ولا غرام واحد، ما الذي فقده ؟ الإمداد، كان يتكلم، ويبتسم، ويضحك، ويمشي، ويجلس، ويأمر، وينهى فإذا انقطع الإمداد عنه أصبح جثة هامدة.
معنى "العزيز" أنه يحتاجه كل شيء في كل شيء، إنك تبصر بالله، بإمداد الله لعينك، تسمع بالله، الكبد في الكائن الحي له خمسة آلاف وظيفة، فإذا مات الإنسان، أو ذُبح الحيوان صار الكبد طعاماً نأكله، يقول لك: سودة، كان جهازاً خطيراً جداً يقوم بخمسة آلاف وظيفة، فصار قطعة لحم تؤكل.

كل إنسان بحاجة إلى الله عز وجل:

لذلك أيها الأخوة، إذا قلنا الشيء عزيز أي نادر الوجود، إذا قلنا الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد، إذا قلنا الشيء العزيز الذي تشتد الحاجة إليه، الماء عزيز يحتاجه كل إنسان، الهواء عزيز، لكن بعض الفواكه النادرة لا نحتاج إليها، إذا شخص لم يأكل كرزاً لا يموت، يبقى، يعيش، في آلاف الأطعمة لسنا بحاجة إليها حاجة أساسية.
إذاً الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه لكن الله "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء، أنت بحاجة إلى الله، بهذا الهواء الذي تتنفسه، القلب ينبض لو توقف انتهت الحياة، كل الأموال المنقولة والغير المنقولة تخسرها بثانية واحدة، يعني الإنسان قوته، وهيمنته، و عظمته، ومكانته، وسيطرته، وحجمه المالي الكبير، وحجمه الإداري الكبير، منوط بضربات قلبه، فإذا توقف قلبه انتهى كل شيء، صار خبراً على الجدران.
يذهب إنسان أحياناً إلى بلاد الغرب راكب طائرة بالدرجة الأولى، يرجع نعشاً، يرجع بضاعة، إذا شخص أراد أن يُرجع فقيداً له في بلاد بعيدة تصبح له معاملة خاصة يحتاج أوراق، ويحتاج تخليص بضاعة، ويحتاج إلى ضرائب، نعش.
فالإنسان يتوقف قلبه صار خبراً، صار بضاعة، يتجمد الدم بعروقه تنتهي حياته، أي أنت حياتك منوطة بسيولة دمك فقط، ولو تجمدت قطرة دم، نقطة دم كرأس الدبوس في أحد شرايين الدماغ بمكان شلل، بمكان عمى، بمكان فقد ذاكرة، كل عظمة الإنسان المتوهمة منوطة بسيولة دمه، وبدقات قلبه، وبقطر شريانه التاجي، قطره ميلي وربع، فإذا ضاق هذا الشريان دخل هذا الإنسان في متاعب لا تنتهي، كل عظمة الإنسان، وهيمنته ، وقوته، وحجمه المالي، والإداري، ومكانته، وثقافته، وشهادته، ومنصبه الرفيع منوط بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهى، ورم خبيث.


من قال الله تولاه الله برحمته و من قال أنا تخلى الله عنه:
الذي يقول أنا أحمق، قل الله، إن قلت الله تولاك الله، وإن قلت أنا تخلى الله عنك، حينما توهم الصحابة الكرام وهم نخبة البشر، وفيهم سيد البشر، أنهم لم يغلبوا من قلة في حنين غلبوا.
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
إذاً "العزيز" الواحد الأحد، الفرد الصمد، "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء "العزيز" الشيء العزيز يصعب الوصول إليه، يعني أنت ممكن تزور أي مكان، أما قصر الملك يحتاج موافقات مسبقة، ليس من السهل أن تدخل هذا القصر، فالقصر شيء عزيز لأنه يصعب الوصول إليه، أما إذا قلنا الله "العزيز" يستحيل أن تحيط به.
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )


معرفة الله عز وجل ليست مطلقة لأنه لا يعرف الله إلا الله:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
لكن كاستثناء دقيق يمكن أن تصل إليه عبادة، يمكن أن تعرفه معرفة محدودة يمكن أن تعبده، يمكن أن تطيعه، يمكن أن تتصل به أما أن تحيط به مستحيل، لا يعرف الله إلا الله، حتى سيد الأنبياء والمرسلين معرفته ليست مطلقة، لا يعرف الله إلا الله، فإذا قلنا الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد، وإذا قلنا الله "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء، وإذا قلنا الله "العزيز" يستحيل أن تحيط به.

بطولة المؤمن أنه يختار هدفاً لا نهائياً لا هدفاً محدوداً:

لذلك الإنسان يكون شاباً حتى في المئة، إذا اختار أن يعرف الله، الله لا نهائي أما إذا اختار شيئاً دنيوياً، ووصل إليه، وأحاط به، انتهت حياته، حياته صارت مملة، بطولة المؤمن أنه اختار هدفاً لا نهائياً، في شباب دائم، أقسم لكم بالله المؤمن شاب في التسعين، طبعاً في ضعف بجسمه، في ضعف في بصره، لكن همته همة شباب، لأن هدفه كبير، وأنت لا تسعد إلا إذا اخترت هدفاً يتناسب مع بنيتك، أنت مصمم لتعرف الله، أنت مولف، مصمم مبرمج، مفطور، من أجل أن تعرف الله.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
فإن اخترت هدفاً آخر غير الله محدود، انظر إلى إنسان وصل إلى طموحاته الكبرى مالياً، تجده في ملل، يقول لك شيء مألوف، ولحكمة بالغة بالغةٍ بالغة لن يشاء ربنا جلّ جلاله أن يجعل الدنيا تمدك بمتعة مستمرة، متعة متناقصة، أي شيء كنت بحاجة إليه أو تطمح إليه بعد أن تصل إليه يصبح شيئاً عادياً، أوضح شيء الزواج، الذي لم يتزوج يظن الزواج شيئاً غير معقول، بعد الزواج شيء عادي جداً، الله عز وجل أبى أن يجعل الدنيا تمد الإنسان بمتعة مستمرة بل متعة متناقصة، وإذا فيها معصية متعة متناقصة مع كآبة.

التفكر في الكون أحد طرق معرفة "العزيز":

أيها الأخوة، الآن الشيء العزيز يقل وجوده، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، كلما كثر وجوده قلّت عزته، وكلما قلّت الحاجة إليه قلّت عزته، وكلما سهل الوصول إليه قلّت عزته.
الآن: كلما قلّ وجود الشيء حتى صار واحداً، وكلما اشتدت الحاجة إليه حتى احتاجه كل شيء في كل شيء، وكلما صعب الوصول إليه حتى أصبح مستحيلاً إنه الله،
﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
أيها الأخوة، التفكر في الكون أحد طرق معرفة "العزيز" نحن لنصل إلى نجم ملتهب عدا الشمس، نحتاج لأربع سنوات ضوئية، كي أترجم لكم هذه المسافة بلغة الواقع:
لو في مركبة أرضية (سيارة) لو في طريق إلى هذا النجم، نحتاج إلى خمسين مليون عام قيادة، كل تاريخ البشر عشرة آلاف سنة، تاريخ البشرية كلهم، خمسين مليون عام نقود مركبة كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، نجم القطب أربعة آلاف سنة، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، نجم اكتشف حديثاً 24 مليار سنة ضوئية، هذا جزء من الكون وحتى هذه الساعة لا يزال الكون لا نهائياً، أحدث نجم اكتشف بعده عنا 24 مليار سنة، يعني 24 ألف مليون سنة ضوئية، الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام قيادة مركبة متى نصل إلى 24 مليار ؟ إذا كان هذا خلق الله فكيف عظمة الله عز وجل ؟
إذاً معنى الله "العزيز" يعني هنيئاً لمن عرفه، والويل ثم الويل لمن غفل عنه.


أصل الدين معرفة الله:
إخوانا الكرام، الذي يحدث أن في الإنسان شهوات، لو أردنا أن نوضح هذه الفكرة لو أن شهواته أعطيناها وحدات وزن، عشرة كيلو، حضر درساً شَكَّل عشرة غرامات قناعة أن الله حق، درس ثانٍ عشرة، درس ثالث عشرة، تبقى هذه العشرات لا توازي العشرة كيلو إلى أن يطلب العلم طلباً حثيثاً، إلى أن يتفكر في خلق السماوات والأرض، إلى أن يعرف الله تماماً تصبح قناعاته عشرة كيلو، صار في صراع، فإذا تابع طلب العلم صار مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعصي الله، الإنسان يعصي ربه من ضعف معرفته به، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، بقدر معرفتك بالله تطيعه، بقدر خشيتك له تطيعه، فأي إنسان يرتكب مخالفة لضعف معرفته بالله، وأصل الدين معرفة الله، لذلك:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
ففُهم من هذه الآية أن طريق معرفة قدر الله عز وجل، أي طريق تقدير الله حق قدره التفكر في خلق السماوات والأرض.

من دعا مع الله إلهاً آخر عُذب عذاباً شديداً في الدنيا و الآخرة:

أختم هذا اللقاء الطيب بهذه الآية:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 213 )
الإله الآخر شهوتك أحياناً، الإله الآخر إنسان قوي تتوهم أن بيده الأمر، الإله الآخر إنسان قوي تتوهم أن سلامتك بالانبطاح أمامه، كما يجري، تتوهم أحياناً أن سلامتك أن تواليه، الله قال:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾
﴿ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر.
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
( سورة الشعراء )


معرفة اسم "العزيز" تجعل الإنسان عزيزاً غنياً و قوياً:

القوي، الذي إذا كنت معه كنت الغالب، الذي إذا كنت معه كنت المنتصر، الذي إذا كنت معه كنت عزيزاً.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الأخوة، معرفة اسم "العزيز" تجعلك عزيزاً، معرفة اسم "العزيز" تجعلك غنياً ، تجعلك قوياً، تجعلك حراً أبياً، إن أردت أن تكون عزيزاً فكن مع "العزيز"، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-09-2018, 02:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(34)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى : ( المهيمن ):

أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المهيمن ).

1 – ورودُ اسم ( المهيمن ) في القرآن الكريم:
هذا الاسم أيها الإخوة، لم يرِد إلا في القرآن الكريم، وفي موضع واحد، في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
ولم يرِد في السنة.


2 – معنى ( المهيمن ) لغةً:
( المهيمن ) اسم فاعل اشتقاقاً، واللغة العربية من أرقى اللغات، لغة التصريف، هناك جد وله أحفاد، عندنا مصدر، وفعل ماض، وفعل مضارع، و أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل، فهي أُسرة، و( المهيمن ) اسم فاعل مِنَ الفعل هيمن يهيمن هيمنة.

المعاني الشرعية لاسم ( المهيمن ):
1 – الرقيب الشهيد:
ما ( المهيمن ) ؟ هو الرقيب، الشهيد ، الذي:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
( سورة طه )
الذي لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، يعلم الظاهر والباطن، يعلم ما تعلم، وما لا تعلم، يعلم ما تعلم، وما خفي عنك، يعلم دقائق الأمور، يعلم سريرتك، ويعلم علانيتك، يعلم نياتك، ويعلم خواطرك .
بل لن تكون أنت أيها الإنسان مهيمناً في مكان ما إلا إذا توافرت لك معلومات دقيقة عن كل شيء، فمن لوازم الهيمنة دقة المعلومات، وأي إنسان يتخذ قرارًا قبل أن تكون له معلومات دقيقة فالقرار في الأعم الأغلب يكون خاطئاً.


2 – العليم بكل شيء:
إذاً: من معاني ( المهيمن ) أنه يعلم كل شيء، يعلم ما كان، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو رقيب، شهيد، سميع، بصير، يعلم خواطرك، يعلم ما غاب عنك، ويحول بينك وبين قلبك، يعلم السريرة، يعلم العلانية، يعلم ما في خلوتك، ويعلم ما في جلوتك، يعلم ما تبطن وما تعلن، ما تخفي وما تنوي، هذا من لوازم ( المهيمن )، فهو علمٌ مطلق.
﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحجرات )
ويكفي أن تعلم أن الله يعلم كي تستقيم على أمره، يكفي أن الله يعلم كي تستحي منه.
(( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ، قُلنا: إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى، والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
يكفي لاسم ( المهيمن ) أن يعلم، هو يعلم علماً مطلقاً، يعلم الظاهر والباطن، يعلم ما تعلم وما لا تعلم، يعلم ما تعلم وما خفي عنك، لا تخفى عليه خافية.


3 – القادر على كل شيء:
أيها الإخوة، ومن معاني اسم ( المهيمن ) القدرة، يعلم ويقدر، والقدرة لها معنيان، القدرة علم وقوة، قد تعلم وأنت ضعيف، لا تملك أن تفعل شيئاً، وقد تكون قوياً وأنت لا تعلم، بنو البشر منهم من يعلم وهو ضعيف، ومنهم لا يعلم وهو قوي، لكن الله عزوجل هو ( المهيمن )، فضلاً عن أنه يعلم كل شيء، يعلم كيف يعالجك.
أحياناً هذا المريض معه التهاب معدة حاد، الآن الطبيب يعلم الدواء، وعنده قدرة بإقناع المريض أن يأخذ الدواء.
فالله عز وجل فضلاً عن أنه يعلم العلاج، يعلمه علماً، ويملكه قدرة، إذاً: هو سبحانه ( المهيمن ) بالقدرة التامة على تحقيق مصالح من يهيمن عليه، فأنت قد تعلم، وقد تقدر، أما المصير فليس بيدك، لكن الله يعلم، ويقدر، وعلمه وقدرته مستمران، والمصير بيده.
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
( سورة الشورى )
هذا العلم الشمولي، يعلم، ويحقق مصالح الذي يهيمن عليهم تحقيقاً تاماً، عن طريق علم دقيق، وقدرة بالغة، ثم المصير بيده، والمآل إليه.
أيها الإخوة، معنى ذلك أن الله ( المهيمن ) لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لقدرته، ومصير كل شيء إليه، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
إلى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
مصيرنا إليه.
والله أيها الإخوة، لو تأملنا في القبر، وأنك متحوِّلٌ من بيت 400 متر، له إطلالة، ومركبة فارهة، ودخل فلكي، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، وفجأة إلى قبر، هذا القبر قد يكون جنة، لكن بالعمل الصالح، بالعطاء، بالبذل، بالاستقامة.
إذاً: الله ( المهيمن )، أي لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لقدرته، ومصير كل شيء إليه.


4 – المهيمن هيمنة شفقةٍ ورحمةٍ:
إلا أن الهيمنة فيها معانٍ أخرى، ليست هيمنة سيطرة، ولكنها هيمنة شفقة.
لو أن الابن ارتفعت حرارته، ترى الأم محيطة به، تتابع قياس درجة حرارته، تتصل بالطبيب، تأتي بالدواء، تعطيه الدواء بدقة بالغة، هذا الاهتمام البالغ جعلها مهيمنة اهتمامها، ورحمتها، وحرصها على صحة ابنها.
لا تأخذوا الهيمنة كموضوع سيطرة، الأب المربي مهيمن على أولاده، أين كنت ؟ من صادقت ؟ ما اسم صديقك ؟ لماذا تأخرت ؟ ماذا فعلت ؟ هل درست ؟ أين وظائفك ؟ من شدة الحرص على مستقبل ابنه، وعلى سلامته وسعادته في الدنيا ترى الأب مهيمنًا، أما الأب الذي يسيب ويغفل عن أبنائه فهو أب ليس رحيماً، لا يسأل أين كان الابن، البارحة ما نام في البيت، خير إن شاء الله ! هذا ليس أباً، أين نمت ؟ مع من ؟ لن تكون مهيمناً بالمعنى الكامل إلا إذا كنت رحيماً، و من لوازم الرحمة الهيمنة، والدقة.
الذي عنده بنت، البنت غالية جداً، يعلم بالضبط برنامجها في الجامعة، تأخرت، سبب الهيمنة الحب، و الرحمة، و الحرص، و الكمال.
هذا مفهوم بشري، هذا مفهوم ضيق، هيمنة الله على خلقه لأنه رحمن رحيم و هيمنة الله عز وجل هيمنة رحمة، لأنه ارحم بنا بأنفسنا، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أقرب الخلق إليه فهو أرحم الخلق بالخلق.
إذاً: من المعاني الفرعية لاسم ( المهيمن ) الحب والشفقة.

5 – المحافِظُ على المهيمَن عليه:
أيها الإخوة، ومن معاني الهيمنة المحافظةُ على المهيمَن عليه، يضبط كل شيء، ماذا تأكل ؟ كل في البيت، طعام البيت مضمون، طعام الطريق غير مضمون، لا يسمح لابنه أن يأكل شيئاً، بل يضبطه.
إذاً: من معاني الهيمنة الفرعية الحب والشفقة والضبط.
أيها الإخوة، المعنى الثاني المحافظة على المهيمَن عليه، ضبط كل شيء، أنت حينما ترى أن الله يتابعك، وأن الله يحاسبك، وأن الله يعاقبك أحياناً، هذه هيمنة، هيمنة حرص، وهيمنة محبة، وهيمنة رحمة.

6 – مَن كان مع ( المهيمِن ) كان المنتصِرَ:
الآن من معاني ( المهيمن ) أن الذي مع ( المهيمن ) هو المنتصر، الله عز وجل وهو ( المهيمن ) قال:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 276 )
فإذا كنت مع ( المهيمن ) طائعاً فمالك محفوظ، لأنك ابتعدت عن الربا، والذي لم يعبأ بها الأمر سوف يدمر ماله، فإذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر، الله عز وجل وعدك بحياة طيبة، فإذا أطعته فلك الحياة الطيبة، والذي لم يعبأ بأمر ( المهيمن )، ولم يستقم على أمره فله معيشة ضنك، فأنت حينما تكون مع ( المهيمن ) فلك النصر، ولك التوفيق، و لك المستقبل، وأنت الذي تضحك آخراً، والبطولة لا أن تضحك أولاً، أن تضحك آخراً.
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
( سورة الانشقاق )
أما المؤمن:
﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
( سورة الانشقاق )
الضحك الحقيقي هو ما كان في آخر المطاف.
أيها الإخوة، إذاً الهيمنة من معانيها الكبرى العلم، والقدرة، والمصير، علم وقدرة، ومصير، من معانيها الفرعية: الشفقة والرحمة، والأمانة والضبط، ثم الاستمرار والنصر.
بعضهم شبه الهيمنة كطائر يطير حول أفراخه، يحفظهم من كل عدوان، يؤمِّن لهم طعامهم، وشرابهم، وعشهم، ويراقبهم، هذا المعنى دقيق جداً كهيمنة الطائر على فراخه.

7 – ( المهيمِن ) يأمَن المخلوق من الخوف:
شيء آخر، ( المهيمن ) قوي، ولأنه قوي أمِن مَن حوله من الخوف.
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
إذاً: ( المهيمن ) من يأمن غيره، وهذا يلتقي مع اسم المؤمن، ( المهيمن ) يأمن من يهيمن عليه.
لاحظ ابنًا مع أمه، مطمئن، ما عنده مشكلة إطلاقاً، يشعر بالأمن، لأن أمه حريصة عليه حرصاً لا حدود له.


تعرُّض المؤمنين للبلاء من حكمةِ ( المهيمِن ):


عندنا حالة لا بد من أن تعالج، إنْ ترَك ربنا ( المهيمن ) بعضَ المؤمنين للبلاء، أو عدو، أو ظالم، أو مسيطر، لمَ ؟ لحكمة بالغةٍ بالغة، علِمها مَن علِمها، وجهلها مَن جهلها، الآية:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
إخواننا الكرام، لو تصورنا صاحب محل تجاري، يأتي إلى المحل قبل أي موظف، يفتح المحل بيده، ويجلس وراء الطاولة، ومكان المال تحت سيطرته من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، هؤلاء الموظفون أمناء أم خائنون ؟ لا مجال متاح لهم أن يمتحَنوا إطلاقاً ما دام يدخل أول إنسان، ويجلس وراء الطاولة، ومكان المال تحت سيطرته من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، هل تقول: هؤلاء الموظفون أمناء أم غير أمناء ؟ لا نعلم.
الآن الأسواق المتطورة لو لم تدفع ثمن البضاعة يصدر صوت عند الخروج ، هؤلاء رواد هذا السوق أمناء لم يتح لهم أن يمتحنوا إطلاقاً.
لذلك ربنا لحكمة بالغة يتغافل، لو أن صاحب المحل أراد أن يمتحن هذا الموظف أبقى الدرج مفتوحًا، وفيه أموال، وذهب إلى جاره المقابل له، وعينُه على الموظف ، والموظف يظن أن صاحب المحل قد خرج، والدرج مفتوح، الآن هذا التغافل ليس غفلة، و فرق كبير بين الغفلة والتغافل، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
تتوهمه غافلا، وهو ليس:
﴿ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
لولا أن الله في وهم بعض الناس يتغافل لما كُشف الإنسان.
فهذا الموظف متى يكشف ؟ حينما يترك صاحب المحل مقعده وراء الطاولة والدرج مفتوح، وفيه أموال، ويذهب إلى المحل المقابل، ولا ينتبه الموظف أين ذهب صاحب المحل، الآن إما أن يمد يده، ويأخذ أو لا يأخذ.
إذاً: الآية دقيقة جداً، بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي نهي لشيء مستحيل، هل يمكن أن يصدر قرار بعدم إطفاء الشمس مثلاً ! هذا كلام مضحك، لأنه شيء مستحيل.
من لوازم النهي أن يكون المنهي عنه قابلاً للفعل، الله عز وجل ينهى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾
لأن معظم الناس الآن يتوهمون أن الله غافل، يقول لك: أين الله ؟ شعوب إسلامية تُقتل، تؤخذ ثرواتها، يُقتل أبناؤها، أين الله ؟ يتوهمه غافلاً:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
فهذا التغافل لا يتناقض مع ( المهيمن )، لحكمة بالغة، لأن الله عز وجل خلقنا ليمتحننا.
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
أيها الإخوة، ( المهيمن ) هو المحيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، محيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، وهو على كل شيء قدير ، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ولا يعجزه شيء، ولا يفتقر إلى شيء.
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
( سورة الشورى )
أنت تعظم ( المهيمن )، إذا عبدت الله فأنت مع ( المهيمن )، يقول لك: يا أخي دولة عظمى ! تملك أسلحة نووية، وأقمارًا صناعية، وأموالا طائلة، و جيشًا مخيفًا، و أسلحة فتاكة، إذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر.
إذاً: ( المهيمن ) محيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، هو على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ولا يعجزه شيء، ولا يفتقر إلى شيء :
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
أنت تعتز بالله عز وجل، أعداءك الأقوياء بيد الله عز وجل، في قبضته، الآية واضحة:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
و ( المهيمن ) هو الرقيب على كل شيء، والحافظ له، والقائم عليه، رقيب وحافظ، وقائم.
﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 48 )
كتابنا الكريم مهيمن على كل الكتب السابقة، لأنه آخر الكتب وخاتمها.


الآيات القرآنية المتصلة باسمِ ( المهيمن ):
من الآيات التي تتصل بهذا الموضوع:

الآية الأولى:
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة سبأ )
يعلم دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.


الآية الثانية:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
( سورة طه )
أنت لك دخل معين، لو معك مئة مليار، كيف تكون ؟ لا أحد يعلم، هل تأتي إلى المسجد ؟ لا أعرف، هذا معنى قوله:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

الآية الثالثة:
آية أخرى متصلة في هذا الموضوع:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾
شيء هي أوسع كلمة تعبر عن أدق شيء:
﴿ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

الآية الرابعة:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
( سورة غافر الآية: 19 )
أنت جالس في غرفة، والنافذة تطل على بناء مواجه للغرفة، وامرأة فتحت النافذة بثياب متبذلة، أنت تستطيع أن تغض بصرك، و تستطيع أن تملأ عينيك من محاسن هذه المرأة، مَن الذي يعلم في الأرض هذه الخيانة ؟ المؤمن يغض بصره، وهو وحده في الغرفة، ولا أحد يطلع عليه.
طبيب يعالج امرأة، من حقه أن يعالج موضع الداء، لو اختلس نظرة إلى مكان آخر مَن يعلم ذلك ؟
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
الذي يعلمه الله لا يمكن لمخلوق أن يعلمه:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
أوضح شيء في نهار رمضان في أيام الصيف الحارة، العطش لا يحتمل، وأنت في البيت وحدك، لو دخلت إلى المطبخ، وتناولت كأس ماء مَن يعلم بذلك ؟ الصيام عبادة الإخلاص.



خاتمة:


لذلك أيها الإخوة، إذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر، وأنت المحفوظ، وأنت الموفق، وأنت السعيد، بشكل طبيعي الإنسان ينضم إلى القوي، والله عز وجل أقوى الأقوياء.
(( أنا الله لا إله إلا أنا، مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء، وادعوا لهم بالصلاح، فأن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-10-2018, 08:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم





(35)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



مِن أسماء الله الحسنى: ( الخالق ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( الخالق ).



1 – ورودُ اسم ( الخالق ) في القرآن الكريم:


هذا الاسم ورد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ورد في قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

( سورة الحشر الآية: 24 )
وورد أيضاً في قوله تعالى:
﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة فاطر الآية: 3 )

أيها الإخوة، اسم ( الخالق ) يعني أن الله أوجد كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، بينما إذا وصف الإنسان مجازاً بأنه خالق بمعنى أنه صنع شيئاً واحداً من كل شيء، وعلى مثال سابق، والفرق كبير بين أن تصف الذي خلق السماوات والأرض بأنه خالقُ كلِّ شيء مِن لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وبين إنسان صنع شيئاً مِن كل شيء، وعلى مثال سابق.




2 – ورودُ اسم ( الخالق ) في السنة النبوية:


أيها الإخوة، هذا الاسم ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ... ))

[ مسند أحمد ]
وفي حديث آخر صحيح:

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

[أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري ]



كن مع الخالق ولا تخشَ أحدًا :




كنت ذكرت لكم من قبل أن الإمام الحسن البصري كان عند والي البصرة، فجاء توجيه من الخليفة، لو نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، فوقع الوالي في حرج شديد، فقال مستنصحاً الإمام الحسن البصري: ماذا أفعل ؟ قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
لأن الخالق يمنعك من المخلوق، بينما المخلوق لا يمنعك من الخالق، والإنسان كما تعلمون في قبضة الله عز وجل، سمعك بيده، بصرك بيده، ضربات قلبك بيده، ذاكرتك بيده، حركتك بيده، مَن حولك بيده، مَن فوقك بيده، مَن دون بيده، إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ))

[ الترمذي ]
إخوتنا الكرام، هناك حقيقة دقيقة: لو كنت في مكان، وبحسب معطيات البيئة والظرف والعصر، أو بحسب قوانين حركة الحياة هناك أشياء إن فعلتها قوي مركزك، وأشياء إن فعلتها ضعف مركزك، وهناك إنسان في منصب بحسب حركة الحياة والقوانين المستنبطة من حركة الحياة، هذه القوانين تعني أنك إذا فعلت كذا وكذا قوي مركزك، وإن فعلت كذا وكذا ضعف مركزك، الآن لو كنت في هذا المكان، وفي هذا المنصب، وجاءك توجيه ممّن هو فوقك، بما يسخط الله، ما الذي يحصل ؟ أنت بحسب قوانين حركة الحياة المستنبطة من معطيات هذا المكان، وهذه البيئة، وهذا المجتمع يضعف مركزك، فإذا وضعت مصلحتك تحت قدمك، وأرضيت الله عز وجل، وابتغيت رضوانه وجنته، ما الذي يحصل ؟ يحصل أن الله يخضعك لقانون العناية الإلهية، فيزداد منصبك قوة عند مَن هو فوقك، هذه عناية خاصة، هذا معنى قول النبي الكريم:

(( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومن أسخط الله برضا الناس وكّله الله إلى الناس ))

[ أخرجه ابن حبان عن عائشة أم المؤمنين ]
بالمعنى الدقيق: لا إله إلا الله، لا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها.

(( من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]
مرة ثانية: هذا كلام دقيق جداً يحتاجه كل إنسان، بل كل مَن رفعه الله، بل كل مَن مكَّنه الله في الأرض، إن عملت عملاً بحسب معطيات بيئة هذا المكان، أو بحسب قوانين الحياة المستنبطة من هذا الظرف، وهذه البيئة، لو عملت عملاً في الظاهر يضعف مركزك، لكنه يرضي الله، فالله عز وجل يكافئك بمكافأة خاصة، يخضعك إلى قانون العناية الإلهية، فإذا بهذا العمل الذي في الظاهر يسخط مَن هو فوقك، فإذا بهذا العمل يقوي مركزك عند مَن هو فوقك، كيف ؟ لا نعلم.
المؤمن عنده جهة واحدة يخاف منها، هي الله، يخاف من الله، ويرجو ما عند الله، ويبتغي رضوان الله، ويقبل على الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، هذه هي الحرية.


مِن معاني ( الخالق ) الشرعية :


1 – التقدير الصحيح:


أيها الإخوة، معاني هذا الاسم، هو في الصياغة اسم فاعل، من خلق، يخلق خلقاً، فهو خالق اسم فاعل، قال تعالى:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾

( سورة السجدة )
والخلق بمعنى المخلوق، هذا معنى جددي، الخلق بمعنى المخلوق، قال تعالى:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )
هذه مخلوقات الله، فالخلق بمعنى المخلوق.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )
الله عز وجل أعطاك كِلية بحجم البيضة، تعمل بصمت، بينما صنعَ الإنسانُ كِلية صناعية بحجم هذه الطاولة، وتحتاج أن تستلقي على السرير ساعات قد تصل إلى ست ساعات، في الأسبوع ثلاث مرات، ومع ذلك الدم لا يصفَّى تصفية تامة، بل تبقى بعض المواد الضارة تسبب ضيقًا في التعامل، وألمًا، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل لك هذه الكِلية التي تعمل بانتظام، وبلا صوت، وبلا اقتطاع من قوتك:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
إن أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، في الميلميتر المربع منها عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما في شبكية العين الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي، لذلك العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون ك

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

أيها الإخوة، الخلق من معاني الخلق التقدير الصحيح.




2 – الإيجادُ مِن عدم على غير مثال سابق:


من معاني الخلق إبداع الشيء من غير أصل، ولا مثال سابق، وإيجاد شيء من لا شيء.



3 – من معاني الخلق لغةً الكذب:


من معاني الخلق الكذب.

﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 17 )
أي تكذبون على الله.
﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

يعني إن هذا إلا افتراءات الأوّلين.




4 – تقديرُ الأمور وتنفيذُها:


أيها الإخوة، الخلق بمعنى تقدير الأمور، وتنفيذها، التقدير أولاً والتنفيذ ثانياً.

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ ﴾

( سورة المؤمنين الآية: 14 )

تخطيط وتنفيذ.




مراحل الخَلق:


من مراحل الخلق، أنّ ( الخالق ) يقدِّر أولاً بعلم مسبق، ثم يقدر، بمعنى يوجِد، ويصنع، ويكوِّن، على كلٍ أيّ مخلوق مهما عظُم شأنه، أو دقَّ حجمه لا بد من أن يمر بأربع مراتب.



المرحلة الأولى:



المرحلة الأولى: علم الله السابق، هناك علم أزلي، وعلم الله السابق تقدير كل شيء قبل تصنيعه، وتنظيم الأمور قبل إيجادها بعلم الله السابق.



المرحلة الثانية:



والمرحلة الثانية: مرحلة الكتابة، كتب كل ما يخص كل مخلوق في لوح محفوظ، وفي هذا اللوح تفاصيل كل شيء، إيجاداً، ونشأة، وإعداداً.



المرحلة الثالثة:



والمرحلة الثالثة: مرحلة القدر، وهي مرتبة تقابل مرتبة المشيئة.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]



المرحلة الرابعة:



والمرحلة الرابعة: مرحلة خلق الأشياء على خصائصها، وصورها التي هي عليها علم أزلي.
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 54 )

في اللوح المحفوظ، مرحلة التقدير، مرحلة التصنيع.




الخالق وحده الذي يجب اتباع أوامره:

أيها الإخوة، الحقيقية الأولى الدقيقة: أن الخالق هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة.
بشكل طبيعي، كل واحد منا يشتري آلة قد تكون غالية الثمن، وقد تكون معقدة التركيب، وقد تكون عظيمة النفع، فمن حرصه اللامحدود على سلامتها، وصيانتها وأدائها الأداء الأمثل لا يستخدمها قبل أن يقرأ تعليمات.
وأقول لكم أيها الإخوة: الإنسان أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فمن باب الحفاظ على سلامة الإنسان، ومن باب الحفاظ على سعادته، ومن باب أداء المهمة التي خُلق من أجلها، لا بد من أن يتبع هذا الإنسان تعليمات الصانع، لأن كل إنسان مفطور على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده.
على سطح الأرض ستة آلاف مليون إنسان، ما منهم واحد إلا وهو مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، وسلامة الوجود، وكمال الوجود، واستمرار الوجود منوطةٌ بتطبيق تعليمات الصانع.
من باب محبتك لذاتك لا تحب أحداً، أحب ذاتك، طبق تعليمات الصانع، لأن الصانع هو الجهة الخبيرة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

( سورة فاطر )



علاقةُ الطاعة والمعصية بثمارهما علاقة سببٍ بنتيجةٍ:

بل إن العلاقة بين طاعة الله، وبين ثمار هذه الطاعة علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة، والعلاقة بين معصية الله ونتائج هذه المعصية علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة.
للتوضيح: لو أن طفلاً وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، نقول: العلاقة بين احتراق اليد ووضع اليد على المدفأة علاقة علمية، أيّ طفل في أيّ مكان بالعالم، في أيّ وقت، في أيّ زمان، في أيّ مكان، إذا وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، هذه علاقة علمية.
لو أن الأب منع ابنه من الخروج من هذا الباب، وفي للبيت بابان، ارتأى الأب أن يغلق الباب الثاني إغلاقا تامًّا، وأن يستخدم الباب الأول، لو أن طفلا فتح الباب الثاني، وخرج منه استحق العقاب، لكن ليس هناك علاقة علمية بين هذا الضرب الذي تلقاه من أبيه وخروجه من هذا الباب، لأن الباب صُنِع للخروج أيضاً، نقول: هذه علاقة وضعية، الأب وضعها.
لذلك رماة أُحد الذين عصوا رسول الله صلى عليهم، لأنهم عصوا أمراً تنظيماً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، وثمة فرق بين أن تعصي أمراً تنظيمياً، وأن تعصي أمراً تشريعياً، الله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )
إن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة.
هناك مثَل من واقعنا: لو عندك حاسوب من أعلى مستوى، من أرقى شركة، ولهذه الشركة ورشة صيانة في بلدك، هذا الحاسوب أصابه خلل، ولك جار تحبه كثيراً يبيع خضراوات، هل تدفع هذا الحاسوب إليه لتصليحه ؟ مع أنك تحبه، تحبه، ولكنه لا علاقة له بدقائق صنعة هذا الحاسوب، تأخذه إلى الجهة الخبيرة، والآية واضحة جداً:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

أنت أيها الإنسان، حينما تطيع الله معنى ذلك أنك تحب نفسك، لأن الله هو الخبير، قال لك: اضبط لسانك ليعلوَ مقامك، قال لك: كن أميناً يثق الناس بك، قال لك: غض بصرك تسعد بزوجتك، حرر دخلك يبارك الله لك بمالك.
العلاقة بين الأمر ونتائجه وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، بمعنى أنه لو جاء ملحد وطبق منهج الله يقطف ثماره، لذلك إيجابيات العالم الغربي أكثرها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله، لكنهم أذكياء، اكتشفوا أن هذه الأعمال تجعل هذا الإنسان يرتبط بهذه الجهة.
لذلك أنا أقول دائماً: أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، وخذ منه كل شيء، أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، أعطه حاجته، ومكانته، وخذ منه كل شيء.




منهج الله موضوعي، مَن طبَّقه قطف ثمارَه:

هذه الحقائق جاءت في القرآن الكريم، لكن الذكي يكشفها من دون هذا الكتاب، فلذلك أحياناً الإنسان الذي شرد عن الله، دون أن يشعر يطبق تعليمات الخالق، لا من باب عبادته، ولا من باب التقرب منه، ولكن ذكاءه هداه إلى أن هذا العمل لمصلحته، فإذا ذهب الإنسان إلى بلاد الغرب، ورأى دقة، وصنعة متقنة، والإنسان محترم، هذه كشفت بالفكر البشري.
إنّ إيجابيات العالم الغربي إسلامية من دون أن يكون هؤلاء مسلمين، ومنهج الله عز وجل منهج موضوعي، لو طبقه إنسان ليس موضوعياً بخالق هذا الكون، يقطف ثمار هذا المنهج، لكن:

﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102 )
يعني بشكل أو بآخر، لو جئنا بإنسان يدير مؤسسة، يحمل أعلى اختصاص في إدارة الأعمال، وراقبناه، ثم جئنا بإنسان مؤمن، إيمانه من أعلى مستوى، وراقبناه، نكتشف اكتشافًا عجيبا، أن الأول الذي درس إدارة الأعمال يشبه في فعله الثاني الذي كان عابداً لله، الإدارتان تتشابهان من حيث النتائج، وتفترقان من حيث البواعث، المؤمن يطيع الله عز وجل، فيربح الدنيا والآخرة معاً، غير المؤمن يطبق هذه التعليمات، لأنها موضوعية، فيربح الدنيا، إذا ربح الغربيون الدنيا لأنهم طبقوا التعليمات الصحيحة، وإذا خسرنا الدنيا، ونحن معنا وحي السماء، لأننا خالفنا هذه التعليمات.
أيها الإخوة، الآية الدقيقة جداً:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
الآية الثانية:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
الآية الثالثة:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 4 )
الآية الرابعة:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه )
كلام خالق الأكوان، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه.
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )
لو جمعنا الآيتين، لكان الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا ؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.



خاتمة:


الملخص أنك إذا أحببت نفسك فقط، ينبغي أن تطبق تعليمات الصانع، لأنه:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب )
فاز في الدنيا والآخرة.
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )
وعطاء الله لا يحد بحدود، وفي الحديث الصحيح عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))

[ أخرجه ابن ماجه ]
المفعول به محذوف، وإذا حذف المفعول أطلق الفعل:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))
لن تحصوا الخيرات، يا ترى راحة نفسية، وسلامة جسدية، ووفاق أسري، وابن بار، وسمعة طيبة، وسرور:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-10-2018, 08:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(36)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



مِن أسماء الله الحسنى: ( المصوِّر ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المصوِّر ).



1 – ورود اسمِ ( المصوِّر ) في القرآن الكريم:


لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم إلا في آية واحدة، وهي قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

( سورة الحشر الآية: 24 )




الخالق البارئ المصوِّر :




وقد ذكرت لكم أن الذين فسروا أسماء الله الحسنى جرت العادة عندهم هذه الأسماء الثلاثة معاً، ( الخالق )، ( البارئ )، ( المصوِّر )، وقد بينت سابقاً أن الخالق يخلق كل شيء من لا شيء، على غير مثال سابق، بينما المخلوق إذا عُزي إليه الخلق في نص الآية الكريمة حيث قال:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )
إذا عُزي الخلق إلى الإنسان فهو يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق ، أما البارئ فهو خلق، لكن على نحو معين فيه الحكمة البالغة، وقد بينت لكم أيضاً أن الآية الكريمة:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

( سورة الأعلى )

هذا الخلق بطريقة، أو بخصيصة تكون كاملة ينتفع بها الآخر.




2 – اسم المصوِّر أثره في المرحلة الثالثة بعد الخالق والبارئ:


أما ( المصوِّر ) فمرحلة ثالثة، خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، والذي خلقه خلقهُ على نحو كامل، ينتفع به، كالماء الذي نشربه، أودع الله فيه خصيصة، وهي أنه إذا برّدناه، ووصلنا في التبريد إلى درجة زائد أربع، فإنه بدل أن ينكمش يتمدد، وبهذا التمدد يصلح الأمر، ولولا هذا التمدد لما كانت حياة على وجه الأرض.
فالبارئ غير الخالق، خلق الخلق على نحو معين، فيه الحكمة البالغة، وفيه التقدير التام، وفيه العلم المطلق.
أما ( المصوِّر ) فهذا الشيء الذي خلقه على نحو معين أعطاه صورة.
للتوضيح: البناء يكون في الأصل على الهيكل، إسمنت، بعد الإسمنت يُكسى، بعد الكسوة يزيَّن، بالطلاء الخارجي، والرخام، والبلّور، هذه صورة، البناء في الأصل إسمنت مسلح، هيكل إسمنتي، لكن الأبنية الحديثة لها صور رائعة جداً، أحياناً كل البناء بلّور من الخارج، ينظف باستمرار.
إذاً: ( المصوِّر ) بعد الخلق و البرء تكون الصورة، والآية الكريمة:
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾



مِنَ الآيات الداعمة لمعنى ( البارئ ):




من الآيات الداعمة لهذا المعنى:

الآية الأولى:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 11 )
أحياناً تطَّلعون في بعض الصور المدرسية على إنسان على شكل عضلات فقط، منظره مخيف، لو رأيت وجه إنسان بلا جلد، العضلات مخيفة، يأتي هذا الجلد الأملس المشدود، شيء رائع جداً، الجمال كله في هذه الصورة.
الآية الثانية:

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

( سورة غافر الآية: 64 )
الإنسان متناظر، يكفي أن يأخذ الخيّاط طول اليد اليمنى، اليسرى مثلها تماماً، لوجود التناظر، والجمال، والجلد، وهناك عين لها لون خاص، وشعر له لون خاص:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾
لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر إلى نفسه في المرآة كان يدعو ويقول:

(( الحمد لله الذي حسن خَلقي وخُلقي ))

[أخرجه أبو يعلى عبد الله بن عباس ]
انظر إلى ابنك الصغير، بهذا الجمال الأخاذ، مَن صوَّره بهذه الصورة ؟ عيون متناظرة، واسعة، خدٌّ أسيل، فيه تورّد أحياناً، شعر بلون رائع:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

الآية الثالثة:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة الانفطار )
العادة أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان، إما يخاطب عقله أو يخاطب قلبه، لكن هذه الآية الوحيدة التي فيها خطاب للعقل والقلب معاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
هذا خطاب للقلب.

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول
***

﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
لمَ لا تتوب ؟
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 13 )

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمـري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لمـن يحب يطيـع
***
إذاً: يخاطب الله في هذه الآية قلب الإنسان:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
والآن يخاطب عقله:
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

( سورة الانفطار )

لا شك أن بعضكم ممن تقدمت به السن، يعلم أو يرى من قبلُ المركبة التي صنعت في 1910، التشغيل من الأمام، والإضاءة بفانوس يُشعل، والبوق بآلة بدائية على الضغط الهواء، والعجلات ليس فيها هواء، ليس هناك ماصات للصدمة إطلاقاً، والمحرك حركة واحدة، وازن بين مركبة صنعت في عام 1910 ومركبة صنعت في السنة الثامنة بعد الألفين، الفرق يكاد لا يصدق، يقول لك: ( فول أوبشن )، أي أنها كاملة، ماذا يعني ذلك ؟ أن الإنسان خبرته تتنامى، هل سمعتم أن إنسانا في الأربعينيات كان بوضع ووفي الخمسينيات تعدّل ؟ أضيفت له زيادات، أصابه تطوّر ؟ أبداً، ماذا يعني ذلك ؟ أن خبرة الله قديمة، قدم وجوده، وخلقه كامل مرة واحدة.




3 – من معاني ( المصوِّر ):


لذلك: ( المصور ) اشتقاقاً اسم فاعل مِن صوَّر، يصوِّر فهو مصوِّر، والمصدر تصوير.



المعنى الأول:



ومعنى صوّر الشيء لغةً: جعل له شكلاً خاصاً معروفاً.
الأب الذي عنده عدة أولاد، كل ولد صورة، من حيث اللون، من حيث الطول، من حيث شكل الوجه، هناك وجه دائري، ووجه مستطيل، وهناك شعر أسود، وشعر أشقر، فجعل الله للشيء شكلاً خاصاً معروفاً.



المعنى الثاني:



هناك معنى آخر: صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره.
لاحظ صنعة الإنسان القطعُ كلّها متشابهة، ما لها شخصية، علب الطعام متشابهة تماماً، عبوات الأغذية متشابهة تماماً، أما الإنسان فليس هناك في الستة آلاف مليون إنسانٌ يشبه الآخر، لا بشكله، ولا بطوله، ولا بلونه، ولا بملامح وجهه، ولا بطريقة مشيه، ولا بطريقة كلامه، ولا بنبرة صوته.
قال بعض العلماء: " والله يا رب، لو تشابهت ورقتا زيتون لما سمِّيتَ الواسع.
أيها الإخوة، صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره، هذه روعة في الخَلق، نحن نحتال على ذلك فنعطي رقما للقطعة، المركبة لها رقم، الرقم يميزه، أما الله عز وجل فيعطيك ملامح خاصة، أنت فرد.



المعنى الثالث:



أو صوّر الشيء جعله على شكل متصور، أما الذات الإلهية فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

﴿ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 143 )

مخلوقات الله عز وجل بإمكانك أن تتصورها.




المعنى الرابع:



أيها الإخوة، قال العلماء: الله ( المصور ) أيْ صوّر المخلوقات بشتى أنواع الصور، فهناك صور جلية، وصور خفية، فأنت تمسك كأس الماء لتشربه، ماء صافٍ عذب زلال، لو وضعت هذا الماء تحت مجهر لرأيت ملايين َملايين ملاَيين البكتريا، فالصورة الجلية أنه ماء صافٍ، والصورة الخفية أن هذا الماء فيه مليارات البكتريا النافعة والضرورية.
الصور الظاهرة جلد أبيض، ثقيل، جميل، رائع، لو وضعت هذا الجلد على مبكر، أو على مجهر إلكتروني، التلال، والوديان، والحفر، وأفواه البراكين، والشعر كأنه غابة، اختلف الوضع، في صورة ظاهرة، وفي صورة حقيقية، فالله عز وجل خلق المخلوقات بشتى أنواع الصور، في صورة جلية، وفي صورة خفية، في صورة حسية وفي صورة عقلية.
ِإنسان قد يرى من الخارج بيتًا يأخذ بالألباب، ويكون صاحبه تاجر مخدرات، بنى ثروته على إفساد أخلاق الشباب، الصورة الظاهرة بيت فخم جداً، يشتهي كل إنسان أن يكون فيه، أما الصورة الباطنة فهو بيت بني على إفساد الشباب، وتدمير الأسر، وابتزاز الأموال، وقد تدخل بيتًا صاحبُه إنسان مؤمن متواضع، بيت بسيط، مساحته صغيرة، ليس فيه أثاث فخم، فالصورة الظاهرة متواضعة جداً، لكن وراء هذه الصورة المتواضعة إنسان مستقيم، إنسان معطاء، إنسان بنى حياته على العطاء، بنى حياته على إكرام الناس، على إلقاء الأمن في قلوبهم، والهدى والرحمة في مشاعرهم.



التعلُّق بالحقائق لا بالصور والمظاهر:




هناك صورة جلية، وصورة خفية، لذلك بطولة المؤمن أنه لا يتعلق بالصورة الظاهرة، لا يؤخذ ببت فخم اشتري بمال حرام، لا يؤخذ بمركبة فارهة، ركبها صاحبها، وقد ابتز أموال الناس، هناك صورة ظاهرة، وصورة خفية، وصورة حسية، وصورة عقلية.
مرة حدثني أخ له أستاذ في الجامعة تقاعد، أستاذ من أساطير العلم، تقاعد وانحنى ظهره، وضعف بصره، وكان في وضع صعب في آخر حياته، دخل إلى مسجد فرآه يصلي، فهرع إليه، وسلم عليه بأدب جم، صديقه معه، قال له: مَن هذا ؟ قال له: هذا عميد كليتنا، هذا مِن أعلم علماء النحو، هذا كذا، وهذا كذا، فالصورة الظاهرة إنسان متقدم في السن، منحني الظهر، يرى بصعوبة، يمشي بصعوبة، لكن هذا في حقيقته أكبر عالم في اختصاص معين.



المعنى الخامس:



أيها الإخوة، من معاني اسم ( المصوِّر ) أن الله يبدع صور المخلوقات، ويزينها بحكمته، ويعطي كل مخلوق صورته، كل واحد له صورة.
أؤكد مرة ثانية أن هناك صورًا ظاهرة ينبغي ألا نؤخذ بها، كان عليه الصلاة والسلام كلما رأى شيئاً من الدنيا يقول:
(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

الغنى والفقر بعد العرض على الله، وقد إنسان يرى بيتاً فخماً، أو سيارة فارهة ، يرى حديقة غناء، أو مزرعة جميلة، يرى طعاما، يرى أماكن جميلة، الدنيا ترقص الآن ، والفتن يقظة، والدنيا حلوة نظرة، لكن سمّها في دسمها، ونساءها تغوي وتردي، وتشقي أحياناً، والمرأة المتفلتة التي لا ترعى قيمة، ولا منهجاً، ولا شرعاً، بل تؤذي غيرَها.
أريد أن أقول لكم: بطولة المؤمن أنه يتعامل مع حقائق الأشياء لا مع صورها، لكن قال بعضهم: " ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا "، ولا مانع في ذلك.




الحظوظ الدنيوية موزَعة توزيع ابتلاء:




أيها الإخوة، هناك نقطة دقيقة جداً في هذا اللقاء الطيب: أن الحظوظ: الوسامة حظ، امرأة بارعة الجمال يتهافت عليها كل الرجال، تخطب في سن مبكرة جداً، وهناك امرأة جمالها أقلّ مما ينبغي، وقد تكون عالمة، ومؤمنة، وطاهرة، هناك شيء تراه عينك على الشبكية، وشيء يدركه عقلك، أنا أرى امرأة طاهرة، عفيفة، مستقيمة، تعرف ربها، قلامة ظفرها أغلى من ملكات جمال العالم المتفلتات، البطولة أن تتعامل مع الحقائق.
قال لي أحدُهم: ذهبت إلى بلاد الغرب ماذا رأيت ؟ قلت له: والله على الشبكية إذا كان في الأرض جنة فهي هناك، على الشبكية فقط، الطرقات، الأبنية، الحدائق، وسائل المواصلات، المطاعم، المقاصف، شيء يصعب تصوره، في الدماغ جهنم أحياناً.
فبطولتك لا أن تتعامل مع ما ترى، أن تتعامل مع الحقيقة المُرّة، وقد تكون الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح.
لذلك أيها الإخوة، الحظوظ، الجمال حظ، قد يكون لونُ الإنسانِ يلفت النظر، أو طوله يلفت النظر، ولاسيما المرأة، فهذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وتوزيع امتحان، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
الغنى والفقر بعد العرض على الله، الجمال والقبح بعد العرض على الله، قد تأتي امرأة من مسيرة عشرة آلاف كيلومتر، من أجل أن تأخذ مبلغًا يسيرًا، وتعمل ليلاً ونهاراً، لكنها مسلمة، مصلية، طائعة، ترسل هذا المال لأهلها الفقراء، على الشبكية امرأة صغيرة الحجم، اللون غير مقبول، وضعها صعب، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل أن تطعم أهلها في بلدها البعيد، و امرأة أخرى تسكن قصرا جميلا، وتركب مركبة فارهة، جميلة جداً، الجمال والقبح متى ؟ بعد العرض على الله، كما قال الله عز وجل:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

( سورة الواقعة )
كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يصلي في بيته، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، لا بد من أن تنزاح جانباً حتى يصلي، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، أمين هذه الأمة سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، دخل بعض الصحابة إلى بيته في الشام، غرفة فيها قِدرٌ مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، وعلى الأرض جلد غزال يجلس عليه، قال له: ما هذا ؟! قال له: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلِّغنا المقيل.
أيها الإخوة، مرة ثانية الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والآية الكريمة:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 21 )
قد يكون مع شخص 90 مليارًا، وغيرُه ما معه ثمن لقمة طعام، وقد يكون بإمكانه أن يقصف هيروشيما بأمر، ويموت 600 ألف إنسان في ثلاث ثوانٍ، وغيره لا يستطيع أن يتحرر من سجنه:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
إنسان بأعلى درجة من الغنى، وغيرُه فقير جداً، وإنسانٌ صحيح وغيره مريض، وإنسان قوي وغيره ضعيف، وإنسان وسيم وغيره دميم، وإنسان ذكي جداً وغيره محدود:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾



وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً




الآن دققوا في الفصل التالي:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )
درجات الدنيا مؤقتة، ودرجات الآخرة أبدية.
أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، وأؤكد على هذا كثيراً: الحظوظ: الغنى، الوسامة، القوة، الصحة، هذه حظوظ، هذه توزع في الدنيا توزيع ابتلاء، لا تغتر بالمال، الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا تتألم إن لم تكن الصورة كما تتمنى، الجمال والقبح بعد العرض على الله، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والبطولة من له:
﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران )









والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-10-2018, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(37 )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( الجبَّار ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم (الجبار).



1 – ورودُ اسم ( الجبَّار ) في القرآن والسنة:


قد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
أيها الإخوة، وقد ورد في السنة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:

(( يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ، وَقَبَضَ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟... ))



2 – معنى اسم ( الجبَّار ):


أيها الإخوة، من معاني هذا الاسم:




المعنى الأول:


( الجبار ) هو صيغة مبالغة مِن جابر، جابر جبّار، كغافر غفّار، رازق رزّاق، صيغة مبالغة من جابر، وجابر الموصوف بالجبر، والجبر من جبر، يجبر، والجبر إصلاح الشيء بالقهر.
الله عز وجل جبَر الفقير أي أغناه، وجبر الخاسر أي عوّضه، وجبر المريض أي شفاه.



المعنى الثاني:


والجبار العالي على خلقه، والجبار الذي تنفذ مشيئته في خلقه، الله عز وجل لا غالب لأمره.

﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 41 )
أحياناً يصدر حكم من محكمة الصلح الأولى، الذي حُكم عليه يستأنف، فيصدر حكم من محكمة الاستئناف، الذي حكم عليه يستأنف، في محكمة النقض، لا غالب لأمره.

﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام ]
أنت مع من ؟ أنت مع ( الجبار )، أنت مع الذي إرادته نافذة، أنت مع الغالب على أمره.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 21 )

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/01.jpg
أنت كإنسان هل تستطيع أن تفعل كل إرادتك ؟ الله عز وجل:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
قام خطيب أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاء الله وشئت، فقال عليه الصلاة والسلام: بئس الخطيب أنت جعلتني لله ندا:

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
فإذا كنت مع ( الجبار )، فأنت القوي، إذا كنت مع ( الجبار ) فالمستقبل لك، إذا كنت مع ( الجبار ) فأنت المنتصر، إذا كنت مع ( الجبار ) تدور الأيام، ولا تستقر إلا على رفعة شأنك، لأن مشيئة الله نافذة في كل خلقه، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، يُجبر كل أحد، ولا يُجبره أحد.


المعنى الثالث:


و( الجبار ) هو الجبروت، كمالك الملك والملكوت، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء، والعظمة ))

[أخرجه أبو داود والنسائي عن وف بن مالك ]



3 – اسم ( الجبَّار ) من أسماء التعظيم والتنزيه:


اسم ( الجبار ) أيها الإخوة، من أسماء التعظيم، هناك اسم ذات، وهناك اسم صفة، وهناك اسم فعل، وهناك اسم تنزيه، وهناك اسم تعظيم، ( الجبار ) من أسماء التعظيم.
(( الكبْرِياءُ ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذَفْتُهُ في النار ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/02.jpg
لكن أحياناً لله عز وجل في خلقه امتحانات صعبة، من هذه الامتحانات أنه يقوي أعداءه، فيفعلون ما يقولون، فيتوهم ضعيف الإيمان أنهم آلهة، فينبطحون أمامهم، والحقيقة أن الله لا يسمح لأحد أن يأخذ اسم ( الجبار )، ولا اسم القهار، ولا اسم العزيز، لا بد من أن يقصمه الله، ولهذا قال الله عز وجل :
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 34 )
كيف أن للرجال أعماراً وللأمم أعماراً، فأية أمة طغت، وبغت، وتجبرت لا بد من أن يقصمها الله في وقت ما.
أيها الإخوة، اسم ( الجبار ) من أسماء التعظيم، وهو في حق الله من كماله، من دلائل عظمته، من قوته، لكن لو قلنا: فلان جبار، فهذا اسم نقص، وصفة نقص في الإنسان، يقول الله عز وجل:
﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾

( سورة غافر الآية: 35 )
لأن العبد عبد، والرب رب، العبد من شأنه الافتقار، حتى الأنبياء قمم البشر كانوا:

﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 )
هم مفتقرون في وجودهم إلى إمداد الله لهم، بل مفتقرون في تأمين طعامهم إلى المشي في الأسواق، إذاً هم عبيد، وعباد، لكن الله سبحانه وتعالى هو رب العباد، والعبيد شيء، والرب شيء آخر.


معنى ( الجبَّار ) عند الجبرية من أفسدِ المعاني :




أيها الإخوة، إلا أن ( الجبار ) عند فئة الجبرية، وهي فئة عقيدتها فاسدة، تتصور أو تتوهم أن الله يجبر عباده على أفعالهم، وأن الإنسان كريشة في مهب الريح.
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إيّاك إياك أن تبتل بالماء
هذه العقيدة تتناقض مع كمال الله، فكيف يجبر الله عبداً من عباده على معصية ثم يحاسبه عليها ؟ هذه عقيدة أهل الشرك، قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

( سورة الأنعام )




الإنسان مخيَّرٌ:

http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/03.jpg
فلو ألغينا حرية الاختيار في الإنسان لألغينا الثواب والعقاب، ألغينا الجنة والنار، ألغينا حمل الأمانة، ألغينا التكليف، ألغينا كل شيء.

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية، 29 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 148 )
أيها الإخوة

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 256 )
أصل التكليف أنك مخير، ولو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجز في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
تروي الروايات أن شارب خمر جيء به إلى سيدنا عمر بن الخطاب، فقال: << أقيموا عليه الحد، فقال هذا العاصي: يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>، أنت مخير.
إذاً: عقيدة الجبرية، وهي فئة زاغت عقيدتها، وتوهمت أن الله يجبر عباده على أفعالهم، ثم يحاسبهم عليها، وهذا شيء لا يُقبَل في حق إنسان.


المعنى الرابع:


أيها الإخوة، لو دخلنا في التفاصيل ( الجبار ) العالي، الذي لا يُنَال جانبه، ولا تستطيع أن تغلبه، العالي الذي لا ينال، في المعاجم نقول: نخلة جبارة أي لا يستطيع الإنسان قطف ثمارها، ونقول: ناقة جبارة أي يصعب ركوبها، المعنى الدقيق التفصيلي العالي الذي لا ينال، في القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 22 )
أي أقوياء لا يهزمون، إنسان جبار هذه صفة ذم فيه، الله جبار هذه صفة مدح ، إنسان جبار أي متعاظم، يتصنع العظمة، متكبر، لا ينقاد إلى أحد، أما الله الجبار فلا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار، ولا يصل إلى كنهه عقل من العقول، إذاً: هو من أسماء التعظيم، ومن أسماء التنزيه معاً.


4 – المؤمن قوي عزيز لأنه مع ( الجبَّار ):


http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/04.jpg
الإنسان بفطرته يحب أن يكون مع القوي، القوة تجذب، القوة تلفت النظر الإنسان يرمقون بأعينهم القوي، فالمؤمن أحد أسباب قوته أنه معتز بالقوي، أحد أسباب قوته أن كل مَن حوله، ومَن فوقه، ومَن تحته بيد الله، وأنه مع الله، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ وسبب قوة المؤمن أنه متوكل على الله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وسبب قوة المؤمن أنه لا يخضع، ولا ينبطح، ولا يستكين ولا يذل، لأنه مع القوي.

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )
ما أحوج المسلمين اليوم إلى هذه المعاني، أي يعتزوا بربهم، أن يصطلحوا معه أن يستقيموا على أمره، أن يقبلوا عليه، عندئذٍ يصغر عدوهم في نظرهم، وعندئذٍ لا يخيب الله أملهم.

(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ))

[أخرجه الطبراني عن واثلة بن الأسقع ]

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه )

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
إخواننا الكرام، قصص ثلاثة، الأمل النجاة فيها صفر:


1 ـ قصة فرعون وموسى وأصحابه:



فرعون بقوته، ببأسه، وجبروته، بحقده، بأسلحته، بغدره، بقسوة قلبه، وراء شرذمة قليلة أمامها البحر، وفرعون من وراءها:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
كان مع ( الجبار )، والجبار هو القهار.


2 ـ قصة سيدنا يونس في بطن الحوت:



سيدنا يونس في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )




3 ـ قصة سيدنا يوسف في الجبِّ:



سيدنا يوسف، وضع في الجب ليموت، فصار عزيز مصر.

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )




المعنى الخامس:


أيها الإخوة، ( الجبار ) بالمعنى الآخر المصلح للأمور، العظم إذا كُسر يُجبَر، أي أن يلتئم العظم، هذا من جبر العظم، الله عز وجل يصلح أمور عباده، يرأب الصدع، ويلم الشمل، ويغني الفقير، ويجبر الكسير، ويعطي المحروم، ويرفع الذليل، ماذا يقول التاجر بعد أن يشتري البضاعة ؟ يقول: يا جبار.
معنى ( الجبار ) محبَّب للنفس، الله جبار المظلوم، جبار الفقير، جبار المريض، جبار المحروم، جبار من يعاني من مشكلة، دققوا:
(( إذا كان الثلث الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ـ قبل الفجر ـ فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ حتى ينفجر الفجر ))
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ مسلم ]
لأنه جبار، بالتعبير الشائع جبار الخواطر، وما عُبد الله في الأرض بأعظم من جبر الخواطر.


المعنى السادس:


أيها الإخوة، والمعنى الآخر ذكرناه من معاني ( الجبار ) الذي ذكرناه: أجبره أي أكرهه على ما أراد، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.
(( عبدي أنا أريد، وأنت تريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
فرعون ماذا قال ؟ قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )
وقال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية: 38 )
وفرعون تروي بعض الروايات أنه رأى في المنام أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، القضية سهلة جداً، أمر بذبح أبناء بني إسرائيل، من دون استثناء ، وأية مولِّدة لا تخبر عن مولود ذكر تُقتل مكانه، لكن الله جبار، فهذا الطفل الذي سيقضي على ملكه رباه في قصره.
قوم إبراهيم وضعوه في النار.
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )
النبي في الغار، يا رسول الله لقد رأونا، قال: يا أبا بكر ما ظنك في اثنين الله ثالثهما !.
مرة في أحد الطغاة في أوربا الشرقية، ألقى خطاب، قال: هذا الصفصاف إذا حمل الأجاص فأنا سأتنحى عن منصبي، فتنحى عن منصبه، ووضع بعض أفراد شعبه الأجاص على شجر الصفصاف، الله جبار، لا يتجبر على خلق الله إلا أحمق وغبي.
﴿ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )
هناك قصة رمزية: أن إنسانا يجلس مع زوجته ويأكل الدجاج، طُرق الباب، فإذا بسائل، همت الزوجة أن تعطيه من هذا الطعام ليأكله، فنهرها زوجها، ووبخها، وقال: اطرديه، فطردته، ساءت العلاقة بينها وبينه إلى أن طلقها، ثم جاء من يخطبها، والقصة مؤثرة جداً، هي جالسة مع الزوج الثاني تأكل الدجاج، طُرق الباب، ذهبت لتفتح، فإذا بسائل، فلما رأته اضطربت، قال: من الطارق ؟ قالت: سائل، قال: من ؟ قالت: زوجي الأول، قال: أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول، الله جبار، إياك أن تقول كلمة كبيرة.


المعنى السابع:


أيها الإخوة، ( الجبار ) من لا يرقى إليه وهم، كيفما تصورت الله فهو بخلاف ذلك، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، هو جبار لا يرقى إليه وهم.
الكيان الشرقي الذي رفع شعار ( لا إله )، وبقي سبعين عاماً يبث هذه العقيدة في الأرض، ويملك من القنابل النووية ما تكفي لتدمير الأرض، كيف تداعى من الداخل ؟ بلا حرب، وبلا أي شيء، الله جبار، الله عز وجل يقصم الجبابرة.
(( أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك وملك الملوك ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
هو من لا يرقى إليه وهم، ولا يشرف عليه فهم، ولا يلحقه إدراك، ينفذ أمره في كل شيء، ولا ينفذ فيه أمره شيء.
( الجبار ) مَن أصلح الأشياء بلا اعوجاج، وأمر بالطاعة بلا احتياج.

(( لو أنَّ أوَّلَكم، وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]





خاتمة:


إن أردت أن تكون قوياً فكن عبداً للجبار، هناك عبد ( الجبار ) فكن مع ( الجبار )، وإن أردت أن تكون قريباً من الله فاجبر الكثير، وهذا موضوع الدرس القادم، حول اسم ( الجبار ).








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-10-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(38 )




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (السلام):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السلام".



ورود اسم السلام في القرآن مرة واحدة و الإكثار من هذا الاسم في السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، يقول الله عز وجل:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( فإن الله هو السلام ))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]
وفي صحيح مسلم كان عليه الصلاة والسلام إذا انصرف من صلاته قال:

(( اللَّهم أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبَاركتَ يا ذَا الجلالِ والإكرَام ))

[رواه مسلم عن ثوبان]
وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من ذكر اسم "السلام"، وفي صحيح الجامع الصغير:

(( إن اسم السلام من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
لذلك تحية المؤمنين فيما بينهم السلام عليكم.


الجنة دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب:

أيها الأخوة، "السلام" اسم للموصوف بالسلامة، يعني الله جل جلاله ذو السلامة والسلامة الأمن، والطمأنينة، والحصانة، والاطمئنان، والبراءة من كل آفة ظاهرة وباطنة، والخلاص من كل مكروه وعيب، الله عز وجل "السلام" أي ذو السلامة، الجنة هي دار السلام، لأنها دار السلامة من كل متاعب الدنيا، يوجد في الدنيا أمراض، تقدم بالسن، زواج غير ناجح، ولد عاق، فقر، مرض، كل آفات الدنيا، دار السلام سميت دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب.
أيها الأخوة، و "السلام" التحية، التحية الخالصة من سوء الطوية، ومن خبث النية، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء السلام، قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

( سورة الفرقان )
والله عز وجل يدعو إلى سبل السلام، والله عز وجل يدلك على طريق تسلم فيه من كل متاعب الدنيا.
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس الآية: 25 )
ويدعو إلى سبل السلام، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 16 )



منهج الله عز وجل يفضي بالإنسان إلى السلامة:

أنت إذا طبقت منهج الله أنت في سلام مع نفسك، لأن الإنسان إذا خالف فطرته يعذب عذاباً شديداً من قبل ذاته، يعيش حالة احتقار الذات، يعيش حالة عقدة الذنب، يعيش حالة الانهيار الداخلي، أنت إذا بنيت مجدك على أنقاض الناس، أنت إذا بنيت غناك على إفقارهم، أنت إذا بنيت أمنك على خوفهم، إنك إن بنيت وجودك على موتهم، إنك إن بنيت عزك على ذلهم، تشعر بانهيار داخلي، ولو كنت في أعلى مقام، تشعر بحالة اسمها احتقار الذات، اختلال التوازن، لكنك إذا طبقت منهج الله عز وجل هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع نفسك، وإلى سلام مع ربك، وإلى سلام مع من حولك، منهج الله عز وجل ينتهي بك إلى "السلام"، "السلام" السلامة، ما في قهر، ما في احتقار للذات، ما في عقدة الذنب، ما في شعور بالانحطاط.



الله عز وجل يهدي كل إنسان إلى سبل السلام ليرضى عنه و يحبه:

أيها الأخوة الكرام، لولا أن فطرة الإنسان سليمة لما شقي إنسان، لماذا يشقى ؟ لأن الله فطره فطرة سليمة، فإذا خرج عن مبادئ فطرته، إذا أساء إلى خلق الله عز وجل ذاته تعذبه، نفسه تعذبه.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم )
الله عز وجل يهديك إلى سبل "السلام"، لو طبقت منهج الله في علاقتك بزوجتك تعيش في سلام معها، لو طبقت منهج الله في كسب مالك، أنت في حرز حريز من إتلاف المال، إذا طبقت منهج الله في تربية أولادك، هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع أولادك.
فمنهج الله عز وجل بتفاصيله يفضي بك إلى "السلام"، وإذا أردنا أن نوضح أركان "السلام" أنت في سلام مع الله.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة فصلت )
هل من مرتبة أعلى من أن تكون في سلام مع الله ؟ هل من مرتبة أعلى من أن تشعر أن خالق السماوات والأرض يحبك ؟ هو وليك، يدافع عنك، يفوقك، ينصرك يحفظك، إنك إن طبقت منهج الله عز وجل أنت في سلام مع نفسك، حالة المؤمن أنه طاهر، أنه ما بنى مجده على أنقاض أحد، أنه ما سبب آلاماً للناس، كان معطاءً، كان مصدر أمنٍ لهم، كان مصدر سعادة لهم، أنت إذا طبقت منهج الله في سلام مع نفسك، تنام قرير العين، تنام مرتاح البال، تنام وأنت تشعر أن الله يحبك، لأنك أحسنت إلى خلقه.

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]



من طبق منهج الله عز وجل فهو في سلام مع نفسه و ربه و مع من حوله:

الله عز وجل "السلام" لأنك إن طبقت منهجه أخذك إلى "السلام" في سلام مع نفسك، في سلام مع ربك، في سلام مع من حولك، هذا المنهج الإلهي التفصيلي في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في حلك، في ترحالك، في إقامتك، في سفرك، في أفراحك، في أتراحك، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل في سلام مع من حولك، علاقات المؤمن كلها ناجحة، علاقات طيبة، علاقات مودة مع الآخرين، لأنه محسن إليهم، لأنه يلتزم منهج الله، لأنه يعرف ما له وما ليس له، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل حققت وجودك.
أريد أن أؤكد لكم أيها الأخوة، أنك إذا طبقت منهج الله في سلام مع جهات ثلاث الأولى أنت في سلام مع الله، والثانية أنت في سلام مع نفسك، والثالثة أنت في سلام مع من حولك، لماذا وضع الله لنا دستوراً تفصيلياً نسير عليه ؟ من أجل "السلام"، والكلمة الآن المحببة في العالم "السلام"، لأن الأرض، تمتلئ ظلماً، وجوراً، وقهراً، وقتلاً، واستغلالاً وطمعاً، وقمعاً، لأن البشر الآن ابتعدوا عن منهج الله.



من اتقَ الله عز وجل أدخله جنات أُعدت له:

أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء "السلام"، والله عز وجل يدعو إلى سبل "السلام"، من اتق الله في اختيار زوجته، هو في سلام مع زوجته، من اتقَ الله في كسب ماله، هو في سلام مع هذا المال، لم يتلف، لم يدمر، لن يخسره فجأة، ثم في النهاية
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
إلى الجنة:

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي الحديث ملمح لطيف
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ))
هناك دائرة المرئيات، لكن دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات
(( ولا أذن سمعتْ ))
أنت شاهدت بضع مدن في العالم، مئة مدينة، لكنك تستمع في الأخبار إلى آلاف المدن
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ))
أما الدائرة الثالثة
(( ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
دائرة المرئيات، فالمسموعات، فالخواطر.
أيها الأخوة الكرام، هذه الجنة التي أعدت لنا إلى أبد الآبدين، أيعقل أن نخسرها في سنوات معدودات، انغمس فيها الإنسان في المعصية والإثم،
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة يونس )




السلام من سلمت أفعاله من شر:

أيها الأخوة، اسم "السلام" اسم يجعلك في سلام، اسم "السلام" يهديك إلى سبل "السلام"، اسم "السلام" اسم ينقلك إلى دار "السلام"، الذي يعانيه البشر اليوم مما لا يوصف من القهر، والاستغلال، والقتل، والتشريد، والإفقار، والإذلال، الأرض الآن تضج في الشكوى إلى الله عز وجل، والله هو "السلام".
أيها الأخوة، "السلام" هو الذي سلمت أفعاله من كل شر، ليس في الكون شر مطلق، هناك شر نسبي، يعني إنسان قد يمرض لكن نتائج هذا المرض قد تكون في صالح إيمانه، أحياناً تلتهب الزائدة، وأنا أسميها الذائدة، ولـ35 عاماً أنا أؤكد أنه من باب اليقين الإيماني لا يمكن أن يكون في خلق الله شيء زائد.
من أيام جاءتني رسالة من بلاد بعيدة تؤكد أنه بخلاف ما كان الأطباء يتوهمون هذه الزائدة الدودية بحسب تسميتهم لها وظيفة خطيرة، اكتشفت في وقت متأخر جداً، وليس صحيحاً أن استئصالها ليس له مضاعفات إطلاقاً، لذلك ينبغي أن نسميها الذائدة الدودية وليست الزائدة، وفرق كبير بين الذائدة، أي المدافعة، وبين كلمة الزائدة التي توهم أن لا وظيفة لها.



الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله:

أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ما معنى يتناقض مع وجود الله ؟ تقول أبيض وأسود، هذان لونان متعاكسان، وقد يجتمعان، لكن الضوء والظلام متناقضان، لأن وجود الآخر ينقض وجود الثاني، لك أن تزين بيتك بخطوط عرضية، سوداء وبيضاء، كما تحتفل به الشام من فلكلور، أبيض وأسود، الأبيض والأسود يجتمعان، لكن الضياء والظلام لا يجتمعان، وجود أحدهما ينقض الآخر، فالشر المطلق، يعني الشر للشر، لا وجود له في الكون.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل بيدك الخير والشر، قال:
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لأن إيتاء الملك خير أحياناً، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير، أن الإذلال خير، من هنا يرى علماء العقيدة أنه لا ينبغي أن تقول الله ضار، هو ضار والضار من أسماء الله، ينبغي أن تجمع الاسمين معاً، هو ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي أنه يضر لينفع، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
" إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ".


أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا خير بالنسبة إلى مستقبلهم:


أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

( سورة الروم الآية: 41 )
هذا الشر النسبي.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الروم )
الخير المطلق، إذاً أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا هي شر بالنسبة إليهم لكنها خير بالنسبة إلى مستقبلهم، يعني شدة الأب أحياناً تجعل ابنه إنساناً عظيماً، التشديد على شاب من قبل أبيه وأمه هذا التشديد قد يسوقه إلى أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع.
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن علي بن أبي طالب ]
أوضح مثل: لو أن إنساناً قاد أحدث مركبة صنعت حتى الآن، قادها وهو مخمور، فسقط في الوادي، وتحطم، هل هذا التحطم له صانع ؟ هل هناك معمل جعلها هكذا ؟ مستحيل ! هذا التحطم نتيجة أن إنساناً خالف المنهج القويم في قيادتها، كان مخموراً فقادها فنزل بها في الوادي فتحطمت، نقول هذا الشر ليس من المعمل الصانع، هذا الشر من سوء استخدامها، بل إن فلسفة الشر أنه سوء استخدام، أليس الملح حاجة ثمينة ؟ أليس السكر مادة ثمينة ؟ أليس مسحوق التنظيف مادة ثمينة ؟ تدفع ثمنها غالياً، ضع مسحوق التنظيف في الطبخ، لا تأكله، هل نقول هذه المواد التي خلقها الله لنا هي شر ؟ لا، هي خير، ولكن سوء الاستخدام جعلتها شراً، هل يوضع الملح في الحلويات ؟ لا تأكلها، فهو الشر أحياناً يأتي من سوء الاستخدام، والنبي عليه الصلاة والسلام حسم هذا الموضوع فقال:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))



الله عز وجل "السلام" أي:

أيها الأخوة، السيارة لماذا صنعت ؟ بتعبير فلسفي ما علة صنعها ؟ صنعت من أجل أن تسير، لماذا وضعت فيها مكابح ؟ مع أن فلسفة المكبح أنه يتناقض مع علة صنعها هي صنعت للسير، والمكبح يوقفها، المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنعها، لكنه أكمل ضمان لسلامتها، فإذا فهمت المصيبة على أنها مكبح لهذه المركبة أي من أجل السلامة، كم من إنسان انحرف فجاء التأديب الإلهي، وهو بالنسبة إليه شر نسبي، لكن هذا الشر النسبي وظف للخير المطلق.



1 ـ يهديك إلى سبل السلام:


لهذا علاقة البشر مع ربهم يوم القيامة، هذه العلاقة ملخصة في كلمة واحدة:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )
والله أيها الأخوة، هذا يقيني وإيماني، أن الله سبحانه وتعالى حينما يكشف لعبده يوم القيامة عن حكمة ما ساقه له من شدائد، ينبغي أن يذوب كما تذوب الشمعة محبة لله.
أيها الأخوة، هذا هو المعنى الأول، الله "السلام" يهديك إلى سبل السلام يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يدعوك
﴿ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾



2 ـ ذو سلامة لعباده:


المعنى الثاني: الله عز وجل "السلام" أي ذو سلامة لعباده، وخلق الإنسان، وما حول الإنسان يؤكد هذا الاسم، الجهاز العظمي، هذا الجهاز ينمو، لكن لحكمة بالغة عند حد ما يقف النمو، وهذا من رحمة الله بنا، عندنا مرض خطير اسمه العملقة، يستمر النمو لكن من أعطى لهذه الخلية العظمية أمراً بأن تقف ؟ القابض، بلغ هذا الشاب طولاً معيناً فتوقف النمو، هذا من رحمة الله بنا، لو تابع نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو العملقة ولو قلّ نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو القزم، إنسان قزم.
إذاً الله عز وجل يسمح لهذه الخلية بالنمو إلى حد ما، ويقف النمو، وتكسر رجل الإنسان أحياناً، هذه الخلية التي أمرت بالتوقف تستيقظ، وتعيد التئام طرفي العظم، قد تنام الخلية العظمية سبعين عاماً، وفي نهاية المطاف تكسر إحدى أعضاء هذا الإنسان تستيقظ هذه الخلية، وتسهم في التئام هذا العظم، يد من ؟ حكمة من ؟ هل يوجد بعالم المادة، بعالم الميكانيك، قطعة تنكسر نقول لصاحب هذه المركبة دعها بعد حين تلتحم ؟ انظر إلى تصميم الله عز وجل، أي عظم يكسر مهمة الطبيب العظمي فقط أن يضع القطعتين بشكل صحيح وبعدها العظم وحده يستيقظ، وتلتئم هذه العظمة.
لماذا جعل أعصاب حس في الأسنان ؟ من أجل ألا تخسر أسنانك، عصب الحس في الأسنان جهاز إنذار مبكر، إذا تلف السن، ووصل التلف إلى العصب الحسي لا تنام الليل تبادر إلى إصلاح هذا السن، لولا أعصاب الحس في الأسنان لخسرنا كل أسنانا.
لماذا جعل عصب حس في نقي العظام ؟ لأن هذا العظم إذا كسر، من شدة الألم من شدة عصب الحس في نقي العظام تبقي هذه القطعة على حالها، وإبقاؤها على حالها أربعة أخماس العلاج.



التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله:

إذاً الله ذو السلامة لعباده، أعطاك جهاز مناعة، جيش عرمرم، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، هذا الجيش في فرقة استطلاع، فرقة تصنيع السلاح، فرقة مقاتلين، فرقة خدمات، فرقة مغاوير، خمس فرق في هذا الجيش، من أجل سلامتك، من أجل مكافحة الأمراض.
من جعل كل كلية فيها عشرة أضعاف حاجة الإنسان ؟ أنت تملك كليتين، الطاقة التصفوية لهاتين الكليتين عشرون ضعفاً عن حاجتك، لأن الله ذو السلامة لعباده.
من جعل في القلب مركز تنبيه خاص ؟ القلب لأنه من أنبل أعضاء الإنسان وعلى نبضه تتوقف حياة الإنسان، جعل الله في القلب مركزاً كهربائياً خاصاً، تتلقى منه الأمر بالنبض، ماله علاقة بالشبكة العامة، القلب يتلقى أمراً بالنبض من مركز كهربائي ذاتي فإذا تعطل هذا المركز هناك مركز احتياطي، فإذا تعطل الثاني هناك مركز احتياطي ثالث لأن الله ذو السلامة لعباده.
أيها الأخوة، قضية اسم "السلام" يمكن أن نتلمسها، من خلق الإنسان، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.
لذلك هذا الاسم أيها الأخوة، يعطينا شعوراً أن الله يحبنا، وأنه صمم أجسامنا وصمم ما حولنا تصميماً رائعاً بحيث تكون المحصلة هي "السلام" فالله سبحانه وتعالى هو "السلام"، ويدعو إلى إلقاء السلام، ويدعو إلى سبل السلام، ثم يدعونا إلى دار السلام.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-11-2018, 07:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(39)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (السلام):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السلام".



ورود اسم السلام في القرآن مرة واحدة و الإكثار من هذا الاسم في السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، يقول الله عز وجل:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( فإن الله هو السلام ))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]
وفي صحيح مسلم كان عليه الصلاة والسلام إذا انصرف من صلاته قال:

(( اللَّهم أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبَاركتَ يا ذَا الجلالِ والإكرَام ))

[رواه مسلم عن ثوبان]
وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من ذكر اسم "السلام"، وفي صحيح الجامع الصغير:

(( إن اسم السلام من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
لذلك تحية المؤمنين فيما بينهم السلام عليكم.


الجنة دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب:

أيها الأخوة، "السلام" اسم للموصوف بالسلامة، يعني الله جل جلاله ذو السلامة والسلامة الأمن، والطمأنينة، والحصانة، والاطمئنان، والبراءة من كل آفة ظاهرة وباطنة، والخلاص من كل مكروه وعيب، الله عز وجل "السلام" أي ذو السلامة، الجنة هي دار السلام، لأنها دار السلامة من كل متاعب الدنيا، يوجد في الدنيا أمراض، تقدم بالسن، زواج غير ناجح، ولد عاق، فقر، مرض، كل آفات الدنيا، دار السلام سميت دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب.
أيها الأخوة، و "السلام" التحية، التحية الخالصة من سوء الطوية، ومن خبث النية، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء السلام، قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

( سورة الفرقان )
والله عز وجل يدعو إلى سبل السلام، والله عز وجل يدلك على طريق تسلم فيه من كل متاعب الدنيا.
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس الآية: 25 )
ويدعو إلى سبل السلام، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 16 )



منهج الله عز وجل يفضي بالإنسان إلى السلامة:

أنت إذا طبقت منهج الله أنت في سلام مع نفسك، لأن الإنسان إذا خالف فطرته يعذب عذاباً شديداً من قبل ذاته، يعيش حالة احتقار الذات، يعيش حالة عقدة الذنب، يعيش حالة الانهيار الداخلي، أنت إذا بنيت مجدك على أنقاض الناس، أنت إذا بنيت غناك على إفقارهم، أنت إذا بنيت أمنك على خوفهم، إنك إن بنيت وجودك على موتهم، إنك إن بنيت عزك على ذلهم، تشعر بانهيار داخلي، ولو كنت في أعلى مقام، تشعر بحالة اسمها احتقار الذات، اختلال التوازن، لكنك إذا طبقت منهج الله عز وجل هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع نفسك، وإلى سلام مع ربك، وإلى سلام مع من حولك، منهج الله عز وجل ينتهي بك إلى "السلام"، "السلام" السلامة، ما في قهر، ما في احتقار للذات، ما في عقدة الذنب، ما في شعور بالانحطاط.



الله عز وجل يهدي كل إنسان إلى سبل السلام ليرضى عنه و يحبه:

أيها الأخوة الكرام، لولا أن فطرة الإنسان سليمة لما شقي إنسان، لماذا يشقى ؟ لأن الله فطره فطرة سليمة، فإذا خرج عن مبادئ فطرته، إذا أساء إلى خلق الله عز وجل ذاته تعذبه، نفسه تعذبه.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم )
الله عز وجل يهديك إلى سبل "السلام"، لو طبقت منهج الله في علاقتك بزوجتك تعيش في سلام معها، لو طبقت منهج الله في كسب مالك، أنت في حرز حريز من إتلاف المال، إذا طبقت منهج الله في تربية أولادك، هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع أولادك.
فمنهج الله عز وجل بتفاصيله يفضي بك إلى "السلام"، وإذا أردنا أن نوضح أركان "السلام" أنت في سلام مع الله.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة فصلت )
هل من مرتبة أعلى من أن تكون في سلام مع الله ؟ هل من مرتبة أعلى من أن تشعر أن خالق السماوات والأرض يحبك ؟ هو وليك، يدافع عنك، يفوقك، ينصرك يحفظك، إنك إن طبقت منهج الله عز وجل أنت في سلام مع نفسك، حالة المؤمن أنه طاهر، أنه ما بنى مجده على أنقاض أحد، أنه ما سبب آلاماً للناس، كان معطاءً، كان مصدر أمنٍ لهم، كان مصدر سعادة لهم، أنت إذا طبقت منهج الله في سلام مع نفسك، تنام قرير العين، تنام مرتاح البال، تنام وأنت تشعر أن الله يحبك، لأنك أحسنت إلى خلقه.

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]



من طبق منهج الله عز وجل فهو في سلام مع نفسه و ربه و مع من حوله:

الله عز وجل "السلام" لأنك إن طبقت منهجه أخذك إلى "السلام" في سلام مع نفسك، في سلام مع ربك، في سلام مع من حولك، هذا المنهج الإلهي التفصيلي في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في حلك، في ترحالك، في إقامتك، في سفرك، في أفراحك، في أتراحك، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل في سلام مع من حولك، علاقات المؤمن كلها ناجحة، علاقات طيبة، علاقات مودة مع الآخرين، لأنه محسن إليهم، لأنه يلتزم منهج الله، لأنه يعرف ما له وما ليس له، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل حققت وجودك.
أريد أن أؤكد لكم أيها الأخوة، أنك إذا طبقت منهج الله في سلام مع جهات ثلاث الأولى أنت في سلام مع الله، والثانية أنت في سلام مع نفسك، والثالثة أنت في سلام مع من حولك، لماذا وضع الله لنا دستوراً تفصيلياً نسير عليه ؟ من أجل "السلام"، والكلمة الآن المحببة في العالم "السلام"، لأن الأرض، تمتلئ ظلماً، وجوراً، وقهراً، وقتلاً، واستغلالاً وطمعاً، وقمعاً، لأن البشر الآن ابتعدوا عن منهج الله.



من اتقَ الله عز وجل أدخله جنات أُعدت له:

أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء "السلام"، والله عز وجل يدعو إلى سبل "السلام"، من اتق الله في اختيار زوجته، هو في سلام مع زوجته، من اتقَ الله في كسب ماله، هو في سلام مع هذا المال، لم يتلف، لم يدمر، لن يخسره فجأة، ثم في النهاية
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
إلى الجنة:

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي الحديث ملمح لطيف
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ))
هناك دائرة المرئيات، لكن دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات
(( ولا أذن سمعتْ ))
أنت شاهدت بضع مدن في العالم، مئة مدينة، لكنك تستمع في الأخبار إلى آلاف المدن
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ))
أما الدائرة الثالثة
(( ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
دائرة المرئيات، فالمسموعات، فالخواطر.
أيها الأخوة الكرام، هذه الجنة التي أعدت لنا إلى أبد الآبدين، أيعقل أن نخسرها في سنوات معدودات، انغمس فيها الإنسان في المعصية والإثم،
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة يونس )




السلام من سلمت أفعاله من شر:

أيها الأخوة، اسم "السلام" اسم يجعلك في سلام، اسم "السلام" يهديك إلى سبل "السلام"، اسم "السلام" اسم ينقلك إلى دار "السلام"، الذي يعانيه البشر اليوم مما لا يوصف من القهر، والاستغلال، والقتل، والتشريد، والإفقار، والإذلال، الأرض الآن تضج في الشكوى إلى الله عز وجل، والله هو "السلام".
أيها الأخوة، "السلام" هو الذي سلمت أفعاله من كل شر، ليس في الكون شر مطلق، هناك شر نسبي، يعني إنسان قد يمرض لكن نتائج هذا المرض قد تكون في صالح إيمانه، أحياناً تلتهب الزائدة، وأنا أسميها الذائدة، ولـ35 عاماً أنا أؤكد أنه من باب اليقين الإيماني لا يمكن أن يكون في خلق الله شيء زائد.
من أيام جاءتني رسالة من بلاد بعيدة تؤكد أنه بخلاف ما كان الأطباء يتوهمون هذه الزائدة الدودية بحسب تسميتهم لها وظيفة خطيرة، اكتشفت في وقت متأخر جداً، وليس صحيحاً أن استئصالها ليس له مضاعفات إطلاقاً، لذلك ينبغي أن نسميها الذائدة الدودية وليست الزائدة، وفرق كبير بين الذائدة، أي المدافعة، وبين كلمة الزائدة التي توهم أن لا وظيفة لها.



الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله:

أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ما معنى يتناقض مع وجود الله ؟ تقول أبيض وأسود، هذان لونان متعاكسان، وقد يجتمعان، لكن الضوء والظلام متناقضان، لأن وجود الآخر ينقض وجود الثاني، لك أن تزين بيتك بخطوط عرضية، سوداء وبيضاء، كما تحتفل به الشام من فلكلور، أبيض وأسود، الأبيض والأسود يجتمعان، لكن الضياء والظلام لا يجتمعان، وجود أحدهما ينقض الآخر، فالشر المطلق، يعني الشر للشر، لا وجود له في الكون.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل بيدك الخير والشر، قال:
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لأن إيتاء الملك خير أحياناً، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير، أن الإذلال خير، من هنا يرى علماء العقيدة أنه لا ينبغي أن تقول الله ضار، هو ضار والضار من أسماء الله، ينبغي أن تجمع الاسمين معاً، هو ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي أنه يضر لينفع، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
" إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ".


أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا خير بالنسبة إلى مستقبلهم:


أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

( سورة الروم الآية: 41 )
هذا الشر النسبي.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الروم )
الخير المطلق، إذاً أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا هي شر بالنسبة إليهم لكنها خير بالنسبة إلى مستقبلهم، يعني شدة الأب أحياناً تجعل ابنه إنساناً عظيماً، التشديد على شاب من قبل أبيه وأمه هذا التشديد قد يسوقه إلى أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع.
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن علي بن أبي طالب ]
أوضح مثل: لو أن إنساناً قاد أحدث مركبة صنعت حتى الآن، قادها وهو مخمور، فسقط في الوادي، وتحطم، هل هذا التحطم له صانع ؟ هل هناك معمل جعلها هكذا ؟ مستحيل ! هذا التحطم نتيجة أن إنساناً خالف المنهج القويم في قيادتها، كان مخموراً فقادها فنزل بها في الوادي فتحطمت، نقول هذا الشر ليس من المعمل الصانع، هذا الشر من سوء استخدامها، بل إن فلسفة الشر أنه سوء استخدام، أليس الملح حاجة ثمينة ؟ أليس السكر مادة ثمينة ؟ أليس مسحوق التنظيف مادة ثمينة ؟ تدفع ثمنها غالياً، ضع مسحوق التنظيف في الطبخ، لا تأكله، هل نقول هذه المواد التي خلقها الله لنا هي شر ؟ لا، هي خير، ولكن سوء الاستخدام جعلتها شراً، هل يوضع الملح في الحلويات ؟ لا تأكلها، فهو الشر أحياناً يأتي من سوء الاستخدام، والنبي عليه الصلاة والسلام حسم هذا الموضوع فقال:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))



الله عز وجل "السلام" أي:

أيها الأخوة، السيارة لماذا صنعت ؟ بتعبير فلسفي ما علة صنعها ؟ صنعت من أجل أن تسير، لماذا وضعت فيها مكابح ؟ مع أن فلسفة المكبح أنه يتناقض مع علة صنعها هي صنعت للسير، والمكبح يوقفها، المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنعها، لكنه أكمل ضمان لسلامتها، فإذا فهمت المصيبة على أنها مكبح لهذه المركبة أي من أجل السلامة، كم من إنسان انحرف فجاء التأديب الإلهي، وهو بالنسبة إليه شر نسبي، لكن هذا الشر النسبي وظف للخير المطلق.



1 ـ يهديك إلى سبل السلام:


لهذا علاقة البشر مع ربهم يوم القيامة، هذه العلاقة ملخصة في كلمة واحدة:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )
والله أيها الأخوة، هذا يقيني وإيماني، أن الله سبحانه وتعالى حينما يكشف لعبده يوم القيامة عن حكمة ما ساقه له من شدائد، ينبغي أن يذوب كما تذوب الشمعة محبة لله.
أيها الأخوة، هذا هو المعنى الأول، الله "السلام" يهديك إلى سبل السلام يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يدعوك
﴿ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾



2 ـ ذو سلامة لعباده:


المعنى الثاني: الله عز وجل "السلام" أي ذو سلامة لعباده، وخلق الإنسان، وما حول الإنسان يؤكد هذا الاسم، الجهاز العظمي، هذا الجهاز ينمو، لكن لحكمة بالغة عند حد ما يقف النمو، وهذا من رحمة الله بنا، عندنا مرض خطير اسمه العملقة، يستمر النمو لكن من أعطى لهذه الخلية العظمية أمراً بأن تقف ؟ القابض، بلغ هذا الشاب طولاً معيناً فتوقف النمو، هذا من رحمة الله بنا، لو تابع نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو العملقة ولو قلّ نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو القزم، إنسان قزم.
إذاً الله عز وجل يسمح لهذه الخلية بالنمو إلى حد ما، ويقف النمو، وتكسر رجل الإنسان أحياناً، هذه الخلية التي أمرت بالتوقف تستيقظ، وتعيد التئام طرفي العظم، قد تنام الخلية العظمية سبعين عاماً، وفي نهاية المطاف تكسر إحدى أعضاء هذا الإنسان تستيقظ هذه الخلية، وتسهم في التئام هذا العظم، يد من ؟ حكمة من ؟ هل يوجد بعالم المادة، بعالم الميكانيك، قطعة تنكسر نقول لصاحب هذه المركبة دعها بعد حين تلتحم ؟ انظر إلى تصميم الله عز وجل، أي عظم يكسر مهمة الطبيب العظمي فقط أن يضع القطعتين بشكل صحيح وبعدها العظم وحده يستيقظ، وتلتئم هذه العظمة.
لماذا جعل أعصاب حس في الأسنان ؟ من أجل ألا تخسر أسنانك، عصب الحس في الأسنان جهاز إنذار مبكر، إذا تلف السن، ووصل التلف إلى العصب الحسي لا تنام الليل تبادر إلى إصلاح هذا السن، لولا أعصاب الحس في الأسنان لخسرنا كل أسنانا.
لماذا جعل عصب حس في نقي العظام ؟ لأن هذا العظم إذا كسر، من شدة الألم من شدة عصب الحس في نقي العظام تبقي هذه القطعة على حالها، وإبقاؤها على حالها أربعة أخماس العلاج.



التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله:

إذاً الله ذو السلامة لعباده، أعطاك جهاز مناعة، جيش عرمرم، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، هذا الجيش في فرقة استطلاع، فرقة تصنيع السلاح، فرقة مقاتلين، فرقة خدمات، فرقة مغاوير، خمس فرق في هذا الجيش، من أجل سلامتك، من أجل مكافحة الأمراض.
من جعل كل كلية فيها عشرة أضعاف حاجة الإنسان ؟ أنت تملك كليتين، الطاقة التصفوية لهاتين الكليتين عشرون ضعفاً عن حاجتك، لأن الله ذو السلامة لعباده.
من جعل في القلب مركز تنبيه خاص ؟ القلب لأنه من أنبل أعضاء الإنسان وعلى نبضه تتوقف حياة الإنسان، جعل الله في القلب مركزاً كهربائياً خاصاً، تتلقى منه الأمر بالنبض، ماله علاقة بالشبكة العامة، القلب يتلقى أمراً بالنبض من مركز كهربائي ذاتي فإذا تعطل هذا المركز هناك مركز احتياطي، فإذا تعطل الثاني هناك مركز احتياطي ثالث لأن الله ذو السلامة لعباده.
أيها الأخوة، قضية اسم "السلام" يمكن أن نتلمسها، من خلق الإنسان، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.
لذلك هذا الاسم أيها الأخوة، يعطينا شعوراً أن الله يحبنا، وأنه صمم أجسامنا وصمم ما حولنا تصميماً رائعاً بحيث تكون المحصلة هي "السلام" فالله سبحانه وتعالى هو "السلام"، ويدعو إلى إلقاء السلام، ويدعو إلى سبل السلام، ثم يدعونا إلى دار السلام.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-11-2018, 07:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(40)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى: ( القدوس):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القدوس".



ورود اسم القدوس في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين، في قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وقد ورد في موضع آخر في قوله تعالى:
﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

( سورة الجمعة )
أما في السنة الصحيحة، ففي صحيح مسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان:

(( يقولُ في رُكوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائِكَةِ والرُّوحِ ))

[أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي عن عائشة]
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم إذا هب من الليل يقول:

(( سبحان الملك القدوس ))

[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أُبي بن كعب ]
إذاً هذا الاسم دخل في أذكار النبي عليه الصلاة والسلام.


تسمية الجنة بحظيرة القدس لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا:

ما هو التقديس ؟ التقديس ؛ التطهير، سميت الجنة بحظيرة القدس، لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا، لا في كبر، ولا في ضعف بصر، ولا في شيب، ولا في إنحاء ظهر، ولا في ابن عاق، ولا في زوجة سيئة، ولا في دخل قليل، ولا في فقر، ولا في مرض، سميت الجنة بحظيرة القدس لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا، وجبريل سماه الله في القرآن الكريم، روح القدس، قال تعالى:

﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ﴾

( سورة النحل الآية: 102 )
لأنه مطهر من كل عيوب التبليغ، لا ينسى، ولا يغير، ولا يبدل، ولا يضيف، ولا يحذف، ولا يبالغ، لأنه مطهر من كل عيوب التبليغ.


اتصاف المؤمن بالعدالة و الضبط معاً:

لذلك المؤمن الموصول بالله، يتصف بالعدالة والضبط، العدالة صفة نفسية والضبط صفة عقلية، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))

[ سلسلة الأحاديث الضعيفة ]
المعنى المعاكس إذا عاملهم فظلمهم، وحدثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، لكن بعض العلماء أشار إلى أن هناك حالات كثيرة العدالة لا تسقط، لكنها تُجرح، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أي الوزن لم يأتِ تماماً، قال عليه الصلاة والسلام: إذا وزنتم فأرجحوا .
الوزن أقل بتمرة واحدة، جُرحت العدالة، أكل لقمة من حرام، لا تنوي أن تشتري، ذقت هذه الفاكهة الشهية، أكلت حبة منها، وادعيت أن السعر مرتفع، ومشيت أكلت لقمة من حرام، هذه تجرح العدالة، من مشى حافياً تجرح عدالته، من بال في الطريق تجرح عدالته، من أكل في الطريق تجرح عدالته، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق، تجرح عدالته، من تنزه في الطرقات ليمتع عينيه بالغاديات والرائحات تجرح عدالته، من صحب الأراذل تجرح عدالته، من قاد جرذوناً (حيوان مخيف) أخاف به الأطفال تجرح عدالته، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة تجرح العدالة، من كان حديثه عن النساء هذه طويلة، وهذه بيضاء، وهذه، الحديث عن النساء يجرح العدالة، أرأيت إلى دقة هذا الدين العظيم ؟ هناك أشياء، الظلم، والكذب، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، بينما أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، تجرح العدالة، فالمؤمن يتصف بالعدالة، ويتصف بالضبط.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات )
يتمتع المؤمن بالضبط، وبالعدالة معاً.


على كل إنسان أن يُطهر نفسه عن كل عيب إذا أراد أن يُقبل على الله عز وجل:


أيها الأخوة الكرام، القداسة: هذه الطهارة والبركة، والبركة الخير الكثير، قدّس الرجل ربه قال إذا عظمه، وكبّره، وطهر نفسه بتوحيده وعبادته، قال تعالى يصف الملائكة في حالهم مع الله:
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 30 )
الكلام دقيق، أي نطهر أنفسنا من كل العيوب، حتى نقبل عليك يا ربنا.
الآن دخلنا بموضوع دقيق: الأقوياء في الدنيا، أي إنسان أعلن لهم الولاء يقبلونه ولا ينتبهون إلى سلوكه، أي إنسان رفع صورتهم يقبلونه، أي إنسان أرسل لهم برقية تأييد يقبلونه، لكن الواحد الديان، إن لم تكن مستقيماً، إن لم طاهراً، إن لم تكن رحيماً، إن لم تكن منصفاً، إن لم تكن متواضعاً لا يقبلك، الولاء للأقوياء شيء، والولاء لله عز وجل شيء آخر.

(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
مع غير الله القضية سهلة جداً، أي سلوك يؤكد ولاءك له أنت مقبول عنده، لكن القضية مع الله شيء آخر، لا يقبلك، ولا يتجلى على قلبك، ولا يلقي في قلبك السكينة، ولا يشعرك أنه يحبك إلا إذا كنت طاهراً، من الكذب، من الغش، من الاحتيال، من الكبر .


الله عز وجل لا يقبل الإنسان إلا إذا كنت طاهراً من الذنوب والعيوب معاً:


أؤكد لكم أن صفة العنصرية الآن صفة شائعة بين الناس، يعني هناك توهم أن ترى لنفسك ما ليس لغيرك، هذا موقف عنصري يمنعك من أن تكون قريباً من الله.

(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))
وإذا توهمت أيضاً أن على غيرك ما ليس عليك، من هنا أحد من ألّف كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهداه في الصفحة الأولى فقال:
يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
أيها الأخوة، القداسة الطهر، والله عز وجل لا يقبلك إلا إذا كنت طاهراً، من الذنوب ومن العيوب معاً، نقدس لك نطهر أنفسنا من الذنوب كي تسمح لك أن نتصل بك.


التقديس هو التوحيد و التوحيد أن تفرد الله عز وجل في العبادة:

أيها الأخوة، لكن لو تعمقنا قليلاً التقديس هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد أن تفرده في العبادة، أردف النبي خلفه سيدنا معاذ.
(( قال: هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حقَّ الله على العباد: ـ بعد ذلك أجابه النبي ـ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ))
الموطن الدقيق في الحديث القسم الثاني:

(( قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حقُّ العباد على الله أن لا يعذِّبهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنشأ الله لك حقاً عليه.


من لم يقبل الله دعوته يعذبه في الدنيا و الآخرة :

لذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من الآية الكريمة كيف أن الله ردّ على هؤلاء الذين قالوا:

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
ردّ الله عليهم فقال:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )
استنبط الإمام الشافعي أن الله عز وجل لو قبل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم لأنه يعذبهم لم يقبل دعواهم، إذا قال المسلمون: نحن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إذا قالوا نحن:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )
الرد الإلهي جاهز:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
لم يقبل دعوانا.


ما دامت سنت النبي الكريم مطبقة في حياة المسلمين فهم في مأمن من عذاب الله:

من هنا أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )
الآية واضحة جداً في حياة النبي، هم في بحبوحة في حياته، لكن ما معنى الآية بعد وفاته ؟ قال علماء التفسير:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾
إذا كانت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في سلمهم ، في حربهم، ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

( سورة الأنفال )
وإذا استغفروا هم في بحبوحة أيضاً، فنحن في بحبوحتين، بل في أمنين من الله عز وجل، الأمن الأول أن نطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والأمن الثاني أن نستغفر فإذا ما طبقنا سنته، ولم نستغفر إذاً نحن معرضون لعذاب لا يعلمه إلا الله.


الوحدانية و الأحدية:


إذاً التقديس هو التوحيد، التوحيد هو أن تفرده بالعبادة، وأن تفرده بذاته وبصفاته، وبأفعاله، أي:

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾

( سورة الشورى الآية: 11 )
أي هو أحد، هذه أحديته، أن تفرده بالعبادة، وأن تفرده بذاته، وبصفاته ، وبأفعاله بمعنى قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
هذا معنى الأحدية، فالتقديس هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والتقديس أيضاً إفراده بالوحدانية، الوحدانية شيء، والأحدية شيء آخر ، الوحدانية أي لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا شريك له هو واحد، لا مثيل له هو أحد، فالله عز وجل واحد أحد:

(( الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا أَحَدٌ ))

[أخرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ]



من تقديس الله تعالى أن تفصل في إثبات الكمالات له و أن تنفي عنه كل ما لا يليق به:


أيها الأخوة، التقديس نفي واثبات، يجب أن تنفي عنه كل ما لا يليق به، لكن النفي يجب أن يكون مجملاً، يعني مستحيل أن تمدح ملكاً وأن تقول هو لا يكذب، ولا يرتكب فاحشة، وليس لئيماً، وليس بخيلاً، التفصيل في النفي لا يليق بذات الله عز وجل منزه عن العيوب، أما التفصيل في الإثبات وارد، هو رحمن رحيم، غفور رحيم، واحد أحد، فرد صمد، كبير متعال، عدل، يجب أن تفصل في إثبات الكمالات له، ويجب أن تجمل في نفي العيوب عنه، هذا من التقديس.

﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 30 )




القلب السليم لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله:

أيها الأخوة، كل واحد منا ينظف مركبته، لأن هذه المركبة يراها الناس، ينظف بيته إذا جاء البيت بيته نظيف، وأحياناً يعطره، ينظف جسمه، ينظف ثيابه.
ثيابك، وبيتك، ومحلك التجاري، ومركبتك هي منظر الخلق، الناس ينظرون إليك، وإلى ثيابك، وإلى بيتك وإلى طلاء البيت، وإلى أثاث البيت، وإلى مركبتك، فالإنسان يطهر منظر الخلق.
ورد في بعض الآثار القدسية:
(( يا عبدي طهرت منظر الخلق سنين، أفلا طهرت منظري ساعة ))
ما هو منظر الله عز وجل ؟ هو قلبك.

(( إِنَّ الله لا ينظرُ إِلى صوركم وأَموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
لذلك:
﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )
القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا لله.
أحياناً الإنسان بذكائه، هذه القضية لا تحل عند المشايخ، تحل في القضاء، يقول لك: نحن بلد في قانون، وفي قضاء، لأنه عند رجال الدين ما لها حل، بالحاسة السادسة يكتشف أن هذه القضية لا تحل بالقانون، معه عقد إيجار، المستأجر محمي، يأتي إلى عند المشايخ سيدي هذا أليس حقي ؟ جالس ببيت ! صلاته لا تجوز، لماذا في موضوع معين احتكمت إلى القضاء ؟ وفي موضوع آخر احتكمت إلى العلماء ؟ أنت مع مصلحتك ولست مع الحق.
أحياناً امرأة محجبة في بلد غربي إذا نشب خلاف بينها وبين زوجها ترفع الأمر لا إلى القاضي المسلم في المركز الإسلامي، لأنها إذا رفعت قضيتها له يحكم لها بالمهر فقط أما إذا رفعت قضيتها في بلد غربي إلى قاض غربي يحكم لها بنصف أملاك زوجها، فهذا الحجاب لا يتناسب مع الاحتكام لغير الله،
﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
القلب السليم الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا لشرع الله.


الله تعالى مطهر عن كل صفات الكمال البشري:

أيها الأخوة، الآن في معنى آخر: "القدوس" هو المطهر عن كل صفات الكمال البشري، أحياناً يتوهم الإنسان أن الله كالأب، هو منزه عن ذلك، كالقاضي العدل، لا، هو منزه عن ذلك، الإنسان بحسب ثقافته، بحسب علاقاته، يتصور العدل بقاضٍ، والرحمة بأب، فإذا أراد أن ينزه الله عز وجل، وأن يقدسه ينسب له صفات الكمال البشري، فقال العلماء: الله عز وجل قدوس، أي منزه عن صفات الكمال البشري.
لذلك قالوا: كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، هو مطهر عن صفات الكمال البشري، يعني كلمة منتقم بالإنسان لا ترتاح لها، لكن المنتقم من أسماء الله الحسنى يوقف الجبارين عند حدهم، يريح الناس منهم إذا مات العبد الفاجر:
(( يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي قتادة ]
منتقم الله عز وجل، في طغاة ما في حل لإنهاء طغيانهم إلا بالموت، وسبحان من قهر عباده بالموت، فالمنتقم بحق الإنسان قد لا ترتاح لهذه الصفة، أما بحق الواحد الديان الرحمة كلها في انتقام الله عز وجل .


معرفة الإنسان بالله ليست مطلقة لأنه لا يعرف الله إلا الله:


لذلك قالوا: لا يعرف الله إلا الله، حتى الأنبياء، حتى سيد الأنبياء والمرسلين معرفتهم بالله ليست مطلقة، نسبية، أعرف الخلق بالله رسول الله، لكن الله لا يعرفه إلا الله من أروع ما قرأت عن تفسير قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

( سورة محمد الآية: 19 )
أن النبي عليه الصلاة والسلام كلما أقبل على الله رأى رؤية جديدة، فاستحيا من رؤيته السابقة، إذا إنسان مليء مالياً، أنت توهمت هو معه مئة مليون، ثم اكتشفت معه ألف مليون، كانت قيمته على مئة مليون، فوجئت أنه يملك مبلغاً كبيراً جداً، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
كلما أقبل النبي على الله اكتشف جانباً من كمالاته لم يكن يعرفها من قبل.


أصل الدين معرفة الله:

لذلك من أدق معاني الله أكبر، أكبر مما عرفت، طبعاً أكبر من كل شيء بديهي لكن بأرقى معاني هذه الكلمة الله أكبر مما عرفت، كلما تعمقت في معرفة الله يجب أن تقول الله أكبر.
لكن في تعليق لطيف: إذا كان الله عز وجل منزهاً عن صفات الكمال البشري فلأن يكون منزهاً عن عيوب البشر من باب أولى.

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
يعني شخص أراد أن يذاكر عالماً، هو عالم، قال له: ألا تشتاق إلا الله ؟ قال له: والله لا أشتاق له، قال له: كيف ؟! قال له: متى غاب عني حتى أشتاق إليه.
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن أصل الدين معرفة الله، إن عرفته تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في التفلت من الأمر.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-11-2018, 03:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(41)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الأول ):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الأول".



ورود اسم الأول في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
وهذا الاسم أيضاً ورد في السنة الصحيحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( اللهم أَنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء، اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]



حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة:

بالمناسبة:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أي وَفَقه لوفاء الدين، إذا ملكت رغبة صادقة أن تؤدي هذا الدين.

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))
أي وفقه برزق وفير مكنه أن يفي دينه.

(( ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ))

[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أن هذا غني، لا أرد له الدين،
((أتلفه الله ))
تتوقع الحديث أتلفها، أتلفه.
أيها الأخوة:

(( يُغْفَرُ للشهيد ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/01.jpg
الذي قدم أثمن ما يملك، قدم حياته.

(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص ]
لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
أيها الأخوة، أحد أصحاب النبي توفاه الله عز وجل، فجاء النبي ليصلي عليه قال: أعليه دين ؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، ما صلى عليه، فلما قال أحد الصحابة: يا رسول الله عليّ دينه، فصلى عليه، لكن في اليوم التالي سأل هذا الضامن أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الثالث سأل هذا الضامن: أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الرابع سأل هذا الضامن أأديت الدين ؟ قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.
يعني ابترد جلده وهو صحابي جليل، وخاض مع رسول الله كل المعارك، وقدّم كل ما يملك، ومات شهيداً، فلم يغفر له ما تعلق بذمته من الدين، فما بال الملايين من المسلمين يقترضون وفي نيتهم ألا يؤدون ؟.


الذنوب ثلاثة أنواع: ذنب يغفر و ذنب لا يغفر و ذنب لا يترك:

أيها الأخوة، ذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، الذنب الذي يغفر ما كان بينك وبين الله، والذنب الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والذنب الذي لا يترك هو ما كان بينك وبين العباد.
لا بد من توضيح دقيق للإخوة الكرام: النصوص التي يتوهمها المسلمون أنها تغطي كل الذنوب هم واهمون.
(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/02.jpg
أية ذنوب ؟ ما كانت بينه وبين الله وحدها، لكن ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة.

(( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
ما كان بينك وبين الله فقط، لكن ما بينك وبين العبادة لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، هذه حقيقة مرة، لكنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، حتى الإنسان لا يكون ساذجاً، يحج ويتوهم كل ما عليه من حقوق قبل الحج غفرها الله، حقوق العباد لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة:

(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص ]
مرة ثانية:

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ـ لم يكن الحديث أتلفها الله، الحديث عن هذه الأموال، إما أن الله أدى عنه هذه الأموال وأتلفها ـ قال: أتلفه الله ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]



الله عز وجل أول لأنه لم يسبقه بالوجود شيء:

أيها الأخوة، الله أول، لأنه لم يسبقه بالوجود شيء، وهو الذي علا بذاته وشأنه مبتدئاً فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، يحتاجه كل شيء في كل شيء، وهو لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ أيغفل الإنسان عنه ؟ لم يسبقه في الوجود شيء، وهو الذي علا بذاته، وشأنه، رواية أخرى: فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء.
هو "الأول" كن مع "الأول" لا تكن مع المتأخر، لا تكن مع الفرع، لا تكن مع إنسان قوي، كن مع أقوى الأقوياء، لا تكن مع إنسان يبدو لك غنياً، كن مع أغنى الأغنياء، لا تكن مع إنسان يدعي العلم، كن مع العلم المطلق، هو الله عز وجل، لا تكن مع الجميل، وقد ضحيت من أجله بكل شيء، كن مع مانح الجمال.
(( إن الله جميل يحب الجمال ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]



من معاني "الأول" :

1 ـ الله سبحانه وتعالى سبب كل شيء:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/03.jpg
إخوانا الكرام هذا الاسم يحتاج إلى شرح كثير، من معاني "الأول" الذي يترتب عليه غيره، يعني إنشاء بناء يحتاج إلى مال، المال أول، معك مال تفكر بإنشاء بناء، بالمعنى الفلسفي، الأول هو الشيء الذي يترتب عليه غيره، بل هو الشيء الذي يبنى عليه شيء، بل هو النتيجة التي تؤسس على مقدمة، هذا المعنى سببي، يعني الله عز وجل أول يعني سبب كل شيء.
الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، هذا التسلسل لا ينتهي، في النهاية من خلق الدجاجة الأولى ؟ الله عز وجل، "الأول"، أي حديث، أي شيء، تتبعه إلى بداياته في النهاية تصل إلى الله، هو "الأول".
إذاً هذا المعنى الأول للأول أن الله سبحانه وتعالى سبب كل شيء، بل هو مسبب الأسباب، المعنى الأول سببي، وبالتالي معنى زمني، سببي زمني.



2 ـ الله عز وجل الأول في كل شيء:


المعنى الثاني: "الأول" رتبي، أوضح شيء، مثلاً فلان الأول في التجارة، فلان الأول في العلم، فلان الأول في الحكمة، معنى رتبي، يعني من حيث النوع هو فوق كل شيء، أعلى شيء، الأول على كل شيء، هذا الطالب هو الأول، قد يكون أصغر طالب في الصف، الأول لا يعني هو الزمن إطلاقاً، المعنى الأول سببي زمني، لا شك أن الأب قبل الابن، لأن الأب سبب ابنه، الأب سبب الابن، وفي الوقت نفسه ولد قبل الابن، لأنه أصل، الآية التي تؤكد هذا المعنى، قوله تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/04.jpg

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )
هناك تساؤل: أن يا رب أيعقل أن تعلم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾
نقول نحن: هذا الترتيب في الآية ليس ترتيباً زمنياً، لأنه لو كان ترتيباً زمنياً الفكرة غير معقولة، إنسان يعلم قبل أن يُخلق ؟ يُخلق ثم يعلم، هذا الترتيب رتبي، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، وللتوضيح:
الآن يوجد حواسيب صناعية غالية جداً بمئات الملايين، لو إنسان استورد حاسب لمعمله، وفي خطأ بالتصدير، الشركة نسيت أن ترسل تعليمات التشغيل والصيانة التعليمات كتاب، هذا الكتاب لم يرسل مع الآلة، والآلة غالية الثمن، معقدة التركيب عظيمة النفع، فإن خفنا على الآلة من العطب، ولم نستخدمها جمدنا ثمنها، وإن استخدمنها من دون هذه التعليمات أتلفناها، أليست في هذه الحالة التعليمات أهم من الآلة ؟ من دون تعليمات تعطبها، خوفاً عليها لا تستخدمها، فهذه التعليمات أخطر من الآلة نفسها، وهذا الكلام ينسحب على الإنسان.


وجود الإنسان من دون منهج يسير عليه لا معنى له إطلاقاً:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/05.jpg
وجودك أيها الإنسان من دون منهج تسير عليه لا معنى له، الإنسان من دون منهج سوف يقع في إثم كبير، بسبب وجود الشهوات، هناك حب المرأة، وحب المال، وحب العلو في الأرض، هذه الشهوات تدفعه بعنف إلى حتفه أحياناً، الإنسان أحياناً يهلك بحبه للمال يُقتل في النهاية، يهلك بحبه للشهوة، يغرق في شهوات ثم ينتهي مصيره إلى الهلاك.
فالإنسان لا بد من منهج يسير عليه، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
المعنى الأول: "الأول" له معنى سببي زمني، والأصح معنى سببي، هو مسبب الأسباب، المعنى الثاني: "الأول" له معنى رتبي، "الأول" الأول في كل شيء، "الأول" في علمه، "الأول" في حلمه، "الأول" في رحمته، "الأول" في عدله، "الأول" في قوته ، "الأول" في غناه، وفي كل مجتمع هناك جامعة، يقول لك هذا الأستاذ الأول، بمؤسسة هذا العقل الأول في هذه المؤسسة، هو الذي يديرها، بأي مكان، بأي مجال، بأي زمن، بأي عصر في إنسان ضمن مجتمع معين، هو الأول، أحياناً يقول لك: هذا الرجل القوي، قد يكون معاون المدير العام، لكنه أقوى منه، هو الأول.
معنى الأول، "الأول" معنى سببي، المعنى الآخر: "الأول" معنى رتبي.


3 ـ الله عز وجل الأول رتبة و زماناً ليس قبله شيء:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/06.jpg
المعنى الثالث: "الأول"، "الأول" المتقدم زماناً، ربيع الأول، ربيع الثاني، هذا تقدم زمني شعبان أولاً، رمضان بعده.
وهناك المتقدم مكاناً، أنت في الطريق إلى حلب، حمص أولاً، ثم حماة، ثم حلب.
الآن الصناعة: الأول الذي تبدأ به، إنشاء بناء، أول شيء فيه حفر الأرض، في صناعة سيارة أول شيء الهيكل، وهكذا، هناك معنى ترتيبي، ومعنى مكاني، ومعنى زماني، ومعنى رتبي، ومعنى سببي، هذا معنى "الأول".
الله عز وجل ، جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد:

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

( سورة الإخلاص )
"الأول" سبباً، و "الأول" رتبة، و "الأول" رتبة و زماناً ليس قبله شيء، بل الزمان من خلفه، الزمان لا يحيط به، هو يحيط بالزمان، هو "الأول" مكاناً، الكون كله من خلقه، "الأول" في الترتيب، كان الله ولم يكن معه شيء، هو "الأول"، هنيئاً لمن كان مع "الأول"، هنيئاً لمن كان ولياً للأول.


من كان مع الله كان الله معه:

إخوانا الكرام، يوجد بالحياة أقوياء، و أغنياء، و أناس لامعون جداً، لكن الإنسان إذا ربط مصيره مع هؤلاء، ولسبب أو لآخر انتهى هؤلاء ينتهي معهم، المؤمن مع الله، لا يحسب على غير الله، ولا يجير إلى غير الله، مع الله.
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
الآن في مصائب كثيرة في الأرض، في مصائب صحية، في مصائب مالية ، في مصائب إدارية، كان بمنصب رفيع أزيح عنه، في مصائب أسرية زوجة خائنة، في مصائب لا تعد ولا تحصى، ولكن البطولة أن تكون موحداً في هذه المصائب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/07.jpg

(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
التوحيد بالمصائب تصل من خلالها إلى الله، يعني هل يعقل أن إنساناً ضرب إنسان بعصا، أن يحقد هذا المضروب على العصا ؟ مستحيل ! يكون أحمقاً، الحقد على الضارب، فإذا كان كل الطغاة والأقوياء عصي بيد الله، حينما تعلم علم اليقين أن الله سمح لهم، في مشكلة مع نفسك، التوحيد في المصيبة يلغي الحق، الأول، من سمح لهذا الإنسان أن يصل إليك ؟ هذا الكلام لا يعني أن تستسلم، معاذ الله أن يُفهم هذا المعنى، لكن هذا المعنى ينبغي ألا تشرك، ألا تحقد، هذا الإنسان سمح الله له أن ينال منك، لحكمة بالغة وهناك مشكلة، طبعاً ردّ عليه، وأزل هذا الظلم عنك، وراجع نفسك لماذا سلطه الله عليّ ؟
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 129 )




على كل إنسان أن يراجع نفسه إذا أصابته مصيبة ما لا أن يحقد لأن الحقد دليل الشرك:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/08.jpg
سألوا مرة تيمور لنك من أنت ؟ أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، أنت حينما توحد في فهم المصيبة لا تحقد، لكن تقاوم، أنت حينما توحد في فهم المصيبة لا تجبن بل تكن شجاعاً في ردك.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى )
ينبغي ألا تحقد، لأن الحقد قاتل، الحقد دليل الشرك، أما التوحيد، هذا القوي وصل إليّ، ونال مني، وسمح الله له بذلك، لحكمة بالغةٍ بالغة، قد أعلمها، وقد لا أعلمها لكنني واثق أن الله حكيم.
لذلك أرد عليها، آخذ بحقي، والدليل الآية واضحة،
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
والله معك، لكن لا تحقد، لا تحقد لأنك موحد، ما كان لهذا القوي أن ينال منك، لولا أن الله سمح له.

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 90 )




المسلمون ينقصهم التوحيد لأنهم بالتوحيد تحل مشكلاتهم و يزول إحباطهم:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/09.jpg
إخوانا الكرام، المسلمون ينقصهم التوحيد، بالتوحيد تحل مشكلاتهم، بالتوحيد يزول هذا الحقد من نفوسهم، بالتوحيد يزول هذا الإحباط، هذا الشعور أنهم دون بقية الشعوب، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، دقق:

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 17 )
اصبر، هذا القضاء الذي يأتي الإنسان من الله مباشرة، يعني للتقريب:
شخص له ابن يحبه حباً جماً، وقف على الشرفة، تطاول عليها فسقط فنزل ميتاً هل هناك جهة يصب عليها جام غضبه ؟ هذا قضاء وقدر من الله له، أما حينما يدهس سائق هذا الابن، في شخص أمامك، يمكن أن تحقد عليه، يمكن أن تتمنى أن تمزقه.


كل إنسان بحاجة إلى التوحيد لو جاء القضاء والقدر على يد إنسان:


هناك آية ثانية قال تعالى:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾

( سورة الشورى الآية: 43 )

﴿ صَبَرَ ﴾
على قضاء الله وقدره
﴿ وَغَفَرَ ﴾
لمن كان هذا القضاء على يده.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة الشورى )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/10.jpg
في لام المزحلقة، لام التوكيد، يعني أنت بحاجة إلى التوحيد ألف مرة زيادة فيما لو جاء القضاء والقدر على يد إنسان، دققوا في هذه الآية:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الصواعق والصواريخ الآن.
﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الزلازل، أو الألغام.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
براوندا أحدث رقم خلال أيام تمّ إبادة ثمانمئة ألف، والعالم يتفرج، يبدو أنه ليس هناك في بترول، ثمانمئة ألف أبيدوا في أيام.


التوحيد في فهم المصيبة يُخفف وقعها:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/11.jpg
أيها الأخوة، التوحيد نحن في أمس الحاجة إليه، لفهم ما يجري حولنا، لا نحقد لكن نكون شجعاناً،
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
فالتوحيد في فهم المصيبة يخفف وقعها، بل يجعلك شجاعاً في ردها، إذا شخص دخل إلى بيته سارق، يقول سبحان الله ! أمر الله عز وجل، هذه مشيئة الله، يكون أحمقاً يجب أن يقاومه، أن يأخذه ويسلمه إلى المسؤولين عن الأمن.
فإنسان مستسلم هذا إنسان غير مؤمن، المؤمن لا يستسلم، بل يقاوم، يأخذ بحقه والآية واضحة جداً:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
إلا أن المؤمن لا يحقد لأنه موحد.

(( ولكل شيء حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[ أخرجه أحمد، والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]



من كان مع الأول كان الأول دائماً:

هو "الأول"، هذا الذي نال منك مَنْ خَلَقه ؟ الله عز وجل، من أعطاه القوة ؟ الله عز وجل، من سمح أن يصل إليك ؟ الله عز وجل، الله عزّ وجل رحيم، وعليم، وقدير، وحكيم، وعدل، إذاً الكرة في ملعبي.
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

(( ولو أن أولكم وآخر، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك أن عطائي كلام وأخذي كلام ـ الآن دققوا: فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أيها الأخوة الكرام، اسم "الأول" اسم دقيق جداً، كن مع "الأول" تكن أولاً ولا تكن مع الآخر تكن آخراً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-12-2018, 09:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(42)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



من أسماء الله الحسنى: ( الآخر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الآخر".



ورود اسم الآخر في القرآن و السنة:


ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:

(( اللهم أَنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء، اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
مرة الإمام علي رضي الله عنه قال: " واللهِ والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين مستحيل ! وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، مستحيل أيضاً ! ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، مستحيل ! وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، مستحيل ! أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.


اللغة العربية تعدّ من أرقى اللغات الإنسانية من حيث التصريف:

"الآخر" اسم فاعل، لمن اتصف بالآخرية، اللغة العربية لغة التصريف، لغة الاشتقاق، وهي في رأي العلماء الكبار الأجانب من أرقى اللغات الإنسانية، يعني في فعل ماضي، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، اسم تفضيل، صفة مشبهة باسم الفاعل، كل هذه المشتقات من أصل واحد، باللغة العربية، كتب، يكتب، اكتب، كتابة، مكتب، كاتب، مكتوب، أما باللغة الأجنبية الطاولة تيبل، وكتب رايت، والكتاب بوك، من ثلاث مواد، أما اللغة العربية تعدّ من أرقى اللغات الإنسانية من حيث التصريف.
بل إن اللغة العربية تتمتع بسعة في التعبير، ففي اللغة نظر لها أحوال كثيرة تقول مثلاً: شخص، هذا نظر مع الخوف.

﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 97 )
هناك رنا أي نظر مع المتعة، رنوت إلى المنظر الجميل، حدج: نظر مع المحبة، حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم، هناك لمح، لمح: نظر وأعرض، ماشٍ في الطريق يوجد باب مفتوح، نظرت فإذا امرأة، أنت مؤمن غضضت عنها البصر، لاح شيء: ظهر واختفى، لاح بين الغيوم طائرة، حدق: نظر بدهشة حتى اتسعت حدقة عينه، حملق: نظر بحدة حتى ظهر حملاق عينه، استشف: نظر، وفحص الثوب بيديه، استشف، استشرف: نظر وتمطى.
اللغة العربية من أوسع اللغات اشتقاقاً، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوة أهلها.


تعريف الآخر من حيث اللغة:

على كلٍ: "الآخر" اسم فاعل لمن اتصف بالآخرية، و "الآخر" يقابل الأول
﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ﴾
و "الآخر" لما بقي من المدة الزمنية، جاء في آخر الوقت، والرقم الذي يلي الأول "الآخر" في الأرقام العددية، أو ما يلي الأول في البعدية والنوعية، أو لما بقي في المواضع الأرضية، هذه كلها معاني عليها شواهد من كتاب الله، ولكن نكتفي بشاهدين "الآخر" الذي يقابل الأول قال تعالى:
﴿ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا ﴾

( سورة المائدة الآية: 114 )
و "الآخر" لما بقي من المدة الزمنية في قوله تعالى:
﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة المائدة )
وهناك شواهد كثيرة على المعاني الدقيقة لكلمة الآخر.
لكن الذي يعنينا، يعنينا اسم الله "الآخر"، الله "الآخر" المتصف بالبقاء، والآخرية هو "الآخر" الذي ليس بعده شيء، و "الآخر" الباقي بعد فناء خلقه.
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

( سورة القصص الآية: 88 )




الفرق الكبير بين أن الله باقٍ ببقائه الذاتي وبين أن يكون المؤمنون في الجنة إلى الأبد:



لكن هناك سؤال دقيق يعد إشكالية في الموضوع آيات كثيرة تؤكد أن المؤمنين في الجنة:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

( سورة الطلاق الآية: 11 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/01.jpg
المؤمنون في الجنة خالدون في الجنة أبداً، فكيف نجمع ونوفق بين أن الله هو الآخر وليس بعده شيء، وبين أن المؤمنين في الجنة خالدين فيها أبداً ؟ الإجابة سهلة جداً الله عز وجل باقٍ وليس بعده شيء، ببقائه هو، من أسمائه أنه باقٍ، من أسمائه أنه "الآخر" لكن إذا أراد الله للمؤمنين أن ينعموا في جنة إلى أبد الآبدين هؤلاء باقون بإبقاء الله لهم، فرق كبير بين أن نفهم أن الله باقٍ ببقائه الذاتي، وبين أن يكون المؤمنون في الجنة إلى أبد الآبدين، نقول: المؤمنون باقون بإبقاء الله لهم، هذه الإشكالية إن صحّ التعبير تتوضح بشكل جلي إذا ضربنا المثال التالي:
الله عز وجل يصف النبي عليه الصلاة والسلام فيقول، يعني قل لهم:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

( سورة هود الآية: 31 )
النبي على عظم شأنه، وعلى علو مقامه، وعلى أنه سيد الخلق، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم، لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله، وأي إنسان، وأية جهة، تدعي أنها تعلم الغيب، قل لها بملء فمك أنتم كاذبون، لا يعلم الغيب إلا الله، وعلى الرغم من أن هذا العصر عصر علم، وعصر تنوير، هناك خرافات، وهناك مشعوذون، وهناك دجل لا يعلمه إلا الله، الغيب لا يعلمه إلا الله.


النبي الكريم لا يعلم الغيب لكن إذا تحدث عن المستقبل فبإعلام الله له:

شيء آخر: أحاديث كثيرة تتحدث عن أشراط الساعة، كيف نوفق بين أن النبي الكريم لا يعلم الغيب، وبين أنه نطق بأحاديث صحيحة عن أشراط الساعة، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه، ألم ندرك هذا الزمان ؟ مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه وإن سكت استباحوه، موت كعقاص الغنم.
قبل يومين بلغني أن مذبحة راوندا قتل فيها ثمانمئة ألف بأيام، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
عندنا مصطلح جديد اسمه التطهير العرقي، هذا الذي تقتله ماذا فعل ؟ أسلب مالاً ؟ انتهك عرضاً ؟ أسفك دماً ؟.
موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
من علامات قيام الساعة:
(( يكون الولد غيظاً وأن يكون المطر فيظاً وأن تفيض الأشرار فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

(( إذا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غير أهله فانتظر السَّاعة ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
من علامات قيام الساعة:

(( أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]
أم مؤمنة، طاهرة، عفيفة، مربية، تنجب بنتاً تدرس، تقول لك أمي دقة قديمة

(( أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها ))
أحاديث كثيرة هذا موضوع مستقل، فكيف نوفق أن الله عز وجل في القرآن الكريم يقول عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
والنبي تكلم أحاديث كثيرة عن أشراط قيام الساعة، أيضاً الإشكالية تحلّ بهذه الجملة، النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب لكن إذا تحدث عن المستقبل فبإعلام الله له.


الحقائق التي علّمها الله تعالى لسيدنا محمد تجعل الإنسان يرفض مئات التأويلات:

لكن بالمناسبة: من أجل أن نعلم حقيقة هذا النبي العظيم، أول صفة:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
الصفة الثانية قل:

﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

( سورة الجن )
الصفة الثالثة:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 188 )
لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، و
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
أية جهة في الأرض من آدم إلى يوم القيامة تدعي أنها تعلم الغيب، أو تملك أن تضر إنساناً، أو أن تنفعه اركل أفكارها بقدمك، هذه حقيقة النبوة،
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 188 )
هذا حجم سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الحجم لا يستطيع إنسان في الأرض أن يتجاوزه.
لذلك بهذه الحقائق تركل بقدمك آلاف القصص الخرافية، والشطحات ، والتأويلات، والتخرصات، والدجل، والشعوذة.


التجديد في الدين أن ننزع عنه كل ما علق به مما ليس منه:

أيها الأخوة، شخص سألني عن إيمانك بضرورة التجديد في الدين، قلت له: الدين توقيفي، الدين ليس منتجاً أرضياً، خاضعاً للتجديد، والتطوير، والتعديل، والحذف ، والإضافة، هذا دين توقيفي من عند الله، ولكن إذا سمحت لنفسي أن أقول تجديد في الدين فالتجديد في الدين لا يعني إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، يعني حجر صار أسود، ضربناه بالرمل فعاد أبيضاً، أرجعت حجر هذا البناء إلى نصاعته، أن أنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، التجديد في الدين لا يزيد عن هذا لأنه من عند الله، لأنه من عند المطلق.

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

( سورة المائدة الآية: 3 )



من توغل في الماضي أو الحاضر أو المستقبل وصل إلى الله أما الإنسان فله وضع آخر:

أيها الأخوة، لو تحركت نحو الماضي، نحن في القرن الواحد والعشرين ، القرن العشرين، التاسع عشر، العاشر، الثامن، السابع، السادس، الأول، ما قبل الميلاد ستة آلاف سنة قبل الميلاد الفراعنة، لو توغلنا في الماضي، في النهاية نصل إلى الله، هو الأول.
لو تحدثنا عن المستقبل، القرن الحادي والعشرون، الثاني والعشرون، القرن الثلاثون، في النهاية نصل إلى الله هو "الآخر"، لو توغلنا في الماضي نصل إلى الله، وإذا استشرفنا المستقبل نصل إلى الله،
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ﴾
لذلك أما الإنسان وضع آخر، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/02.jpg

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾

( سورة الانشقاق )
الإنسان يولد يفرح أهل البيت، ويزغردون، يفرحون أنه ولد سليماً، أكبر فرحة عند الولادة أنه جاء سليماً، كامل الأوصاف، الآن بعد حين تظهر أسنانه، يحتفلون، بعد حين يمشي يحتفلون، بعد حين يصبح نظيفاً يحتفلون، بعد حين يأخذونه إلى المدرسة، يتعلم الفاتحة، كل ما جاء ضيف، بابا تعال أسمعنا الفاتحة، أي الأب اختل توازنه لما ابنه قرأ له الفاتحة، كبر الابن، دخل المدرسة، يعني القصة طويلة، من ابتدائي، للإعدادي، للثانوي، دخل جامعة، في مشكلة العمل الآن، يا ترى وظيفة ؟ تجارة ؟ هذه مشكلة، هيأ عملاً، الزواج، طويلة ؟ قصيرة ؟ مناسبة غير مناسبة ؟ عندنا مشكلة الزواج، مشكلة العمل، بعد ذلك ما أنجب ولداً، يا ترى السبب هو أو هي ؟ كل مرحلة بالحياة لها هموم، تزوج، وأنجب أولاداً، ابنه في معه تشوه خلقي، يا ترى ماذا نعمل ؟ مراحل نمشي بها جميعاً، بعدها صار بالأربعين، بالخمسين يجب الآن أن يلعب رياضة، ويجب تخفيف وزنه، ويجب أن يأكل خضار وفواكه، وأن يأكل خبز نخالة، تجد حديث الذي بالخمسينات والستينات، كله بهذا الموضوع، تمشي كل يوم ؟ نعم الحمد لله، عندما كان شاباً كان يطحن الحجر، الآن يهمه الرياضة، يهمه المشي، بعد ذلك معه كيس أدوية، عشرة حبات كل يوم، بعد ذلك تأتي النعوة، أليس كذلك ؟
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾



بطولة الإنسان معرفة الله عز وجل:


الإنسان ليس باقياً، وكل مرحلة في اهتمام، يكون بالجامعة، الأساتذة والامتحانات، والمادة الصعبة، والأستاذ جاء بأسئلة غير متوقعة، وتدخل بمتاهة، تخطب يا ترى أنا الله وفقني بهذه الزوجة، ما وفقني ؟ مليحة غير مليحة ؟ تسرعت ما تسرعت تعمل شراكة مع شخص، كل مرحلة لها هموم.
(( من جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/03.jpg
اعمل لوجه واحد، يكفيك الهموم كلها،
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
الله عز وجل باقٍ، أما أنت متطور.
مرة قال لي أستاذ (رحمه الله)، قال لي مداعباً: سبحان الله أنا من خمسين سنة أنشط من الآن، قلت له: طبعاً، لا يبقى على هو إلا هو، فالبطولة أن أجعل همي أن أعرف الله.
هناك كلمة لسيدنا عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، كل واحد منا عنده صورة قديمة، صورته هو وبالعشرين، والخامسة عشر، بالثلاثين، في وضع آخر، يعني بالستين في صورة ثانية، بالخامسة والستين، بالسبعين، كلما تقدم به السن يصبح وجهه تضاريس، فيه خطوط، وتجاعيد،...إلخ.
الليل والنهار يعملان فيك، ردك على الليل والنهار: فاعمل فيهما، اعمل عملاً صالحاً.


العاقل من عمل لآخرته:

(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

(( وكاد الفقر أن يكون كفراً ))

[أخرجه أحمد عن أنس بن مالك أو الحسن البصري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/04.jpg

(( أو غِني مُطغيا ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
زوجته محجبة، سافر إلى بلد نفطي، جاءه دخل كبير، بعث لها برسالة، إن لم تأتِ بأحدث صرعات الأزياء أنت لست زوجتي، غنى مطغي، والغنى المطغي مصيبة لأن الله عز وجل علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، أما الرابعة، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، الغنى المطغي مصيبة.

(( أو مَرَضا مُفسِدا ))
هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فشل كلوي، تشمع كبد، خثرة في الدماغ.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/05.jpg

(( أو هَرَما مُفنِدا ))
نشأ لا على طاعة الله، فلما تقدمت به السن أصابه الخرف، وقد ورد في الأثر أنه:

(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]
في هذا البلد الطيب منذ سنوات أقيم حفل تكريم لعلماء القرآن الكريم، كانوا سبعة فيما أذكر، كلهم فوق التسعين:

(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]



العاقل من أعدّ العدة قبل أن يلقى الله عز وجل:

أيها الأخوة:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
عمله بعكس أقواله، أتينا إليكم من أجل حريتكم، من أجلكم، الحقيقة من أجل نهب ثرواتكم، وقتل شبابكم، وقهركم.

(( والدجال ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرّ ))

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

( سورة الحج )
هناك مدينة عربية أصابها زلزال، لي قريب هناك يقسم لي بالله أن زوجته من شدة الرعب حملت وليدها الصغير الرضيع، وانطلقت إلى الشارع، وفي الشارع فوجئت أنها تحمل حذاء زوجها وليس وليدها، أقسم لي بالله، http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/06.jpg

﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
إخوانا الكرام، بشكل علمي واضح، ممكن أن نستيقظ نحن جميعاً وأنا معكم كل يوم كاليوم السابق ؟ في يوم من الأيام ينشأ تطور بالجسم، إذا كان هذا بوابة الخروج يتفاقم إلى أن تعلق النعوة، كل بطولتك، وكل ذكائك، وكل عقلك أن تعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

و الليل مهما طال فلا بد من طلوع من الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبــر
***

و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يومـاً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـور جنــازة فاعلم بأنك بعدهــا محمول
***








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-12-2018, 09:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(43)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( المتكبر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المتكبر".



الصفة نفسها يمكن أن تستخدم مدحاً و ذماً:

قبل أن نشرح، هل يمكن أن تكون صفة في جهة مدحاً، والصفة نفسها في جهة أخرى ذماً ؟ ممكن، أوضح مثل:
أن إنساناً يحتاج ابنه إلى عملية جراحية فورية، وبحاجة إلى مبلغ كبير من المال توجه إلى شخص قال له أنا غني، وأنا أملك أموالاً طائلة، فتعلقت آماله به، ثم تبين أنه لا يملك شيئاً، فهذا الذي ادعى أنه غني، وجعل هذا المحترق إلى مبلغ معين، يعلق الأمل به ثم خيب ظنه، فكلمة أنا غني هذه صفة ذم في هذا الكاذب.
أما لو توجه إلى جهة أخرى، وكان رجلاً ميسوراً ويحب الخير، قال له: أنا غني، أنا معي مال، وسأقرضك هذا المبلغ، هذه الجهة الثانية كلمة أنا غني صفة مدح له، لو قال له أنا فقير انصرف عنه، هو معه مال ويحب الخير، فكلمة واحدة يقولها إنسان تعد ذماً ويقولها إنسان آخر تعد مدحاً.
لو إنسان جبان قال أنا شجاع، وخذلك، لو إنسان بخيل قال: أنا كريم، وخيب ظنك، لو إنسان جاهل قال: أنا عالم فاكتشفت جهله ولم يجبك عن سؤالك، أما لو إنسان شجاع وقال أنا شجاع، وأدافع عنك، وضع ثانٍ، إنسان كريم قال: أنا كريم وسأعطيك وأعطاك، إنسان عالم، وقال: أنا عالم، وسأجيبك عن كل أسئلتك، صفة مديح.
فالرب رب، والعبد عبد، فالعبد من شأنه أنه فقير، وجاهل، وضعيف، فإذا ادعى ما ليس له فهي صفة ذم، أي إنسان متكبر، إنسان مخطئ، إنسان صغير عند الناس لأنه كاذب، وأي إنسان تكلم الحقيقة، ونفعك بها، فهذه صفة مدح بحقك.



معرفة الإنسان بالله معرفة مقيدة لأنه لا يعرف الله إلا الله:

الملاحظة الثانية: تصور البحر المتوسط، كم لتر ؟ المحيط الهادي، الأرض أربعة أخماسها بحار، ولا أبالغ بهذا المثل، لو ركبت قارباً في البحر وأمسكت بإبرة مخيط وغمسته في البحر، ثم رفعت يدك بما يرجع ؟ نسبة الماء الذي حملها المخيط إلى ماء البحار، إلى ماء المحيط الهادي، كم هي النسبة ؟ والله لا أبالغ لا نعرف عن الله عز وجل إلا كما يحمل المخيط من ماء بالنسبة لماء البحر.
لذلك لا يعرف الله إلا الله، حتى الأنبياء، حتى سيد الأنبياء، معرفتهم ليست مطلقة، هذا المعنى يؤكده قوله تعالى:

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾

( سورة الكهف )
يمكن لتر حبر يكفيك عمر، هناك آية أخرى:
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 27 )



كل إنسان مفتقر بوجوده إلى الله عز وجل: لذلك أيها الأخوة:



(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[من مختصر تفسير ابن كثير]
وأدق معنى لكلمة الله أكبر حينما تصلي، طبعاً شيء بديهي أنه أكبر من كل شيء، هي أكبر مما عرفت، مهما عرفت عن الله فهو أكبر.
لذلك كلمة متكبر في الإنسان صفة ذم، يعني الإنسان خثرة دم يعني أقل من رأس دبوس إذا تجمدت في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، بمكان آخر أصيب بالعمى، بمكان آخر أصيب بفقد الذاكرة، خثرة دم ويقول أنا ؟! لو أن الدم تجمد في مكان أصيب بالشلل، لو نمت الخلايا نمواً عشوائياً أصيب بالورم الخبيث، لو توقف القلب فجأة تكتب نعوته فوراً، هذا الذي يقول أنا هو إنسان جاهل، نحن مفتقرون بوجودنا إلى الله، نحن جميعاً في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول.


كل إنسان في قبضة الله عز وجل فمن قال أنا هو إنسان جاهل:

الذي يقول أنا إنسان جاهل:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
أهلكه الله.
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )
أهلكه الله.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
أهلكه الله.
﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )
أهلكهم الله عز وجل .


ورود اسم المتكبر في آية واحدة في القرآن الكريم:

أيها الأخوة، هذا الاسم "المتكبر" لم يرد إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي السنة الصحيحة، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وهي على المنبر، قال:
﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

( سورة الزمر )
قال النبي الكريم: يقول الله عز وجل :

(( أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ))
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها:
(( أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ))
فجعل النبي يرددها، حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به.
لذلك بقدر ما تُعظم ربك تكون قريباً منه، وبقدر ما يهون أمر الله عليك تهون على الله، ويمكن أن أضغط حال المسلمين اليوم في كلمتين، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله.


معاني اسم المتكبر:

أيها الأخوة، من معاني هذا الاسم "المتكبر" ذو الكبرياء، العظيم، المتعالي القاهر لعتاد خلقه، إذا نازعوه العظمة قهرهم، متكبر، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن ظلم العباد، يقول: أنت كبير أي لا تظلم، أنت كبير لا تأخذ ما ليس لك، كلمة كبير صفة مديح، أنت كبير، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن ظلم العباد، "المتكبر" عن قبول الشرك في العبادة، في صحيح مسلم:
(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]



الكبرياء صفة مدح في ذات الله عز وجل و ذم في صفات المخلوقي:

أصل الكبر والكبرياء الامتناع، والكبرياء صفة مدح في ذات الله عز وجل، وفي صفات المخلوقين صفة ذم، لا أحد منا يحب المتكبر، المتكبر لا يحتمل، لأنه يدعي ما ليس له.

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأســمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ويســهر الخلق جراها ويختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *
كان بين بغداد وحلب، التقى بعدو له فولى هارباً، قائل هذه الأبيات معه غلام قال له: ألم تقل:

الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسـيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *
قال له: قتلتني قتلك الله، وعاد فقاتل عدوه وقتله، مات في الطريق.
كلام فارغ، والله أيها الأخوة، معظم كلام الناس كلام فارغ، من أنت ؟ كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك.
لذلك من رأى العظمة والكبرياء في نفسه فقد كذب على الله، قال تعالى:
﴿ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾

( سورة غافر الآية: 27 )




تناقض العبودية مع الكِبر:

أخوانا الكرام، في صحيح مسلم:
((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أنا كنت أقول: إنسان جاءه ضيوف كثر، ما عنده شيء، عنده كمية لبن محدودة، أضاف إليها خمسة أضعاف ماء، جعلها شراباً رائع اً، وقدم الضيافة للضيوف هذا كيلو اللبن تحمل خمسة كيلو ماء، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، يتحمل خمسة أضعافه ماء، يصبح شراباً لذيذاً، أما أن تضع فيه قطرة بترول واحدة انتهى.
العبودية تتناقض مع الكبر، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تجد إنساناً مؤمناً متكبراً، يعني إنسان يمشي في المسجد ليلاً ما في إضاءة، فوطأت قدمه رجل إنسان فصاح هذا الإنسان أأعمى أنت ؟ هو خليفة المسلمين سيدنا عمر، قال له: لا، قال له: سألني فأجبته.
دخل إنسان إلى رسول الله أصابته رعدة، قال له: هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة.
لا يمكن أن يكون المؤمن متكبراً، لأنها صفة ذم به، دون أن يشعر، يقول الله وفقني، كلام صحيح، الله مكني، الله أكرمني بهذا البيت، أكرمني بهذه الزوجة، أعطاني، رزقني ولداً، دون أن يشعر كل كلام المؤمن يعزو النعمة إلى المنعم، حتى النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ـ ما قال فهديتكم ـ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))

[ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري]



إن الله جميل يحب الجمال:

أيها الأخوة، سأل رجل النبي عليه الصلاة والسلام: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسن أنيق، ونعله حسنة، هل هذا من الكبر ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
بطر الحق أن ترد الحق، يعني تكون إنسانة مسلمة، محجبة، في بلد غربي تختلف مع زوجها، ترفض أن ترفع قضيتها لقاضٍ مسلم، لأن هذا القاضي المسلم يحكم لها بالمهر فقط، ترفع قضيتها لقاضٍ آخر، يحكم لها بنصف أملاك زوجها، ترفض آيات الميراث، أريد أن آخذ نصف ماله، كل إنسان يرفض الحكم الشرعي متكبر.


أخطر معصية على الإطلاق معصية الاستكبار:

إبليس ماذا فعل ؟

﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 34 )
أبى أن يسجد لله عز وجل.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
أخطر معصية معصية الاستكبار، وأهون معصية توبة معصية الغلبة.
﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 106 )
سيدنا آدم:

﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾

( سورة طه )
لم يعزم على المعصية لكن ظنّ أن هذه الشجرة تجعله في هذه الجنة خالداً أكل منها، قال:
﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾
أما إبليس:
﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾

﴿ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾

( سورة الأعراف )




عدم الاستكبار عن طاعة الله عز وجل:

أخطر معصية أن تستكبر عن طاعة الله عز وجل،
(( الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ ))
هو هذا هو الحكم الشرعي، لا، أريد المحاكم، أريد القانون.
هناك إنسان بذكائه يكتشف أن هذه القضية لا تحلّ عند العلماء، تحلّ عند القضاة القضاة يحكمون بالقانون، أما العلماء يحكمون بالشرع يتوجه إلى القضاة، يقول نحن بلد فيه قانون، فيه نظام، أنا أحتكم إلى المحاكم، أحياناً يكون المستأجر محمياً بالقانون، سيدي أنا يدي على شرع الله، لماذا في تلك القضية توجهت إلى القضاء، وفي هذه توجهت إلى العلماء ؟ هو يريد مصلحته فقط، أين هي ؟ أحياناً تجد شخصاً مهماً يحتكم لعالم، لأنه يعلم علم اليقين أن القانون مع خصمه، وأحياناً يحتكم إلى القضاء، يعلم علم اليقين أن العالم لا يعطيه حقه، لا يعطيه ما يتمنى، بالضبط، يحتكم للقانون.
(( الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))



المتكبر هو:


1 ـ الملك:


الآن "المتكبر" من الكبرياء، والكبرياء هو الملك، قال تعالى:

﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا ﴾

( سورة يونس الآية: 78 )
في الملك، الكبرياء هو الملك.
﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة يونس )
"المتكبر" هو الملك الذي لا يزول سلطانه، والعظيم الذي لا يجري في ملكه إلا ما يريد.


2 ـ الكبير:


"المتكبر" العظيم والكبير.

﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾

( سورة يوسف الآية: 31 )
لذلك الآية الكريمة:

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )




طريق تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض:




دققوا: إذا قال الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )
الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله قال تعالى:
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

( سورة النساء )
إذاً هنا الآية تتجه لا إلى الذكر فقط، بل إلى الذكر الكثير، يقاس على هذا المعنى:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
هو آمن بالله، إبليس آمن بالله، قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )
قال له:
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾

( سورة ص الآية: 76 )
إبليس آمن بالله، لكن ما آمن به إلهاً عظيماً،
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
تؤمن بالله أنه عظيم من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض، والدليل:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 67 )
معنى ذلك أن طريق تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض.


3 ـ العظيم:


"المتكبر" ؛ العظيم
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة: كلما عظم مقام الإله عندك كنت أقرب إلى الله، وكلما صغر مقام الإله عندك، لا تجعل ربك أهون الناظرين إليك، هذا الذي له جلوة، وله خلوة ، يفعل شيئاً في خلوته ما لا يفعله في جلوته، يعني هو لا يخشى الله يخشى الناس، فلما خلا مع نفسه ارتكب معصية، من هنا قيل:

(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً ))

[ رواه الديلمي عن أنس ]

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

ما المخلط ؟ هو الذي خلط عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، "المتكبر" ؛ العظيم الكبير
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾




4 ـ المترفع عن ظلم العباد:


"المتكبر" المعنى الآخر، المترفع عن ظلم العباد، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن قبول الشرك، "المتكبر" الذي انفرد بالكبرياء والملكوت، وتوحد بالعظمة والجبروت، "المتكبر" الذي بيده الإحسان ومنه الغفران.



الله عز وجل بيده الإحسان ومنه الغفران وليس لملكه زوال:

مرة ثانية أذكركم بقول بعض الناس لوجهاء القوم: أنت كبير، لا تفعل هذا ، أنت كبير لا تأخذ ما ليس لك، أنت كبير لا تنتقم.
قريش نكلت بأصحاب النبي، رضوان الله عليهم، وأخرجت النبي من مكة وحاربته حروباً ثلاثة، فلما سيطر عليهم قال:
(( ما تظنون أن فاعل بكم ؟ ـ وبإمكانه بمنطق الطغاة أن يلغي وجودهم ـ قالوا أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[السيرة النبوية]
أنت كبير يعني كامل، أنت كبير لا يمكن أن تنتقم، لا يمكن أن تفعل سوءاً، لا يمكن أن تنحاز، الذي بيده الإحسان ومنه الغفران، ليس لملكه زوال، ولا لعظمته انتقال "المتكبر" من الامتناع عن الانقياد.
يعني المؤمن أنا أقول: رقم صعب، رجل مبادئ، رجل قيم، لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُساوم، بينما الإنسان إذا غفل عن ربه له سعر، يعني إنسان يغير قناعته بألف ثمنه ألف، هو وعلمه، وشهاداته، ومكانته، وهيمنته، ثمنه ألف، في إنسان بمليون يغير، إنسان بخمسة ملايين، ما دام له سعر سقط من عين الله، ما دام له سعر يغير به قناعاته انتهى عند الله، مهما كان هذا السعر كبيراً، له سعر.


5 ـ الامتناع عن الانقياد:


"المتكبر" من الامتناع وعدم الانقياد، "المتكبر" طليق الإرادة، لا تحكمه إرادة أخرى.



6 ـ المتعالي عن صفات خلقه:


آخر معنى من معاني "المتكبر"، "المتكبر" المتعالي عن صفات خلقه، كلما خطر في بالك شيء فالله بخلاف ذلك، "المتكبر" عن صفات خلقه، كامل في ذاته، وفي صفاته وفي أفعاله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-12-2018, 09:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(44)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( البصير):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البصير".



ورود اسم البصير في القرآن الكريم:


أيها الأخوة، ورد هذا الاسم "البصير" في أكثر من خمسين آية، ورد معرفاً بأل وورد منوناً، ورد مقترناً باسم السميع والخبير، وورد غير مقترن، فمن الآيات التي ورد فيها اسم "البصير" معرفاً قوله تعالى في مطلع سورة الإسراء:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

( سورة الإسراء )



الإسراء والمعراج جاء مكافأة لسيد الخلق عن جفوة أهل الأرض بترحيب السماء له:


لو أن بعض الأخوة المؤمنين كان حفظه للقرآن ضعيفاً فنسي أواخر هذه الآية فتصور أن

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ ﴾
على كل شيء قدير، لماذا جاءت
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
نحن نذكر أن خط الدعوة الإسلامي البياني وصل إلى الحضيض في الطائف حينما سخر أهل الطائف من رسول الله، وحينما كذبوه، وحينما نالوه بالأذى، فماذا قال ؟ قال:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي (كحال المسلمين اليوم) وهواني على الناس، يا رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى عدو ملّكته أمري (الدعاء طويل) إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
هذه محنة ما بعدها محنة، هذه شدة ما بعدها شدة، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون بعد كل محنة منحة، وبعد كل شِدة شَدة إليه.
فجاء الإسراء والمعراج مكافأة لسيد الخلق وحبيب الحق، وجاء تعويضاً عن جفوة أهل الأرض، بترحيب السماء له،
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
يعني يا محمد سمعنا قولك في الطائف، ورأينا معاناتك، وهذا ردنا، وأنت سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين.


ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله عز وجل بمحنة إلا وراء هذه المحنة منحة:


دققوا أيها الأخوة، ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله عز وجل بمحنة إلا وينبغي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن وراء هذه المحنة منحة، أنا أقول ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله بشدة إلا كان وراء هذه الشِدة شَدة إلى الله، هذا مبدأ وهذا قانون.

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

( سورة القصص )
فلذلك هذه الآية في نهايتها
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
إن دعوت الله يسمعك ، وإن عانيت ما تعاني يراك، سميع بصير، وإن أضمرت نية طيبة يعلمها، إن تكلمت يسمعك وإن تحركت يراك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، فالتعامل مع الله سهل جداً، لا تحتاج لا إلى إيصال، ولا إلى يمين، ولا إلى دليل، حتى أن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله.


ورود اسم البصير في القرآن الكريم منوناً:


وورد هذا الاسم أيضاً منوناً في قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الحج )
يراك.
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

( سورة الإسراء )
آية أخرى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم ِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

( سورة الشعراء )
أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله يراه، اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لا تجعل ربك أقل الناظرين إليك، لماذا ؟ لأن الله ينظر إلى قلوبكم، هل في هذا القلب حقد ؟ هل في هذا القلب كبر ؟ هل في هذا القلب استهزاء بالآخر ؟ لا تجعل ربك أهون الناظرين إليك، يراك، سميع بصير.


ورود اسم البصير في السنة الشريفة:


هذا الاسم أيضاً ورد في السنة الصحيحة:
(( إنَّكْم لا تَدْعُونَ أصَمَّا، ولا غَائِبا، إنكم تَدْعُونَ سَمِيعا بَصِيرا ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]



أفضل دعاء المرء أن يكون خفية:

أفضل الذكر إخفاء الذكر، أفضل الدعاء أن يكون خفية.

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 55 )
لأنه يسمعك، وإذا كنت في موقف عصيب بإمكانك أن تدعوه دون أن تحرك شفتيك.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

( سورة مريم )



تعريف البصير من حيث اللغة:

أيها الأخوة، معنى كلمة "البصير" أولاً بنيتها صيغة مبالغة، والمبالغة في اللغة تعني مبالغة الكم، مبالغة النوع، فإذا قلنا الله عز وجل غفور يعني يغفر مليار ذنب، وإذا قلنا غفور يغفر أكبر ذنب، نوعاً، وكماً، فالله بصير، وصيغة بصير من صيغ المبالغة والمبالغة تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، أنت أحياناً تنظر إلى جهة واحدة، وليس في الإمكان أن تنظر إلى جهتين معاً، لكن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى كل الخلائق من دون استثناء ويرى أدق شيء، ومهما خفي على الناس لا يخفى عليه.
إذاً هذا الاسم من أبنية المبالغة، على وزن فعيل، ككريم، سميع بصير، البصر العين، اسم ذات، والبصر الرؤية اسم معنى، اسم ذات أو اسم معنى، نقول مثلاً حائط اسم ذات، أما دراسة اسم معنى، لكن الذي يلفت النظر أن البصر هو النور الذي تبصر به الأشياء.
بربكم هذه العين مهما تكن دقيقة من دون نور يتوسط بينها وبين المنظور لا قيمة لها، يستوي في غرفة مظلمة البصير وغير البصير (الكفيف)، لا بد من نور يتوسط بين العين وبين المرئيات هو نور الكهرباء أو نور الشمس.



حاجة عقل الإنسان إلى وحر السماء كحاجة العين إلى ضياء الشمس:

الكلام الذي سأقوله خطير جداً، مهما يكن الإنسان ذكياً، لو كان عقله كعقل أنشتاين، مهما يكن الإنسان ذكياً، متألق الفكر، إن لم يستنر هذا العقل بنور الوحي فهو أعمى، يعني حاجة الإنسان إلى وحي السماء، بل حاجة عقل الإنسان إلى وحر السماء كحاجة العين إلى ضياء الشمس، لذلك من دون وحي:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾

( سورة المدثر )
يعني إنسان ذكي متألق، ذكاؤه من أرفع مستوى، من دون وحي يهتدي به فهو جاهل.


البشر من دون وحي السماء مصيرهم إلى المحق و الهلاك:


أزمة العالم أنهم اعتمدوا على العقل البشري وحده، وغفلوا عن وحي السماء، لذلك العالم يعاني ما يعاني، يعاني من الحروب، من القتل، من الظلم، من سوء توزيع الثروة 10% من أهل الأرض يملكون 90% من ثروات الأرض، و90% من أهل الأرض يعيشون دون الكفاف، العقل البشري من دون وحي السماء قاد إلى هذه المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13 )
لا ليقتل بعضكم بعضاً، لا ليستغل بعضكم بعضاً، لا ليقهر بعضكم بعضاً، لا ليمحق بعضكم بعضاً، البشر من دون وحي السماء كما ترون.


نور الوحي يُبعد الإنسان عن الظلم و العدوان:


(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.

(( موت كقعاص الغنم ))

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]
و:

((....وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً. ))

[ رواه الطبراني في الأوسط عن أم الضراب]
أيها الأخوة، هذا المعنى تؤكده الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 28 )
هذا نور الوحي
﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )



الله عز وجل يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة:

الآن التبصر ؛ التأمل، التعرف، البصيرة ؛ الحجة.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )
الآن الله جل جلاله هو "البصير" المتصف بالبصر، و "البصير" صفة من صفات ذاته، تليق بجلاله، في علم العقيدة يجب إثباتها من دون تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل ، ولا تحريف، نفوض معنى البصير إلى الله عز وجل ، لا نجسد، ولا نعطل، إن ألغينا أنه بصير تجرأنا عليه، وإن مثلنا بصره كبصرنا وقعنا في خطأ كبير.
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾

( سورة الشورى الآية: 11 )
كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، الله عز وجل يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، يرى الأشياء كلها مهما دقت أو عظمت، مهما خفيت أو ظهرت.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

( سورة غافر الآية: 19 )



عبادة غض البصر عبادة الإخلاص:

أنت في البيت والنافذة مفتوحة، وأنت في غرفة مظلمة، ولا يراك أحد على وجه الأرض، وخرجت امرأة متبذلة إلى الشرفة التي في اتجاه البيت، لك أن تطلق بصرك فيها، ولك أن تغض البصر، من يعلم
﴿ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
الله جل جلاله، لذلك عبادة غض البصر عبادة الإخلاص.
أنت طبيب ومن حقك أن ترى المكان الذي تعاني منه المرأة، اختلست نظرة إلى مكان آخر، هل في الأرض كلها جهة تستطيع ضبط هذه المخالفة ؟ أبداً،
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )
السر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، أحد العارفين بالله قال:

يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلي
ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النُحلي
* * *



الله بصير ينظر إلى المؤمنين بكرمه ورحمته ويمن عليهم بمنته وجنته:

الله بصير، الآن في معنى جديد، الله بصير ينظر إلى المؤمنين بكرمه ورحمته، ويمن عليهم بمنته وجنته، ويزيدهم كرماً منه بلقائه ورؤيته، ينظر إلى المؤمنين، ولا ينظر إلى الكافرين، لا ينظر إلى الكافرين إيقاعاً لعقوبته، فهم بعيدون عن نظره، محجوبون عن رؤيته، كما قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( سورة المطففين )



من حجب عن الله عز وجل خسر الدنيا و الآخرة:


والله أيها الأخوة، ما من عقاب على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة كعقاب من نوع أن تُحجب عن الله، هذا معنى لعنه الله، أبعده عنه، وقد تكون في أصعب محنة وقد تكون في قاع البحر، في بطن حوت، وقد تكون في غار، وأنت ملاحق، وقد تكون في النار كإبراهيم، فإذا كانت معك عناية الله، فأنت في خير، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه السكينة أين وجدها إبراهيم ؟ وهو في النار، أين وجدها يونس ؟ وهو في بطن الحوت، أين وجدها أهل الكهف ؟ وهم في الكهف وأين وجدها النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وهو في غار ثور، وقد هُدرت دمه، ولاحقه الكفار،

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
إذا أخذ منك الدنيا وتجلى عليك فأنت الفائز الأول، وإذا أعطاك الدنيا كلها وحجبك عنه فأنت الخاسر الأكبر.
﴿ أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة آل عمران )
بطولتك أن تكون موصولاً بالله، بطولتك أن ينظر الله إليك.


من نظر الله إليه أعطاه بصيرة يفرق فيها بين الحق و الباطل:

أيها الأخوة، المؤمن حينما يتقي الله ينظر الله إليه.

﴿ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾

( سورة الأنفال الآية: 29 )
ويجعل له بصيرة تريه الحق حقاً، والباطل باطلاً، تريه الحق حقاً فيتبعه وتريه الباطل باطلاً فيجتنبه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الأنفال )



من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى:


الآن في موضوع دقيق: الأعمال البشرية، أي عمل بشري تسبقه رؤيا، في علم التجارة والتسويق، ما في إنسان يشتري حاجة، إلا رأى أن هذه الحاجة أثمن من المال الذي سيدفعه ثمناً لها، ولا في بائع في الأرض يبيع حاجة إلا ويرى أن ثمنها أثمن منها رؤيا، أي حاجة تُباع الشاري يرى أنها أغلى من ثمنها حتى اشتراها، والبائع ما باع شيئاً إلا أيقن أن ثمنها أغلى منها، رؤيا، رؤيا حيادية، أما الذي يكذب ماذا يرى ؟ يرى أنه بالكذب يعدّ ذكياً، بالكذب عمّ على نفسه، فيفضحه الله عز وجل فيغدو غبياً، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى.

(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))

[أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف وألف مستحيل أن تعصيه وتربح.


من ملك رؤيا صحيحة وضع الدنيا تحت قدميه:


إذاً كل عمل بشري في قبله رؤيا، وبعد الرؤيا إرادة، وبعد الإرادة تنفيذ قانون.
الآن سيدنا يوسف حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، شاب، في ريعان الشباب، غريب، غير متزوج، هو تحت أمر سيدته، وليس من صالحها أن يفشى الخبر عنها، يعني العلماء عدوا عشرة أسباب تدعوه إلى قبول عرضها، ماذا قال:

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )
ماذا رأى ؟ هنا البطولة، الذي يقبل الرشوة ماذا رأى ؟ رأى أنه ذكي جداً قبض مبلغاً كبيراً بلا جهد، الذي يسرق ماذا رأى ؟ الذي يزني ماذا رأى ؟ البطولة أن تملك رؤيا صحيحة، أنت بهذه الرؤيا الصحيحة تضع الدنيا كلها تحت قدميك.

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[السيرة النبوية]
عندنا قانون جاء به عالم اسمه دورك هاين، هذا القانون علاقتك مع المحيط رؤيا، إدراك، انفعال، سلوك، شخص رأى بالبستان أفعى، اضطرب، علامة صحة رؤيته وإدراكه أنه اضطرب، وعلامة اضطرابه أنه هرب، أو قتلها، يعني في حركة، صحة الإدراك تقتضي الانفعال، والانفعال يقتضي الحركة، أما قل لشخص على كتفك عقرب بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، قال لك: شكراً لك على هذه الملاحظة، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، معنى ذلك أنه ما فهم مما قلت له شيئاً.


المؤمن يملك رؤيا صحيحة فيهتدي برحمة الله و توفيقه:

لذلك في درس سابق السمع عند الله تتبعه حركة، يتبعه سلوك.

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

( سورة التحريم الآية: 4 )
فلذلك أي عمل تسبقه رؤيا، أنت ماذا رأيت ؟ المؤمن يرى أن الدنيا كلها لا تعدل أن يعصي الله، يضع الدنيا تحت قدميه، المؤمن لا يرى أن الغش فيه شطارة، أنت حينما تغش المسلمين ترى أن هذا المال الذي سيأتيك من الغش أكبر من الله، ما قلت الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة.
ديننا دين حقائق، لا دين كلمات جوفاء تلقى، تقول الله أكبر، وتغش المسلمين، تكذب عليهم، تدلس، تغير صفات البضاعة، توهم أنها من ألمانيا وهي من الصين، ماذا فعلت ؟ أنت ترى أن هذا المبلغ الكبير الذي سيأتيك من إيهام الشاري أن هذه البضاعة مصنوعة في ألمانيا وهي تأتي من الصين، بأدنى صفات أنت ترى بهذا أن هذا المال أكبر عندك من الله.
لذلك قل لي ماذا ترى ؟ المؤمن يملك رؤيا صحيحة، لذلك يمشي في ظل الله وفي رحمة الله، وفي توفيق الله، والمؤمن الله معه، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-12-2018, 03:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(45)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (الباطن):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو "الباطن" هذا الاسم ورد في قوله تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

(( وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]



التعريف اللغوي للباطن:

"الباطن" اسم فاعل، والبطن في كل شيء جوفه، و "الباطن" خلاف الظاهر والله تعالى يقول:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

( سورة النحل الآية: 78 )
وقد أكّد علماء النفس أن هذا الطفل حينما يولد ليس عنده أية مهارة، ولا أية قدرة
﴿ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾
إلا منعكساً واحداً لولاه لما عاش إنسان على سطح الأرض، إنه منعكس المص، آلية معقدة جداً تُخلق مع الجنين، فإذا وصلت إصبع الممرضة إلى شفتيه مصها، لولا هذا المنعكس لما عاش إنسان على وجه الأرض،
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾



عدم الإحاطة بالله لأنه لا يعرف الله إلا الله:

أيها الأخوة، والشيء الباطن المحتجب عن الأنظار.

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 151 )
وبطن كل شيء ما احتجب عن النظر، لكن الله عز وجل هو "الباطن" ما معنى أن الله باطن ؟ قال: الله عز وجل محتجب عن الأبصار، والدليل قوله تعالى:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 103 )
لا يًرى في الدنيا، وأي ادعاء أنه رأى الله فهو كاذب،
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
لكنه يُرى في الآخرة.
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )
أيها الأخوة، الله عز وجل يُرى في الآخرة، ولكن لا يدرك، أي لا يحاط به لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لأنه لا يعرف الله إلا الله، إذاً يُرى في الآخرة بدليل قوله تعالى
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
وقد ورد في بعض الآثار: أن الإنسان إذا نظر إلى وجه الله الكريم يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة.


أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله تعالى:

لذلك هناك جنة، وهناك نظرة إلى وجه الله الكريم، في قوله تعالى:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

( سورة يونس الآية: 26 )
الحسنى هي الجنة.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )
البشر على فئتين، فئة تصدق بالحسنى أي أنها مخلوقة للجنة، وفئة تكذب بالحسنى تؤمن بالدنيا فقط، الدنيا ولا شيء إلا الدنيا.
فالجنة هي الحسنى، ما الذي فوق الجنة ؟ النظر إلى وجه الله الكريم، وما الذي فوق ذلك ؟ قال:

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة التوبة الآية: 72 )
أن تكون في الجنة هذه حسنى، وأن يُسمح أن تنظر إلى وجه الله الكريم هذه الزيادة، أما الأكبر
﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
لذلك أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله، أن تمشي في رضوان الله، أن يكون دخلك في رضوان الله، أن يكون إنفاقك في رضوان الله، أو يكون وصلك للآخرين في رضوان الله، أن تكون قطيعتك لمن حولك في رضوان الله، أن تعطي لله، أن تمنع لله، أن ترضى لله، أن تغضب لله، أن تصل لله، أن تقطع لله، هذا من كمال الإيمان.


"الباطن" المحتجب عن الأبصار و أي ادعاء لرؤية الله عز وجل هو ادعاء كاذب:

إذاً "الباطن" المحتجب عن الأبصار
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
لا يُرى في الدنيا، وأي ادعاء لرؤيته فهو ادعاء كاذب، الحقيقة أن خصائص الجسم في الدنيا لا تسمح برؤية الله.

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 143 )
إذاً مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يرى الإنسان ربه في الدنيا، لأن أجهزته، خصائصه، حواسه لا تحتمل أن ترى الله، لكن طبيعة الإنسان في الجنة تختلف عن طبيعته في الدنيا، في الجنة يمكن أن ترى الله
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
لكن في كلا الحالين أن تحيط بالله مستحيل، لا يعرف الله إلا الله، يعني أنت ممكن أن تصل بمركبتك إلى الساحل، ممكن، أن تخوض بهذه المركبة البحر مستحيل !.
فقال بعض العلماء: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به لو شخص سأل رجلاً أن هذا البحر المتوسط كم لتر ؟ فإذا قال لا أدري فهو عالم، إذا قال 33 مليار و762 يكون كاذباً، أي رقم يذكر إجابة عن هذا السؤال فهو كذب، أما أي قول لا أدري فهو العلم.
لذلك قال سيدنا الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
يعني قمة العلم في الحديث عن ذات الله نقول لا أعلم، أنت في أعلى درجات العلم، إذا قلت لا أعلم.

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )



اختلاف نظام الدنيا عن نظام الآخرة:

أيها الأخوة، الله عز وجل باطن، احتجب بذاته عن أنظار الناظرين.
عفواً في ساعة رقمية، وفي ساعة بيانية، الساعة البيانية طبيعتها تختلف اختلافاً كلياً عن الساعة الرقمية، البيانية مسننات، ونوابض، وعقارب، بنية أخرى، أما الساعة الرقمية إلكترونية، و لها نظام خاص.
أنت في الدنيا لك نظام، وفي الآخرة نظام آخر، أنت في الدنيا ترى من خلال العينين، وتنقل لك الأصوات من خلال الأذنين، وتتحرك عن طريق الرجلين، وتقوم بعمل، هكذا في الدنيا، أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك الذي في أمريكا إلا إذا سافرت إليه، رؤية حقيقية مباشرة، إلا إذا سافرت إليه، تحتاج إلى ركوب طائرة سبع عشرة ساعة أحياناً، لكن في الآخرة:
﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾

( سورة الصافات )

﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾

( سورة الصافات )
النفس في الآخرة هي كلها أعين، كلها آذان، شعاع، كل شيء خطر في بالك تجده أمامك
﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾

﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾

أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك بنظرة وهو في أمريكا، أما في الآخرة أي شيء يخطر في بالك تجده أمامك، نظام آخر.




الدنيا دار ابتلاء أساسها الكدح و الآخرة دار تشريف أساسها الإكرام:

لذلك من الخطأ الكبير أن تتوهم الآخرة كالدنيا، أو أن تتوهم خصائص الإنسان في الآخرة كخصائصه في الدنيا، في الدنيا:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

( سورة الانشقاق )
من أجل أن تأكل طبقاً من الطعام، تحتاج إلى عمل ساعة، من أجل أن تركب مركبة تحتاج إلى دراسة طويلة، إلى تجارة عريضة، من أجل أن تتزوج تحتاج إلى دخل يعني الدنيا مبنية على الكدح
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
أما الآخرة مبنية على:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ ﴾

( سورة ق الآية: 35 )

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾

( سورة الحاقة )
نظام الآخرة نظام إكرام، نظام الدنيا نظام عمل، الدنيا دار عمل، ليست دار أمل، الدنيا دار تكليف ليست دار تشريف، الدنيا دار ابتلاء ليست دار جزاء، طبيعة الدنيا شيء وطبيعة الآخرة شيء آخر، طبيعة الدنيا أساسها الكدح، طبيعة الآخرة أساسها الإكرام
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ ﴾

﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

( سورة ق )

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]



اختلاف خصائص الإنسان في الدنيا عن خصائصه في الآخرة:

أضيق دائرة دائرة المرئيات، يقول لك أنا سافرت إلى بريطانيا، وإلى الهند ، وإلى مصر، هذه مرئياته، لكن يسمع بالأخبار مئات المدن، هنولولو مثلاً، يسمع بها فالمسموعات أكثر بكثير، أما الخواطر لا نهاية لها، دقق في الحديث:
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
هذا الإله العظيم الذي خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟.
لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل شاءت حكمته أن نكون على خصائص في الدنيا لا تسمح لنا أن نرى الله، فهو باطن، وشاءت حكمته أيضاً أن يهبنا خصائص أخرى في الآخرة أن نرى الله.
إنسان دخل إلى بستان جميل، جميل جداً، لكن صاحب هذا البستان له وجه يأخذ بالألباب، فالنظر إلى وجه صاحب هذا البستان يفوق النظر إلى البستان، أما إذا قال لك صاحب هذا البستان: أهلاً وسهلاً ومرحباً، أنت ضيفنا العزيز، هذا التكريم والترحيب يفوق النظر إلى وجهه.
فصار في حسنى وهي الجنة، وفي زيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وفي
﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾



من صدق الله استحق جنة عرضها السماوات و الأرض:

أيها الأخوة، الله عز وجل باطن لأنه احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها من الخلائق أجمعين، من أجل الابتلاء، فكرة دقيقة جداً أرجو الله أن يمكنني أن أشرحها لكم:
لو فرضنا امرأة تمشي بأبهى زينة، وفي إنسان يحمل مسدس، يقول لإنسان آخر إن نظرت إليها أقتلك، هل ينظر إليها ؟ مستحيل ! أما امرأة تمشي بأبهى زينة وفي ناظر مؤمن بالله، معه نص فقط، يعني كلمات:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

( سورة النور الآية: 30 )
الشهوة محسوسة، ملموسة، أمام عينك، المرأة الجميلة، البيت الجميل ، المركبة الفارهة، الطعام الطيب، المال الوفير محسوس، تدركه بحواسك الخمس، أما الآخرة خبر.

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾

( سورة الضحى )
لماذا يستحق المؤمن الجنة ؟ لأنه صدّق الله، أما أحاسيسه كلها في الدنيا، الدنيا خضرة نضرة، الدنيا محسوسة، أما الآخرة خبر، يفتح القرآن يقرأ قوله تعالى
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
صدق الله، لأنه صدق الله بالغيب لم يرَ الجنة، ولم يرَ النار، صدق فاستحق الجنة، الدليل قوله تعالى:
﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾

( سورة البقرة )
أما لو وجد لكل معصية عقاب فوري لا أحد يعصي، لكن عدم المعصية ليست سمواً، ولا عبادة، ولا محبة، ولا شوقاً، ولا إقبالاً، بحكم الخوف.


لا إكراه في الدين: لذلك الأقوياء يطاعون للخوف منهم، لكن الله أراد أن تكون طاعته عن محبة، أرادك أن تحبه، لذلك قال:


﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 256 )
أرادك أن تأتيه طائعاً، أرادك أن تأتيه بمحض اختيارك، أراد أن تأتيه محباً ، أراد أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة محبة، هذه العلاقة ثمينة جداً، أما علاقة القهر لا قيمة لها.
لو شخص، معك حاجة ثمينة، شهر عليك مسدساً وقال: أعطني إياها، تعطيه إياها هل تشعر أنك عملت عملاً صالحاً ؟ أبداً، تحس أنك مقهور.
لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو أجبرهم على أفعالهم ألغيت الجنة والنار، والثواب والعقاب، ألغي كل شيء، ألغي التكليف، ألغيت الأمانة.


بطولة الإنسان أن يأتي ربه مختاراً لا قسراً:

كل بطولة الإنسان أن جاء ربه مختاراً، بمحض اختياره جاء إلى هذا المسجد، بمحض اختياره صلى، بمحض اختياره غض بصره ، بمحض اختياره ضبط لسانه، بمحض اختياره ترك الحرام، أكل الحلال، كل قيمة عملك لأنك مخير، وكل قيمة عملك لأنك جئت الله مختاراً، لم تأتيه قسراً، الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

( سورة السجدة الآية: 13 )
يعني يا عبادي لو أنني أريد أن ألغي اختياركم، لو أنني أريد أن ألغي تكليفكم ، لو أنني أريد أن ألغي حملكم للأمانة، لو أنني أريد أن تكون طاعتكم قسراً، لفعلت هذا
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
ولكن هذا الهدى الذي يأتي قسراً لا قيمة له.
بربكم، لو رئيس جامعة أجرى امتحاناً لطلاب جامعة، وزع أوراقاً مطبوع عليها طبعاً الإجابة الكاملة، مطبوع عليها العلامة التامة، مئة بالمئة، قيل للطالب اكتب اسمك واخرج كتب اسمه، النتائج 83 طالب ممتاز، هذا النجاح له قيمة ؟ له قيمة عند الطلاب ؟ عند الأولياء ؟ عند رئاسة الجامعة ؟ سقط الامتحان.


منح الله سبحانه وتعالى رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً:

قيمتك عند الله أنك جئته مختاراً، باختيارك آمنت به، باختيارك أطعته باختيارك أحببته، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 54 )
لخص علاقته بعباده بهاتين الكلمتين،
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
من هنا الذي كفر به يطعمه ويسقيه، الكفار يأكلون، ويشربون، يسكنون البيوت الفخمة، يركبون المركبات الفارهة، معهم أموال طائلة، غارقون في ملذاتهم، لكن الله سبحانه وتعالى منح رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً، ما أرادك أن تأتيه كارهاً أبداً
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
إذاً لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.


احتجاب الله عز وجل عن رؤية عباده لامتحانهم:

أيها الأخوة، الله عز وجل باطن لا يُرى، لكن كل ما في الكون يدل عليه باطن لا يُرى،
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
واحتجب عن رؤية عباده ليمتحنهم، سأوضح:
أنت صاحب محل تجاري، تفتح المحل بيدك صباحاً، وتجلس وراء الطاولة وأمام مكان للأموال، وعندك موظف، يا ترى هذا الموظف أمين أم خائن ؟ ما أتيح له أن يمتحن، أنت وراء الطاولة، دخلت أول داخل، وخرجت آخر خارج، والمفتاح بيدك والمال معك، يا ترى أمين أم خائن ؟ كلام ليس له معنى، لكن متى يمكن أن تمتحنه ؟ إذا خرجت من المحل إلى محل آخر وتراقبه من هذا المحل، هو الآن وحده، والمال بين يديه، أنت تراه هو لا يراك، راقبته ساعات طويلة لم يأخذ قرشاً من مكان المال، أما لو أنه خان وفتح مكان المال وأخذ مبلغاً، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا تغافلت عنه، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا غبت عنه، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا توهم أنك لا تراه.
لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 42 )
هو لا يغفل، لكن عباده يظنون يغفل.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )
كلمة احتجب عنا ليمتحننا، لولا أنه احتجب لما امتحننا، لو أن الله أرادنا أن نطيعه قسراً، أي إنسان يتكلم كلمة كذب يفقد نطقه، أي إنسان ينظر إلى امرأة لا تحل له يفقد بصره، الكل يطيعونه، طاعة قهر، طاعة القهر لا قيمة لها إطلاقاً، والأقوياء يطاعون ، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم فقط، أما الأنبياء يمدحون في غيبتهم.


الجنة ثمن من صدق و آمن بالغيب:

لماذا احتجب عن الأبصار ؟ ليمتحننا، لماذا احتجب عن الأبصار ؟ ليكون للجنة ثمن
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
على الشبكية الله لا يُرى، يمكن أن تأكل المال الحرام، يمكن أن تكذب، يمكن أن تأخذ ما ليس لك، هذا واقع معظم الناس، ما دام قوياً يأخذ ما ليس له الأخ الأكبر يأخذ كل الثروة، له أخوة صغار، وأخوات بنات، ما دام قوياً يأخذ كل شيء، هذه البطولة أن تصدق بالغيب،
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
أن تصدق أن الله سيحاسب وسيعاقب، ثمن إيمانك بالغيب، يعني الدنيا محسوسة، ملموسة، تراها بعينيك، ترى مركبة فارهة، ترى بيتاً جميلاً، ترى امرأة جميلة، ترى مالاً وفيراً، ترى طعاماً طيباً، ترى بعينيك، والآخرة خبر في القرآن، على الشبكية ما في غير الدنيا، الآن مشكلة الإنسان يرى الأشياء الجميلة، يضحي من أجلها بكل شيء، ثم يكتشف أنه كان على خطأ كبير.


العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل:

أيها الأخوة الكرام، الشيء إذا ظهرت عينه وآثاره تراه بعينيك، أما إذا غابت عينه، وبقيت آثاره تراه بعقلك، الله عز وجل احتجب عنا، لكن الكون كله يشير إليه إذاً العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
* * *
أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره لا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق، صار عندنا طريق المعرفة الحواس، وطريق المعرفة العقلية العقل، وطريق الشيء إذا غابت عينه وآثاره الخبر الصادق.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-12-2018, 03:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(46)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الظاهر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الظاهر".



ورود اسم الظاهر في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقترناً بالاسمين الأول والآخر في قوله تعالى:

﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة، في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اللهم وأنت الظاهر فليس فوقك ))

[ أخرجه أبو يعلى عن عائشة أم المؤمنين ]



معاني الظاهر في اللغة :

1 ـ العلو و الارتفاع:


معاني الظاهر في اللغة: الظاهر ؛ اسم فاعل لمن اتصف بالظهور، والظهور العلو والارتفاع، قال تعالى:

﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً ﴾

( سورة الكهف )
أي ما استطاعوا أن يعلو عليه لارتفاعه.


2 ـ الغلبة و النصر:


و "الظاهر" من الغلبة، والنصر.

﴿ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾

( سورة الصف )



3 ـ السند و الدعم:


و "الظاهر" من السند والدعم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كان عن ظَهْرِ غِنى ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
يعني تتصدق وأنت غني، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 195 )
قال علماء التفسير: تلقون بأيديكم إلى التهلكة إذا أنفقتم كل أموالكم، وتلقون بأيديكم إلى التهلكة إن لم تنفقوا شيئاً.
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

( سورة الإسراء )



4 ـ البيان وظهور الشيء الخفي:


والظهور ؛ البيان وبدو الشيء الخفي، الظهر ما غاب عنك، نقول هذا الإنسان الصالح يقرأ القرآن عن ظهر قلب، أي لا ينظر في المصحف.



5 ـ المعاونة:


والمظاهرة المعاونة.

﴿ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ ﴾

( سورة الممتحنة الآية: 9 )
أعانوا على إخراجكم، هذه معاني الظهور.


انفراد الله عز وجل بعلو الذات و الغلبة و القهرية:

أما إذا قلنا الله جل جلاله هو "الظاهر" فهو المنفرد بعلو الذات والفوقية، وعلو الغلبة والقهرية، وعلو الشأن وانتفاء الشديد والمثلية، هو "الظاهر" في كل معاني الكمال، هو المبين لحججه الباهرة وبراهينه الظاهرة.

﴿ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق )
ظاهراً وباطناً، ظهر فوق كل شيء، وعلا عليه، و "الظاهر" هو الذي عُرف بالاستدلال العقلي، بما ظهر من آثار أفعاله وصفاته.


وقوع ضعاف الإيمان في اليأس لتوهمهم أن الإسلام قد انتهى:

لكن أيها الأخوة الكرام، لله عز وجل امتحان صعب جداً، سُئل الإمام الشافعي: ندعو الله بالابتلاء، أم بالتمكين؟ فقال: لن تمنكن قبل أن تبتلى.
لذلك من امتحانات الله الصعبة المسلمون اليوم تحت طائلة هذا الامتحان، أنه يقوي الأعداء، يقويهم، إلى أن يفعلوا ما يقولون، إلى أن يتوهم ضيف الإيمان ويقول أين الله؟ هذا امتحان صعب جداً.
لذلك ضعاف الإيمان وقعوا في الإحباط، وقعوا في اليأس، توهموا أن الإسلام قد انتهى، لأن الأرض كلها تحارب الإسلام، في كل مكان وزمان، هذا امتحان صعب جداً.

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

( سورة الأحزاب )



إظهار الله عز وجل آياته بعد موقف ضعاف النفوس من الإسلام:

أيها الأخوة الكرام، الآن موقف ضعاف الإيمان، قال بعض من كان مع رسول الله: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ما قال رسول الله: قال صاحبكم، لأنه رأى أن هذا الذي جاء به النبي ليس حقيقياً.
أيها الأخوة الكرام
﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

( سورة الأحزاب )
الآية الدقيقة أن الله عز وجل بعد هذا الإحباط، وبعد هذا اليأس، وبعد هذا القلق والشك يظهر آياته، وهو "الظاهر" يظهر آياته حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في أعمارنا جميعاً حتى نرى هذه الحقيقة.


الحكمة من تقوية المؤمنين مرة و الكافرين مرة أخرى:


أيها الأخوة الكرام، الحكمة من أن الكفار في حين من الأحيان يقويهم الله عز وجل، وفي حين آخر يقوي المؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 140 )
لو أن الله مكّن الأعداء إلى أبد الآبدين، لوقع اليأس في صفوف المؤمنين ولو أنه قوى المؤمنين إلى أبد الآبدين ظهر النفاق في الأرض،
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
مرة يقوى المؤمنين وينافق أهل الأرض لهم، ومرة يقوى الكفار والمجرمون وينافق أهل الأرض لهم،
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾



الحوادث التي تبين أن الله ظاهر لا تعد ولا تحصى منها:

1 ـ قصة سيدنا يونس و نجاته من بطن الحوت:


الله عز وجل "الظاهر" طيف ؟ أحياناً يكون الأمل صفر، لا أقول 1%، صفر إنسان يجد نفسه فجأة في بطن حوت، والإنسان لقمة واحدة في طعام الحوت، وجبته المعتدلة أربعة طن، الإنسان 80 كغ لقمة واحدة، وجد سيدنا يونس نفسه في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
يمتحن لكن أحياناً يستجيب لك فيقول الكافر: لا إله إلا الله.


2 ـ سيدنا موسى و نجاته من فرعون:


سيدنا موسى مع شرذمة من بني إسرائيل كما جاء في الآية، هؤلاء شرذمة قليلون، أمامهم البحر، وراءهم فرعون، بقوته، بأسلحته، بحقده، بجبروته.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء )
ما في أمل، بالمنطق، بالواقع، بالأدلة، بالفطرة، ما في أمل، قال:
﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
ضرب البحر بعصاه، فأصبح الطريق طريقاً يبساً، إذاً ظاهر الله عز وجل في هذه القصة لمن ؟ لنا، حتى لا نيأس، سيدنا يونس القصة لمن ؟ لنا، حتى لا نيأس
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾



3 ـ سيدنا إبراهيم و نجاته من النار:


سيدنا إبراهيم، الله عز وجل سمح أن يقبضوا عليه، وكان بالإمكان أن يصلوا إليه، وسمح أن يحاكموه، وسمح أن يتخذوا قراراً بإحراقه، وجمعوا ناراً عظيمة، وألقوه في النار، الله عز وجل "الظاهر":

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )
دققوا:
﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
لو أن الله قال كوني برداً لمات من البرد، لو أنه قال: كوني سلاماً لانتهى مفعول النار إلى أبد الآبدين، قال:
﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
فقط، وحده، الله "الظاهر" أظهر آياته.


رسائل الله عز وجل إلى أهل الأرض:

أيها الأخوة، الحوادث التي تبين أن الله ظاهر لا تعد ولا تحصى، صار في زلزال في تركيا، في مركز الزلزال في مدينة إزميت بالتاء، غير إزمير، كل شيء على الأرض أنقاض الأبنية أصبحت مهشمة تهشيماً بحي لا يزيد ارتفاع الأنقاض عن أربعين سنتيمتر، عدا مسجد، ومعهد شرعي، لم يصب بأذى، البي بي سي عرضت هذه الصورة تركت هذه الصورة اضطراباً في العالم، بمركز الزلزال كل شيء على الأرض، الصورة عندي، وعرضتها في المسجد، أما هذا المسجد، وهذا المعهد الشرعي لم يمس بأذى، الله ظاهر.
باخرة صنعت في عام 1912 اسمها التاي تنك، هذه الباخرة صممت بجدارين وبين الجدارين قواطع، بحيث لو خُرق الجدار الخارجي أغلقت القواطع فنجت السفينة من الغرق، لذلك صانعو هذه السفينة أصدروا نشرة كتبوا فيها: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، وفي أول رحلة لها من لندن إلى بوسطن، وعليها نخبة أغنياء العالم، بل إن قيمة الحلي والألماس في نساء هؤلاء تبلغ المليارات، وهذه الباخرة لم يصنع فيها قوارب نجاة لأن القدر لا يستطيع إغراقها، وفي أول رحلة لها ارتطمت بجبل ثلجي شطرها شطرين فأرسلت الاستغاثات، فظن من حولها أنهم يحتفلون بهذه الرحلة، ومات جميع ركابها، فقال بعض القساوسة في بريطانية: إن غرق هذه السفينة رسالة من الله لأهل الأرض، الله عز وجل "الظاهر".



الله عز وجل ظاهر على كل شيء:

أيها الأخوة، في أي تجمع بشري في شخص قوي، في جامعة، في مستشفى، في وزارة، في دائرة، في أي تجمع بشري، هناك رجل قوي، إما أن يكون ظاهراً، أو أن يكون غير ظاهر، لكن في إنسان بيده القرار يسمى اليوم صانع القرار، فالله عز وجل أحياناً ظاهر ظهور الشمس، وأحياناً الظاهر أقوياء، وطغاة، لكن الله من ورائهم محيط.

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية: 10 )
قالوا: ظهرت على سره، أي ؛ اطلعت على سره، فالله ظاهر يعني يعلم السر وأخفى، يعلم ما أسررت، وما أعلنت، وما خفي، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.


كل شيء في الكون يدل على الله:


أيها الأخوة، كل شيء يدل عليه، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد إذاً فهو ظاهر.
شخص سأل الإمام علي رضي الله عنه: متى كان الله ؟ فقال له: ومتى لم يكن ؟.
هو ظاهر، شخص سأل رجلاً من أهل القلوب، قال: ألا تشتاق إلى الله ؟ قال له: لا والله، قال له: كيف ؟! قال له: متى غاب حتى أشتاق إليه ؟.
ظاهر، وبحياة كل واحد منا، من بين كل مئة قصة في قصة واحدة يبدو فعل الله صارخاً، تأييد الله، حفظ الله أحياناً، حفظ إلهي، تأييد، يقوي المؤمنين.
أيها الأخوة، في طائرة احترقت فوق جبال الألب، ومع احتراقها انشطرت مكان انشطارها راكب وقع، وقع من ارتفاع 43 ألف قدم، نزل فوق غابة من غابات جبال الألب وفوق الغابة في خمسة أمتار ثلج، هذه الخمسة أمتار مع أغصان الأشجار، كانت كماصات الصدمة، فنزل واقفاً، قصة مشهورة قرأتها.

وإذا العناية لاحظتك جفونه ا نم فالمخاوف كلهن أمان
* * *



الله عز وجل فعال و موجود و بيده كل شيء:

قصص كثيرة في حياة كل واحد منا، تنبئ أن الله ظاهر، في طائرة باكستانية انطلقت من الرياض إلى الباكستان، فوق الخليج نافذة تعطلت بها فخرقها الهواء، طائرة مضغوطة بالهواء 8 أضعاف، حتى يكون الضغط الجوي على ارتفاع أربعين خمسين ألف قدم كالضغط الجوي على الأرض، تحقن الطائرة بـ8 أضعاف حجمها من الهواء، ففي ضغط عال جداً فوق، فلما خُرقت بعض نوافذها إنسانة على حضنها رضيعان خرجا من النافذة من شدة الضغط، في أمل ؟ على ارتفاع خمسين ألف قدم رضيعان صغيران نزلا إلى جانب صياد، فالماء امتص الصدمة، والصياد انطلق إلى الماء وأخرج الطفلين، وبعد اتصالات مديدة أُعلمت السفارة الباكستانية في الخليج أن هناك طفلين سليمين أخبروا أمهما.
يعني الله عز وجل ظاهر، أنت حينما تؤمن أن الله موجود، وفعال، وبيده كل شيء، لا تيأس.
أعرف رجلاً مدرساً أصيب بمرض عضال في رئتيه، والأطباء الذين عالجوه أصدقائي، المرض الخبيث من الدرجة الخامسة، وقال له الطبيب أمامي: في احتمال واحد أن تذهب إلى أمريكا لزرع رئة، والعملية تكلف ما يساوي ثمن بيته الذي اشتراه لتوه، بيت فخم جداً اشتراه، والأمل بالـ% 30، والقصة من ثلاث و عشرين سنة، وشفاه الله شفاءً ذاتياً دون أن يذهب، ودون أن يجري عملية، والرجل لا يزال حياً يرزق، الله عز وجل ظاهر، في أحداث لا تفسر، إلا أن الله بذاته العلية أحدث هذا الحدث.


الله عز وجل ظاهر يظهر آياته دائماً بأدنى سبب:

فيا أيها الأخوة الكرام، قصص كثيرة، الإنسان وصل إلى القمر، نقل الصورة عبر الأقمار، غاص في أعماق البحار، صنع الطائرات، صنع الجوال، صنع الكمبيوتر ، صنع كل شيء، بلغ درجة من التقدم مذهلة، الإنسان مع كل هذا العلم، ومع كل هذا التفوق ومع كل هذا العلو في الأرض، والتأله، لا يستطيع أن يتنبأ بالزلزال قبل ثانية من وقوعه بينما الدواب تتنبأ بالزلزال قبل عشرين دقيقة، لحكمة بالغة، البهائم ! لذلك في زلزل تسونامي في قرية رأت البهائم تعدو سريعاً، فقلدتها فنجت، في قرية واحدة في أثناء زلزال تسونامي رأت البهائم قبل فترة طويلة، ما كان في شيء إطلاقاً تعدو سريعاً، فقلدتها ونجت.
أيها الأخوة الكرام، تروي الروايات: أن فرعون رأى في منامه أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي عليه، اتخذ قراراً ببساطة بالغة بذبح أبناء بني إسرائيل من دون استثناء وأية مولدة لا تخبر عن وليد ذكر تقتل مكانه، وانتهى الأمر، قوي، جبار، طاغية.
بالمناسبة لكل عصر طاغية، الذي حصل أن الطفل الذي سيقضي عليه رباه في قصره.

﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾

( سورة القصص الآية: 8 )
الله عز وجل ظاهر، يعني ينصر بأدنى سبب، بخيوط العنكبوت حفظ هذه الرسالة حتى الآن، ويهزم على أدنى سبب.
أعرف رجلاً قوياً، غنياً، له شبكة علاقات مذهلة، الأمور كلها ميسرة في ريعان شبابه، في أوج قوته، في أوج علاقاته، لسبب صغير جداً في بيته أصيب بحادث أودى به، الله عز وجل ظاهر، يظهر آياته.


من هان أمر الله عليه هان على الله:

لذلك قال بعضهم: عرفت الله من نقض العزائم، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.
(( ابن آدم كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد، ابن آدم أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي ما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]
الله عز وجل ظاهر، أيها الأخوة، سيدنا خالد بن الوليد واجه ثلاثمئة جندي من جنود الأعداء، وكان عدد جنوده 30 ألف، 30 أمام 300، فأرسل إلى سيدنا الصديق يطلب النجدة والمدد، طلب منه خمسين ألفاً، خمسين وثلاثين ثمانين، مقابل ثلاثمئة، الذي حصل أن سيدنا الصديق أرسل له القعقاع بن عمر، فلما وصل إليه قال له: أين المدد ؟ قال له: أنا المدد، صعق ! قال له: أنت ؟ قال له: أنا، معه كتاب قرأه، يقول بالكتاب سيدنا الصديق: والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
لما طبقت الأمة الإسلامية سنة رسولها كان الواحد منهم كألف، فلما تركت سنته صار المليون منهم كأف.
﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

( سورة الكهف )
هان أمر الله عليهم فهانوا على الله.


امتحان الإنسان من قِبل الله عز وجل:


لذلك أيها الأخوة، يقول الله عز وجل :

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 179 )
مستحيل وأف ألف ألف مستحيل أن لا يمتحن الإنسان.
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

( سورة العنكبوت )
أن يضعك في ظرف دقيق جداً، بحيث تكشف على حقيقتك، قل ما شئت، حدث الناس عنك ما شئت، لكن الله يمتحنك،
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾



أصل الدين معرفة الله فمن عرفه تفانى في طاعته:

أيها الأخوة الكرام، قضية أسماء الله الحسنى تحتل أكبر جزء من العقيدة، لأنك إن عرفته أحببته، وإن أحببته أطعته، ومن أعجب العجب أن تعرفه ولا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.
فمعرفة أسماء الله الحسنى تحتل أكبر جزء من عقيدتك، من هو الله ؟.
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ورد في الأثر]
أيها الأخوة الكرام، أصل الدين معرفة الله، أنت إذا عرفت الله، ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في التفلت من الأمر.
كيف أُخذ الإسلام الآن ؟ بالفتاوى، هناك فتوى لكل معصية، مهما كبرت، إما بالتأويل، أو بالفتاوى، أو بإلغاء السنة، هذه بعض مواطن الضعف في المسلمين المعاصرين أسأل الله جلّ جلاله أن يقوينا، وأن نرى الله عز وجل بأفعاله، وصفاته حتى نستقيم على أمره.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-13-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(47)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (السميع):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "السميع".



ورود اسم السميع في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في قي القرآن الكريم قريباً من خمسين آية في كتاب الله، قال تعالى:

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

( سورة الشورى )
وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

( سورة النساء )
وقد اقترن هذا الاسم مع اسم العليم في ثلاثين آية، ومع اسم البصير في عشر آيات، ومع اسم القريب في آية واحدة، وقد ورد أيضاً في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى أصحابه يرفعون أصواتهم في الدعاء فقال:

(( أَيُهَا الناسُ اربِعُوا على أَنْفُسِكم ـ أشفقوا ـ إنكم ليس تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدْعُونَ سميعاً قريباً ))

[ أخرجه البخاري و مسلم عن أبي موسى]
وقد روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاته فيقول:

(( أعُوذُ بالله السميع العليم، من الشَّيطانِ الرجيم ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]



التعريف اللغوي للسميع:

معنى "السميع" ؛ الصيغة أولاً صيغة مبالغة، كلكم يعلم أن لغتنا العربية من أرقى اللغات المتصرفة، بمعنى أن هناك نظام الأسر، في مصدر، في فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، اسم تفضيل، صفة مشبهة باسم الفاعل، اسم الفاعل على نوعين، اسم فاعل من ثلاثي، ومن رباعي، واسم فاعل مبالغ به، كأن تقول فلان غفور، أو أن الله غفور، كثير المغفرة، أو غافر، هناك فعول، فعيل، مفعال، مفضال، و فَعِل، حَذِر، و هناك صيغ مبالغة كثيرة.
فاسم السميع صيغة مبالغة من اسم الفاعل سامع، والفعل سمع يسمع سمعاً.
الآن نحن كما تعلمون هناك صفة ذات، وصفة أفعال، فالله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 7 )
السمع هنا الأذن صفة ذات، وصفة فعل:
﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ ﴾

( سورة الأحقاف الآية: 29 )
إما أن السمع صفة ذات الأذن، أو أن السمع صفة فعل الاستماع.


الطاعة مع الصبر طريق الإنسان إلى النصر :

الآية الثانية الفهم:
﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 93 )
أما المؤمن، المؤمنون يقولون:

﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 285 )
أيها الأخوة، الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر.
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران الآية: 120 )

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم )
تصوروا أن الله سبحانه وتعالى، الإله العظيم، خالق السماوات والأرض يصف هو مكر هؤلاء الكفار بأن الجبال تزول من مكرهم،
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
هل تصدقون أن مشكلات العالم الإسلامي تحل بكلمتين،
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
أما إن تعصوا وتصبروا ليس بعد المعصية والصبر أي القهر إلا القبر، معصية وصبر، تنتهي إلى القبر، أما الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر
﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾
وكأن هذه الآية تصف حال المقصرين
﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾
أما المؤمنون:
﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾



مقياس سماع كلام الله عز وجل تطبيقه والاستفادة منه:

أيها الأخوة، الآن مع وقفة متأنية عند السمع في القرآن الكريم:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾

( سورة الأنفال )
تماماً كما لو قال لك أحدهم: على كتفك عقرب شائلة، بقيت هادئاً، متوازناً ، مرتاحاً، ابتسمت، التفت نحوه، قلت له: أنا أشكرك على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافأك عليها، الذي يقف بهدوء، ويبتسم، ويتكلم بفصاحة، ويجب على هذا الذي أدى له هذه الملاحظة بهذا الجواب، هل تصدقون أنه فهم ما قال له ؟ مستحيل ! لو فهم ما قال له لقفز، وصرخ، وخلع معطفه، وبحث عن العقرب ليقتله، أليس كذلك ؟.
فكل إنسان يسمع ولا يستجيب هو عند الله لم يسمع، هذا المفهوم الدقيق، هو عند الله لم يسمع، من علامات السمع أن تستجيب، هذا الكلام ينقلنا إلى حقيقة، هذه الحقيقة أن الإنسان بحسب بنيته يدرك، ينفعل، يتحرك.
هذا القانون جاء به عالم من علماء النفس، علاقتك مع المحيط وفق هذا القانون أوضح مثل:
تمشي في بستان رأيت ثعباناً علامة صحة إدراكك أنه ثعبان تضطرب ، اضطرابك، خوفك، صياحك، دليل أنك فهمت أنه ثعبان، والانفعال، والاضطراب ينقلك إلى الحركة، إما أن تفر منه، أو أن تحاول قتله، إدراك، انفعال، سلوك، فأي إدراك ما رافقه انفعال الإدراك غير صحيح، وأي انفعال ما رافقه سلوك الانفعال غير صحيح.
فأي إنسان استمع إلى القرآن الكريم، ولم يستجب معنى ذلك أنه عند الله لم يستمع
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
ما سمع، الآية إذاً:
﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾

( سورة البقرة )
أي لا تكون سامعاً عند الله إلا إذا استجبت لما سمعت، مقياس السماع التطبيق.


مراحل هداية الخلق هي:

1 ـ الهدى البياني:

الآية الثانية:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

( سورة التحريم الآية: 4 )
صغت بمعنى أصغت، علامة حسن الإصغاء أن تستجيب، من هنا الله عز وجل من حكمته البالغة أنه إذا أراد هداية الخلق هناك مراحل، أول مرحلة الهدى البياني وأنت معافى، صحيح، سليم، مرتاح، لا يوجد عندك مشكلة، الله عز وجل يُسمعك الحق من خلال خطبة مسجد، درس يُلقى، كتاب يُقرأ، تشاهدها، أسمعك الله الحق، فأكمل موقف مع الهدى البياني أن تستجيب.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 24 )
إذا دعاكم لحياة خلقتم من أجلها، إذا دُعيتم إلى حياة أبدية، لكم فيها ما تشاؤون فيها:

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
إذا دُعيتم إلى حياة أبدية في جنة عرضها السماوات والأرض استجيبوا، فالدعوة بيانية، بأعلى درجات السلامة، والراحة، والسرور، يُسمعك الله الحق، بطولتك أن تستجيب لما سمعت، إن استجبت فقد سمعت، وإن لم تستجب لم تستمع.


2 ـ التأديب التربوي:


الإنسان إن لم يستجب الله عز وجل من رحمته يخضعه لأسلوب آخر، التأديب التربوي:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )
في شدائد، في فقر، في قهر، في مرض، في قلق، في حزن.

(( عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ))
[ البخاري عن أبي هريرة]



ثمن الجنة حسن الظن بالله عز وجل:



صدقوا أيها الأخوة، وأقول لكم دائماً: حسن الظن بالله ثمن الجنة، كل الشدائد التي ترونها وتسمعونها، من أجل سوق الناس إلى ربهم، من أجل أن يستحقوا جنة عرضها السماوات والأرض.

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ ﴾

( سورة القصص الآية: 47 )

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

( سورة طه )
وهناك آية:
﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
أي لا يمكن أن تُساق المصيبة إلا لحكمة بالغةٍ بالغة.

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 165 )

(( يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، كن فيكون، وأخذي كلام ـ يا عبادي، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
كلام واضح.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى )

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 147 )



3 ـ الإكرام الاستدراجي:


أيها الأخوة
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
لكن أحياناً الإنسان تأتيه الشدة فلا يستجيب، إن جاءه الهدى عليه أن يستجيب، إن جاءه التأديب التربوي عليه أن يتوب، فإن لم يستجب، وقد جاءه الهدى، ولم يتب وقد جاءه البلاء، في أسلوب آخر الإكرام الاستدراجي، قوي، غني، أرباح طائلة، تفوّق، سمعة، متع، وفي معاصي، إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هذا اسمه إكرام استدراجي، بالإكرام الاستدراجي الموقف الكامل أن تشكر، بالدعوة البيانية أن تستجيب، بالتأديب التربوي أن تتوب، بالإكرام الاستدراجي أن تشكر.


4 ـ القصم:


الإنسان إن لم يستجب، ولم يشكر، نعوذ بالله هناك القصم:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )
هذه الآية تلغي الحيرة، يا أخي ! بلاد كالجنات ! أموال لا تأكلها النيران، بيوت ، مركبات، نساء، ملاهي، كل شيء بأعلى درجة، معاصي، آثام، إباحية، شذوذ ، عدوان، وظلم،
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام )
هدى بياني، تأديب تربوي، إكرام استدراجي، قصم.


من كان فيه ذرة خير أسمعه الله عز وجل الحق:

هناك تساؤل: أن يا رب في بلاد بعيدة، وفي شعوب شاردة ما وضعها يوم القيامة ؟ قد يقول أحدنا ما جاءها من نذير كيف تحاسب ؟ الآية دقيقة:

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء )
لكن بعضهم قال: العقل هو الرسول، العقل يكفي أن تعرف الله به، والفطرة تكفي أن تكشف بها خطيئتك، أنت مبرمج، أنت مفطور، مجبول على معرفة الخطأ ذاتياً الآن استمعوا لهذه الآية:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 23 )
مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الإنسان ذرة خير إلا ويسمعه الله الحق
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾



الآيات المتعلقة بذات الله عز وجل نفوض شرحها له :

الآن الله عز وجل "السميع" متصف بالسمع كوصف ذات ووصف فعل، أنت إذا كنت سميعاً، عندك جهاز تستمع به، وإذا كنت سميعاً تفهم ما يُقال لك، فالله عز وجل ولله المثل الأعلى،
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، الله عز وجل سميع، وكلمة سميع تعني صفة ذات، وصفة فعل، لكن نحن تعلمنا أنه أكمل موقف في بضع آيات تشير إلى صفات الله عز وجل أن نفوض في شرحها الله عز وجل، والسمع صفة زائدة على وصفه بلا كيف، وبلا تجسيد، إن نفينا السمع عن الله عطلنا هذه الصفة بلا تعطيل، وبلا تجسيد، ولكن بالتفويض، وممكن بالتأويل، التأويل قضية خلافية، أما بالتفويض متفق عليه.
فالآيات المتعلقة بذات الله عز وجل، وبصفاته نحن نفوض الله عز وجل في معناها، أنا مؤمن أن الله سميع، لأنه أخبرني في كتابه أنه سميع، إن تحركت هو بصير ، وإن تكلمت هو سميع، إن أضمرت شيئاً هو عليم، تتكلم سميع، تتحرك بصير، تسكت تأتيك خواطر معينة، أنا سأهيئ له مقلباً كبيراً، عليم، تتكلم سميع، تتحرك بصير، تسكت عليم، هكذا أخبرني الله عز وجل، الأكمل أن أفوض هذه الصفات لله عز وجل.
لذلك قال بعض العلماء: هو سميع بلا تكييف، وبلا تشبيه، وبلا تحديد، والله عز وجل يَسمع، ويُسمع،
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
يَسمع ويُسمع، يَسمع: يجيب الدعاء، ويُسمع: ُيبلغ الحق، وإذا قال الإمام في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني يا عبدي أنا أسمعك (موقف دقيق، مؤثر جداً) يا عبدي أنا أسمعك، تقول: يا رب لك الحمد والشكر، والنعمة، والرضا، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهمَّ إِني أَعُوذُ بك من قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ودعاءٍ لا يُسمعُ، ومن نفسٍ لا تشبع ومن علمٍ لا يَنفَع ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]



من انغمس بالملذات و الشهوات إنسان ميت لا يسمع و لا يستجيب:

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

( سورة فاطر )
هنا القبر قبر الشهوة، هذا مقبور بحب المال، ميت.
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

( سورة النحال الآية: 21 )
مقبور بحب الملذات، مقبور بشهوة النساء، مقبور بشهوة جمع المال،
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
أما الشركاء:

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾

( سورة فاطر الآية: 14 )
أما الإله العظيم يسمع ويستجيب.


استجابة الله عز وجل دعاء المضطر و المظلوم ولو لم يكن مؤمناً:


﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

( سورة مريم )
حدثني أخ، كنت في طريقي إلى اللاذقية مرة، وجدت جامع بين طرطوس واللاذقية جميل جداً، صليت فيه، فإذا رجل يدعوني إلى مكتبه في المسجد، حدثني قال: أنا بنيت هذا المسجد، أقسم لي بالله قال لي: قبل عشرين سنة كنت في طريقي إلى بلد غني، وأنا في الطائرة ولم أحرك شفتي، نويت أن الله إذا أكرمني سأبني له مسجداً، بعد عشرين عاماً الله أكرمه، القصة طويلة، وكان شبه مستحيل أن يبنى هذا المسجد بسبب أن هذه المنطقة غير منظمة، لكن بقدرة قادر استطاع أن يبني هذا المسجد بمكان جميل، وحقق أمنيته.
أحياناً أنت لا تحتاج أن تحرك شفتيك،
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
هل هناك أعظم من هذا؟ وأنت ساكت إذا أضمرت نية طيبة يعلمها الله، ويستجيب لها.
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾
في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر:
﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
بأي عصر، بأي مصر، بأي ظرف، بأي مكان، بأي زمان، قانون.
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية: 62 )
المضطر يستجاب له، ولو لم تتوافر فيه شروط الدعاء، المضطر يستجاب له برحمة الله،
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
المظلوم يستجاب له، ولو لم يكن مؤمناً.


دعاء المؤمن قبل الفجر دعاء مستجاباً:

لكن آخر شيء:
(( إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل مِنْ مُستَغْفِرٍ ؟ هل مِن تائِبٍ ؟ هل من دَاعٍ ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ ))
[ أخرجه بخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
ما قولكم ؟ الله عز وجل في عليائه، في عظمته، يقول: يا عبادي سلوني، أنا أستجيب لكم، هل منكم من سائل ؟ من مستغفر ؟ من تائب ؟ من طالب حاجة ؟ هذه نصيحة أزجيها لإخوتي الكرام، قبل الفجر، في مشكلة، في قضية معقدة، في شبح مصيبة، في مرض لا تعرف نوع التحليل يكون، يا ترى حميد أم خبيث ؟ قم قبل الفجر، واسأل ربك ما تحب.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-13-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(48)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى: ( العفو ):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم العفو، ولكن لا بد من مقدمة كي نفهم حقيقة هذا الاسم.



الإنسان من بين كل الخلائق تصدى لحمل الأمانة:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/01.jpg
الله عز وجل خلق الخلائق، وفي عالم الذر عرض عليهم حمل الأمانة، قال تعالى:

﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )
فالإنسان من بين كل الخلائق تصدى لحمل الأمانة، وكأن لسان حاله يقول أنا لها لكن بقية الخلائق أشفقوا من حملها واكتفوا أن يكونوا طائعين لله، من هنا يقول الإمام علي رضي الله عنه: رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكّب الإنسان من كليهما، فالإنسان قَبِل حمل الأمانة، أي قَبِل أن تكون نفسه أمانة بين يديه.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) ﴾

( سورة الشمس )



تكريم الله الإنسان عندما قَبِل حمل الأمانة:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/02.jpg
قَبِل الإنسان حمل الأمانة، فلما قَبِل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأعطاه مقومات حملها، أعطاه كوناً ينطق بوجود الله وكماله ووحدانيته، أعطاه عقلاً أداة فعالة لمعرفته، أعطاه فطرة تكشف له عن خطئه، أعطاه شهوة تدفعه إلى الخير، أعطاه حرية تثمن عمله، أعطاه وقتاً هو غلاف عمله، أعطاه قوة فيما يبدو ليحقق اختياره، فالإنسان كائن متميز، في معه قبضة من تراب الأرض في شهوات:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾

( سورة آل عمران )
يوجد عنده ومضة من نور الله، خلقه من نوره ومن تراب الأرض، في دوافع علوية، في دوافع سفلية، في مبادئ في قيم في شهوات، وهو بينهما.
الإنسان إما أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان:
الحيوان شهوته أصله ولا يحاسب وليس مكلفاً ولا مخيراً، والملك عقله أصله ولا يحاسب ولا يخير ولا يشقى، إلا الإنسان دققوا إما أن يفوق الملائكة المقربين وإما أن يهوي إلى أسفل سافلين:

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) ﴾

( سورة التين )


إما أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان، الدليل:


﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾

( سورة البينة )
يعني خير ما برأ الله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6) ﴾

( سورة البينة )
لا يوجد حل وسط، أب عنده أولاد عرض عليهم أن يعملوا في معمله بدخل معقول وبيت ومركبة، لكنه قال من يقبل أن يأتي بأعلى شهادة في إدارة الأعمال أمنحه نصف المعمل، أحد أولاده الأذكياء تنطحوا لذلك، هذا إذا ذهب إلى هناك ونسي مهمته وانغمس بالملذات وملاحقة الفتيات، يعود إلى بلده محتقراً لا يملك شيئاً، أما إذا وفى بعهده ودرس نال نصف المعمل.
﴿إنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )



من لم يحمل الأمانة كما أرادها الخالق سبحانه كان ظلوماً جهولاً:

الآن في كلمتين دقيقتين:

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )
المعنى استفهامي، هل كان ظلوماً جهولاً حينما تنطح لحمل الأمانة ؟ لا كان طموحاً، فإن لم يحملها المعنى تقريري:
﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )
أنت إن وفيت بما عاهدت الله عليه أنت لست ظلوماً ولا جهولاً، أما إذا لم توفِ بما عاهدت الله عليه ؛ فالإنسان الذي لم يحمل الأمانة كما أراد الله عز وجل كان ظلوماً جهولاً.


التوبة النصوح يقبلها الله عز وجل و يعفو عن صاحبها:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/03.jpg
الآن الله عز وجل أرحم الراحمين وهو رب العالمين، الإنسان غلبته شهوته، انتهى ؟ لا، للشقاء الأبدي ؟ لا، أمامه مليار مليار مليار فرصة ليصحح، من هنا كان اسم العفو، الشهوة غلبت تتوب، لذلك أجمل كلمة قرأتها، ما أمرك الله أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك الله أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) ﴾

(سورة النساء)
لذلك أيها الأخوة، كان اسم العفو، الإنسان المخلوق الأول، المكرم، المكلف لعبادة الله ؛ العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، هذا الإنسان المكلف العفو له، يعني إن قلت يا رب لقد تبت إليك يقول الله لك وأنا قد قبلت، إذا قال العبد يا رب وهو راكع قال الله له لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد يا رب وهو ساجد قال الله له لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد يا رب وهو عاص قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك. أنا أنتظرك.


باب التوبة مفتوح على مصراعيه لكل إنسان:

لذلك:
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
أنت حينما تتوب إلى الله يفرح الله بك بنص الحديث، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام له وصف دقيق جداً، هذا الوصف الدقيق أن أعرابي امتطى ناقته ليقطع الصحراء بها عليها طعامه وشرابه، جلس ليستريح فأخذته سنة من النوم فأفاق فلم يجد الناقة أيقن بالموت المحقق فبكى، ثم بكى، ثم بكى فأدركته سنة من النوم، فاستيقظ فرأى الناقة، اختل توازنه اختلالاً شديداً، فصاح من شدة الفرح: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، دققوا الآن يقول عليه الصلاة والسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/04.jpg

(( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]
لا تعلم كم يفرح الله إذا عدت إليه، واصطلحت معه، وتبت إليه، واستغفرته وسألته العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وما دام القلب ينبض باب التوبة مفتوح على مصراعيه، لو جئتني بملء الأرض والسماء خطايا غفرتها لك ولا أبالي.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (53) ﴾

(سورة الزمر)
باللغة الدارجة الصلحة بلمحة، والذي تاب إلى الله يعرف معاني ما أقول، أنت حينما تتوب إلى الله تنزاح عنك هموم كالجبال تشعر براحة ما بعدها راحة، مالك الملوك، ملك الملوك قيوم السماوات والأرض معك، وإذا كان الله معك فمَن عليك ؟ إذا كان عليك فمن معك ؟


العفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه:

الآن اسم العفو ورد في قوله تعالى:

﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) ﴾

(سورة النساء )
أنت حينما تعفو تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله.
﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) ﴾

(سورة النساء )
آية ثانية:
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) ﴾

(سورة النساء )
كان الله أي كمالاته مع وجوده، كان الله ولم يكن معه شيء ومنذ أن كان الله هو عفو غفور، لا يوجد صفات طارئة.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ﴾

(سورة الحج )

(( قلت: يا رسولَ الله إِنْ وَافَقْتُ ليلةَ القَدْرِ، ما أَدْعُو به ؟ قال: قُولي: اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي ))

[الترمذي عن عائشة رضي الله عنها ]
العفو هو الله من العفو، والعفو من صيغ المبالغة، والعفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وكل من استحق عندك عقوبة فتركت عقوبته فقد عفوت عنه، المعنى البسيط.


المؤمن إنساني يعرف لمن حوله حقه ولو كان تحت يده:


أيها الأخوة، جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله كم نَعفُو عن الخادم ؟ فَصَمَتَ، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كانت الثالثة قال:

(( اعفُ عنه في كل يوم سبعين مرة ))

[أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/05.jpg
إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم أطعموهم مما تأكلون، ألبسوهم مما تلبسون، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، وإذا كلفتموهم أعينوهم على ذلك، يعني لا بد من توضيح فكرة أنا أرى أن الإنسان إما أن يكون إنسانياً أو عنصرياً، معنى عنصري أي يرى لنفسه ما ليس لغيره، ويرى على غيره ما ليس عليه، فهذا الخادم إنسان له مشاعر، له كرامة، له حاجات، ما دمت تعامله كإنسان فأنت إنساني ولو كان خادماً، الخادم عبد من عباد الله جعله الله تحت يديك وما لم يعامل الخادم كما يعامل الابن أنا أعني ما أقول، وما لم يعامل الخادم كما يعامل الابن فأنت عنصري.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/06.jpg
قال لي شخص عندي شاب يتيم ذكي جداً طلب مني ساعة قبل الدوام يغادر ليتابع دراسته ليلاً، ما قبلت أخاف أن يتعلم ويفقس. يضع لابنه مليوني ليرة دروس خاصة ليكون طبيباً أما هذا اليتيم طلب منك ساعة قبل الدوام ليأخذ كفاءة ما قبلت، عنصري، حينما ترى ما لك ما ليس لزوجتك زوج عنصري، حينما تعامل زوجة ابنتك في البيت معاملة لا ترضاها لابنتك عنصري، عندما تميز نفسك على غيرك فأنت عنصري، المؤمن إنساني يعرف للناس حقهم، يعرف لمن حوله حقه ولو كان تحت يده.
هل تصدقون قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام عنده سيدنا زيد بن الحارثة جاء أبوه وعمه ليعطوا النبي عليه الصلاة والسلام ما يريد، قال لا هو ابنكم خيروه فاختار أن يكون عند النبي، في إنسان يختار رجلاً غريباً عن أبيه وأمه وعمه ؟ ماذا لقي منه، ماذا لقي من معاملة ؟ من كرم ؟ من لطف ؟ فلذلك إن لم تعامل من حولك وكأنهم أولادك ففي مشكلة، الإيمان ما تغلغل إلى أعماق النفس.


معاني العفو:

من معاني العفو أنه يعطي معنى الكثرة وزيادة والدليل:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (219) ﴾

(سورة البقرة )
ما فضل عن نفقتكم، وعفا القوم أي كثروا، وعفا النبت أي نما وطال، معاني أخرى للعفو، لكن العفو سبحانه وتعالى هو الذي يعفو ويستر ويصفح عن الذنوب مهما كان شأنها ويستر العيوب ولا يحب إظهارها، يعفو عن المسيء كرماً وإحساناً ويفتح واسع رحمته فضلاً وإنعاماً، حتى يزول اليأس من القلوب وتتعلق بعلام الغيوب.
الإمام القرطبي من كبار العلماء والمفسرين يقول: العفو أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن خلقه، وقد يكون هذا العفو بعد العقوبة أو قبلها.
أي هذا الذنب يستحق عقاباً معيناً، هذا المذنب يتحمل وزر هذا الذنب، العفو هو الذي لا يعاقب على هذا الذنب، أو يعاقب في الدنيا ويعفو في الآخرة، من أقيم عليه حدّ يعد إقامة الحد عليه سبباً لعفو الله عنه في الآخرة.
أما المغفرة لا يوجد معها عقاب، المغفرة أوسع من العفو، المغفرة لا عقاب معها أما العفو قد يكون عفواً في الدنيا قبل العقاب وقد يكون عفواً في الآخرة بعد العقاب.


تبديل السيئات حسنات مع الإقبال على الله في عدل و رحمة و تواضع:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/07.jpg
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) ﴾

(سورة الفرقان )
يوجد مفهوم أنا لا أقبله إطلاقاً، أن السيئات مهما كانت كبيرة تنقلب يوم القيامة إلى حسنات كبيرة، معنى ذلك بقدر ما تستطيع افعل سيئات كبيرة حتى تصبح يوم القيامة حسنات كبيرة ؟ هذا المعنى مرفوض، لكن الإنسان كان غضوباً صار حليماً، كان بخيلاً صار كريماً، كان قاسي القلب صار رحيماً، تبديل السيئات حسنات مع البعد عن الله في سيئات في حمق في حقد في قسوة في ظلم في إجحاف لكن مع الإقبال على الله في عدل في رحمة في حلم في تواضع، هذا المعنى الذي يليق بالمؤمن.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) ﴾

(سورة الفرقان )



العفو و المغفرة:

أيها الأخوة:
(( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه، فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا ؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ، فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته.))

[ البخاري عن ابنُ عمرَ رضي الله عنه]
الله عز وجل في الدنيا يعفو عنك، يعني لا يعاقبك بعقاب الذنب الذي ارتكبته لكن في الآخرة يغفر لك، فالمغفرة لا يوجد معها عقاب، أما العفو قد يأتي بعده عقاب وقد لا يأتي وقد يسبقه عقاب، يوجد وزر تحمّله المذنب من هذا الذنب، العفو ألا يعاقب على هذا الوزر أما الفعل قائم.


كل إنسان سيرى عمله يوم القيامة عملاً عملاً:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/08.jpg
أيها الأخوة، عندنا نقطة دقيقة أن الإنسان أعماله كلها سوف يراها، تعرض عليه.

﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) ﴾

(سورة الكهف )
الآن أحدث طريقة بالتحقيق أن تريه خطأه، في مخالفة سير يرى الصورة، يوجد أجهزة الآن تلتقط المخالفات لا يستطيع أن يتكلم و لا كلمة، لا يوجد حوار إطلاقاً، هذه مخالفتك، فالله سبحانه وتعالى يوم القيامة يري الإنسان عمله في بعض الآثار: قد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة، تقول الأم لابنها: هل من حسنة أنتفع بها من حسناتك ؟ جعلت لك صدري سقاء، وبطني وعاء، وحضني وطاء، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم ؟ يقول لها ابنها: يا أمي، ليتني أستطيع ذلك إنما أشكو مما أنت منه تشكين .

(( يحشر الناس يوم القيامة حفاةً، عراةً، غرلاً ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]
قالت: يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض ؟ قال: يا أم المؤمنين، الأمر أفظع مما يعنيهم ذلك.
والله بزلزال وقع في مدينة عربية حدثني صديق بيته أصابه هذا الزلزال، زوجته من شدة خوفها حملت ابنها الرضيع وانطلقت إلى الشارع ثم اكتشفت أن الذي حملته ليس ابنها بل هو حذاء زوجها.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) ﴾

(سورة الحج)

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ﴾

(سورة البقرة)



بطولة الإنسان أن يعد العدة لمثواه الأخير:

أنا أقول يا أيها الأخوة، نحن أحياء والقلب ينبض ويوجد بالعمر بقية لما لا نتوب إلى الله.
(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين ؟ ))

[ ورد في الأثر ]
كنت أقول مرة: شخص ناجى ربه فقال يا رب إذا قلت لنبي كريم ولأخيه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/09.jpg

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾

( سورة طه)
إذا كانت رحمتك بمن قال أنا ربكم الأعلى هكذا فكيف رحمتك بمن قال سبحان ربي الأعلى ؟ إذا كانت رحمتك بمن قال ما علمت لكم من إله غيري فكيف رحمتك بمن قال لا إله إلا اله ؟

(( مرّ النبي عليه الصلاة و السلام بقبر فقال: صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))

[ ورد في الأثر ]
البارحة حدثني أخ قال فلان راتبه بالشهر خمسمئة ألف، مدير مطعم بفندق خمس نجوم، يوجد إنسان أرباحه اليومية ملايين (اليومية)، يوجد إنسان اشترى أرضاً تضاعفت مئة ضعف مثلاً، صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم، فالبطولة أن نعد لهذه الساعة التي لا بد منها أن نعد لمثوانا الأخير، بيوتنا مثوى مؤقت، البطولة أن نعد لمثوانا الأخير.


قضية الدين قضية مصيرية:

أيها الأخوة الكرام، قضية الدين قضية مصيرية، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
أنت حينما ترى جنازة هل تعلم مصير هذا الإنسان ؟ إما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها، والإنسان حينما يأتيه ملك الموت إن كان من أهل النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) ﴾

( سورة الفجر)
نحن أحياء الآن الله يجعلنا من المؤمنين الصادقين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-13-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(49)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( اللطيف ):






ورود اسم اللطيف في القرآن الكريم في سبع آيات:


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم اللطيف، هذا الاسم ورد في سبع آيات من القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) ﴾

(سورة الملك)
وقال تعالى:
﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) ﴾

(سورة الأحزاب)
ولم يقترن اسم اللطيف إلا باسم الخبير، لطيف خبير، وهذا الاسم ورد مقيداً في قول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ﴾

(سورة يوسف)
وكذلك في قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) ﴾

(سورة الشورى)
وقد ورد هذا الاسم في السنة في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها:
(( لَتُخْبرِيني أو لَيُخْبِرنِّي اللطيف الخبير ))



اللغة ترقى برقي أهلها وتضعف بضعفهم:



أيها الأخوة، اللطيف في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، كما ذكرت لكم من قبل: اللغة العربية بشهادة علماء اللغة في العالم من أرقى اللغات المتصرفة، معنى المتصرفة، نظام اللغة نظام أسر في جد في أولاد في أحفاد، في مصدر، في فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، صيغ مبالغة لاسم الفاعل، اسم مفعول، اسم زمان، اسم مكان، اسم تفضيل، اسم آلة، صفة مشبهة باسم الفاعل، لكن السؤال ما الفرق بين اسم الفاعل وبين الصفة المشبهة باسم الفاعل ؟ الصفة المشبهة باسم الفاعل من أوزانها فعلان و فعيل، طويل، الطول صفة تلازم صاحبها، صفة تلازم الإنسان، طويل دائماً طويل أما دخل يدخل داخل، الدخول طارئ تدخل مرة واحدة، فاسم الفاعل يدل على الحدوث والانقطاع، والصفة المشبهة باسم الفاعل تدل على الثبات والدوام.
اللطيف هنا جاءت على وزن فعيل ؛ وفعيل صفة مشبهة باسم الفاعل.
أيها الأخوة الكرام، اللغة ترقى برقي أهلها وتضعف بضعف أهلها، لو أردت أن توازن بين خصائص اللغة العربية وبين خصائص اللغات الأخرى لوجدت بوناً شاسعاً، لكن ضعف هذه الأمة أضعف معها لغتها.



ثبات اللغة العربية بفضل القرآن الكريم:



على كل: ما في لغة بتاريخ البشرية يقول قائلها:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ بصبح وما الإصباح منك بأمثل
هذا البيت قاله امرؤ القيس قبل ألف وخمسمئة عام، وطلابنا في الصف العاشر يقرؤون هذا البيت وهذا الشعر فيفهمونه ببساطة وبين قائل البيت ومن يفهمه الآن ألف وخمسمئة عام ؛ بينما في اللغة الإنكليزية الشعر الذي قاله شكسبير في القرن السادس عشر لا يمكن أن يفهمه أحد في بريطانيا إلا أن يفهموه مترجماً، اللغة الإنكليزية التي قيلت في القرن السادس عشر تترجم إلى اللغة الإنكليزية، ثبات اللغة العربية هذا بفضل القرآن الكريم لأنها لغة القرآن ولأنه من فضل الله علينا أن جعل لغتنا لغة كلامه، والحديث عن فقه اللغة وعن خصائص اللغة وعن عظمة هذه اللغة حديث طويل لكن يكفيها شرفاً أن الله خالق السماوات والأرض اختارها لكتابه الكريم.
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا (2) ﴾

(سورة يوسف)

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ﴾

(سورة الشعراء)



الله عز وجل خلقه دائم:


الصفة المشبهة باسم الفاعل على وزن فعيل أو فعلان، لطيف، لكن في حقيقة دقيقة جداً الأصل في اللغة المعنى، هذه القاعدة الذي ذكرتها قبل قليل الله عز وجل خالق، خالق ليس مرة واحدة يخلق ما يشاء، الخلق مستمر، فمع أن علماء اللغة قالوا اسم الفاعل يدل على الحدوث والتغيير بينما الصفة المشبهة تدل على الثبات والدوام، نقول خالق يدل على الثبات، ما دام هذا الموضوع نسب إلى الله عز وجل ؛ فالله خلقه دائم لا تنطبق هذه القاعدة على اسم الله الخالق، ولما وصف سيدنا موسى بأنه غضبان على وزن فعلان، والغضب ليس من صفة الأنبياء صفة طارئة:

﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا (150) ﴾

(سورة الأعراف)
فالغضب طارئ لذلك في مقدمة أصول النحو الذي درسناه في الجامعة المعول عليه المعنى، هذا من قواعد اللغة العربية.


اللطف هو رقة الشيء و استحسانه و خفته على النفس:


الآن لطف الشيء، ماذا يعني أنه لطف، اللطف في الشيء رقته، رقيق، واستحسانه، وخفته على النفس، أو احتجابه و خفاؤه، هذا هو اللطف رقة الشيء واستحسانه وخفته على النفس أو احتجابه وخفاؤه، وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: في قولِ أَصحاب الإفْكِ ولا أشْعُرُ، وهو يريبُني في وجَعي: أَنِّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام رقيق بالسيدة عائشة لطيف.

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[رواه البزار ]



مقياس الأخلاق عند الإنسان أخلاقه في بيته:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/01.jpg
أيها الأخوة، مقياس الأخلاق أخلاقك في بيتك، مقياس الأخلاق، الإنسان خارج البيت يحسن وضعه، يلمع صورته، يعتني بثيابه، يبتسم، يعتذر، يتعطر، هذا لمصلحته لمكانته لينتزع إعجاب الناس به، مصلحته تقتضي أن يكون لطيفاً معتذراً مبتسماً أما حقيقته تظهر في البيت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[رواه البزار ]
فالسيدة عائشة تقول: يَريبُني في وجَعي، أي مما يؤلمني في وجعي أَنِّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي.
إذاً هذا منهج:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[رواه البزار ]
كانت تسأله كيف حبك لي ؟ يقول لها كعقدة الحبل، عقدة لا تفك فأصبحت هذه الكلمة العقدة مصطلحاً بينها وبينه، تسأله من حين لآخر كيف العقدة ؟ يقول على حالها. يعني ماذا يمنع أن تكون مع أهلك لطيفاً ؟ ماذا يمنع أن تكون مع أهلك رفيقاً رحيماً ودوداً مبتسماً ؟ السلام عليكم، الزوج اللطيف المؤنس، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، كان يقول:

(( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

[ ورد في الأثر ]
مرة السيدة عائشة حدثته عن قصة طويلة، عن قصة أبي زرع وأم زرع، أشادت بأبي زرع لشجاعته، لكرمه، لبطولته، لرجولته، لكنها تأسفت في نهاية القصة فقالت غير أنه طلقها طلق أم زرع فكان تعقيب النبي عليه الصلاة والسلام أنا لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك.
طمأنها، من أقواله صلى الله عليه وسلم:

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]
يحمد الله على أن رزقه حب عائشة.


على كل إنسان أن يتخذ من النبي الكريم قدوة له:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/02.jpg
من علامات الإيمان أن تحب حليلتك، أن تحب زوجتك، هذه زوجتك هذه هدية الله إليك، هذه إنسانة جعلها الله تحت طوعك، عاملها بالإحسان، كان عليه الصلاة والسلام رفيقاً بأهله، كان يخصف نعله ويكنس داره ويحلب شاته وكان في مهنة أهله، هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
إذاً الشاهد أن النبي كان لطيفاً معها، لكن بعد حديث الإفك تغير، شيء مقلق، يعني لا في دليل إثبات ولا في دليل نفي وهو سيد الخلق وحبيب الحق وتتهم زوجته بأثمن ما تملك امرأة، عفتها، امتحان صعب لماذا قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21) ﴾

( سورة الأحزاب)
أذاقه الله الفقر وقف الموقف الكامل، أذاقه الله الغنى فكان سخياً وقف الموقف الكامل، أذاقه الله القهر في الطائف وقف موقفاً كاملاً إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، أذاقه الانتصار في فتح مكة وقف الموقف الكامل، أذاقه موت الولد، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، أذاقه كل شيء وقف الموقف الكامل لذلك قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21) ﴾

( سورة الأحزاب)



الله عز وجل لطيف يعلم دقائق الأمور ولا يخفى عليه شيء:



الآن الله عز وجل لطيف يعني اجتمع له العلم بدقائق المصالح وأوصلها إلى من قدرها له من خلقه مع الرفق به، يقال لطف به وله، فقوله تعالى:

﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ (19) ﴾

(سورة الشورى)
يعني لطف بهم، وقوله تعالى:
﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ (100) ﴾

(سورة يوسف)
لطف لهم، الله لطيف بعباده رفيق بهم، يرحمهم، قريب منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى التوبة والغفران مهما بلغ بهم العصيان، لطيف بعباده رفيق بهم، قريب منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى التوبة والغفران مهما بلغ بهم العصيان، فهو لطيف بعباده يعلم دقائق أحوالهم ولا يخفى عليه شيء مما في صم، إنسان أحياناً يبلغه أنه إذا تبرع بأرض لمسجد اضطرت البلدية أن تنظم أرضه وأن تقسمها إلى محاضر وعندئذ يرتفع السعر أضاعفاً مضاعفة، هو أراد من التبرع أن يرتفع سعر أرضه، لو سمع هذا الخبر أن فلاناً تبرع بمسجد ما شاء الله محسن كبير، من الذي يعلم الحقيقة ؟ الله عز وجل، من الذي يعلم خائنة الأعين ؟ الله عز وجل، من الذي يعلم البواعث الخفية ؟ الله عز وجل، من الذي يعلم المقاصد البعيدة ؟ الله عز وجل، لطيف يعلم دقائق أحوالهم ولا يخفى عليه شيء مما في صم.


من معاني اللطيف:



كم معنى للطيف ؟ رفيق، قريب، رحيم، يدعوك للتوبة مهما كنت عاصياً ويعلم كل شيء، يعلم ما خفي عنك، يعلم سرك وجهرك، علم ما كان، وعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، والدليل:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) ﴾

(سورة الملك)
سيدنا لقمان قال لابنه وهو يعظه:

﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) ﴾

(سورة لقمان)
دقائق الأمور أدق التفصيلات، البواعث الخفية، المقاصد البعيدة، النوايا الدقيقة، المشاعر، الخواطر يعلمها، لكنه لطيف.
لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله عز وجل:

لو رافقك إنسان لمدة أطول مما ينبغي تضجر منه يا أخي حل عني، الله معنا لكن لطيف، اللطيف هو الذي ييسر لعباده أمورهم، من ييسر لك أمورك ؟ يوفقك في زواجك في شراء بيت، بالوصول إلى المنصب، باحتلال وظيفة، بتجارة رابحة من يوفقك ؟ بطولتك ألا تعزو الفضل إلا إليه، أنت حينما تقول الله وفقني، الله أكرمني، الله مكنني، الله أعطاني، الله تفضل عليّ، الله يسر لي أمري، هذا ليس من باب التواضع من باب الحقيقة، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (88) ﴾

(سورة هود)


لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله:


﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (88) ﴾

(سورة هود)



من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى و الرشاد:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/03.jpg
إذاً اللطيف هو الذي ييسر للعباد أمورهم و يستجيب منهم دعاءهم، فهو المحسن إليهم في خفاء و ستر، من حيث لا يعلمون فنعمه عليهم سابغة ظاهرة لا يحصيها العادون و لا ينكرها إلا الجاحدون.
أنت كلك كرم من الله، منحك نعمة الإيجاد، كل شخص منا له تاريخ ميلاد أنا عندما أقرأ كتاباً و أراجع بعض صفحاته متى نُضد ؟ متى طبع ؟ إذا كان مطبوع قبل ولادتي أقول أثناء طبع هذا الكتاب كان في إنسان بالأرض اسمه راتب نابلسي:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾

(سورة الإنسان)
فأنت منحك الله نعمة الإيجاد لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم منحك نعمة الإمداد، أعطاك هواء، أعطاك ماء، أعطاك مأوى، أعطاك علماً، أعطاك طلاقة لسان، زوجك، عندك أولاد، عندك أصهار، كل هذه النعم بفضل الله عز وجل، إذاً هذا معنى اللطيف، وهو المحسن إليهم في خفاء وستر من حيث لا يعلمون نعمه سابغة ظاهرة لا يحصيها العادون ولا ينكرها إلا الجاحدون، وهو الذي يرزقهم بفضله، هذا يتقن الخط، هذا يتقن قص الشعر، هذا يتقن التعليم، هذا يتقن الهندسة، هذا تاجر، هذا مزارع، كل واحد الله مكنه من عمل ويسره له، أ نسهر أياماً في معنا طبيب جراح يعمل كل يوم عملية قلب أنا أقول له كيف تستسيغ الطعام بالمنشار ينشر عظم القص، بجهاز معين تتباعد هذه العظام يصل إلى القلب، يوقف القلب يربطه بقلب صناعي، يفتح البطين يصل إلى الدسام أربع خمس ساعات، الدماء والإنسان مخدر ويأتي إلى بيته يأكل بشهية، إذا واحد منا رأى الدم ما فيه نفس يأكل لقمة، كيف الله مكّنه من عملية جراحية وهو مرتاح، وهذا يلقي خطبة، ذا يقود مركبة، وهذا يقود طائرة، طائرة ثلاثمئة وخمسين طناً شاب صغير يقودها بالليل معه علم، شاب صغير يقود طائرة من أكبر الطائرات ليلاً، يحرك ثلاثمئة وخمسين طناً في الهواء أقل غلط تسقط الطائرة من مكنه من ذلك ؟


الله عز وجل لطيف يعين كل إنسان على عمله:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/04.jpg
لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل لطيف يعني يعين كل إنسان على عمله، يسر له عملاً، مكنه من عمل فنعمه عليهم سابغة ظاهرة وهو يرزقهم بفضله، كل واحد الله مكنه من شيء ويسر له عمله، من حيث لا يحتسبون.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) ﴾

(سورة الحج)
وقال سبحانه:
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) ﴾

(سورة الشورى)
كما أنه يحاسب المؤمنين حساباً يسيراً بفضله ورحمته ويحاسب غيرهم من المخالفين وفق عدله وحكمته.


من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:



الآن من معاني اللطيف أنه خفي:

﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) ﴾

(سورة الكهف)
ينبغي ألا يراه أحد، ألا يعلم به أحد، أحياناً الله عز وجل غير ظاهر، جالس في بيتك مع زوجتك وأولادك الله معك وهو معكم أينما كنتم، لكن بلطف من دون أن تشعر أن الوجود مخيف هو القدير هو العليم هو الحكيم هو اللطيف هو القدير هو الجميل، معك وهو معكم أينما كنتم.
أيضاً اسم الله احتجب عنك ليمتحننا، يبدو لك أول وهلة لوحدك في البيت ما في معك أحد هكذا تتوهم وهو معك، فلذلك إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.


الله عز وجل لا يُرى في الدنيا لطفاً منه وحكمة ويُرى في الآخرة إكراماً ومحبة:


إذاً الله عز وجل لا يرى في الدنيا لطفاً منه وحكمة ويرى في الآخرة إكراماً ومحبة، احتجب عنا في الدنيا لطفاً وامتحاناً ورأيناه في الآخرة إكراماً وإحساناً.
ورد في بعض الآثار أن أهل الجنة ينظرون إلى وجه الله الكريم فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة.


ولو رآه الناس في الدنيا جهاراً لبطلت الحكمة وتعطلت معاني العدل، لذلك قال الله عز وجل عن رؤية الناس له في الآخرة:



﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )

لو رأى الناس الله عز وجل في الدنيا جهاراً لبطلت الحكمة وتعطلت معاني العدل:

أيها الأخوة، هذه النقطة دقيقة جداً إن شاء الله في درس قادم سأشرحها بالتفصيل، لماذا احتجب الله عنا في الدنيا ؟ ليمتحننا ولماذا نراه في الآخرة ؟ ليكرمنا، إذاً في الدنيا:

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (51) ﴾

( سورة الشورى )

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾

( سورة الأنعام الآية 103 )
أما في الآخرة:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة: الآية 22-23)
هذا الموضوع دقيق جداً لماذا احتجب عنا في الدنيا ولماذا نراه في الآخرة إن شاء الله في درس قادم أعالج هذا الموضوع.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-13-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(50)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الخبير ):





أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الخبير.



ورود اسم الخبير في الكتاب و السنة في نصوص كثيرة:


اسم الخبير أيها الأخوة ورد في الكتاب والسنة وفي نصوص كثيرة، ففي القرآن الكريم ورد معرفاً، الخبير في ثلاثة أو مقترناً بثلاثة أسماء، اسم الحكيم في قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) ﴾

(سورة الأنعام )
ومقترناً مع اسم اللطيف:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) ﴾

(سورة الأنعام )
ومقترناً مع اسم العليم في قوله تعالى:
﴿ نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) ﴾

(سورة التحريم)
إذاً الحكيم الخبير، اللطيف الخبير، العليم الخبير، وقد ورد أيضاً هذا الاسم منوناً يعني غير معرف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى:
﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) ﴾

(سورة الأحزاب)
الخبير معرف، خبيراً منون، أما في السنة ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: قال: لَتُخْبرِيني أو لَيُخْبِرنِّي اللطيف الخبير.


تعريف الخبير:



أيها الأخوة، الخبير في اللغة على وزن فعيل، هذا الوزن يدل على المبالغة، إذاً الخبير من صيغ المبالغة فعله خَبَرَ يَخبُر خُبرَاً، وخبرت بالأمر أي علمته، هناك من أعلمني به، وخبرته أي عرفته على حقيقته بالعمق، بالخلفيات، بالبواعث، وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه سأل السيدة عائشة رضي الله عنها قال: فما يُوجب الغسل ؟ قالت: على الخبير سقطتَ. أي إنك سألت خبيراً بهذا الموضوع.
فالخبير هو الذي يخبر الشيء بعلمه لكن الخبرة أبلغ من العلم لأنها علم وزيادة، فالخبير بالشيء من علمه وقام بمعالجته وبيّن خصائصه وجربه وامتحنه فأحاط بتفاصيله الدقيقة وألمّ بخصائصه اللصيقة ووصفه على حقيقته، فالعلم نظري والخبرة عملية.



خبرة الله قديمة قدم وجوده أما صنعة الإنسان تتطور بحسب خبرته المتنامية:



تصنع محركاً وفق قواعد علمية دقيقة جداً على الاستعمال ترتفع حرارته عند الطريق الصاعدة ؛ وهذا الارتفاع قد يسبب له الاحتراق، إذاً كان في نقص بالخبرة، لذلك وازن بين مركبة صنعت عام 1912 ومركبة 2008، المركبة الأولى تشغيلها من الخارج والمركبة الأولى علبة سرعة ما فيها، والعجلات ليس فيها هواء صلبة، والإضاءة بالفانوس، ونراقب مركبة من أرقى المركبات الآن التي صنعت عام 2008، خبرة الإنسان تتنامى، خبرة الإنسان حادثة، أما خبرة الله قديمة، هل طرأ على خلق الإنسان تعديل ؟ في إنسان موديل ثمانين مثلاً ؟ هل طرأ على خلق الإنسان تعديل ؟ كمال مطلق، الفرق الدقيق بين خلق الإنسان وبين صنع الإنسان، صنعة الإنسان تتطور بحسب خبرته المتنامية وبحسب الخطأ والصواب أما خبرة الله عز وجل قديمة قدم وجوده، الله عز وجل خبير.
آلات كثيرة تصمم وفق أحدث قواعد العلم على التطبيق، على التجريب، على الاستعمال تكشف أخطاء كثيرة تعدل وتعدل وتعدل والإنسان ما دام حياً يرزق صنعته تحتاج إلى تعديل بينما صنعة الواحد الديان كاملة كمالاً مطلقاً.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

(سورة النمل: الآية: 88)




إتقان الله عز وجل لكل شيء :


ليس في حليب الأم حديد أودع الله في طحال الجنين كمية حديد تكفيه لعامين إلى أن يأكل، حينما يولد الطفل ما في قوة في الأرض تعلمه كيف يلتقم ثدي أمه ويمص الحليب، والعملية معقدة جداً، يخلق مع الإنسان ما يسميه علماء النفس منعكس المص، يعني الآن ولد إن اقتربت أصبع الممرضة المولدة مصها، يعني أحاطها بشفتيه وأحكم الإغلاق وسحب الهواء.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

(سورة النمل: الآية: 88 )
قد تذهب إلى فنلندا يوجد بعينك ماء هناك الحرارة سبعين تحت الصفر تتلافى البرد الشديد بقبعة وقفازات ومعطف وأحذية مبطنة بالصوف وجوارب صوفية لكن هل تستطيع أن تغطي عينيك هناك ؟ وماء العين يلامس سبعين تحت الصفر، إذاً كل إنسان هناك ينبغي أن يموت أو ينبغي أن يفقد بصره، الواقع أن الله أودع في ماء العين مادة مضادة للتجمد لئلا يتجمد ماء العين في منطقة باردة، الخبير، الإنسان يستخدم العلم لكن الخبرة لا يملكها.
الموضوع طويل ودقيق جداً، الآن مثلاً المركبات الحديثة يضعون جداراً إسمنتياً وتنطلق المركبة من دون سائق باتجاه هذا الجدار بسرعة مئة يلاحظون صمود هيكل السيارة أمام هذه الصدمة حتى يصنعوها بصناعة متقنة، ما عرفوا نظرياً هذا المعدن كم يصمد أمام صدمة بسرعة مئة، بالتجريب، أحياناً يكشفون تركيب التربة ومعهم بذور لا يعلمون هل تصلح هذه التربة لهذه البذور ؟ على التجريب، فالإنسان خبرته تتنامى، يأخذها من التجارب أما خبرة الواحد الديان قديمة قِدم وجوده.


ما من جهة ينبغي على الإنسان أن يتبع تعليماتها إلا الصانع وهو الله عز وجل:



أيها الأخوة، الخبير سبحانه وتعالى هو العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وليس هذا إلا لله وحده، علم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بعلمه بل لا تستقيم آياتنا إلا بتطبيق أمره واتِّباع سنة نبيه لماذا ؟ لأنك أيها الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز.
تصور تمشي في الطريق وسمعت بوق مركبة، ما الذي يحدث حتى انحرفت نحو اليسار ؟ الذي يحدث أن في الدماغ جهاز بالغ التعقيد يحسب تفاضل وصول بوق المركبة إلى الأذنين إلى أيهما دخل أولاً ؟ والتفاضل بينهما واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، الجهاز في الدماغ يكتشف أن البوق جاء من اليمين، الدماغ يعطي أمراً إلى الإنسان أن ينحاز نحو اليسار.
دقة ما بعدها دقة، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

(سورة فاطر الآية: 14)
يعني الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، وهذا من واقع الحياة، عندك جهاز بالغ التعقيد كومبيوتر صناعي ولك جار يبيع الخضراوات صالح جداً تحبه جداً هل تدعوه إلى أن يصلح لك هذا الكومبيوتر ؟ مستحيل، تبحث عن الشركة الصانعة عن خبيرها.
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

(سورة فاطر الآية: 14)
أي ما من جهة ينبغي أن تتبع تعليماتها إلا الصانع وهو الله عز وجل.


الأمر الإلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية:



لذلك الأمر الإلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية، الأمر الإلهي والنهي الإلهي علاقة الأمر بالنتيجة وعلاقة الأمر بالنتيجة علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، أنا أضرب مثلاً دائماً أذكره كثيراً، أنت راكب مركبة وحامل عشرة طن شاحنة وصلت إلى جسر كتب عليه الحمولة القوى خمسة طن، من الحمق والغباء أن تتلفت يمنة ويسرى في شرطي ؟ ليس الموضوع موضوع شرطي، الموضوع هنا ليس موضوع شرطي ومخالفة، الموضوع الجسر نفسه يعاقبك، تسقط في النهر، العلاقة بين السير فوق هذا الجسر بعشرة طن وسقوط الجسر علاقة علمية.
لوحة كتب عليها ممنوع الاقتراب خط توتر عالي، يا ترى لو اقتربت في مؤاخذة، في مخالفة، يا ترى أسجن ؟ الموضوع ليس موضوع سجن ولا مخالفة ولا مؤاخذة موضوع التيار يعملك فحمة خلال دقائق، أنت حينما تفهم أمر الله الذي هو من عند الخبير على أن العلاقة بين الأمر وبين النتائج علاقة علمية ؛ علاقة سبب بنتيجة، وأن العلاقة بين النهي وبين النتائج علاقة علمية ؛ علاقة سبب بنتيجة، تكون قد عرفت الخبير.

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

(سورة فاطر الآية: 14)



الفقيه من عرف أن سلامته و سعادته بطاعة الخالق و شقاءه وهلاكه بمعصيته:


مثلاً ما معنى فرائض ؟ بالضبط للتوضيح أنا أقول لكم استنشاق الهواء فرض لبقائك حياً، يعني إذا لم تستنشق الهواء تموت، وشرب الماء فرض لبقائك حياً، الهواء دقائق، الماء ثلاثة أيام، وتناول الطعام فرض لبقائك حياً لأيام، تتوقف حياتك على استنشاق الهواء وشرب الماء وتناول الطعام، فإذا قلت الصلاة فرض، يعني فرض على سلامتك وسعادتك، إنك إن اتصلت بالله ألقى الله في قلبك نوراً رأيت به الحق حقاً والباطل باطلاً والدليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28) ﴾

(سورة الحديد)
هذه الصلاة ذكر الله أكبر، إذا ذكرك قذف في قلبك النور، رأيت الحق حقاً والباطل باطلاً، سلمت وسعدت، فالصلاة فرض والصيام فرض والحج فرض والزكاة فرض والزنا محرم يحجبك عن الله تصبح في ظلام في عمى تتخبط خبط عشواء، والسرقة حرام، والكذب حرام، الحرام يحرمك السلامة والسعادة، والفرض شرط لسلامتك وسعادتك، أنا حينما أفهم الفرائض أنها شروط لازمة لسلامتي وسعادتي وحينما أفهم المحرمات أنها أسباب كافية لشقائي وهلاكي أكون فقيهاً في الدين، أعرابي بسيط ثقافته محدودة جداً التقى النبي عليه الصلاة والسلام قال له يا رسول الله عظني ولا تطل، تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقرة من سورة:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾
قال: كفيت، فعلق النبي عليه الصلاة والسلام على قوله وقال: فَقُهَ الرجل، ما قال فَقِهَ، فَقِهَ عرف الحكم، أما فَقُهَ أصبح فقيهاً.


من استقام على أمر الله سعد في الدنيا و الآخرة:



أنت أيها الأخ الكريم وأنا معك حينما نفهم أن كل سلامتنا وسعادتنا بطاعة الله وأن كل شقائنا وهلاكنا بمعصيته نكون فقهاء، لهذا كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه.
في مثل لكن حاد جداً، إنسان ثقافته محدودة جداً راعي التقى به سيدنا ابن عمر قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب ؟ قال: والله إنني لأشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟ هذا الراعي الذي لا يقرأ ولا يكتب لكنه خاف من الله وضع يده على جوهر الدين، وإنسان يحمل دكتوراه وله مئتي مؤلف إذا أكل المال الحرام أو اعتدى على أعراض الناس أو أخذ ما ليس له يعد بنص هذه المقولة الرائعة جاهلاً.
كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه، إنسان سائق مركبة لا يقرأ ولا يكتب لكن قبل أن ينطلق بها يكشف عن مستوى الزيت ويزودها بالزيت بشكل مستمر وإنسان عنده مركبة يحمل دكتوراه بالميكانيك لكن نسي الزيت فاحترق المحرك أيهما أعلم ؟
في شيء عملي فأنت حينما تستقيم على أمر الله تقطف كل ثمار الأمر.



الدين يجب أن يكون بسيطاً سهلاً واضحاً ليقطف جميع الناس ثماره:



بالمناسبة في حقيقة دقيقة جداً الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، يعني إنسان غير متعلم اشترى مكيفاً ضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد فاستمتع به، إنسان معه دكتوراه بالتكييف ضغط على مفتاح التكييف جاءه الهواء البارد، يستوي هذا الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب في انتفاعه بالمكيف مع هذا الدكتور بالتكييف ؟
الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، ماذا أريد من هذا الكلام ؟ يعني أنت حينما تطبق منهج الله بعلم أو بغير علم فهمت الحكمة أو لم تفهمها ؛ لمجرد أن تكون صادقاً قطفت ثمار الصدق، لمجرد أن تكون عفيفاً قطفت كل ثمار العفة، لمجرد أن تكون أميناً قطفت كل ثمار الأمانة، الذي عنده دكتوراه بعلم النفس وعنده دكتوراه بالتشريع ويعرف أبعاد الأمانة وأبعاد الحكمة وأبعاد الصدق، المعلومات النظرية لا تقدم ولا تؤخر، منهج الله لكل البشر كالهواء، في إنسان يطالب قبل أن يأخذ الهواء بوثيقة ؟ بشهادة بحسن سلوك ؟ هواء هذا لكل البشر، يقنن لا يقنن، يباع لا يباع، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء، لذلك الدين يجب أن يكون بسيطاً سهلاً واضحاً، ينبغي أن نبسطه، ينبغي أن نعقلنه، ينبغي أن نطبقه.



من معاني الخبير:



إذاً أيها الأخوة، الخبير هو الله عز وجل:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

(سورة فاطر الآية: 14)
من معاني الخبير الذي على وزن فعيل بمعنى مفعل يعني خبير بمعنى مخبر:


1 ـ الله متكلم والقرآن كلامه:


إذاً الله عز وجل يخبرنا: الله متكلم والقرآن كلامه، من معاني الخبير أنه متكلم والقرآن كلامه.



2 ـ هو العالم بكل شيء:


المعنى الآخر للخبير هو الذي يعلم كل شيء ولا يغيب عن علمه صغيرة ولا كبيرة، وهو العالم بكل كل شيء، مطلع على حقيقة كل شيء مهما دقت أو خفيت، عليم بدقائق الأمور لا تخفى عليه خافية، يعلم الداء والدواء، يعلم الظاهر والباطن، يعلم الشكل والمضمون، يعلم جلائل الأمور ودقائقها، يعلم ما يرى بالعين وما لا يرى، يمسك كأس ماء صافٍ في مليارات البكتريات لو وضعته تحت ميكروسكوب ما تمكنت أن تشربه، يعلم ما يرى وما لا يرى، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الخبير هو الذي لا تغرب عنه الأخبار الباطنة و لا يجري في الملك والملكوت شيء إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بعلمه ولا تضطرب نفس ولا تطمأن إلا بعلمه.




3 ـ هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء:


وقيل الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
أيها الأخوة، هذا كله شرح دققوا وكأنه شرح لاسم العليم داخل الأمر يا ترى عليم أم خبير ؟ الجواب لا الخبير، كل خبير عليم لكن ما كل عليم بخبير، الخبير علم وزيادة الخبير يفيد معنى العليم ولكن العليم لا يفيد معنى الخبير.



الله عز وجل عليم وخبير في الوقت نفسه:



أيها الأخوة، أنا أمسكت الكأس نقلته من هنا إلى هنا، أنتم تشاهدون من خلال عيونكم، رأيتم أنني نقلت هذا الكأس من هنا إلى هنا، لكن هناك أعمق من ذلك، لماذا نقلته ؟ البواعث، الدوافع، المقصد، الخطوات، ما الذي خطر في بالي، لماذا فعلت هذا ؟ هذا يحتاج إلى خبير، أنت معلم أمام ثلاثة وأربعين طالباً عددتهم واحداً واحداً وأسماءهم عندك هذا علم أما الخبرة كل طالب من أبيه ؟ أمه ؟ بيته منتظم غير منتظم ؟ البيت ملتزم غير ملتزم ؟ الأب مثقف غير مثقف ؟ الأم مطلقة غير مطلقة ؟ الطفل باختصاصه متفوق بالرياضيات ؟ باللغة العربية ؟ هذه خبرة.



اسم الخبير لو تعمقنا فيه لعددنا للمليون قبل أن نعصيه:



لذلك:

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
العد شيء والإحصاء شيء آخر، يمكن أن تعد الطلاب عدّاً أما الإحصاء أن يتعرف على كل طالب ؛ بيئته، بيته، والديه، مستوى ثقافته، طباعه، طريقة تفكيره، تفوقه، الخبرة أعمق من العلم، الله عز وجل عليم وخبير، يعني كطرفة شخص جالس في بيته معه زوجه وأولاده طرق الباب جاءت صديقة زوجته والوقت شتاء غرفة الجلوس دافئة وغرفة الضيوف باردة صاح بزوجته ائت بصديقتك إلى هنا ؛ هنا أدفأ لكم، يا ترى القصد أن هذه الغرفة أكثر دفئاً فقط أم أنه أراد أن يرى صديقة زوجته ؟ ما شكلها ؟ ما قوامها مثلاً ؟ من يعلم هذا ؟ الخبير، كلامك رائع هنا أدفأ لكم لكن هي غير محجبة وأنت مسلم لماذا تدعوها إلى أن تجلس معك في الغرفة ؟
مثلاً طبيب يعالج مريضة له الحق أن يرى موضع الألم فاختلس نظرة إلى مكان آخر لا يحق له هل في الأرض كلها جهة تستطيع أن تضبط هذه المخالفة ؟ إلا الله:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

(سورة غافر )
جالس في بيتك والغرفة مظلمة وفي أمامك بناء آخر في له شرفة خرجت الجارة بثياب مبتذلة لك أن تملأ عينيك من محاسنها ولك أن تغض البصر ولا يعلم أحد في الأرض إلا الله، خبير.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

(سورة غافر )
لذلك أيها الأخوة، اسم الخبير لو تعمقنا فيه لعددنا للمليون قبل أن نعصيه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-14-2018, 08:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(51)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الكبير ):





أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم الكبير.



اسم الله الكبير ورد مقترناً بعدة أسماء منها:


أيها الأخوة، ورد هذا الاسم العظيم مقترناً باسمه المتعالي في قوله تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي(9) ﴾

(سورة الرعد)
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم العلي في عدة مواضع منها قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(62) ﴾

(سورة الحج)
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إذا قضى اللّهُ الأمرَ في السماءِ ضرَبت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعانا لقوله، كأنه سِلْسِلةٌ على صفوان...))

[ صحيح عن أبي هريرة]
صفوان الحجر أي كصوت السلسلة على الحجر:

((..فإذا فُزِّعَ عن قلوبِهمْ قالوا: ماذا قال ربُّكُمْ ؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ، فَيَسمعُها ))




المعاني اللغوية لاسم الكبير:



أيها الأخوة، كما هي العادة نبدأ بالمعاني اللغوية، الكبير من صيغ المبالغة على وزن فعيل، والمبالغة كما تعلمون مبالغة كم ومبالغة نوع، هذا الفعل الذي منه الكبير كبر يكبر كبراً فهو كبير، والكبر نقيض الصغر، وكبر بالضم أي عظم، والكبير والصغير من الأسماء المتضايفة، قد تضيف اسماً إلى اسم أو اسماً إلى اسم، ما معنى هذا الكلام ؟ يعني إنسان أحياناً يكون كبيراً بالنسبة إلى إنسان ويكون صغيراً بالنسبة إلى إنسان آخر، المعلم في الصف يعني إنسان يحمل شهادة جامعية، عمره ثلاثون سنة أمام طلاب صغار هو كبير بالنسبة إليهم لكن أمام عَلم من أعلام الأمة في اختصاصه هو صغير أمامه، فالأسماء المتضايفة تكون تارةً كبيرة بالنسبة إلى شيء وتارة صغيرة بالنسبة إلى شيء آخر، من هذا الملمح أن الله عز وجل أحياناً يقول:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

( سورة الواقعة )
مواقع النجوم، بين الأرض وبين بعض النجوم أربعة وعشرين مليار سنة ضوئية يعني من أجل أن أقطع أربع سنوات ضوئية بمركبة أرضية أحتاج إلى خمسين مليون عام، الأربعة والعشرين مليار سنة ومع ذلك هذا القسم بالنسبة إلى الله لا شيء إذاً لا أقسم، أما بالنسبة إلينا شيء كبير.
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

( سورة الشمس )
فإذا أقسم الله في القرآن فبالنسبة إلينا وإذا لم يقسم فبالنسبة إلى ذاته العلية، هذا ملمح طبعاً.


من رحمة الله بنا أن كنا في هذا الزمان:



الآن على المستوى العملي لو جئت بلوحة ذات لون رمادي وضعت إطارها أسود اللون، تبدو أقرب إلى البياض منها إلى السواد اللوحة، اللوحة نفسها ضعها ضمن إطار أبيض اللون تبدو أقرب إلى السواد منها إلى البياض، هذه أسماء متضايفة، تطبيقاً لهذه الحقيقة، يعني الله عز وجل رحمنا رحمة كبيرة حين جاء بنا في آخر الزمان فبالنسبة لمن حولنا من العصاة نحن أولياء، أما إذا كنا مع أصحاب رسول الله فقد نبدو منافقين، لا أحد يقل لماذا لم أكن مع رسول الله ؟ يعني قصة وردت في السيرة أنه في غزوة مؤتة عيّن النبي صلى الله عليه وسلم قواداً ثلاثة سيدنا زيد أولاً فإذا قتل سيدنا جعفر فإذا قتل سيدنا عبد الله بن رواحة، القائد الأول أخذ الراية وحملها فقاتل بها حتى قتل، جاء القائد الثاني سيدنا جعفر، أخذ الراية بيمينه فقاتل بها فضربت يمينه (قطعت) فأمسكها بشماله فضربت شماله فأمسكها بعضديه ثم قتل، في بعض الروايات وعلى ذمة الروايات القائد الثالث عبد الله بن رواحة وكان شاعراً، يعني أول قائد مات لتوه والثاني مات الامتحان صعب فذكر بيتين من الشعر قال:
يا نفس إن لم تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت و إن توليت فقد شقيــت
***
وأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل، انتهى الأمر، النبي صلى الله عليه وسلم قال بين أصحابه أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قتل، وإن أرى مقامه في الجنة، ثم أخذها أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، ثم سكت، لما سكت ثوان فقلق الصحابة على أخيهم عبد الله، قالوا: ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذها عبد الله، وقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه، نزل درجة لأنه تردَّد.


الحل الوحيد في معالجة ضعف الإيمان أن تحيط نفسك بأناس مؤمنين:



نقول لك تعال احضر درساً لا في قتل ولا.. احضر درساً فقط، نحن من رحمة الله بنا أن كنا في هذا الزمان أمام من حولنا من العصاة والفجار والمنحرفين نظهر أننا أولياء أما لو قسنا نفسنا مع الأبطال نحن بالامتحان بمادة اللغة العربية بموضوع التعبير تقييم العلامة تقييم ذوقي فلو طالب متفوق جداً كان بشعبة متفوقين له علامة، أما لو جاء طالب دون الوسط مع شعبة كسالى يأخذ خمس علامات دون أن نشعر زيادة بالقياس لمن حوله، الحل الوحيد من معالجة ضعف الإيمان أن تحيط نفسك بأناس مؤمنين كبار، أن تكون مع المؤمنين، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾

( سورة التوبة )
الإنسان إذا كان مع الصادقين يشتهي الجنة، يشتهي العمل الصالح، يشتهي قيام الليل، يشتهي تلاوة القرآن، يشتهي الأعمال البطولية، أما إذا كان جالساً مع جهات منحرفة مهما قصّر يرى نفسه متفوقاً، من هنا جاء التوجيه الإلهي:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾

( سورة الكهف)



من معاني كلمة كبير اتساع الذات وعظمة الصفات:


أيها الأخوة، أيضاً كلمة كبير تستخدم للأشياء المتصلة والأشياء المنفصلة، المتصلة كأن تقول هذا الحب حبّ كثير أو قليل يعني قمح، أما الأشياء التي تعد عدّاً تقول أعداد كثيرة أو كبيرة، أعداد صغيرة، ويكون الكبر دققوا في اتساع الذات وعظمة الصفات، يعني إنسان أحياناً صغير الجسم، ضئيل قصير القامة، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، مائل الذقن، أحنف الرجل، ممكن وإنسان عظيم قد يكون، لكن إنسان عظيم الهيئة، طويل القامة، عريض المنكبين، وعالم كبير، كلمة كبير تعني اتساع الذات وعظمة الصفات:

﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (247) ﴾

(سورة البقرة)
الله عز وجل قال:
﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) ﴾

(سورة الأنبياء)



أنواع الجهاد:




1 – جهاد النفس والهوى و هو الجهاد الأساسي:

في قوله تعالى:

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾

(سورة الفرقان)
سمى الله جهاد الدعوة إلى الله، جهاد تعليم القرآن، جهاد تبين السنة، جهاد تبين الأحكام الفقهية، وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً، نحن إذا ذكرنا كلمة جهاد لا يقفز إلى أذهاننا إلا الجهاد القتالي، مع أن هناك أربعة مستويات للجهاد قبل القتالي، أول جهاد، جهاد النفس والهوى، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

( سورة العنكبوت)
لذلك أثر عن بعض الصحابة أنه قال حينما عاد من غزوة قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى.
نحن عندنا بالتعليم تعليم الأساسي، يعني أول مرحلة أساسية في التعليم وأنا أرى أن جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأساسي، فالمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة:
﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الفرقان )



2 ـ الجهاد الدعوي:


الجهاد الثاني الجهاد الدعوي، في دماء للشهداء وفي مداد للعلماء.



3 ـ الجهاد البنائي:


الجهاد الثالث الجهاد البنائي أن تسهم في بناء الأمة، أن تكون لك بصمة في الحياة فإن لم تكن لك هذه البصمة فأنت زائد على الحياة، يعني طبيب متفوق، مهندس متفوق، أستاذ جامعي متفوق، مؤلف متفوق، صناعي متفوق، نحن بحاجة إلى هؤلاء، إلى نخبة يسهمون في بناء الأمة.



4 ـ الجهاد القتالي:


دققوا الآن إذا نجحنا في الجهاد النفسي، والجهاد الدعوي، والجهاد البنائي، ينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي.



من عظم الذنب عنده صغر عند الله:



أيها الأخوة الكرام، حتى أوضح قصة عبد الله بن رواحة في مثل، مرة إنسان ماشٍ في الطريق بعد صلاة الفجر مرّ إلى جانب حاوية قمامة فسمع صوتاً فيها فأطل عليها فإذا كيس أسود يتحرك، أمسك به فتحه فإذا طفل ولد لتوه، ابن زنا فأخذه، القصة واقعية، أول قسم منها واقعي والباقي متابعة، أخذه إلى المستشفى وضعه في الحاضنة اعتنى به إلى أن صحّ جسمه أخذه إلى البيت رباه كمتبنٍ واعتنى به كثيراً، أدخله التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وهذا الشاب أصبح نبيهاً أدخله في الجامعة في كلية الطب وتابع دراسته أرسله إلى أمريكا وجاء بالبورد زوجه اشترى له عيادة جعله شيئاً مذكوراً، مرة هذا العم، هذا الذي رعى هذا الابن الذي كان في الحاوية رآه في مركبته قال له يا عم أوصلني إلى البيت الله يرضى عليك، فتردد خمس ثوان، ألا يعدّ هذا التردد بحق هذا الإنسان الذي أخذه من الحاوية وجعله طبيباً مشهوراً ألا يعد بحقِّ عمه مجرماً ؟
لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت. لهذا قالوا ذنب المنافق كالذبابة بينما ذنب المؤمن كجبل جاثم على صدره، وكلما عظم الذنب عندك صغر عند الله، وكلما صغر عندك عظم عند الله، لذلك هناك مذنب وهناك من يضيف إلى ذنبه ذنباً آخر وهو عدم الاهتمام بهذا الذنب، يقول لك ماذا فعلنا ؟ يكون خالف المنهج، يكون تكلم كلمة لا يلقي بها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
قال له ما قولك بفلانة ؟ ما حكى ولا كلمة قال الله أعلم ؟ طبعاً هذه الحركة بدرس صوتي لا تفهم، أما الدرس مصور تفهم، قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.

(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]



عظمة الله عز وجل عظمة مطلقة:



أيها الأخوة الكرام، الله كبير، سبحانه وتعالى هو العظيم في كل شيء عظمته عظمة مطلقة هو الذي كبر وعلا في ذاته قال تعالى:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (255) ﴾

(سورة البقرة)
روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 67 )
وهو الكبير في أوصافه، فلا سمي له ولا مثيل ولا شبيه له ولا نظير، قال تعالى:
﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65) ﴾

(سورة مريم )
يعني نظيراً ؟ السمي الذي اسمه كاسمك، هو الكبير في أفعاله فعظمة الخلق تشهد بكماله وجلاله قال تعالى:
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(57) ﴾

(سورة غافر)



اتصاف الله عز وجل بالكبرياء ومن نازعه ذلك قصمه وعذبه:



وهو سبحانه وتعالى متصف بالكبرياء ومن نازعه ذلك قصمه وعذبه، أقول هذه الكلمة وقلتها في مناسبات عديدة، جهة قوية جداً جداً في الأرض أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، أن تبني حريتها على التضييق على الشعوب، أن تبني غناها على إفقار الشعوب، أن تبني قوتها على إضعاف الشعوب، دققوا أن تنجح خطط هذه القوة الجبارة على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله لأن الله عز وجل يقول:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[أبو داود، ابن ماجه، أحمد عن أبي هريرة]

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 34 )
بالتعبير الدارج كل أمة قوية لها عشرة أيام وإن شاء الله خلصوا.


حفظ الله عز وجل لدينه و هدايته لخلقه:



حقيقة ثانية لو اجتمعت قوى الأرض وتضافرت وتعاونت وتآمرت على أن تستطيع أن تفسد على الله هداية لخلقه لا تستطيع، لا تقلقوا على هذا الدين، لا تقلقوا عليه أبداً إنه دين الله بل ينبغي أن نقلق على أنفسنا ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً له ولا تضجروا من اتساع الباطل البطولة دققوا ألا ينفرد الباطل في الساحة، ما دام في بقعة ضوء تنير الطريق، ما دام في مؤمنين صادقين لا تجتمع أمتي على خطأ.
(( لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ))

[ متفق عليه عن معاوية]



الإنسان مجبول على حبِّ الكمال والجمال والنوال:



أيها الأخوة، الآن إذا كنت في مجلس دون أن تشعر، دون أن تنتبه، دون أن تدرك في مجموعة أشخاص في شخص قوي تتجه إليه بنظرك، شخص جميل الصورة تملأ عينيك من محاسنه، شخص ذكي جداً، شخص طليق اللسان، أنت مبرمج بالتعبير المعاصر مولف مفطور مجبول على حب العظيم، حب الكبير، حب القوي، حب الغني، حب الكامل، حب الأخلاقي، الإنسان مجبول على حب الكمال والجمال والنوال، يحب الجمال، يحب الكمال، يحب العطاء النوال، وهذه الثلاثة الكبرى مجتمعة عند الله عز وجل، هو أصل الجمال وأصل الكمال وأصل النوال، لذلك الله جل جلاله موصوف بالجلال والكمال، تنفرد ذاته وصفاته وأفعاله بكل كمال، له جميع أنواع العلو المعروفة عند الخلق.



من قوانين النفس أنها لا تُقبل إلا على كل كبير و عظيم:



الآن إن من قوانين النفس أنها لا تقبل إلا على كبير وإلا على عظيم ولا تختار إلا الكبير ولا تعجب إلا بالعظيم هذا من خصائص النفس البشرية، لذلك حينما تتعرف على الله عز وجل ترتاح نفسك لأن فطرتها كذلك اختارت الكبير، اختارت الملك، اختارت العظيم، اختارت الرحيم، اختارت القوي، اختارت العليم، اختارت السميع، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾

( سورة الأعراف)
كلام دقيق أنت في عقد قران مضى عليه سنة وأهل الزوجة على وشك أن يفسخوا هذا العقد ما عندك بيت، بلغك أنه في إنسان محسن كبير ويحب الخير وعنده عدة بيوت يفكر أن يعطيها لطلاب العلم الذين لا يملكون ثمن بيت ماذا تعمل ؟ تتجه إليه فوراً، ما الذي دفعك إليه ؟ هذه المعلومات أنه إنسان محسن وعنده بيوت وأنت بحاجة إلى بيت، طبيعة النفس أنها تقبل على العظيم القوي الغني الشافي المعافي المغني العدل، أنت حينما تتجه إلى الله تصطلح مع نفسك، مع فطرتك، أنت مصمم أن تعرف الله فإذا اكتفيت بهدف محدود أرضي حينما تصل إليه يبدأ الشقاء ملل، يشاهد الإنسان الناجحين في الحياة الذين لم يعرفوا الله يشعر بملل عجيب، أكل حتى شبع، سافر، تزوج، ذاق طعم كل شيء وماذا بعد ذلك ؟ ما في شيء إلا إذا توجهت إلى الله.


المؤمن لا يشيخ لأن هدفه الله عز وجل:



المؤمن لا يشيخ، المؤمن يبقى شاباً وهو في التسعين، لأن هدفه الله عز وجل، وخة هو موضوع انتهاء الأهداف، اشتغل، اشترى بيتاً، تزوج، أنجب أولاداً، أولاده جالس متقاعد، مرة يلعب طاولة، مرة يقرأ جريدة، ضاق خلقه شيء ممل، أما إذا كنت في طريق الإيمان أنت شاب، وأنت في التسعين، لما احتفلوا قبل سنتين أعتقد بتكريم علماء القرآن الكريم المفاجأة أن هؤلاء العلماء الأجلاء كلهم فوق التسعين، من عاش تقياً عاش قوياً.



لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله عز وجل:



لذلك أيها الأخوة، نقطة أخيرة أنت حينما تعرف أسماء الله الحسنى تتجه إليه وحينما تعرف أسماء الله الحسنى تتقرب إليه بكمال مشتق من كماله، عندئذ يلقي في قلبك الأمن، الحكمة، السعادة، الطمأنينة، الرضا، عندئذ يبارك لك في وقتك وفي أهلك وفي أولادك وفي عملك وفي حياتك، عندئذ كما يقال أولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم. في عندهم إشعاع قوة تأثير فلذلك أيها الأخوة، لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله.

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28) ﴾

( سورة الرعد)








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-14-2018, 08:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(52)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( الحي):





أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم الحيي.



على كل إنسان أن يتكل على الحي الذي لا يموت:


في السابق شرحنا اسم الحيي، الحيي اسم والحي اسم آخر، الحيي من الحياء والحي من الحياة، هذا الاسم ورد في قوله تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (58) ﴾

(سورة الفرقان)
وقال الله جلّ جلاله:
﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (65) ﴾

(سورة غافر)
ولم يقترن هذا الاسم باسم آخر إلا القيوم في آية الكرسي:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255) ﴾

(سورة البقرة)
تعليق سريع: سمعت عن إنسان له مشكلة كبيرة جداً في بلده وتقتضي سجناً لأمد، و وَسّط إنساناً يدخل بلده من دون أن يساءل وأخذ منه مبلغاً فلكياً، وقبل أن يدخل توفي هذا الإنسان فدخل إلى السجن، توكل على حيٍّ يموت فلم ينتفع بكل ما دفع.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوت، حينما تضع أملك بحيٍّ يموت فإذا هذا مات هذا الحي الذي توكلت عليه تبددت الآمال، وأُحبط الإنسان.


انقطاع إمداد الله عن الإنسان يؤدي إلى موته:



وعند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أحد أصحابه يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال أبو المنذر الله ورسوله أعلم، قال يا أبا المنذر مرة ثانية أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال أبو المنذر الله ورسوله أعلم، فعندئذ قال أبو المنذر الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره تودداً وقال ليهدك العلم أبا المنذر، الله لا إله إلا هو الحي القيوم.
يعني حيّ بذاته ومصدر لقيام كل حيّ، حيّ محيي، حياتنا قائمة به، يعني هذا المصباح إذا قال أنا متألق، نقول أنت متألق بإمداد الكهرباء لك فإذا قُطعت عنك انطفأت، وفي أية لحظة ينقطع علينا إمداد الله عز وجل يموت الإنسان.

(( اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ))

[ أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد ]



اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أشد الحاجة إليه في ظرف معين:



أيها الأخوة، اسم الله الأعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذين الاسمين، وقد يكون اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أشد الحاجة إليه في ظرف معين، فالفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم له القوي، وفي أية حالة أنت تتعامل مع أحد أسماء الله الحسنى تقول تارة يا مغني، يا غني، وتارة يا قوي، وتارة يا حليم، وتارة يا رحيم، وتارة يا غفار، وتارة يا تواب، لكل حال من أحوالك هناك اسم يمكن أن يكون اسم الله الأعظم.
لكن لفت نظري أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا المنذر، أبو المنذر تأدباً سكت أول مرة والثانية ثم أجاب ماذا نسمي هذا ؟ الحوار من أدق أساليب التربية ومن أفعل أساليب التربية أن تستخدم الحوار، الحوار يقرب والإملاء يبعد، أنت كأب، كمعلم، كمربٍ، كموجه، كداعية، لا تستخدم أسلوب الإملاء، استخدم أسلوب الحوار، ومن ألطف ما في اللغة أن الفرق بين الحوار والجوار نقطة واحدة، الحوار والجوار، إذاً كل جوار يقتضي الحوار، الإنسان الحضاري يحاور والإنسان المتوحش يقمع، لو أنك رأيت ابنك على حال لا يرضي حاورته، يا بني هذا العمل يؤذي مستقبلك، هذا العمل يؤذي صحتك، هذا العمل يؤذي سمعتك، هذا العمل يضعك في موقف حرج أنا أتمنى لك السعادة، السلامة، هذا كلام مقنع.



الحوار أسلوب ديني استخدمه الرسول الكريم مع أصحابه:



لذلك الأب العاقل يحاور أولاده لا يضربهم باستمرار، أنت إذا حاورته قربته منك وإنك إن قمعته أبعدته عنك، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخدم مع أصحابه أسلوب الحوار.

(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا... ))

[ متفق عليه ]
عجيب إله عظيم ينشئ لعبد صغير حقاً عليه ؟ هل هناك من حديث يملأ قلبك طمأنينة كهذا الحديث ؟ أنشأ الله لك حقاً عليه هذا بالحوار، الحوار أسلوب حضاري، الحوار أسلوب أخلاقي، الحوار أسلوب ديني، حاور ولا تقمع، حاور ولا تملي، كنا مرة في جلسة في جمعية مكافحة التدخين ففي أحد الأخوة الأعضاء انتقد بعض الإعلانات، التدخين يضر بصحتك هذا إملاء، قبل أن تدخن هل فكرت في صحتك ؟ حوار، سؤال: قبل أن تدخن هل فكرت في صحتك ؟ فكرت في أن هذه الدخينة تشبه رصاصة قاتلة ولكنها موت بطيء لكن الرصاصة موت سريع.


الحي صفة مشبهة فعلها حيّ:



أيها الأخوة، الحي في اللغة صفة مشبهة، في عندنا فعل ماض، مضارع، أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم آلة، اسم مكان، اسم زمان، اسم تفضيل، صفة مشبهة على وجه الثبوت، فلان طويل صفة مشبهة، فلان داخل الآن دخل اسم فاعل، اسم الفاعل على وجه الحدوث، أما الصفة المشبهة على وجه الثبوت، فالحي في اللغة صفة مشبهة وفعلها حيّ والآية الكريمة:

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42) ﴾

(سورة الأنفال)



الله عز وجل متكفل أن يضع كل إنسان بحجمه الطبيعي:



لو أن طالباً سألناه أنت ضعيف ؟ أنت كسول ؟ من دون امتحان بظن المدرس يقول لا أنا الأول، فإذا أجري الامتحان ونال الصفر وقلنا له أنت مقصر ؟ يقول نعم، لا بد من أن يستحق الإنسان الهلاك عن بينة، ويستحق الحياة عن بينة، الله عز وجل جعل الحياة الدنيا تجسيداً لما ننطوي عليه، داخل الإنسان حاجة أو رغبة هذه في الدنيا لا بد من أن تظهر والله عز وجل حكيم كأنه يقول لك: تكلم عن نفسك ما شئت أنا متكفل أن أضعك في حجمك الطبيعي، يأتيه مبلغ حتى يغير قناعته يرفضه أشد الرفض المبلغ ألف، لو جاءه مليون يغير إذاً أنت لما رفضت الألف الله يعلم أنك على رقم أكبر تتضعضع، فجاء من عرض عليك مبلغاً أكبر، بلوى عامة أنا عندي أولاد، الله عز وجل يحجم الإنسان، إياك أن تدعي ما ليس لك، الله عز وجل يضعك في ظرف صعب جداً تنكشف على حقيقتك لأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، تكلم ما شئت، تحدث عن نفسك، وعن عظمتك، وعن أخلاقك، وعن ورعك، وعن زهدك، وعن أمانتك، وعن وعن وعن والله عز وجل متكفل أن يضعك في حجمك الطبيعي.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

(سورة آل عمران)



لابد لكل إنسان من أن يمتحن:



﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ﴾

( سورة المؤمنون)

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
لا بد من أن نمتحن، الإمام الشافعي سُئل ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى. إياك أن تظن أنك ممكن أن تعيش في بحبوحة وفي صحة جيدة وأسرة ناجحة وأولاد أبرار ودخل وفير هكذا طوال الحياة من دون امتحان، مستحيل لا بد من أن تمتحن.


معاني الحي:



أيها الأخوة:

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42) ﴾

(سورة الأنفال)
الآن الحي من كل شيء نقيض الموت، والجمع أحياء، والحي يطلق أيضاً على كل متكلم ناطق، أحياناً يصاب المريض بسبات يأتي الطبيب يفتح عينه يمسك بمصباح متألق فإذا بقيت الحدقة ثابتة ولم تتقلص، هذا مؤشر موت، يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه فإذا جاءها بخار الماء مؤشر حياة، فإذا لم تتأثر مؤشر موت، يضع يده على شريانه فإذا لم يشعر بأي حركة هذا مؤشر موت في النبض وفي التنفس وفي حدقة العين، فإذا تأكد أن حدقة العين لم تتأثر بالضوء وأن النبض لم يتحرك وأن المرآة لم يأتها بخار الماء الناتج من الزفير يقول عظم الله أجركم انتهى، وهذه لحظة لا بد منها.
الحي نقيض الميت والجمع أحياء، والحي يطلق على كل متكلم ناطق، والحي من النبات ما كان أخضراً طرياً يهتز، والحي هو الواحد من أحياء العرب، والحي هو البطن من بطون العرب (القبائل)، والله هو الحي، أي دائم الوجود، الباقي حياً بذاته، الإنسان متى يموت ؟ هذا المصباح لو شبه الإنسان بمصباح متى ينطفئ ؟ إذا انقطع عنه الإمداد، أو ينطفئ إذا حطمته، حينما تحطمه عندئذ لا يصلح لتلقي الإمداد، فالقتل تحطيم المصباح، والموت الطبيعي انقطاع الإمداد بانقطاع الإمداد يموت الإنسان، وبضربه بآلة حادة يموت أيضاً، بالقتل عطلت قدرته على استقبال الإمداد وبالموت الطبيعي انقطع عنه الإمداد، لكن بكل حال عند علماء العقيدة المقتول يموت في أجله.


الله عز وجل وجوده ذاتي أما الإنسان فوجوده متعلق بإمداد الله له:



الله سبحانه وتعالى هو الحي أي الدائم في وجوده، الباقي حياً بذاته، ما معنى:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) ﴾

(سورة الإخلاص)
وجوده ذاتي أما نحن وجودنا متعلق بإمداد الله لنا، الباقي حياً بذاته على الدوام أزلاً وأبداً:

﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾

(سورة البقرة)
وهذا الوصف ليس لسواه، أي طاغوت يعبد من دون الله إن كان حياً فحياته تغالبها الغفلة والسنة وإن قاومها وأراد البقاء عدداً من الساعات فإن النوم يراوده ويأتيه فضلاً عن كون الموت يوافيه ويرديه، وسبحان من قهر عباده بالموت.


الحي القيوم ينفرد بكمال الحياة و دوامها:



لا ينفرد بكمال الحياة ودوامها إلا الحي القيوم، الحي جلّ جلاله هو الموجود بل هو واجب الوجود، في مصطلحات ثلاثة الله عز وجل واجب الوجود ما سواه الكون ممكن الوجود ويوجد بالعقل شرح لمستحيل الوجود.
الله عز وجل هو الحي الباقي من أزل الأزل إلى أبد الأبد، هنيئاً لمن كان مع الحي القيوم، مع الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، والأزل هو عمق الوجود ودوامه في الماضي، والأبد هو دوام الوجود وبقاؤه في المستقبل، من أزل الأزل إلى أبد الأبد، وقيل الحي ليس لحياته زوال والذي لا يموت.

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) ﴾

(سورة القصص)



الإنسان ليس فعالاً لما يريد لكن الله عز وجل فعال لما يريد:



الحي هو الفعال، إنسان يكون في أوج حياته، في أوج نشاطه، فعال، يتخذ قراراً يرضى عن زيد يغضب عن عبيد، يعطي، يمنع، يصل، يقطع، فعال، له وجود قوي فالحي هو الفعال والله عز وجل قال عن ذاته العلية:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾

(سورة البروج)
البشر في مليون مليون مليون شيء نتمناه ولا نملكه، فالإنسان ليس فعالاً لما يريد لكن الله عز وجل فعال لما يريد، على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.


علم الله و قدرته تطول كل إنسان:



لذلك الله عز وجل قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) ﴾

(سورة الطلاق)
يعني اختار لك من أسمائه اسمين القدير والعليم، وأنا متأكد أنك إن أدركت أبعاد هذين الاسمين تستقيم على أمر الله، معنى قدير عليم أي أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، يعني أحياناً يكون مدير عام يمر من دون أن يعلم مئة مخالفة ولا يشعر، جالس في مكتبه، يزوّر توقيعاً، يشار على إنسان داوم وهو لم يداوم، ممكن أما الله عز وجل على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، تماماً كما لو أنك وقفت أمام إشارة حمراء شرطي واقف وشرطي آخر على دراجة نارية ويوجد ضابط في السيارة، فإذا تابعت السير هناك من يتبعك، وإذا تواطأت مع الشرطي هناك من يراقبك، هذا علمه يطولك وقدرته تطولك، تصادر المركبة، تُسحب الإجازة، تدفع الغرامة، فأي إنسان في ذرة عقل إذا كان واقفاً على إشارة حمراء وهو يعلم علم اليقين أن واضع قانون السير علمه يطوله وقدرته تطوله، يستحيل أن يعصيه، أما حينما يتوهم أن الساعة الثالثة في الليل ما في شرطي يعصيه بهذا الوقت لأن علمه لا يطوله، أو إذا كان أقوى من واضع القانون لا يعبأ.
الله عز وجل هو الفعال على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، أي أن قدرته متعلقة بكل ممكن وعلمه متعلق بالواجب والممكن والمستحيل، قدرته تعلقت بكل ممكن وعلمه تعلق بكل واجب وممكن ومستحيل.


من يعبد الله حق العبادة منحه الله حقاً عليه ألا يعذبه :



أيها الأخوة، الإنسان يقال حي يرزق، بثانية يقال لك سكته دماغية صار خبراً كان شخصاً صار خبراً، سكتة قلبية، اضطراب بنظم القلب، نبض اشتدادي، انتهى باسترخاء القلب، احتشاء العضلة القلبية عافانا الله جميعاًَ من هذه الأمراض، ورم خبيث، تشمع كبد، فشكل كلوي، خثرة بالدماغ، أنا حينما ألتقي مع إنسان بيده قرار أقول له هكذا الله في عنده ورم خبيث، عنده فشل كلوي، تشمع كبد، خثرة في الدماغ، وكل هؤلاء البشر عباده ويحبهم فإذا كنت بطلاً هيأ لله جواباً عن كل شيء تفعله، إله عظيم بثانية أنت في قبضته لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[ مسلم ]
الخثرة بالدماغ تأتي بثانية واحدة، شل، والعياذ بالله هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فلذلك كما قلت قبل قليل أنت حينما تعبده منحك الله حقاً عليه ألا يعذبك في الدنيا، حينما تعبده حق العبادة منحك الله حقاً عليه ألا يعذبك.


بطولة الإنسان أن يكون مع الحي الذي لا يموت:



أيها الأخوة، لحكمة بالغة إنسان يكون في أعلى درجات نشاطه، أعلى درجات تألقه، أعلى درجات قوته، ومع ذلك يموت بسبب لا يعقل بثانية، أحياناً إنسان يبقى في الفراش ثلاثين عاماً، أقرب الناس إليه يتمنى موته يسمعونه الله يخفف عنك، يسمعونه يبقى عبئاً على من حوله، لذلك موت الفجاءة للمؤمن رحمة، ما أحد تألم منه يقول لك انخطف خطفاً، وأحياناً الإنسان مهما كان له مكانة كبيرة إذا فقد حركته أصبح طريح الفراش، أقرب الناس إليه زوجته الله يخفف عنك، أول جمعة الخدمة خمس نجوم كل جمعة تنقص نجمة آخر شيء ما في خدمة أبداً يذهبون يدعونه وحده في البيت، فاسألوا الله العافية وكان عليه الصلاة والسلام يقول: اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين و الدنيا والآخرة.
والبطولة أن تكون مع الحي القيوم، مع الحي الذي لا يموت، مع الحي الذي حياته باقية أزلاً بل من أزل الأزل إلى أبد الأبد، لذلك الإنسان بطولته في أن يكون مع الله، أما إذا كان مع إنسان بقاؤه منوط بهذا الإنسان، بل مكانته منوطة بهذا الإنسان.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-14-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(53)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( القيوم ):





أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم القيوم، هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقترناً باسم الحي كما قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾

(سورة البقرة)

﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) ﴾

(سورة طه)
وهذا الاسم أيضاً ورد في السنة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:

((...أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى...))

[أبي داود، النسائي، أحمد عن أنس بن مالك]




شأن آية الكرسي في القرآن الكريم شأن كبير:


الحقيقة آية الكرسي لها شأن كبير في القرآن الكريم:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾

(سورة البقرة)
الآن بالمعنى اللغوي من هو القيم ؟ القيم هو السيد، القيم هو المدير، قيم المكتبة أمينها وسيدها ومن بيده أمرها، القيوم مبالغة من القائم بالأمر، في إنسان مدير مستشفى، مدير معمل، مدير مؤسسة، مدير جامعة، قد يكون محبة عمله تغلغلت في أعماقه فهيأ في مكتبه سريراً ليعمل على مدار اليوم والليلة، يتابع كل قضية، يسأل عن كل جزئية، يعالج أية مشكلة، يتابع أي موظف، يدير شؤون هذه المؤسسة برعاية وعلو وحكمة واختصاص ورحمة، يعني يقال أحياناً محبة هذا العمل سارية في دمه، هذا لا يقال له قائم على هذه المستشفى يقال له قيوم، أحياناً إنسان يتفانى في خدمة من حوله، يتابع كل قضية، يقيم كل أمر، يحاسب كل إنسان، يعطي حوافز، يعطي مكافآت، يعطي عقوبات، يبدل، يغير، لأن هدفه أن تكون هذه المؤسسة صاعدة في نمو هذا لا يسمى قيّم المؤسسة قيّم المستشفى قيّم الجامعة نسميه بصيغة المبالغة قيوم.


تطابق الدين مع الفطرة تطابقاً تاماً:



أيها الأخوة، دين القيمة:

﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) ﴾

(سورة البينة)
أي دين الفطرة، يتطابق هذا الدين مع الفطرة تطابقاً تاماً، أي شيء أمرك الله به أنت مجبول عليه، مفطور عليه، مولف عليه، مبرمج عليه، لذلك لمجرد أن تطيع الله عز وجل تشعر براحة لأنك وجدت فطرتك، لأنك انسجمت مع فطرتك، لأنك قبضت ثمن طاعتك في الدنيا قبل الآخرة.
تصور مركبة مصممة لطريق معبد سرت بها على طريق وعر، أحجار وحفر وأكمات، أصوات تعثر، شيء ينكسر، فلما انتقلت بها إلى الطريق المعبد سارت بسلاسة ونعومة وبلا صوت وبسرعة، نقول هذه السيارة المصممة على الطريق المعبد حينما سرت بها على الطريق المعبد ارتاحت وانسجمت أعطتك كل إمكاناتها، أنت ارتحت معها وأراحتك هي.
فلذلك الإنسان سلامته وسعادته بطاعة ربه لأنه مبرمج كذلك، لذلك قالوا دين الإسلام دين الفطرة، الدليل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

( سورة الروم: 30)



من معاني القيوم:



1 ـ القيام بالذات والبقاء على الصفات:


الآن القيوم في اللغة من صيغ المبالغة، قد تكون المبالغة مبالغة كم أو نوع من فعل قام يقوم قوماً وقياماً، ويأتي الفعل على معنيين الأول القيام بالذات والبقاء على الوصف، نحن جميعاً قيامنا لله، الله عز وجل يمدنا بالحياة، الكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة فإذا قطع الله عنه الإمداد أصبح مجرد نسيج لحمي يباع في الأسواق كبد الأنعام (يقال لها سوداء)، كان جهازاً بالغ التعقيد.



الله عز وجل قيوم السماوات والأرض موجود بذاته:



العين لا شيء يعدلها فإذا مات الإنسان لا شيء، في بعض المسالخ عين البقر تلقى في المهملات، العين لا قيمة لها من دون إمداد، فعينك تحتاج إلى إمداد، أذنك تحتاج إلى إمداد، لسانك يحتاج إلى إمداد، قلبك يحتاج إلى إمداد، رئتاك تحتاج إلى إمداد، فإذا قطع الله الإمداد عن هذه الأعضاء فقد الإنسان حواسه كلها، فقد عقله، فقد حركته، فقد وجوده، فالله عز وجل قيوم السماوات والأرض موجود بذاته.
مرة ثانية المعنى الأول القيام بالذات، لكن مع مرور الزمن يضعف بصر الإنسان يحتاج إلى نظارة، يضعف سمعه يحتاج إلى تقوية سمع، أحياناً ينحني ظهره، فالقيوم يعني القيام الذاتي دون إمداد خارجي والبقاء على الصفات، تبدل صفات ما، مرة أستاذ توفي ـ رحمه الله ـ قال يا بني أنا قبل خمسين سنة كنت أنشط من الآن، شيء طبيعي كل سن له ترتيب، قال قبل خمسين سنة أكثر نشاطاً من الآن، فالله عز وجل قيوم يعني قيامه ذاتي وصفاته ثابتة وباقية لا تتبدل لا تتأثر، لا يوجد ضعف بصر، لا يوجد خرف، أحياناً يخرف الإنسان يعيد القصة مئة مرة، أحياناً ينسى، أحياناً يضعف سمعه، أحياناً تبطئ حركته، فهذا فعل الزمن، سيدنا عمر بن عبد العزيز الليل والنهار يعملان فيك. لا يوجد إنسان ما عنده صورة قبل عشرين سنة أو قبل ثلاثين أو قبل خمسين، جلد مشدود وسامة رشاقة، الآن تجده الله يساعد كل واحد له ترتيب معين.
القيوم القيام بالذات والبقاء على الصفات.



2 ـ إقامة الغير والإبقاء عليه:


المعنى الثاني إقامة الغير والإبقاء عليه، لأن كل مخلوق ما سوى الله مفتقر إلى الله في وجوده وفي استمراره، فالقيوم بذاته الباقي على صفاته هذا من أسماء الذات، أما المقيم لغيره والمثبت لصفاتهم هذا من أسماء الأفعال، نحن كما تعلمون هناك اسم ذات، اسم صفات، اسم أفعال، اسم تنزيه.
وعلى هذين المعنيين القائم بذاته المقيم لغيره تدور كل عبارات القيوم.



الله عز وجل قائم بتدبير أمور الخلق وتدبير العالم بجميع أحواله:



كملخص القيوم القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره والباقي أزلاً وأبداً، والقيوم هو القائم بتدبير أمور الخلق وتدبير العالم بجميع أحواله، فهو القائم بأمور خلقه في إنشائهم وتولي أرزاقهم وتحديد آجالهم وأعمالهم وتربيتهم ومعالجتهم والاستجابة لهم ودفعهم إلى ما فيه خيرهم وتأديبهم، هو العليم بمستقرهم ومستودعهم.

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا (6) ﴾

( سورة هود الآية: 6 )
يعني ممكن بعض الحيوانات تعيش في رؤوس الجبال (الوعول)، هذه الحيوانات تجد ينابيع ماء في رؤوس الجبال، لو سألت أي إنسان على إلمام بالفيزياء يقول لك: لا بد لهذه الينابيع التي في رؤوس الجبال من مستودعات لها في جبال أعلى منها، في تمديد دقيق مستحيل، نبع ينبع في رأس جبل معنى مستودعه في جبل آخر أعلى من هذا الجبل هذا على مبدأ الأواني المستطرقة، أحياناً في أكبر بلد إسلامي في أرقام مختلفة لكن أقل رقم سمعته ثلاث عشرة ألف جزيرة وسمعت سبعين ألف جزيرة، لكل جزيرة نبع ماء والتمديد تحت سطح البحر، أرواد في بلدنا فيها نبع ماء، أمطار هذه الجزيرة الصغيرة القزمة لا تكفي لهذا النبع، لا بد من مستودع لهذا النبع في جبال في الساحل والتمديد تحت البحر، هذا معنى قيوم السماوات والأرض.


الله عز وجل مصدر حياتنا و قيامنا:



أيها الأخوة، القيوم هو الذي يقوم به كل موجود، ولا يتصور وجود مخلوق كائناً من كان إلا بالله عز وجل، ولا يتصور استمرار حياة مخلوق كائناً من كان إلا بالله عز وجل فإذا قرأت آية الكرسي قبل أن تنام وقبل أن تسافر وقبل أن تقوم بعمل:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾

(سورة البقرة)
مصدر حياتنا وقيامنا.


الله تعالى قائم بنفسه كامل في وصفه:



مرة ثانية أحياناً في الإعادة إفادة، القيوم سبحانه وتعالى القائم بنفسه الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه ؛ والباقي بكماله ووصفه على الدوام دون تغير أو تأثر أو تأثير، فقد يكون الحي سميعاً، أنا سميع، لكن هذا السمع يتأثر مع مضي الزمن يقول والله لا أسمع فيفتقر إلى وسيلة هي مقوية سمع أحياناً يضع سماعة أو آلة، فهذا الذي يتبدل سمعه مع مضي الزمن ليس قيوماً، يسمع لكن هذا السمع أصابه الضعف وكذلك البصر، الإنسان يحتاج إلى نظارة، هو كان من الممكن أن تبقى شاباً إلى ساعة الموت، القلب والأوعية لا في تصلب شرايين، ولا في اضطراب بنظم القلب، ولا في ضعف في القلب، ولا ضعف بصر، ولا ضعف سمع، ولا ضعف حركة، كان من الممكن لأن الله على كل شيء قدير، ولأن ما سوى الله ممكن، ومعنى ممكن أن يكون على ما هو كائن أو على خلاف ما هو كائن، لكن لحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله تبدلاً يجري على هذا الإنسان بعد سن معين، بعد الخمسين يقول والله معي آلام في الظهر، معي التهاب بالمفاصل، معي شحوم ثلاثية زيادة، في تبدل مستمر، هذا التبدل في الصحة، ضعف بصر، ضعف سمع، آلام في الظهر، آلام في المفاصل، يقول لك السكر مرتفع عندي، قال تجار السكر إذا كانوا مبتلين بمرض السكر فإذا انخفضت الأسعار يرتفع عندهم السكر، سكر دمهم يرتفع إذا انخفضت أسعار السكر، هذا شأن الإنسان ضعيف.



الأعراض السلبية في صحة الإنسان رسائل خفيفة من الله عن اقتراب الموت:



أنا أرى أن هذه التبدلات التي تطرأ على صحة الإنسان بعد سن معين هي رحمة من الله كبيرة، هي دروس لطيفة، هي رسالة من الله أن يا عبدي أن اقترب اللقاء هل أنت مستعد له ؟ لاحظ الإنسان بعد الخمسين، يحكي بالمشي، يحكي بالسلطة، يحكي بأكل خفيف، يحكي بمواد بروتينية، يحكي بضبط الغذاء، يحكي بالرياضة، ثم يصير معه مجموعة أدوية أينما مشي معه أدويته، هذه قبل الأكل وهذه بعد الأكل ثم تأتي النعوة، في غير ذلك ؟ الحديث عن الرياضة والصحة والأكل الخفيف والسلطات والخضار والفواكه بعد مجموعة أدوية ثم تطلع النعوة هذا الطريق الذي نمر به جميعاً بشكل إجباري.
أيها الأخوة الكرام، لذلك الإنسان هذه الأعراض السلبية في صحته هي في حقيقتها رسائل خفيفة من الله أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا، هل أنت مستعد له ؟




من أراد معرفة مقامه فلينظر فيما استعماله الله:



شيء آخر الله عز وجل أعطاك القيام، هو الذي أقامك فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك، وأنا أحياناً حينما أرى إنساناً له عمل صالح أهنئه بكلمة آثر أن أذكرها دائماً أقول له: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، أنت لك دعوة إلى الله نعمة كبيرة، لك عمل شريف، لك تجارة مشروعة، لك زوجة وأولاد، ما عرفت الحرام في حياتك، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.



كل مخلوق قيامه ليس ذاتياً فتأخذه سنة أو نوم:



أيها الأخوة، الآن إنسان قائم بالله وصفاته لا تزال كما هي لكن تأخذه سنة أو نوم يتعب، تذهب إلى حلب ترى مركبة كبيرة جداً ثمنها ملايين مملينة تدهورت، لأن السائق أصابه النوم، والطرقات المستقيمة والجيدة جداً لها سلبية واحدة أن الإنسان إذا سار فيها صار في صوت رتيب، والصوت الرتيب يدعو إلى النوم، أكبر خطر ينتظر السائقين في الطرقات العالية المستوى أن ينام، وفي إنسان ألهمه الله شيئاً من الحكمة يكتشف الإيجابيات في كل السلبيات، الطرق الوعرة لها إيجابية واحدة لا تنام فيها، انتبه كل شيء سلبي فيه إيجابي، الطرق الممهدة جيداً لها سلبية النوم أما المخلوق لأن قيامه ليس ذاتياً تأخذه سنة أو نوم.
أما الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾

(سورة البقرة)



أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يقول أنا لأنه دائماً في قبضة الله:



شيء آخر إذا لقيت إنساناً أمامك يحدثك قائم بالله، يتحرك حركته بالله، يرى رؤيته بالله، يسمع سمعه بالله، فكل صفات هذا الإنسان من الله عز وجل، أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يقول أنا، أنت قائم بالله، أنت في قبضة الله، أنت في ثانية واحدة تصبح خبراً بعد أن كنت رجلاً، من هنا كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من نومه يقول الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي.
أعرف أناساً كثيرين نام فلم يستيقظ مست يد زوجته جسمه فإذا هو بارد فقامت وقد صعقت ميت، في حالات كثيرة ينام لا يستيقظ.
إذاً النقطة الدقيقة كما قال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني.
استيقظت ترى، تسمع، تتحرك، تتوضأ، هذه نعمة كبيرة جداً سمح لك أن تعيش يوماً جديداً، وأمدك بالصحة، وأذن لك بذكره.
(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
يوجد إنسانة تعمل في الفن وتابت، عملت محاضرة ببلدة غربية سمعت أنا المحاضرة تقول: بعد أن تبت إلى الله صرت أستيقظ على صلاة الفجر بعد أن كنت آتي إلى بيتي بعد الفجر، بعد الفجر بالمعاصي أما قبل الفجر بالطاعات.

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]
في صلاة الفجر ضمان من الله أن يسلمك وأن يحفظك طوال النهار، وصلاة العشاء في المسجد ضمان لك أيضاً أن يحفظك وأن يسلمك طوال النهار.


المؤمن من يرى أن قيامه و حياته كلها بيد الله سبحانه:



المؤمن يرى أن قيامه بالله دائماً، ذكاءه، عقله، حكمته، سمعه، بصره، دسامات قلبه، شريانه التاجي، نمو الخلايا المنضبط لو كان نمواً عشوائياً ورم خبيث، الدم سيولة مناسبة جداً ما صار جلطة، فما دام الإنسان معافى سليم في عناية إلهية فائقة جداً، الإنسان أحياناً تأتيه المصيبة فجأة خثرة في الدماغ فَقَد حركته وفقد نطقه، من هنا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :

(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك، و تحول عافيتك، و جميع سخطك ))

[أبو داود عن ابن عمر ]



عدم تصور وجود شيء ولا دوام شيء إلا بالله:



العلماء قالوا لا يتصور وجود شيء ولا دوام شيء إلا به (إلا بالله)، لذلك أحمق إنسان، أغبى إنسان هو الذي يقول أنا قالها إبليس:

﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
فأهلكه الله.
و لي قالها فرعون:
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )
أغرقه الله.
و عندي قالها قارون:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
ونحن قوم بلقيس:
﴿ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )
أهلكهم الله عز وجل، لا تقل أنا أو لا تقل أنا تواضعاً، أنت كذلك أنت لا شيء.

كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طـمعك
وإذا أعطــاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
* * *



ملك الله للكون خلقاً وتصرفاً ومصيراً:



أيها الأخوة، كأن كلمة القيوم حاسمة في آية الكرسي:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255) ﴾

(سورة البقرة)
الحياة به، ودوامها به، وانتهاؤها به، والقيام به، والدوام به، والانتهاء به.
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾

(سورة البقرة)

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

( سورة إبراهيم)

﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (255) ﴾

(سورة البقرة)
ملك الله لهذا الكون خلقاً وتصرفاً ومصيراً.


التوحيد ألا ترى مع الله أحداً:



﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (255) ﴾

(سورة البقرة)
من يستطيع أن يجمع شيئين إلا بإذن الله، الدواء تشربه من سمح له أن يشفيك من مرضك ؟ الله عز وجل، فلان وصل إليك نال منك من سمح له ؟ الله عز وجل، فلان أكرمك من ألهمه ؟ الله عز وجل، هذا التوحيد ألا ترى مع الله أحد، هو الرافع هو الخافض هو المعز هو المذل هو المعطي هو المانع هو الممد، كل حياتك قائمة به.
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (255) ﴾

(سورة البقرة)
في ملكه.
﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) ﴾

(سورة البقرة)








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-14-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(54)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (العلي):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "العلي".

ورود اسم العلي في:

1 ـ القرآن الكريم:



هذا الاسم أيها الأخوة، ورد مقروناً باسم العظيم، في موضعين في القرآن الكريم، الآية الأولى:

﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة البقرة )

والآية الثانية:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة الشورى )

واقترن هذا الاسم باسم الكبير، في أربعة مواضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾

( سورة الحج )



2 ـ السنة الشريفة:



هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة المطهرة ؟ لقد ورد عن أبي داود، وابن ماجة من حديث عبادة رضي الله عنه أنه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل:
(( لا إِلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أَكبر، ولا حَولَ ولا قُوة إلا باللهِ العلي العظيم ))

[أخرجه أبو داود و ابن ماجه عن عبادة]

من دعا بهذا الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام: غفر له.
وفي السنة أيضاً، من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب، والمسلمون اليوم في كرب، بل من أشد أنواع الكرب، بل إن حرباً عالمية ثالثة معلنة جهاراً نهاراً على المسلمين في كل بقاع الأرض، بل إن التهجم على المسلمين كان في الماضي لفاً ودوراناً، ولكن التهجم الآن هجوماً واضحاً صريحاً على أكبر رموز الدين، على سيد المرسلين، وعلى كتابه الكريم.
أيها الأخوة، كان يقول عند الكرب:

(( لا إِلَهَ إِلا اللهُ العليُّ العظيمُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ الحليمُ الكريمُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ))

[متفق عليه عن ابن العباس رضي الله عنه ]



على كل إنسان أن يصطلح مع الله عز وجل قبل أن يلوذ به:

كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، لأنك بالدعاء أنت أقوى إنسان، الدعاء سلاح المؤمن، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، بالمعايير الأرضية أمل النجاة صفر، إنسان وزنه سبعين كيلو، في فم حوت، وجبته المعتدلة أربعة طن، يعني لقمة واحدة، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

الشيء الرائع، أن الله قلب القصة إلى قانون، قال:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

في أي عصر، بالقرن الواحد والعشرين، في ظل معركة مصيرية، بين الحق والباطل في ظل حرب عالمية ثالثة معلنة على المسلمين
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نثق به، أن نلجأ إليه، أن نحتمي بحماه، أن نلوذ به، ولكن لابدّ أن نصطلح معه قبل كل ذلك، لابدّ من أن نطيعه.



من لم يكن إيمانه حاملاً له على أن يطيع الله فلا قيمة لهذا الإيمان:


أيها الأخوة، اسم الله "العلي" قبل أن نخوض في التفاصيل من أسماء التنزيه، أما أن يؤمن الإنسان أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض هذا شيء بديهي، بل إن كل أهل الأرض إلا قلة قليلة منهم لا يؤبه لها تقر بوجود الله، كُتب على الدولار ثقتنا بالله، ماذا يفعل أصحاب هذه العملة في العالم ؟ ثقتنا بالله، فأن تقر أن لهذا الكون إلهاً قضية سهلة، بل إن إبليس اللعين أقر بذلك، قال ربي:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الأعراف )

ما هو الشيء الحاسم في الموضوع ؟ الشيء الحاسم أن تؤمن بالله "العلي" العظيم ، أن تؤمن بالله "العلي" الكبير، بالضبط كما لو أن الله أمرنا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

أين تضع الخط الأحمر ؟ تحت أي كلمة ؟ تحت كلمة كثير، لأن المنافق يذكر الله، بدليل الآية الكريمة:
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

( سورة النساء )

إذاً الأمر هنا لا ينصب على الذكر إطلاقاً، ولكن ينصب على الذكر الكثير، و الآن:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )

آمن بالله، لكن ما آمن بالله العظيم، آمن بالله إلا أنه لم يؤمن بالله العظيم، فهذا الاسم من أسماء التنزيه، ما لم يكن إيمانك بالله حاملاً لك على أن تطيعه فلا قيمة لهذا الإيمان.




كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:


أيها الأخوة، العلو في اللغة له معانٍ كثيرة، إلا أن "العلي" على وزن فعيل وهو من الصفات المشبهة باسم الفاعل، فعله على يعلو علواً، المعنى المادي المتبادر العلو ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، أي إذا دائرة فيها عشرة طوابق، المدير العام بالطابق الأرضي، لكن مكانته في أعلى مكان، مع أنه في الطابق الأرضي لكن مكانته في الطابق العاشر، فوق الجميع هو، فوق الجميع مكانة، أما هو مقره في الطابق الأرضي، لكن مكانته فوق كل هؤلاء الموظفين، فإما ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، والآية الدقيقة:

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾

( سورة البقرة الآية: 148 )

في أي مكان كنتم، بل في أية مكانة كنتم.

لا تأمن المـوت في طرف ولا نفس وإن تمنعت بالــحجاب والحرس
فما تزال سهام الــــموت نافذة فـــي جنب مدرع منها ومترس
أراك لـــــست بوقاف ولا حذر كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولــم تسلك مسالكها إن الـسفينة لا تجري على اليبس
* * *

إذاً
﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا ﴾

في أي مكان كنتم، بل في آية مكانة كنتم، كل مخلـــوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــجبروت:

والليل مهمـــــــا طال فلا بد من طلوع الـفجر
والعمر مهما طـــــــال لا بد من نزول الــقبر
* * *

وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملــت إلى القبور جنازة فـاعلم أنك بعدهـا محمول
* * *



من كان مع الله كان الله معه:


إذاً العلم ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، أي ارتفاع المجد، والشرف، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

الطرف الآخر بيده أموال لا تأكلها النيران، بيده الإعلام، بيده التحالفات، العالم كله مع الطرف الآخر، ومع كل ذلك إذا كنت مع الله فأنت الأعلى،
﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

(( إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ))

[الترمذي عن الحسن بن علي ]



معان اسم العلي:

1 ـ من علا بذاته فوق جميع خلقه:


"العلي" في أسماء الله هو الذي علا بذاته، فوق جميع خلقه، فاسم "العلي" دلّ على علو الذات والفوقية.



2 ـ الله عز وجل تعالى على أن يشبه خلقه:


"العلي" أيضاً كما قلت قبل قليل من أسماء التنزيه، يعني الله جلّ جلاله تعالى عن كل صفة لا تليق به، هل يليق به أن يظلم ؟ مستحيل.

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

( سورة غافر الآية: 17 )

﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

( سورة النساء )

خيط بين فلقتي نواة التمر.
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾

( سورة النساء )

نواة التمر أحد رأسيها مؤنف، كالإبرة، ولا تظلمون بمقدار قطمير، غشاء رقيق يغلف غشاء يغلق نواة التمر،
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 40 )

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

والله عز وجل تعالى على أن يشبه خلقه، تعالى عن كل ما خطر ببالك، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.




3 ـ عدم معرفة الله إلا الله:


و "العلي" هو الذي علا فلا تدرك ذاته، ولا تتصور صفته، يعني لا يعرف الله إلا الله.



4 ـ تاهت الألباب في جاهه:


"العلي" هو الذي تاهت الألباب في جاهه.



5 ـ عجزت العقول عن أن تدرك كماله:


"العلي" هو الذي عجزت العقول عن أن تدرك كماله، كل هذه المعاني أيها الأخوة يمكن أن ترد حينما تقول: الله هو "العلي"، عليّ مكانة، عليّ تنزيهاً، عليّ عزة، عليّ أن أحداً لن يحيط به، ولن يدرك ذاته، عليّ بمعنى رفيع القدر، الله سبحانه وتعالى قال عن ذاته العلية:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾

ما لم تعظم الله جلّ جلاله لن تعظم أمره، إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.



الآيات التي تتحدث عن ذات الله تعالى على الإنسان أن يترك معناها لله:

أيها الأخوة، الذي وعيه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأجلاء المتبعين، أن الله سبحانه وتعالى عالٍ على عرشه بذاته، وبكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا، فهناك بالقرآن بضعة آيات تتحدث عن ذات الله، أكمل موقف للإنسان الموحد الورع أن يوكل معناها إلى الله، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[ورد في الأثر]

يجب أن تعتقد أن عقلك ليس قوة مطلقة في المعرفة، يعني أنت تماماً كميزان في بقالية، غالٍ جداً، دقيق جداً، حساس جداً، معه ذواكر، ولكن مصمم لوزن ما بين خمس غرامات إلى خمسة كيلو، ما لم تؤمن أن هذا الميزان مهمته محدودة، فإذا أردت أن تزين به سيارتك، وضعته على الأرض وسرت فوقه، تكون قد حطمته، هل يعد هذا علة في الصنعة ؟ لا، علة في المستخدم.

(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[ورد في الأثر]
لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.
لذلك قالوا: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
مثل بسيط: شخص سألك المحيط الهادي كم لتر ؟ لمجرد أن تدلي برقم فأنت جاهل ولمجرد أن تقول لا أعلم فأنت عالم.
لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.
وتكون في أعلى درجات العلم إذا قلت لا أعلم، أنا أقول لكم هذه الكلمة: تقييم الأشخاص من شأن الله وحده.


تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:


النبي عليه الصلاة والسلام توفي أحد أصحابه، من عادته أن يذهب إلى بيت المتوفى قبل التشييع، فلما ذهب إلى البيت سمع امرأة تقول (اسم المتوفى أبو السائب)، سمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي وحده لو سكت لكان كلامها صحيحاً لأن سنته تعني أقواله، وأفعاله، وإقراره، لو سكت لكان كلامها صحيحاً، فقال عليه الصلاة والسلام: من أدراكِ أن الله أكرمه ؟ هذا اسمه عند علماء العقيدة تأل على الله، تطاول، من أنت حتى تحكم على فلان أنه من أهل الجنة ؟ أو أنه من أهل النار، من أنت ؟ تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، قال لها: من أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، تضيف كلمة أرجو، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، على وجه القطع أما على وجه الرجاء كل مؤمن مستقيم على أمر الله يرجو الله أن يدخله الجنة.
لكن رجاء، رجاء في أدب، أما فلان من أهل الجنة ! طول بالك، ما في إلا عشرة الذين بشر بهم النبي، وأحد هؤلاء العشرة عملاق الإسلام سيدنا عمر ذهب إلى حذيفة بن اليمان قال له: يا حذيفة ! بربك اسمي مع المنافقين.
تجد شخصاً تارك العبادات، ماله حرام، علاقاته مشبوهة، يقول: أنا إيماني أقوى من إيمانك، شيء مضحك، سذاجة، غباء، حمق، إذا كان سيدنا عمر يقول لحذيفة: بربك اسمي مع المنافقين ؟.
لذلك أحد التابعين قال: التقيت بأربعين صحابياً، ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً، من شدة الخوف من الله، من شدة الورع، من شدة القلق.



الآيات المتعلقة بذات الله لك أن تؤولها إلى حدٍّ مقبول أو تترك معناها إلى الله تعالى:


لذلك أيها الأخوة، لابدّ من أن تؤمن بالله العظيم، فهذه الآيات المتعلقة بذات الله أكمل موقف أن توكل معناها إلى الله، يعني ارتح وأرح الناس.
هناك من يؤول إلى حدٍّ ما مقبول، أنه:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة الفجر الآية: 22 )
أي جاء أمره.
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية: 10 )
أي قوته، يسمعك، أي يعلم ما تقول، هناك من فوض، هذا أرقى موقف هناك من أَوَّل، إلى هنا ينتهي الصح، أما إذا عطلت، أو جسدت وقعت في عقيدة زائغة.
إذاً الذي هم عليه السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأجلاء المتبعين، أن الله عالٍ على عرشه بذاته، بكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا.


معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معانٍ: علو الذات وعلو الشأن وعلو القهر:

يقترن اسم الله "العلي" دائماً باسمه العظيم، ولا سيما حينما يُذكر العرش والكرسي، ففي آية الكرسي وهي كما تعلمون أعظم آية في كتاب الله:

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حفظيهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة البقرة )

هذه الآيات أيها الأخوة، واضحة في إثبات علو الذات، والفوقية، وغيرها كثير لكن بعض المفسرين باسم الله "العلي" جعلوه دالاً على معنيين فقط من معاني العلو، هما علو الشأن، وعلو القهر، واستبعدوا المعنى الثالث وهو علو الذات، والثابت الصحيح أن معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معانٍ دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فاسم الله "العلي" دلّ على علو الذات، واسم الله الأعلى دلّ على علو الشأن.
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

( سورة الأعلى )

واسم الله المتعال دلّ على علو القهر، علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر ، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل الجارية: أين الله ؟ فأشارت إلى السماء، فأثبت لها الإيمان.

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾

( سورة الملك الآية: 16 )

لأن السماء رمز العلو، شهد النبي الكريم لها بالإيمان، فلا إشكال عند الموحدين العقلاء في فهم حديث الجارية، وقولها إن الله في السماء والأمر واضح جلي، أي اعتراض على هذا، هو اعتراض على رسول الله، عدا إشارتها إلى السماء إيماناً، والدليل الآية الكريمة:
﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾

﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾

( سورة الملك الآية: 16 )

صار علو الذات والفوقية، علو الشأن، علو القهر.




شرف العلم من شرف المعلوم:

أيها الأخوة الكرام، ما لم نؤمن بأن الله عليّ عظيم، وبأنه عليّ كبير، قد لا نطيعه، لأنه عظمة الأمر من عظمة الآمر، فكلما عظم الآمر عظم الأمر.
هناك مقولة دقيقة: فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه، الآن لو شخص درس أي علم أرضي، وإنسان درس أسماء الله الحسنى، فضل علمه بأسماء الله الحسنى على فضل علمه بمخلوقاته كفضل الله على مخلوقاته، شرف العلم من شرف المعلوم، أي لا يوجد علم أشرف من أن تعرف الله، لا يوجد علم أشرف من أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، شرف العلم من شرف المعلوم، فضل كتاب الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، وفضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه.



فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه:

لذلك الإنسان حينما يغفل عن الله، ويتقن شيئاً في الدنيا، يأتي يوم القيامة وقد تقطع قلبه أسفاً.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

( سورة الفجر )

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

( سورة الفرقان )

يجب أن نعرف الله، لذلك قال تعالى:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

( سورة الكهف الآية: 46 )

قال بعض العلماء: أن تقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي أن تسبحه، وأن تحمده، وأن توحده، وأن تكبره، إن سبحته، ووحدته، وحمدته وكبرته فقد عرفته.

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء إليك ))

[من مختصر تفسير ابن كثير]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-15-2018, 08:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(55)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (المتعال):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "المتعال".



ورود اسم المتعال في القرآن الكريم و السنة الشريفة:

هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في القرآن الكريم في موضع واحد وهو قوله تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

( سورة الرعد )
وقد ورد أيضاً في السنة المطهرة بسند صحيح عند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

(( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

قرأ هذه الآية وهو على المنبر، فقال:

﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

( سورة الزمر )

فقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله جلا وعلا: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا المتعال ـ يمجد نفسه ـ قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به ))




معنى المتعال في اللغة:

أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام إذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، كان يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: أشدكم لله خشية أنا .
"المتعال" اسم فاعل، من تعالى، تعالى يتعالى فهو متعالٍ، وهو أبلغ من الفعل علا، وفي اللغة العربية أن كل زيادة في المبنى يقابلها زيادة في المعنى، أنا حينما أقول سأعطيك هذا المبلغ في المستقبل فاستخدمت حرف السين، هناك معنى، أما سوف أعطيك مادام في سين وواو وفاء، سوف أطول أمداً، أية زيادة في المبنى يقابلها في اللغة زيادة في المعنى.
التعالي ؛ الارتفاع، العرب تقول: تعالَ فعل أمر لكن له حالة خاصة، فعل الأمر مبني على السكون، أما الفعل مبني على الفتح، وفي فعل آخر هاتِ فعل أمر مبني على الكسر، هذا الفعل فعل أمر مبني على الفتح، تعالَ، لاثنين تعالا، للرجال تعالوا، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، للمرأة تعالِ، للنساء تعالين.
أيها الأخوة، قد يكون الذي تقول له تعالَ هو في الطابق الأعلى، وأنت في الطابق الأسفل، فهذا العلو علو مكانة، يعني ارتفع إلي.



الله عز وجل متعال على كل شيء بقدرته:

الآن "المتعال" سبحانه وتعالى هو القاهر لخلقه بقدرته، "المتعال" هو المستعلي ، المستعلي على كل شيء بقدرته، قال بعض العلماء: "المتعال" على كل شيء أي قد أحاط بكل شيء علماً، وقدرةً، وقهراً، وخضعت له الرقاب في كل شيء، ودان له العباد طوعاً وكرهاً.
و "المتعال" الكبير، فكل شيء تحت قهره، وسلطانه وعظمته، ولا إله إلا هو ولا رب سواه، لأنه العظيم، وليس هناك من هو أعظم منه، أنت تعبد من ؟ تعبد خالق السماوات والأرض، تعبد من ؟ تعبد من بيده الأمر، من:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )
تعبد من ؟ من إذا قال لشيء:
﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

( سورة يس )
تعبد من ؟ من في قبضته السماوات والأرض، إذا عرفت الله زهدت فيما سواه إذا عرفت الله كنت عزيزاً، كنت قوياً، كنت شجاعاً، إذا عرفت الله عرفت كل شيء.


عبد الشكر و عبد القهر:

لكن لعلكم تذكرون أن في القرآن كلمتين، العباد والعبيد، العباد جمع عبد الشكر بينما العبيد جمع عبد القهر، فكل إنسان كائناً من كان، حتى الكافر، حتى الملحد، حتى الفاجر، حتى العاصي في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول، فالإنسان المقهور هو عبد يجمع على عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

( سورة فصلت )
أما الإنسان الذي تعرف إلى الله، وأقبل عليه، وأحبه، وتقرب إليه، نقول هذا عبد الشكر، وجمعه عباد.

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

( سورة الفرقان الآية: 63 )
فرق كبير بين قوله تعالى
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
وبين قوله تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾
فالعبيد جمع عبد القهر، أما العباد جمع عبد الشكر.
الواحد منا لا يضمن أن يبقى حياً لساعة واحدة، فنحن جميعاً في قبضة الله ، المؤمن تفضل الله عليه بالإيمان، فهو يعلم أنه في قبضة الله، بينما غير المؤمن توهم أنه قوي، وفي أية لحظة يقبض الله روحه، فإذا هو خبر بعد أن كان شخصاً كبيراً.


الله عز وجل لا غالب ولا منازع له بل كل شيء تحت قهره وسلطانه:

"المتعال" سبحانه وتعالى هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب له ولا منازع له، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

( سورة الأنعام )
لكن الناس يتوهمون أن في الأرض قوة جبارة يخافونها، والحقيقة كل هذه القوى الجبارة التي نراها على شبكية العين هي بيد الله:

(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لا يليق، ولا ينسجم مع ألوهية الإله العظيم أن يقع في ملكه مالا يريد.
فلذلك كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذه المقولة على قصرها لو عقلناها، وفهمنا أبعادها، تملأ النفس راحة ما بعدها راحة،
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
هو قاهر، مسيطر، لكن لحكمة ما بعدها حكمة، وبرحمة ما بعدها رحمة، وبخبرة ما بعدها خبرة.

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 61 )
في هاتين الآيتين اجتمع علو القهر مع علو الفوقية، يعني أن الملك جلّ جلاله من فوق عرشه الذي علا بذاته، فوق كل شيء، والذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، ويحتاجه كل شيء في كل شيء، هذا الإله العظم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ بطولة الإنسان أن يكون مع الجبار، مع الواحد القهار، مع "المتعال".


معنى الربوبية:

الآن أيها الأخوة، نحن بحاجة إلى بعض المعاني التفصيلية حول هذا الاسم أولاً: ماذا تعتني الربوبية ؟ الله رب العالمين، لا بد من توضيح هذا بمثل:
أنت عندك مؤسسة، وبحاجة إلى موظف أعلنت في الصحف عن وظيفة عندك ، واشترطت على الموظف أن يمضي ستة أشهر تحت التدريب، والامتحان، المدير في هذه الحالة جهده أن يحصي على هذا الإنسان أخطاءه، فإذا تراكمت، وبلغت حداً لا يحتمل صرفه أليس كذلك ؟ هنا مهمة المدير إحصاء الأخطاء، ليرى ما إذا كان هذا الإنسان صالحاً أو غير صالح.
هذا المعنى ليس فيه معنى الربوبية، فيه معنى المحاسبة، لكن حينما يكون ابنك في هذا المكان أنت أب، والأب مربٍ، أنت حريص أن ترشده إلى الصواب، في كل خطأ فالموقف اختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن في هذه الوظيفة، حريص على إرشاده في كل ساعة، على تنبيهه في كل دقيقة، على لفت نظره عند كل خطأ، فأنت الآن مربٍ حين أودع الله في قلب الأب رحمة فلا يحاسب هذا الموظف على أنه موظف، وعلى أن أخطاءه إذا تراكمت صرفه، لا، الوضع مختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن، لذلك تحاسبه على كل خطأ، وفي كل موقف، وعند كل زلل، هذا الموقف موقف التربية.



الله سبحانه وتعالى يحبنا و قد خلقنا ليسعدنا:

يجب أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، كان من الممكن أن يرسل الأنبياء وينزل الكتب ولا يحاسب أحداً في الدنيا، فإذا تراكمت الأخطاء بحيث أصبحت كافية لدخول الإنسان النار أدخلهم وانتهى الأمر، الله عز وجل رب العالمين، يحاسب على كل خطأ ويدل إلى الصواب، طبعاً لا بد من توضيح آخر:
تمشي أنت في الطريق رأيت شباباً ثلاثة، يرتكبون معصية، أحدهم ابنك تغلي، تضطرب، تتألم، تتمزق، والثاني ابن أخيك، الألم أقل، أما الثالث صديقهما ، الأول تعنفه أشد التعنيف، والثاني تعنفه قليلاً، والثالث تقول له: انصرف، فمعنى ذلك أنك حينما رأيت ابنك الذي هو جزء منك، الذي هو امتدادك يقترف هذه المعصية تألمت أشد الألم لذلك موقف الأب موقف التربية، موقف العطف، موقف الرحمة، فإذا قرأت الحمد لله رب العالمين يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يحبنا، وخلقنا ليسعدنا، فإذا تبنا إليه كما ورد في الحديث الصحيح يفرح.
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]



رحمة الله عز وجل تقتضي معالجة الناس و تأديبهم لا تركهم هملاً:

الآن:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
الآية فيها معنى دقيق، تقتضي رحمته الواسعة ألا
﴿ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
أناس شردوا عن الله، يمكن أن يعالجهم، يمكن أن يسوق لهم بعض الشدائد ، يمكن أن يؤدبهم، تقتضي رحمته أن يؤدبهم لا أن يدعهم.
الذي عنده يتيم، بمحله التجاري وسرق، أيهما أفضل ؟ أن يطرده ليتابع السرقة عند غيره، أم أن يؤدبه ويبقيه عنده ؟ تقتضي الرحمة أن تؤدب لا أن تطرد، تقتضي الرحمة أن تعالج لا أن تحكم عليه بالسقوط.
لذلك القصة التي رويتها في مرة سابقة أن خطيب مسجد في دمشق (والقصة واقعية و هذه القصة قبل أربعين أو خمسين عاماً) رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: أبلغ جارك فلان إنه رفيقي في الجنة، فجاره بقال، إنسان عادي جداً، هو خطيب تأثر، ليت هذه البشرى له، فذهب إليه، وطرق بابه، وقال له: لك عندي بشرى من سيد الخلق، ولكن لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك؟ (دقق في معنى التربية) فاعتذر، وتمنع، وبعد إلحاح شديد قال له: تزوجت امرأة، وفي الشهر الخامس من زواجنا كانت في الشهر التاسع في حملها، معنى ذلك أن هذا الطفل ليس ابنه، وقد زلت قدمها، أنا بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، والناس معي ، وأهلها معي، معي الحق، وأهلي معي، والمجتمع معي، والحكم الشرعي معي، هي خاطئة، قال له: أردت أن أحملها على التوبة، أتيت لها بقابلة، ولدتها في الليل، وحملت هذا الغلام الذي ولد لتوه تحت عباءتي، وتوجهت إلى المسجد، وانتظرت حتى قال الإمام الله أكبر بدأ في الصلاة، فدخلت إلى المسجد، ووضعت هذا الغلام وراء الباب، والتحقت بالمصلين، ولم يرنِ أحد، بعد انتهاء الصلاة تجمع الناس حول هذا الطفل الصغير لأنه بكى وتألموا، وتحلقوا حوله، وعجبوا من وجوده هنا، هو تأخر إلى أن استكمل الناس تحلقهم حول هذا الصغير، فأتى إليهم وقال: ما القصة ؟ قال: تعال انظر ! قال: أعطوني إياه أنا أكفله، أخذه أمام أهل الحي، على أنه لقيط، وتعهد أن يربيه، ودفعه إلى أمه.
هذا موقف في التربية، وتابت على يديه، استحق هذه البشرى من رسول الله قال له: قل لجارك فلان هو رفيقي في الجنة.
قبل أن تؤدب، قبل أن تعاقب، قبل أن تسحق، قبل أن تفضح، اهدأ، إذا اخترت أن تربي لك عند الله أجر لا يعلمه إلا الله، فالله عز وجل رب العالمين.


الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله على التوبة:

لذلك
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله شرود البعير والله عز وجل حكيم، والله عز وجل يسوق من الشدائد ما يحمل على التوبة، لذلك في القرآن آيتان، يعني العجيب أن كل آية لها معنى:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

( سورة التوبة الآية: 118 )
يعني ساق الله لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة.
مرة شخص أراد أن يعلق تعليقاً لطيفاً على دعوتي، أن دعوتك من ثلاثين عاماً ما فحواها ؟ قلت له كلمتان، بالتعبير الدارج: إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك راكضاً، الله عنده أساليب، عنده وسائل، عنده مصائب، عنده بلايا، عنده أمراض، يجعل الإنسان الشارد يسرع إليه، يسرع إلى بابه، الآن آية ثانية:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

( سورة مريم الآية: 45 )
تقتضي رحمته أن يعذب
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

( سورة مريم )
يعني أب يرى ابنه الطاهر، العفيف، المؤدب قد أخذ مبلغاً من صديقه دون أن يدري صديقه، ولا يتصرف ؟ ولا يحاسب ؟ ولا يؤدب ؟ ولا يعاقب ؟ لو تركه على هذا العمل لتفاقم هذا العمل، لا يوجد أب على وجه الأرض يرى ابنه أخذ مبلغاً ليس له ولا يحاسبه تقضي الرحمة أن يحاسب.


تناقض الشر المطلق مع وجود الله تعالى:

أيها الأخوة، اعلموا علم اليقين أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، شر مطلق يعني الشر للشر، هذا النوع غير موجود، بل هو يتناقض مع وجود الله، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أما الشر النسبي هو شيء مؤلم لكن موظف للخير المطلق.
مثلاً الآية التي تليها:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )
بربكم يمكن أن تنهى إنساناً عن أن يطفئ الشمس ؟ مستحيل، ليس هذا نهياً النهي ما كان ممكن الوقوع، لا تتأخر، التأخر قد يقع، لا تكذب قد يقع، لا تظلم الظلم قد يقع، ليس هناك في اللغة نهي لفعل مستحيل، إياك أيها الإنسان أن تطفئ الشمس، مستحيل وألف ألف مستحيل، ولكن تقول له إياك أن تهمل، إياك أن تتأخر، إياك، إياك أن تخطئ إياك أن تظلم، ليس هناك نهي إلا بشيء يمكن أن يقع.


الله عز وجل ليس غافلاً عما يفعل الظالمون و لكن يؤخر حسابهم ليوم القيامة:

الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
إذا هناك من يظن أن الله غافل هناك من يقول: أين الله ؟ الطرف الآخر قوي جداً، ويبطش، ويسفك الدماء، ويهدم البيوت، ويحتل الأراضي، ويتفنن بالقتل، والتدمير، ونهب الثروات، ضعاف الإيمان يقولون أين الله؟
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
ما دام هناك نهي، هذه لا، لا النهي،
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
إذاً هناك من يظنه غافلاً، هناك من يقول: أين الله ؟ هناك من ترك الصلاة، يقول: لمن أصلي ؟ لماذا المسلمون هذا حالهم ؟ لماذا قوى الشر تتكالب عليهم، أين الله ؟.
لذلك في غفلة
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
وفي تغافل، والتغافل شيء لابدّ منه بالامتحان.
مرة ذكرت أن صاحب محل تجاري، يدخل إلى المحل أول إنسان، يخرج آخر إنسان، يجلس على الطاولة، مكان المال تحت قبضته، يا ترى الموظفون أمناء ؟ ما أتيح لهم أن يمتحنوا، أما إذا خرج صاحب المحل من المحل، وجلس في المحل المقابل، في مكان يَرى ولا يُرى، فصار الموظف وحده في المحل، ومكان المال تحت يده، يراقبه ، الآن هذا الموظف يتوهم أن صاحب المحل ليس هنا، هذا التغافل من صاحب المحل أعطاه فرصة ليمتحنه بها، مدّ يده وأخذ مبلغاً ووضعه في جيبه، سقط في الامتحان، أو بقي أميناً ما فعل شيئاً.


المصائب التي تأتي هي رسائل من الله لعباده:

إذاً الله عز وجل يتغافل، يظنه الناس غافلاً، ولا يخفى،
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
وضع الناس يشبه إنساناً مربوطاً بحبل لكن مرخى الحبل، فلأنه مرخى يتوهم الإنسان أنه طليق، لأنه هو في الحقيقة في قبضة الله، بأية لحظة، لذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك، و تحول عافيتك، و جميع سخطك ))

[أبو داود عن ابن عمر ]

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )
حدثني قاضٍ، قال لي: مشروع ضخم جداً كلفته فلكية، يمكن أن ينتقل من إنسان إلى إنسان بشهادة زور، فالذي أقام الدعوى ليأخذ ما ليس له جاء بشاهد زور، والمبلغ فلكي، بمئات الملايين، قال لي: والله جاء إلى المحكمة وكلفه القاضي أن يضع يده على المصحف الشريف، وأن يقسم أن يشهد بالحق، وضع يده، وأقسم أنه يشهد بالحق، وانتهى القسم ورفع يده، فأبقاها مرفوعة، فالقاضي انزعج، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً يمسك طرف الطاولة، لا تزال يده ماسكة بشدة، فبقي واقفاً، بعد دقيقة وقع على الأرض قال لي: والله وافته المنية أقسم كذباً،
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
الآن أدق آية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة القصص )
إذاً هذه المصائب التي تأتي هي رسائل من الله، انتبهوا يا عبادي، أنا أعلم ما تفعلون، وسوف تحاسبون.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-15-2018, 08:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(56)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( الواحد):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الواحد".



ورود اسم الواحد في القرآن الكريم:


أيها الأخوة، ورد هذا الاسم الواحد في قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾

( سورة إبراهيم )
وقال تعالى:
﴿ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾

( سورة النحل )
وفي قوله تعالى:
﴿ قل اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

( سورة الرعد )



اقتران اسم الواحد باسم القهار لأنه وحده قهر كلّ متكبر:

أيها الأخوة، في الأعمّ الأغلب يقترن اسم الله "الواحد" باسمه القهار، لأن علوه علو قهر، هو وحده:
﴿ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 21 )
هو وحده:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )
هو وحده قهر كل متكبر، لذلك ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا قوم عاد حينما أهلكهم قال:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

( سورة فصلت الآية: 15 )
يعني قوم عاد ما كان فوقها إلا الله،
﴿ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾
فيا أيها المؤمن، أنت حينما تعبد الواحد القهار أنت أقوى الأقوياء، خالق السماوات والأرض، الواحد القهار هو معك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، أنت بالدعاء أقوى إنسان، وأنت إذا كنت مع الواحد القهار أنت عزيز.

اجعل لربك كلّ عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
عاد نموذج للأمة الطاغية.
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

( سورة الفجر )
ولكل أمة أجل، لئلا تيأس أيها المؤمن، لئلا تتطامن، لئلا تذل، اعتز بالله اعتز بالله "الواحد" القهار.


الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد و النصر:

هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، في مواضع كثيرة، وقد ورد مقترناً مع اسم القهار، لأن علو الله جلّ جلاله علو قهر، قهر لمن ؟ قهر للطغاة، قهر للظالمين، أما المؤمنون هو معهم.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )
هذه المعية معية التأييد، هذه المعية معية الحفظ، هذه المعية معية التوفيق، هذه المعية معية النصر.
لذلك العلماء قالوا: هناك معية عامة، وهناك معية خاصة.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )
هو مع الكافر، مع الظالم، مع الملحد، مع المتكبر، مع المعتدي، معه بعلمه أما هو مع المؤمنين بتأييده، بنصره، بحفظه، بتوفيقه، ولا تنسوا أنه إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟


ورود اسم الواحد في السنة الصحيحة:

هذا الاسم ورد أيضاً في السنة الصحيحة، فعند النسائي من حديث حنظلة بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال:
(( اللهم إني أسألك بالله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم ـ فقال عليه الصلاة والسلام ـ: قد غفر له صلاته ))
والله عز وجل كما قال:

﴿ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

( سورة الزمر الآية: 53 )

(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

[ حديث قدسي ]
وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا:

(( إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ هل من سائل ؟ هل من داع ؟ حتى ينفجر الفجر))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]



من تذلل لله رفعه:


المؤمن له صلة مع الله، له ابتهاله، له دعاؤه، له تذلله، يُمرغ جبهته في أعتاب الله، هو يتذلل أمام ربه لكن الله يرفع قدره، لكن الله يعزه، يُعلي شأنه، يجعله عزيزاً، يكسبه مهابة، إذا أعطاك الله مهابة هابك كل شيء، أما إذا نزع عنك المهابة تطاول عليك أقرب الناس إليك.
فالنبي الكريم قال لأصحابه:

(( أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الله الواحد الصمد ثلثُ القرآن ))

[البخاري عن أبي سعيد]

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

( سورة الإخلاص )
هذه السورة القصيرة سورة الإخلاص بنص كلام النبي، في صحيح البخاري تعدل ثلث القرآن:

(( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قلت أين الناس يومئذ قال عليه الصلاة والسلام: على الصراط ))

[مسلم و أحمد عن عائشة]



الذكي من تكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان ألا وهو مغادرة الدنيا:

إخوتنا الكرام، بطولة الإنسان لا أن يعيش الماضي، ولا أن يعيش الحاضر ولكن بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل، أخطر حدث في المستقبل لنا جميعاً مغادرة الدنيا هذه المغادرة كما قال علماء النفس، في تعريف للذكاء جامع مانع: الذكاء هو التكيف، فأنت حينما تتكيف مع حدث قادم لابدّ منه فأنت أذكى الأذكياء، أنت الموفق، وأنت الفالح، وأنت الناجح، وأنت العاقل، وأنت الذكي، حينما تتكيف مع حدث مستقبلي لابدّ منه، هل يستطيع أحد أن يوقن أنه يستطيع أن يستيقظ كل صباح كاليوم السابق، إلى ما شاء الله ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، لابدّ من بوابة الخروج، بوابة الخروج مرض الموت، مرض الموت يتفاقم، جميع الأمراض لها دواء.
(( ما أنْزَلَ الله من داء إلا أنزل له دواء ))

[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
إلا مرض الموت، مع الأنبياء يتفاقم، فإذا تفاقم المرض، وعجز الأطباء قالوا:

إن الــطبيب له علم يدل به إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيب وخانته الــعقاقير
* * *
من هو الذكي ؟ هو الذي يتكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان، مغادرة الدنيا، من بيت فخم إلى قبر، من زوجة وأولاد، وبنات، وأصهار، ولقاءات، وولائم، وسهرات، ورحلات، ونزهات، إلى قبر، من مركبة فارهة إلى قبر، من مكتب تجاري فخم إلى قبر، لذلك الذكي:

وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى الــقبور جنازة فــاعلم بأنك بعدها محمول
* * *
كما قرأت بعض الصالحين حفر في صحن داره قبراً صغيراً، وكان يضطجع فيه كل خميس، ويتلو قوله تعالى:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 99 )
فيخاطب نفسه ويقول: قومي لقد أرجعناكٍ.


معاني اسم الواحد في اللغة العربية:

"الواحد" في اللغة اسم فاعل، تحدثنا كثيراً عن أن هذه اللغة العربية من أرقى اللغات في الإنسانية، ولكنها إذا ضعفت فلضعف أهلها، ففي اللغة العربية مصدر، وفعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم زمان، واسم مكان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل.
اسم الفاعل، هناك اسم فاعل ثلاثي، و رباعي، وهناك مبالغة اسم الفاعل، أي لغة رائعة جداً لكنها ضعفت بضعف أهلها.
"الواحد" اسم فاعل، على وزن فاعل، للموصوف بالوحدانية أو الواحدية، وحّده توحيدياً جعله واحداً.
"الواحد" أول أرقام الحساب، واحد، اثنين، ثلاثة، وهو يدل على الإثبات، في البيت رجل واحد، في الإثبات، لكن دخلت البيت فما رأيت فيه من أحد، أحد للنفي، واحد للإثبات.
"الواحد" هو الله سبحانه وتعالى، القائم بنفسه، المنفرد بوصفه، الذي لا يفتقر إلى غيره، يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، الذي لا يفتقر إلى غيره أزلاً وأبداً، وهو الكامل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده، ومازال بأسمائه وصفاته واحداً أولاً قبل خلقه ، وجود المخلوقات لم يزده كمالاً كان مفقوداً، أو يزيل نقصاً كان موجوداً، فالوحدانية قائمة على معنى الغنى بالنفس، والانفراد بالكمال، وبكمال الوصف.
قال ابن الأثير: "الواحد" في أسماء الله تعالى هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر.
أيها الأخوة، من منسياتكم أن العدد يأخذ معنيين، معنىً كمياً، ومعنىً نوعياً، فإذا قلت جاء أربعة رجال كمياً أربعة، 1 ـ 2 ـ 3 ـ 4 ـ فإذا قلت هذا الطالب ترتيبه في الصف الرابع هو واحد، لكن تسلسل نجاحه كان الرابع، فالرابع المعنى النوعي للعدد، أما أربعة طلاب المعنى الكمي.



الله عز وجل واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له:

الآن إذا قلنا: الله "الواحد" أي لا شريك له، فإذا قلنا: الله أحد أي لا مثيل له فرق دقيق، واحد تعني المعنى الكمي، واحد لا شريك له، أما أحد تعني المعنى النوعي أي لا مثيل له، واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له، هو جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ، وكان عَرْشُهُ على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السماوات والأرضَ، وَكَتبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شيء ))

[البخاري عن عمران]
وقال تعالى:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الكهف الآية: 51 )
الآن الإنسان يتطاول على الله، يقول كان هناك كائن وحيد الخلية، تطورت تطورت، تطورت، فأصبحت إنساناً، ويلغي أن أصل البشر، سيدنا آدم، وأمنا حواء.
لكن مرة ذكرت كلمة صعق من حولي، قلت لهم أنا مؤخراً آمنت بنظرية دارون لكنها معكوسة، كان إنساناً فأصبح قرداً، ألم يقل الله عز وجل عن بعض الأقوام التي غضب الله عليها مسخهم:

﴿ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾

( سورة الأعراف )
المعنى الواسع في هذه الآية: أن القرد همه بطنه، وأن الخنزير همه فرجه فإذا كان الإنسان يهتم بطعامه وشرابه والجنس فهو قرد وخنزير،
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
ما كانوا معي.
﴿ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

( سورة الكهف )



الله عز وجل وحده منفرد بالملك وليس لأحد في ملكه شرك:


الله سبحانه وحده الذي خلق الخلق بلا معين، ولا ظهير، ولا وزير، ولا مشير، فإنه وحده منفرد بالملك، وليس لأحد في ملكه شرك كما قال تعالى:

﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾

( سورة سبأ )
يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده.
بالمناسبة: من بديهيات الأمور أنه لا يجوز أن يكون في السماوات والأرض آلهة متعددون، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وهو الله جلّ جلاله، ولا صلاح للسماوات والأرض بغير الوحدانية، فلو كان للعالم إلهان، ربان، معبودان، لفسد النظام.
والآن بأي شركة، بأي مؤسسة، بأي دائرة، بأي وزارة، بأي جامعة، بأي مستشفى، هناك مئات الموظفين، لكن في النهاية هناك قرار بيد واحد، هو المدير العام الطائرة في قبطان، وفي مساعد قبطان، ولكن في الأزمات القرار للقبطان.
قال تعالى:
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )



التوحيد والتقوى فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:

إخوتنا الكرام، التوحيد مشتق من الواحد، يقول لك: التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد هو الدين، التوحيد مشتق من الواحد، وكل مؤمن يعلم علم اليقين أنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وأن نهاية العلم التوحيد، وأن نهاية العمل التقوى، فمن وحّد الله وأطاعه فقد حقق الهدف من وجوده.
فلذلك هل تصدقون أن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء كلمتان: التوحيد والتقوى.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 25 )
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً.
﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )
التوحيد عقيدة، وهو نهاية العلم، والعبادة نهاية العمل، وحينما توحده وتعبده حققت الهدف من وجودك.


التوحيد توحيدان: توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية:

أيها الأخوة، التوحيد هو الدين، أن تؤمن بأن الله خالق السماوات والأرض هذا الإيمان آمن به إبليس، قال ربي:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )
أما الدين هو التوحيد، ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى إلا يد الله تعمل وحدها ، التوحيد أن ترى أن الله هو المعطي، وهو المانع، وهو الرافع، وهو الخافض، وهو المعز وهو المذل، وهو الموفق، لكن لابدّ من تفصيل:
التوحيد عند بعض العلماء توحيدان، توحيد ربوبية، وتوحيد ألوهية، توحيد الربوبية أن تشهد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ملكه، وهو الذي خلق، ورزق، وأعطى وهو الذي منع، وهو الذي رفع، وهو الذي خفض، وهو الذي قبض، وهو الذي بسط وهو الذي أعزّ، وهو الذي أذلّ، هذا توحيد الربوبية، لا رازق، ولا معطي، ولا محيي ، ولا مميت، ولا مدبر لأمر الكون كله ظاهراً وباطناً إلا الله.

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يحدث حادث إلا بعلمه، ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا يعزم عنه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها، أحاط بها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت فيها مشيئته، واقتضتها حكمته، فتوحيد الربوبية أن تؤمن أنه "الواحد" في تدبيره وفي ملكه، هذه الربوبية.
أما توحيد الألوهية أن تعبده وحده، ولا تعبد أحداً سواه، وألا ترى له نداً، ولا مدبراً، ولا معطياً، ولا مانعاً إلا هو، توحيد الربوبية رؤية، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده، والدين رؤية وعمل، عقيدة وسلوك، علم وعمل، هذا هو الدين، توحيد الربوبية أن ترى أنه المدبر الأوحد، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده.


الله سبحانه و تعال واحد في ذاته و صفاته و أفعاله:

لذلك أيها الأخوة، نحن أمام حقيقتين، حقيقة أن نشهد أن الله واحد في ذاته ، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، وأنه الخالق والرازق والممد، والمحيي والمميت ، وأنه المعطي والمانع، والرافع والخافض، والقابض والباسط، وهو على كل شيء قدير، والتوحيد ألا تشهد مع الله إلهاً آخر، هذه كلمة تلقى، وفكرة تسمع وتدرك لكن شتان بين أن تدرك هذه الكلمات بعقلك، وبين أن تفهمها وأن تعيشها بنفسك.
فيا أيها الأخوة الكرام، خلاصنا في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد يلخص كل شيء.

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )
أحد أكبر عذاب الإنسان أن يدعو مع الله إلهاً آخر عن علم، أو عن غير علم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-15-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(57)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى: ( القهار):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القهار".



ورود اسم القهار في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


سمى الله جلّ جلاله ذاته العلية بهذا الاسم في كثير من نصوص القرآن، كما في قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

( سورة الرعد )
إرادته هي النافذة.

﴿ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
أما ورود هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله:

(( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قالت: فقلت أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: على الصراط ))

[مسلم عن عائشة]
وورد أيضاً هذا الاسم في صحيح الجامع الصغير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضور (أي تقلب في الليل)، تقول تضور من الجوع (تلوى من الجوع)، تضور من الليل (تقلب على فراشه)، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تضور في الليل قال:

(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))



معاني اسم القهار:

أيها الأخوة، "القهار" كما ألفنا على وزن فعال، وهي من صيغ المبالغة، مبالغة اسم الفاعل، قهر، يقهر، قاهر، اسم فاعل، قهار صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة دائماً تعني مبالغة الكم، يقهر ملايين الطغاة، أو يقهر أكبر طاغية، إما كماً أو نوعاً.
"القهار" صيغة مبالغة من اسم الفاعل القاهر، أما الفرق بين القاهر و "القهار" القاهر هو الذي له علو القهر، بأي مكان، بأي مؤسسة، بأي دائرة في رجل قوي، أمره نافذ، قد يكون هو المدير العام، وقد يكون إنساناً آخر، لكن هناك شخص أمره نافذ، لا أحد يستطيع أن يعارضه، هذا الرجل القوي بالمصطلح الحديث بمعنى "القهار"، أي إرادته نافذة.
فالله قاهر لأن له علو القهر الكلي المطلق على جميع المخلوقات، وعلى اختلاف تنوعهم، فهو القاهر فوق عباده، البطولة أن تكون مع القوي، إذا كنت مع القوي فأنت القوي، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، لكن التوكل على الله لا يكون إلا بأن تكون مستقيماً على أمره، إذا أردت أن تكون أقوى الناس قاطبة فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله.
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13 )



الاستقامة على أمر الله عزّ وجل سبب سعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة:

الحقيقة هناك أسرار الإنسان قد يصل إلى سعادة الدارين باستقامته على أمر الله وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: اللهم ألهمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً .
ذكرت كثيراً: أن الاستقامة يبنى عليها كل شيء، ومن دون استقامة لا يبنى شيء، كأن الدين كله مضغوط بكلمة استقامة.

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

( سورة هود الآية: 112 )

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وإذا ألغيت الاستقامة من الدين كأنك ألغيت المحرك من السيارة، لم تعد سيارة أصبحت وقافة، إذا ألغيت المحرك، الاستقامة عين الكرامة، لا يوجد إنسان يخطب ودّ الله عز وجل بالاستقامة على أمره إلا والله جل جلاله يرفع ذكره، ألم يقل الله عز وجل:
﴿ أَلَم نَشْرَح لَكَ صَدْرَك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )



أية آية موجهة إلى رسول الله لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه واستقامته:

أيها الأخوة، من باب البشارة أية آية موجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا قال الله عز وجل
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
أي مؤمن سلك طريق الحق، واستقام على أمر الله، وأقبل عليه يرفع الله له ذكره، ويعلي قدره، إذا قال الله عز وجل يخاطب النبي الكريم:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور الآية: 48 )
أي بحفظنا، ورعايتنا، وتوفيقنا، وتأييدنا، ونصرنا، وأنت أيها المؤمن بقدر استقامتك، وإخلاصك فأنت في عين الله، وفي حفظ الله، وفي تأييد الله، وفي توفيق الله وفي نصر الله.


الله عز وجل قاهر و علو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية:


معنى القاهر ؛ أي قاهر قهراً مطلقاً فوق عباده، علو القهر مقترناً بعلو الشأن، الإنسان أحياناً قد يكون قوياً لكن لا أحد يحبه، أما أن يكون قوياً، وأمره هو النافذ، وكماله كمالاً مطلقاً، ذكرت هذا كثيراً: أنت لا تعجب بإنسان قوي، لكن ليس أخلاقياً، كما أنك لا تعجب بإنسان أخلاقي لكنه ضعيف، أما الذي يلفت نظرك، ويجعلك تتأمل إنسان بقدر ما تخافه، بقدر ما تحبه، وهذا درس للآباء والأمهات، ودرس للمعلمين وللقادة، ولأي إنسان مكنه الله في الأرض، بسلطته يعد قوياً، لكن البطولة أن تكون قوياً محبوباً، أن تكون قوياً كاملاً.
قلت مرة: يوجد بالأرض أقوياء، ويوجد أنبياء، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الفراعنة سخروا الشعوب لبناء الأهرامات، بالقهر والتعذيب، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، اذهب إلى المدينة المنورة بعد ألف و أربعمئة، وانظر إلى الملايين وهي تبكي أمام قبر النبي الكريم، ولم يلتقوا به، ولم يأخذوا منه شيئاً، الأنبياء قمم البشر، قمم البشر بالكمال، بالرحمة.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )



القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية:



النبي الكريم أوتي القرآن الكريم، وأوتي المعجزات، والفصاحة والبيان، وجمال الصورة، والحلم، والرحمة، أوتي كل شيء، ومع ذلك يقول الله له: أنت أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذه الكمالات
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
إذا الإنسان ما كان معه وحي، ولا معه معجزات، وليس نبياً، ولا رسولاً، ولا أوتي الفصاحة، ولا البيان، ولا جمال الصورة، ولا الحكمة، وكان فظاً في حياته، غليظاً في معاملته، نقول له لِمَ الغلظة يا أخي؟.
شخص دخل على ملك، وقال له: سأنصحك وسأغلظ عليك، قال له: ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، وقال له:

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾

( سورة طه الآية: 44 )
لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه في غير منكر.

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 18 )
له علو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية.

(( أنا مالك الملوك وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]



العاقل من هيأ جواباً لله الواحد القهار عن كل عمل يقوم به قبل أن يلقاه:

الله عز وجل يقول:
﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 88 )
بالأرض ملوك، وأحياناً إنسان يغضب ملك عليه في مملكته، فيفر إلى مملكة أخرى فينجو من سلطانه، الملك الآخر ند للأول، يعطيه حق اللجوء السياسي، فلا يستطيع الأول أن يصل إليه، هذا بين الملوك، بين ملوك الأرض، ولكن هذا لا ينطبق على ملك الملوك.
قال له: ماذا أفعل ؟ جاءه توجيه من يزيد والي البصرة، إن نفذه أغضب الله وإن لم ينفذه أغضب الخليفة وعزله، عنده الحسن البصري، قال له: ماذا أفعل ؟ والله لا أرتوي من ترداد هذا الجواب، قال له: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
مرة قلت لشخص، عمله حساس جداً، بإمكانه أن يوقع الأذى بالناس ولا أحد يسائله، قلت له: الله عز وجل يحب كل عباده، الله في عنده خثرة بالدماغ، شلل، عنده تشمع كبد، عنده فشل كلوي، عنده ورم خبيث، ذكرت له أمراضاً تهز الجبال، وكل هؤلاء العباد عباده، فبطولتك أن تهيئ لربك جواباً، لا لمن هو فوقك، بطولتك أن تهيئ لمن هو فوقك وهو الواحد "القهار" جواباً، لا للذي تعمل تحت إمرته.


الله عز وجل قادر على أن يقهر كل الطغاة من دون استثناء :

أيها الأخوة، عند الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نَفْسي إليك، ووجَّهْتُ وجهي إليك، وفوَّضْتُ أمْري إليك وألجَأْتُ ظَهْري إليك، رَغْبة ورَهْبة إليك، لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك ))

[ البخاري عن البراء بن عازب]
الإله وحده لا ملجأ، ولا منجا منه إلا إليه، أما غير الإله تلجأ إلى غيره منه، تفر من مملكته إلى مملكة أخرى، أما الله عز وجل جميع الخلق في قبضته، فلا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.
يعني بالضبط تماماً: لو أن ابناً عقّ أمه، فطردته من البيت لا يوجد عنده إلا حل واحد أن يعود إليها تائباً، برحمتها تقبله، أما أي إنسان آخر غير الأم ترفضه، لأنها أم ولأنها تحب أن ترحمه، فإذا لجأ إليها خوفاً من عقابها قبلته.

(( لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك ))
إذاً هو القاهر الذي له علو القهر الكلي.


من بنى مجده على أنقاض الآخرين محقه الله عز وجل :


أما "القهار" صيغة المبالغة فهو الذي له علو القهر باعتبار الكثرة، يعني يقهر كل الطغاة من دون استثناء، ويقهر أقوى الطغاة.
يعني عاد، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشد منها قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

( سورة فصلت الآية: 15 )
وقتها كما يبدو ما كان فوق عاد إلا الله، وأنا أطمئن، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 34 )
لا يوجد أمة تخطط لبناء مجدها على أنقاض الآخرين إلى ما شاء الله، لا
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
في أجل ينتهي، الله مكنها في الأرض وامتحنها، وظهرت متوحشة وينتهي أجلها، ولا تقنطوا من روح الله.
الله عز وجل أهلك قوم نوح وقهرهم، أهلك قوم هود وثمود وقهرهم، أهلك فرعون وقهره، أهلك هامان، والنمرود وقهرهم، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴾

( سورة النجم )
وهذا الذي هدّم سبعين ألف بيت كان يتفنن في قتل الفلسطينيين، مضى عليه سنوات ثلاث ولم يمت بعد، وأمد الله في عمره.
الله "القهار" بطولتك أن تخاف من "القهار"، ألا تتطاول على مخلوق، وليس له ناصر إلا الله، الله عز وجل قد يجعل هذا الظالم عبرة لمن يعتبر.


الله عز وجل بالمرصاد لكل متكبر جبار:

أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى، جبار، قهار، واحد، لا مثيل له، ولا شريك له، وهو بالمرصاد لكل متكبر جبار، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة الفجر )
تفوقت في شتى الميادين، تفوقت عمرانياً.
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾

( سورة الشعراء )
تفوقت صناعياً مجازاً:
﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

( سورة الشعراء )
تفوقت عسكرياً:
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

( سورة الشعراء )
تفوقت علمياً:

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )
لكن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد.


المؤمن ينبغي أن يتلقى إخبار الله وكأنه يراه لأنه أصدق القائلين:

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾
أما أن يقول أحدهم: والله أنا ما رأيت، نقول له: الملمح الدقيق في هذه الآية أنك كمؤمن ينبغي أن تتلقى إخبار الله وكأنك تراه، لأنه أصدق القائلين
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَاد وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد ﴾

( سورة الفجر )
ما قال طغوا في بلدهم
﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد ﴾

﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾

( سورة الفجر )
سبحان الله الطغاة يعنيهم الفساد، لأنهم بإفساد الناس يضعفونهم، فكل الطغاة يعنيهم التفلت، والإباحية، وخروج المرأة متبذلة، يعنيهم الزنا، لا يعنيهم الزواج
﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
ليستطيعوا أن يتمكنوا من السيطرة عليهم، لأن المؤمن رقم صعب.
أنا أقول لكم: أي إنسان إذا كان يغير قناعته، يغير موقفه، بمبلغ من المال سقط عند الله، قد يكون مبلغاً بسيطاً، قد يكون ملايين مملينة، مادام هناك رقم يغير قناعته فثمنه هذا الرقم، أما المؤمن رقم صعب.

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، هذا يظهره الله أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية]



الله تعالى قهره عظيم أليم يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه:


لذلك قالوا: "القهار" هو كثير القهر للظالمين، وقهره عظيم أليم، يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه.
الله عز وجل بزلزال تسونامي هذا الزلزال قوته مليون قنبلة ذرية، والبلاد التي دمرها أجمل بلاد في العالم، ولاسيما في فصل الشتاء، نصف الكرة الشمالي برد لا يحتمل وثلوج، نصف الكرة الجنوبي سواحل الهند، وشرق آسيا سواحل دافئة، نباتات عملاقة جو لطيف، دفء رائع، وهناك منتجعات، إن أردنا أن نصنفها من فئة العشر نجوم، لنخبة أغنياء العالم، وقد رأى هؤلاء الأغنياء الكبار النجوم ظهراً بهذا الزلزال.
فالله عز وجل قوي قد يستدرج بعض الناس، وقد يموت أناس مؤمنون لهم حكم آخر، طائرة وقعت (طائرة متجهة إلى شرق آسيا)، هناك ركاب عندهم محلات تجارية ذهبوا للتسوق، وعمل مشروع، يموتون على نيتهم، و ركاب يذهبون إلى هناك للزنا يموتون على نيتهم، إذا وقعت طائرة فكل راكب يموت على نيته، فإذا كان الشخص مؤمناً يموت شهيداً، أما إذا غير مؤمن اتجاه إلى جهنم، الآن هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية، يذهب ليزني، يموت على نيته.



الله تعالى يتحدث عن ذاته بضمير المفرد و عن أسمائه بضمير الجمع:


أيها الأخوة، الله عز وجل يقول أحياناً:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾

( سورة طه الآية: 14 )

﴿ إِنَّنِي أَنَا ﴾
بالمفرد، وأحياناً يقول:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ﴾

( سورة ق الآية: 43 )

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً ﴾

( سورة الإنسان )
العلماء قالوا: إذا ذكر الله ذاته العلية بضمير المفرد فالحديث عن ذاته، أما إذا ذكر ذاته العلية بضمير الجمع
﴿ إِنَّا ﴾
فالحديث عن أسمائه.
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ﴾

( سورة يس الآية: 12 )
كل أسماء الله داخلة في أفعاله، الله فعل فعله، في رحمة، في حكمة، في عدل، في لطف، إذا قال:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ﴾
أي أن أسماءه الحسنى كلها داخلة في هذا الفعل، تصور فعل فيه رحمة، فيه عدل، فيه لطف، فيه حكمة، والله شيء جميل ! هكذا ينبغي أن نؤمن، أما إذا قال الله:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

( سورة طه )
الحديث عن ذاته العلية، الحديث عن ذاته بضمير المفرد، والحديث عن أفعاله بضمير الجمع.
أحياناً يجمع الله في بعض أسمائه معظم أسمائه، مثلاً:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )
الجلال جمعت أسماء القوة، والقهر، والجبروت، كل أسماء القوة مجتمعة بالجلال، وكل أسماء الرحمة، والعطاء، والإحسان مجتمعة بالكمال، باسم الجلال والكمال
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
جمعت أسماؤه على زمرتين، أسماء جلال، و أسماء كمال.


من أدرك أن علم الله يطوله و قدرته تطوله فلن يعصيه أبداً:

أيها الأخوة:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 12 )
الآن الله عز وجل سيذكر اسمين فقط، اختار من أسمائه كلها اسمين:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق )
أنت متى تستقيم على أمره ؟ بل متى تستقيم على أمر وزير الداخلية ؟ الذي أصدر قانون السير، بحالتين: حينما توقن أن علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، أو شرطي على دراجة نارية، أو ضابط في قسم السير في سيارته، هناك شرطي واقف معه دفتر ضبط، و سائق دراجة نارية قد يتبعك، و ضابط يضمن عدم التواطؤ مثلاً، فأنت متى تستقيم على أمر وزير الداخلية الذي أصدر قانون السير ؟ حينما يكون علمه يطولك، وحينما تكون قدرتك تطولك، أني يسحب منك الإجازة، و يحجز المركبة.
سؤال ثانٍ: متى لا تستقيم على أمره ؟ في حالتين، حينما لا يطولك علمه الساعة الثالثة بالليل، لا يوجد شرطي، أما الآن هناك كاميرات في بعض الدول، تضبط المخالفة حتى الفجر، أو إن كنت أقوى منه فقدرته لا تطولك، أما حينما توقن أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، الآية:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-15-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(58)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (الحق):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحق".



ورود اسم الحق في القرآن الكريم و السنة الشريفة :

هذا الاسم العظيم كثير التداول، ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:



﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة المؤمنون )
وفي قوله تعالى:
﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
وفي قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة الحج )
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال:

(( اللهم أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، وقَولك حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]



تداول كلمة حق تداولاً كثيراً:

أيها الأخوة، كلمة حق متداولة تداولاً كثيراً جداً، قال تعالى:

﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

( سورة الأحقاف الآية: 3 )
قال علماء التفسير: أي أن خلق السماوات والأرض، أي أن "الحق" لابس خلق السماوات والأرض، خلقتا بالحق، وسوف يتضح المعنى بدقة من آيات أخرى، لأن الله عز وجل حينما وصف كتابه الكريم بأنه:
﴿ مَثَانِيَ ﴾

( سورة الزمر الآية: 23 )
من معاني هذه الكلمة أن كل آية تنثني على أختها، فتفصلها، الآية الأولى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾

( سورة الحجر )




"الحق" نقيض الباطل:

الآن ما هو "الحق" قال: هو نقيض الباطل، لماذا ؟ قال: لقوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾

( سورة ص الآية: 27 )
خلقها بالحق، وما خلقها باطلاً.
﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

( سورة ص )
لو فرضنا إنساناً بنى بناء على الشاقول، هذا البناء على الشاقول يعني أنه سوف يبقى، يعني بناء ثابتاً، بناء لا ينهار.
هذا هو "الحق" الشيء الثابت، الشيء الموجود، والثابت.
ولو أشاد إنسان بناء بلا شاقول، الجدار مائل، هذا البناء باطل لأنه سينهار.
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

( سورة الإسراء )
"الحق" هو الشيء الموجود والثابت، أما الباطل قد يكون موجوداً إلى حين، الشرق الذي رفع شعار لا إله، بقي سبعين عاماً ثم انهار، لأن الله سبحانه وتعالى كان يقول:
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
زهوق صيغة مبالغة، يعني أكبر باطل، معه قنابل نووية بعدد مخيف، انهار، ومليون باطل ينهار، مليون فكر منحرف، مليون عقيدة منحرفة، ومليون فرقة ضالة تنهار،
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
فإذا بني البناء على الشاقول فهو بناء حق، لأنه موجود وسيستمر، أما إذا بني من دون شاقول هذا البناء باطل، لأنه الآن موجود ولكن سوف ينهار.
"الحق" نقيض الباطل.


"الحق" الشيء الموجود والثابت:

شيء آخر: معك جهاز كهربائي (مروحة)، توجهت بهذه المروحة من أجل أن تعمل إلى مأخذ كهربائي، وضعت فيها القابس فما دارت، هذا المأخذ باطل، هو مأخذ على الشبكية لكن ما فيه كهرباء، توجهت إلى مأخذ آخر وضعت المقبس فدارت المروحة، نقول هذا المأخذ حق، واضح تمام ؟.
"الحق" الشيء الموجود والثابت، والباطل قد يكون موجوداً إلى حين لكن لابدّ من أن ينتهي، لابدّ من أن يعدم.



"الحق" الشيء الهادف المرتبط بأهداف نبيلة:


الآن الآية الثانية:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الدخان )
أنتم تعلمون حينما يقام معرض لأسبوعين، معظم الأجنحة إن كان الوقت صيفاً من القماش، أو من ورق مقوى، من مواد رخيصة جداً، قضية أسبوعين، لكن حينما نبني جامعة، قد يستغرق بناءها عشر سنوات، هذا البناء وجد ليبقى، وله هدف كبير، هدفه الكبير إنشاء قادة للأمة، نشر العلم، تخريج علماء، أطباء، علماء نفس، علماء اجتماع، علماء تربية، علماء فلك، علماء رياضيات، علماء فيزياء، علماء كيمياء، تخريج مدرسين، موجهين، اختصاصين، خبراء في المعامل، هذا البناء له هدف كبير، له هدف عظيم، له هدف نبيل، أما السيرك ما أهدافه البعيدة ؟ يعمل قوة يمتع الإنسان، هذا البناء أسبوعين.
فصار "الحق" الشيء الهادف، مرتبط بأهداف نبيلة، والعابث شيء ليس له هدف.
أحياناً إنسان (يوجد تحريم بالموضوع) يلعب النرد للساعة الثالثة بالليل، يا ترى تَعَلّم ؟ ازداد علماً ؟ ازداد قرباً ؟ ارتقى مستواه ؟ ارتقى دخله ؟ ارتقى علمه ؟ ارتقت وظيفته ؟ مضيعة للوقت، نقول لعب النرد شيء عابث.
أما أن تعكف على كتاب فتقرأه، كتاب أساسي في الدين، نقول شيء هادف، حينما تأتي إلى مسجد لتحضر درس علم نقول شيء هادف، مقدس، أما حينما ينطلق الإنسان إلى ملهى، شيء عابث، يستمع إلى مغنية، ويرى راقصة، هناك فرق كبير.
فصار "الحق" الشيء الثابت، نقيضه الباطل، و "الحق" الشيء الهادف نقيضه العابث، "الحق" ليس عابثاً، وليس باطلاً، ثلاث آيات أعيدها على مسامعكم، الآية الأولى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
يعني الحق لابس خلق السماوات والأرض.
الآية الثانية التي تفسر "الحق"
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾
الباطل الشيء الزائل
﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾
الآية الثالثة:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾



معاني الحق في اللغة:

1 ـ الشيء المستقر و الموجود و الثابت:


أيها الأخوة، "الحق" في اللغة اسم فاعل، فعله حق يحق حقاً، يقال: حققت الشيء، أحقه حقاً، إذا تيقنت أنه موجود، "الحق" الشيء المستقر، والموجود، والثابت.



2 ـ المطابقة:


"الحق" بمعنى المطابقة، كلامه حق يعني طابق الواقع، إنسان ارتكب عملاً جئنا بشاهد شهد، نقول شهادته حق، لأنها مطابقة للواقع.



3 ـ الشيء الذي لا يزول و هو خلاف الظلم:


"الحق" الشيء الثابت، و "الحق" الذي لا يزول، و "الحق" هو العدل، و "الحق" خلاف الظلم، والاعتقاد بالحق الشيء المطابق للواقع، مثلاً:
شخص قال: أعتقد أن البعث، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار حق لأن البعث سيكون، والثواب سيكون، والعقاب سيكون، والجنة ستكون، والنار ستكون.



4 ـ الإسلام:


"الحق" في القرآن الكريم له استعمالات كثيرة، "الحق" هو الإسلام لأنه دين الواحد الديان.



5 ـ العدل:


و "الحق" هو العدل.

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

( سورة النساء الآية: 58 )



6 ـ الحكمة و الصدق و الحساب و الجزاء:


و "الحق" هو الحكمة، العمل الحكيم عمل حق، والصدق، والوحي، والقرآن، والحقيقة، وأيضاً الحساب والجزاء:

﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾

( سورة النور )



7 ـ الله سبحانه وتعالى متصف بالوجود الدائم لا شيء قبله ولا شيء بعده:


الآن الله عز وجل هو "الحق"، "الحق" هو الله سبحانه وتعالى، لأنه متصف بالوجود الدائم، لا شيء قبله، ولا شيء بعده.

﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾

( سورة الحديد الآية: 3 )
هو الباقي على الدوام إلى أبد الآبدين.


8 ـ المتصف بالوجود الدائم وبالحياة والقيومية:


"الحق" هو المتصف بالوجود الدائم، وبالحياة والقيومية.

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )
والبقاء، فلا يلحقه زوال، ولا فناء، وكل أوصاف "الحق" كاملة جامعة للكمال والجمال والعظمة والجلال، قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾

( سورة الحج الآية: 62 )
بربكم كم ملة وكم اتجاه وكم طائفة ظهرت في الأرض ؟ كلها تلاشت والإسلام باقٍ كالطود الشامخ، لأن الإسلام حق، وأي فرقة ضالة باطلة،
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾

( سورة الحج )



9 ـ "الحق" هو الذي يحق الحق بكلماته:


و "الحق" هو الذي يحق الحق بكلماته، كلام الله حاسم، لذلك قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )
القلب السليم، هو القلب الذي لا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله.
إذاً يحق "الحق" بكلماته، ويقول "الحق"، إذاً وعده وعد حق، ودينه حق، وكتابه حق، وما أخبر عنه حق، وما أمر به حق.
﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾

( سورة يونس )
وفي قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 73 )
وفي قوله تعالى:
﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾
يعني هنيئاً لمن كان مع "الحق"، والويل لمن كان مع الباطل، هنيئاً لمن كان مع الثابت، والدائم، والباقي، والكامل، و "الحق" نقيض اللعب، والكامل.


من كان مع الحق كان في قمة النجاح و التألق و الفلاح:

أيها الأخوة، الملخص أن الله سبحانه وتعالى هو "الحق"، وكلامه هو "الحق" ووعده هو "الحق"، ووعيده هو "الحق"، وأفعاله هو "الحق".
الإنسان حينما يكون مع "الحق" في قمة النجاح، في قمة التألق، في قمة الفلاح، في قمة الفوز، في قمة العقل، في قمة الذكاء، صار "الحق" الشيء الموجود، والباطل الشيء المفقود، "الحق" الشيء الموجود، والباطل الشيء المعدوم.
في هذا المأخذ ليس هناك كهرباء، وضعنا قابس المروحة لم تدر، معناها باطل، في مأخذ آخر هذا حق.
أيها الأخوة، كتوضيح "الحق" الشيء الموجود، واعتقاد وجود، واعتراف بوجوده، هو ما يعنيه "الحق"، والشيء المعدوم حينما يتوهم الإنسان شيئاً غير موجود ولا يطابق الواقع، يعني للتوضيح:
ما هو العلم ؟ بتعريف مختصر الوصف المطابق للواقع، كل شيء خلاف الواقع جهل.
أنا راكب مركبتي، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، إذا فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، هو الحقيقة تألق تحذيري، أن الزيت نقص في المحرك، إن فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، أما إذا فهمت هذا التألق فهماً تحذيرياً هذا فهم حق أوقفت المركبة فوراً، أضفت الزيت، تابعت الرحلة، حققت الهدف، فإذا فهمته فهماً تزيينياً احترق المحرك، وتعطلت المركبة، وألغي الهدف، ودفعت مبلغاً كبيراً جداً لإصلاح المحرك.



العاقل من كان فهمه للأحداث فهماً حقيقياً لا فهماً موهوماً:

البطولة أن يكون فهمك للأحداث فهماً حقيقياً لا أن يكون فهماً موهوماً، وأنا في بداية كل درس أقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، أنتم لا تتصوروا الجاهل لا يملك أية معلومات، معه معلومات كثيرة جداً لكن كلها غلط، تصوراته عن الكون، والحياة وما بعد الموت، كلها أشياء غير صحيحة، تصوره عن المرأة غير صحيح، عن الزواج يقول الزواج قيد، خليك حر، الإنسان أحياناً يكون معه مئات بل ملايين التصورات الخاطئة وهذا الخطأ في تصوراته سوف يهلكه.
مثلاً: لو شخص توهم أن هذا الأستاذ، قبل الامتحان بيومين تقدم له هدية ثمينة يعطيك الأسئلة، أمضى العام الدراسي كله مرتاحاً، هذا التوهم باطل، فلما طرق بابه قبل الامتحان بيومين، ومعه هدية ثمينة، وطلب منه الأسئلة، صفعه صفعتين، وركله بقدمه، ورسب طبعاً، لأنه توهمَ توهماً باطلاً، أما لو علم أن الأستاذ نزيه، ولم يحابِ أحداً، هذا العلم هو الحق.
توهم أن القاضي ينحاز بهدية أخرى، هذا وهم باطل، أخطر شيء بالحياة أن تعيش الباطل.



الجاهل من توهم أن الشيطان أجبره على عمل ما و هو لا علاقة له:

أيها الأخوة، مثلاً كلما زلت قدم إنسان يقول: الله يلعن الشيطان، الشيطان ما دخله، اسمع الآية:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 22 )
أنا ليس لي سلطة عليكم:
﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 22 )
شخص ذهب إلى مركز شرطة ليشتكي على إنسان، يرتدي ثياباً بيضاء جميلة جداً، غالية جداً، ووسائل رائعة، وقع في حفرة مياه سوداء آسنة، قال له: تشتكي على من ؟ قال له: على فلان، قال له: هل دفعك ؟ قال له: لا والله حرام ما دفعني، هل شهر عليك مسدساً، وقال لك انزل بها ؟ لا والله، قال له: هل أمسكك وأنزلك بها ؟ قال له: لا والله، لمَ تشتكي عليه ؟ قال لي: انزل، هذا يحتاج إلى مستشفى مجانين.
وكل إنسان يظن أن الشيطان أجبره على عمل يكون واهماً، وجاهلاً.
﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 22 )



إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ:

الآن عندنا ملمح لطيف جداً في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

( سورة النساء الآية: 116 )
عندنا آيتان:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النساء الآية: 116 )
الآية الثانية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )
ما وجدت مثلاً يوضح هاتين الآيتين كهذا المثل: نحن في دمشق، أحد التجار له مبلغ كبير جداً في حلب، واستحقاقه يوم السبت، الساعة الواحدة، ركب قطار حلب سيرتكب أخطاء كثيرة، ركب بعربة من الدرجة الثالثة وبطاقته من الدرجة الأولى، هذا غلط مع هذا الغلط القطار في اتجاهه إلى حلب، ركب مع شباب غير منضبطين، أزعجوه كثيراً بمزاحهم، وصياحهم، ونزاعهم، انزعج كثيراً، هذا خطأ أيضاً، لكن القطار في طريقه إلى حلب، كان جائعاً تلوى من الجوع، ولم يعلم أنه في عربة مطعم، هذا أيضاً خطأ ثالث ، ركب بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار هذه غلطة رابعة، لكن القطار باتجاه حلب وسيكون في الساعة الثانية عشرة، وسيأخذ المبلغ، أما هناك خطأ لا يحتمل، خطأ لا يغفر أنه ركب قطار درعا، المتجه نحو الجنوب، هنا لا يوجد مليونا ليرة.


الأحمق من اتجه إلى إنسان ضعيف لا يملك شيئاً و لم يتجه إلى الخالق سبحانه:


ما هو الشرك ؟ أن تتجه إلى معدوم، إلى ضعيف، إلى محكوم من قبل الله عزّ وجل، حينما تتجه إلى الله، الله عنده كل الخير، عنده التوفيق، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده التيسير لأمورك، عنده الحفظ، عنده التأييد، عنده النصر، عنده كل شيء وإذا اتجهت إلى غيره لا يوجد عنده شيء.
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾

( سورة فاطر الآية: 14 )
أحمق إنسان، أغبى إنسان، من يتجه إلى إنسان آخر.

(( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي ))

[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ]



العاقل من يفهم الأحداث فهماًً توحيدياً لا فهماً أرضياً:

أحياناً نحن نمر بأحداث خطيرة، وتقلبات سريعة، واختناقات، وانعطافات وظروف دقيقة، البطولة لا أن تطلع على الأخبار، أن تفهمها، لا أن تفهمها فهماً أرضياً أن تفهمها فهماًً توحيدياً.
أذكر أنه قبل عشرين سنة، نشبت حرباً أهلية في بلد عربي، واستمرت عشر سنوات، وأودت بحياة مئتي ألف، وانتهت ولم ينتصر أحد، هناك تفسير لهذه الحرب الأهلية تفسير دولي: أن هذا البلد نما نمواً مالياً كبيراً جداً، حتى نافس المراكز المالية العالمية فالعالم الغربي هو الذي حطمه، هذا تفسير دولي، هناك تفسير آخر، تفسير طائفي: أنه في نزاع طائفي قديم من عام ألف و تسعمئة و ستين، هذا النزاع الطائفي من حين لآخر يرتفع فينشأ الخلاف، هذا تفسير طائفي، وهناك تفسير عربي أنه ساحة صراع بين القوى العربية المتنازعة، هذا تفسير ثالث، وهناك تفسير رابع، تفسير نسواني: أنه هذا البلد حكمته عين، لكن هناك تفسير قرآني:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل )
بطولتك أن تفهم الحدث فهماً توحيدياً، الزلزال حتماً اضطراب القشرة الأرضية لكن الزلزال فضلاً عن هذا التفسير القريب العلمي هو علاج إلهي، وعقاب إلهي.
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

( سورة هود )
فالبطولة أن نفهم الأمور فهماً صحيحاً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-16-2018, 01:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(59)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( القوي):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القوي".




ورود اسم القوي في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


سما الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "القوي" في كثير من النصوص القرآنية، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفاً بأل، مقترناً باسم الله العزيز في موضعين، الأول قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾

( سورة هود )
وفي موضع آخر في قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾

( سورة الشورى )
وورد أيضاً منوناً في خمسة مواضع منها قوله تعالى:
﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

( سورة الحج )
أما في السنة فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن يوم الخندق:

(( وبعث الله عز وجل الريح على المشركين فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً ))

[رواه أحمد عن عائشة]



تعريف القوي في اللغة:

أيها الأخوة، "القوي" في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالقوة، وقد قوي، وتقوى قوة فهو قوي، يقال: قوى الله ضعفك أي أبدلك مكان الضعف قوة، فالقوة نقيض الضعف، والوهن، والعجز، وهي الاستعداد الذاتي، والقدرة على الفعل، وعدم العجز عن القيام به، قال تعالى لسيدنا موسى (عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام) عن الألواح:

﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 145 )
أي خذها بقوة في دينك وحجتك، وقال جلّ جلاله لسيدنا يحيى عليه السلام:
﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾

( سورة مريم الآية: 12 )
أي بجد، وعون من الله تعالى.


الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك:

أيها الأخوة، الله جلّ جلاله هو "القوي" بل هو "القوي" وحده، ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض مستمدة من قوة الله، كل قوة في الأرض في الذوات والأشياء مستمدة من قوة الله تعالى، تأييداً للمؤمنين، أو استدراجاً لغير المؤمنين، أو تسخيراً للجمادات، لحكمة بالغةٍ بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، الآية الدقيقة أيها الأخوة، يحتاجها كل واحد منا، قال تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )
العلماء قالوا: هناك حب في الله، وهناك حب مع الله، الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك، والفرق كبير بينهم، إنك تحب الله، محبة الله هي الأصل، من لوازم هذه المحبة أن تحبّ رسوله، أن تحبّ أنبياءه، أن تحبّ رسله، أن تحبّ أصحاب النبي جميعاً، أن تحبّ المؤمنين، أن تحبّ أولياء الله الصالحين، أن تحبّ زوجتك، أن تحبّ أولادك، أن تحبّ المساجد، أن تحبّ كتاب الله، أن تحبّ قراءته، أن تحبّ تفسيره، أن تحبّ فهمه، هذا حبّ في الله، هناك حبّ أصلي، وهناك فروع لهذه المحبة، أما الحب مع الله أن تحب جهة لا يرضى الله عنها، لكن مصلحتك مرتبطة بها، هذا حب مع الله، الأول عين التوحيد، والثاني عين الشرك، الآن:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )



من أطاع إنساناً و عصى خالقاً أطاعه في معصية:

الإنسان لا يقول إنني أحب فلاناً كحب الله، ليس في العالم الإسلامي من يجرؤ على أن يقول هذا، لكن البطولة أن تكون في مستوى هذا الكلام، الإنسان حينما يطيع إنساناً ويعصي خالقه، إنه أحله محلّ العبادة، أطاعه في معصية.
فالعبرة لا في الألفاظ ولكن في السلوك، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم ألا تؤمن باليوم الآخر ؟ أنا أؤكد لكم أن واحداً من بين الستة آلاف مليون، أو بين المليار والنصف بالدقة لا يقول لا، يقول نعم، لكن هل في عمل المسلمين، أو في عمل بعض المسلمين، أو في عمل معظم المسلمين ما يؤكد أنه مؤمن بالله واليوم الآخر ؟ الذي يأكل المال الحرام جهاراً نهاراً لا يؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً، يؤمن باليوم الآخر إيماناً شكلياً هذا التكذيب العملي خطير جداً، الذي يطيع زوجته ويعصي ربه، الذي يغش المسلمين من أجل مبالغ معينة، يراها أكبر من الله، فلذلك:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )



الله عز وجل أصل الجمال و الكمال و النوال:


الآن النقطة الدقيقة: أن هذا الإنسان حينما عصى الله عز وجل لماذا ؟ من أجل بيت فخم، من أجل امرأة جميلة، من أجل سيارة فارهة، من أجل منصب رفيع، لماذا يعصي الله ؟ أُخذ بجمال هذه المرأة، أُخذ بفخامة هذا البيت، أُخذ بنعومة هذه المركبة، إذاً هو الذي دفعه إلى أن يعصي الله الجمال، وقد غاب عنه أن الجمال الحقيقي عند الله، لأنه أصل الجمال، وغاب عنه أن الكمال الحقيقي عند الله، أن القوة الحقيقية عند الله، وأنه أصل كل قوة، والإنسان كما تعلمون مفطور على حبّ الكمال، والجمال، والنوال، بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يعلم علم اليقين أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله، تعلق بالأصل وترك الفرع، بينما غير المؤمن تعلق بالفروع، تعلق بكائن قوي، ونسي قوة الله، تعلق بكائن جميل الصورة، ونسي جمال الله، وهكذا، الآية
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾



الله عزّ وجلّ منح الإنسان أشياء لا تعد و لا تحصى:

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )
كأن القوة هنا تعطي ملامح ثلاثة، قوة في الجمال، أو قوة في الكمال، أو قوة في النوال (العطاء)، الله المعطي، منحك الوجود، منحك نعمة الإيجاد.
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

( سورة الإنسان )
منحك قوة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، منحك عقلاً، منحك سمعاً وبصراً، منحك محاكمة، منحك زوجة، منحك أولاداً، منحك حرفة تتكسب بها، منحك أشياء لا تعد ولا تحصى،
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾

﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )



أسعد لحظات المؤمن عند لقاء ربه تعالى:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/01.jpg
لذلك أيها الأخوة، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، أي شيء تحبه لابدّ من أن يفارقك، أو أن تفارقه، شخص يحب امرأته حباً لا حدود له، لابدّ من أن يموت قبلها، أو تموت قبله.
إذاً إذا أحببت ما سوى الله الفراق حتمي، الله عز وجل حي باقٍ على الدوام لذلك الصحابة الكرام، قرأت عنهم كثيراً، وجدت ملمحاً خطيراً أنهم جميعاً بينهم قاسم مشترك واحد، وهو أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند لقاء ربهم، والقياس هو الموت هل تستطيع أن ترى الموت تحفة ؟ أن ترى الموت عرساً ؟.
والله الذي لا إله إلا هو وا كربتاه يا أبتِ، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
هل يوجد حدث مستقبلي بحياتنا جميعاً أقوى من الموت ؟ هل يستطيع شخص من بني البشر بما فيهم الملوك والأنبياء أن ينجو من الموت ؟ أبداً، أخطر حدث مستقبلي مغادرة الدنيا، من هو العاقل ؟ من هو الذكي ؟ من هو الموفق ؟ من هو الفالح ؟ من هو الناجح ؟ الذي يتكيف مع هذه اللحظة.



الله جلّ جلاله سما ذاته العلية باسم "القوي" لأنه :

1 ـ موصوف بالقوة لا يغلبه غالب:


أيها الأخوة، "القوي" سبحانه وتعالى هو الموصوف بالقوة، والإنسان في أصل فطرته يعجب بالـ "القوي"، أنت اجلس بمجلس، هناك عشرة رجال، أحدهم قوي جداً يتمتع بمنصب رفيع، تجد الحاضرون كلهم تنعقد أبصارهم عليه، ينظرون إليه هكذا، يسألونه، خطف الأبصار كلها لأنه قوي، و هناك إنسان آخر خطف الأبصار كلها لأنه غني، وهناك إنسان أنيق جداً، وسيم الطلعة، وجهه لطيف، الناس كلهم ينظرون إليه، الجمال، والكمال، والنوال يجلب الأنظار،فكيف إذا علمت أن كل جمال في الكون مسحة من جمال الله، وكل كمال في البشر مسحة من كمال الله ؟
شخص أعطاك مركبة، لكن الله منحك زوجة، منحك أولاداً، منحك أجهزة دقيقة جداً.
لذلك الله سبحانه وتعالى موصوف بالقوة، وصاحب القدرة المطلقة، لا يغلبه غالب، وإن كان كلمة مؤلمة أحياناً: الإنسان يتعلق بالقوي ولو كان عدوه، قوي، أمره نافذ ، يتكلم ينفذ، تجد حتى الدول التي تهزم من قبل الأقوياء القوي مع أنه عدو لكن ينتزع إعجاب الأفراد المهزومين، فكيف بك إذا تعلقت بأقوى الأقوياء، تعلقت بالـ"القوي" الحقيقي وقوته يمكن أن تنتفع بها، أنت قوي إذا كنت مع القوي، وأنت غني إذا كنت مع الغني وأنت عالم إذا كنت مع العالم، وأنت حكيم إذا كنت مع الحكيم.



2 ـ قوي في فعله قادر على إتمامه:


قضية أسماء الله الحسنى أنا أرى أنها من أخطر الموضوعات في الدين، الإنسان ضعيف، يقوي ضعفه بالله، يصبح قوياً، والإنسان جاهل يلغي جهله بمعرفة الله، الإنسان أحياناً ما عنده حكمة يكون حكيماً إذا اتصل بالله.
إذاً الله جلّ جلاله لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاؤه راد، ولا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، وهو "القوي" في فعله، القادر على إتمام فعله، أحياناً إنسان يبدأ لكن لا يتابع هناك عقبات كأداء حالت بينه وبين المتابعة.



3 ـ قوي في بطشه لا يعتريه ضعف أو قصور:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/02.jpg
"القوي" في بطشه، أحياناً إنسان طاغية يتفنن في إذلال العباد، تأتي قدرة الله عز وجلّ فيبطش به، ترتاح النفوس، وسبحان من قهر عباده بالموت، مطلق المشيئة والأمل في مملكته، والله هو "القوي" سبحانه، لا يعتريه ضعف أو قصور، قيوم لا يتأثر بوهم أو فتور، ينصر من نصره، ويخذل من خذله.

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )
هناك هدف للمسلمين الآن يفوق من أن ننتصر على أعدائنا وما أكثرهم ؟ أكبر هدف الراحة لنا أن ننتصر، أن نستمع أننا أقوياء، وانتصرنا، النصر بيد الله، وثمنه بيدنا الثمن أن ننصر الله، أن ننصر دين الله،
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )
وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك ؟


4 ـ كتب الغلبة لنفسه فقط:


و "القوي" سبحانه، الذي كتب الغلبة لنفسه فقط، بالمناسبة: أحياناً تأتي كلمة كتب مقترنة بفعل الله، الله عنده كتابة ؟ نحن بني البشر نكتب، لماذا ؟ الشيء إذا موثق بالكتابة مريح، يقول لك: معي سند، معي موافقة خطية، معي إيصال، معي عقد ، الإنسان من ضعفه بحياته هناك اتفاقات شفهية، و اتفاقات كتابية، أي اتفاق شفهي يُنكر، أما الكتابة ثابتة، فالله عز وجل مراعاة لعقليتنا يقول:

﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 54 )
اطمئن.
﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾

( سورة المجادلة الآية: 21 )
إذا جاءت كلمة كتب مقترنة بفعل الله عز وجل كي يطمئن عباده، الآية:
﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾



هذه آيات زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق:



﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

( سورة المجادلة )

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )
والله أيها الأخوة، هذه آيات زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، لكن الكرة في ملعبنا، علينا أن ننصر الله حتى نستحق نصره، أنا أعود وأقول دائماً: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، والحديث الشريف:

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

[ البخاري عن مصعب بن سعد ]
إذا نصرنا الضعيف، الفقير، الجائع، المظلوم ينصرنا الله عز وجل.


5 ـ موصوف بالقوة المطلقة:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/03.jpg
"القوي" هو الكامل، القدرة على كل شيء، الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والموصوف بالقوة المطلقة، قال تعالى:

﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

( سورة الحج )

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه )
أنت حينما تقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني أنا أسمعك يا عبدي.

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))

[أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ]
وأنا أبشركم:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]
فإذا أدركت العشاء والفجر في المسجد في جماعة فقد أخذت ضمانة من الله في اليوم بأكمله.


6 ـ متناهٍ في القوة:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/04.jpg
"القوي" المتناهي في القوة، الذي تتصاغر كل قوة أمام قوته، يعني زلزال تسونامي يساوي مليون قنبلة ذرية، هناك جزر انزاحت، هناك حديث طويل عن هذا الزلزال هذا مثل لقوة الله عز وجل.
يتضاءل كل عظيم عند ذكر عظمته، الله تعالى أعطى الملائكة قوة كبيرة يستطيع الملك بها أن يقتلع الجبال، وأن يقلب المدن، يقول لك: سبعة رختر، يعني دمر كل شيء مدينة بأكملها، أصبحت:
﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾

( سورة طه )
زلزال وقع في إزميت بتركيا هناك صورة عُرضت في البي بي سي، في الموقع بالانترنيت تلفت النظر كل شيء في المدينة أصبح ركاماً، تفتت المدينة فتاتاً عجيباً إلا مسجداً، ومعهداً شرعياً، هذه الصورة تركت أثراً بالعالم، إزميت بأكملها أصبحت ركاماً، أحياناً يكون في قطع كبيرة، كل هذه المدينة قطع صغيرة، الارتفاع متر تقريباً، إلا مسجداً معهداً شرعياً، هذه رسالة من الله.


7 ـ له كمال القدرة والعظمة ولا يعجزه شيء:


"القوي" هو الذي له كمال القدرة والعظمة، ولا يعجزه شيء، قال العلماء: "القوي" غالب لا يُغلب، يُجير ولا يُجار عليه، فقوته فوق كل قوي، ما قولك أن تكون مع هذا "القوي" ؟ هل تخشى أحداً ؟ هل ترتعد فرائصك ؟ إذا كنت مع "القوي" فأنت "القوي".



من عرف الله زهد فيما سواه:

الإنسان أيها الأخوة، يعجب بالقوة، ويتأثر بالكمال، وأحياناً يتطلع إلى الأقوياء، والله سبحانه وتعالى من عظمته جلّ جلاله يجمع بين القوة وبين الكمال.

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )
الرحيم، الرحمن، اللطيف، المعطي، الحنان، المنان، هذه أسماء الكمال ، القوي، الجبار، المنتقم من أسماء القوة، أنت مع قوي ومع رحيم، مع قوي ومع لطيف ، مع قوي ومع كريم.
والإنسان لا يعجب بقوي لئيم، ولا بمحسن ضعيف، يعجبه أن تجتمع القوة والكمال في جهة واحدة، الله وحده في كمالاته، وفي قوته، ما يملأ طموح الإنسان، لذلك من عرف الله زهد فيما سواه.
أيها الأخوة، التدين حاجة فطرية، حتى أتباع الديانات الأرضية، الوضعية يلبون حاجة في نفوسهم، الإنسان خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، حتى أتباع الديانات الباطلة، الوضعية، المختلقة، هم يلبون حاجة لأن الإنسان خلق ضعيفاً، لحكمة بالغةٍ بالغة أن المسلم عرف "القوي" الحقيقي ، طبعاً هناك آلهة كالشمس، والقمر، والحجر، والمدر، والبقر، آلهة في بعض البلاد، فالمسلم من عظمة هذا الدين أنه تعرف إلى الإله القوي الحقيقي، الذي هو معه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-16-2018, 01:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(60)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (المتين):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المتين".



ورود اسم المتين في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية بالـ"المتين"، وقد ورد هذا الاسم في آية واحدة في القرآن الكريم، ورد معرفاً بأل في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾

( سورة الذاريات )
وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة من حديث عبد الله بن مسعود حينما قال:

(( أقْرَأَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي ]



تعريف المتين في اللغة:

أيها الأخوة، "المتين" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، للموصوف بالمتانة و "المتين" هو الشيء الثابت في قوته، أحياناً يوجد قوة طارئة تزول، أما القوة الثابتة الأبدية تعني المتانة، الشيء الثابت في قوته، الشديد في عزمه وتماسكه، والواسع في كماله وعظمته، ومتن، يمتن، متانة، أي قوي مع صلابة واشتداد.
ويلحق بمعنى "المتين" معنى الثبات، والامتداد، ويكون "المتين" بمعنى الواسع.
الآن المتن من كل شيء ما صلب ظهره، والجمع مُتون، تقول متن الحديث وأصل المادة في اللغة يدل على صلابة الشيء مع امتداد وطول، والمتن المنطقة الصلبة من الأرض، والمرتفعة، أرض متينة أي صلبة ومرتفعة.
و "المتين" الشيء الممتد الطويل مع الإحكام، ومع القوة، و "المتين" على وزن فعيل.



الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماوات:


أيها الأخوة، الآن إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المتين" هو كامل القوة، هناك إنسان قوي لكن قوته ليست كاملة، أما جلّ جلاله:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
الكامل القوة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماوات، قوة ثابتة، قوة مستمرة، قوة ممتدة، في أي مكان، في أي زمان، في أي عصر.
والله هو "المتين" البالغ الشدة، فالله شديد القوة والقدرة، والله متم قدرته، وبالغ أمره.
أيها الأخوة، أنت حينما تكون مع "المتين" تشعر بالقوة، تشعر أن أحداً لن ينال منك، تشعر أنك في حفظ الله، تشعر أنك في رعاية الله، تشعر أنك في عين الله.


من كان مع المتين رفع الله له ذكره و شعر أنه في رعاية الله عز وجل:

بالمناسبة أيها الأخوة، في قوله تعالى:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور الآية: 48 )
يجب أن نعلم علم اليقين أن أية آية وجهت للنبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا خاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
أي برعايتنا، بحفظنا، بتأييدنا، بتوفيقنا، فيا أيها المؤمن لك من هذه الآية نصيب، حتى إذا قال الله عز وجل:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )
وأنت أيها المؤمن حينما تخطب ود الله عز وجل يرفع الله لك ذكرك، أية آية تقرؤها في القرآن الكريم وهي موجهة إلى النبي عليه أتم الصلاة والتسليم لك منها نصيب، بقدر إيمانك، وبقدر استقامتك، وبقدر إخلاصك.


شروح اسم المتين:


الله هو "المتين" الكامل القوة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء لا في الأرض، ولا في السماوات.
والله هو "المتين" البالغ الشدة، والله شديد القوة، والقدرة، والله متم قدرته وبالغ أمره.
والله هو "المتين" المتناهي في المتانة، يؤثر في الأشياء، ولا تؤثر به.
والله هو "المتين" هو القوي في ذاته، الشديد الواسع، الكبير المحيط، فلا تنقطع قوته ولا تتأثر قدرته.
والله هو "المتين" هو القوي الشديد، المتناهي في القوة والقدرة، الذي لا تتناقص قدرته.
أنت لاحظ إنسان بالستين غير الأربعين، بالأربعين غير بالثلاثين، كلما تقدمت به السن تناقصت قدرته.
أيها الأخوة، والله هو "المتين" الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة، أنت قوي لكن هناك حدود لقوتك، بعد جري 30 كم تصاب بالإعياء، إذا قلنا الله "المتين"، يعني قدرته بالغة الشدة، لا نهاية لها.
والله هو "المتين" الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة، ولا كلفة، ولا تعب.
والله هو "المتين" أي بالغ القدرة وتامها، وهو شديد القوة "المتين".
هذه الشروح لاسم "المتين"، إذاً شرحنا اسم الله الذي سمى ذاته العلية،

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾



ردّ الله سبحانه وتعالى على كيد الظالم بتدبير حكيم يحمي به المؤمنين:

أيها الأخوة، الآن في موضوع جديد متعلق بالـ"المتين" حينما قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )
الكيد هو التدبير، هناك آية ثانية:

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾

( سورة الطارق )
أولاً ما كل اسم فاعل يمكن أن يكون اسماً لله عز وجل إذا اشتق من فعله
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾

﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

( سورة الطارق )
لا يجوز أن تقول إن الله كائد، قال علماء البلاغة: هذا يسمى المشاكلة يعني أعداء الله عز وجل قد يكونون أقوياء، ويخططون، ويمكرون، ويكيدون، والله سبحانه وتعالى يرد على كيدهم الظالم بتدبير حكيم يحمي به المؤمنين، هذا التدبير الحكيم الذي يحمي به المؤمنين يسمى كيداً
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
سماه الله كيداً تسمية مشاكلة.
بعض علماء البلاغة يأتي بشاهد على المشاكلة سألوه: أنطبخ لك طعاماً ؟ قال اطبخوا لي جبة وقميصاً، فجعل الجبة والقميص تُطبخان كما يطبخ الطعام من باب المشاكلة.


الله عز وجل يدافع عن المؤمنين فمن كان مع الله كان الله معه:

قضية المشاكلة
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾
يتآمرون، يخططون، يوقعون الشر بالناس، لكن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين.
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 257 )
فإذا تابع أعداء الله كيداً ظالماً لئيماً، فالله عز وجل يدبر تدبيراً حكيماً عادلاً رحيماً، يحمي به المؤمنين، من باب المشاكلة سمى الله جل جلاله تدبيره الحكيم، الذي يحمي به المؤمنين سماه كيداً من باب المشاكلة، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
يستنبط من هذا الآية الكريمة التي تؤكد أن الله يدافع عن الذين آمنوا والآية واضحة، وقطعية الدلالة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة الحج الآية: 38 )
فإذا كنت مع الله كان الله معك.

كن مع الله ترى الله معك واتـرك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطـي إذا ما منعك
* * *



الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد والتوفيق والنصر:


أيها الأخوة الكرام، قال العلماء: الله مع كل مخلوق، سمى العلماء هذه المعية: معية عامة.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )
معكم بعلمه، لكن هناك معية خاصة، إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة البقرة )
قال: هذه معية خاصة، ما تعني المعية الخاصة ؟ المعية الخاصة تعني الحب ، والتأييد، والتوفيق، والنصر، لهذا أنا أقول دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ مختصر تفسير ابن كثير ]



الله جلّ جلاله سمى تدبيره الحكيم الذي يحمي به المؤمنين كيداً من باب المشاكلة:


الحقيقة أحياناً الإنسان تأتيه بعض الشدائد، وقد قال بعض العلماء:

كن عن همومك معرضا وكِل الأمور إلى القضــا
وأبشــر بخير عاجـل تنسى به ما قـد مضــى
فلــرب أمر مسـخط لك فــي عواقبه رضــى
* * *

ولـربما ضاق المضيق ولربما اتسع الفضـــا
الله يفـــعل ما يشاء فلا تكن معترضـــــا
الله عودك الـــجميل فقس على ما قد مضــى
* * *
أيها الأخوة، إذا
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
تدبيري الذي أرد به على كيد الكافرين أحمي به المؤمنين، الله سماه كيداً، إذاً لا يجوز أن تقول إن الله كائد، لأن هنا الكيد كيد مشاكلة.
أنطبخ لك طعاماً ؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميصاً، الجبة والقميص لا تطبخان لكن تخاطان فسمى هذا الإنسان خياطة الجب والقميص طبخاً، مشاكلة لكلمة نطبخ لك طعاماً ؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميصاً.


الإنسان مهما كان قوياً لن يستطيع أن يتفلت من قبضة الله تعالى:

أيها الأخوة، لكن ما معنى "المتين"
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
المعنى أن الإنسان في قبضة الله، ولم يستطع أحد أن يتفلت من قبضة الله.
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

( سورة الأنفال )
إنسان مهما كان قوياً، مهما توهم أنه قوي، لا يستطيع أن يتفلت من قبضة الله.
أيها الأخوة الكرام، كما تعلمون بالفيزياء الشيء الذي يقاوم قوى الشد يوصف بالمتانة، والشيء الذي يقاوم قوى الضغط يوصف بالقساوة، أقسى عنصر في الأرض الألماس، يأتي بعده بناء الأسنان، فمقاومة قوى الضغط توصف بالقساوة لكن مقاومة قوى الشد توصف بالمتانة، أمتن عنصر في الأرض الفولاذ المضفور، التل فريك، والمصاعد، والجسور المعلقة تصنع من الفولاذ المضفور، لكن كلمة
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
يعني أنت مربوط بحبل من الفولاذ المضفور، مهما كنت قوياً لا تستطيع أن تتفلت من قبضة الله من هنا كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك وجميع سخطِك ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
الإنسان يكون بأوج نشاطه، وقوته، خثرة في الدماغ أصبح طريح الفراش ، قد يضيق شريانه التاجي، يدخل في متاهة كبيرة، قد تنمو خلاياه نمواً عشوائياً، ورم خبيث، قد يتعطل كبده، تشمع بالكبد، قد تتعطل كليتاه، فشل كلوي، فأنت في قبضة الله، لا تقل أنا في أية لحظة تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.


التعامل مع الله عز وجل له قواعد من طبقها كسب رضاه:


لكن أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة جداً وهي: أن التعامل مع الله تعامل مقنن بقوانين، أحياناً تتعامل مع إنسان رئيس بدائرتك، مدير عام، يقول لك مزاجي، سويعاتي، لا تعرف متى يرضى، ولا متى يغضب، يغضب بلا سبب أحياناً، ويرضى بلا سبب فالتعامل معه صعب جداً، أما في مدير عام آخر عنده قواعد، الدوام عنده شرط، والإنجاز شرط، حسن العلاقة مع الآخرين شرط، فأعطاك قواعد، إذا طبقتها تكسب رضاه هذا شيء مريح جداً.
فالله عز وجل، هناك أشياء واضحة جداً، الله يحب الصادقين، يحب التوابين ، يحب المتطهرين، يحب المحسنين، هناك قواعد ثابتة بالتعامل مع الله عز وجل.
إذاً
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
أي إن تدبيري حكيم، أحمي به المؤمنين، من دون أن تشعر أن الله لا يتخلى عنك
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
معية عامة، أما
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
مع الصادقين
﴿ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
هذه معية خاصة.


الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة والابتلاء:

الآن الكيد، دققوا فيما سأقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة والابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، إذا قلنا كيد تدبير ليس في العلن، ليس نهاراً جهاراً، ليس على ملأ من الناس، الكيد تدبير في غرفة في قبو، في مكان مظلم، بعيد عن الناس، الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء، بقصد الإساءة والابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، وقد يكون عيباً مذموماً إذا كان بالسوء في الابتداء.
إنسان قوي، يريد أن يأخذ ما ليس له، وعمل خطة، هذا كيد يوصف بالسوء أو يذم، لأنه بدأ بالسوء، وقد يكون محموداً، مرغوباً إذا كان مقابلاً لكيد الكافرين والسفهاء إذا عُزي الكيد إلى الله فهو تدبير حكيم، عادل، حماية للمؤمنين، أما إذا عُزي الكيد إلى البشر تكون جهة قوية، تخترع مشكلة، تخترع أزمة، تخترع ببلد معين تطمع في ثرواته مشكلة طائفية، تثيرها، ثم تحتل هذا البلد، هذا كيد الكافر كيد يوصف بالذم والانحراف.
قال: فإذا كان الكيد عند إطلاقه كمالاً في موضع، إذا قلنا كيداً، كمال في موضع، ونقص في موضع آخر، فلا يصح إطلاقه بحق الله، من دون تخصيص، مادام في كيد مطلق، يكون مدحاً تارةً، وذماً تارةً أخرى، لا يصح أن ينسب إلى الله، إلا أن تخصصه.


تعهد الله عز وجل بهداية عباده:


أيها الأخوة:

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )
الله عز وجل من سننه أنه يهدي عباده، لأنه تعهد بهداية عباده، وحيث ما جاءت كلمة على، على إذا جاءت مع لفظ الجلالة تعني الإلزام الذاتي.
﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

( سورة النحل الآية: 9 )
يعني على الله أن يبين سبيل القصد.
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل )
أي ألزم ذاته العلية بهدى خلقه، حتى لو أن إنساناً فيه واحد بالمليار من الخير يسمعه الحق والدليل:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 23 )
فحيث ما جاءت كلمة على مع الذات الإلهية تعني أن الله ألزم نفسه بهداية الخلق.


الله عز وجل قوي وكامل:

إذاً حينما يقول:
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
أي إن تدبيري حكيم، وإن هذا الإنسان المتفلت البعيد عن منهج الله، ولو بدا قوياً جداً، ولو بدت قوته لا تخفى، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

( سورة فصلت الآية: 15 )
أي ما كان فوق عاد إلا الله، الآن النبي عليه الصلاة والسلام حينما تنزل النوازل والنوازل من سنة الله في خلقه، كان يقول:

(( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم ))
الله قوي وكامل، هناك إنسان قوي غير كامل، و إنسان كامل غير قوي، لكن
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
الله عز وجل قوي وكامل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا نزلت نازلة يقول:

(( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ))
قال: هذا دعاء، الثناء دعاء، سيدنا يونس لما وجد نفسه فجأة في بطن الحوت قال:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
أيها الأخوة الكرام، في درس قادم إن شاء الله نتابع شرح اسم الله المتين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-16-2018, 01:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(61)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( الشكور):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشكور".



ورود اسم الشكور في القرآن الكريم مقترناً باسم الغفور و الحليم:


الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية باسم "الشكور" قال تعالى:

﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

( سورة فاطر )
يعني غفور للذنوب، شكور للأعمال الصالحة، وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الغفور في موضعين، تقدم الأول منهما، والثاني في قوله تعالى:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

( سورة فاطر )
وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الحليم في قوله تعالى:
﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾

( سورة التغابن )

﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
إن وقعت في الذنب فهو غفور، وإن عملت عملاً طيباً فهو شكور، إن عملت عملاً صالحاً فهو شكور، وإن زلت القدم فهو حليم
﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾



علامة إيمان المسلم أنه في كل الأحوال بين الصبر والشكر:

هناك آية أخرى:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

( سورة إبراهيم )
يجب أن تكون أيها المؤمن صباراً شكوراً، أي ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، يبغي أن تكون صباراً شديد الصبر عند المصيبة، شديد الشكر عند العطاء، فأنت بين حالين، حالٍ تتمنى ألا يكون كن صبوراً، وحالٍ تتمنى أن يدوم كن شكوراً، المؤمن
﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
أروع ما في هذا الإيمان العظيم أنك في كل الأحوال إن كانت الأمور على خلاف ما تشتهي فأنت صبور، وإن كانت وفق ما تشتهي فأنت شكور.

(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، واخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ـ شكور ـ ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
صبور، علامة إيمانك أنك في كل الأحوال بين الصبر والشكر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أديباً مع الله، قال له:

(( يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر]



الإنسان مخير لا مسير:

أيها الأخوة:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 18 )
الإنسان مخير، والعاجلة هي الدنيا.
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

( سورة الإسراء )
الآن دقق:
﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

( سورة الإسراء )
أنت مخير، اطلب ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق.


الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق:


﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ ﴾
وكان صادقاً في طلبها، وعلامة صدقه:
﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
وأصر عليها، وألح عليها
﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
بالقدر الذي نشاء، وللإنسان الذي نريد، الله عز وجل يعلم ما إذا كان صادقاً في طلبها، مصراً عليها، أم على مستوى التمنيات، والتمنيات بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

( سورة النساء الآية: 123 )



أي خطوة نحو إرضاء الله تعالى يمنحه الله من خلالها التوفيق والتيسير والسعادة:


هذا الاسم العظيم ورد في السنة بالمعنى، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول الله عز وجل :

(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ـ الله شكور ـ ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))

[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
لمجرد أن تتحرك نحو الله، أن تتقرب إليه، وأن تخطب وده، أن تغض بصرك، أن يصدق لسانك، أن تُحسن إلى فقيره، أن ترعى يتيماً، أن تنقذ حيواناً صغيراً من الهلاك، لمجرد أن تتقرب إلى الله بعمل، والله عز وجل يرد عليك بالإحسان، بالقبول، كيف ما تحركت، أية حركة نحو الله، ترى الرد سريعاً وإيجابياً، وأضعافاً مضاعفة، وما من أخ كريم، إلا وله مع الله تجربة، إن أنفق من ماله يضاعف الله له أمواله، إن أعان ضعيفاً أعانه الله إلى من هو أقوى منه، إن أطعم مسكيناً غمره الله من فضله.
الحديث أي حركة، أي خطوة نحو إرضاء الله ترى خطوات، ترى التوفيق ، ترى التيسير، ترى الأمن، ترى الرضا، ترى السعادة، ترى الحكمة، والله عز وجل ينتظرنا، وسمّ كل عمل صالح قرضاً له.
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

( سورة البقرة الآية: 245 )
لو أطعمت هرة هذا قرض لله، وإن وضعت اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة.


من شكر الله عز وجل ربح الدنيا و الآخرة:

الله شكور، يعني أقل مؤمن إذا قُدم إليه عمله طيب لا يسعه إلا أنه يشكر، إذا شخص أزاح لك في مجلسه، تقول له: شكراً، أنت عبد، وأنت لا تحتمل أن يقدم إليك عمل صالح إلا وأن تعبر عن شكرك له، فالذي خلق الإنسان، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، يعني ترعى عباده، تهتم بعباده، تصدق مع عباده، تحسن إلى عباده ، تنصح عباده، تُكرم عباده، ولا ترى منهم الشكر ؟ هو شكور.
لا يوجد إنسان أذكى، ولا أعقل، ولا أكثر فلاحاً، ونجاحاً، وذكاءً، ممن يتاجر مع الله، يتاجر مع الله، أنت بالتجارة المألوفة يقول لك ربحنا 38%، غير معقول، الأرباح 12 ـ 13 ـ 9 ـ 8 ـ 7 ـ 5 أحياناً، يعني إذا قلنا 28 ربح غير معقول ! إذا تاجرت مع الله الواحد بالمليار.



معاني اسم الشكور في اللغة العربية:

أيها الأخوة، "الشكور" في اللغة على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة من اسم الفاعل شاكر، شاكر شكور، فعله شكر، يشكر، شكراً، وشكوراً، وشكراناً ، ثلاثة مصادر، أصل الشكر الزيادة، والنماء، والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه.
أيها الأخوة الكرام، المؤمن شكور، أي شيء قُدم له، أي خدمة، أي هدية يشكر عليها إما بلسانه، أو بقلمه، أو برسالة، أو بابتسامة، أو بعمل طيب، أو بهدية مكافأة، من صفات المؤمن تعظم عنده النعمة مهما دقت، إنسان قدم لك شيئاً، لابدّ من أن تشكر، لابدّ من أن تعبر عن شكرك له، بأي طريقة، أما شكر العبد على الحقيقة: هو إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.



الإنسان الشاكر هو الإنسان الذي يقرّ بنعم الله عز وجل بقلبه:

من هو الشاكر ؟ الذي يقر بنعم الله بقلبه، يعني الله عز وجل أكرمك بشهادة عليا والآن طبيب أنت، لك اسمك، لك دخل معقول جداً، وفوق المعقول، والناس يحترموك لك زوجة وأولاد، فالطبيب المؤمن كلما دخل إلى عيادته، أو إلى منزله يا رب لك الحمد هيأت لي أسباب الدراسة العليا، هيأت لي هذه المكانة، هيأت لي هذا الدخل، رزقتني هذه الزوجة الصالحة، رزقتني الأولاد.
فالمؤمن من علامة إيمانه دائماً يذكر فضل الله عليه، وغير المؤمن يقول:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
أما درست، نعم، خير إن شاء الله ! هناك من يدرس ولا ينجح، أنا تعبت حصلت هذا بكدي وعرق جبيني، ممكن هذا كلام بعد عن الله عز وجل ، كلما تقدمت في طريق الإيمان رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، من هو المؤمن ؟ المؤمن تجاوز النعمة إلى المنعم، من هو غير المؤمن ؟ الذي بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت ، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، يستمتع بالمركبة الفارهة، يستمتع بمكانه العالية في المجتمع، وينسى فضل الله عليه.


نعم الله عز وجل على الإنسان لا تعد و لا تحصى:


لكن:

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 7 )
بعد ذلك:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 34 )
الآية تحير، لو أعطيتك ليرة واحدة، قلت لك عدها، لو كم أعدها، أما ليرة واحدة، الآية الكريمة:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 34 )
لن تستطيع إحصاء الخير والبركة بنعمة واحدة، نعمة البصر، إذا شخص الله رزقه أولاد، وجاءته الهدايا، أراد أن يكون دقيقاً يكتب كل هدية من جاء بها، حتى يردها، يا ترى أيهما أهون أن تحصي هذه الهدايا، أم أن تردها ؟ الإحصاء سهل جداً، قلم وورقة هذه من مَنْ ؟ من فلان، أما كل واحد يحتاج أن تنزل إلى السوق، وأن تشتري هدية مناسبة تكافئ هديته، الله عز وجل يقول: أنتم يا عبادي عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾
العد فقط
﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾



تمام الصحة و العافية من نعم الله الكبرى على الإنسان:

لو أن إنساناً فقد بصره، كل الجمال حُجب عنه، مرة حدثوني عن كاتب بمصر كبير وأديب، فقد بصره، يُصيف بسويسرا، قلت لهم: لو أخذ غرفة بالصعيد مكيفة مثل سويسرا، ما دام ما في بصر، أي مكان بارد، ولو غرفة قميئة مادام باردة كأنه في سويسرا قاعد، هذه لأنه حُجبت عنه المناظر.
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
فشكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، عندك إمكان إذا شربت كأس ماء أن تقول: يا رب لك الفضل ؟ لك الشكر لأن الكليتان تعملان بانتظام ؟
لي قريب أصيب بفشل كلوي، كان بالمستشفى يقول له الممرض بعنف: الآلة معطلة هذا الأسبوع لا تشرب الماء، أنت تشرب بغير حساب، كلما شعرت بالعطش شربت الماء البارد الزلال، هذه نعمة هل تنتبه إليها ؟ إنسان أخرج ما في جوفه.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل إلى الخلاء يقول:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ))

[أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
وكان يقول:

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ بالطعام ـ وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]
علم، هذا الطعام له لذة، ممكن إنسان يأخذه سيروم، لكن يشتهي أن يأكل، الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات.

(( أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]



الولد الصحيح المعافى نعمة من الله لا تقدر بثمن:

رأى أولاده أمامه من نعم الله الكبرى، يعني الله عز وجل وهبه أولاداً ما فيهم عاهات، أحياناً عاهة بولد تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أولاد.
مرة قال لي شخص: إذا ينجب الإنسان مولوداً سليماً معه هدية مليون ليرة، هكذا قال لي، قلت له: بالله اشرحها لي، قال لي: لي بنت، أنجبت مولوداً الشريان عكس الوريد بالقلب، لونه أزرق، سألوا أطباء يحتاج إلى عملية ليس في كل بلدنا متخصص بإجرائها إلا بلبنان، طلب الطبيب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة خمسين ألف، قال لي: خلال ساعات من الولادة دفعت قريب المليون ليرة.
يعني إذا جاءك مولود سليم هذه نعمة لا تقدر بثمن، لك زوجة صالحة، أعان الله الذي عنده شك بزوجته، المؤمن زوجته طاهرة، عفيفة، تجده يسافر، يغيب، عنده طمأنينة بلا حدود، أما الذي شكّ بزوجته يغلي كالمرجل، فالذي عنده زوجة صالحة من نعم الله الكبرى، الذي عنده أولاد أبرار، من نعم الله الكبرى، الذي عنده مأوى، لا يهم، بيت تؤوي إليه، كبير، صغير، بطوابق عليا، له إطلالة، طوابق دنيا، لابأس، عندك مأوى.
الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له.
إذا كنت أيها الأخ المؤمن الكريم بهذه النفسية، دخلت لبيتك شكرت الله، نظرت إلى زوجتك شكرت الله، نظرت إلى أولادك شكرت الله، أكلت طعاماً أحببته شكرت الله عز وجل، فهذه من أحوال المؤمن، دائماً شكور.
إذاً شكر العبد عن الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.



مستويات الشكر:

1 ـ أن تعزو النعمة إلى الله:


هناك تعريف آخر: هو الشكر معرفة، والشكر حب، والشكر عمل، ثلاث مستويات، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع الشكر، أما قال قارون:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

( سورة القصص الآية: 81 )

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )
أهلكه الله.
﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )
قوم بلقيس، أهلكهم الله.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
الشيطان، أهلكه الله، إذاً معرفة.


2 ـ أن يمتلئ القلب محبة لله:


الآن مستوى آخر من مستويات الشكر، لمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله على هذه النعمة هذا مستوى أرقى، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله، والمستوى الثاني أن يمتلئ القلب محبة لله.



3 ـ أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده:


المستوى الثالث وهو أرقى المستويات أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده، أن تنصحهم، أن تحسن إليهم، أن تخلص لهم، أن ترعى فقيرهم، أن تعين ضعيفهم، أن تطعم جائعهم، والدليل على ذلك قال تعالى:

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾

( سورة سبأ )

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾
الشكر بأعلى درجاته عمل صالح، يعني إنسان قدم لك خدمة كبيرة، تقول له: شكراً، لا يكفي هذا.

(( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ))

[ النسائي و أحمد عن عبد الله بن عمر]
كافئ المعروف بمعروف، الهدية بهدية.

(( تهادوا تحابوا ))

[ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ]
صيغة مشاركة، أي قدم لك هدية قدم له هدية، هذا العمل الشكر الثالث أن تكافئ كل شيء طيب بعمل.


من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى والرشاد:



عندنا تعريفات أخرى، هناك نعمة الإيجاد:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

( سورة الإنسان )
أنا أحياناً إذا تصفحت كتاباً، وقرأت تاريخ تنضيده، طبع، وكان قبل سنة ولادتي أقول سبحان الله ! أثناء تنضيد هذا الكتاب أنا لم أكن شيئاً مذكوراً، ما له وجود الإنسان
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
مَنْ فلان قبل مئة عام ؟ ما في فلان، فالله عز وجل تفضل علينا بنعمة الإيجاد.
لكن في عندك جهاز تنفس يحتاج إلى هواء والهواء موجود، تحتاج إلى ماء والماء موجود، تحتاج إلى طعام والطعام موجود، تحتاج إلى إنسانة ترعى شؤونك، والإنسانة موجودة، تحتاج إلى أولاد يملؤون البيت فرحة، والأولاد موجودون، تحتاج إلى مأوى والمأوى موجود، تحتاج إلى عمل ترتزق منه والعمل موجود، هذه نعمة الإمداد، منّ الله عليك بعمة الإيجاد، ومنّ الله عليك بنعمة الإمداد.
ثم منّ الله علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، أرسل أنبياءه، أرسل كتباً، أرسل رسلاً، نصب لك الآيات الدالة على عظمته، يعني هداك بأساليب لا تعد ولا تحصى، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.


معرفة الله عز وجل أكبر نعمة منّ الله بها على الإنسان:


لكن أكبر نعمة على الإطلاق نعمة:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )
لو قال لك طفل معي مبلغ عظيم، كم تقدره ؟ بمئتي ليرة، أبوه مدرس، وجاء العيد، تلقى هبات من أقربائه جمعهم بمئتي ليرة، مبلغ كبير، قال لك معي مبلغ عظيم، لأنه طفل كلمة عظيم من طفل تقدر بمئتي ليرة، وإذا قال لك مسؤول كبير بالبنتاغون أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدره بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة قوية قدرتها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
يعني أكبر نعمة أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[من مختصر تفسير ابن كثير]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-16-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(62)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الحليم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحليم".



ورود اسم الحليم في القرآن الكريم مقترناً بأسماء أخرى و وروده في السنة الشريفة:


هذا الاسم ورد في آيات كثيرة مقترناً باسم الغفور كما في قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

( سورة المائدة )
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الغني، في قوله تعالى:
﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )
واقترن أيضاً باسم الشكور في قوله تعالى:
﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾

( سورة التغابن )
واقترن أيضاً باسم العليم، كما في قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾

( سورة الأحزاب )
هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة الصحيحة ؟ ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال، كان يدعو عند الكرب، وما أكثر الأحوال التي يعاني منها المسلمون من الكرب قال:

(( كان يقولُ عند الكربِ: لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله رَبُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رَبُّ السماوات وربُّ الأرضِ، لا إله إلا الله رَبُّ الْعَرشِ الكريم ))

[ البخاري عن ابن عباس]
هذا ما ورد في الكتاب والسنة.


المعنى اللغوي لكلمة الحليم:

أما المعنى اللغوي لكلمة "الحليم"، "الحليم" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالحلم، الذي يتصف بالحلم يسمى حليماً، والفعل حلم، يحلم، حلماً، يحلمُ معنى آخر، حُلماً معنى آخر، حلم، يحلم، حلماً.
صفة الحلم تعني الأناة، فيك يا فلان خصلتان يحبهما الله ورسوله، الأناةُ الهدوء، وحسن الخلق، الحلم يعني الأناة، ومعالجة الأمور بصبر، وعلم، وحكمة، أن تعالج مشكلة بصبر، بهدوء، بعلم، بحكمة فأنت حليم.
ويقابل الحلم العجلة المفسدة لأمور الدين والدنيا، ولا يفوتني أن أقول لكم إن معالجة المسلمين في هذا العصر لبعض المشكلات التي تحيط بهم تعالج معالجة متعجلة، هذه المعالجة المتعجلة تسبب لنا متاعب لا تنتهي، الطرف الآخر أعداؤنا يفكرون بعقولهم ويخططون بهدوء، ونحن نثور، ونضطرب، وفي النهاية لا نحقق شيئاً، بل يزداد ما بيننا وبين الطرف الآخر من اتساع ومن تباعد، فالعجلة مفسدة في أمور الدين والدنيا.



الحليم هو الذي يرغب بالعفو ولا يسارع بالعقوبة:

"الحليم" هو الذي يرغب بالعفو، ولا يسارع بالعقوبة، قال تعالى في وصف سيدنا إبراهيم:
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

( سورة التوبة )
أثنى الله عليه، يدخل في معنى الحلم بلوغ الصبي الحُلم، أي يبلغ الصبي مبلغ الرجال، الحكماء، العقلاء، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ﴾

( سورة النور الآية: 59 )
صار عاقلاً، راشداً، أما قوله تعالى:
﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾

( سورة الصافات )
أي لديه أناة، وبصيرة، وحكمة من صغره، هذا ما في اللغة من معانٍ دقيقة حول كلمة "الحليم".


الله عز وجل حليم يمهل عباده ليزدادوا في الطاعة والثواب:

أما الله جل جلاله إذا وصف بالحلم فهو حليم، يعني الصبور على عباده المتصف بالحلم، يتمهل، ولا يتعجل، وهو العاطي لا يسأل، وهو "الحليم" لا يعجل، بل يتجاوز عن الزلات، ويعفو عن السيئات، فهو سبحانه وتعالى يمهل عباده الطائعين ليزدادوا في الطاعة والثواب، ويمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب، ولو أنه عجّل لعباده الجزاء ما نجا من العقاب أحد، ولكن الله جلّ جلاله هو "الحليم" ذو الصفح والأناة، استخلف الإنسان في أرضه، واسترعاه في ملكه، واستبقاه إلى يوم الموعود وأجل محدود، فأجّل بحلمه عقاب الكافرين، وعجّل بفضله ثواب المؤمنين.
الخلاصة: أن "الحليم" الذي لا يعجل بالعقوبة، والانتقام، ولا يحبس عن عباده بذنوبهم الفضل والإنعام، بل يرزق العاصي كما يرزق المطيع، وإن كان بينهما تفاضل على مقتضى الحكمة.
يعني ورد في بعض الآثار القدسية:
(( أن يا عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))
الكفار يأكلون أطيب الطعام، ويشربون، ويتمتعون، ويسكنون البيوت الفخمة يركبون المركبات الفارهة، يتزوجون أجمل النساء، ويتبجحون، ويتطاولون، ويتكبرون ، والله يرزقهم.


الخاسر من أتته الدنيا من أوسع أبوابها و غفل عنها و عن الآخرة:


أيها الأخوة:

(( عبدي لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]
أيها الأخوة، هذا الأثر القدسي يبين أن الله سبحانه وتعالى قد يعاقب إنساناً بأن تأتيه الدنيا من أوسع أبوابها، وهو غافل عنه، ويأتي الموت فجأة كصاعقة ينهد لها.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

( سورة الفجر )

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورة الكهف )



من غضب غابت عنه الحقائق وارتكب الحماقات:

أيها الأخوة، كلكم يعلم أن من أسماء الله الحسنى ما لا يجوز أن يسمى الإنسان بهذا الاسم، كاسم الخالق، هل من خالق غير الله ؟ لكن اسم العليم، اسم الحكيم اسم "الحليم" يجوز أن يوصف إنسان بأنه حليم.
بالمناسبة: الحلم سيد الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبياً، ولأن "الحليم" حليم قراره صحيح، هادئ، والإنسان حينما يغضب لا يرى الحقائق، يرتكب حماقات لا يرتكبها الصغار، لذلك في بعض الأحاديث الشريفة:
(( لا تَغْضَبْ ))

[ أخرجه البخاري والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
الإنسان إذا غضب غابت عنه الحقائق، وارتكب حماقات يندم عليها أشد الندم فكاد "الحليم" أن يكون نبياً.
يروي التاريخ أن سيدنا معاوية جاءته رسالة من إنسان، أما الرسالة قاسية جداً فيها تجهم، أما بعد: فيا معاوية، باسمه، من دون لقب الخلافة، أما بعد: فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي و لك شأن، والسلام.
هذه الرسالة تُخرج الإنسان من جلده، إلى جانبه ابنه يزيد، أطلعه عليها، قال له: ماذا نفعل ؟ فقال له يزيد: أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده، وآخره عندك يأتوك برأسه، فغلى، فقال له والده: لا يا بني غير هذا أفضل، جاء بالكاتب، قال له: اكتب، أما بعد: فقد وقفت على كتاب ولدي حواري رسول الله، سيدنا ابن الزبير، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، بعد حين جاء الجواب أما بعد: فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاؤك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، استدعى ابنه يزيد، قال له: اقرأ، يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.


الحلم سيد الأخلاق:

كاد "الحليم" أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، الأب يحتاج إلى أن يكون حليماً هدئ نفسك، الأمر عالجه بأناة، وصبر، وعلم، وحكمة، لا تتعجل، لا تأخذ الأمر بعصبية كبيرة، خذه بحلم وهدوء، ويحتاج الإنسان إلى هذه الصفة، ولاسيما في الأيام العصيبة، في أيام الكوارث، في أيام القهر، في أيام الظلم، في أيام الفقر أحياناً.

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾

( سورة فاطر )
يعني الله عز وجل يرزق عباده، ويكفرون، ويتطاولون، ويتبجحون ، ويستكبرون، ويظلمون وهو حليم عليهم.


الله سبحانه و تعالى حليم يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره:

الآن من المعاني التفصيلية من اسم "الحليم" أن الله سبحانه وتعالى يؤخر العقوبة ، السؤال: لماذا يؤخرها ؟ لو أنه ألغى العقوبة هذا ما يعنيه اسم العفو، والغفور، إلغاء العقوبة عفو غفور، أما تأخير العقوبة حليم، هناك فرق، التأخير حلم، إلغاء العقوبة مغفرة وعفو.
أيها الأخوة، لو أن الله سبحانه وتعالى عجل العقاب لكل مذنب هذا ليس حلماً عندئذٍ لا يكون حليماً، لأنه حليم يؤخر، ولو أن الله أجّل العقاب، ويريد بهذا التأجيل أن يوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، هذا ليس حلماً، هذا حقد، الحاقد يضبط أعصابه، ويخطط لإنزال أشد العقاب بهذا الإنسان، نقول هذا إنسان حاقد، أما الله عز وجل يؤخر العقاب لا ليوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، ولكن ليعطي هذا الإنسان فرصة لعله يرجع، لعله يتوب، لعله يستغفر، لعله يندم، التأخير لا يعد حقداً، يعد إمهالاً، إعطاء فرصة لهذا الإنسان لعله يرجع إلى الله.
أحياناً الإنسان يحقد لأنه ضعيف، يكتم الألم، وأحياناً يحقد لأنه قوي، الضعيف يحقد، والقوي يحقد، ولكن الحقد شيء، والحلم شيء آخر، يعني يؤخر العقاب لعله يرجع، لعله يندم، لعله يستغفر، لعله، لعله
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
أيها الأخوة، يتوضح الأمر من خلال هذا المثل:
أسسنا مدرسة نموذجية فيها أقوى المدرسين، فيها أفضل المناهج، أحسن الكتب، فيها مرافق راقية جداً، مكتبات، قاعات تدريس، مخابر، فيها كل شيء، لو أن المدير هدفه تنفيذ القانون بشكل حرفي كل طالب غاب أسبوعين يفصل نهائياً، المدير الحكيم ، الرحيم، الحليم أحياناً يتغافل عن غياب طالب، أحياناً يؤخر العقاب، أحياناً يستدعي والده ائتِ بتقرير طبي لئلا يفصل ابنك من المدرسة، أحياناً لا يطلب الدوام، هذه كلها محاولات لإعطاء الطلاب المتغيبين فرصة أن يعودوا عن تقصيرهم، ليس الهدف إيقاع العقاب بالطلاب، الهدف نشر الخير، والعلم، والمبادئ، والقيم، وتخريج قادة لهذه الأمة، فالمدير الحكيم الحليم لا يتخذ الأخطاء التي يرتكبها الطلاب مبرراً لفصلهم، وإنهائهم.
هذا معنى "الحليم" يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره.


الله عز وجل خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض:

الآن أيها الأخوة، هناك آية دقيقة جداً:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

( سورة طه )
يعني ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، الآية دقيقة جداً يعني لولا أن الله خلق عباده ليرحمهم، لولا أن الله خلق عباده ليسعدهم، لولا أن الله خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض، لولا أن الله خلق عباده ليتوبوا إليه، فيقبل توبتهم لولا أن الله خلق عباده ليستغفروه فيغفر لهم، لولا أن الله خلق عباده ليسألوه فيعطيهم، لولا أن الله خلق عباده ليرجعوا عن ذنوبهم فيقبلهم، لعجل عليهم العقاب
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾
يعني:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض ، خلقهم ليوفقهم، الإنسان الجاهل، يقول لك: سبحان الله ! الله خلقنا للعذاب، أيضاً يسبح الله هذا كلام غير صحيح، خلقنا للنعيم، خلقنا للسعادة، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض.
كطالب أحمق ضربه الأستاذ مرة فقال: إنما أُنشئت هذه المدرسة كي نضرب لا، أُنشئت كي تكون عالماً، كي تكون مربى، مهذباً، لكن في أحوال قاهرة.
أوضح مثل: المركبة، السيارة، ما علة صنعها ؟ علة صنعها أن تمشي، أن تسير، اسمها سيارة، ولماذا وضع فيها المكبح ؟ المكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت كي تسير، وفيها مكبح، كما أن علة صنع السيارة تسير، والمكبح يتناقض مع علة صنعها.


السعادة و الرحمة علة خلق الإنسان:

كذلك علة خلق الإنسان أن يسعده، وأن يرحمه، وأن يهبه جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن تقتضي الحكمة أحياناً أن يوقفه عند حدّه، أن يعاقبه، أن يردعه ، أن يربيه، فالذي يقول: خلقنا للعذاب إنسان جاهل.
أوضح مثل: لما الطفل يجلس على كرسي طبيب الأسنان، لا يحتمل، يبكي ، يصرخ، يمسك يد الطبيب، يتحرك حركة غير صحيحة، أما الكبير يتألم أشد الألم، لكن ساكت لأنه يعلم أن هذا الألم لصالحه.
لذلك
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾
عقابهم
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾
إنزال العقاب بهم، لكن هذه الكلمة هي الرحمة، هي الإحسان، هذه الكلمة اقتضت أن يؤخر الله عقابهم لعلهم يرجعون، لعلهم يندمون، لعلهم يراجعون أنفسهم.


الله سبحانه و تعالى حليم لا يوقع العقاب بالعاصي فوراً بل يؤخره لحكمة منه:

أيها الأخوة، اسم "الحليم" إذاً أن الله سبحانه وتعالى لا يوقع العقاب فوراً، بل ما من مسلم إلا وهو يعلم لماذا كان صلح الحديبية، هذا كان بحسب الظاهر صلح مهين للصحابة، والصحابة الكرام تألموا أشد الألم، بل قال أحدهم وهو عمر: يا رسول الله، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ ألسنا أقوياء ؟ ألسنا على حق ؟ جاء الرد الإلهي:

﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

( سورة الفتح )

﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾
في قريش أخفوا إيمانهم وهم معكم في قلوبهم لن يستطيعوا إعلان إسلامهم
﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
ألزم نبيه بقبول شروط مهينة، والنبي علم حكمة الله عز وجل، فنفذ أمره، لكن الصحابة، أو بعض الصحابة غابت عنهم هذه الحكمة فضجروا، وتألموا أشد الألم، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ صلح الحديبية أكبر مثل من حلم الله عز وجل، هؤلاء الذين آمنوا في قريش، وهم في قلوبهم مع المؤمنين، ولم يستطيعوا إعلان إسلامهم، أخر عمرة النبي مع أصحابه من أجل سلامة هؤلاء الذين آمنوا، وأخفوا إيمانهم عن قريش.
أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي:

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري ـ حليم الله عز وجل ـ وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي ، أهل شكري، أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا ـ الله حليم ـ فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-17-2018, 08:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(63)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(التواب):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "التواب".



ورود اسم التواب في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ستة مواضع معرفاً بأل، كما في قوله تعالى:

﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة البقرة )
وقد ورد أيضاً في ستة مواضع، منوناً، كما في قوله تعالى:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة النور )
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )
وقد قال العلماء: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا.
أما في السنة النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:

(( رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم ))

[ الترمذي و ابن ماجه عن عبد الله بن عمر]



التواب في اللغة:

أيها الأخوة، "التواب" في اللغة من صيغ المبالغة، وصيغ المبالغة إذا اتصلت بأسماء الله الحسنى، فتعني الكم والنوع، يعني يغفر جميع الذنوب كماً، ويغفر أكبر الذنوب نوعاً، تواب، تائب، وتواب، صيغة مبالغة، على وزن فعال، يغفر كل الذنوب مهما كثرت، ويغفر كل الذنوب مهما عظمت، الفعل تاب، يتوب، توباً، وتوبةً، تاب فعل ماض، يتوب فعل مضارع، توباً مصدر، وتوبة.



التعريف اللغوي للتوبة:

1 ـ الرجوع عن الشيء إلى غيره:


أما تعريف التوبة اللغوي فهو: الرجوع عن الشيء إلى غيره، رجع عن هذا العمل إلى عمل آخر، هذا معنى التوبة اللغوي، بل هو ترك الذنب على أجمل وجه، وهو أبلغ وجه من وجوه الاعتذار، أعلى مستوى من الاعتذار أن تتوب، الاعتذار على أوجه ثلاثة، لا رابعة لها، عملت عملاً، إما أن تقول لم أفعل هذا، هذا اعتذار، الرواية التي بلغتك ليست صحيحة، لم أفعل هذا، من هنا قال الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات )
تحقق، الله عز وجل يصف لنا التحقيق، قال سيدنا سليمان:
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

( سورة النمل )
تحقق، فأول وجه من وجوه الاعتذار أن تقول: لم أفعل هذا، أو أن تقول: فعلته، ولكن كان قصدي شريفاً، لم أقصد المعنى الذي توهمته، هذا وجه آخر والوجه الثالث تقول فعلت، وأسأت، وقد أقلعت عن هذا الذنب، هذا هو الاعتذار الأسلم ، هذه هي التوبة، أن تقول: فعلت، وأسأت، ولن أعود إلى هذا العمل.


2 ـ المذنب الذي يسأل ربه التوبة:


أيها الأخوة، في اللغة: التائب هو المذنب الذي يسأل ربه التوبة، والتائب هو الله الذي يقبل التوبة، نقول هذا الإنسان المذنب تائب، وهذا الإله العظيم تائب، قَبِل التوبة.



3 ـ مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته:


والتوبة أيها الأخوة، مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته.

﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 81 )
مخرج النجاة الوحيد هو التوبة، والتوبة هي صمام الأمان، حينما تضغط عليه سيئاته.
بعض الأوعية البخارية لها صمام أمان، فإذا ارتفع الضغط كثيراً بدل أن تنفجر هذا الصمام يسيح، والبخار يخرج.


4 ـ صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته:


فالتوبة: هي صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته.



5 ـ تصحيح المسار:


والتوبة: هي تصحيح المسار، حينما تضله أهواؤه.



6 ـ حبل الله المتين:


والتوبة: هي حبل الله المتين، حينما تغرقه زلاته، مخرج النجاة للإنسان، حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وحبل الله المتين حينما تغرقه زلاته.



7 ـ الصراط المستقيم حينما تنحرف بالإنسان شهواته:


والتوبة: هي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.
أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي:
(( وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً، تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني، أي طلب إقالتي، أقلته، وإن تاب إليّ قبلته، وإن أقبل عليّ تلقيته من بعيد، وإن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن استعان بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردته ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أقنطهم ومن رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾



الله عز وجل يقبل التوبة عن عباده ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها:




أيها الأخوة، الله عز وجل هو "التواب" يقبل التوبة عن عباده، حالاً بعد حال ، يوماً بعد يوم، وحيناً بعد حين، فما من عبد عصاه، وبلغ عصيانه مداه، ثم رغب في التوبة إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته، ما لم تغرغر النفس، أو تطلع الشمس من مغربها ، باب التوبة يغلق والإنسان على فراش الموت، تغرغر روحه، أو تطلع الشمس من مغربها.

(( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))

[ مسلم عن أبي موسى]
و:

(( إنَّ اللّهَ يقبلُ توبة العبدِ ما لم يُغَرغِرْ ))

[ الترمذي عن ابن عمر]



باب التوبة مفتوح على مصراعيه قبل أن يموت الإنسان إلا في إحدى حالتين:

1 ـ عند الموت:


أيها الأخوة، لابدّ من شرح، باب التوبة مفتوح على مصراعيه، إلا في إحدى حالتين، إذا حضر أحدكم الموت، عندما يحضر الموت تلغى التوبة، الآية واضحة:
﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾

( سورة النساء الآية: 18 )
في هذه الحالة يغلق باب التوبة.


2 ـ إذا طلعت الشمس من مغربها:


أما يغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة.



أخطر ما يصيب المسلمين عدم فهم دينهم و عدم الاهتمام بقيمهم وإسلامهم:

لكن هذا المعنى قد يفهم بشكل موسع وقد يفهم بشكل ضيق، يعني الله أعلم كيف تطلع الشمس من مغربها، لكن بالمعنى الموسع حينما نرى أن العلم كله في الغرب، وأن الحضارة كلها في الغرب، وأن الأخلاق كلها في الغرب، وكل شيء يفعله الغرب هو الكمال، ولو تفلتوا من منهج الله، ولو فعلوا الأفاعيل، ولو تحللوا من كل قيد أخلاقي، ما دام هذا العمل جاءنا من الغرب.
(( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ))

[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
حينما لا نأبه لديننا، ولا نهتم بقيمنا، ولا نُعظم إسلامنا، ولا نقدس وحي ربنا، وحينما نزدري أنفسنا، ونرى الغرب القوي، الغني، الذكي، هو الحضارة، هو التقدم، هو الأخلاق، هو القيم، هذا مما يفهم من طلوع الشمس من مغربها، لماذا يتوب ؟ دينه كله ليس قانعاً به، أمته كلها ليس قانعاً بها، حضارته كلها ليس مؤمناً بها، انسلخ من انتمائه، انسلخ من إسلامه، انسلخ من أمته، انسلخ من حضارته، فهذا الإنسان لا يتوب لأنه تبدلت مبادئه وقيمه، وهذا من أخطر ما يصيب المسلمين، الاستغراب، الاستغراب أن تكون غربياً شكلاً، وقالباً، ومضموناً، ومحتوىً، أن تفكر بطريقة الغربيين، أن تُقيّم العمل بطريقة الغربيين.

(( من هوي الكفرة حُشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً ))



التشبه بالغرب يسلخ المسلم من قيمه و من تاريخه العظيم:

لا يقبل للمرأة إلا أن تكون متفلتة، أن تبرز كل مفاتنها، تعرية المرأة حضارة، تناول الخمور تقدم ورقي، حينما نكون بهذه الحال يغلق باب التوبة، حينما لا نرى أمتنا العظيمة التي فتحت أطراف الدنيا، التي نشرت العدل، الرحمة، حينما لا نأبه لقرآننا، وحي السماء، حينما لا نعتد بسنة نبينا سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الوضع الاستغرابي هو مما يبدد المسلمين، أن ينسلخ المسلم من أمته، من مبادئه، من قيمه، من تاريخه العظيم، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب المسلمين الذين امتلأ قلبهم رحمة.
على كلٍ هذا اجتهاد شخصي، فإن أصاب المجتهد له أجران، وإن أخطأ له أجر، طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة، والله أعلم كيف ؟ ومتى ؟ ولكن يمكن أن نفهم هذا النص فهماً موسعاً، حينما نزدري أمتنا، ومبادئنا، وقيمنا، لماذا نتوب ؟ حينما نقلد الغرب بكل شيء، حتى لو تعروا، حتى لو أكلوا الحرام، حتى لو شربوا الخمور، حتى لو فعلوا المبيقات، هذا شيء من الغرب، شيء عظيم، هذه الحالة تقتضي كما ورد في الحديث الصحيح تغلق باب التوبة.



من تاب توبة نصوحة بدل الله سيئاته حسنات:


أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 70 )
كيف ؟ أيضاً هذا فهم لهذه الآية اجتهادي، كان بخيلاً، بعد أن تاب إلى الله أصبح كريماً، كان غضوباً أصبح حليماً، كان شهوانياً أصبح رحمانياً، كان جاحداً، صار منصفاً،
﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾
يعني ما لم تتبدل قيم الإنسان 180 درجة فتوبته ليست صحيحة، أي إنسان أخذ اتجاهاً آخر، ما لم تقل زوجة التائب تغير لم يكن هكذا، كان غضوباً أصبح حليماً، كان بخيلاً أصبح كريماً،
﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾



صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده:

قال الله تعالى في حديث قدسي:
(( إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني: غفرتُ لك على ما كانَ مِنكَ، ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَني: غَفَرْتُ لك، ولا أُبالي، يا ابنَ آدم إِنَّكَ لو أتيتني بِقُرابِ الأرض خَطَايا، ثم لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئاً: لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَة ))

[ الترمذي عن أنس]
بل إن في بعض الأحاديث:

(( لَلّهُ أشَدُّ فْرَحا بِتَوْبَةِ أحَدِكم مِنْ أحَدِكم بِضَالَّتِهِ إذا وجَدَها ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
وفي رواية ثانية:

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ـ ضيع شيئاً ثمينا جداً ـ والعقيم الوالد ـ بعد عشر سنوات جاءه مولوه ـ ومن الظمآن الوارد ـ كاد يموت عطشاً في الصحراء ثم رأى الماء ـ ))

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حدثنا عن قصة عبّر بها عن فرح الله بتوبة عبده، فذكر أن أعرابياً ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه ليقطع بها الصحراء، أدركه التعب، فجلس ليستريح، فلما أفاق من استراحته لم يجد الناقة، فأيقن بالهلاك، بكى بكاءً مراً من شدة البكاء أخذته سنة ثانية من النوم، فلما استيقظ رأى الناقة أمامه، من شدة الفرح اختل توازنه، وقال كلمة الكفر، قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))
صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده.


بطولة الإنسان أن يرجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي:

الآن المعنى الدقيق في قوله تعالى:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾

( سورة التوبة الآية: 118 )
يعني تاب الله على نبيه:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة التوبة )
هناك توبة تسبق توبة العبد، هناك توبة تلحق توبة العبد، بل إن توبة العبد بين توبتين
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾
يفهم من هذا الآية أن الله ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة.
إنسان متلبس بمعصية، يسوق الله عز وجل له شدة، تلوح له مصيبة، يهدده إنسان، يشعر بآلام معينة في جسمه، هذا من توبة الله عليه، يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، والمقلقات التي تدفع الإنسان إلى باب الله، تدفعه إلى التوبة، تدفعه إلى الصلح مع الله، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد أي قبل التوبة، فالله يدفعك إلى التوبة فتتوب وبعدها يقبل توبتك، فتوبتك ينبغي أن تكون بين توبتين، لكن أحياناً الله عز وجل يسوق لك إنساناً يبلغك الحقيقة، من دون مصيبة، هنا البطولة أن ترجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي، أما حينما تأتي الشدة ونتوب أيضاً وضع جيد، أما الأجود أن تتوب بالملاحظة، أن تتوب بالبيان، أن تتوب بالهدى البياني.


كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ:

على كلٍ يجب أن تكون توبتك بين توبتين، بين توبة الله التي قبلها وهي البيان أو الشدة، أو أسلوب معين يحملك الله على التوبة، ثم أن تأتي توبتك صادقة، ويأتي بعدها توبة الله عليك بمعنى أنه قَبِل توبتك، فتوبة قبلها، وتوبة بعدها.
أيها الأخوة الكرام، الموضوع دقيق جداً، الموضوع من أقرب الموضوعات إلى المؤمن "التواب" لأن المؤمن مذنب تواب.
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
والتوبة كما قلت: مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وهي حبل الله المتين حينما تخرقه زلاته، وهي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-17-2018, 08:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




(64)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الصمد):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الصمد".



ورود اسم الصمد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص فقط و وروده في السنة الشريفة:


اسم الله "الصمد" ورد مع اسمه الأحد في سورة الإخلاص فقط، قال تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾

( سورة الإخلاص )
وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة النبوية الصحيحة في عدة مواضع، منها:

(( أنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
و:

(( قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال: الله أحد، الله الصمد ثلثُ القرآن ))

[ البخاري عن أبي سعيد الخدري]
و:

(( خرج إِلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقرأُ عليكم ثلث القرآن ؟ فقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَد، الله الصمَدُ... حتى ختمها ))

[مسلم عن أبي هريرة]
و:

(( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوتر ـ يعني يقرأ في صلاة الوتر ـ بـ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، و: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))

[أبو داود عن أُبيّ بن كعب]
فهذه الأحاديث الصحيحة، وفي تلك السورة الوحيدة ورد اسم "الصمد".


الصمد في اللغة:

أيها الأخوة، "الصمد" في اللغة صفة مشبهة لمن اتصف بالصمدية، الفعل صمد يصمد، صمداً، هذا الفعل يأتي على عدة معانٍ، منها السيد المطاع، "الصمد" السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر، بالتعبير المعاصر: بكل تجمع يوجد رجل قوي لا يقضى دونه أمر ، هذا هو "الصمد" بالمعنى اللغوي.
ومنها "الصمد" الذي يُطعِم، ولا يُطعَم.
ومنها "الصمد" هو السيد الذي ينتهي إليه السؤدد في كل شيء، كل أنواع العظمة تنتهي إليه، فله الصمدية المطلقة.
وقيل "الصمد" هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه.
وقيل "الصمد" هو الذي يصمد إليه الأمر، يعني يرجع إليه الأمر، فلا يقضى دونه، وليس فوقه أحد.
وقيل "الصمد" الذي صمد إليه كل شيء، أي الذي خلق الأشياء كلها، ولا يستغني عنه شيء، كل هذه المعاني لكلمة "الصمد" تتمحور حول وحدانية الله جلّ جلاله.



الأقوال المتعددة في الصمد:

الإمام البخاري في باب قول تعالى
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾
يقول: العرب تسمي أشرافها "الصمد" هو السيد الذي انتهى إليه المجد.
وقال أحد العلماء: الاسم "الصمد" فيه أقوال متعددة، قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، أما المشهور من هذه الأقوال المتعددة قولان، أحدهما أن "الصمد" هو الذي لا جوف له، يعني أصم.
أحياناً تنقر على طبل، يصدر صوتاً، أما لو نقرت على صخر لا يوجد صوت أبداً، لأن الصخر لا جوف له، لا يوجد فراغ بالداخل، أصم، ممتلئ.
"الصمد" هو الذي لا جوف له، والثاني "الصمد" هو الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد إليه في تلبية الحوائج.
وابن الجوزي يقول: "الصمد" أربعة أقوال، أحدها أنه ؛ السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والثاني ؛ أنه لا جوف له، والثالث ؛ أنه الدائم، والرابع ؛ الباقي بعد فناء خلقه وأصح الوجوه الأول، لأن الاشتقاق يشهد له بذلك.
أيها الأخوة، أصل "الصمد" القصد، أنت من تقصد عندما تكون في ضائقة ؟ القوي، تقصد من ؟ الغني، تقصد من ؟ من بيده كل شيء، تقصد من ؟ القادر، معنى القوي، معنى الغني، معنى القادر، معنى الواحد لا ند له، لا شريك له، هذه المعاني كلها يمكن أن تعبر عن معنى "الصمد"، يعني المؤمن مع الواحد، الأحد، الفرد "الصمد"، المؤمن مع القوي، المؤمن مع الغني، المؤمن مع القدير، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟.


سرّ عظمة المؤمن الإقبال على الله عز وجل:


أخوانا الكرام، الفقهاء لهم عبارة نحتاجها الآن، لا تجوز الزكاة لطفل، أو لابن الغني، طفل صغير، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكن لأنه ابن غني، لا تجوز الزكاة عليه، لماذا ؟ قال: لأن الطفل طفل الغني غني بغنى أبيه، يعد غنياً لأن أباه غنياً.
طبق هذا المثل على المؤمن، المؤمن قوي بقوة الله، المؤمن غني بغنى الله، المؤمن قادر بقدرة الله، أنت حينما تلتجئ إلى الله، وتتجه نحوه، وتتوكل عليه، وتقبل عليه، تكون قوياً، وغنياً، وعالماً، وحكيماً، هذا سرّ عظمة المؤمن.
أيها الأخوة، كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً، أي بمصطلحات البشر أنت حينما تقول: دكتور يعني يقرأ ويكتب، يحمل شهادة ثانوية، يحمل لسانس، يحمل دبلوم، يحمل ماجستير، يحمل دكتوراه، له مؤلفات، ترك آثاراً علمية، التحق بالجامعات، له أساتذة ، لمجرد أن تقول كلمة دكتور، كل هذه المعاني يمكن أن تنسحب عليه.
الآن لو قلت: كلمة مؤمن، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن مرتبة علمية ، المؤمن مرتبة جمالية، يتميز المؤمن أنه عرف الحقيقة العظمى، عرف الله، يتميز المؤمن أنه أخلاقي، يتميز المؤمن بأن له أذواقاً جمالية رائعة جداً فكلمة مؤمن مرتبة كبيرة جداً.



خلاصة المعاني في الصمدية:


أيها الأخوة، لازلنا في اسم "الصمد" خلاصة المعاني في الصمدية أن "الصمد" هو السيد الذي له الكمال المطلق.
مرة ثانية أبين لكم: الإنسان كماله نسبي، قاضٍ من بني البشر نَصِفه بأنه عادل، إذاً معظم أحكامه صحيحة، فهذا الحكم نسبي، أصدر ألف حكم أربعة أحكام ليست صحيحة، لا لسوء ظن منه، ولا لسوء تصرف، لكن هناك معلومات لم يصل إليها، فلم يأتِ حكمه صحيحاً، نقول: هو قاضٍ عادل، أما إذا قلنا: الله عدل نصف الله بالعدل، والعدل إذا نسب إلى الله فهو صفة مطلقة، يعني مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الكون من آدم إلى يوم القيامة من يُظلم.

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

( سورة غافر الآية: 17 )

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 40 )

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
إذاً "الصمد" من له الكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، وكل من سواه مفتقر إليه، في كل شيء، ويصمد إليه ؛ يلجأ إليه، ويعتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، لا نقص فيه لوجه من الوجوه، وليس فوقه أحد في كماله ، وهو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم، وسائر أمورهم، فالأمور أُصمدت إليه، وقيامها وبقاؤها عليه، لا يقضي فيها غيره، وهو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو الذي يُطعِم، ولا يُطعَم، ولم يلد، ولم يولد.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ هذا الإله العظيم يعصى ؟! لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.
أيها الأخوة، هذه المعاني التي يمكن أن نستنبطها من اسم "الصمد" .


علامة محبة الله عز وجل للعبد جعل حوائج الناس إليه:

الآن حقيقة دقيقة جداً تتعلق بنا نحن المؤمنين، الحقيقة أن الله عز وجل إذا أحبّ عبداً جعل حوائج الناس إليه، لا تضجر إذا أقبل الناس عليك، لا تضجر إذا طُرق بابك كثيراً، لا تضجر إذا تحلق الناس حولك، إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، علامة محبة من الله.
(( عبدي أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، ما دورك في الحياة ؟ ما وظيفتك ؟ هل تلقي الحقائق على الناس أم تلقي عليهم الضلالات ؟ هل تلقي في قلوبهم الأمن أم تلقي في قلوبهم الخوف ؟ هل تأخذ منهم ما لك عندهم، أم تأخذ منهم ما ليس لك عندهم ؟.
أيها الأخوة، ينبغي لكل واحد أن يحاسب نفسه حساباً في الدنيا، حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن كان يحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )



الإنسان الأحمق من توهم أنه لا يوجد حساب و عذاب بعد الموت:

هناك سؤال:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

( سورة القيامة )
يعني أن يتوهم الإنسان أن لا حساب، ولا عذاب، هذا غباء ما بعده غباء ، وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة،
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )



أنواع الإيمان:

1 ـ الإيمان الحسي:


أيها الأخوة، أجمع العلماء على أن الإيمان أنواع منوعة، هناك إيمان حسي أنا أرى أن الضوء متألق، هذا إيماني حسي، أرى تألق الضوء بعيني، أنا أستمع إلى الصوت بأذني، أنا ألمس هذه الطاولة بيدي، هذا إيمان حسي، هذه دائرة.



2 ـ الإيمان العقلي:


لكن هناك إيمان عقلي، أنا أوقن أن في هذا المسجد كهرباء، مع أني لا أراها لكن أرى آثارها، أرى آثارها كتكبير الصوت، أرى آثارها كتألق المصابيح، أرى آثارها كعمل المكيف، هذه آثار الكهرباء، فالإيمان بوجود الكهرباء في المسجد إذاً عقلي، وليس إيماناً حسياً، هناك إيمان حسي أداته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أداته العقل، الإيمان الحسي شيء ظهرت عينه وآثاره، فالإيمان به بالحواس الخمس، أما الإيمان العقلي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، تألق المصباح، وعمل المكيف، وتكبير الصوت.
لكن هذه الخزانة مهما تكن ذكياً، مهما تكن ألمعياً، مهما تكن عبقرياً هل تستطيع أن تخبرني ما بداخل هذه الخزانة ؟ أبداً، إلا أن يأتي إنسان صادق يقول لك: فيها أجهزة الصوت.



3 ـ الإيمان الإخباري:


الإيمان الثالث إيمان إخباري، هناك إيمان حسي أدواته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أدواته العقل، و إيمان إخباري، الإيمان الحسي لشيء ظهرت عينه وآثاره معاً، فالحواس الخمس، أو استطالات الحواس الخمس، كالميكروسكوب، والتليسكوب.
أما الإيمان العقلي لشيء غابت عينه، وبقيت آثاره، الإيمان بالله عز وجل الكون ينطق بوجوده، ووحدانيته، وكماله، كل شيء في الكون آية تدل عليه، فالإيمان بالله إيمان عقلي.
لكن الإيمان بالآخرة، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجن، الملك غابت عينه وآثاره، والجن غابت عينه وآثاره، فالشيء الذي غابت عينه وآثاره هذا عالم الغيب الإيمان به بدليل إخباري، يعني الله عز وجل أخبرنا أنه بعد الموت جنة أو نار، الله عز وجل أخبرنا أن هناك ملائكة يسبحون الله، الله أخبرنا أن هناك جن، مخلوقات، هذا إيمان إخباري.



الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي حسب رأي ابن قيم الجوزية:



إلا أن أحد العلماء الكبار وهو ابن القيم رحمه تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن العقل لا يقبل أن هذا الكون العظيم، هذه القدرة الهائلة، هذه الحكمة الحكيمة، هذا الخلق الرائع، هذا التنوع بالمخلوقات، هذه الدقة في الصنع، يقابلها ظلم، هناك غني و هناك فقير، هناك قوي و هناك ضعيف، هناك صحيح و هناك مريض، هناك وسيم و هناك دميم، ابن القيم رحمه الله تعالى يرى، وينفرد أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي أيضاً، فضلاً عن أن الإيمان باليوم الآخر إيماناً إخباري، هو إيمان عقلي لأن العقل السليم لا يقبل أبداً أن تنتهي الحياة، وهناك مظلوم، وهناك غني، و هناك صحيح، وهناك فقير معدم، وهناك دول طاغية، وهناك دول تعاني ما تعاني من سيطرة هذه الدول لا تفهم الحياة على حقيقتها إلا باليوم الآخر.



العاقل من لا يوازن بين شيئين إلا إذا أضاف مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا:



أنا أنصح الأخوة الكرام: لا توازن بين شيئين، لا توازن بين شخصين، لا توازن بين عملين، لا توازن بين مجموعتين، لا توازن بين نشاطين، إلا إذا أضفت مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا، ثم وازن، لا توازن بين مجتمعين، ولا بين مؤسستين ولا بين تجارتين.
الآن أربح أنواع التجارات تجارة المخدرات، المخدرات من مكان زراعتها، إلى مكان بيعها هناك ألف ضعف، كل التجارات بالأرض التجارات بالمئة عشرة، بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرون، أما المخدرات ألف ضعف أرباحها، بين مكان زراعتها، ومكان استهلاكها في ألف ضعف.
فلذلك الإيمان باليوم الآخر عند ابن القيم إيمان عقلي، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق، ويستحيل أن يدع عباده بلا حساب، ولا محاسبة، ولا مسؤولية، وليؤمن لمجرد أن يعتقد أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، يستقيم على أمر الله، الإيمان من أجل أن تستقيم، الإيمان من أجل أن تأتي الله يوم القيامة طاهراً، نقياً، مستقيماً.



معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية تحدد حركة الإنسان في الحياة:

هناك دروس مصيرية، صدق أيها الأخ الكريم، أن معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية، أي تحدد حركتك في الحياة، إله عظيم يحاسب على كل سلوك، على كل حركة، وعلى كل سكنة.
جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )
قال: كُفيت، المصحف ستمئة صفحة، وهناك ملايين الكتب، وملايين المحاضرات، والمؤتمرات، والندوات، والنشرات، تلا عليه آية واحدة، قال: كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل، أي صار فقيهاً، فَقُه غير فَقِه، فَقِه باللغة يعني عرف الحكم، أما فَقُه أصبح فقيهاً، من آية واحدة.
ونحن أيها الأخوة، حينما نؤمن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن تعصيه.
أنت كإنسان مع وزارة المالية، وأنت مستورد، إذا أغفلت صفة استوردتها، ولم تخبر بها المالية، والمالية عندها وسائل لكل مستورداتك، فإذا فعلت هذا معها أهدرت كل حساباتك، وكلفت ضريبة أضعافاً مضاعفة، لماذا لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها أمام إنسان لكن يملك المعلومات الدقيقة عنك ؟ أنت مع إنسان عادي، يعلم، يطولك علمه ، وتطولك قدرته لا يمكن أن تعصيه، مع إنسان، أي إنسان أقوى منك يطولك علمه، وتطولك قدرته لا تعصيه، فإذا أيقنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب تستقيم على أمره.
لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من أجل أن تستقيم على أمره، ومن أجل أن تأتيه يوم القيامة طاهراً نقياً تستحق الجنة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-17-2018, 01:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(65)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الغني):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغني".



ورود اسم الغني في القرآن الكريم:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾

( سورة محمد الآية: 38 )
شأن الخالق أنه غني عن كل شيء، وشأن المخلوق أنه مفتقر إلى كل شيء ، الرب رب، والعبد عبد، وفي قوله تعالى:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 133 )
أحياناً يكون الإنسان رحيماً لكنه فقير، يتحرق قلبه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً فقير، لكن عظمة الله عز وجل أنه غني، وأنه رحيم، فغناه ورحمته تعطيان الإنسان كل شيء.


اقتران اسم الغني بعدة أسماء منها:


1 ـ الحميد:


وغالباً ما يقترن اسم "الغني" باسم الحميد، كما في قوله تعالى:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

( سورة الحج )
هو غني عن عباده، لكنه يعاملهم معاملة يحمدونه عليها، هناك إنسان قد يكون غنياً، لا يحتاج إلى أحد، تراه فظاً، غليظاً، مستكبراً، مستعلياً، أما خالق السماوات والأرض، الذات الإلهية، الكاملة، غني، ومع أنه غني كامل، ما أروع أن يجتمع الغنى مع الكمال.
الرحمة حسن لكن في الأمراء أحسن، هناك حديث طويل حول هذا الموضوع أحيانا تجتمع صفتان في الإنسان فيكون متألقاً أعلى تألقاً، الله عز وجل "الغني" حميد، مع أنه غني عن عباده، لو أن كل من في الأرض كفروا لا يحتاج إليهم أبداً، ومع ذلك يعاملهم معاملة كاملة يحمدونه عليها.


2 ـ الحليم:


واقترن اسم الله "الغني" باسم الحليم.

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )
غني عن عباده لكنه يمدهم بالطعام والشراب والهواء، ويمدهم بكل ما يحتاجونه إذاً وهم يعصونه، يُعصى ويرحمهم.

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]



3 ـ الكريم:


اقترن اسم الله "الغني" باسم الكريم:

﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾

( سورة النمل )
هناك غني بخيل، العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
وفي الحديث الشريف:

(( اللهم أنت الله، لا إِله إِلا أنت، أنتَ الغنيُّ، ونحن الفقراء، أنْزِلْ علينا الغيث واجعلْ ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إِلى حين ))

[ أبو داود عن عائشة]




غنى الإنسان نسبي لأنه في الوقت نفسه مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى:

أيها الأخوة، الغني في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالغنى فعله غني غنىً، واستغنى واغتنى فهو غني، لكن الحقيقة الدقيقة أن غنى الإنسان نسبي.

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

( سورة الزخرف الآية: 32 )
كيف ؟ يعني إنسان يشعر بألم في صدره يقلق أشد القلق، قد يكون غنياً كبيراً يذهب إلى طبيب القلب، وهو في أعلى درجات التواضع له، يا ترى هل أحتاج إلى عمل جراحي، أم لا أحتاج ؟ هل هذا الألم عابر، أم مستمر ؟ هل هذا الألم يدل على خطر قادم أم أنه ألم عارض ؟ هذا الغني الكبير يقف أمام الطبيب في أعلى درجات الأدب والتواضع والافتقار إلى علم هذا الطبيب، إذاً في هذا الموقف هذا الغني مفتقر إلى هذا الطبيب، هو غني لكنه الآن مفتقر إلى هذا الطبيب.
الاختصاصي في إصلاح المركبات، هو الآن أعلى من هذا، يأتي الآن طبيب، طبيب القلب نفسه، يستمع بسيارته إلى صوت غير طبيعي في المحرك، يقلق أشد القلق، يا ترى هل هذا مؤشر على تبديل المحرك ؟ يأتي إلى من اختص في إصلاح المركبات، هذا الطبيب المتفوق طبيب القلب يقف أمام هذا الإنسان بتواضع بالغ، يا ترى صوت عارض، طارئ، يحتاج إلى إصلاح، يحتاج إلى تبديل محرك، ماذا يحتاج ؟ بالموقف الأول الغني مفتقر للطبيب، الموقف الثاني الطبيب مفتقر لهذا الإنسان الذي يصلح المركبات، وكل إنسان متفوق في شيء إذا هو فيه غني، لكن مفتقر إلى أشياء ، مفتقر إلى مليون شيء.
لذلك هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

( سورة الزخرف )
فأنت في الأعم الأغلب قد تتفوق باختصاص، بحرفة، بخبرة، بمال، بعلم ، بمنصب، وفي الوقت نفسه أنت مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى، أوضح شيء الصحة قد يكون قوياً ويقلق أشد القلق على صحته، قد يكون غنياً ويحتاج إلى خبير لإصلاح هذه الحاجة.


توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/01.jpg
أيها الأخوة، لذلك الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، هذا ممتحن بالغنى، وهذا ممتحن بالفقر، وهذا ممتحن بالوسامة، وهذا ممتحن بالدمامة، وهذا ممتحن بالصحة فكل ما آتاك الله إياه أنت ممتحن فيه، وسوف ينظر الله ماذا تعمل، هل تتخذ الصحة أساساً للمعصية والإثم ؟ أم أن تتخذ الصحة لخدمة الخلق ؟ هل تتخذ وقت الفراغ للانحرافات التي لا ترضي الله ؟ أم تتخذ وقت الفراغ لطلب العلم ؟ أنت ممتحن بوقت الفراغ، ممتحن بالصحة ، ممتحن بالمال، ممتحن بالزوجة، ممتحن بالأولاد، ممتحن في كل ما آتاك الله، وممتحن في كل ما زوي عنك، لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب ))

[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]
إذا امتحنتنا بالغنى، أو بالصحة، أو بالقوة، أو بالوسامة، فاجعل هذه الأشياء في خدمة عبادك يا رب، وإن امتحنتنا بالفقر أحياناً، بالمرض أحياناً، فاجعل الفراغ الناتج عن هذا الامتحان في طاعتك.

((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]



الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح:


أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة: أنك إذا وصفت إنساناً بأنه غني فهذا في الحقيقة ليس بغني، هذا غنى نسبي، لماذا ؟ يعني الإنسان على حجم ماله الكبير، على هيمنته الكبيرة، على مكانته الرفيعة، على سيطرته، على كل ما يملك هذا منوط بقطر شريانه التاجي فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب لا تنتهي، وقد ينجو، وقد لا ينجو، إذاً ليس غنياً ، وهذا الغني، هذا القوي، هذا المتفوق، هذا المتغطرس، كل مكانته، وقوته منوطة بسيولة دمه، فإذا تجمدت قطرة دم في أحد أوعية دماغه في مكان أصيب بالشلل، في مكان فقد الذاكرة، في مكان فقد السمع، في مكان فقد البصر، في مكان فقد الحركة، إذاً ليس غنياً.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/02.jpg
أعرف شخصاً جاء بشهادة عليا، وصل لمنصب ما قبل الوزير، مكانة، وعلم ، وزوجة رائعة، وبيت فخم، ودخل كبير، فقد بصره، زاره أحد أصدقائي، قال له: يا فلان والله أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأتسول، وليس عليّ إلا هذا المعطف، وأن يرد لي بصري.
إذاً ما في غني، "الغني" هو الله.
شيء آخر قاله الإمام علي رضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله.
أما قبل العرض على الله لا يعد الغني غنياً، ولا الفقير فقيراً، وأصحّ ما في هذا اللقاء الطيب أن الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح، والدليل: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى للفتاتين ابنتي سيدنا شعيب، قال:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

( سورة القصص )
فيجب أن تعد نفسك غنياً إذا أكرمك الله بعمل صالح، إذا سخرك لخدمة خلقه، إذا كنت مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر، إذا بثثت في الناس الطمأنينة، والأمن، والسكينة ، إذا أطعمت جائعهم، إذا كسوت عاريهم، إذا عالجت مريضهم، إذا آويت مشردهم، إذا أنصفت مظلومهم، أنت الغني، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح.


القرار البطولي الذي يتخذه الإنسان بالتوبة قد يدفع ثمنه و لكن يرقى به إلى الجنة:

الآن الغنى في ذات الله عز وجل إذا تعلق الغنى بالمشيئة فهو من صفات الأفعال كقوله تعالى:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/03.jpg
هناك ملمح لطيف بالآية دقيق جداً، أوضحه بالمثل التالي:
إنسان يبيع الخمر في مطعم من أعلى مستوى، ثم أراد أن يتوب، فلما تاب انخفض الدخل إلى العشر، هذا الانخفاض له حكمة بالغة جداً، أراد الله جل جلاله أن يجعل لهذا القرار البطولي ثمن يدفعه، بهذا الثمن يرقى يوم القيامة
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ﴾
لكن بعد حين يفتح الله عليه أبواب الرزق. لابدّ من امتحان، إذا إنسان أراد أن يتخذ قراراً بطولياً قد يدفع ثمنه، هذا الثمن الباهظ لقراره هو الذي يرقى به في الجنة، لكنه إلى حين
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

﴿ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة التوبة )
هذه إذاً من صفات الأفعال، لأنه هو أغنى وأقنى.


الغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه:

"الغني" صفة من صفات أفعال الله عز وجل، وإن لم يتعلق الغنى بالمشيئة، فهو صفة من صفات الذات.
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
هذه صفة ذات، وكقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

( سورة فاطر )
لو دخلنا في تفاصيل معنى "الغني"، "الغني" سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته، وبصفاته، وبسلطانه، والخلق جميعاً فقراء إلى إنعامه، وإحسانه، فلا يفتقر إلى أحد في شيء، بل كل مخلوق مفتقر إليه في كل شيء، وهذا هو الغنى المطلق، وهو الغنى الحقيقي ، وغنى الإنسان غنى مجازي، يعني غني بماله، لكن مفتقر إلى الصحة، مفتقر إلى العقل ، مفتقر إلى التوفيق، مفتقر إلى النصر.


الغني هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته:

و "الغني" أيضاً هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته، وأي غني سوى الله فغناه نسبي، مقيد، مجازي، لا غني على الحقيقة إلا الله، أما غنى الحق جلّ جلاله فهو غنىً كامل ومطلق، ومهما بلغ المخلوق في غناه.
كان هناك أحد أكبر أغنياء بريطانيا، دخل إلى غرفة أمواله، فالباب أغلق عليه خطأ، وكان كثير الأسفار، فظنه أهله أنه مسافر، بدأ يصرخ ويصرخ إلى أن أشرف على الموت، فجرح إصبعه، وكتب بدمه على الحائط: أغنى إنسان في بريطانيا يموت جوعاً وجوده ميتاً في غرفة أمواله.



ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة:


الإنسان فقير، فقير إلى شربة ماء، يا أمير المؤمنين ! بكم تشتري هذا الكأس إذا منع عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
أنت وكل ما تملك رهن كأس ماء، مهما بلغ المخلوق في غناه، فهو فقير إلى الله، لأنه المنفرد بالخلق والتقدير، والملك والتدبير، هو المالك لكل شيء، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
قد تملك دولة طائرة، تبيعها إلى دولة أخرى، الآن المالك الحقيقي هو الثاني ، لكن قد تمتلك بيتاً، ملك رقبة، وقد تسكنه، وتملكه ملك منفعة، ولكن مصيره ليس إليك، إما أن يصادر، أو أن تنظم المنطقة فيؤخذ بطريق، أو أن يموت الإنسان ويتركه، أو أن يضطر إلى بيعه، آتي بأمثلة دقيقة:
ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه من حياته ورزقه، عطاؤه لا يمتنع، ومدده لا ينقطع، وخزائنه ملأى، ولا تنفذ:

(( يدُ الله ملأى، لا يَغيضُها ـ أي لا ينقصها ـ نفقة سحَّاء ـ مستمرة، دائمة ـ الليل والنهار ـ يعني طوال الليل والنهار ـ و قال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماء والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ـ أي لم ينقص ـ ما في يده، وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
و النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه عن ربه تبارك وتعالى:

(( يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[ مسلم عن أبي ذر]
أيها الأخوة، "الغني" على سبيل الإطلاق، والقيام بالنفس هو من صفة الله وحده الغنى المطلق، والقيام على الخلق هو الله جل جلاله، وليس ذلك لأحد سواه، هو "الغني" بذاته عن العالمين، المستغني عن الخلائق أجمعين، واتصاف غير الله بالغنى لا يمنع أن يكون الحق متوحداً في غناه، لأن الغني في حق غيره مقيد، وفي حق الله مطلق، وهذا واضح معلوم، وذلك مطرد في جميع أوصافه بدلالة اللزوم.


تقنين الله عز وجل تقنين تأديب و تقنين العباد تقنين عجز:

http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/04.jpg
بقي شيئاً آخر في الغنى، قد نرى شحاً في الأمطار، وقد نرى قلة في المحاصيل، وقد نرى قصراً في العمر، وقد نرى أشياء قليلة بالحياة، الحقيقة مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين عجز، أما نحن البشر نقنن تقنين عجز الكهرباء قليلة نقطع التيار لساعات عن كل حي في المدينة، الماء قليل، نقطع الماء ساعات طويلة كل يوم، المحاصيل قليلة نرفع الأسعار، الإنسان يقنن تقنين عجز، إلا أن الله جل جلاله إذا قنن فتقنينه تقنين تأديب، الأدلة:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )
الآية الثانية:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الشورى )
مرة كنت في العمرة، اطلعت على مجلة علمية رصينة، قرأت فيها بحثاً عن اكتشاف سحابة في الفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة،
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾



التقنين من الله تعالى تقنين تربية و معالجة و سوق إلى بابه الكريم:

لذلك التقنين تقنين إلهي.

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن )

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

( سورة المائدة الآية: 66 )
وقد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، فالتقنين فيما يبدو هو تقنين تأديب لا تقنين عجز، تقنين حكمة، تقنين تربية، تقنين معالجة، تقنين سوق إلى باب الله عز وجل ، فئة كبيرة جداً من عباد الله قد تساق إلى الله عز وجل بالتقنين والحرمان أحياناً، ولكن نسأل الله جلّ جلاله أن يجعل الرخاء والبحبوحة حالة يتمتع بها كل المؤمنين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-17-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(66)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (المجيب):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيب".



تسمية الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق و التعظيم:


سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق، الإطلاق حُكم غير مقيد، مطلق، لو فرضنا قرأنا الآية الكريمة:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾

( سورة النمل الآية: 19 )
أي عمل صالح على الإطلاق ينضوي تحت هذه الكلمة،
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
لكن الله سبحانه وتعالى قيده، فقال:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية: 19 )
العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً، صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
أحياناً هناك عمل صالح يبتدعه الإنسان، يقول لك: حفل غنائي ساهر يرصد ريعه للأيتام، المبالغ التي سوف نجنيها من هذا الحفل الفني الساهر من أجل أيتام، أو نقول يانصيب خيري، الآية الكريمة:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
والله عز وجل يرضى عن العمل الصالح إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، أقول
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
مقيد، إذا قرأنا الآية الكريمة:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
نقول مطلق، صالحاً وحدها مطلق، أما
﴿ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
مقيد، وقالوا: الصفة قيد.
قل: إنسان، تشمل ستة آلاف مليون، قل: إنسان مسلم مليار وخمسمئة مليون، ضاقت الدائرة قل: إنسان مسلم عربي، أربعمئة مليون، كلما أضفت صفة ضاقت الدائرة.
لذلك سمّى الله جل جلاله ذاته العلية باسم "المجيب"، على سبيل الإطلاق، والتعظيم.


ورود اسم المجيب في القرآن الكريم معرفاً و منوناً:

ورد هذا الاسم معرفاً في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

( سورة الصافات )
معرف، "المجيب"، وقد ورد أيضاً منوناً، في قوله تعالى:
﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾

( سورة هود )
يعني مجيب، الفرق بين المعرف والمنون، الكلمات أيها الأخوة، في اللغة نكرة أو معرفة، المعرفة ما دلت على معين، دمشق معرفة، أما عاصمة نكرة، المدينة نكرة القاهرة معرفة، ما دلّ على معين فهو معرفة، وما لم يدل على غير معين فهو نكرة، وفي بيت جمعت به المعارف، قال:

إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح ذا ما الفتى ابني يا رجل
* * *
يعني المعارف سبعة، أنا: الضمير معرفة، صالح: اسم العلم معرفة، أنا صالح ذا: اسم الإشارة معرفة، ما: اسم الموصول معرفة، ما الفتى: المعرف بأل معرفة، ابني: المضاف معرفة، يا رجل: المنادى معرفة،

إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل
* * *
إذاً ورد هذا الاسم مطلقاً ومقيداً، وورد نكرة ومعرفة، ولم يرد هذا الاسم في السنة إطلاقاً، إلا في حديث سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي وعند ابن ماجة، هذا في شأن ورود الاسم في القرآن والسنة.


معاني المجيب في اللغة:

أما في اللغة: "المجيب" اسم فاعل، أجاب، يجيب، فهو مجيب، اسم فاعل من الرباعي على صيغة المضارع، بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل الآخر.
"المجيب" اسم فاعل، والفعل أجاب، يجيب، جواباً، وإجابة، واستجابة ، والإجابة صدى الكلام، أو ترديده، هذا معنى، أو المحاورة في الكلام، يقول لك: حوار الآن، وهناك حوار، و هناك جدال، والفرق بينهما واضح، الحوار شيء جيد جداً، أما الجدال شيء غير جيد، سيء.
والإجابة رد السؤال، كم الساعة ؟ تقول لي: الساعة السابعة، الإجابة رد السؤال.
وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت في حديث الإفك:
(( فوجدتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئتُ منزلَهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال: فجئتُ منازلهم وليس بها منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ]
فالله عز وجل من أسمائه "المجيب" سألتك فأجبتني، الآن سألتك حاجة فأعطيتني هناك فرق، سألتك عن قضية فأجبتني، أما سألتك حاجة فأعطيتني، والإجابة إجابة المحتاج بالعطية، إعطاء الفقير عند السؤال.
إذاً أصبح للمجيب معنيان كبيران، إجابة السائل بالعلم، وإجابة النائل بالمال، تسألني إجابة عن سؤال فأجيبك، تسألني عطاءً فأعطيك.


للمجيب معنيان كبيران إجابة السائل بالعلم وإجابة النائل بالمال:

الآن إذا قلنا أن الله هو "المجيب" دخلنا في اسم الله "المجيب"، "المجيب" بالمعنى الأول الإجابة، بالمعنى الثاني أن يعطي الله السائل سؤله، يا رب ارزقني زوجة صالحة مثلاً شاب في مقتبل حياته، يقول: يا رب ارزقني زوجة صالحة، هذا اسمه نائل، والجواب: أن يزوجه زوجة صالحة، يا رب اهدنِ إلى معرفتك، سؤال من نوع آخر، فإذا سألت إنساناً يجيبك، وإن سألته حاجة يعطيك، سؤال علمي، أو سؤال عطاء، إما أن تكون الإجابة بيانية، حدثني عن الساعة، حدثني عن القضاء والقدر، حدثني عن عدل الله ، حدثني عن الدار الآخرة، حدثني عن عذاب القبر، حدثني عن حال الإنسان في الجنة، مثلاً هذا سؤال، فالله عز وجل مجيب، أو الإنسان أحياناً يسأل دون أن يحرك شفتيه، يا رب دلني عليك، يا رب هناك قضية بالدين ليست واضحة عندي، يا رب وضحها لي، نور قلبي هذا سؤال، قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، ودليل القلب سيدنا ذكريا:

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

( سورة مريم )
ما تكلم بلسانه، والإنسان من دقة هذا الشرع، وعظمة هذا الدين أنك في بعض الظروف يمكن أن تسأل الله بصدق وإخلاص دون أن تحرك شفتيك،
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
أخ كريم، كنت في سفر إلى اللاذقية، رأيت مسجداً في مكان جميل على الساحل مسجد رائع، صليت فيه ركعتين فإذا رجل يدعوني إلى غرفة في المسجد ليضيفني قهوة قال لي: أنا أنشأت هذا المسجد، قال لي: قبل عشرين عاماً، كنت متجهاً إلى الخليج، ولا أملك من حطام الدنيا شيئاً، أقسم لي بالله أنه في نفسه قال: يا رب أن أكرمتني لأبني لك بيتاً في هذا المكان , والله أكرمه , الشاهد لم ينطق بلسانه، يمكن أن تسأل ربك أكبر سؤال وأعظم سؤال , وأنت ساكت
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
الله أكرمه، ويسر له بناء هذا المسجد، وحدثني عن قصته الممتعة حينما طلب من الله عز وجل التوفيق، والله عز وجل سمعه ولم يحرك شفتيه
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾



المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه:


الإنسان أحيانا يقول: يا رب دلني عليك، سبحان الله ! هي ظروف عجيبة جداً يجتمع مع إنسان. والإنسان يدله على أهل الحق، ويلتقي بهم، وينتفع بهم، في عنده طلب.
فأنت أي طلب تطلبه بلسانك أم بقلبك يسمعه الله ويجيبك، لأنه مجيب، بل هو ينتظرك , بل هو ينتظر هذا السؤال.
أيها الأخوة، "المجيب " هو الذي يقابل السؤال بالإجابة، والدعاء بالقبول، "المجيب" هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه.
"المجيب" هو الذي يكشف السوء عن أوليائه، ويرفع البلاء عن أحبابه، أحياناً بلاء كبير ينزاح، مشكلة كبيرة تُحل، عدو متربص يصرفه الله عنك، الله مجيب ينتظر سؤالك، ودعاءك، كل الخلائق مفتقرة إليه، ولا قوام لحياتها إلا عليه، ولا ملجأ لها منه إلا إليه، في جهة واحدة في الكون هي الله جلّ جلاله، تلجأ منه إليه، تهرب منهم إليه.
يغني لو فرضنا ابن أخطأ خطأ كبيراً في حق أمه , أمه توعدته أن تؤدبه فاتجه إليها، وأقبل عليها، وقبّل يدها، وقال: سامحيني، ماذا فعل ؟ هرب من عقابها إليها.
هكذا شأن الإنسان مع الله عز وجل يفر منه إليه , يلجأ منه إليه , لا ملجأ ولا منجا لي منك إلا إليك.



من أراد أن يعرف مقامه عند الله عز وجل فلينظر فيما استعمله الله تعالى:

أيها الأخوة، الآية الكريمة:

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾

( سورة الرحمن )
آية دقيقة جداً:
﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
كيف ؟ للتوضيح:
طبيب مرّ على مريض أخذ لائحة الفحوصات، وجد الضغط مرتفعاً، أعطى أمراً بإيقاف الملح في الطعام، الطعام من دون ملح لا يستساغ، هذا قرار الطبيب، لأن شأن هذا المريض ارتفاع الضغط، فالموقف المناسب أن تمنعه من الملح،
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
وجد الضغط معتدلاً جداً، وجسم المريض بحاجة إلى غذاء دسم فأمر أن يُطعم أطيب الطعام.
فأنت إن كان شأنك مع الله الطاعة فقرار الله الإكرام، وإن كان شأنك مع الله لا سمح الله ولا قدر المعصية فشأن الله معك التأديب
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
اليوم طور، الآن أنت مقبل، القرار الإلهي التكريم، الآن في جزء من المال حرام، القرار الإلهي تطهير مالك من هذا المال الحرام، يتلف المال، أنت متواضع شأن الله عز وجل أن يكرمك، أن يرفع شأنك، في تكبر، شأن الله عز وجل أن يحجمك، أنت منفق شأن الله أن يرزقك، أنت مقتر شأن الله أن يضيق عليك
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
إن أردت أن يكون الله لك كما تريد فكن له كما يريد.

(( أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ ورد في الأثر ]
آية دقيقة جداً:
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
ما شأنك ؟ الطاعة ؟ شأن الله الإكرام ما شأنك ؟ لا سمح الله ولا قدر المعصية ؟ شأن الله التأديب، ما شأنك ؟ الإسراف في الإنفاق على ملذاتك ؟ شأن الله التقتير، ما شأنك ؟ الإنفاق في الأعمال الصالحة ؟ شأن الله التوسعة ما شأنك ؟ الخضوع لله ؟ شأن الله الإعزاز، يعزك، ما شأنك الكبر على العباد ؟ شأن الله الإذلال
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، جميع الخلائق تستند إليه وتعتمد عليه.


صدق الإيمان والولاء شرط إجابة الدعاء:

الآن شرط إجابة الدعاء: جميع الخلائق تدعوه إما بلسانها أو بحالها، عندنا لسان المقال، ولسان الحال، لذلك شرط إجابة الدعاء: صدق الإيمان والولاء، فالله حكيم في إجابته، قد يعجل أو يؤجل، على حسب السائل والسؤال، أو يلطف بعبد فيختار له ما يناسب الحال، أو يدخر ما ينفعه عند المصير والمآل، لكن الله تعالى يجيب عبده حتماً، ولا يخيب ظنه أبداً، كما وعد وقال وهو أصدق القائلين:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾
يطيعوني
﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾
يؤمنون بوحدانيتي، وأنني فعال لما أريد.

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )
لذلك شروط الإجابة أن تؤمن بالله الإيمان الذي يمنعك أن تؤذي عباده، والذي يحملك على طاعته، وأن تستقيم على أمره،
﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
إلى الدعاء المستجاب.


الله عز وجل حكيم في إجابته:

الآية الثانية:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

( سورة غافر )
لذلك قالوا: ما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، الآية الواضحة أن الله حكيم في إجابته، وقال تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 18 )
بالقدر الذي نشاء، وللسائل الذي نريد، هناك حكمة إلهية:
﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

( سورة الإسراء )



ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه:


الآن دقق:

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

( سورة الإسراء )
إن أردت الدنيا فلك الدنيا، إن أردت الآخرة فلك الآخرة، إن أردتهما معاً فلك الدنيا والآخرة، كل شيء له ثمن، والله عز وجل خلقك وأعطاك حرية الاختيار، وكأن الله سبحانه وتعالى تعهد لك أن يلبيك في اختيارك، وأنت اختار أي شيء وكل شيء له ثمن، لذلك:

(( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
كيف ؟
(( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ))
لأن الله "المجيب"، لأن اسم الله "المجيب"، فإما أن يعجل له في الدنيا، يا رب أتمنى أن أكون غنياً، يجعله غنياً ، إنسان يطلب أن يكون عالماً كبيراً، يجعله عالماً كبيراً، إنسان يطلب أن يكون أقوى الأقوياء يجعله أقوى الأقوياء.

(( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا ـ سؤله ـ وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة ـ أجابه بمقام رفيع في الآخرة، أجابه بعطاء في الدنيا ـ وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا ـ إجابة الله للمذنب أنه يكفر عنه من ذنوبه، هذه إجابة أيضاً ـ ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ ـ متى لا يجاب السؤال ؟ إذا كان الدعاء بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل ـ قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
إياك أن تقول هذه الكلمة، دعوت ربي فما استجاب لي، هذا الإنسان لا يستجاب له، استعجلت.

(( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا، وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة، وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا، ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ، قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]



بطولة الإنسان أن يسأل الله عزّ وجل و يقبل عليه دائماً من دون حاجة:

أيها الأخوة، بقي معنىً رائعاً من معاني "المجيب" ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، ما سألته، ولا دعوته، ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، الأب لا ينتظر من ابنه أن يسأله، الأب رأى وجه ابنه مصفراً، أخذه إلى الطبيب دون أن يسأل، الابن سأل في حالات كثيرة الابن لا يسأل، لكن الأب الرحيم، المتمكن يبادر إلى العطاء قبل السؤال.
إذاً من معاني "المجيب" أنه ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء، لكن الحكمة من تأخر العطاء إلى ما بعد السؤال، ما الحكمة ؟ هناك حكمة بالغة جداً، يعني الله عز وجل يحب أن يسمع صوتنا، يحب أن نقبل عليه، يحب أن نسأله، يحب أن نتضعضع أمامه، يحب أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، لأن هذا الاتصال يسعدنا، نحن غافلين عن سرّ سعادتنا، سعادتنا بالإقبال على ربنا، سعادتنا بمناجاته، سعادتنا في التوجه إليه، سعادتنا في التذلل أمامه، هذا شيء يسعدنا، فلذلك يحيجنا إلى شيء، وينتظر أن نسأله، أن ندعوه، أن نتصل به، أن نناجيه، أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، يحب أن يسعدنا بالاتصال به، فيجعل الحاجة وسيلة لهذا الهدف، الأصل أن تتصل به، أنت غافل لا سمح الله، يخلق لك حاجة، أو شبح مصيبة، أو إنسان يتوعدك، يا رب ما في غيرك، سمعنا صوتك، البطولة أن تسأله دائماً من دون حاجة، البطولة أن تقبل عليه دائماً، لكن نحن جميعاً مقصرون، نحتاج إلى من يسوقنا إلى بابه، أحياناً الحاجات التي تنشأ، أشباح المصائب التي تظهر تسوقنا إلى باب الله، وهذا المعنى أكده النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
(( عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
أيها الأخوة، اسم "المجيب" من أقرب الأسماء إلينا، والله ينتظرنا، ويحب أن يجيبنا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-18-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(67)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (الولي):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الولي" هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً، معنى مطلق ؛ كأن تقول: قلم، أي قلم، أما إذا قلت: قلم المعلم، أضفت القلم إلى المعلم، أي قيدته بالمعلم، فإذا جاء الاسم مضافاً فهو مقيد، وإذا جاء غير مضاف فهو مطلق.




ورود اسم الولي في القرآن الكريم مطلقاً معرفاً و مقيداً:


إذاً هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً في قوله تعالى:

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة الشورى )
ولا ولي سواه، ورد مطلقاً معرفاً، وفي قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

( سورة الشورى )
وقد ورد هذا الاسم مقيداً (أي مضافاً) في نصوص كثيرة، كقوله تعالى:
﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾

( سورة الأعراف )
وفي قوله سبحانه وتعالى:
﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة المائدة الآية: 55 )



على المؤمن أن يتعامل مع المؤمن بالولاء ومع الآخر ولو كان قريباً بالواجب:



أيها الأخوة، في السنة الصحيحة، كما في البخاري من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:
(( سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا غير سِرّ: إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها ))

[البخاري من حديث عمرو بن العاص]
أي أصِلُها بصلتها التي أُمرت بها، كلام دقيق، أنت مؤمن، من توالي ؟ من تحب ؟ من تعاشر ؟ مع من تتعاون، مع من تعمل ؟ مع المؤمنين، لكن لك أب، قد يكون هذا الأب ليس كما ينبغي، الله أمرك أن تبره، وأن تُحسن إليه، وأن تصله، الولاء شيء والواجب شيء آخر.
يعني أنا ولائي، محبتي، إخلاصي، تعاوني مع المؤمنين، ورد في بعض الأحاديث:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أنت لا ترتاح إلا مع المؤمن لأنه صادق، لأنه متواضع، لأنه منصف، لأنه رحيم، لأنه متعاون، تتعامل مع المؤمن بالولاء، وتتعامل مع الآخر ولو كان قريباً بالواجب.

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

( سورة لقمان الآية: 15 )



على المؤمن أن يؤدي واجبه لكل من يلوذ به شاء أم أبى أما قلبه مع المؤمنين الصادقين:

هناك واجبات، و هناك حقوق، يجب أن تصله، أن تحسن إليه، أن تقدم له ما يحتاج لأنه أبوك، أما إذا كان الأب مؤمناً يجتمع له الولاء والواجب، أما في آباء على غير ما ينبغي، في أقارب ليسوا كما ينبغي، في أقارب لا يقبلون من ابنهم أن يكون مستقيماً، مثلاً في حالة موجودة، ينبغي أن يكون ولاؤك لله، ولرسوله، وللمؤمنين، وينبغي أن تؤدي واجبك لكل من يلوذ بك شئت أم أبيت.
(( إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها ))

[البخاري من حديث عمرو بن العاص]
أي أصلها بصلتها التي أُمرت بها، هذا الكلام مفاده: أن المؤمن يتمتع بما يسمى بالولاء والبراء، يوالي المؤمنين، يحمل همهم، ينصرهم، يتعاون معهم، يتألم لألمهم ، يسعد لسعادتهم، يفرح لمنجزاتهم، يدافع عنهم، أما أقرباؤه لهم حق عليهم، يؤدي هذا الحق بالتمام والكمال، لكن قلبك مع المؤمن، لولا أن هناك حالات كثيرة جداً، أن إنساناً تعرف إلى الله، واستقام على أمره، ومن حوله من أقربائه ليسوا كذلك، يؤدي لهم واجب القرابة لكن ولاؤه للمؤمنين، هذا موقف متوازن، معتدل، هذا موقف تؤدى فيه الحقوق أما قلبك لا تملكه، قلبك مع المؤمنين، قلبك مع الصادقين، مع المتواضعين، مع المنصفين، مع المحبين لله ولرسوله.


معنى الولي في اللغة:

أيها الأخوة، أما معنى "الولي" في اللغة، هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل الوالي، الوالي صيغة مبالغته "الولي" فعله ولي، يلي، ولاية.
و "الولي" هو الآن الذي يلي غيره، فلان جالس هنا، الولي إلى جانبه، الذي يلي غيره، بلا فاصل، يعني ليس بينهما أحد، إنسان جالس بمكان من جالس إلى جانبه تماماً هو "الولي" الذي يليه، ويكون هذا التقارب في المكان، أو النسب، أخوه، ابن أخيه، عمه ، إما في المكان، أو في النسب.
ويطلق "الولي" على الوالد، أولياء الطلاب، يعني الوالد، والناصر وليه نصره والحاكم أولو الأمر، والسيد، فالسيد، والحاكم، والناصر، والوالد، هو "الولي"، والذي يجلس إلى جانبك ليس بينك وبينه أحد هو "الولي".




من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يحب التميز:


أما الولاية كمصدر تولي الأمر كقوله تعالى:

﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 )
من يتولى أمرك، من يدير شؤونك، من يرعاك، من ترجع إليه، من تستشيره، من تعتمد عليه، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاءه به وقد وليَ حرَّه ودخانه، فليُقعده معه فليأكل ))
يعني لك خادم صنع لك طعاماً، ليأكل معك، من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل مع الخادم، أي ما كان يحب التميز.
كانوا في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: عليّ ذبحها يا رسول الله ، فقال الثاني: وعليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفوني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام.
دخل عليه أعرابي ما عرفه، قال: أيكم محمد ؟ والله يستنبط من هذه القصة القصيرة آلاف الاستنباطات، ما في تميز أبداً، أيكم محمد ؟ قال أحد أصحابه: ذاك الوضيء، وفي رواية: قال النبي الكريم: أنا، ما في أي تميز، هذا مجتمع المؤمنين.

(( إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاء به - وقد وليَ حرَّه ودخانه - فليُقعده معه فليأكل ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]



العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها:

أيها الأخوة، لاشك أن الحياة محفوفة بالمخاطر، يعني إنسان بكل قوته ، وجبروته، وهيمنته، وحجمه المالي بثانية واحدة تتجمد قطرة دم في أحد أوعية دماغه يصاب بالشلل، بمكان آخر يصاب بالعمى، بمكان آخر يصاب بفقد الذاكرة، يعني لو أن الدم تجمد في أي مكان احتشاء، جلطة، حادث سير أصبح مشلولاً، ركب طائرة وقد مات جميع ركابها، يعني الحياة كلها مخاطر، ما في إنسان يضمن أن يعيش ساعة، وقد يأتي الموت بأسرع من لمح البصر، قد يكون رجلاً فإذا به خبر، لصقت على الجدران نعوته.
لذلك من أقوال سيدنا عمر: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
كل واحد يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن لابدّ في أحد الأيام من أن يقرأ الناس نعوتنا، كل يوم يخرج من بيته قائماً على قدميه، لكن في مرة واحدة لابدّ منها يخرج في نعش ولا يعود، يدخل إلى المسجد كل يوم، لكن في مرة واحدة يدخل إلى المسجد في نعش لا ليصلي بل ليُصلى عليه، هنا البطولة أن تعد لهذه الساعة التي لابدّ منها عدتها.


الحياة محفوفة بالمخاطر فعلى الإنسان أن يغتنم صحته و قوته قبل فوات الأوان:

لذلك الحياة محفوفة بالمخاطر، أحياناً فقر مفاجئ، والحديث الشريف:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: ـ بادروا أي سارعوا ـ فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ـ دقق ـ هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا ))

[ أخرجه الترمذي و النسائي عن أبي هريرة ]
فقر مفاجئ، الأسعار عشرة أضعاف، رأسمالك لا يسمح لك أن تستعيد هذه البضاعة بعد ارتفاع سعرها، كساد مفاجئ، جفاف.

(( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا ))
غنى يحمل صاحبه على أن يعصي الله، بلاء هذا.

(( أو مَرَضاً مُفسِداً ))
يفسد على الإنسان حياته، يجعل حياته جحيماً لا يطاق، والله أسمع كثيراً فجأة فشل كلوي، يحتاج إلى زرع كلية، دخل في متاهة تنظيف الكلية، ثلاث مرات بالأسبوع وكل مرة مبلغ ضخم، وثمان ساعات على السرير، وآلام، الإنسان إما أن يصاب بالفقر فينسيه كل شيء وكاد الفقر أن يكون كفراً، أو غنىً يحمل الغني على معصية الله والكبر.

(( أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا ))
تقدمت به السن، يعيد القصة مئة مرة، ظلّه ثقيل، يكره الناس ومن حوله وجوده، يتهربون منه.

(( أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ))
الذي يأتي إلى بلاد ليقيم فيها الحرية والديمقراطية، فإذا به يسفك الدماء وينهب الثروات.

(( والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))

[ أخرجه الترمذي و النسائي عن أبي هريرة ]
دققوا في هذا الحديث:

(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
إذاً هناك أخطار لا تعد ولا تحصى، أخطار بالصحة، أخطار بالعمل، أخطار بالدخل، أخطار بالرزق، أخطار أسرية، أخطار عامة، اجتياح، فقد الأمن، هناك مصائب لا تعد ولا تحصى، هذه المصائب تقلب حياة الإنسان إلى جحيم، إلى شقاء، بأسباب تافهة يقود مركبته أخذته سنة من النوم، تدمرت حياته كلها، فجأة ورم خبيث، في ريعان شبابه.
أعرف إنساناً أخذ أعلى شهادة من فرنسا بالجيولوجيا، وتسلم منصباً رفيعاً جداً، وله مكانة كبيرة، وبيت فخم، وزوجة، وكل شيء، فقد بصره، راعوه شهر، يأتي موظف يعرض عليه المعاملات، ويعطي رأيه ويوقع، لكن بعدها سُرح، زاره صديق لي قال له: يا فلان ! أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وأن يرد الله لي بصري فجأة فقد بصره.
لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى حتى ترضى ))

[أبو داود عن ابن عمر ]



من أطاع الله شعر براحة لا توصف لأنه بظل الله و رعايته:

إذاً في أخطار كثيرة تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فمن الذي يحمي المؤمن ؟ من يحفظه ؟ من يربيه ؟ من يرشده ؟ من يرعاه ؟ من يؤيده ؟ من ينصره ؟ من يدافع عنه ؟ من ينبهه ؟ إنه الله.

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 257 )
الإنسان إذا أطاع الله شعر براحة كبيرة، إذا أطاع الله شعر بالأنس، شعر بحماية الله، هو في ظل الله، هو في رعايته، معنى قوله تعالى:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور الآية: 48 )
أي برعايتنا، وبحفظنا، وبتوفيقنا، وبتأييدنا، وبنصرنا.


الله تعالى هو المتولي لأمور خلقه و القائم على تدبير ملكه:



أيها الأخوة، الله هو "الولي" معنى "الولي" هو المتولي لأمور خلقه، القائم على تدبير ملكه، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، كما قال سبحانه:

﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحج )
يعني مثل بسيط: كتلتان مغناطيسيتان، وضعناهما على مستوٍ، وجئنا بكرة فولاذية وضعنا هذه الكرة بينهما، يعني في مكان لو أزحته واحد من مئة من المليمتر تنجذب هذه الكرة الحديدة إلى إحدى الكتلتين، أما في مكان وسط هندسي دقيق جداً تتوازن جاذبيات كل كتلة تبقى في مكانها، هذه حالة، الكتلتان متساويتان في الحجم، لو كتلة أكبر وكتلة أصغر الحساب صار أدق، يجب أن تكون في مكان بين الكتلتين لكن ليس في المنتصف، في مكان يتناسب مع جذب الكتلة الأكبر، وجذب الكتلة الأصغر، لو في ثلاث كتل، أصعب، لو في أربعة، أصعب، لو في خمس كتل متفاوتة بالحجم، وأنت يجب أن تضع كرة حديدية بين هذه الكتل الحسابات لا تنتهي، وقد يكون شيئاً مستحيلاً، وإن كانت هذه الكتل في الفراغ شيء أعلى، شيء أدنى، شيء أقرب، شيء أبعد، شيء أكبر، شيء أصغر، هذا يسميه العلماء توازن الحركي.


الكون من آيات الله الدالة على عظمته:

هكذا الكون، مجرات، وكواكب، ونجوم، وكبير، وصغير، وكثيف، وغير كثيف، والمحصلة توازن حركي، هذا من آيات الله الدالة على عظمته، يعني المحصلة في توازن، الأرض، والقمر، والشمس، المجموعة الشمسية، وفي مليون مليون مجرة، وبكل مجرة في مليون مليون نجم وكوكب، والمحصلة توازن، بحسب قانون التجاذب، الأكبر يجذب الأصغر.
الأرض تسير حول الشمس، في مسار إهليلجي، طبعاً المسار الإهليلجي في قطر أصغر وقطر أكبر، إذا انتقلت الأرض من القطر الأكبر إلى الأصغر، المسافة قلّت بعدها عن الشمس أصبح أقل، إذاً احتمال أن تنجذب إلى الشمس احتمال قائم، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، ما العمل ؟ الله عز وجل بيده ملكوت كل شيء، يرفع سرعة الأرض من هذه السرعة الجديدة تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

( سورة فاطر الآية: 41 )
الآن حينما تنتقل من القطر الأصغر إلى القطر الأكبر، المسافة زادت واحتمال تفلت الأرض من جاذبية الشمس قائمة، ما الذي يحصل ؟ يخفض الله سرعتها، هذه السرعة القليلة تنشأ قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها. لذلك:
﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾



ولاية الله لعباده على وجهين:

وقال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 33 )
معنى دقيق جداً، كالطبيب تماماً، زار مريضاً، قرأ التحليل، الضغط مرتفع جداً، أعطى أمراً بإيقاف الملح فوراً، القضاء حكم، والقدر علاج، أحياناً الضغط منخفض جداً يعطي أمراً بإضافة ملح زائد إلى الطعام، الملح يحبس السوائل، الضغط يتوازن، أي موضوع القضاء والقدر شيء مبسط، واضح، القضاء حكم، والقدر معالجة.
يرى الإنسان شارداً يُقدم له مصيبة تردّه إليه، الإنسان مقبل، يقدم له عطاء يكرمه به، فالقضاء والقدر الله عز وجل نظر إليك، حكم عليك بحالة، هيأ لك علاجاً لهذه الحالة، إما تأديباً، أو تكريماً، هذا القضاء والقدر، أوضح مثل:
طبيب مرّ على مريض وجد ضغطه مرتفعاً قال: لما علم أن ضغطه مرتفع قال: أوقفوا الملح، الملح قضاء، وإيقاف الملح قدر،
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
وولاية الله لعباده على وجهين، وهذان الوجهان يأتي شرحهما إن شاء الله في درس قادم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-18-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(68)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (الودود):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الودود".



ورود اسم الودود في القرآن الكريم فقط:


هذا الاسم أيها الأخوة ورد معرفاً ومنوناً، معرف بألف ولام، منون على صيغة نكرة، في قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة البروج )
وورد أيضاً في قوله تعالى:
﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾

( سورة هود )
ولم يرد هذا الاسم في السنة، إلا في سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي، وهذه الأسماء من إدراج الوليد بن مسلم كما تفضل.


المعنى اللغوي لكلمة ودود:


الآن المعنى اللغوي للـ "الودود"، "الودود" من صيغ المبالغة، وتعلمنا كثيراً أن صيغ المبالغة تعني مبالغة كم، ومبالغة نوع، مودة الله عز وجل لعباده كبيرة جداً ومتنوعة جداً، من حيث النوع، ومن حيث العدد.
ودَ الشيء ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، العلماء تسمي هذه الكلمات التي تأتي على حركات ثلاث كلمات مثلثة، كأن تقول مُصحف، ومِصحف، ومَصحف، وكل هذه الصيغ صحيحة نقول: هذه كلمة مثلثة، تأتي على حركات ثلاث بمعنى واحد، لكن هناك كلمات، وهذا من دقة اللغة العربية مثلثة، ولكن كل حركة لها معنى، قَدُم: أصبح طبيباً، قَدِم: حضر ، قَدَم: سبقه بقدمه، خُلق: من الأخلاق، خَلِق: من الاهتراء، خَلّق: من البنية، خَلّق ، خُلق، خَلِق.
البَر ؛ اليابسة، البُر ؛ القمح، البِر ؛ الإحسان، من دقة اللغة العربية كل حركة من حركات الكلمة تعني شيئاً، فهناك كلمات مثلثة معناها واحد، وهناك كلمات مثلثة ذات معاني ثلاث.
أيها الأخوة، إذاً ودَ الشيء، المصدر ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، بالثليث.



الودود من صيغ المبالغة وهي كلمة مثلثة معناها واحد من معانيها:

1 ـ التمني:


المعنى الأول: التمني:

﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 96 )
يعني إنسان يعتني بصحته عناية فائقة، جيدة، جيد جداً، لكن لو أنه يقيم على معصية مهما عمر لابد من الوفاة.

كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــجبروت
والليل مهما طــــال فلا بد من طلوع الفـــجر
والعمر مهما طــــال فلابد من نزل الـــــقبر
* * *

وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فــإذا حملت إلى القبور جنازة فــاعلم أنك بعدها محمول
* * *
إذاً
﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

( سورة الغاشية )

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورة الكهف )
المعنى الأول:
﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾
أي يتمنى أحدهم، من التمني.


2 ـ المحبة:


المعنى الثاني: الودّ ؛ بمعنى المحبة، كما في قوله تعالى:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾

( سورة المجادلة الآية: 22 )
هذا المعنى في هذه الآية ينقلنا إلى ما يسمى بالولاء والبراء، فالمؤمن الصادق بل من لوازم إيمانه أنه يوالي المؤمنين، ولو كانوا فقراء، وضعفاء، والمؤمن الصادق من لوازم إيمانه أنه يتبرأ من الكفرة، والضالين، والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، إلى من تنتمي أنت أيها المؤمن ؟ تنتمي إلى أهل الإيمان.
إذاً المعنى الثاني من معاني الودّ الولاء والبراء أي الحب،
﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾



3 ـ المعية و المرافقة و المصاحبة:


والودّ أيضاً في اللغة قد يأتي على معنى المعية، والمرافقة، والمصاحبة، هذا معنى ثالث، كلازم من لوزام المحبة، إن أحببت إنساناً راقبته، صاحبته، كنت معه، كنت كظله، من المعاني الفرعية الناتجة عن الحب: الملازمة.
فلذلك المعنى دقيق جداً ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر:
(( أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب كان ملازماً له، وإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ من أبَرِّ البرِّ صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه ))

[ مسلم عن عبد الله بن عمر]



من فضل الله على الإنسان أنه يسمح له بأن يكون باراً بوالديه بعد موتهما:



مرة شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفي والداه، ماذا بقي عليّ من برّ والدي بعد موتهما ؟ قال: أربعة أشياء، أن تدعو لهما، الدعاء أثناء صلاة الجنازة، وأن تستغفر لهما، ربي اغفر لي ولوالدي، وأن تنفذ عهدهما، قبل أن يموت الأب عهد إلى أولاده شيئاً، وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل صديقهما، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما.
أي من فضل الله عز وجل أتاح الله للابن أن يكون باراً بوالديه بعد موتهما حينما يصل الرجل أهل ود أبيه، حينما ينفذ عهد أبيه، حينما يصلي على أبيه صلاة الجنازة، حينما يدعو له في كل صلاة، هذه من مسلكيات البر بعد الموت.



الله عز وجل ودود يحب رسله و أولياءه و يتودد إليهم بالنعم التي أحاطهم بها:

أيها الأخوة، اسم "الودود" اسم له خصوصية، الآن الله عز وجل ودود كيف ؟ قال: "الودود" هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، الله عز وجل كيف يتودد إليك ؟ هو غني عنا جميعاً.
(( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أيها الأخوة، الله عز وجل ودود، يتودد إلينا بهذه النعم التي أحاطنا بها، يعني بشكل أو بآخر الله عز وجل ودود يعني تودد إلى عباده بالنعم الذين هم فيها، يعني نعمة الألوان، هناك مخلوقات لا ترى إلا الأبيض والأسود، أحياناً صورة أبيض وأسود لا تعجبك أما ملونة وهناك ألوان زاهية أحياناً، أعطاك الألوان، أعطاك اللون الأخضر، وقد يغطي مساحات شاسعة، جعل السماء زرقاء، جعل البحر أزرق اللون، في البيت طفل صغير ممتلئ حيويةً وجمالاً وروعةً وبهاءً، أليس هذا من الود، كل النعم التي يتمتع بها الإنسان تندرج تحت اسم "الودود".


من أحب الله و أحسن إلى عباده أحبه الله عز وجل:

"الودود" إذاً هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، يعني تأكد أنك إذا كنت مستقيماً على أمر الله، تأكد أنك إذا خطبت ود الله، تأكد أنك إذا أحسنت إلى العباد الله يحبك.
والله مرة سمعت كلمة من متكلم في عقد قران روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاطب النبي به معاذ قال:
(( يا معاذ إني لأحبك ))

[ النسائي عن معاذ بن جبل]
يعني شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله، أو أن يحبك المؤمنون، أو أن يحب الله عز وجل.

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 54 )
بل إن الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين عباده علاقة حب، علاقة محبوبية لهذا قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 156 )
يريدك أن تأتيه محباً، طائعاً، برغبة منك، بمبادرة منك، من دون قهر، من دون إكراه.


من أحبه الله ألقى محبته في قلوب الخلق جميعاً:

لذلك الله "الودود" يعني يحب عباده، كيف يحبهم ؟ يرضى عنهم، كيف يحبهم ؟ يغفر لهم، كيف يحبهم ؟ يرحمهم، كيف يحبهم ؟ يتوب عليهم، كيف يحبهم ؟ يستجيب دعاءهم، كيف يحبهم ؟ يتقبل أعمالهم، وكيف يحبهم ؟ يوددهم إلى خلقه، إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، فهو ودود، إذا أحبك الله جعل الخلق يحبونك، هذا من نعم الله الكبرى.
لذلك لا تتوهم أن الخلق إذا أحبوك بجهدك، وبذكائك، وبحنكتك، لا، ألقى الله في قلوب الخلق محبتك، إذا أحب الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

( سورة طه الآية: 39 )
ألقيت عليك محبة في قلوب الخلق مني، أنا السبب، وأحياناً الله عز وجل يلقي بغض إنسان في قلوب الخلق، لا أحد يحبه، يكون على مستوى عالٍ من الذكاء، من الجمال، من المال، من القوة لا يُحب، أن يحبك الناس هذا أكبر عطاء من الله عز وجل.


الله عز وجل يتودد إلى عباده بالمغفرة و التوبة و استجابة الدعاء:

إذاً الله "الودود" يحب رسله، يحب أولياءه، يتودد إليهم بالمغفرة، بالتوبة، باستجابة الدعاء، يرضى عنهم.

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾

( سورة الفتح الآية: 18 )
يعني أنت حينما تكون مستقيماً على أمر الله من فضل الله عليك يلقي في روعك أنه يحبك، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، عملك طيب، دخلك حلال، بيتك منضبط ، أولادك ربيتهم تربية عالية، بناتك محجبات، البيت إسلامي، الدخل إسلامي، الإنفاق إسلامي، النشاط إسلامي، المحبة لله ورسوله، عندئذٍ الله يحبك يلقي في روعك أني أحبك، وإذا أحبك الله وصلت إلى كل شيء.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[من مختصر تفسير ابن كثير]



المؤمن الصادق يجتمع في قلبه تعظيم لله وحب له وخوف منه:

الآن يوددهم إلى خلقه، يحبب خلقه بهم، معنى "الودود" موقف المؤمن الموقف الذي يليق به، أن يحبب الله إلى عباده، كما أن الله يحبب المؤمنين إليك، أيضاً موقفك الأخلاقي أن تحبب الله إلى عباده.
أحد أنبياء الله عز وجل قال:
(( يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
يعني ما فكر إطلاقاً أن يسيء لإنسان، بل لمخلوق.

(( أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
أنت إن ذكرت الناس بنعماء الله تحبب الله إلى عباده، وإن ذكرتهم ببلاياه بالبلاء، والشدة، تخوفهم أن يعصوه وأنت إن ذكرتهم بآلائه العظيمة يعظموه، إذاً لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم، وحب، وخوف.


من شعر أن الله عز وجل يؤثره و يحبه شعر بنشوة عظيمة لا تقدر بثمن:


الآن الآية الكريمة وهي من أروع الآيات:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

( سورة مريم )
ما قولك ؟ المودة مع من ؟ مع خالق السماوات والأرض،
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
أن تشعر بمودة مع الله عز وجل، أن تشعر أن الله يحبك، أن تشعر أن الله يؤثرك، الدعاء الشريف:

(( اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ))
أنت حينما تشعر أن الله يؤثرك، ويحبك، ويعطيك، هذه نشوة ما بعدها نشوة.


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً: من معاني هذه الآية:

1 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين الله عز وجل:


لذلك المعنى الأول:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم وبين الله، تشعر بمودة، بالتعبير الدارج أنت غالٍ على الله.


2 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين المؤمنين:


هناك معنى آخر:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم، في مودة بين المؤمنين، لا يستطيع شيء في الأرض أن يقوضها.
﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 63 )



من علامة إيمان المؤمن أنه يحب الله و يحب المؤمنين:




من علامة إيمانك أنك تحب الله، من علامة إيمانك أنك تحب المؤمنين، أنك تضحي من أجلهم، أنك تؤثرهم على كل شيء، علامة الإيمان الحب بين المؤمنين، وعلامة النفاق بغض المؤمنين.

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 50 )
اجعل هذا مقياساً لك، يعني إذا أخوك المؤمن أخذ شهادة عليا تتألم ؟ إن تألمت علامة نفاق، وإذا أخوك المؤمن تزوج زوجة صالحة تنزعج ؟ علامة نفاق، إذا أخوك المؤمن أسس عملاً ونجح العمل فالمؤمن إذا قوي قوته للمؤمنين، إذا اغتنى غناه للمؤمنين ، إذا تفوق تفوقه للمؤمنين فهذا مقياس دقيق، علامة إيمانك أنك تفرح لكل مؤمن لعطاء الله له أما إذا تألمت بادرة غير طيبة إطلاقاً هي علامة نفاق حينما يكون الله عز وجل
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 120 )
يعني:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة النور الآية: 19 )
ما فعل شيئاً، ما تكلم كلمة، ما تحرك، ما غمز، ما لمز أبداً، لكن ارتاح لما الله دمر إنساناً، والإنسان محسوب مؤمن ارتاح، هذا شعور مخيف أن تتمنى أن يدمر المؤمنون، أن تتمنى ألا ينتصر المؤمنون، أن تتمنى أن يكون المؤمنون فقراء
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾
لذلك:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم.

(( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبدا دعا جبريلَ، فقال: إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه، قال: فيُحِبُّه جبريلُ، ثم ينادي في السماءِ، فيقول: إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
قبله الناس، أحب الناس كلامه.


الله عز وجل مع الصادقين بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ :

ابن عباس يُعرف "الودود" بأنه الحبيب، المجيد، الكريم، الآن الله عز وجل "الودود" لأنه يؤيد رسله، ينصر عباده الصالحين بمعيته الخاصة.

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )
معية عامة، الله مع الكافر، مع الملحد، مع المجرم، بعلمه
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
بعلمه أما:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة البقرة )
إن الله مع الصادقين، أي معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد، معهم بالحفظ، إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله عليك فمن معك، وإذا كان معك فمن عليك، ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقد من وجدك ؟
الله عز وجل "الودود" يؤيد رسله وعباده الصالحين، بمعيته الخاصة
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

﴿ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
مع الصادقين، معهم بالحفظ، بالتأييد، بالنصر.
فلا يخيب رجاءهم، ولا يرد دعاءهم، وهو عند حسن ظنهم به، وهو "الودود" لعامة خلقه، بواسع كرمه، وسابغ نعمه، يرزقهم، الآن عامة الخلق يرزقهم، يؤخر العقاب عنهم، لعلهم يرجعون إليه.


الله سبحانه وتعالى هو وحده من يستحق أن تعبده وأن تحبه:


قال ابن القيم: أما "الودود" ففي قولان، أحدهما: أنه بمعنى فاعل، الذي يحب أنبياءه ورسله والمؤمنين، والثاني هذا معنى جديد، والثاني بمعنى مودود أي محبوب، أن الله سبحانه وتعالى هو وحده يستحق أن تعبده، ويستحق أن تحبه، هو أهل لمحبتك، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته.
لذلك أيها الأخوة

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
يحبك، ويتودد إليك، فينبغي أن تحبه، وأن تتودد إليه بالأعمال الصالحة لخدمة خلقه.


الدين هو اتصال بالله وإحسان إلى المخلوق:

المؤمن من خصائصه أنه يحب الله، ويحسن إلى خلقه، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن ورد:

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

( سورة مريم )
لخص بكلمتين حقائق الدين، اتصال بالله، وإحسان إلى المخلوق
﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾










والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-18-2018, 02:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(69)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى: (الحكيم):

أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحكيم".



ورود اسم الحكيم في القرآن الكريم مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، وفي كثير من الأحاديث الشريفة، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة البقرة )
هذا الاسم أيها الأخوة، ورد مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز، العزيز الحكيم، كقوله تعالى:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة آل عمران )
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الخبير، وكذلك باسم العليم.


ورود اسم الحكيم في السنة النبوية:

أما في السنة ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم:
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

))

( سورة المائدة )
أيها الأخوة، كتعليق على هذه الآية الكريمة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام تقييم العباد من شأن الله وحده، لا تفكر أن تقييم إنساناً، بل إنه من التألي على الله أن تحكم على إنسان حكماً قطعياً، قد تجد إنساناً الآن، ومن أدراك أنه سيتوب، وسيسبقك أحياناً فحجم الإنسان لا يسمح له أن يصدر حكماً قطعياً على إنسان آخر، فتقييم البشر من شأن خالق البشر، استرح وأرح، لكن ليس معنى هذا أن ترى إنساناً يقترف معصية كبيرة وتقول هذا ولي، هذا حمق، هذه معصية، لكن مستقبل هذا الإنسان لا يعلمه إلا الله.


تقييم البشر من شأن خالق البشر:

لذلك دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أحد الصحابة، الذين توفاهم الله اسمه أبو السائب، فسمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، لأنه نبي مرسل ولأن كلامه حديث وتشريع، ولأن أفعاله سنة وتشريع، ولأن سكوته إقرار وتشريع، ينبغي ألا يسكت، فقال عليه الصلاة والسلام: ما يدريك أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه وأنا نبي مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.
يعني على وجه اليقين، أما على وجه الرجاء كل مؤمن يرجو رحمة الله، كل مؤمن مستقيم على أمر الله، مخلص يرجو الجنة، الرجاء شيء، والحكم القطعي المستقبلي على إنسان شيء آخر، فمن باب الأدب مع الله عز وجل لا تصدر حكماً على إنسان مستقبلياً هذا إلى النار، من قال لك كذلك ؟ الله تواب رحيم، الآن يعصي، كن عوناً له على الشيطان ولا تكن للشيطان عوناً عليه.
إذاً
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
هذا أدب مع الله، فالمؤمن لا يتألى على الله، ولا يقيّم البشر، ولا يصدر أحكاماً قطعية مستقبلية، هذا ليس من شأن العبد، هذا من شأن الرب، العبد عبد، والرب رب.


المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة "الحكيم" :

أيها الأخوة، "الحكيم" في اللغة كما ألفنا في الأسماء السابقة صيغة مبالغة، على وزن فعيل، بمعنى فاعل، يعني حكيم بمعنى محكم، أحكم الصنعة أتقنها، والفعل حكم يحكم، حكماً، وحكومة.
و "الحكيم" يأتي على عدة معانٍ:



1 ـ الإحاطة:


منها الإحاطة، فلان أحكم قبضته على هذا المشروع، سيطر عليه، وأحاط به علماً، الإحاطة والمنع، حكم الشيء منعه، وسيطر عليه وأحاط به، حكمة اللجام يضعون في فم الحصان قطعة من الحديد تلجمه، اسمها حكمة اللجام.



2 ـ المدقق في الأمور:


"الحكيم" المدقق في الأمور، المتقن لها.



3 ـ الذي يحكم الأشياء:


"الحكيم" الذي يحكم الأشياء، ويحسن دقائق الصناعات ويتقنها، حكيم في صنعته، صنعة متقنة جداً، يقول أحدهم: أحكمته التجارب، علمته التجارب، أصبحت خبراته متراكمة.



4 ـ الذي يحكم الأمر:


"الحكيم" هو الذي يحكم الأمر، يضبطه، ويقضي فيه، وأمره نافذ فيه.



5 ـ المدرك لدقائق الأمور:


"الحكيم" هو المدرك لدقائق الأمور، يبين الأسباب والنتائج.



6 ـ الحاكم:


"الحكيم" هو الحاكم، كأن تقول قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، واستحكم الرجل ؛ أي ابتعد عن كل ما يضره في دنياه وآخرته.
هذه المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة "الحكيم" .



الله جلّ جلاله حكيم متصف بحكمة حقيقية:




أما الله جل جلاله نقول هو "الحكيم" يعني متصف بحكمة حقيقية، عائدة إليه ، وقائمة به، كسائر صفاته، بحكمته:

﴿ خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

( سورة الأعلى )
وأسعد وأشقى، وأضل وهدى بحكمته، ومنع وأعطى، "الحكيم" هو المحكم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته، لماذا جعل الله لنا عينين ؟ لمَ لم تكن عيناً واحدة، بالعين الواحدة ترى الطول والعرض، ترى السطوح ولا ترى الحجوم، بالعينين ترى البعد الثالث ، ترى العمق، أنت بعين واحدة لا تستطيع أن تُدخل الخيط في الإبرة، وقد تكون المسافة بينهما عشرة سنتمتر، أما بالعينين تدرك البعد الثالث، فمن حكمة الله عز وجل أنه جعل لنا عينين.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

( سورة البلد )
ومن الحكمة أن جعل لنا أذنين، بأذن واحدة لا تعرف جهة الصوت، أما بالأذنين يأتي الصوت من هنا، يدخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن، بفارق يساوي على واحد على 1620 جزءاً من الثانية، تدرك جهة الصوت.
"الحكيم" هو الذي جعل قرنية العين تتغذى عن طريق الحلول، ولولا ذلك لو غُذيت قرنية العين كأي نسيج في جسم الإنسان لرأيت ضمن شبكة أوعية دموية تغذي قرنية العين، أما قرنية العين وحدها تتغذى عن طريق الحلول.
"الحكيم" لم يجعل في شعرك أعصاب حس، ولو جعل أعصاب حس لاضطررت إلى عملية جراحية اسمها الحلاقة.
"الحكيم" جعل لك قلباً ينبض ذاتياً، ولو ترك النبض إليك فالنوم يعني الموت.


كل شيء في الكون يدل على حكمة الله عز وجل:

"الحكيم" يمكن أن ترى كل شيء في الكون يدل على حكمته، وأحد أكبر أسباب الإيمان بالله دليل الحكمة، الطفل الصغير فُتح ثقب بين أذنيه، وهو في رحم أمه اسمه ثقب بوتال، عند الولادة تأتي جلطة من "الحكيم" تغلق هذا الثقب، ولو لم تغلق لمات البشر بداء الزرق.
"الحكيم" أودع في طحال الجنين كمية من الحديد تكفيه سنتين، إلى أن يأكل الطعام، الحديث عن الحكمة لا ينتهي، لكن أوضح مثل قريب جداً:
مفتاح الكهرباء أين يوضع ؟ على مستوى الأرض ! من أجل أن تستخدمه ينبغي أن تنبطح، أم يوضع في رأس الحائط تحتاج إلى سلم، أين المكان المناسب ؟ أن يكون في مستوى كتف الإنسان، هذا المكان وضع بحكمة بالغة، وبإمكانك أن تكتشف حكمة الله في كل شيء.
الفم ليس فيه شعر، الأنف فيه شعر، الشعر بالأنف ليصطاد المواد العالقة بالهواء، أما الشعر بالفم يزعج في الطعام والشراب، الحديث عن الحكمة يحتاج إلى عمر مديد، أحد أكبر أدلة وجود الله عز وجل دليل الحكمة.
الماء ليس له لون، لو أن له لوناً للون كل أطعمتنا، لخرجنا من جلدنا من هذا اللون، لو أن له رائحة لكانت هذه الرائحة في كل ما نأكل، أيضاً لم نحتمل ذلك، ليس له لون، ولا طعم، ولا رائحة، شديد النفوذ، يتبخر بدرجة 14، لا ينضغط، لو وضعت متر مكعب من الماء وفوقه حجم ووزن يزيد عن مئة طن لا ينضغط ولا ميلي، وهذا الماء إذا تمدد ليس في الأرض قوة تقف في وجهه.
لذلك أحدث طريقة لاقتلاع الرخام تحفر أنفاق ضيقة تملأ بالماء، ويبرد الماء، فهذا التبريد يدفع هذه الكتلة من الصخر أن تنفصل عن أصل مكانها، خصائص الماء فيها حكمة بالغة،.
خصائص الهواء، الهواء يحمل بخار ماء، لولا أنه يحمل بخار ماء لما كانت أمطار، ولما كانت حياة.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-18-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(70)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.




من أسماء الله الحسنى: (الغفور):



أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفور" وكما أن اسم المجيب من أقرب الأسماء إلى المؤمن، كذلك اسم "الغفور" من أقرب الأسماء إلى المؤمن.


ورود اسم الغفور في القرآن الكريم و السنة الشريفة:

اسم الله "الغفور" ورد معرفاً ومنوناً، ورد معرفاً بالألف واللام في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
هناك من يُغفل تتمة الآية:
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
غفور رحيم إذا تبت إليه، أما إذا لم تتب فعذابه عذاب أليم، وفي قوله تعالى:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 133 )
الله عز وجل خاطب النبي الكريم، وهو أرحم الخلق بالخلق، فقال له:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
فإذا تراحم الخلق فبرحمة من الله
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
توكيل تقليل برحمة
﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
وورد في اثنتين و سبعين آية في القرآن الكريم، منوناً، كما في قوله تعالى:
﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
أما في السنة: أبو بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:

(( يا رسولَ الله، عَلمني دُعاء أَدعو بِهِ في صَلاتي، قال: قُلْ: اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ ))
[أخرجه البخاري عن ابن عمر ]
هذا دعاء علمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا الصديق:

(( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على رجل ـ كان قد مات ـ فقال اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فأعذه من فتنة القبر وعذاب النار، أنت أهل الوفاء والحمد، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم ))
[أبو داود عن واثلة بن الأسقع]
هذا دعاء النبي للميت، هذا فيما ورد في الكتاب والسنة عن اسم "الغفور" .


معاني اسم الغفور في اللغة:

"الغفور" في اللغة، من صيغ المبالغة على وزن فعول، غافر، فاعل، غفور من صيغ المبالغة، يعني كثير المغفرة، ولا تنسوا أيها الأخوة، أن الاسم إذا جاء على صيغة المبالغة يعني المبالغة كماً ونوعاً، يغفر مليار ذنب، ويغفر أكبر ذنب، معنى غفور يدل على الكثرة والقوة، الكم والنوع في الفعل، طبعاً الفعل من هذا الاسم غفر، يغفر، غفراً، ومغفرة، وغفراناً، أصل الغفر التغطية، والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، كأن الله عز وجل حينما يغفر الذنب يستره عن صاحبه، لئلا يتعذر به، فطرة الإنسان فطرة سليمة، فإذا أخطأ الإنسان، أو سبب إيذاء لمخلوق يتعذب.
فالمغفرة: أن يستر الله عنه هذا الذنب، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفر غطاء الرأس، والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها، وغفر الله ذنوبه أي سترها:
(( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه - أي ستره - فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا ؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ - مرتين - فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته، وأما الآخرون - أو الكفار أو المنافقون - فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظَّالمين ))
[ البخاري عن ابن عمر]
كما قلت قبل قليل: إن اسم "الغفور" من أقرب الأسماء الحسنى إلى المؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، والله عز وجل غفور.


الله عز وجل غفور يستر العيوب والذنوب:

الآن الله عز وجل غفور، ما المعنى الدقيق ؟ قال: "الغفور" هو الذي يستر العيوب ويستر الذنوب، مهما بلغ الذنب، مهما بلغ الذنب من الكبر، ومهما تكرر من العبد وأراد الرجوع إلى الرب، فإن باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس، وليس التوبة:
﴿ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾
( سورة النساء الآية: 18 )
عند الغرغرة لا تقبل التوبة، أو تطلع الشمس من مغربها، وقد ذكرت لكم من قبل: أن من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن المسلمين حينما يستصغرون دينهم ويرون أن الغرب بما فيه من فسق، وفجور، وانحلال، وتطاول، وغطرسة، وكبرياء ، هم القوم، هم المتحضرون، هم الأخلاقيون، إذا أغفلنا ديننا، وتطلعنا إلى الغرب على أن الحضارة منه، والقيم منه، والحسن ما فعله، والقبيح ما قبحه، لا تعطى رخصة في أي مكان في العالم لفندق من نوع الخمس نجوم إلا إذا كان فيه الخمر، هكذا، حينما نرى الغرب مصدر الحضارة، مصدر الرقي، الغرب هم الأناس الذين عرفوا كيف يعيشون.

(( كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
حينما نرى الغرب كل شيء ونحن لا شيء، نحن على ما نحن عليه، عندنا وحي السماء، عندنا دين القيمة، عندنا سيد الأنبياء والمرسلين، عندنا منهج الخالق، عندما لا نرى أنفسنا شيئاً، ونرى الغرب كل شيء، عندئذٍ يغلق باب التوبة، لماذا يتوب الإنسان ؟ هذا أخطر شيء بالإنسان أن تهتز مبادئه و قيمه من الداخل.
لذلك باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس وتطلع الشمس من مغربها، طبعاً من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن نرى الغرب في أعلى درجات الرقي على ما هم فيه من إباحية، من تفلت، من انحلال، لكن في تقدم مادي مذهل.


الاستغفار نوعان: عام و خاص:

اسم الله "الغفور" يدل على دعوة العباد للاستغفار بنوعيه، هناك استغفار عام واستغفار خاص، ما الاستغفار العام ؟ هو الاستغفار من صغائر الذنوب، وقبائح العيوب ، وما يدور من خواطر السوء في القلوب، فالقلب فيه منطقتان، منطقة حديث النفس، ومنطقة الكسب، وأنت ساكت، هناك حديث داخلي، وهناك حديث ذاتي.
شخص ركب بمركبة إلى حلب، لوحده، طوال الطريق يحدث نفسه، قال: يا ترى هل أزور فلاناً ؟ لا، لا أريد أن أزوره، حوار ذاتي، يسموه كتّاب المسرح منولوج، حوار الذات، ففي منطقة الحديث حديث النفس، قد يأتيك خاطر لا يرضي الله، قد تفكر بإيذاء إنسان، قد تستصغر إنساناً مؤمناً لكن فقير، كل خاطر، كل حديث ذاتي لا يرضي الله ينبغي أن تستغفر الله من هذه الخواطر، هذا الاستغفار العام، يعني الله عز وجل تفضل علينا، وكأنه عفا عنا فيما حدثنا به أنفسنا، أما إذا انقلب إلى عمل، صار في استغفار خاص، في ذنب ارتكبته، في سلوك فعلته، في موقف وقفته، في نظرة نظرتها، في استعلاء استعليت به، مادام في سلوك، انتقلنا إلى منطقة أخرى، منطقة الكسب، في خواطر، خطرات، أفكار قد لا ترضي الله، تحتاج إلى استغفار عام، وفي منطقة الكسب في سلوك، وقفت موقفاً عنيفاً، وقفت موقفاً في استعلاء، من أنت ؟
﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
الموقف الذي في استعلاء، الذي في خطأ، الذي في كبر، الذي في تجاوز الذي في مخالفة، هذا يستدعي استغفار خاص، أن تستغفر الله من هذا الذنب بالذات.


من نعم الله الكبرى على الإنسان أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:

أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
أي من نعم الله الكبرى أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:

(( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
إلا أن توبة النبي هناك من أعطاها معنىً آخر، يعني كلما أقبل على الله انكشفت له من حقيقة الذات الإلهية ما رأى أن رؤيته السابقة ذنباً تستحق الاستغفار، هذا الكلام في شأن النبي صلى الله عليه وسلم.

(( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
و:

(( إِنه لَيُغَانُ على قَلبي ـ ليغطى على قلبي ـ حتى أَستَغفِر الله في اليومِ مئةَ مرة ))
[مسلم عن الأغر المزني]
وقال بعض العلماء: كلمة مئة تدل على الكثرة، لا على العدد المحدد، هذا الاستغفار العام، أما الاستغفار الخاص هذا كما قلت قبل قليل: متعلق بمنطقة الكسب، بعد تعمد الفعل، يعني سخر، اغتاب، نمّ، احتقر، ضرب، استكبر، استعلى، بعد تعمد الفعل واقتراف الإثم في اللسان والجوارح كقوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الفرقان )
أي قبل التوبة كان بخيلاً، بعد التوبة أصبح كريماً، قبل التوبة كان غضوباً، بعد التوبة أصبح حليماً، قبل التوبة كان قليل الورع، بعد التوبة أصبح كثير الورع.


الله عز وجل خلق الإنسان بإرادة حرة تميز بين الحق والباطل:

أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل خلق البشر بإرادة حرة، أنت حر، أنت مخير ، لولا أنك مخير لا معنى للجنة ولا للنار، ولا للثواب ولا للعقاب، ولا للسعادة ولا للشقاء ، أنت مخير.
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
فالله عز وجل خلق البشر وأعطاهم إرادة حرة.
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تخرصون َ ﴾
( سورة الأنعام )
إذاً خلقهم بإرادة حرة، مخيرة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، وأعلمهم أنه غفور رحيم، و تواب كبير، ليظهر لهم الكمال في أسمائه، وليحقق فيهم مقتضى أوصافه، لتعود المنفعة عليهم أجمعين.

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ الترمذي عن أنس بن مالك]


العاقل من حاسب نفسه حساباً عسيراً قبل لقاء الله عز وجل:

عند مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لو لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم ))
هذا الحديث يحتاج إلى شرح، له رواية أخرى:

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لهم ))
الحقيقة ليس معنى الحديث أن تسارع إلى الذنب، مستحيل وألف ألف مستحيل ولكن معنى الحديث أن الذي لا يشعر بذنبه هالك، منتهٍ، لا يعبأ الله به، يفعل الكبائر، يقول لك ماذا فعلت ؟ لم أفعل شيئاً ؟ هذا الذي لا يرى ذنبه إطلاقاً،
(( لَو لَم تُذنِبُوا ))
بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم، يسهر سهرة كلها غيبة ونميمة، يقول لك ماذا فعلت ؟ نتسلى ! لا، كل كلمة ذكرتها فيها حساب شديد،
(( لَو لَم تُذنِبُوا ))
أنتم هالكون عند الله، لا يعبأ بكم، يأتي بقوم إذا أخطأ بكلمة لا ينام الليل، إذا أكل قرشاً حراماً يحاسب نفسه حساباً عسيراً.
رأى النبي تمرة على السرير، قال: يا عائشة ! لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها، يحاسب نفسه حساباً عسيراً.

(( وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
أيها الأخوة، إذاً
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[الترمذي عن أنس]
(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ ))
[ رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أبي أيوب خالد بن يزيد]
بمعنى يشعرون بذنوبهم، يتألمون منها، في حياة، إذا إنسان حي ضربته يتألم إذا ميت لا يتألم.

ليس من مات فاستراح بميت إنما ميتُ ميت الأحياء
* * *
فالذي لا يشعر بذنبه إطلاقاً، ولا يعبأ به، يقول لك ماذا فعلنا ؟ الناس كلهم هكذا.


الغفور من أقرب الأسماء إلى المؤمن لأن الله عز وجل أعطى الإنسان أملاً بالمغفرة:

أيها الأخوة، مرة ثانية: هذا الاسم من أقرب الأسماء إلى المؤمن، لأن العبد من شأنه أن يذنب، وأن الله تعالى من شأنه أن يغفر، شأن العبد أنه يذنب، وشأن الرب أنه يغفر، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تستغفره إلا لأنه علم ضعفك وغفلتك أحياناً، في ضعف أمام بعض الشهوات، وفي غفلة، فالمغفرة علاج الضعف البشري، أو الغفلة، لولا أن الله جلّ جلاله غفور رحيم ماذا حلّ بنا ؟ وماذا نفعل بذنوبنا ؟ وكيف نواجه ربنا ؟ لكن الله سبحانه وتعالى غفور، يستر ذنبك عن الخلق، ويعفو عنك، ويحول بينك وبين العقاب.
تصور ما في مغفرة، ولا في توبة، الإنسان من أقل ذنب يفجر، ما في أمل أحياناً الطغاة لا يرحموا، ولا يغفروا، فالإنسان لما ييأس يرتكب أكبر الكبائر ما في أمل، أما الله عز وجل أعطاه أملاً.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾
( سورة طه )



شروط المغفرة العودة والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب:

لكن في فهم ساذج أن الله غفور رحيم، لا، غفور رحيم إذا تبت إليه
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
رجعت إليه تائباً، مستقيماً، مقلعاً عن الذنب، الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
( سورة الزمر الآية: 53 )
تتمة الآية:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
( سورة الزمر )
يعني غفور رحيم إن عدت إليه، غفور رحيم إذا تبت إليه، غفور رحيم إذا أنبت إليه، غفور رحيم إذا استغفرته، أما غفور رحيم على إطلاقها، الآية واضحة جداً،
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
غفور شرط العودة، والتوبة، والإنابة، والإقلاع عن الذنب.


العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً:

أيها الأخوة، أحياناً الإنسان لضعفه يقول لك سامحته، لأنك ضعيف، لأنك لا تملك أن تحاسبه، لا تملك أن تعاقبه، ضعيف، لكن أنت حينما تعفو عن عدوك وهو في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه، وبإمكانك أن تذيقه ألوان العذاب، وتعفو عنه هذا العفو يرقى بك عند الله.
لذلك حينما ائتمرت قريش على رسول الله عشرين عاماًً، ونكلت بأصحابه ، وحاربته مرات عديدة، ثم وقعوا في قبضته عند فتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة ينتظرون كلمة من فمه الشريف، قال:
(( ما تظنون إني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ السيرة النبوية]
لذلك العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً، وقد قيل العفو عند المقدرة، أحياناً يقول لك: أنا أديت الحق، أنت موقع سنداً، موقع إيصالات، وأعطيت مكان إقامتك وخصمك ليس سهلاً، يقيم دعوى، يأخذ المبلغ كاملاً منك، أنت إذا أديت هذا المبلغ ما فعلت شيئاً، أما حينما لا تكون مداناً في الأرض.
أقسم لي إنسان بالله أودع معه إنسان عشرين مليوناً ليستثمرها عنده، ولم يعلم أحداً، ولا أخذ وصلاً، ومات بحادث، في الأرض ليس مداناً، توجه إلى الورثة، وقدم لهم المبلغ، هذه الأمانة، أنت تؤدي ما عليك، ولست مداناً في الأرض.
لذلك هناك صفات أخلاقية يجب أن تكون معك، أداء الأمانة ألا تكون مداناً، العفو أن تكون مقتدراً، العفو عند المقدرة.
أيها الأخوة، لها الاسم العظيم شرح طويل إن شاء الله نتممه في لقاء آخر.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-19-2018, 09:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(71)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (الحميد):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحميد".




ورود اسم الحميد في القرآن الكريم:


هذا الاسم "الحميد" ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، ورد مفرداً كما في قوله تعالى:

﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾

( سورة الحج )
وكأن الطيب من القول طريق إلى "الحميد".
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾

( سورة البقرة الآية: 83 )

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]

﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾



اقتران اسم الحميد بعدد من أسماء الله الحسنى منها:


1 ـ العزيز:


ورد هذا الاسم مقترناً باسم العزيز في قوله تعالى:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 1 )
الظلمات جاءت جمعاً، والنور جاء مفرداً، لأن الحق لا يتعدد، بينما الباطل لا يعد ولا يحصى.
بين نقطتين لا يرسم إلا خط مستقيم واحد، لكن بين هاتين النقطتين يرسم ملايين الخطوط المنكسرة، أو المنحنية، فالباطل لا يعد ولا يحصى.
لذلك عمر الإنسان أقل بكثير من أن يستوعب الباطل، من أجل أن تستوعب فرقة ضالة تحتاج إلى سنوات طويلة، هناك آلاف الفرق الضالة، أما هذا العمر يكفي لاستيعاب الحق، البطولة أن تستوعب الحق، وان يكون الحق مقياساً، أما أن تبذل الجهود المضنية والوقت الطويل لاستيعاب الباطل، الاستيعاب شبه مستحيل.

﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾
جاء مفرداً.


بطولة الإنسان أن يكون مستغنياً عن الناس والناس يحمدونه:

أما المقترن بالعزيز:
﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

( سورة إبراهيم )
هو عزيز يحتاجه كل شيء في كل شيء، ومع ذلك هو حميد، أحياناً الإنسان إذا كان غنياً لا يعبأ بسمعته، معه مال، تحل به كل المشكلات، لكن البطولة أن تكون مستغنياً عن الناس والناس يحمدونك.
الإنسان أحياناً يكون لطيف، يكون متواضعاً لأن له حاجات عند الناس، أما إذا كان مستغنياً عنهم قد لا يكون كاملاً، أما ربنا جل جلاله عزيز حميد.


2 ـ الغني:


وقد اقترن هذا الاسم باسم الغني، كما قي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

( سورة فاطر )

﴿ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

﴿ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
في أخلاق البشر، من شأن القوي أن لا يعبأ بسمعته، من شأن الغني ألا يعبأ بسمعته، من شأن القوي ألا يكون كاملاً، من شأن الغني ألا يكون كاملاً، لكن الله جل في علاه ذات كاملة له الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى.


3 ـ الولي:


واقترن هذا الاسم باسم الولي، كما في قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

( سورة الشورى )
يتولى أمرك لكن هذا التولي تحمده عليه، أحياناً تولي محامياً، يهمل في كتابة المذكرات، أو ينحاز إلى خصمك، مقابل مبلغ كبير، أنت وليته لكن لا تحمده على هذه التولية، لكنك إذا وليت الله، إذا جعلت الله وليك، والله عز وجل نقلك من حال إلى حال ، من مستوى إلى مستوى، من مقام إلى مقام، من أعماق أعماق قلبك تحمده على أنه وليك.
﴿ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة الحج الآية: 38 )



4 ـ المجيد:


هذا الاسم أيضاً اقترن باسم المجيد، كما في قول الله عز وجل:

﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾

( سورة هود )
يعني إنسان له سلطة قوية يعطي أمراً بلا تعليل، افعل وانتهى الأمر، لا تحاور، لا تناقش، لكن الله سبحانه وتعالى هو الآمر، هو المجيد، هو القوي، كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك يقول لك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )
أعطاك التعليل.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 103 )
مجيد، آمر، ناهي، عظيم، كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك، مع أنه مجيد هو حميد،
﴿ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

﴿ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

﴿ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾

﴿ الْعَزِيزِ ؤ الْحَمِيدِ ﴾




5 ـ الحكيم:


أيضاً هذا الاسم اقترن باسم الحكيم، في قوله تعالى:

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾

( سورة فصلت )
أي أنك إذا تأملت في أفعاله تحمد حكمته، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يليق أن يقع في ملك الله ما لا يريد، وكل شيء أراده الله وقع، هذه الإرادة بمعنى السماح متعلقة بالحكمة المطلقة، أي أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أو أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، هذه الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
ففي العالم المادي الشيء الذي وقع قد يكون شراً نسبياً، لكن لأن الله سمح به ورآه خيراً، علمه من علمه، وجهله من جهله، قال تعالى:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )



ورود اسم الحميد في السنة الشريفة:


أما هذا الاسم في السنة الصحيحة فقد ورد عند البخاري من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال:

(( سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيب، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ))
هذا القسم من هذا الدرس أين ورد هذا الاسم في القرآن مفرداً ومقترناً في الكتاب وفي السنة.


معاني الحميد في اللغة:

أما في اللغة "الحميد" أيها الأخوة، صيغة مبالغة لاسم الفاعل، هذه الصيغة على وزن فعيل، حميد، فعيل، كريم، جريح، على وزن فعيل، هذا الوزن بمعنى اسم المفعول جريح أي مجروح، حميد أي محمود، المعنى الدقيق لهذا الاسم محمود، وزن فعيل يعني معنى اسم المفعول، كأن تقول جريح مجروح، حميد محمود، الفعل حمد يحمد حمداً الحمد نقيض الذم، يحمد ويذم، والحمد بمعنى الشكر، هناك معنى آخر هو المكافأة على العطاء، الشكر والثناء والمكافأة على العطاء.
لكن أيها الأخوة، الحمد والشكر متقاربان، لكن الحمد أعم من الشكر، إنك تحمد في الإنسان صفاته الذاتية، ما شاء الله ! طويل القامة، صبوح الوجه، لكن لا تشكره على ذلك، الشكر مقابل عمل صالح، هناك فرق بين الحمد والشكر مع أنهما مقترنان ومتقاربان لكن الحمد أعمّ من الشكر، تحمد الإنسان على صفاته الذاتية، وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته.
الآن يقال: فلان محمود إذا حُمد، ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة، هي بالأساس حميد اسم مبالغة، صيغة مبالغة لكن محمد مبالغة المبالغة، يقال للإنسان حميد إذا حمدته على أفعاله، أما إذا كثرت خصاله الحميدة فهو محمد، والنبي عليه الصلاة والسلام محمد، هذا في اللغة.



الحميد المستحق للحمد والثناء وليس أحد إلا الله يستحق الحمد والثناء الحقيقيين:


كيف نفهم اسم "الحميد" في شأن الله عز وجل ؟ أولاً "الحميد" المستحق للحمد والثناء، وليس أحد إلا الله يستحق الحمد والثناء الحقيقيين.
يعني الإنسان أحياناً له أم تحبه، يحبها، يحمدها، لكن لولا أن الله أودع في قلب الأم محبة ابنها ما أكرمته، فهذا الحمد الموجه إلى الأم هو في الحقيقة موجه إلى الله.
"الحميد" هو المستحق للحمد والثناء، والله عز وجل حمد نفسه، وقال في الفاتحة التي تقرأ في اليوم عشرات المرات:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الفاتحة )



المؤمن يرى النعم من الله تعالى وغير المؤمن يعزو النعم إلى غير الله:

هناك ملمح دقيق: الحمد معروف، وكل إنسان يعرفه، يعني إنسان يتمتع بصحة جيدة، الصحة نعمة كبيرة، يتمتع بدخل يغطي نفقاته نعمة كبيرة، له بيت نعمة كبيرة، له زوجة نعمة كبيرة، له أولاد نعمة كبيرة، في رأسه عقل تفوق باختصاص يدر عليه مبلغاً كبيراً نعمة كبيرة، لكن الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن: الحمد لله، أما قارون قال:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يقول: الحمد لله، هذا شيء واقع وحقيقي وعلمي وموضوعي، أما غير المؤمن يقول لك بتعبي، بكد يميني وعرق جبيني، بأموالي الطائلة، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع،
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
الفرق الدقيق بين المؤمن وبين غير المؤمن أن المؤمن يرى هذه النعم من الله، بينما غير المؤمن يعزو هذه النعم إلى غير الله، يعني المؤمن مع المنعم، وغير المؤمن مع النعمة، أما النعمة موجودة.
مرة حدثني أخ قال لي: دُعيت إلى حفل في فندق من أرقى الفنادق، يعني دولة تقيم بعيدها الوطني حفل استقبال، ومأدبة عشاء، قال لي: المدعوون على اختلاف مللهم ، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأفكارهم، وأعراقهم، وأنسابهم، واتجاهاتهم، وتياراتهم، من كل أطياف المجتمع، أما هذا الطعام النفيس الذي قدم لهم قاسم مشترك بينهم جميعاً، يعني المؤمن يأكل طعاماً ويستمتع به، والكافر يأكل طعاماً ويستمتع به، والعاصي يأكل طعاماً ويستمتع به، والفاجر يأكل طعاماً ويستمتع به، النعمة موجودة.
بالعكس العالم الغربي استطاع أن يستغل النعم التي خلقها الله في أعلى مستوى، لا يوجد مجتمع استفاد من نعم الله كما استفاد العالم الغربي، فهو مع النعمة، أما المؤمن مع المنعم، هذا الفرق.
أنت معقول تُدعى لبيت مائدة فيها ما لذّ وطاب، أثاث فخم، مقبلات، عصير ، ورود، كل أنواع الإكرام معقول تأكل وتمشي ؟ لا تقول لصاحب هذه المأدُبة جزاك الله خيراً شكر على هذه الدعوة.


الله عز وجل يريد من كل إنسان أن يكون مع المنعم لا مع النعمة:


المؤمن كريم، يشكر المنعم، أما غير المؤمن لئيم يستمتع بالنعمة وكفى.
مرة كنا نقدم قطعة حلويات لكل طفل جاء مع أبيه للمسجد تشجيعاً له، لاحظ الأطفال أنواع منوعة، طفل يمتنع عن أخذها عفة، لولا أن أباه يجبره على أخذها لما أخذها ، طفل آخر يأخذها بسهولة، لكن يشكر المعطي عليها، هذا مستوى أرقى، الأول أرقى، العفيف أرقى شخص، الأقل منه يأخذها بسهولة لكنه يشكر المعطي، الثالث عينه على هذه القطعة يأخذها ويمشي دون أن يقول كلمة، الرابع يحتال يأتي مرتين أو ثلاثة.
أنت كمؤمن علاقتك مع المنعم، هناك إنسان يشكر الله، دخل إلى بيته الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له، أمامه زوجة تعتني به، أي معتنية بهندامه، الطعام جاهز، عنده أولاد أبرار، يرى نعم الله عليه كثيرة، وما دمت تشكر هذه النعم لا تتوقف، تستمر، وبالشكر تدوم النعم.
المخلص في قوله تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾
أي أن الله يريدك أن تكون مع المنعم لا مع النعمة، مع النعمة لؤم، لكن مع المنعم كرم.


الله عز وجل محمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع:

لذلك قال بعض العلماء: الله جلّ جلاله المحمود، وحميد، حميد يعني محمود ، محمود على ما خلق وشرع، خلق الإنسان، خلق له زوجة، أولاداً، شمساً، قمراً، ليلاً، نهاراً، نجوماً، أطياراً، أسماكاً، سماء زرقاء، أرضاً خضراء، بحاراً، بحيرات، مياهاً عذبة، أنهاراً، ينابيع، يحمد الله على ما خلق، وشرع الصيام، وشرع غض البصر، وشرع الصدق والأمانة، وشرع الزواج، وحرم الزنا، أي شرع التجارة وحرم السرقة، يحمده على ما خلق وشرع، ووهب ونزع.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
وضر ونفع، يضر لينفع، يأخذ ليعطي، يبتلي ليجزي، يخفض ليرفع، يذل ليعز.
إذاً محمود على ما خلق وشرع، ووهب ونزع، وضر ونفع، وأعطى ومنع.
إحدى بنات النبي توفي ابنها، فأرسلت تخبره، فكان يقول:

(( إن للهِ ما أَخذَ، وله ما أعطى ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أسامة بن زيد]
أخذ وأعطى، وعلا بذاته وشأنه فارتفع، وأمسك السماء عن الأرض أن تقع، وفرش الأرض فانبسط سهلها واتسق، حمد نفسه، وحمده الموحدون، فله الحمد كله، هذا معنى اسم "الحميد".


الله عز وجل محمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم:

أحد العلماء الكبار شرح هذا الاسم شرحاً لطيفاً من المناسب أن أنقله إليكم، قال ابن القيم: الحمد كله لله رب العالمين، فإنه المحمود على ما خلق، والمحمود على ما أمر به، والمحمود على ما نهى عنه، فهو المحمود أيضاً على طاعات العباد ومعاصيهم، كيف على معاصيهم ؟ يعني هناك شهوة مستحكمة، هذه الشهوة أصبحت حجاباً بين العبد وربه، فالله عز وجل يسمح له أن يطلقها كي يرتاح ثم يؤدبه.
إذاً محمود على طاعات العباد، وعلى معاصيهم، وعلى إيمانهم، وعلى كفرهم ، أعطاهم حرية الاختيار، المحمود على وجود الأبرار والفجار، كان من الممكن أن يكون الفجار في كوكب آخر، أو في قارة أخرى، أو في حقبة أخرى، لكن شاءت حكمة الله أن نجتمع معاً في كل العصور، لماذا ؟ لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون العطاء بالآخرة إلا بصمودهم أمام أهل الباطل، الحق والباطل معهم معركة أزلية أبدية، هذا قدرنا، يوم القيامة نحمد الله على أننا كنا في الأرض مع أهل الباطل، وقد تعبنا منهم، وأتعبونا، وضغطوا علينا، واحتلوا، واجتاحوا، وأساؤوا، وظلموا، وقهروا وكانوا سبب عودتنا إلى الله.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة القصص )
إذاً وهو المحمود على وجود الأبرار والفجار، والملائكة الأخيار، والمحمود على إرسال الرسل، ووجود أعدائهم.


الله عز وجل محمود على فضله وإنعامه على أوليائه:

يأتي إنسان يؤلف كتاباً فيه شبهات حول الإسلام، الكتاب يثير ضجة كبيرة طلاب العلم يلجؤون إلى علمائهم، هذا الكتاب على أنه ضلالات يعمل حركة بالبلد، شدد من توثيق العلم، دفع الطلاب إلى علمائهم، اجتهد العلماء في الرد عليه، هذا شأن إبليس نشاطه في إضلال الخلق لكن في المآل، هذا النشاط يعود بالخلق إلى ازدياد إيمانهم وتعلقهم بربهم.
إذاً محمود أيضاً على عدله في أعدائه، كما هو محمود على فضله وإنعامه على أوليائه، كل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، ولهذا:

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾

( سورة الإسراء )



الله عز وجل حميد يحمده عباده الموحدون:


الآن الله عز وجل حميد، يحمده عباده الموحدون، لأنهم يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرخ لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
إذاً حميد يحمده عباده الموحدون لأنه يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء، وخلق الآخرة للجزاء، يحمدونه على السراء والضراء.



الله تعالى خلق الدنيا للابتلاء والآخرة للجزاء فالعاقل من حمده في السراء والضراء:

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
يحمدونه ويوحدونه في العبادة والاستعانة والدعاء، حتى يكرمهم بجنته عند اللقاء إن ابتلاهم صبروا، إن أنعم عليهم شكروا، لذلك قال الله في وصفهم:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 43 )
شخص درس جامعة، وأخذ شهادة عليا، وجاءه دخل وفير مرّ بعد عشرين سنة أمام الجامعة قال: الفضل لهذه الجامعة التي تربيت فيها، وتعلمت فيها، وهذا الدخل الذي جاءني الآن بفضل هذا الاختصاص، يعني مثلاً يذكر النعم، وفي آية ثانية:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾

( سورة فاطر الآية: 34 )
في الدنيا هناك كبر، هناك مرض، هناك هم، هناك زوجة سيئة، هناك ابن عاق، هناك اجتياح، هناك ضغوط، هناك حصار، هناك جفاف، هناك غلاء أسعار، أما في الآخرة
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾

﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

( سورة فاطر )
وفي لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا الاسم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-19-2018, 09:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(72)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الحفيظ):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الحفيظ".



ورود اسم الحفيظ في القرآن الكريم:


ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾

( سورة سبأ )
وفي قوله تعالى عن هود عليه السلام:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾

( سورة هود )
وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً، الاسم كما تعلمون يرد مطلقاً أو مقيداً، ورد مقيداً في قوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

( سورة الشورى )
ولم يرد هذا الاسم في السنة.


معاني اسم الحفيظ في اللغة:

أما من حيث اللغة فالحفيظ في اللغة صيغة مبالغة من اسم الفاعل الحافظ، الحافظ اسم فاعل صيغة المبالغة منه "الحفيظ" الفعل حفظ، يحفظ، حفظاً.
الآن حفظ الشيء صيانته من التلف والضياع، ويستعمل الحفظ في العلم على معنى الضبط، وعدم النسيان، أو تعاهد الشيء وقلة الغفلة عنه، رجل حافظ، وقوم حفاظ هم الذين رزقوا حفظ ما سمعوا وقلّما ينسون شيئاً.
بالمناسبة: الذكاء شيء، والذاكرة القوية شيء آخر، لكن بينهما منطقة مشتركة يعني كل ذكي لابدّ من ذاكرة تعينه في استرجاع الحقائق، وكل من يملك ذاكرة قوية على شيء من الذكاء، أما الذكاء شيء في النهاية، وصاحب الذاكرة القوية شيء آخر.
والحافظ و "الحفيظ" أيضاً هو الموكل بالشيء يحفظه، ومن ذلك الحفظة من الملائكة كما في قوله تعالى:
﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )
المؤمن
﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾

﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾
وقف
﴿ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
يعني الله عز وجل كرّم المؤمن بأنه أوكل ملائكة
﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
المؤمن محفوظ، الملائكة الحفظة الذين يحصون الأعمال، ويكتبونها على بني آدم كما قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾

( سورة الانفطار )
ويقال: حفظ المال والسر حفظاً رعاه وصانه، واحتفظ بالشيء بنفسه، يعني خصها به، والتحفظ قلة الغفلة في الأمور والكلام، هذا ما يتعلق بمصدر الحفظ في اللغة.


الحفيظ من أقرب الأسماء للمؤمن من معانيها:

1 ـ الحفيظ سبحانه وتعالى هو العليم و المهيمن:


أما أن الله سبحانه وتعالى هو "الحفيظ" أيها الأخوة، هذا الاسم من أقرب الأسماء للمؤمن.
أما "الحفيظ" سبحانه وتعالى هو العليم، المهيمن، لن تكون مهيمناً إلا أن تكون عليماً، العليم، المهيمن، لا تغيب عنه لا شاردة، ولا واردة.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )
لا تخفى عليه خافية، "الحفيظ" هو العليم، والمهيمن، هو الرقيب على خلقه.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

( سورة النساء )

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

( سورة الفجر )
من لوازم أنه حفيظ يعلم كل شيء، لا يغيب عنه شيء، العليم، المهيمن ، الرقيب على خلقه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في ملكه.


2 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أعمال المكلفين:


الآن: و "الحفيظ" هو الذي يحفظ أعمال المكلفين، أعمالك محفوظة عنده حركاتك، وسكناتك محفوظة عنده، والذي شرف
﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
يدونون على العباد القول، أقوالهم، وخطراتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، الآية الكريمة:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم ﴾

( سورة الشعراء )
حركاتك، وسكناتك، وخطراتك، وكل جزئيات حياتك، محفوظة عند الله عز وجل.


3ـ الحفيظ يحفظ على عباده أسماعهم وأبصارهم وجلودهم:


وهو "الحفيظ" بمعنى ثالث، يحفظ على عباده أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم يحفظ لهم أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم، لماذا ؟ قال: لتشهد عليهم يوم اللقاء.

﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ﴾

( سورة فصلت الآية: 20 )



4ـ الحفيظ يحفظ من يشاء من الشر والأذى والبلاء:


أيها الأخوة، و "الحفيظ" بمعنى رابع هو يحفظ من يشاء من الشر، والأذى والبلاء، أرأيت إلى هذا الاسم ؟ يتصل بحياتنا اتصالاً وثيقاً.



5 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان:



و "الحفيظ" هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد، ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع بالعصيان.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

( سورة الفاتحة )
لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، يحفظ أهل التوحيد والإيمان، ويعصمهم من الهوى، وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع في العصيان.


6 ـ الحفيظ هو الذي يهيئ الأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان:



الآن: و "الحفيظ" هو الذي يهيئ الأسباب بتوفيقه إلى الطاعة والإيمان، يحفظك من الوقوع في العصيان، ويمدك بالأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان.
ثبت من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:
(( اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدوا حاسداً، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك ))



الشر المطلق يتناقض مع وجود الله فالله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق:

لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
كلام دقيق، يعني الشر نسبي، ليس هناك شر مطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك خير مطلق، و هناك شر نسبي، يعني هذه المصيبة بالنسبة إليك تعد شراً لكنها بالنسبة إلى مآلك ومستقبل حياتك تعد خيراً.
لذلك الله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق.

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
للتوضيح: مركبة من أحدث المركبات، ساقها صاحبها وهو ثمل، شرب الخمر وساقها، نزل في الوادي، تحطمت، هذا المنظر المشوه للمركبة هل يحتاج إلى صانع ؟ لا، الصانع أخرجها من معمله كاملة، أما حينما أسيء استخدامها، وتحطمت نقول هذا الشر ناتج من مخالفة التعليمات.

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
الشر سلبي، الشر ناتج عن إنسان أعطاه الله حرية الإرادة، أعطاه الشهوات ، ولم يتحرك وفق منهج الله، لو تحرك وفق منهج الله لما كان شراً إطلاقاً، فالشر ناتج من كائن أودع الله فيه الشهوات، ومعه حرية الاختيار، وتحرك من غير ضابط من منهج الله لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية: 50 )



الشر المطلق لا وجود له في الكون:


إذاً الشر نسبي،

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
بينما الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، الشر ناتج عن سوء الاستعمال، الملح مادة مهمة جداً، إذا وضعت في الحلويات لا تأكلها صار حلويات لا تؤكل، الأصل الملح مادة مفيدة، والسكر مادة مفيدة، والمواد التي صنعت منها الحلويات مواد مفيدة، أما حينما أسيء استخدم الملح وضع في الحلويات هذا هو الشر النسبي، ناتج من سوء الاستعمال، والسكر مادة مفيدة، والمسحوق الأبيض للتنظيف مادة مفيدة، إن وضعت في الطعام فالطعام لا يؤكل.
فالشر سلبي لا يحتاج إلى صانع، يحتاج إلى إنسان مخير تحرك بقوة شهوته من دون ضابط من شرع، والدليل الواضح:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
معنى ذلك الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه.


7 ـ الحفيظ هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته:



الآن: و "الحفيظ" أيضاً هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته، قال تعالى:

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حفظيهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة )
فالله حفيظ لمخلوقاته أي أنه يبقيها على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بالمعلولات، هذه قوانين، هناك علة، وهناك معلول، أي هناك سبب، وهناك نتيجة، من نظّم علاقة الأسباب بالنتائج ؟ هو الله عز وجل، يعني الله تفضل علينا بمليارات القوانين، قوانين ثابتة، هذه القوانين الثابتة تنظم الحياة، أنت أمام قوانين، والقانون يعطيك قدرة على التنبؤ، الآن يوجد فواصل تمدد، التمدد قانون، أثناء البناء تراعي هذا القانون، فالبناء لا يتصدع، لو ما في قوانين الحياة لا تُعاش، تصبح الحياة شاقة جداً، كل شيء له قانون.


8 ـ الحفيظ يبقي مخلوقاته على حالها و لغاياتها:



إذاً "الحفيظ" يبقي مخلوقاته على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بمعلولاتها وهو سبحانه وتعالى يحفظ الأشياء بذواتها وصفاتها.



الله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والموجودات التي يطول أمدها والتي لا يطول:


الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر أن الحافظ على وجهين، يعني الحفظ الإلهي على وجهين، الوجه الأول إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، ويضاده الإعدام، الشيء الموجود يعني محفوظ، الحفظ يعني البقاء، الله عز وجل أبقى الشمس شمساً، والقمر قمراً ، والنجوم نجوماً، أبقى الماء ماءً، والهواء هواءً، أبقى المعادن معادن، أعطاها خواص، خواصها ثابتة.
والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمدها والتي لا يطول.
هناك شيء، يقول لك: القمح مثلاً وجد في الأهرامات، من ستة آلاف عام فلما زُرع نبت، والقمح في رشيم، والرشيم كائن حي، معنى هذا الكائن الحي عاش ستة آلاف عام في أشياء يمد لها في العمر، وهناك أشياء عمرها سريع، جسمك أقصر خلية عمرها 48 ساعة خلايا زغابات الأمعاء، تتجدد كل 48 ساعة، وأطول خلية بالإنسان عمرها خمس سنوات، الخلية العظمية، يعني أنت أيها الإنسان تتجدد كلياً كل خمس سنوات، عدا خلايا الدماغ وخلايا القلب.
كل المعلومات والأفكار والخبرات والمهارات والذواكر بالدماغ، لو أنها تبدلت يفقد الإنسان كل اختصاصه، يقول لك: أنا كنت طبيباً، كنت، فالدماغ ثابت، وجميع المشاعر والأذواق في القلب، وتبديل القلب في مشكلة كبيرة جداً، مشاعر القلب، صاحب القلب الأول تتأتى للذي زُرع هذا القلب له.




الحفظ الإلهي على وجهين:


1 ـ إدامة وجود الموجودات وإبقائها:


فأول وجه من وجوه الحفظ إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، وهذا يعاكسه الإعدام، والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض، والملائكة، والموجودات التي يطول أمد بقائها، والتي لا يطول.



2 ـ الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض:


الوجه الثاني للحفظ: أن الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض، الآن الماء يطفئ النار، فالماء والنار متضادان، والنار تحيل الماء بخاراً والماء والنار أيضاً متضادان، ما الذي يحفظ للماء وجوده وللنار وجودها ؟ هو الله عز وجل، هما يتعادلان، ويتناقضان.
أيها الأخوة، وقد جمع الله عز وجل بين هذه المتضادات المتنازعة، في سائر العناصر والمركبات، وسائر الأحياء كالإنسان، والحيوان، والنبات.
الآن ارتباط العلل بمعلولاتها، يعني الأسباب بنتائجها ارتباط من خلق الله عز وجل، لولا هذا الارتباط لتنافرت، وتباعدت، وبطل امتزاجها، واضمحل تركيبها.



الحفظ الحقيقي الذي يسعى إليه كل إنسان لا يكون بجهده ولكن يكون بحفظ الله له:

الآن لو دخلنا في موضوع يمسنا كثيراً، كل إنسان وصل لمنصب يحافظ عليه بل إن أربع أخماس وقته للحفاظ على هذا المنصب، كل إنسان وصل إلى مكتسب يحافظ عليه، وصل إلى ثروة يحافظ عليها، وصل إلى مركز يحافظ عليه، فالحفاظ على الشيء من طباع الإنسان، لكن الحفظ الحقيقي الذي تسعى إليه جاهداً لا يكون بجهدك، ولكن يكون بحفظ الله لك، والله عز وجل قال:

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

( سورة يوسف )
يعني جميع الأسباب التي تتخذها للحفاظ على مالك قد لا تُفلح، أما حفظ المال يكون بأن تؤدي زكاته.

(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]



بطولة الإنسان لا أن يتخذ الأسباب المادية لحفظ ما هو فيه بل يتخذ الأسباب التشريعية:


الآن البطولة لا أن تتخذ الأسباب المادية لحفظ ما أنت فيه، تتخذ الأسباب التشريعية لحفظ ما أنت فيه، يعني مع الله لا يوجد ذكي.

(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
ويؤتى الحذر من مأمنه، والله عز وجل له أفعال عجيبة، حتى إن بعضهم قال: عرفت الله من نقض العزائم، جميع الجهود الجبارة التي تبذل من أجل الحفاظ على الشيء لا تجدي، لا يجدي إلا أن يحفظك الله،
﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾



على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:

أنا لا أرفض أن آخذ بالأسباب خذ بالأسباب، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة، البطولة أن أراجع مركبتي مراجعة تامة قبل السفر، أراجع كل شيء فيها، وبعد هذه المراجعة التامة أتوجه إلى الله عز وجل وأقول له: يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أدرس دراسة متقنة جداً، وقبل الامتحان أقول له يا رب أنت الموفق، أنت المعين على النجاح، من السهولة بمكان أن تأخذ بالأسباب وأن تنسى الله عز وجل، ومن السهولة أيضاً أن تكون كسائر المسلمين لا يأخذون بالأسباب إطلاقاً، يقول لك الله الموفق، هذا موقف غير صحيح وغير علمي، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
بل إن السلوك الصحيح طريق عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها، ونسيت الله عز وجل، أو ألهتها كالغرب وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها كالشرقيين، وتواكلت على الله تواكلاً ساذجاً وقعت في وادي المعصية، الصواب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
هذا الدرس البليغ يحتاجه المسلمون.
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))

[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
تستسلم ؟ تقول ما بيدنا شيء، انتهينا، المصير بيد الله عز وجل، وأنت لا تعمل، هذا موقف انهزامي، موقف بعيد عن الموقف الصحيح اعتقاداً، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء.

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
أنت تأخذ بالأسباب، أما حينما يحال بينك وبين النتائج عندئذٍ لك أن تقول:
(( حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
إذاً الحفاظ على الشيء لا يقل عن تحصيله، والحفظ الحقيقي يكون بأخذ الأسباب والتوكل على رب الأرباب.

(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))

[ البخاري عن معاوية]
مع الله لا يوجد ذكي، يوجد مستقيم، المستقيم يحفظه الله عز وجل، أما الذكي يؤتى من مأمنه، يؤتى من جهة ليست متوقعة.


حفظ الله عز وجل للإنسان يكون بطاعته و الاستقامة على أمره:

كما تعلمون أيها الأخوة، الإنسان معرض لأخطار لا تنتهي، مهما أخذ الإنسان بأسباب الحفظ فقد يؤتى الحذر من مأمنه والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نأخذ بالأسباب، اعقل وتوكل.
طبيب في أمريكا، رفع راية الجري، والجري مفيد جداً للقلب، لكنه قال: إن الذي يجري لا يصاب بآفة قلبية إطلاقاً، وله مقالات، وندوات، وكتب، وهو يجري في اليوم 20 كم، عمره بين الأربعين والخمسين، مات وهو يجري، لا لأن الجري خطأ، الجري صواب، ولكنه لأنه أله الجري ونسي الله عز وجل ، يؤتى الحذر من مأمنه، في آلاف القصص حول ذلك.
ورد في الأثر القدسي أن الله عز وجل يخاطب بعض عباده يوم القيامة، يقول:
(( عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب ! لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))

[ورد في الأثر]
أيها الأخوة، قضية الحفظ شيء يهم كل مؤمن، حفظ الله هو المنجي، هو الحقيقي، أما إذا أخذت أسباب الحفظ ما في مانع، بل لابدّ من أن تأخذها، لكن إياك أن تنسى الله عز وجل، لو نسيت الله عز وجل، يؤتى الحذر من مأمنه.

(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))

[ البخاري عن معاوية]
واسم "الحفيظ" من أقرب الأسماء إلى الإنسان، الله عز وجل يحفظ له صحته ، يحفظ له ماله، يحفظ له أهله، يحفظ له إيمانه، وهذا الحفظ له ثمن هو طاعة الله عز وجل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-19-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(73)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الفتاح):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الفتاح".



ورود اسم الفتاح في القرآن الكريم في نص واحد:


سمى الله ذاته العلية بالفتاح في نص واحد من النصوص القرآنية ؛ وهو قوله تعالى:

﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة سبأ )
ولم يرد هذا الاسم في السنة.


معاني اسم الفتاح في اللغة:

أيها الأخوة، "الفتاح" كما تعلمون صيغة مبالغة على وزن فعال، من اسم الفاعل فاتح، فاتح فتاح، الفعل فتح، يفتح، فتحاً.
الفتح نقيض الإغلاق، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 40 )
وماذا يعني أن تفتح أبواب السماء ؟ إذا فتحت لك أبواب السماء ألقى الله في قلبك نوراً، يريك الحق حقاً، والباطل باطلاً، أكبر عطاء إلهي أن ينور قلبك، أنت تأتي رؤيتك صحيحة، أن يأتي كلامك سديداً، أن تأتي قيمك مما يرضي الله عز وجل، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب التوفيق، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب الحفظ، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة الآية: 269 )
إذا فتح لك باب السماء فتح لك باب الرضا، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب النصر، شيء كبير جداً أن تفتح لك أبواب السماء، فالذي يكذب بآيات الله الدالة على عظمته
﴿ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أُعْطِيتُ مفاتيحَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]



كلام النبي أعلى نص في مستوى المتانة والبلاغة والإحكام والروعة بعد القرآن الكريم:

نحن تعلمنا في الجامعة في كلية الآداب أن أعلى نص في اللغة العربية بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال مرة:
(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))

[ من كشف الخفاء عن أبي سعيد الخدري ]
وقريش أفصح قبائل العرب، قال: هذا أسلوب يسمى أسلوب تأكيد المديح بما يشبه الذم.

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
* * *
هذا الأسلوب أسلوب بلاغي:

(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))

[ من كشف الخفاء عن أبي سعيد الخدري ]
أوتي الفصاحة، أوتي جوامع الكلم، أوتي اللغة الناصعة، أوتي البيان الرائع.
لذلك أعلى نص في مستوى المتانة، والبلاغة، والإحكام، والروعة، والجمال بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال:

(( أعطيت جَوَامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي هريرة]
حينما طبقت أمته منهجه نصرت بالرعب.


من طبق منهج الله عز وجل و سنة النبي الكريم في حياته لن يُعذب أبداً:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )
ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾
ومن خلال هذه الآية يمكن أن تفسر في العالم الإسلامي، لأنهم لم يطبقوا منهج نبيهم، لم يأتمروا بما أمر الله، ولم ينتهوا عما نهى عنه الله، لذلك أعداؤهم سُلطوا عليهم
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

(( أعطيت جَوَامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي هريرة]
أما حينما لم تطبق أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منهج النبي هُزمت بالرعب.


يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم:هذا حال المسلمين في آخر الزمان:


أيها الأخوة، من أدق الأحاديث التي تشير إلى هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام، والله كأنه معنا:

(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم ))

[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
الأمم ! ثلاثين دولة حليفة، في عدد من بلاد المسلمين، ثلاثين دولة، حلفاء.

(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها ))

[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
طعام نفيس، أناس جائعون تداعوا إلى هذه القصعة ليأكلوا، وكأن بلادنا قصعة، وكأن ثرواتنا قصعة، والأمم تداعت عليها، قال:

(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها ))

[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
في بعض البلاد بإفريقيا تم ذبح ثمانمئة ألف إنسان في أسبوع، في راوندا، الغرب لم يتدخل، وقال بعض زعماء الغرب: لو تدخلنا لأنقذنا أربعمئة ألف إنسان من الذبح، ما تدخلوا، لأن هناك لا يوجد بترول:

(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ))

[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
مليار وخمسمئة مليون إنسان، ربع سكان الأرض، يتربعون على أهم المواقع في العالم، مناطق إستراتيجية، تحتهم ثروات لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك متفرقون، أعداؤهم يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، والمسلمون يتقاتلون والدماء تسيل في بلادهم وبينهم 95% قواسم مشتركة.

(( قالوا: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
تصور سيل عرمرم، مخيف، على سطح هذا السيل بعض القش، هذا القش هل بإمكانه أن يغير مجرى السيل ؟ هل بإمكانه أن يوقف السيل ؟ هل بإمكانه أن يخفف من أخطار السيل ؟.

(( ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
هذا الكلام قيل قبل ألف و أربعمئة عام.

(( ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صدور عدوِّكم المهابةَ منكم ))
ينزع المهابة، ما في هيبة، قبل العدوان على العراق، أعتقد في العالم سارت مظاهرات بالملايين، في كل بلاد العالم، إن تذكرتم ذلك، ومع ذلك
(( غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))

(( وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ ـ الضعف ـ قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ ))

[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
هذا الحديث الشريف يصف حال المسلمين في آخر الزمان، ينزع الله من قلوب أعدائهم المهابة، لا يهابونهم، لا يهابون نبيهم، يشوهون صورته، لا يهابون كتابهم، لا يهابون دينهم، يتهمون دينهم بأنه دين إرهاب، ودين قتل، ودين تخلف.


الفتاح سبحانه وتعالى يفتح أبواب الرحمة والرزق لعباده أجمعين:

أيها الأخوة، "الفتاح" في اللغة الذي يفتح، يعني يحكم، يفتح أبواب الحق، و "الفتاح" الحاكم، ومن معاني "الفتاح" أيضاً الذي يفتح أبواب الخير، أو يفتح أبواب التأديب للعصاة، في فتح، فتح أبواب الخير، أو فتح أبواب التأديب، أو الحكم بين المتخاصمين.
أيها الأخوة، "الفتاح" سبحانه وتعالى هو الذي يفتح أبواب الرحمة، والرزق لعباده أجمعين، كم دابة تُذبح في اليوم كطعام للبشر ؟ بالمليارات، كم من الأطنان من القمح يستهلك البشر ؟ كم من الأطنان من المواد الغذائية يستهلك البشر ؟ يفتح الله لعباده أبواب الخير، كم من الأمطار يهطل كل عام ؟ كل ثانية 16 مليار طن، ينزل من السماء إلى الأرض، كل ثانية، بحار، سحب، أمطار، جبال، بحيرات، أنهار، أسماك، أطيار حيوانات، أنعام، يفتح الله أبواب الخير،
﴿ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
يفتح أبواب الرزق، يفتح أبواب العمل، كل واحد الله عز وجل مكنه من شيء، وجعله بحاجة إلى مليون شيء ، فنحن نعيش معاً مقهورين، لأنك أنت تتقن شيئاً، وبحاجة إلى مليون شيء.


الله عز وجل يفتح لكل إنسان:

1 ـ أبواب العمل و الرحمة:


إذاً الله عز وجل يفتح أبواب العمل جعل فيها معايش، كم إنسان يعيش على طول الشعر بالأرض ؟ كم إنسان يعيش على المرض ؟ المستشفيات، والأطباء، والدراسات ، والجامعات، وكليات الطب، معامل الدواء، كم إنسان بالأرض يعيش على المرض ؟ مرض الجسم أبواب للعيش، كم إنسان يعيش على الحر ؟ المرطبات، والثلج، والتكييف والمراوح، كم إنسان يعيش على البرد ؟ البرد أحد أسباب الرزق، والحر أحد أسباب الرزق، والمرض أحد أسباب الرزق، وكم إنسان يعيش على التعليم بالعالم ؟ كم معلم بالأرض ؟ كم جامعة ؟ كم مدرسة ؟ وكم إنسان يعيش على ترفيه الإنسان ؟ المقاصف، والفنادق، والأماكن الجميلة، والخدمات، ملايين مملينة تعيش على ترفيه الإنسان، ملايين مملينة تعيش على تعليم الجيل الصاعد، ملايين مملينة تعيش على معالجة الأجسام.



2 ـ أبواب الرزق:


"الفتاح" يفتح أبواب الرزق، بعد ذلك كل واحد منا مكنه الله من عمل يتقنه تماماً ، تجد جراح القلب عمله سهل، يشق الجلد، يأتي بالمنشار، يقص عظم القص، أنا شاهدت عدة أفلام لعملية جراحة قلب، شيء دقيق، يأتي بكلابات، يباعد القفص الصدري، يصل إلى القلب، يفتح القلب، يصل إلى الدسام، يبدل الدسام، مكن الله هذا الإنسان من تبديل دسام للقلب، والقلب متعطل، والدم محول إلى قلب صناعي، أقول لهذا الجراح: ما شاء الله ! الله مكنك من هذه الجراحة، وكل واحد مكنه الله من عمل، لما الله عز وجل مكنك من عمل، هناك عمل تجاري، عمل صناعي، عمل خدمي، مهندس، طبيب، مدرس، محامي، قاضي، صانع، صناعي، مزارع، كل واحد مكنه الله من عمل، من فتح أبواب الرزق ؟ الله عز وجل.
الله خلق مواد، خلق غذاء، لكن كيف نقتسم هذا الغذاء ؟ يعني تظهر حشرة في حقل، صاحب الحقل يذهب إلى الصيدلي الزراعي، ويريه نمطاً من الآفة، يصف له الدواء يشتري مرشة، يذهب إلى بستان يرش هذا النبات، كم إنسان يعيش من أمراض النبات ؟ ملايين مملينة، الحشرات، والآفات، والمرشات، والأدوية، وما إلى ذلك.
فلو نظرت إلى فتح أسباب الرزق لوجدت العجب العجاب، بكل مدينة، بكل بلد ، بكل محافظة، بكل دولة، يوجد شعب أشخاص يعملون بالزراعة، أشخاص بالصناعة، أشخاص التجارة، أشخاص بالوظيفة، أشخاص بالجيش، أشخاص شرطة مثلاً، أشخاص بالتدريس، كل إنسان الله عز وجل فتح له باب الرزق، إذاً الله "الفتاح" العوام يقولون: يا فتاح يا عليم، افتح لنا باب رحمتك.



3 ـ أبواب البلاء بامتحان المؤمنين:


"الفتاح" سبحانه وتعالى هو الذي يفتح أبواب الرحمة والرزق لعباده أجمعين، وأحياناً يفتح أبواب البلاء بامتحان المؤمنين، يظهر مرض يستنفر الناس، يستنفر الأطباء، يبحثون عن دواء، صار في حركة، يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده أجمعين، ويفتح أبواب البلاء لامتحان المؤمنين، الله عز وجل قال:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ و الْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )
أيضاً فتح، أحياناً تجد أمطاراً غزيرة، أمطاراً تهطل في الليل، تطلع الشمس في النهار، شيء رائع جداً، أحياناً مطر غزير، أنهار ممتلئة، الأرض خضراء، يفتح الله أبواب الرزق، وحينما يعصي العباد ربهم، حينما يقل ماء الحياء يقل ماء السماء.
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة الأعراف )



من آمن أن أمره بيد الله عز وجل اتجه إليه وحده:

الآن التوحيد: هناك آية بليغة، قال:

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ﴾

( سورة فاطر الآية: 2 )
الله فتح أبواب السماء، فتح أبواب الأرض، فتح أبواب كثيرة جداً.
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة فاطر )
الأمر بيد الله عز وجل، هو القابض، هو الباسط، هو المعطي، هو المانع ، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، أنت حينما تؤمن أن الأمر كله بيد الله وأنه لا إله الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، حينما تؤمن أن أمرك بيد الله، تتجه إلى الله وحده.


فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ: من معانيها:


1 ـ فتحنا عليهم أبواب أمراض لا يعلمها إلا الله:


أيها الأخوة، وأحياناً يفتح باب البلاء تجد زلزالاً، إعصاراً، فيضاناً، مرضاً، وباء، معنى الفتح الآخر الفتح السلبي، فتح البلاء، قال:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )
الآن في أمراض لم تكن معروفة من قبل، مرض الإيدز، كان الإنسان قديماً لما يسافر يتعرض إلى تحرش أنثى به يقول:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )
يقول لك: أنا الله عز وجل أكرمني، وضبط نفسي، وكنت عفيفاً، شيء رائع الآن يمتنع لا خوفاً من الله، ولكن خوفاً من الإيدز.
﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 19 )
كان يمتنع يكون عند الله بطلاً، عفيفاً، خاف من الله، قال:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾

﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 28 )
الآن مع الأسف الشديد يمتنع لكن إني أخاف الإيدز، بدل أن يخاف من الله يخاف من مرض فُتح على البشر.


2 ـ آتيناهم المال والغنى والبلاد الجميلة والقوة العسكرية:


﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
الآية لها عدة معانٍ، تحتمل معنىً آخر، أن المال، والغنى، والبلاد الجميلة، والقوة العسكرية، والقوة الإعلامية، والأقمار الصناعية، تصدر الشاشات، التصريحات، الاستعلاء، الغطرسة، الاستكبار
﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
أو فتحنا عليهم أبواب أمراض لا يعلمها إلا الله.
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام )



الله عز وجل يحكم بين عباده:



أيها الأخوة، "الفتاح" هو الذي يحكم بين العباد، يختلف شريكان، ويفصلان الشركة، تُحل الشركة، الله عز وجل "الفتاح" كيف يحكم على الظالم ؟ بعدم التوفيق، ويحكم على المظلوم بالتوفيق، عقب فسخ شركة الله عز وجل مع المظلوم يوفق الشريك المظلوم ويحبط مسعى الشريك الظالم.
زوجان يفترقان، إذا كان الزوج ظالم الله عز وجل يبتليه بزوجة تكيل له الصاع عشرة، والزوجة المظلومة الله يهيئ لها زوجاً صالحاً يعرف قيمتها، فالله يحكم، هناك حكم يوم القيامة وهناك حكم في الدنيا، فالتوفيق الإلهي حكم، والتعسير حكم، فالله عز وجل يفتح بين عباده أن يحكم على الظالم منهم بعدم التوفيق.

﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾

( سورة الأعراف )



الله تعالى يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده الطائعين وأبواب البلاء والهلاك على الكافرين:

من معاني "الفتاح" اسم الله "الفتاح" أن الله يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده المؤمنين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك لأعدائه الكافرين.
إنسانة اشترت بيتاً مع أخيها من جمعية تعاونية، والبيت باسمها لأنها محامية، وأخوها وثق بها ما طلب أن يكون له اسم في البيت، فالبيت ارتفع مئة ضعف لما صار ثمنه عشرين مليوناً طردته من البيت، البيت باسمها، ولم تعبأ بحقه في السكنى، وعنده أولاد كُثر، أحد أولاده حدثني عن هذه القصة المؤلمة جداً، قلت له: الله كبير، والله أيها الأخوة، بعد شهر من هذا العدوان الظالم الآثم ابتليت بورم خبيث، وبعد شهر آخر توفيت، وذهبت إلى البيت وألقيت كلمة في التعزية، ووريثها الوحيد أخوها، عاد إلى البيت الله حكم.
والله هناك قصص أيها الأخوة تدع الحليم حيران من العدل الإلهي، لكن نحن معظم قصصنا نعرفها من آخر فصل، قد لا تفهم أما لو أنك تعرف القصة من أول فصل ترى عظمة الله عز وجل، الله يفتح بين عباده، يحكم بينهم.
إذاً هو الذي يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده الطائعين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين، وهو الذي يفتح على خلقه من غلق عليه من أموره، تجد مصائب ، مشكلات، ضيق شديد، ثم يفرج.
ضاقت فلما استحكمت حلقاته ا فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *



الله عز وجل يحكم بين البشر يوم القيامة:

أيها الأخوة، "الفتاح" من أسمائه، يعني اسم ذات، و "الفتاح" من أوصافه، اسم صفة، و "الفتاح" من أفعاله، هو اسم ذات، واسم صفة، واسم فعل.
لكن كما قال بعض العلماء وهو ابن القيم، قال: "الفتاح" يفتح بالأقدار، ويفتح بالتكليف، يكلفك بتطبيق شيء لا تطبقه تدفع ثمنه، لأن التكاليف الإلهية بينها وبين النتائج علاقة علمية، يعني علاقة سبب بنتيجة، أحياناً يكلف الله عز وجل، فالذي لا ينصاع لحكم الله يدفع الثمن باهظاً، هذا تكليف و له عقاب، وأحياناً الله عز وجل:

﴿ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة النساء الآية: 84 )
على كلٍ الآية التي قرأت قبل قليل:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
وهناك آية ثانية:
﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
بالنهاية الله هو الحكم، الآن يوجد بالأرض خلافات، نزاعات، مهاترات، خصومات، من يحكم بين البشر يوم القيامة ؟ هو الله عز وجل.
كل إنسان بحاجة إلى أبواب رحمة الله و فضله في كل لحظة:
أيها الأخوة، الشيء الدقيق:
(( إذا دخَل أحدُكم المسجد، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))

[مسلم عن أبي حميد]
وأنت في المسجد أنت بحاجة إلى أبواب رحمة الله تفتح لك، فإذا خرجت من المسجد أنت بحاجة إلى أبواب الفضل أن تفتح لك، ففي البيت، وفي الطريق، وفي العمل ، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي الدكان، وفي الحقل الزراعي، اسأله أن يفتح لك أبواب فضله، فتوفق بزراعتك، توفق بصناعتك، توفق بتجارتك، توفق بوظيفتك، افتح لي أبواب فضلك، وإن دخلت إلى بيت من بيوت الله اسأله أن يفتح لك أبواب رحمته.
أيها الأخوة الكرام، أيضاً هذا الاسم يتصل بالمؤمن اتصالاً وثيقاً، يفتح الله له كل خير، يفتح الله له باب الخير، باب التأييد، باب التوفيق، باب النصر.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-19-2018, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




(74)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(المجيد):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيد".



ورود اسم المجيد في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


"المجيد" اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، وفي السنة، قال تعالى:

﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾

( سورة هود )
وقال تعالى:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة البروج )



دقة اللغة العربية:

﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾
إذاً هو اسم من أسماء الله الحسنى، و ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ قُرأت هكذا، إذاً هو صفة، حركة واحدة جعلت هذه الكلمة اسماً، وحركة أخرى جعلته صفة، اللغة العربية دقيقة جداً أحياناً حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار الصحابي الجليل قبل أن يُقتل قال:

ولست أبالي حينما أُقتل مسلماً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *
إلى الجنة، أما إذا قُرئ هذا البيت:

ولست أبالي حينما أَقتل مسلما ً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *
إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار، يعني كلمة تجارب، جمع تجربة، هناك من يتفاصح ويقول تجارُب، العدوى بالجرب فقط التجارُب العدوى بالجرب، أما التجارب جمع تجربة، حركة واحدة.
يكتب الطبيب على البطاقة أخصائي، يعني الذي يخصي، وصوابها اختصاصي هناك أخطاء شائعة في اللغة العربية كثيرة جداً، يقول أحدهم: أنا مولّع بالمطالعة، المولّع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول أنا مولَعٌ بالمطالعة، حركة واحدة من مطالع إلى ثور.
تقول قِمة، وقُمة، إن قلت قُمة من القمامة، وإن قلت قِمة من الذورة.


الله عز وجل اختار اللغة العربية لتكون لغة كلامه:

الله عز وجل قال:
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

( سورة التوبة الآية: 40 )
الإنسان قد يتوهم يتابع:

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 40 )
المعنى فاسد
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
بعد أن كانت عليا، لكن لا يصح أن نقول
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
ماذا كانت قبل ذلك ؟
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
وقف
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
دائماً، حركة واحدة تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الجنة إلى النار، أو من النار إلى الجنة، لغة عربية اختارها الله لتكون لغة كلامه.
فقد قيل:

(( يا رسولَ الله، كيف نصلِّي عليك ؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمد وعلى أَزواجهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيْتَ على آل إِبراهيم، وبَارِك على مُحمدٍ، وعلى أَزْواجِهِ وذُريته، كما باركتَ على آلِ إِبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ ))

[ البخاري عن أبي حميد الساعدي]
"المجيد" من أسماء الله الحسنى.


معاني المجيد في اللغة:

الآن "المجيد" في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعيل، ماجد، مجيد، فعله مجد، يمجد، مجداً، وتمجيداً، الماضي، والمضارع، والمصدر.
و "المجيد" هو الكريم الفعّال، وقيل إن جمع في الإنسان شرف الذات إلى حسن الفعال سمي مجيداً، وفعيل أبلغ من فاعل، فاعل قد يعني مرة واحدة، كاتب، قارئ.
إذاً "المجيد" هو الذي يجمع معنى الجليل، والوهاب، والكريم، عظيم، وهاب كريم.
المجد المروءة والكرم، والسخاء والشرف، والفخر والحسب، والعزة والرفعة، والمجد أيضاً الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، هناك بحياتنا أشخاص كبراء، يقول له أنت كبير، الكبير يكبر، ويكبر، ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم، وغير الكبير يصغر، ويصغر، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، تشعر أحياناً إنسان كبير، كبير بعلمه، كبير بأخلاقه، كبير بعفوه، كبير بتسامحه، كبير بعطائه.
وأنا أرى الإنسان ليس له سقف، النبي عليه الصلاة والسلام إنسان واحد جاء إلى الدنيا وغادرها، ونشر الهدى في الآفاق، أين ما ذهبت ترى مسلمين لهم مسجدهم، لهم أخلاقهم، لهم مبادئهم، لهم قيمهم، بفضل هذا الإنسان الأول الذي اصطفاه الله هادياً للناس ورحمة للعالمين.
ما الذي يمنع أن تكون كبيراً ؟ ما الذي يمنع أن تكون رقماً صعباً ؟ ما الذي يمنع أن تحمل همّ أمتك ؟ ما الذي يمنع أن تكون في قلوب الخلق ؟



من ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتماماته :


﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

( سورة النحل الآية: 120 )
كان أمة، يوجد إنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها همّه الوحيد أن يأكل وأن يشرب وأن يسكن في بيت، همومه صغيرة، إذاً هو رقم تافه، لا معنى له، وهناك إنسان همّه كبير همّه الإنسانية، وكلما علا همّ الإنسان اتسعت دائرة همومه، وهناك إنسان همّه أسرته فقط، إنسان همّه أسرته الكبيرة، له ابن عم، له ابن أخت، يعانيان ما يعانيان، يحمل هذا الهم، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة همومك، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة رؤيتك، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت، هل يهمك أمر المسلمين ؟ هل تتألم إن رأيت المسلمين في بعض أقطارهم يعانون ما يعانون ؟ قتل، ونهب، وقهر، وإذلال، وأنت ما عندك مشكلة معافى، هل تقول ما لي وما لهم ؟ لا، يمتحنك الله أحياناً حينما تتطلع إلى مأساة يعاني منها المسلمون وأنت لا تتأثر، كلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة اهتمامك بل كلما ارتقى مقامك عند الله ازدادت مسؤوليتك عند الله.
أيها الأخوة، أحياناً تقرأ كتاباً تافهاً، ثمانمئة صفحة، قصة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام، وأحياناً تقرأ كتيباً صغيراً، مقالة صغيرة تنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك وضعك هذا الكتب أمام مسؤوليتك.


على كل مؤمن أن يؤمن بالله العظيم و يثني عليه:

أيها الأخوة، المجد: المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر ، والحسب، والعزة، والرفعة، ولا تنسوا المرأة التي قالت: وا معتصماه، كيف ردّ عليها المعتصم، وقد قال بعض الشعراء:
ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الــبنات اليتم
لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم
* * *
فالمجد، والمروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة والرفعة.
الآن أمجده ومجده يعني عظمه وأثنى عليه، والمؤمن يمجد الله عز وجل ويعظمه.

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )
آمن بالله خالقاً، لكن ما آمن به عظيماً، العبرة أن تؤمن بالله العظيم.


تمجيد الله عز و جل و تعظيمه مهمة المؤمن الأساسية:

أيها الأخوة، لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )
الأمر على ما ينصب ؟ على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، ولكن يذكره ذكراً قليلاً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى مقاييس، قال:

(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
قال:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
تحت كلمة
﴿ الْعَظِيمِ ﴾
خط، يعني الأمر يتعلق بأن تؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله، قال ربي:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )
آمن به رباً وعزيزاً، آمن به خالقاً، قال:
﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة ص الآية: 76 )
آمن باليوم الآخر، قال:
﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الأعراف )
ومع ذلك هو إبليس اللعين
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
إذاً لا يصح إيماننا إلا إذا مجدنا ربنا، وعظمناه، أمجده ومجده أي عظمه وأثنى عليه، وتماجد القوم فيما بينهم ذكروا أمجادهم، هذا ما يتعلق باللغة.


القرآن مجيد لأنه كلام الله وصفة الكلام من صفات الله العليا:

أما الله جلّ جلاله وصف في كتابه العزيز، وصف قرآنه الكريم قال:
﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾

( سورة ق )
يعني الله عز وجل قال:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1)
في آية ثانية:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية: 1 )
كأن الكون كله في كفة، والقرآن المجيد في كفة.
أيها الأخوة، القرآن مجيد لأنه كلام الله، وصفة الكلام من صفات الله العليا ، والقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات، وحسن المعاني، وفيه كمال السعادة للإنسان فهو كتاب مجيد، عظيم، رفيع الشأن.


"المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته:


الآن "المجيد" سبحانه وتعالى، الآن دخلنا في صلب الموضوع، "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته، له المجد في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، مجد الذات الإلهية بيّن في جمال الله.
(( إن الله جميل يحب الجمال ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
مجد الذات الإلهية بين في جمال الله، وسعته، وعلوه، واستوائه على عرشه فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( إن الله جميل يحب الجمال ))
هذا مجد الذات، مجد الذات أنه جميل.
و روي أيضاً:

(( حِجَابُه النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأحْرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه ))

[مسلم عن أبي موسى]

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 35 )
هذا جمال الذات، أما كيفية جمال الذات أمر لا يدركه أحد، عين العلم به، عين الجهل به، وكل شيء خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك كيفية جمال الذات لا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه، من كمال وصفه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، كمال وصفه وجلال ذاته، وكمال فعله، ومن مجد ذاته أنه استوى على العرش، فهو العلي بذاته على خلقه.


الله عز وجل مجّد ذاته باستوائه على العرش:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

( سورة طه )
في ملكه، وهو القائم عليهم والمحيط بهم، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾

( سورة طه )
الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهناك آيات معدودة من الحكمة البالغة أن تصوغ معناها إلى الله، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الآن ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق ذلك محيط بالخلائق والكائنات، ويعلم ما هم عليه.

(( فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِرْدَوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة ))

[ البخاري عن أبي هريرة]



الله جلّ جلاله من كمال مجده أنه خصّ الكرسي بالذكر دون العرش:

وقد ذكر الله جلّ جلاله: من كمال مجده الكرسي، خصه بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتاب الله، فقال:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة )
لقد بيّن الله جلّ جلاله في كتابه الكريم من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته، وعن توحيده في عبادته، أن مُلك من أشركوا لو بلغ السماوات السبع، ولو بلغ الأراضين كلها وما فيهن، وما بينهم، على عرضهن، ومقدارهن، وسعة حجمهن، لا يمثلن شيئاً في الكرسي، الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده، وما بالك باتساع ملكه.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تتقى ناره ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *



عظمة الله عز وجل لا نهاية لها:

الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾
يعني هو:
﴿ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

( سورة فاطر الآية: 41 )

﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾
أي لا يعجزه حفظهما، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن، وإدارتهن، حتى لو ادعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسك بهن بقدرته، وأبقاهن لحكمته لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾

( سورة فاطر )

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

ورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ))

[ ابن حبان عن أبي ذر]
يعني لا نهاية لعظمة الله، وصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال:

(( الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره))

[رواه الحاكم و الدارمي عن ابن عباس]



المجيد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها الله عز وجل:

أيها الأخوة، أما مجد أوصافه، تحدثنا عن مجد ذاته، وعن مجد أفعاله، والآن عن مجد أوصافه، له علو الشأن، لا ند له، لا مثل له، ولا نظير له، ولا شبيه له، ولا مثيل، فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود، فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق، وغلب على العرش، واستقر له الملك، فإنه مسلوب العظمة، أي عظيم سواه مسلوب العظمة في علوه إما لمرضه، الأقوياء يمرضون، والأقوياء ينامون، والأقوياء يموتون، أو لغلبة غيره على ملكه، أية عظمة لعلو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة وأيامه معدودة، أيستحق المخلوق أن يكون معبوداً ؟ لأنه يموت، كل مخلوق يموت.
أيها الأخوة الكرام، من لوازم الإيمان أن نمجد الله سبحانه وتعالى، من لوازم الإيمان أن نذكر الله ذكراً كثيراً، من لوازم الإيمان أن نحبه حباً عظيماً، من لوازم الإيمان أن نخضع له، بل إن قمة لوازم الإيمان أن نعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.










والحمد لله رب العالمين

منال نور الهدى
02-19-2018, 04:38 PM
جزاك الله خير جزاء على هذا الزخم من معلومات عن أسماء الله الحسنى
وتم تثبيته لأهميته

السعيد
02-20-2018, 08:31 AM
جزاك الله كل خير اختى الفاضلة

السعيد
02-20-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(75)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الواسع):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الواسع".



ورود اسم الواسع في القرآن الكريم فقط:


اسم الله "الواسع" ورد في القرآن الكريم مطلقاً، وقد اقترن باسمه العليم بعدة مواضع، منها قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )
وفي قوله تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )
وقد ورد هذا الاسم مقيداً، أي مضافاً، في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

( سورة النجم الآية: 32 )
ولم يرد هذا الاسم في السنة النبوية الصحيحة.


معنى الواسع في اللغة:

أيها الأخوة، "الواسع" في اللغة على وزن فاعل، أي اسم فاعل للموصوف بالوسع، فعله وسع، يسع، سعة، فهو واسع وأوسع الله عليك أي أغناك.
ورجل موسع يعني مليء بالمال والثراء، يقال إناء واسع، وبيت واسع، وقد يستعمل في الغنى.
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 7 )
وتوسعوا في المجلس، أي تفسحوا، والسعة الغنى والرفاهية، فكلمة "الواسع" مشتقة من السعة، والسعة تضاف إلى العلم، إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أيضاً إلى الإحسان، وبسط النعم، فالله واسع وسعت رحمته كل شيء، وسع علمه كل شيء، وسعت قدرته كل شيء، وسع غناه كل شيء، هذا من حيث اللغة.


الله "الواسع" وسع علمه جميع المعلومات والمخلوقات ووسعت قدرته جميع المقدورات:



أما اسم الله "الواسع" ماذا يعني ؟ "الواسع" هو الذي وسع علمه جميع المعلومات، أي إنسان مهما تفوق في العلم، يقول لك هذا الشيء لا أعرفه، جاء وفد من المغرب إلى المشرق، وقطع آلاف الأميال، واستغرقت الرحلة أشهراً عديدة، معه 37 سؤال، وجهه إلى الإمام أحمد بن حنبل، أجاب عن عشرين، والأسئلة الباقية قال: لا أعلم، فقالوا: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ؟! فقال: قولوا لهم: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم.
علامة العلم البشري أن تقول لا أعلم، ورحم الله عبداً عرف حدّه فوقف عنده، والذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً، لذلك قالوا: يفضل في الإنسان أن يملك ثقافتين، ثقافة اختصاصية، وثقافة موسوعية، يعني تعلم كل شيء عن شيء اختصاصك، و شيئاً عن كل شيء، لكن أي إنسان مهما تفوق في العلم نقول له:

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة يوسف )
شاب في العصور السابقة، دعا إلى الله، وتألق تألقاً شديداً، أثار حفيظة العلماء الآخرين، فجاء واحد منهم ليصغره، فحضر مجلسه، ولما انتهى وقف وقال: يا هذا ! هذا الذي قلته ما سمعناه ! تصغيراً له، فالشاب أديب جداً، قال له: يا سيدي وهل حصّلت العلم كله ؟ سؤال محرج، قال له: لا، قال له: كم حصّلت منه ؟ ازداد حرجاً، قال له: شطره قال له: هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
أما الله "الواسع" وسع علمه جميع المعلومات، وجميع المخلوقات، ووسعت قدرته جميع المقدورات.


علة خلق السماوات والأرض معرفة الله من خلالهما :

حينما قال الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 13 )
ما علة خلق السماوات والأرض ؟ قال:
﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق الآية: 13 )
علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله من خلالهما،
﴿ ِتَعْلَمُوا﴾
نعلم ماذا ؟ قال:
﴿ ِتَعْلَمُوا﴾

﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق )
لماذا اختار الله من بين كل أسمائه اسمين فقط، اختار اسم العلم، واسم القدرة ، أنت أيها المؤمن متى تستقيم على أمر الله يقيناً ؟ إذا علمت أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، وأي تاجر في أي بلد مستورد يحاسب على الصفقات التي استوردها، فإذا أغفل صفقة، والمالية يصلها من دوائر أخرى كل الصفقات، إذا أغفل صفقة تهدر حساباته ، ويكلف بضريبة تفوق إمكاناته.
لذلك أنت حينما توقن أن إنساناً مثلك لكنه أقوى منك، علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، كلمتان، خفيفتان، ثقيلتان، أنت حينما تؤمن أن علم الله يطولك وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه.


الله عز وجل له مطلق الجمال والكمال في الذات والصفات والأفعال:


لذلك "الواسع" هو الذي وسع علمه جميع المخلوقات، ووسعت قدرته جميع المقدورات، علمه يطول الخلق جميعاً، وقدرته تطول الخلق جميعاً.
ويضاف إلى ذلك ووسع سمعه جميع المسموعات، ووسع رزقه جميع المخلوقات، فله مطلق الجمال، والكمال، في الذات، والصفات، والأفعال.
وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

(( الحمد للّه الذي وسعَ سَمْعُهُ الأصواتَ ))

[ البخاري عن عائشة]
فأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم:
﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة المجادلة )



الله جلّ جلاله واسع وسعت رحمته كل شيء وهو المحيط بكل شيء:

أيها الأخوة، الله عز وجل سميع، إن تكلمت فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن سكت ووقفت، وجاء في خاطرك الخواطر فهو عليم، سميع، بصير، عليم.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )
أي لحكمة بالغةٍ بالغة هناك عدد كبير من المعاصي محرمة في دين الله، ومحرمة في القوانين الوضعية، كالسرقة، فهذا الذي لا يسرق لماذا لا يسرق ؟ الله أعلم لعله خائف من الله عز وجل، أو خائف من المدير العام لأنه دقيق جداً، ومسيطر تماماً لكن هناك معاصٍ لا يحاسب عليها إلا الدين فقط، من غض البصر، ليس في الأرض كلها جهة تمنعك أن تنظر، إلا القرآن الكريم:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

( سورة النور الآية: 30 )
فالله جل جلاله واسع، وسع غناه كل فقير، وهو كثير العطاء، يده سحّاء في الليل والنهار، وسعت رحمته كل شيء، وهو المحيط بكل شيء، واسع علماً، واسع قدرة، بشكل ملخص واسع علماًً، واسع قدرة:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾



الله عز وجل واسع فهو:

1 ـ المحيط علمه بكل شيء:


لكن أحياناً أيها الأخوة، قد يسأل إنساناً، لماذا جُمع اسم "الواسع" مع اسم العليم ؟ قال: لئلا يستبعد العبد مضاعفة الأجر، يعني الله واسع وعليم، يعلم إخلاصك، يعلم طهارتك، يعلم ما تنطوي عليه من نية عالية جداً، يعلم براءتك، فيضاعف لك الثواب ، يضاعف لأنه واسع، وحكمة المضاعفة هو عليم، واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل.
ولكن لئلا تتوهم أن كل عطاء يقابله إكرام، الله عليم، الذي أعطى قد يعطيه الله وقد لا يعطيه لأنه عليم بنواياه، خبير بالبواعث الحقيقية، خبير بالأهداف التي يبتغيها.
أما الإنسان لا يتسع إدراكه لسماع شخصين، ولا يستطيع أن ينصرف إلى جهتين، فهو غير واسع، أما ربنا جلّ جلاله واسع لا يشغله معلوم عن معلوم، ولا شأنٌ عن شأن، لو أن كل العباد دعوه في وقت واحد يسمعهم جميعاً.
لكن تعلمنا في علم النفس أن الذي يبدو لنا أنه يستمع إلى جهتين نحن واهمون هو يستمع إلى جهة واحدة، ولكن يملك قدرة خاصة اسمها سرعة التحول، أما في دقيقة واحدة، في وقت واحد لا يمكن أن تنصرف، وتستمع، وتستوعب إلا جهة واحدة، جرب افتح المذياع على الأخبار، ولو استمعت من الشاشة إلى درس ديني، هل تستطيع أن تتابع ؟ مستحيل، لكن أحياناً تلتفت إلى نصف دقيقة للأخبار، نصف دقيقة للدرس الديني ، تتوهم أنك تستمع إليها معاً.
لكن سبحانك يا رب !على الأرض ستة آلاف مليون، وكلهم يلجؤون إلى الله أو معظمهم، يستمع إليهم جميعاً، فهو "الواسع".
قيل "الواسع" المحيط علمه بكل شيء، وسع علمه كل شيء.
يعني تركب مركبة، أمامك مكشوف الأمر، عينك على الطريق، لكن شعرت أن هناك من يريد التجاوز تنظر إلى المرآة اليسارية، تركت الطريق ونظرت إلى المرآة اليسارية، أنت لا يمكن أن تحيط بكل شيء، أنت نائم في بيتك، غرفتك التي أنت فيها تحت بصرك، لكن بقية الغرف ليست تحت بصرك، لست واسعاً، لكن يمكن أن تكون الأذن مسيطرة على كل البيت، تقول في صوت في المطبخ مثلاً.
وأحياناً الأذن لا تكفي، الله عز وجل جعل الرائحة، إذا الشيء غائب عن عينك وليس له صوت، وتفسخ، تظهر الرائحة، يعني بشكل أو بآخر العلم محدود، لا يوجد مخلوق واسع.
أيها الأخوة، "الواسع" العالم المحيط علمه بكل شيء.



2 ـ وسع علمه جميع المعلومات:


وقيل "الواسع" الذي وسع علمه جميع المعلومات، الناس جميع الناس، يقول لك هذا ليس في اختصاصي، يعني حتى الأطباء، هو طبيب، ويحمل دكتوراه، لكن طبيب في القلب، بالصدر هناك اختصاص ثانٍ، في العضلات اختصاص ثالث، في الهضم اختصاص رابع، في الأعصاب خامس، في الكليتان سادس، في العظام سابع، وسع علمه جميع المعلومات، وسعت قدرته كل المقدورات.
اسم "الواسع" عجيب، يتصل بمعظم الأسماء، تقول: واسع الرحمة، واسع الغنى، واسع السلطان، واسع العلم، واسع القدرة، واسع الإحسان، هناك أسماء شمولية ومنها "الواسع".



3ـ لا حدود لمدلول أسمائه وصفاته:


وبعضهم قال: "الواسع" هو الذي لا حدود لمدلول أسمائه وصفاته، فاسم الرحيم ليس له حدود، اسم الكريم ليس له حدود، اسم الغني ليس له حدود، اسم القوي ليس له حدود، هذا معنى التكبير، الله أكبر مما عرفت، طبعاً أكبر من كل شيء بديهة، أما المعنى الدقيق لله أكبر، مهما عرفت الله فهو أكبر، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
الإنسان أحياناً عنده قدرة على أن يظهر بحجم أكبر من حجمه، تعلمنا هذا في الجامعة، هناك أشخاص عندهم قدرة أن يظهروا بحجم أكبر من حجمهم، لكن هؤلاء الأشخاص في ظروف معينة يحجمون، ينكشف أمرهم.
نحن في الشام في حي متواضع جداً الحجر الأسود، قال له: أين ساكن ؟ قال له: ( بلاك ستون ) سيدي، تتوهم أنه حيّ راقٍ جداً.
فهناك إنسان يعطيك معلومات إذا اجتمعت تتوهم أنه شخصية نادرة، هو ليس كذلك لكن سبحانك يا رب، الله عز وجل يتولى تحجيم كل إنسان، فكل إنسان أراد أن يوهم الناس بحجم أكبر من حجمه، حجمه الله عز وجل.



4 ـ لا نهاية لبرهانه ولا نهاية لسلطانه:


بعض العلماء قال: "الواسع" هو الله عز وجل الذي لا نهاية لبرهانه، ولا نهاية لسلطانه، واسع في علمه فلا يجهل، واسع بقدرته فلا يعجل.
عالم كبير يقول لك: هذه الفكرة غابت عني، فقيه كبير غاب عنه حديث شريف فجاء حكمه بعيداً عن الصواب.
لذلك قالوا:
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
وأنا والله أيها الأخوة، أنا لا أستسيغ أن تقول عن نفسك عالماً، كلمة قاسية، قل طالب علم، إذا أردت الدنيا فعلك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم، فقد جهل.
وهو القدير لا يعجل، أحياناً إنسان بعيد عن الدين يستهزئ بالذات الإلهية، يتطاول قد يسب، وصحته جيدة، ونبضه 80، وضغطه 8 ـ 12، وصحته بأعلى مستوى والله عز وجل لا يعجل، وهو الحليم لا يعجل، وهو القدير لا يعجل.
أحياناً من تقاليد بعض البلاد أن يكون قبل صلاة الفجر تذكير، أي يقول المؤذن: وهو العاطي لا يسأل، وهو الكريم لا يبخل، وهو الحليم لا يعجل.
مرة إنسانة طلبت من إنسان كريم عطاء، أعطاها فوق ما تتوقع، فله صديق عاتبه، قال له: كان يرضيها القليل، وهي لا تعرفك، فقال هذا الكريم: إذا كان يرضيها القليل، فأنا لا أرضى لها إلا بالكثير، وإذا كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا شأن الكريم يعطي العطاء الجزيل، يعطي بغير حساب.
لذلك كنت أقول دائماً: البطولة أن تتاجر مع الله، إذا أعطى أدهش، وبالمقابل إذا حاسب فتش.


5 ـ لا يغيب عنه أثر الخواطر في الضمائر:


و "الواسع" هو الذي لا يغيب عنه أثر الخواطر في الضمائر، أي لا يوجد قوة في الأرض يمكن أن تكشف ما الذي يدور بخاطرك لكن الله يحول بين المرء وقلبه، أقرب إليك من حبل الوريد، ممكن تتأمل إنسان قوامه، طوله، لون جلده، لون عينيه، شعره، ثيابه، أناقته، انسجام الألوان في ثيابه، حركته، نظرته، لفتته، نبرة كلامه، ممكن، إذا كنت ذكياً جداً، لكن هل بالإمكان أن تكتشف خواطره ؟ مستحيل ! الله عز وجل واسع يسع علمه خواطر كل إنسان.



6 ـ أفضاله شاملة وعطاياه كاملة:


بعضهم قال: "الواسع" أفضاله شاملة، عطياه كاملة.



7 ـ الواسع هو المطلق:


بعضهم قال: "الواسع" هو المطلق، نحن عندنا محدود ومطلق، ما سوى الله محدود، الذات الإلهية مطلق.
أيها الأخوة، إذا كان بالمحدود أمامنا لا حدود له كالكون، فكيف اللا محدود.
أيها الأخوة، أصل الدين معرفة الله، إنك إن عرفت الله، ثم عرفت أمره تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-20-2018, 08:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(76)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الغفار):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفار".



ورود اسم الغفار في القرآن الكريم:


الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه بهذا الاسم على سبيل الإطلاق، لكنه مقرون باسمه تعالى العزيز، في ثلاثة مواقع، كما في قوله تعالى:

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

( سورة ص )
يعني العزيز الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء
﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
وقد ورد مطلقاً منوناً من دون اقتران باسم آخر في قوله تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

( سورة نوح )



النبي الكريم بشر وتجري عليه كل خصائص البشر:

في صحيح الجامع الصغير السيوطي من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا تضور من الليل (تضور أي تقلب وتلوى من شدة الألم) النبي بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه انتصر على بشريته كان سيد البشر.
ما من أمر إلهي يستطيعه إلا ويستطيعه سائر البشر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
يعني في الاستقامة لا يوجد تفاوت، التفاوت بالمقامات، مقام النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مقام.

(( سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكونَ أنا ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
لكن في شأن الاستقامة:

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
كيف ؟ أي أقل ممرض في مستشفى في موضوع معين كإعطاء حقنة لمريض يستوي في أسلوبه مع أعلى جراح قلب، لابدّ من تعقيم الموضع، والحقنة، وما إلى ذلك.
ففي شأن الاستقامة القضية حدية.

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
لماذا ؟ هناك من يقول: أخي أنا لست نبياً، ومن قال لك إنك نبي ؟ الذي يقود مركبة وهو ملك كمن يقود مركبة وهو في أقل درجة من المجتمع، لابدّ من مكبح، لابدّ من تحريك المركبة، لابدّ من إطلاق البوق أحياناً.
فالأساليب التفصيلية في قيادة مركبة، لا يختلف فيها أقل إنسان خفير مع أمير هكذا، حينما نفهم أن الاستقامة حدية يستقيم جميع الناس، أحياناً هناك أناس متواضعون جداً لكن يتكلمون الحقيقة، يقول أنا لا أساوي غباراً في نعل النبي، صح، لكنك مأمور أن تستقيم على أمر الله.


ورود اسم الغفار في السنة النبوية:

لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا تلوى من الألم ماذا يقول ؟ قال:
(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))

[أخرجه النسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]



لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا:



مرة ثانية: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )
لولا أنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته، لما كان سيد البشر.
وكل ما جاء به النبي من افعل ولا تفعل، في وسع البشر أن يفعلوه.

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 286 )
لكن وسع الإنسان لا تحدده أنت أيها الإنسان، يحدده لك خالقك، كل إنسان له مزاج، يقول لك لا أستطيع، من قال لك ذلك ؟
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾



من ارتكب أكبر ذنب في الأرض و تاب توبة نصوحة غفر الله ذنبه و تقبّل توبته:


أيها الأخوة، "الغفار" في اللغة من صيغ المبالغة، وكما تعلمنا كثيراً أن صيغة المبالغة إن جاء بها اسم من أسماء الله الحسنى تعني شيئين، تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، أي أكبر ذنب يتصور على وجه الأرض، الله عز وجل يغفره، ومليار ذنب من حيث الكم:

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

(( من تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه ـ الملكين ـ وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ))

[ أبو العباس بن تركان الهمذاني في كتاب التائبين عن أبي الجون ]

(( إذا قال العبد يا رب وهو راكع، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو ساجد، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو عاصٍ يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك ))

[ ورد في الأثر ]
ينتظره لأنه، لذلك:

(( لله افرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
ينتظره.

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 16 )

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل مـا قدمت مسؤول
***

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري فـــي المقال شنيع
لو كان حـبك صادقاً لأطعته إن الــــمحب لمن يحب يطيع
***
في بعض الآثار القدسية التي وردت في كتاب ابن القيم مدارج السالكين:

(( عبادي إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))



الغفار في اللغة:

أيها الأخوة، "الغفار" في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعال، أي كثير المغفرة، كماً ونوعاً، الفعل غفر، يغفر، غفراً، ومغفرةً، وأصل المغفرة التغطية والستر.
"الغفار" سبحانه وتعالى هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، من كمال الله عز وجل لا يكفي أنه يسامحك بهذا الذنب لكنه يستره عنك.
إنسان أحياناً يتكلم كلمة غير لائقة إطلاقاً، إن لم ينسها تصبح حياته جحيماً لا يطاق.
إنسان مركب جهاز بين غرفة الضيوف وبين المطبخ، بحسب تصوره، يأتيه ضيف يقول لزوجته اصنعي لنا كذا وكذا، وهو جالس بمكانه، فالجهاز مفتوح جاءه ضيوف ثقلاء، فذهب إلى المطبخ وقال: هؤلاء ثقلاء، طبعاً سمعوا كلامه، لو الإنسان ما ينسى هذا الموقف تكون حياته جحيماً لا يطاق.
فالله عز وجل يغفر ويستر عنك هذا الذنب، ومن نعم الله الكبرى أنك تنسى لا تقل النسيان مشكلة، أحياناً هناك ميزة كبيرة جداً، أن الأخطاء والمواقف الحرجة بعد حين تنساها.



الثقة بكمال الله و محبته و حكمته شأن كل عبد مع الله تعالى:

"الغفار" هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، أما إذا كان العبد موحداً فذنوبه تحت مشيئته الله وحده، الله عز وجل كما يقول بعض العلماء: طليق الإرادة إن شاء عفا لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، وإن شاء أدب، ويعفو بعدها، يعني ليس في الإمكان أبدع مما كان، الله عز وجل لحكمة بالغة قد يعفو من دون تأديب، وقد يؤدب فيعفو ، أي شأنك مع الله أن تثق بكماله، وأن تثق بحكمته، وأن تثق بمحبته.
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )
طرفة ! إنسان قال لعبد عند سيد، قال: بلغني أن سيدك سيبيعك، قال: هذا شأنه (يعرف شغله)، قال له: أفكر أن أشتريك، قال له: هذا شأنك أنت (تعرف شغلك)، قال له: اهرب، قال له: أعرف شغلي، كل شخص له مهمة.
فأنت كعبد مهمتك أن تطيعه،
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾
وانتظر الخير، وانتهى الأمر، الله ما كلفك أن تقنع الغرب أن يكفوا عن عدوانهم، شيء فوق طاقتك أساساً، أما كلفك أن تقيم الإسلام في بيتك، وأن تقيمه في عمله، وهاتان الدائرتان بملكك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، إذا أقمت أمر الله فيما تملك.
هناك سلوك الآن لائق بين المسلمين، هناك ألم، وهناك تبرم من الوضع العام الدولي، الذي في ملكك بيتك وعملك، وأنت قادر أن تقيم فيهما أمر الله، أنت مقصر فيه هنا، أدِ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك، لا تتشاغل فيما ضمنته لك عما افترضته عليك.


الفرق الدقيق بين الغفور و الغفار:

الغفور و "الغفار" قريبان في المعنى من بعضهما، لكن "الغفار" أبلغ من الغفور، الغفور من يغفر الذنوب العظام، أما "الغفار" من يغفر الذنوب الكثيرة، الغفور للذنوب العظام، أما "الغفار" للذنوب الكثيرة، يعني غفور للنوع، وغفار للكم، هذا هو الفرق الدقيق بين الغفور و "الغفار".
نحن في اللغة عندنا قاعدة: زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى، يعني السين وسوف، حرفا استقبال، سوف للمستقبل البعيد، أما السين للمستقبل القريب، وفي باللغة دقة بالغة، يعني عثر به، غير عثر عليه، عثر به صدفة، أما عثر عليه بعد بحث طويل، ويكفي هذه اللغة العربية شرفاً أن الله اختارها لكلامه، هناك دقة باللغة مذهلة، لكن اللغة ترقى برقي أهلها وتتخلف بتخلف أهلها.
مرة سمعت أن القرآن مترجم إلى ثلاثين لغة، أما الإنجيل مترجم إلى ألف و ثلاثمئة لغة معناها يعملون ليلاً نهاراً.
اسم الله "الغفار" على وزن فعال، له موضوعه في حسابات السماء بدقة، واسم الله الغفور على وزن فعول، وله أيضاً حساباته في حسابات الإعجاز الحسابي إن صحّ التعبير.



الخواطر لا يحاسب عليها الإنسان إلا إذا انقلبت إلى عمل:


أيها الأخوة، يبدو أن هناك نظاماً دقيقاً وضع للملكين الذين يكتبان الحسنات والسيئات، هناك مكان اسمه حديث النفس، أنت راكب بسيارة والطريق طويل تأتيك خواطر والله فلان ينبغي أن أوقفه عند حدّه، ينبغي أن أفك شركتي معه، هذا خاطر، وقد يكون فلان مستقيم معه، قد يكون مخلصاً، قد يكون له كفاءة عالية، لكن جاءك خاطر أن تستقل بهذه الشركة، ولأن اسمه ليس وارد بالسجلات، أنت أقوى منه، تضايقه، يضجر، تفك الشركة معه، هذا خاطر لكن خاطر سيء فيه ظلم، وفيه عدوان، هذا الخاطر لا تحاسب عليه، ما لم تفعل، هذا من فضل الله علينا، الخواطر لا تحاسب عليها.
أحياناً لا سمح الله ولا قدر إنسان وجد فجأة نفسه في بيت مع امرأة، قد تأتيه خواطر شيطانية، أن يعتدي عليها لكن ما فعل شيئاً، في النهاية خوفه من الله ردعه، مادامت هذه الخواطر لن تنقلب إلى عمل فالمؤمن مكلف أن يستغفر الله من هذه الخواطر، لكن الله لكرمه، ورحمته تجاوز لنا عن هذه الخواطر لما في الحديث الشريف:

(( إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَثْ به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا ما وسْوَستْ به صُدُورها ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
ما تعلم تعمل أو تتكلم، أنا والله أحياناً تأتيني حالات كثيرة بحكم عملي في الدعوة أن خواطر تكاد تسحق هذا الإنسان، أقول له اطمئن، إن كنت متأملاً فيها فإنها ليست منك والعلامة الصارخة والواضحة والحاسمة إذا تألمت من هذه الخواطر هي ليست منك من وسوسة الشيطان، الله عز وجل يتجاوز عن هذه الخواطر، ما لم تنقلب إلى عمل، أما إذا جاءتك هذه الخواطر وارتاحت نفسك لها هذه منك، هنا الخطر، مع أنه لا تحاسب عليها لكن إذا قبلتها يمكن أن تنقلب إلى عمل، لذلك نقول يجب أن تستغفر ربك من هذه الخواطر التي ارتحت لها لئلا تنقلب إلى عمل، والمعصية تبدأ بخاطرة، ثم بفكرة، ثم بشهوة، ثم بإرادة ، ثم بعمل، فإذا تبعها الإنسان انقلبت إلى عادة وعندئذٍ من أصعب الأشياء أن تدع عادة استحكمت فيك، من أصعب الأشياء.
لهذا: الإنسان المؤمن بحاجة إلى استغفار عام لمحو الخواطر الشريرة النابعة من هوى النفس، خواطر الشيطان تزعجك أما خواطر الهوى لا تزعج، الخطر أبلغ من خواطر الهوى، يقول لك الشيطان من خلق الله، لا تنام الليل، هذا الخاطر ليس منك وله إجابة كبيرة جداً.


باب التوبة مفتوح على مصراعيه لمن تاب و رجع إلى ربه قبل:

الآن هناك منطقة ثانية منطقة الكسب، أنت جاءك خاطر وقمت إلى تنفيذه، صار عملاً، هذه المنطقة خطيرة جداً، عندئذٍ تسجل عن الإنسان أفعاله، ما دقّ منها وما جلي، يسجل كبير الأفعال وصغيرها، فإذا تاب العبد من الذنب محيت سيئاته، صار في عمل، خاطر انقلب إلى عمل، وغفرت بأثر رجعي، ما دام في توبة رجع العبد إلى الله، محا الله هذه الذنوب، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، أما معنى قوله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

( سورة الفرقان )
اجتهاد شخصي مني تبديل السيئات بالحسنات بمعنى: أن هذا الإنسان كان بخيلاً فلما عرف الله صار كريماً، كان جباناً فلما عرف الله أصبح شجاعاً، كان حريصاً فلما عرف الله أصبح سخياً، هذا المعنى يتناسب مع الكمال الإلهي.
فلذلك
﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
لذلك الله جلّ جلاله غفار أي كثير المغفرة، لم يزل ولا يزال للعفو معروفاً وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكلٌّ مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى كرمه ورحمته، وقد وعد عباده بالمغفرة والعفو، لمن أتى منهم بأسبابها.


الله غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه وأقلع عنها وعزم ألا يعود إليها:


يا أخوان، هناك ملاحظة دقيقة جداً، هناك فكرة ساذجة عند عوام المسلمين، يا أخي الله غفور رحيم.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾
كلامك صحيح، لكن لمن ؟

﴿ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

( سورة طه )
هذه ناحية دقيقة.

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الحجر )
أكمل:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

( سورة الحجر )
لمن أنا غفور رحيم ؟
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾



من تاب و آمن و عمل صالحاً غفر الله له ذنوبه:

هناك آيات كثيرة:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾
من بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة النحل )
دليل آخر:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الزمر )



على الإنسان أن يستغفر ربه قبل فوات الأوان:


دقق:

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

( سورة الزمر )
غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه، وأقلع عنها، وعزم ألا يعود إليها، وأصلح الخطأ السابق،
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
وابحثوا بالحاسوب في القرآن الكريم ضعوا كلمة البحث
﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾
لرأيتم العجب العجاب، غفور متى ؟ حينما تتوب على الله، حينما تبعد عن الذنب، حينما تعزم ألا تعود إليه، حينما تصلح الخطأ.
وعند الطبراني من حديث صحيح، من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا شداد:

(( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات ))

[ الطبراني عن شداد بن أوس]
شخص معه ملايين مملينة، ومعه أموال منقولة، وغير منقولة، وعقارات وأراضي، وأسهم، وشركات، ومعامل... إلخ.

(( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك التثبيت في الأمور، وعزيمة الرشد، وأسألك موجبات رحمتك ))

[ الطبراني عن شداد بن أوس]



كل إنسان مسؤول عن عمله أمام ربه سبحانه و تعالى :

ملك له ابن، قال له يا بني: اطلب وتمنى، قال له: مركبة، أغلى مركبة ، طائرة خاصة، طائرة خاصة، يخت في البحر، يخت في البحر، قال له: أريد أن أكون رئيس جامعة، قال له: لا، هذه بجهد منك، اِئتني بالدكتوراه وبعدها أعطيك هذا المنصب ، هناك أشياء تحتاج إلى جهد شخصي، الطيارة سهلة، المركبة سهلة، اليخت سهل، أما أستاذ جامعي ؟ تحتاج إلى دكتوراه، هذه عليك، اِئتني بهذه الشهادة وخذ هذا المنصب، هذه موجبات رحمتك، انظر إلى الأدب، إذا شخص جاهل: يا رب لا تسألنا عن شيء، من قال لك ذلك ؟ الله قال:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )
هذا الدعاء في أدب جم:

(( وأسألك موجبات رحمتك ))
أي أسألك عملاً يعد ثمناً لرحمتك.

(( وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك ))

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن محصن ]

((...... وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب ))

[ الطبراني عن شداد بن أوس]
أيها الأخوة، اسم "الغفار" نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه، ولعل بعضهم يرى أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي في ظرف معين أنت بحاجة إليه، فإذا كنت مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كنت فقيراً فاسم الله الأعظم هو المغني، وإذا كنت مذنباً فاسم الله الأعظم هو "الغفار"، هذا اجتهاد.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-20-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(77)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الرقيب):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الرقيب".



ورود اسم الرقيب في القرآن الكريم:


1 ـ منوناً ومطلقاً و وروده مقترناً بمعاني العلو والفوقية:


هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في القرآن الكريم منوناً مطلقاً، غير مضاف، وقد ورد مقترناً بمعاني العلو والفوقية، كما في قوله تعالى:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾

( سورة الأحزاب )
والله أيها الأخوة، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، أنت في الحياة المدنية، لو نمي إليك أن هاتفك مراقب، تدقق في كلامك، تختار أفضل كلمة، أبعد كلمة عن الشبهة، لو نمي إليك أنك مراقب تراقب نفسك في حركاتك وسكناتك بدرجة غير معقولة، لأنه نمي إليك ولست متأكداً أنك مراقب من إنسان، من بني جلدتك، لكنه أقوى منك، أن تكون مراقباً من إنسان تتبدل كل تصرفاتك، وتضبط كل حركاتك وسكناتك، وكل أقوالك وكلماتك، فكيف إذا الواحد الديان خالق السماوات والأرض، رقيباً عليك ؟
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾



2 ـ وروده مقيداً:


أيها الأخوة، الله جلّ جلاله من فوق عرشه رقيب، له الكمال المطلق في إحاطته بخلقه، له الكمال في علو شأنه، فإن أضفت إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو كان ذلك من كمال الكمال، في الاسم والصفة.
وقد ورد هذا الاسم مقيداً، يعني مضافاً في قوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

( سورة المائدة )
وفي قوله تعالى:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾



3 ـ وروده في السنة النبوية الشريفة:


أيها الأخوة، هذا في القرآن، فماذا ورد في السنة ؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))

[ البخاري و مسلم عن ابن عباس]
نستفيد من هذه الآية التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف أن تقييم العباد من شأن رب العباد وحده، ولا تجشم نفسك متاعب تقييم العباد هذا من شأن رب العباد،
(( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))



الرقيب في اللغة:

"الرقيب" في اللغة، على وزن فعيل بمعنى فاعل.
أيها الأخوة، أي الموصوف بالمراقبة، فعيل صيغة مبالغة اسم الفاعل الموصوف بالمراقبة، فعله رقب، يرقب، رقابة، أما الرقابة تأتي بمعنى الحفظ، والحراسة، والانتظار، مع الحذر والترقب.
وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن أبا بكر رضي الله عنه قال:
(( ارْقُبُوا محمداً في أهل بيته ))
أي احفظوه فيهم، وقال هارون عليه السلام:

﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾

( سورة طه )
فالـ "الرقيب" الموكل بحفظ الشيء، المترصد له، المتحرز عن الغفلة، فيه رقيب القوم حارسهم، هو الذي يشرف على المراقبة ليحرسهم، رقيب الجيش طليعتهم، الرقيب الأمين، ارتقب المكان أشرف عليه وعلى فوقه.
هذا ما ورد في المعاجم عن كلمة "الرقيب".


من معاني الرقيب:

1 ـ المطلع على الخلق في كل صغيرة و كبيرة:


أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "الرقيب" أي المطلع على خلقه، يعلم كل صغيرة وكبيرة في ملكه، لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة المجادلة )
رقيب، وقال تعالى:

﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾

( سورة الزخرف )



2 ـ يرى أحوال العباد ويعلم أقوالهم:


أيها الأخوة، "الرقيب" هو الذي يرى أحوال العباد مقبل، مدبر، حاقد، بريء ، سليم النية، يحب الآخرين، يحقد عليهم، يستعلي عليهم، يحتال عليهم، يتآمر عليهم، يرقى بهم، يحمل همهم، هو الذي يرى أحوال العباد، ويعلم أقوالهم، إن تكلمت فهو يسمعك وهو رقيب عليك، وإن تحركت فهو يراك وهو رقيب عليك، وإن أضمرت فهو يعلم وهو رقيب عليك، لا تخفى عليه خافية.



3 ـ يراقب عباده و يحصي أعمالهم ويحيط بمكنونات أسرارهم:


وقيل "الرقيب" هو الذي يراقب عباده، يحصي أعمالهم، ويحيط بمكنونات أسرارهم، ولا يغيب عنه شيء، في الأرض ولا في السماء.
قالوا: مراقبة الله لخلقه مراقبة عن استعلاء وفوقية، لأنه ربهم وخالقهم، وقدرة وصمدية، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾

( سورة الأنعام الآية: 50 )
يا رب الورقة تعلمها ! والصواريخ تعلمها أيضاً، ملك له الملك كله، وله الحمد كله، أزمة الأمور كله بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستوٍ على عرشه لا تخفى عليه خافية، عالم بما نفوس عباده، أنت ساكت خطر في بالك أن تذهب إلى فلان وأن تقدم له هدية، يعلم وأنت ساكت، عالم بما نفوس عباده، مطلع على السر والعلانية، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.


الله عز وجل رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم:

يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين.
﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾

( سورة الحج الآية: 18 )
إذا أكرمك الله عز وجل خدمك عدوك، وإذا أهان العبد تطاول عليه أقرب الناس إليه، يخلق ويرزق، يميت ويحيي، يقدر ويقضي، يدبر أمور خلقه، مراقبته لخلقه مراقبة حفظ دائمة، وهيمنة كاملة، وعلم وإحاطة، لا مراقبة قهر، مراقبة حفظ.
حينما تجلس الأم في الحديقة عينها على ابنها، تراقبه لا مراقبة قمع مراقبة حفظ .
الله عز وجل رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم، عليم بالخواطر التي تدب في قلوبهم، يرى كل حركة وسكنة في أبدانهم، ووكل ملائكته في كل أعمالهم، وإحصاء حسناتهم وسيئاتهم، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾

( سورة الانفطار )
قد يغيب عن ذهن الإنسان أنه إذا قال عند انتهاء الصلاة السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، يسلم على الملكين، ملك اليمين وملك الشمال، الله سبحانه وتعالى راصد لأعمال العباد وكسبهم، عليم بالخواطر التي تدب في قلوبهم، يرى كل حركة وكل سكنة، ووكل ملائكته بكتابة أعمالهم، وإحصاء سيأتهم، وقال تعالى:
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
فالملائكة تسجل أفعال الجنان والأبدان، قال تعالى عن تسجيلهم لقول القلب وقول اللسان:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

( سورة ق )



الإنسان مراقبته محدودة فلا يصلح أن يكون مشرعاً:

أيها الأخوة، لما الإنسان يشرع، الإنسان مراقبته محدودة، يقول لك السرعة القصوى مئة، في أمريكا هذا القرار كيف يضبط ؟ يضبط بأجهزة في الطرق العامة تكتشف السرعة الزائدة، ولأن واضع هذا القانون إنسان، والمواطن إنسان، وقد يكون هذا المواطن أذكى من واضع القانون، يخترع جهازاً للسيارة، فإذا اقترب من الجهاز الذي يكشف سرعته نبهه، خفض السرعة.
مرة كنت راكباً بأمريكا مع صديق، سمعت صوتاً جديداً في السيارة، سألته عن الصوت، قال لي: هذا ينبهني إلى وجود جهاز في الطريق يضبط السرعات الزائدة، انتهى القانون، الآن الدولة في طور اختراع جهاز يكشف هذه الأجهزة التي في السيارات.
إذاً ما دام المشرع إنسان معركة بين عقلين، الأذكى ينتصر، أما إذا كان الله سبحانه وتعالى "الرقيب" أمرك أن تصوم، دقق في أيام الصيف، في شهر آب الإنسان يكاد يموت من العطش، وهو في البيت وحده، ودخل إلى المطبخ، والثلاجة فيها ماء بادر، ولا أحد يمكن أن يضبط هذه المخالفة في الأرض، لا يستطيع أن يضع في فمه قطرة ماء، هذه عظمة الدين.
أنا مرة تصورت أن الدول الراقية حرصاً منها على صحة رعاياها أصدرت مرسوماً بفرض الصيام على الناس، تصور الصيام مفروض من الدولة، طبعاً لا أحد يجرؤ أن يأكل في النهار يعاقب، لكن إذا دخل إلى بيته، إذا دخل إلى الحمام يشرب، لا يوجد قوة في الأرض مهما تكن جبارة وقمعية أن تحمل الناس على الصيام، أذكر أن أمريكا في عام 1933 حرمت الخمر، البحث طويل جداً، بالمليارات دفعت لتوعية الناس، أعدمت ثلاثمئة شخص، أكثر من خمسة ملايين إنسان دخلوا السجن، بعد عشر سنوات أعلنت إفلاسها، ثم سمحت به، دولة قوية بكل إمكانياتها، صنعت بواخر لتهريب الخمر، بواخر لها مخابئ سرية، إلى أن أيقنت أنها مستحيل أن تضبط الأمر.
الآن بالعالم الإسلامي برمضان مليار وخمسمئة مليون ما في إنسان ممكن أن يضع قطرة ماء بفمه.



الدين هو قوام الحياة و الحياة لا تصلح إلا بالدين:

الكلام الدقيق أن الدين هو قوام الحياة، وأن الحياة لا تصلح إلا بالدين، لأن المشرع في الدين ليس إنساناً لا يراك، المشرع في الدين خالق الأكوان، هل يستطيع إنسان مؤمن يدخل الحمام وهو يعجن العجين أن لا يغسل يداه ؟ هل تستطيع أي وزارة في الأرض أن تراقب من يعجن العجين في الساعة الثانية ليلاً ؟ لا تقدر، لكن الدين يقدر.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
أنا والله أرى أن الشيء العملي الحقيقي أن الإنسان المؤمن يخاف من الله فيستقيم، أي شيء تقوله آخر كلام غير واقعي، يقول لك ضمير مسلكي، ما هذا الضمير المسلكي ؟ يقول لك انضباط ذاتي، وتربية بيتية، هناك إنسان يرى أن الله سيحاسبه فيستقيم، وهناك إنسان يرى أن الله لا يحاسبه، إيمانه بالله ضعيف، يستقيم لينتزع إعجاب الناس، فإذا خلا بينه وبين نفسه أخذ ما ليس له.
قال الله عز وجل من فوقهم رقيب، وعلى تدوينهم قدير، رقيب على أفعال الإنسان قال تعالى:

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

( سورة يونس الآية: 61 )
نائم، قائم، في غرفتك، وراء الشاشة، على الكمبيوتر، فاتح الانترنيت من الذي يعلم ماذا تفعل، على أي موقع تفتح، على أي فضائية تدير جهازك ؟ من الذي يعلم ؟ إن الله يعلم،
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾

( سورة يونس الآية: 61 )



الإنسان المؤمن يخاف من الله فيستقيم على أمره:

أيها الأخوة الكرام، إذا شعرت أنك مراقب فلابد من أن تنضبط، شعور الإنسان بأنه مراقب ولو من جهة أرضية، ولو من إنسان من بني جلدتك، لكنه أقوى منه، إذا كنت مراقباً فلابد من أن تنضبط فكيف إذا أيقنت أن الله جل جلاله هو "الرقيب"؟
قلت لكم في بداية هذا اللقاء الطيب: والله لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ))

[ أخرجه ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت]
الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

( سورة النساء )
إنسان استأجره النبي لعمل ما فاغتسل عرياناً، فقال خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله.


علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن علم الله يطولك و قدرته تطولك:

هذه الآية أيها الأخوة، أساسية جداً:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾
لماذا ؟ قال:

﴿ لِتَعْلَمُوا﴾

( سورة الطلاق الآية: 12 )
هذه اللام لام التعليل، أي علة خلق السماوات والأرض أن تعلم.

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق )
العجيب في هذه الآية أن الله اختار من بين أسمائه كلها اسمين فقط، اختار اسم العليم، واسم القدير، معنى ذلك أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك.
وضحت هذا سابقاً، أنت مواطن تركب مركبة في النهار الإشارة حمراء والشرطي واقف، والشرطي على دراجة نارية، بإمكانه أن يلحق بك، وهناك ضابط مرور في السيارة، وأنت مواطن من الدرجة الخامسة، هل يعقل أن تمشي ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، أولاً علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي، فإذا هربت منه علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي الذي على دراجة، فإذا تواطأت مع الشرطي علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الضابط الذي في السيارة، فأنت موقن بالمليون أن علم واضع القانون يطولك، وبالإمكان الآن أن تثقب إجازتك، هناك اثنتا عشرة ثقباً بمرة واحدة ، بعد عدة مرات ممنوع أن تقود مركبة، تجد هناك حرص، و هناك انضباط عجيب، لأن واضع القانون يطولك من خلال هؤلاء الشرطي الواقف، والشرطي على الدراجة، وضابط المرور، وقدرته تطولك بسحب الإجازة، بإيقاع مخالفة كبيرة جداً، بحجز المركبة.
أما أنت حينما توقن أن واضع القانون هو من جنسك بشر، لكنه أقوى منك علمه يطولك، وقدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، لا يمكن، فكيف إذا أيقنت أن واضع هذا التشريع علمه يطولك وقدرته تطولك، كيف ؟


من آمن أن الله يراقبه و هو له بالمرصاد لا يمكن أن يعصيه:

لذلك:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
لكن لا زلنا في المثل، ممكن الساعة الثالثة في منتصف الليل أن تخترق القانون لأن علم واضع القانون لا يطولك، ويمكن في وضح النهار، نهاراً وجهاراً أن تخترق هذا القانون، قد تكون أقوى من واضع القانون، فلا يجرؤ أن يوقفك، فهذا مثل دقيق جداً.
فأنت حينما تؤمن أن الله يراقبك، وأن الله لك بالمرصاد، وأن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، بتفكير بسيط لا يمكن أن تعصيه، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾



الحياة لا تصلح إلا بالإيمان بالله:

أيها الأخوة، هذا الاسم إذا أدركت أبعاده يمكن أن يكون أحد أسباب سعادتك الأبدية، تأثرت، الله معك، الله معك لطيف، إذا شخص رافقك تضجر منه، يا أخي حل عني، الله معك لكن بلطف،
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
المعلم إذا علم أن الله يراقبه لا يعطي الطلاب عملاً سخيفاً و ينام ويرتاح.
فأنت حينما تشعر أن الله يراقبك تؤدي الواجب كاملاً، والله أيها الأخوة، هذه الحياة لا تصلح إلا بالإيمان بالله، أحياناً إنسان يخطئ معك بالحساب يرد لك المبلغ.
والله حدثني أخ، قال لي: والله وجدت بالسيارة 20 مليون ليرة، نسيها من ركب معي، بقيت أربعة أيام أبحث عنه، إلى أن وصلت إليه وقدمت إليه المبلغ، قال له: أنت عندك سيارة ؟ قال له: لا، أخذه لسوق السيارات واشترى له سيارة بمليون، من يجد بسيارته 20 مليون وينجو من أي مساءلة ؟ يبحث عن صاحبها، يوجد بالعالم الإسلامي بطولات مذهلة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-20-2018, 01:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(78)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(القابض):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "القابض".



ورود اسم القابض في السنة النبوية الصحيحة و عدم وروده في القرآن الكريم:



أولاً لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة الصحيحة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
حينما يسعر ولي الأمر تسعيراً يظلم به البائع، أو حينما يبيع التاجر بيعاً فيه غبن فاحش هناك ظلم، مرة البائع يظلم، ومرة المشتري يظلم.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))



القابض في اللغة:

أما في اللغة "القابض" اسم فاعل، الفعل قبضه، يقبضه، قبضاً، وقبضة ، والقبض خلاف البسط، القابض الباسط، وهو في حقنا جمع الكف على الشيء، يعني في حق الإنسان، وهو من أوصاف اليد وفعلها، والقبضة ما أخذت بجمع يدك كله، يمكن أن تملأ كفك بالقمح، نسمي كمية القمح التي استوعبتها يدك قبضة، هذه قبضة كفي، أي ما تقبض عليه كفي، ومنه فقبضت قبضة من أثر الرسول، من التراب الذي تأثر بحافر فرس الرسول، و قد ورد عند مسلم من حديث إياس بن سلمة عن أبيه:
(( غَزَوْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْنا، فلما وَاجَهْنَا العدوَّ تقدَّمْتُ فَأعْلُو ثَنِيَّة، فاستقبلني رجل من العدوِّ، فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دَرَيْتُ ما أصنعُ ؟ ونظرتُ إِلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنيَّة أخرى، فَالْتَقَوا هم وأصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، فولّى أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأَرجعُ مُنْهَزِما وعليَّ بُردَتان، مُتَّزِر بإِحداهما، مُرْتَد بالأُخرى، فاسْتَطْلَقَ إِزَاري، فجمعتُهُمَا جميعاً، ومَرَرْتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُنهزِما، وهو على بغلته الشَّهباءِ، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فَزَعا، فلما غَشُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قَبْضَة من ترابِ الأرض، ثم استقبلَ به وجوهَهم، وقال: شاهَتِ الوجوه، فما خلق الله منهم إِنسانا إِلا مَلأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فَوَّلوْا مُدبرين، فهزمهم الله عز وجل ))

[ مسلم عن إياس بن سلمة عن أبيه]
لا زلنا في معنى قبض، يقبض، قبضاً، وقبضة، والقبض يأتي بمعنى تأخير اليد، وعدم مدها، قبض يده أي أخرها، أبعدها، فقد ورد:

(( أن امرأة مدت يدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فقبض يده، فقالت يا رسول الله مددت يدي إليك بكتاب فلم تأخذه، فقال: إني لم أدرِ أيد امرأة هي أو رجل ))

[ النسائي عن عائشة]



تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة في الإسلام:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/01.jpg
أيها الأخوة، هذا المعنى الدقيق في قبض يد النبي عن أن تمس يده يد امرأة ينقلنا إلى حكم فقهي.
في موسوعة الفقه الإسلامي الكويتية ما نصها:
أما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية الشابة فقد ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، في الرواية المختارة إلى تحريمها، وقال الحنابلة: وسواء أكانت من وراء حائل كثوب أن نحوه أم لا، واستدل الفقهاء على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة بحديث عائشة رضي الله عنها قالت والله:
(( مَا مَسَّتْ يَدُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ ))

[ أخرجه مسلم عن عائشة]
يعني امرأة أجنبية، الحقيقة مرة كنت أُلقي محاضرة في أمريكا في ديترويت وجاءني سؤال من أخت كريمة، تسأل عن حكم المصافحة، هي طبيبة تعمل في المستشفى ، قلت لها: الملكة إليزابيث لا يصافحها إلا سبعة رجال من رعاياها، لعلو مقامها في مجتمعها بحكم القانون البريطاني، والمرأة المسلمة ملكة أيضاً، لا يصافحها إلا سبعة من محارمها لعلو مقامها في مجتمعها بحكم القانون القرآني، فهذا الجواب أعجبها كثيراً وقبلته.
سمعت قصة في بلدٍ عربي استقبل وزيرة، فكانت الوزير المثيل لها في المطار مع كبار موظفيه، أحد هؤلاء الموظفين لم يصافحها، يبدو أنه ملتزم، متفوق جداً في اختصاصه، لكنه ملتزم، فضلاً عن أنه متفوق ملتزم، فما صافحها، فالوزير المضيف انزعج جداً منه، وعنفه، وأعفاه من حضور مأدبة الغداء، هذه الوزيرة الضيفة سألت الوزير المُضيف، هناك موظف كبير عندك لم يصافحني، أين هو ؟ قال: والله لعله اعتذر هو صرفه من انزعاجه، قالت: أريد أن أراه، فأصرت على ذلك، طلبت أن يحضر فحضر، قالت له: لمَ لم تصافحني ؟ قال لها: أنا مسلم متمسك بمنهج الله، ونحن في هذا المنهج لا نصافح امرأة أجنبية، فسمعت شرحه، وتأثرت تأثراً بالغاً، وقالت للوزير المضيف: لو أن المسلمين أمثال هذا الموظف لكنا تحت حكمكم.
الآن عندما يسافر الإنسان إلى بلد بعيد، يريد أن يأخذ وكالة يُمتحن امتحاناً بدينه فإن كان متمسكاً أعطوه الوكالة، لأن الإنسان حينما يتمسك بمبدأ معنى ذلك أن هذا الإنسان ينطلق من قيم.


ما ورد في معاجم اللغة أيضاً عن القابض:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/02.jpg
على كلٍ لا زلنا في اللغة، قبضتُ الشيء قبضاً، يعني أخذته، والقبض قبولك المتاع، يعني رأيت المتاع فاستلمته، ولو لم تحوله إلى مكانه، صار تقابضاً، والقبض أيضاً تحول المتاع إلى حيزك، أي إلى مستودعك، فالقبض قد يكون بالعين، رأى البضاعة تفحصها بعينه، فقبضها، وقد يكون القبض أن ينقلها إلى مستودعه، وصار الشيء في قبضتي، أي في ملكي، وقُبض المريض إذا توفي أو أشرف على الموت.
(( أَرسلتْ بنتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِليه: إن ابنا لي قُبض، فائتنا ))

[ البخاري عن أسامة بن زيد]
أرادت أنه في حال القبض على وشك القبض، ومعالجة النزاع، وقال تعالى في وصف المنافقين:

﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 67 )
أي يبخلون، أي يقبضونها عن النفقة والصدقة، فلا يؤتون الزكاة، هذا ما ورد في معاجم اللغة عن "القابض".


الله جلّ جلاله هو القابض الذي يمسك الأرزاق عن العباد بلطفه وحكمته:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/03.jpg
أما الله جلّ جلاله هو "القابض" الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته، يمسك الأرزاق عن العباد بلطفه وحكمته.
يقبض الأرواح عند الممات بأمره وقدرته، ويضيق الأسباب على قوم، ويوسع على آخرين ابتلاءً وامتحاناً، وقبضه تعالى وإمساكه وصف حقيقي، لا نعلم كيفيته، تجد بلاداً تنعم بأمطار غزيرة، والنبات ينمو، وفي بلاد أخرى أمطارها قليلة، والنبات يموت.
يؤمن به على ظاهره وحقيقته، لا نمثل، ولا نكيف، ولا نعطل، ولا نحرف ، فالإيمان بصفات الله فرع من الإيمان بذاته، والقول في صفاته كالقول في ذاته، لأننا ما رأينا الله تعالى وما رأينا بذاته مثيلاً، فهو أعلم بكيفية قبضه وبسطه، وإمساكه وأخذه، ولا داعي للتأويل الذي انتهجه المتكلمون بكل شيء، فنؤمن أن هذا من العقيدة الصحيحة، فنؤمن بما أخبر الله جلّ جلاله بلا تمثيل ولا تعطيل، وهكذا كان اعتقاد الأمة في جميع الصفات والأفعال، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

( سورة الزمر )
وقد ورد:

(( إنَّ الله تباركَ وتعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبضَةٍ قَبضها مِنْ جَميع الأرضِ، فجاءَ بَنو آدَمَ على قدر الأرض، منهم الأحَمرُ، والأبيَضُ، والأسوَدُ، وبين ذلك، والسَّهلُ والحَزْنُ والخَبيث، والطَّيِّبُ ))

[ أبو داود عن أبي موسى الأشعري]



دائماً وأبداً بالأسماء الحسنى يوجد أسماء يجب أن تلفظ معاً:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/04.jpg
أخوانا الكرام، لا ينبغي أن يقول أحدنا إن الله قابض، تصفه بالمنع والبخل ، ولكن ينبغي أن تقول إن الله قابض باسط، معنى ذلك أنك وصفته بالقدرة المطلقة وبالحكمة ، لا تقل ضار، قل ضار نافع، لا تقل مذل، مذل معز، لا تقل مانع، مانع معطي، لا تقل خافض، خافض رافع، يعني يخفض ليرفع، يأخذ ليعطي، يبتلي ليجزي، يذل ليعز، يضر لينفع، هذه الأسماء الأولى أن تذكر مثنى مثنى، قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة البقرة )
إن أردت أن تعلل، يقبض ليبسط، يضر لينفع، يمنع ليعطي، يذل ليعز، عندئذٍ أنت سائر في طريق الصواب.


موضوع الرزق من أنواع القبض والبسط:

أيها الأخوة، الشيء الثاني في معنى القبض باللغة: هو الأخذ والتضييق ، والتوسيع هو البسط والنشر، قبض وبسط، هذان الشيئان يعمان جميع الأشياء، فكل أمر ضيقه الله عز وجل فقد قبضه، وكل أمر وسعه الله عز وجل فقد بسطه، أحياناً تجد رزقاً واسعاً، أحياناً رزقاً قليلاً، أحياناً الأمور موسعة، مريحة، الأمور ضيقة متعبة.
من أنواع القبض والبسط، موضوع الرزق، الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة العنكبوت )
يبسط الرزق ويقبض، يوسع ويضيق، يعطي ويمنع.


الأرزاق تضيق وتتسع امتحاناً للعباد و حكمة من الله عز وجل:

أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نؤمن وهذا من صلب العقيدة، ولا تنسوا أن في الإسلام عقائد، عبادات، معاملات، آداب، أخطر شيء في الإسلام العقائد، العقيدة إن صحت صحّ العمل، وإن صحّ العمل سلم الإنسان وسعد، والعقيدة إن لم تصح ساء العمل وإن ساء العمل شقي الإنسان وهلك.
لذلك الخطأ في العقيدة لابدّ من أن ينعكس خطأ في السلوك، قبض الإنسان قبض عجز، لكن الله سبحانه وتعالى إذا قبض الأرزاق والأمطار قبض تأديب، والدليل:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الشورى )
إذاً الأرزاق تضيق وتتسع، أولاً امتحاناً للعباد، وابتلاء، أو حكمة من الله عز وجل، إن من عبادي من لا يصلح إلا بالغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وهناك شريحة أخرى من عبادي لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، يوجد إنسان على الدخل المحدود مستقيم، لكن الله يعلم لو أن هذا الإنسان كان دخله غير محدود لتفلت من منهج الله.
بالمناسبة: في نهاية الأمر حينما يكشف الله للإنسان يوم القيامة ما ساق له من شدائد ينبغي أن يذوب كالشمعة محبة لله عز وجل.


من معاني اسم الله القابض:


1 ـ أن الله عز وجل يقبض الأرواح:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/05.jpg
من معاني اسم الله "القابض" أن الله عز وجل يقبض الأرواح، فإذا قبض روح الإنسان يعني أماته، وإذا بسط روحه يعني أحياه، وكل إنسان أمامه بوابة خروج هي مرض الموت:
(( لكلِّ داء دواءً ))

[أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء ]
من دون استثناء أو:

(( ما من داء إلا وله دواء ))
وهذا الحديث إذا سمعه المريض امتلأ قلبه تفاؤلاً بالشفاء.

(( ما من داء إلا وله دواء ))
وإذا سمع هذا الحديث طبيب يشعر بالتقصير إن لم يكتشف الدواء لداء ما، إذاً هو يحث الطبيب على اكتشاف الدواء، ويملأ قلب المريض ثقة بالشفاء، هذا من الأحاديث الرائعة التي تملأ نفس المريض ثقة بالشفاء، وتدفع الطبيب إلى البحث عن الدواء.


2 ـ أن الله عز وجل يقبض الأرض:



أيضاً من معاني اسم "القابض" أنه يقبض الأرض، قال تعالى:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 67 )
أخوانا الكرام، الأرض تدور حول الشمس في مسار بيضوي (إهليلجي)، وهذا الشكل البيضوي مسار مغلق، هذا الشكل له قطران: أصغر، وأطول، فإن كانت الأرض في القطر الأطول واتجهت نحو القطر الأصغر، المسافة سوف تقل بينها وبين الشمس، هناك احتمال أن تنجذب إلى الشمس، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة يكون الهلاك.
لذلك الله عز وجل قابض وباسط، ترتفع سرعة الأرض، وهي جماد غير عاقل يرفع الله سرعة الأرض لينشأ من سرعة الأرض قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

( سورة فاطر الآية: 41 )



بقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/06.jpg
بقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته، لماذا بقيت مع أنها انتقلت من قطر أطول إلى قطر أصغر، وقانون الجاذبية متعلق بالكتلة والمسافة ؟ المسافة قلت، الانجذاب يزيد، احتمال انجذاب الأرض إلى الشمس قائم، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، لأن مركز الشمس تزيد الحرارة فيه عن عشرين مليون درجة، الآن إذا انتقلت من قطرها الأصغر إلى قطرها الأطول هناك احتمال التفلت من جاذبية الشمس لأن المسافة إذا زادت ضعفت الجاذبية.
لذلك يقبض الله الأرض أي يخفض سرعتها، لينشأ من خفض سرعتها قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها،
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
بعضهم قال: لو أنها تفلتت، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس، قال نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، من الفولاذ المضفور، وهذا أمتن عنصر في الأرض، الحبل قطره خمسة أمتار، والحبل الذي قطره خمسة أمتار يحمل مليوني طن، بشكل أو بآخر قوة جذب الشمس للأرض تساوي مليون مليون ضرب مليوني، يعني مليون مليون 12 صفر ضرب مليونين ضرب اثنين بستة أصفار، شيء مذهل، كل هذه القوة الكبيرة الجاذبة للأرض من أجل أن تحرفها ثلاثة ميلي كل ثانية حتى ينشأ مسار مغلق تسير عليه الأرض في دورتها حول الشمس، التي تستغرق 365 يوماً.
معناها الله عز وجل قابض يقبض الأرض فيخفض سرعتها، ويبسطها فيزيد سرعتها، من أجل أن تبقى على مسارها من أجل ألا تنجذب إلى الشمس فتتبخر في ثانية واحدة، ومن أجل ألا تتفلت من الشمس فتدخل في الصفر المطلق حيث تنتهي الحياة.
يد من تسير الأرض ؟
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
أخوتنا الكرام، هذه الآيات الدالة على عظمة الله ينبغي أن نتفكر فيها، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

( سورة الرعد الآية: 2 )
معنى الآية أنه رفعها بعمد لا ترونها.


3 ـ أن الله عز وجل يقبض الصدقات بيده من عباده المؤمنين:



الآن من معاني "القابض" الله عز وجل قابض أنه يقبض الصدقات بيده، من عباده المؤمنين، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه، وأخذها بيمينه فرباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله، أو في كف الله حتى تكون مثل الجبل، فتصدقوا ))

[أخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة ]
الإنسان يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، إذاً الله عز وجل قابض يقبض صدقة المؤمن الذي أنفقها من مال حلال بيمينه، والله عز وجل قابض يقبض الأرض ويبسطها،
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾



4 ـ أن الله عز وجل يقبض الرزق تأديباً لا ضعفاً:



الله عز وجل قابض يقبض أرواح البشر، يعني يميتهم، أو يبسطها ليحيهم، والله عز وجل قابض يقبض الرزق تأديباً لا ضعفاً.



الله عز وجل قابض يربي الناس لسعادتهم و سلامتهم:

هذه كلها من معاني اسم "القابض" والله عز وجل قابض بمعنى المربي.
عفواً، المركبة السيارة، لماذا صنعت ؟ صنعت لتسير، لكن فيها مكابح المكابح تتناقض مع علة صنعها، هي صنعت من أجل أن تسير، والمكبح يوقفها لكنه ضروري جداً لسلامتها، وكما أن المكبح يتناقض مع علة صنع السيارة، فيحول بينها وبين أن تسير كذلك "القابض" هو سلامة لسعادة الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى يربيه فهو رب العالمين، فالإنسان فهم المصائب بهذا الفهم يكون فقيهاً وعندئذٍ يرضى.
لذلك ربما أعطاك فمنعك، المركبة انطلقت بأعلى سرعة، فتدهورت فمات صاحبها، ربما أعطاك فمنعك، منع منك الحياة، وربما منعك فأعطاك وإذا كشف لك حكمة المنع عاد المنع عين العطاء.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-21-2018, 08:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(79)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الحكم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم " الحكم".



ورود اسم الحكم في السنة النبوية الشريفة:


هذا الاسم ورد في السنة النبوية الصحيحة، ورد مطلقاً معرفاً بأل:



(( لما وَفَدَ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع قومِهِ، سمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بأبي الحكم ـ سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوم راوي الحديث يكنونه بأبي الحكم ـ فدعاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ' إنَّ الله هو الحكَمُ وإليه الحُكْمُ فلم تُكْنَى أبا الحَكَم ؟ ' فقال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرَضِيَ كلا الفريقَيْنِ بحكمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' ما أحسَنَ هذا ؛ ـ يعني أن تكون وسيطاً، وحكماً، وأن يأتي حكمك مقبولاً عند الطرفين شيء طيب ـ ما أحسَنَ هذا فما لكَ من الوُلْدِ ؟ ' قال: لي شُرَيح، ومسلم وعبد الله، قال: ' فمن أكبرُهم ؟ قال قلتُ: شريح، قال: ' فأنت أبو شريح ))

[ أبو داوود من حديث شريح عن أبيه هانئ]
هذا الحديث الذي رواه أبو داود يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى الله جلّ جلاله " الحكم ".


النبي عليه الصلاة والسلام ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم:

أيها الأخوة، أحياناً قد يخاطبك إنسان باسمك، لا تتألم كثيراً لأن الله سبحانه وتعالى ما خاطب بالكنية إلا أبا لهب.

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

( سورة المسد )
والحقيقة باللغة هناك اسم، وهناك كنية، وهناك لقب، وهناك نسبة، الاسم سيدنا عمر، الكنية أبو، أو أم، أو ابن، أو بنت، أبو حفص كنية، اللقب الفاروق، النسب القرشي، فالإنسان له اسم، وله كنية، وله لقب، وله نسب.
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم وكان يغير بعض الأسماء.
من الرجل ؟ قال له: زيد الخيل، فقال له: بل زيد الخير.
إذا كنت معلماً، إذا كنت مديراً في مؤسسة، وهناك اسم يثير الضحك أحياناً اختر له اسماً آخر، أنت معلم، اسمه محمد، كنيته قد تثير بعض الضحك، الأكمل أن تناديه باسمه، لا بكنيته، ولا بلقبه.


الحكم في اللغة:

" الحكم " في اللغة، من صيغ المبالغة، اسم الفاعل حاكم، " الحكم " صيغة مبالغة، وكما تعلمون حينما يأتي الاسم بصيغة المبالغة فهذا يعني مبالغة كم أو نوع، يعني مليار، مليار، مليار، مليار حكم من الله عز وجل عدل، وفي أكبر قضية الحكم عادل كماً، أو نوعاً.
الحاكم اسم فاعل، صيغة المبالغة الحكم، هو الذي يحكم، ويفصل، ويقضي في سائر الأمور، الفعل حكم، يحكم، حكماً، والحكم العلم والفقه.
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

( سورة القصص الآية: 14 )
الحُكم العلم والفقه، الله عز وجل أعطى الحكم لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لمن يحب، سيدنا سليمان، آتاه الله الملك، أعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب لسيدنا عثمان رضي الله عنه، لسيدنا عبد الرحمن بن عوف.


من أحبه الله أعطاه العلم و الحكمة معاً:

لكن الذي يحبه الله عز وجل العلم والحكمة، العلم والحُكم،
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
إذاً:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾

( سورة مريم الآية: 12 )
كن قوياً في طاعة الله.

﴿ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾

( سورة مريم )



استخدام الإنسان الحكم الموجودة في القرآن و السنة لئلا يغفل عن الحق ومن هذه الحكم:


1 ـ تذكير القاضي بأن يحكم بين الناس بالعدل:



العلم، والفقه، والحُكم القضاء بالعدل، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

( سورة النساء الآية: 58 )
بمحكمة الجنايات في دمشق هناك قصر العدل مكتوب فوق رأس المذنبين:
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
من يقرأها هذه ؟ القاضي، القاضي يرأس قاعة كبيرة هكذا اتجاهه فوق رأس المذنبين (الذين في قفص الاتهام) لوحة كبيرة يقرأها القاضي،
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾



2 ـ تذكير المذنب بالقصاص:



فوق رأس القاضي هناك لوحة كبيرة مكتوب عليها:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 179 )
من يقرأها هذه ؟ المذنبون، المذنبون يقرؤون هذه الآية
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
والقاضي يقرأ هذه الآية.


3 ـ عدم ظلم الناس و التأكد مما يقوله بعضهم:



رجل يعمل في الأمن كُتب فوق رأسه آية قرآنية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 5)
أنسب آية لمن يعمل في هذا الحقل هذه الآية، مكتب نقل بضائع في مكتبه حديث شريف:

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله ))

[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]



4 ـ الاعتزاز بآية كريمة لأنها قد تكون مرتبطة باسمه:



محامي اسمه إبراهيم، عامل لوحة:
﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾

( سورة النساء )
كان مفتي في الشام رحمه الله، اسمه الأول عبد الرزاق، فقد كتب لوحة وضعها في غرفة الاستقبال: هو الرزاق وأنا عبده، أحياناً الإنسان يعتز بآية.


5 ـ التذكير بالأمن و الأمان:



دخلت إلى مطار القاهرة:
﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ ﴾

( سورة يوسف )



6 ـ التذكير بأن الله عز وجل بيده كل شيء:



بالقرآن الكريم أحياناً حكم، والإنسان يستخدم هذه الحكم، شيء لطيف، الطبيب:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

( سورة الشعراء )



الحُكم و الحَكَم:

الآن " الحكم " بفتحتين،
﴿ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ ﴾
شيء، و " الحكم " اسم، " الحكم " بفتحتين، هو الحاكم، وحكمه في المال تحكيماً إذا جعل الحكم إليه، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا المعنى واحد.
أيها الأخوة، والمحاكمة هي المخاصمة إلى الحاكم، الآن دققوا في هذه الآيات الثلاث:

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ ﴾
هناك قسم:

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 65 )
فيما نشأ بينهم من خلاف.

﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

( سورة النساء )
علامة إيمانك أن تخضع لحكم رسول الله، علامة إيمانك أن تخضع لحكمه في حياته، وعلامة إيمانك أن تخضع لحكمه بعد مماته، كيف ؟ القاضي اعتمد في إصدار حكمه على حديث صحيح للنبي عليه الصلاة والسلام، فالذي لا يقبل حديث رسول الله
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾
نعم، امرأة مسلمة تدعي أنها مسلمة ينشب خلاف بينها وبين زوجها في العالم الغربي، لا تقبل أن ترفع أمرها إلى المركز الإسلامي، وهناك قاضٍ مسلم ليحكم لها بالمهر، ترفع أمرها إلى القضاء الغربي ليحكم لها القاضي بنصف أملاك زوجها، إذاً هي رفضت حكم رسول الله، حكم النبي المهر، أما النظام هناك تأخذ المرأة نصف أموال زوجها
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
آية خطيرة جداً، ينفي الله الإيمان عن المؤمن حينما لا يقبل حكم رسول الله في حياته أو بعد مماته، يعني أي إنسان حكم، أو قاضي أصدر حكماً اعتماداً على توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم إن لم تقبل ذلك فلست مؤمناً.


علامة إيمان المسلم أن يخضع لتوجيهات الله عز وجل و لحكم رسول الله:


دققوا: الشيء بالشيء يذكر، الله عز وجل قال:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة ص الآية: 23 )
من الخلطاء ؟ الزوجات، الشركاء، الورثة، الأولاد، الأقرباء، كلهم خلطاء
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
نتابع الآية:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾

( سورة ص الآية: 23 )
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، ليس مؤمناً أصلاً
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
المؤمن لا يبغي على خليطه.
الحقيقة حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 115 )
من معاني هذه الآية أن القرآن الكريم فيه ستمئة صفحة، في دفتي المصحف الشريف آيات كثيرة، كل هذه الآيات لا تزيد عن أن تكون أمراً أو خبراً، إن كانت أمراً فالأمر عدل، وإن كانت خبراً فالخبر صدق،
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾



صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ:



سوف أمهد لهذه الفكرة:
البعوضة هذا المخلوق الحقير الذي لا شأن له في حياة الناس، وقد أكد هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( لو كانت الدنيا تزن عند الله تبارك وتعالى جناح بعوضة، ما أعطى كافراً منها شربة ماء ))

[أخرجه ابن أبي شيبة عن رجل من بني فهم ]
هذه البعوضة بعد أن وضعت تحت مجهر إلكتروني يكبر آلاف المرات تبين أن في رأسها مئة عين، وفي فمها ثمانية و أربعون سناً، وفي صدرها قلوب ثلاثة، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، ولكل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك جهاز استقبال حراري، حساسيته واحد على ألف من الدرجة المئوية، تملك جهاز تحليل دم، تملك جهاز تخدير، تملك جهاز تمييع، في خرطومها ستة سكاكين، في يديها وأرجلها مخالب ومحاجم، ما علاقة هذا المثل والحكم الذي نحن في صدده ؟ إذا كانت عظمة الخلق بهذه الدقة لبعوضة، وعظمة الخلق تدل على عظمة التشريع، كيف أن خلقه فيه دقة بالغة، فيه إحكام، فيه إتقان.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )



الحكم الإلهي في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:


إعجاز الخلق يقابله إعجاز للتشريع، يعني التشريع الإلهي، الحكم الإلهي في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليس هذا التشريع منتجاً بشرياً، إنه منتج سماوي، وحي السماء، هذا التشريع الإلهي لا يخضع للبحث ولا للدرس، لا يخضع للتعديل، ولا للتطوير، ولا للتحديث، لا يخضع للحذف ولا للزيادة.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 36 )
شيء حكم الله به في القرآن حكماً قطعياً، لا يمكن أن يكون هذا الموضوع قابلاً للبحث، التشريع الإلهي وحي السماء، لا يقبل لا البحث، ولا الدرس، ولا التعديل ولا التطوير، ولا الزيادة، ولا الحذف، إنه من عند الله جل جلاله.
لذلك:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾



القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله ولا يُحكّم غير شرع الله:


الآية الثالثة:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )
من أدق ما قيل في القلب السليم، القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، القلب السليم القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله، القلب السليم القلب الذي لا يُحكّم غير شرع الله، ولا يعبد إلا الله.
أنا قلت لكم قبل أيام، حضرت مؤتمراً السكان في القاهرة، قلت في هذا المؤتمر: إن العالم الإسلامي مع أنه يعاني ما يعاني، لا يمكن أن يقبل حلاً لمشكلاته، بعيداً عن الكتاب والسنة، عن ثوابته الدينية، عن ثوابته الإيمانية، عن قيمه الأصيلة، هذا شأن عظيم لهذا الشرع الكريم.
ذكرت كلمة قالها بعض الفلاسفة في الشرق، قال: أنا أفتح النوافذ لأجدد هواء غرفتي، شيء طيب لا يوجد مانع، ولكنني لن أسمح للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري أنا أفتح النوافذ، وأجدد الهواء، لكن أحافظ على هويتي، أحافظ على مبادئي، على ديني على قيمي، أفتح النوافذ لأجدد الهواء، ولا أسمح أبداً للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري.
لأحد المفكرين كلمة رائعة، يقول: إن ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء، لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها ؟ لا، الإنجاز الحضاري ملك البشرية جمعاء، لأنه بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال.


الحكم الكوني و الحكم التشريعي:


أيها الأخوة، الآن:

﴿ مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة المائدة الآية: 117 )
هو الذي يحكم في خلقه كما أراد، يحكم في خلقه حكماً إلزامياً لا يرد.

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 41 )
أحياناً القاضي (قاضي الصلح) يحكم، يحكم كما يأتي في مقدمة حكمه باسم الشعب السوري أصدر هذا الحكم، لكن في محكمة الاستئناف تنقض هذا الحكم، تعقب عليه وتلغيه، وقد يحكم قاضي الاستئناف، باسم الشعب السوري يصدر هذا الحكم، فتأتي محكمة النقض فتنقض هذا الحكم، لكن الله عز وجل يقول:
﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
إذاً الله عز وجل يحكم في خلقه كما أراد حكماً لا يرد، ولا يعقب عليه، حكماً كونياً، يعني هذا الإنسان الله عز وجل ساق له بعض الشدائد، هذا حكم إلهي، فلان ساق له بعض الخير، هذا حكم، هذا حكم مبرم كوني، وهناك حكم تكليفي، حكم للمرأة بالمهر، هذا حكم، وحكم في الإرث لهذه الأنصبة التي وردت في القرآن الكريم، هذا حكم، الله عز وجل له حكم كوني، جعل هذا الإنسان عقيماً، هذا حكم، وقد يكون ملكاً، وبيده طب العالم كله، ومع جهود جبارة لم يستطع أن يُنجب من هذه الملكة، هذا حكم، العقم حكم.
لذلك:
﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
هناك حكم كوني، وهناك حكم تشريعي.


الحكم الكوني حكم واقع لا محالة:


أيها الأخوة، الحكم الكوني واقع لا محالة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لا يليق بألوهية إلهنا العظيم أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع أراده الله، كل شيء أراده الله وقع، إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
لذلك لا يوجد بقاموس المؤمن لو.

(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن ' لو ' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

(( ولكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
يحكم حكماً تكوينياً "أفعاله"، جعل هذا عقيماً، جعل هذا وسيماً، جعل هذا دميماً، جعل هذا متألقاً، جعل هذا محدوداً، هذا حكم إلهي.


مشكلة الخلق مع الله عز وجل ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد:


لكن دققوا: حينما يكشف الله للإنسان يوم القيامة الحكمة مما ساق له من شدائد، أو الحكمة من الحظوظ التي منحه إياها، حينما يكشف الله لهذا الإنسان يوم القيامة لماذا زوى عنه هذا ؟ ولماذا أعطاه هذا ؟ ينبغي أن يذوب كالشمعة محبة لله عز وجل، لأن مشكلة الخلق مع الله عز وجل ملخصة بكلمة واحدة، هي الحمد:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )
للعبد مما أعطاه الله عز وجل، هذا حكم كوني، أي جعلك ذكراً ما جعلك أنثى، أحد سألك ؟ أحد خيرك ؟ جعلك من هذا الأب وهذه الأم، جعلك في هذه البلدة، جعلك في التسعينات، في الثمانينات، من اختار لك زمن الولادة ؟ ومكان الولادة ؟ والأب والأم والجنس ؟ هذه أشياء أنت مسير بها، هذا حكم إلهي، لكن حينما تكتشف الحقائق، تكشف الحكمة من القضاء والقدر يوم القيامة، المؤمن يقول كلمة واحدة: يا رب لك الحمد على ما سقت لي، لذلك من أدق الأدعية النبوية:

(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]



من عرف أسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى التزم منهجه سبحانه:

أيها الأخوة، هناك حكم ثانٍ حكم تشريعي، حكم تكليفي، يوجد فرائض، ويوجد سنن، هناك مستحبات، هناك مكرهات، هناك افعل، هناك لا تفعل، هناك مئات الألوف من الأحكام، المنهج الإسلامي منهج واسع جداً، مثلاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 1 )
الله عز وجل أمرنا بأمر صريح، أن تلتزم بالعقد الذي أبرمته مع المسلم، المسلمون عند شروطهم، هذا أمر إلهي.
الآن:

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

( سورة الشورى )
إلى الكتاب وإلى السنة.
أيها الأخوة، الحقيقة أن الله عز وجل حينما نعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى نحبه، وحينما نحبه نطيعه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-21-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(80)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(المالك):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المالك"، اسم الله " المالك".



ورود اسم المالك في القرآن الكريم و السنة النبوية:


اسم الله " المالك" ورد في القرآن الكريم مضافاً، وإن كانت الإضافة تحمل معنى الإطلاق في الملكية، ولكنه ورد أيضاً في السنة النبوية مطلقاً، فمن القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
كل شيء يُملكه هو مالكه، أما المُلك مطلق هذا الاسم في مقابل الملكوت، فالملك يراد به عالم الشهادة غالباً، أو الحياة الدنيا بصفة عامة، والملكوت يراد به في الأعمّ الأغلب عالم الغيب أو عالم الآخرة، والله عز وجل مالك المُلك والملكوت، يعني مالك عالم الدنيا وعالم الآخرة، مالك عالم الشهادة، وعالم الغيب، هو رب العالمين الذي يملك عالم الغيب وعالم الشهادة بما فيهما، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 158 )
مُلك الدنيا والآخرة، مُلك عالم الغيب، وعالم الشهادة، فالمالك هو المنفرد لملكية الملك والملكوت، المُلك في الدنيا، والملكوت في الآخرة، المُلك عالم الشهادة، والملكوت عالم الغيب.


الحق سبحانه وتعالى مالك لعالم الغيب والشهادة وما فيهما:

الله سبحانه وتعالى أفرد نفسه بملكيته لعالم الملك، وأفرد نفسه بملكيته لعالم الغيب أو عالم الملكوت، قال تعالى:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

( سورة الفاتحة )
مالك الدنيا، ومالك الآخرة، مالك عالم الشهادة، ومالك عالم الغيب.
الآن إذا كان الحق سبحانه وتعالى مالكاً لعالم الغيب والشهادة وما فيهما كما بينت الأدلة السابقة، فهو المالك إذاً على سبيل الإطلاق، أزلاً وأبداً.
وقد ثبت ذلك عند مسلم عن أبي هريرة حين ورد اسم " المالك" في الحديث الصحيح مطلقاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ أَخْنَعَ اسم عند الله ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]
يعني إن أذلّ اسم، وأوضع اسم عند الله:

(( رجلٌ تَسَمَّى مَلِك الأمْلاك، لا مالك إِلا الله ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
"المالك" هو الله عز وجل، مالك عالم الغيب، وعالم الشهادة، مالك الملك والملكوت.


المالك في اللغة:


أيها الأخوة، "المالك" في اللغة اسم فاعل، الفعل ملك، يملك، فهو مالك، والله عز وجل مالك الأشياء كلها، مالكها ومصرفها، نحن في عالمنا، في عالم الإنسان قد تملك بيتاً، ولا تنتفع منه.
في بعض البلاد نظام إيجار ظالم، فالمستأجر هو المالك، أما الذي له ملك الرقبة لا ينتفع به، فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع ببيت ولا تملكه، وقد تنتفع بالبيت وتملكه لكن مصيره ليس إليك، صدر قرار تنظيم، قرار استملاك، ذهب البيت.
لكن ملكية الله جلّ جلاله ملكية مطلقة، مالك الملك، مالك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
أحياناً دولة تصنع طائرة هي صنعتها، لكنها إذا باعتها إلى دولة أخرى الآن لا تملك التصرف بها، الدولة التي اشترت هذه الطائرة هي التي تملكها، فقد تطلقها لتقصف وتدمر، والدولة الصانعة مبدئياً لا علاقة لها بهذا القصف، صنعتها وباعتها، لكن الله سبحانه وتعالى مالك كل شيء:

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الأنعام )



ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب والشهادة و للدنيا والآخرة ملكية مطلقة:

ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب وعالم الشهادة للدنيا والآخرة ملكية مطلقة، إذاً مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء، آلاف الأشياء قد نملكها ملكاً ظاهراً ولا نملك التصرف فيها، لأن مالك الشيء في كلام العرب هو المتصرف والقادر عليه.
وقد قرأ نافع وحمزة ملك يوم الدين، بغير ألف، وقد قرأ عاصم الكسائي
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
بألف وكلا القراءتين صحيحة، وقد رويت القراءتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض الأئمة في الركعة الأولى يقول
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
في الركعة الثانية يقول ملك يوم الدين.
والله عز وجل مالك المُلك، ملكه عن أصالة واستحقاق، لأنه الخالق ( أي معمل صنع هذه الآلة، مبدئياً هي ملكه لأنه صنعها )، لأنه الخالق الحي القيوم الوارث، علة استحقاق الملك أمران، الأول: صناعة الشيء و إنشاؤه واختراعه، فالعاقل يعلم عقلاً أن المخترع له براءة الاختراع، والمؤلف له حق الطبع والنشر.

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]
والله ما من تشريع حضاري، ما من تشريع يقلب الأرض القاحلة جنة كهذا التشريع.

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]
أرض جرداء حفر فيها بئر واستخرج ماءً، وشجّرها، وزرعها، وسورها، لو طبقنا هذا التشريع النبوي بشكل واسع لانقلبت بلادنا جنات خضراء، في بعض البلاد يعطون قرض المشروع الأخضر، يعطون قرضاً للكل، إنسان اختار أرضاً جرداء، وسورها، واستخرج منها الماء، وشجّرها، وجعلها جنة خضراء.

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]
فإذا كان لملوك الدنيا لا يمكن لأحدهم أن يؤسس ملكه بجهده منفرداً، فلابدّ له من ظهير، أو معين، سواء في أهله وقرابته، أو في حزبه، أو في جماعته، أو قبيلته، أو عشيرته، فالله سبحانه وتعالى هو المنفرد في الملكية حقيقة.


الله عزّ وَجَل لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ:


الله عز وجل لم يساعده أحد في إنشاء الخلق، ولا عاونه على استقرار الملك، أو يمسك معه السماء أن تقع على الأرض، قال سبحانه وتعالى:

﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأعراف )
وقال أيضاً:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

( سورة الكهف )
يعني نظريات فيها توهم لتاريخ البشرية لمئات آلاف السنين، يقول لك: الإنسان الحجري يستخدم الأحجار، الإنسان المتوحش، مع أن الله سبحانه وتعالى بدأ الخلق بنبي كريم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ))

[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد عن عبد الله بن عباس ]
بدأ البشرية بنبي كريم، وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين، أما في الموسوعات العلمية عندنا إنسان متوحش، إنسان حجري، يستخدم الأحجار كأدوات هذا من تخيلاتهم مثلاً: لو أن إنساناً اشترى محلاً تجارياً في الثلاثينات، اشتراه بمبلغ معين، جالس يتكلم مع أصدقائه بعد خمسين عاماً، قال: اشتريت هذا المحل بالمبلغ الفلاني، فله ابن ولد بالستينات، يقول له: لا بابا، المبلغ ليس كذلك، يقول له: هل كنت معي أنت ؟ اشتريت هذا المحل قبل أن تولد بعشرين عاماً، هل كنت معي ؟.


الله عز وجل بدأ البشرية بنبي كريم وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين:

فكرة لطيفة، إلهنا وربنا بيّن لنا في الكتاب، في وحي السماء، أن البشر بدأهم بآدم، ونحن في جميع الموسوعات العلمية نؤكد لطلابنا هذا، وعندئذٍ يتمزقون بين كلام مدرس التربية الإسلامية، وبين كلام مدرس العلوم الطبيعية، الطفل أحياناً يتمزق حينما يرى تفسيرات متناقضة.
الحقيقة هناك سؤال دقيق جداً، مع أن نظرية دارون تحت الأقدام الآن، لا عند علماء المسلمين، لا والله، عند علماء الغرب، عند العلماء الذين آمنوا بهذه النظرية هم نقضوها نقضاً كلياً، وهناك أدلة قاطعة، أن هذه النظرية انتهت، لا عندنا كمسلمين، عندنا منتهية، انتهت عند علماء الغرب، لأن دارون قال: إن لم تثبت العلوم نظريتي فهي باطلة، دارون صاحب النظرية تنبأ ببطلانها، لأنه كان يتصور أن الفأرة تأتي من خرق بالية، وأن الدود يأتي من تفسخ اللحم، وأن الضفدع يأتي من الوحل، شيء مضحك، لو رجعتم لكتاب أصل الأنواع لدارون لا تملك إلا أن تضحك، شيء سخيف جداً.



تمسك الناس بنظرية دارون مع إثبات بطلانها:

لكن هناك نقطة دقيقة: ما دام المخلوقات تطورت، التطور يقتضي وجود مخلوق مرحلي، من سمكة، إلى زاحفة، إلى ديناصور، إلى، إلى، فنظرية دارون تقتضي أن هناك مخلوقاً مرحلياً، بعد اكتشاف المستحاثات، التي كُشفت قبل 530 مليون عام وجد أن معظم المخلوقات والحيوانات عن طريق الأحافير هي نفسها اليوم، العلم لم يثبت وجود مخلوق مرحلي، أن تخلق الضفدع من الوحل شيء مضحك، وأن يُخلق الدود من اللحم المتفسخ شيء مضحك، وأن تخلق الفأرة من الخرق البالية شيء مضحك، وأن لا توجد في تاريخ البشرية عن طريق المستحاثات مخلوقات مرحلية هذا يبطل هذه النظرية، هي نظرية باطلة، تحت الأقدام، بالدليل القطعي الذي ليس فيه كلمة واحدة من علماء المسلمين، من علماء الغرب الذين آمنوا بهذه النظرية.
السؤال: لماذا يتمسك الناس بهذه النظرية ؟ في العالم كله الآن، في المناهج والجامعات، في الموسوعات العلمية كلها، هناك سبب، لابدّ من التوضيح:
إنسانان أرادا شراء سيارة، أحدهما اشترى والثاني لم يشترِ، سرت إشاعة في البلد، أن هناك قانون يخفض الرسوم إلى النصف، الذي اشترى يكذب هذه الإشاعة من دون دليل، لأن تكذيبها يريحه، لأنه اشترى، والذي لم يشترِ يصدق هذه الإشاعة من دون دليل لأن التصديق يريحه.
فهناك حالات كثيرة جداً الإنسان يصدق أو يكذب من دون دليل، لأن التصديق ليس له علاقة بالواقع، له علاقة براحته النفسية.



منطق العالم اليوم أن يبني مجده على أنقاض الشعوب:

لذلك لا يوجد نظرية تريح الطغاة كنظرية دارون، ما في إله، ولا في حساب، ولا في عذاب، أيها الطاغية ابنِ مجدك على أنقاض الشعوب، دمر، اقتل، ما في شيء لا في آخرة، ولا في جنة، ولا في نار، ولا في إله يحاسب، والقوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، وانتهى الأمر، هذا منطق العالم اليوم، منطق العالم أن تضربه حتى لا ينطق كما ترون مليون قتيل بالعراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، والعالم كله مرتاح لأنه لا أحد يؤمن أن هناك إله سيحاسب.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم )



إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم:


ادعاء العالم اليوم بجامعاته، ومؤسساته، وموسوعاته العلمية أن الإنسان تطور من كائن وحيد الخلية، إلى إنسان معقد هذا الإيمان يريح المتفلتين، الآن مثلاً:
حتى الإنسان الذي يبيع المواد المغشوشة، ويحقق أرباحاً طائلة يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، حضر درساً فالمتكلم بهذا الدرس قال:

(( شفاعتي لأهل الكبائر مِنّ أمَّتي ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
الحديث صحيح لكن له تفسير دقيق جداً، هو أخذه على ظاهره مريح جداً الحديث.

(( لَوْلا أنَّكم تُذْنِبُون لذَهَبَ الله بِكُم، وخلق خَلْقا يُذْنِبُون ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب ]
هناك نصوص مريحة جداً، تجد الجاهل يتمسك بها، يتمسك بها ويؤذي الناس فكل إنسان دون أن يشعر يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، أوسع غطاء إيديولوجي للجريمة الإلحاد، ما في إله.
لذلك إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة، ومع أنها ركلت بالأقدام، وعلى أنها تحت الأقدام، ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم، هذا تفسير لماذا يتمسك العالم اليوم بهذه النظرية.
لكنني مرة قلت لطلابي: يا بني أنا مؤخراً آمنت بهذه النظرية، لكنها معكوسة كان إنساناً فأصبح قرداً، ما معنى قرد ؟ همه بطنه، ما معنى خنزير ؟ همه فرجه، فالإنسان اليوم مُسخ إلى قرد وخنزير، همه بطنه، وهمه فرجه، هذا الإنسان ليس فيه قيم.
كنت أقول من باب الطرفة: الحياة من دون قيم لا تعاش، الآن الحياة من دون مكيف لا تعاش، لأنه ما عاد في قيم إطلاقاً، الذي يجري في العالم شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف، لا في حق، ولا في منطق، ولا في قيمة، ولا في شيء، هناك سيناريو متقن أو غير متقن، هناك صفقة كبيرة أو غير كبيرة.


علة الخلق وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء:

أيها الأخوة، الآية تقول:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾
و النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))

[ البخاري عن عمران بن الحصين]
كان تامة باللغة، نحن كان فعل ماض ناقص، معنى فعل ماض ناقص تربط التركيب إلى زمن معين، نافية معنى الحدث، الجو ممطر، هذا مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر، تقول: كان الجو ممطراً، فكان لم تعطِ معنى الحدث، أعطت معنى الزمن فقط، إذاً هي فعل ماض ناقص، لكن تأتي كان أحياناً تامة، فعل ماض تام، كان الله بمعنى وجد الله ولم يكن معه شيء.

(( اتق الله حيث كنت ))

[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي ذر ]
نعرب كنت فعل ماض تام مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، هنا:

(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))

[ البخاري عن عمران بن الحصين]

(( وكان عَرْشُهُ على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السماوات والأرضَ، وَكَتبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شيء ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عمران بن الحصين ]
العلة الثانية لأن الله ملك كل شيء في عالم الشهادة والغيب، دوام الحياة علة أخرى لاستحقاق الملك، لأن الموت يوجب انتقال الملكية من جهة إلى جهة، الله عز وجل حيّ باق على الدوام، الوارث الباقي بعد فناء خلقه، فعلة الخلق، وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء، أزلاً وأبداً، دنيا وآخرة، شهادة وغيباً.


من كان مع مالك الملك كان في أمن و بحبوحة:

ومعلوم أيها الأخوة، أن كل من على الأرض ميت، كما قال تعالى:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )
وقوله أيضاً:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة العنكبوت )
ولما كانت الحياة وصفاً لذات الله عز وجل فالله عز وجل يقول:

﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾

( سورة غافر )
فإذا كنت أنت مع مالك المُلك، مع مالك الدنيا والآخرة، كنت في أمنٍ وبحبوحة، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، والآية التي قرأناها في دروس سابقة:

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران )



التوحيد يمنح الإنسان العزة و الشجاعة و الراحة النفسية:

أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن أن الله مالك المُلك، مالك الدنيا والآخرة، مالك عالم الغيب وعالم الشهادة، مصيرك إليه، وأمرك إليه، بيده رزقك، بيده حياتك، بيده التوفيق، بيده النصر، بيده النجاح، بيده التفوق، بيده السعادة، بيده الرضا، بيده كل شيء، هذا هو التوحيد، وهذه الكلمة أرددها كثيراً: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )
أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تتوهم أن مع الله إلهاً آخر، التوحيد يعطيك الراحة النفسية، التوحيد يعطيك الشجاعة، التوحيد يعطيك عزة النفس، التوحيد يبعدك عن أن تستجدي مديح الناس، التوحيد يجعلك متماسكاً، التوحيد يجعلك عزيزاً.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *




أفعال الله عز وجل:



أيها الأخوة، الإيمان له منعكس مريح جداً، لذلك:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
ما قال والشر، لأن إيتاء الملك خير، ونزعه خير، الإعزاز خير، والإذلال خير، لأن الله جل جلاله يذل ليعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويضر لينفع، هكذا أفعال الله عز وجل:

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-21-2018, 02:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(81)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(المقيت):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المقيت".



ورود اسم المقيت في القرآن الكريم في موقع واحد:


سمىّ الله جلّ جلاله ذاته العلية في القرآن الكريم باسم "المقيت"، فقد ورد في موقع واحد في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

( سورة النساء )
كما تعلمون في آية الكرسي.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )
يعني لا تتم شفاعة في الكون بين جهتين إلا بإذن الله، فإذا كنت سبباً في عمل صالح فلك من هذا العمل الصالح نصيب، مثلاً أعنت إنساناً على نفسه فتاب إلى الله، كل أعمال الخير التي فعلها هذا الإنسان لك منها نصيب، وإذا دللت إنساناً على عمل سيئ أو على معصية، كل هذه المعاصي التي يفعلها عليك منها وزر، شيء خطير،
﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾
فأنت أي عمل تكون وسيطاً به، إن كان خيراً فلك منه نصيب، وإن كان شراً عليك منه وزر
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
قبل أن تدل إنساناً، قبل أن تكون وسيطاً، قبل أن تكون سبباً، قبل أن تقنع إنساناً على معصية، أو بعمل، أو بسفر، أو باختلاط، أو بتأسيس تجارة أساسها محرم، قبل أن تدل إنساناً، قبل أن تروج، قبل أن تحبب، قبل أن تمدح، انتبه، هذا العمل الذي نتج عن توجيهك، وتبيينك، إن كان خيراً لك منه نصيب، وإن شريراً عليك منه وزر.
فالله عز وجل من فوق عرشه مقيت، له الكمال المطلق في إقاتة خلقه، ورزقهم، فإذا أضيف إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو فكان هذا كمال الكمال.


المقيت في اللغة:

أما في اللغة، "المقيت" اسم فاعل، للموصوف بالإقاتة، فعله أقات، هذا الرباعي، اسم الفعل قات، يقوت، قوتاً، والقوت هو ما يمسك الرمق من الرزق، الحد الأدنى من الطعام والشراب، قوت، قات الرجل و أقاته أي أعطاه قوتاً، والمصدر هو القوت المحفوظ الذي يقتات به حين الحاجة.
يعني امرأة قالت لزوجها: ما عندنا شيء، هذا الزوج بكى، سبب بكائه تذكر أنواع القوت التي في بيته، أنواع منوعة، وكثيرة، وكافية، كلمة ما عندنا شيء كلمة ما فيها أدب مع الله عز وجل، عندك كل شيء.



كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ:



لذلك المدخر المحفوظ الذي يُقتات به حين الحاجة، هذا هو القوت.
(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
من يقوت، من يطعم، أي أولاده، أطعمهم، سقاهم، ألبسهم، كساهم، لكن ما أدبهم، ما علمهم، ما عرفهم بربهم.

(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
لذلك أي أب في الأرض يرتاح إذا شبع أولاده، ولبسوا، وكانوا في بحبوحة ، لكن الأب المؤمن يتميز على بقية الآباء أنه يقلق لحال ابنه الإيماني، يتمنى أن يكون ابنه مؤمناً، يدعوه إلى الصلاة.

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾

( سورة طه الآية: 132 )
إذا جاء الأب مساء لا يكتفي أن يسأل زوجته أأكل الأولاد، يقول لها: أأكلوا ؟ هل صلوا العشاء ؟.
سيدنا عمر لما طُعن رضي الله عنه، وكان على وشك مفارقة الحياة، الشيء الذي أقلقه أنه قال: هل صلى المسلمون الفجر ؟.
فأنت كأب ما الذي يقلقك على أولادك ؟ يا ترى صحتهم ؟ كسوتهم ؟ تفوقهم الدراسي ؟ أما يقلقك دينهم ؟ وصلاتهم ؟ واستقامتهم ؟.

(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
هناك آباء يعتنون بحاجات أولادهم المادية، لكنهم يغفلون عن حاجاتهم الروحية.


الله عز وجل خلق الأقوات وتكفل بإيصالها إلى الخلق:

الله عز وجل هو "المقيت" ماذا يعني أن الله جلّ جلاله هو "المقيت" بكلمة مختصرة ؟ "المقيت" هو المقتدر
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
أي مقتدراً، الذي خلق الأكوان.
أنت تصور بيوم واحد كم دابة تُذبح في العالم، في الخمس قارات ؟ كم طن قمح يحتاج البشر يومياً ؟ كم طن شعير ؟ كم طن قمح ؟ كم طن ؟ كم طن ؟ تجد أياماً، شخص أحياناً يذهب إلى السوق، سوق الخضر يرى جبالاً من الفواكه، جبالاً من الخضراوات، من صنع هذا ؟ المقتدر.
نهر الأمازون بالثانية الواحدة كثافته، وغزارته ثلاثمئة ألف متر مكعب، بالثانية الواحدة، هذا الماء من أين؟ بالثانية الواحدة يهطل من ماء السماء 16 مليار طن بكل ثانية، مجموع التهطال في الأرض 16 مليار طن بكل ثانية، رزق من؟ رزق "المقيت"، المقتدر الذي خلق الأقوات، وتكفل بإيصالها إلى الخلق.
حفيظ عليها، بآسيا يوجد جبال هملايا، في قمم هذه الجبال يعيش الوعول، والوعل يحتاج إلى ماء، يوجد ينابيع ماء في القمم، معنى ذلك أن مستودعات هذه الينابيع في قمم أعلى، بإندونيسيا هناك 13 ألف جزيرة، كل جزيرة لها نبع ماء، ونبع الماء لابدّ من تمديدات تحت الأرض إلى اليابسة، أحياناً يكون نبع ماء بجزيرة، كل أمطار الجزيرة لا تكفي لهذا النبع، فلابدّ من أن هذا النبع موصول بمستودع إلى جبل خارج هذه الجزيرة.
قال: هناك سحابة بالفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين ألف مرة في اليوم بالمياه العذبة.

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )



تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:


لذلك أيها الأخوة، تقنين الله عز وجل إذا قنن تقنين تأديب لا تقنين عجز.

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾

( سورة الشورى الآية: 27 )
إذاً الله عز وجل هو "المقيت"، هو المقتدر، الذي خلق الأقوات وساقها إلى العباد وتكفل بإيصالها إلى العباد، هو حفيظ عليها.
مثلاً لماذا بعض الحبوب تصاب بالسوس ؟ من أجل ألا تخزنها، لو لم تصب بأي آفة، يكون احتكاراً لا يحتمل، فكل مادة غذائية لها خصائص.
فالله عز وجل معنى "المقيت" أنه يعطي كل مخلوق قوته ورزقه، على ما حدده سبحانه وتعالى من زمان، أو مكان، أو كم، أو كلمة، بمقتضى المشيئة والحكمة، فربما يعطي المخلوق قوتاً يكفيه لأمد طويل، أو قصير كيوم، أو شهر، أو سنة، وربما يبتليه لحكمة أرادها، فلا يحصل عليه إلا بمشقة وكلفة، هناك أرزاق سهلة، هناك أرزاق صعبة.
أحياناً إنسان يعمل عشرين ساعة وهو يصيح ليحصّل رزق يومه، وهناك إنسان يعمل عملاً بسيطاً، يأتيه رزق وفير، هذا من فضل الله على الإنسان.
لذلك يقولوا: الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، أحد أسباب اتجاهه إلى طلب العلم أنه قرأ حديثاً:

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))

[الخطيب والديلمى وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائى]
ليس معنى هذا أن يجد تحت الوسادة ليرة ذهبية كل يوم، لا، معنى ذلك أن الله يسر له عملاً مريحاً وله دخل معقول.


على الإنسان أن يؤدي زكاة ماله عن الأشجار المثمرة بعد قطف الثمار وإجراء الحساب:

الله عز وجل خلق الأقوات على مختلف الأنواع والألوان، ويسر أسباب نفعها للإنسان، والحيوان.
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾

(سورة الأنعام الآية:141)
بالزكاة.

﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
دقق
﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾
لا تأكل فاكهة فجة، إنها تؤذي،
﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾
إذا أينعت الفاكهة كُلْها، لا تأكلها قبل أن تكون يانعة.

﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 141 )
لو كان الله عز وجل كلف بأداء الزكاة عن هذا الإنتاج الزراعي بشكل مطلق هناك عبء كبير جداً،
﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
أما كل شيء أُكل قبل هذا الوقت ليس فيه زكاة، يوم قطف الثمار تجري الحساب الدقيق، تدفع العشر، أو نصف العشر، كزكاة هذا المحصول الزراعي.


الله عز وجل مقيت يوفي كامل الرزق للناس:

بعض العلماء قالوا: "المقيت" هو المقتدر، فيرجع معناه إلى صفة القدرة.
و "المقيت" هو الذي يوفي كامل الرزق للناس، أنا للتوضيح أضرب هذا المثل:
يوجد بستان في منطقة معينة، نحن في الشام هنا عندنا الزبداني، في الزبداني يوجد بستان، الشجرة السابعة، الغصن الثالث، التفاحة السادسة، هذه لفلان، فلان يمكن أن يأكلها وقد اشتراها بماله شراء، يمكن أن يأكل هذه التفاحة وقد قدمت له هدية، يمكن أن يأكلها وقد قدمت له ضيافة، يمكن أن يتسولها، يمكن أن يسرقها، سرقها، أو تسولها، أو أكلها ضيافة، أو قُدمت له هدية، أو اشتراها بماله، هي في الأصل له، لكن طريقة وصولها إليه باختياره، هي في الأصل له، لكن طريقة وصولها إليه باختياره، لذلك:
(( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب، واستجملوا مهنكم ))

[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]



أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار حرفته و زوجته :

ألصق شيء بالإنسان حرفته وزوجته، فإذا كان اختار حرفة فيها نفع للناس، لا تختار حرفة تبث الرعب في قلوب الآخرين، إياك أن تختار هذه الحرفة، لا تختار حرفة فيها ابتزاز لأموال الناس، لا تختار حرفة فيها إفساد لأخلاقهم، لا تختار حرفة فيها تشتيت لجمعهم، إياك، اختر حرفة فيها عطاء، بث الأمن في قلوب الآخرين.
لذلك حجمك عند الله من نوع حرفتك، أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار حرفته، أحياناً إنسان في وظيفة يقتضي أن يفتح مسجداً، وأن يعين خطيباً، هذه وظيفة، هناك وظيفة أخرى تقتضي أن يفتتح ملهى، وأن يعين راقصة، فرق كبير، يوجد إنسان عنده مدرسة، و إنسان عنده ملهى، فالبطولة أن تحسن اختيار حرفتك، لأنها ألصق شيء بك، وأن تحسن اختيار زوجتك، لأنها أم أولادك.



الكسب و الرزق:


"المقيت" هو المقتدر، فيرجع معنى هذا الاسم إلى صفة القدرة، وقيل "المقيت" الحفيظ، وهو معطي القوت، فيكون من صفات الفعل، إما اسم ذات أو اسم فعل.
أما في صحيح مسلم حديث دقيق جداً دعائي، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتا ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي رواية كفافاً.
ليس معنى هذا أنه فقير، أبداً، لكن معنى هذا أن رزقه يغطي كل حاجاته، من دون أموال طائلة يحار في إدارتها، تشغله عن الله عز وجل، يعني ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى.
هذا مكان مناسب للتوضيح أن هناك فرق بين الرزق وبين الكسب، الرزق من انتفعت به، هذه من الرزق، هذه الطاولة، هذه الوجبة التي أكلتها، هذا السرير الذي تنام عليه، هذه المركبة التي تركبها، هذه الثياب التي ترتديها، هذا رزق، ما انتفعت به مباشرة أما الكسب حجمك المالي، الرصيد، الأموال المنقولة، والغير منقولة، هذه لم تنتفع بها أبداً لكنك محاسب عليها، فرق كبير بين الرزق وبين الكسب.


محاسبة الإنسان على الكسب مع عدم انتفاعه به:

لذلك في الحياة الدنيا الرزق له سقف، لو معك مئة مليار ماذا تأكل ؟ وجبة طعام، كم ثوباً ترتدي ؟ ثوب واحدة، على كم سرير تنام ؟ على سرير واحد، كم مركبة تركب في وقت واحد ؟ مركبة واحدة، هذا هو الرزق، ما تنتفع به مباشرة، لكن الكسب ما حصلته في عمر مديد، وجعل لك حجماً مالياً كبيراً، هذا الكسب محاسباً عليه كيف اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟ مع أنك لم تنتفع به.
لذلك إذا شخص سألته، وقال لي: الحمد لله، الله كافيني، حاجتي مؤمنة، رزقي يغطي حاجاتي، أقول له مداعباً: إذاً أصابتك دعوة رسول الله.
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لا أقول فقيراً، ولا أقول معه أموالاً طائلة لا تأكلها النيران، لا، أقول هذا الذي آتاه الله رزقاً، يغطي كل حاجاته، من دون أن يجعله هذا الرزق غارقاً في الدنيا، بعيداً عن الله، غارقاً في إدارة أمواله.

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
والدعاء في صحيح مسلم:

(( اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتا ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]



مشتقات الألبان من أعظم الأرزاق الإلهية:

وروى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَن أَطْعَمَهُ الله طعاماً فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ بارِك لنا فيه، وأطعِمنا خيراً منه، ومن سَقاهُ الله لبنا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزِدْنَا منه، فإنه ليس شيءٌ يُجْزئ من الطعام والشراب إلا اللبنُ ))

[ ابن ماجه عن ابن عباس]
هذه مشتقات الألبان من أعظم الأرزاق الإلهية.

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

( سورة النحل الآية: 5 )
هل تملون مشتقات الألبان ؟ يومياً، يومياً تأكلها ولا تملها، بخلاف أي طعام آخر، أي طعام آخر تمله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا شرب اللبن قال:

(( اللهم زدنا منه ))
و:

(( أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء ))

[ البخاري عن أبي هريرة]



الحكمة من فقر النبي عليه الصلاة والسلام:

هناك سؤال: لماذا شاءت حكمة الله أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً ؟ هو هو، لو كان غنياً لقالوا هذه الثروة الطائلة هي هدفه من هذه الدعوة، لكن أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن هذه المتاعب، وهذه الجهود، وهذا الجهاد، ودنياه خشنة محدودة ، محدودة جداً، لما سأله سيدنا جبريل.
(( يا محمد إن الله يخيرك بين أن تكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً ؟ فتلفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير، فأومأ إليه: أن تواضع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نبياً عبداً ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فاشكره، فقالت نساؤه:

(( ما معنا إلا الماء ))
فقال عليه الصلاة والسلام:

(( من يضيف هذا ؟ ))
الآن الصحابة فقراء، فقال أنصاري: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى امرأته ففال أهلاً بضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله ما عندنا إلا قوت صبياني ، فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، نوميهم ودعي عشاءهم لهذا الضيف، والعشاء لا يكفي الأنصاري وزوجته والضيف، يكفي الأولاد فقط فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها، ونومت صبيانها، وقامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، وضعت لهذا الضيف طعام أولادها ، وأطفأت السراج، وأوهمت الضيف أنهما يأكلان معه، هما في الحقيقة لا يأكلان شيئاً.
فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضحك الله أو عجب من فعلهما، فأنزل الله قوله تعالى:

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر )



الشح مرض خبيث يصيب النفس الإنسانية:


أخوانا الكرام، كيف الإنسان لا سمح الله ولا قدر يصاب بورم خبيث، مرض عضال، مرض مميت، مرض قاتل، والشح مرض خبيث يصيب النفس الإنسانية، الشح مرض، هذا الشحيح يعيش فقيراً ليموت غنياً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

( سورة الإسراء )
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم ثلاث أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه ))

[ أخرجه الحاكم عن المقدام بن معد يكرب ]
وقالوا: عشر ما نأكله يكفي لبقائنا أحياء، وتسعة أعشار ما نأكله يكفي لبقاء الأطباء أحياء، نحن أكثر متاعب الناس من طعام يزيد عن حاجتهم.
فلذلك أيها الأخوة، موضوع الرزق موضوع دقيق جداً، أهم شيء أن تفرق بين الرزق الذي تنتفع به مباشرة، وبين الكسب الذي تحاسب عليه ولم تنتفع به.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-21-2018, 02:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(82)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الحسيب):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الحسيب".



ورود اسم الحسيب في القرآن الكريم مطلقاً و مقيداً:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً في قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾

( سورة النساء )
فالله سبحانه وتعالى من فوق عرشه حسيب باسمه وبصفته، له الكمال المطلق في محاسبته لخلقه، وله الكمال المطلق في علو شأنه، وقد ورد هذا الاسم أيضاً مقيداً في قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

( سورة النساء )
دققوا في هذه اللغة التي أكرمها الله عز وجل فجعلها لغة كلامه، ولغة قرآنه.


الحسيب في اللغة:

"الحسيب" على وزن فعيل من صيغ المبالغة، الفعل، حسِبَ، يحسبُ، حساباً وحسباناً، ولكن دقة اللغة في حسبَ ويحسبُ، ظن، ويظن، وفي حسب يحسب، عدّ يعد وفي حسُب يحسبُ، كان ذا حسب، افتخر بحسبه، وفي حسِبَ يحسبُ، حاسب غيره ، حركة، أربعة أفعال كل فعل له معنى مستقل عن الآخر.
على كلٍ: اسم الفاعل حاسب، صيغة المبالغة حسيب، حينما نصف إنساناً بأنه يحاسب غيره فهو حاسب كاسم فاعل، حسيب كصيغة مبالغة لاسم الفاعل، الحساب ضبط العدد، بيان المقادير الدقيقة، سواء أكان هذا الحساب والضبط جزماً أو ظلماً.



الحسيب هو الكافي الرفيع الشأن يعلم و يرزق و يكفي:

الآن "الحسيب" هو الكافي، الكريم، الرفيع الشأن، الحسب في حقنا نحن البشر هو الشرف الثابت في الآباء، فلان ذو حسب، ينتمي إلى أرومة عالية.
الحسب هو العمل الصالح، رُب حسيب الأصل غير حسيب، له آباء أبرار لكن الابن ليس كذلك، هذا في شأن اللغة.
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "الحسيب"، هو العليم، هو الكافي، الذي قدر أرزاق الخلائق قبل خلقهم، هو الحسيب، ووعد باستكمال العباد لأرزاقهم على مقتضى حكمته، فهو "الحسيب"، وضمن ألا تنفذ أرزاقه، فهو "الحسيب"، أليس الله بكافٍ عبده ؟ وأنه سينال الأرزاق، فهو "الحسيب" يعني الرازق، الكافي، "الحسيب" الرزاق.
قال أبو حامد الغزالي: "الحسيب" هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، إذا كان الله لك فهو حسبك، أحياناً إنسان يقدم لك خدمة، لكن أنت بحاجة إلى خدمة أكبر، يقدم لك معونة، لكنك بحاجة إلى شفاء من مرض، لكن الله سبحانه وتعالى إذا تولاك، كن مع الله ترَ الله معك.
إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
"الحسيب" الكافي، يعلم، ويرزق، ويكفي، والإنسان حينما يعرف الله منتهى طموحه أن يصل إليه.
والله سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه، كل شخص الله يحاسبه حساباً دقيقاً اطمأن.

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )
الحقيقة الذي يكفيه كفاية مطلقة، لا يمكن أن ينال هذه الصفة إلا الله، أي إنسان يقدم شيئاً لكنك تحتاج إلى أشياء، الله يقدم لك الأمن، يقدم لك الحكمة، يقدم لك الصحة، يقدم لك نجاح الزواج، يقدم لك أولاداً أبرار، يقدم لك كفاية تزيد عن حاجتك، يقدم لك راحة نفسية، يقدم لك رضا، يقدم لك حياة نفسية رائعة جداً، يقدم لك حياة مادية رائعة، الله عز وجل حسبك، يكفيك كل شيء النواحي المادية والمعنوية.


الله عز وجل حسيب يكفي عباده إذا التجؤوا إليه واستعانوا به واعتمدوا عليه:

إذاً هو الله وحده كافٍ لكل شيء، لا لبعض الأشياء، كافٍ ليحصل به وجود الشيء، واستمرار الشيء، وكمال الشيء، وجودك هو "الحسيب"، استمرارك هو "الحسيب" ، كمال وجودك هو "الحسيب".
"الحسيب" يكفي عباده إذا التجؤوا إليه، واستعانوا به، واعتمدوا عليه، دققوا:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 173 )
أحياناً تشعر في حالات معينة أن العالم كله يحارب الإسلام، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين، والعجيب أن هذا الدين ينمو، ينمو في كل مكان.
أنا زرت فرنسا، الخبر أن خمسين فرنسياً من أصول فرنسية يدخلون في الإسلام يومياً، وأن في فرنسا ألفين و سبعمئة مسجد، وأن الدين الثاني هو الإسلام، والحرب على الإسلام جهاراً نهاراً معلنة وليست مبطنة.


الله عز وجل لا تحتاج معه إلى أحد إذا توكلت عليه:


﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

( سورة آل عمران )
والله كلمة رائعة:
﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة آل عمران )
لا تحتاج معه إلى أحد، لا تحتاج معه إلى معين، لا إلى قوي هو القوي، هو الغني، هو الموفق:

(( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قالها إبراهيمُ حينَ أُلقِيَ فِي النَّارِ ))

[ البخاري عن ابن عباس]
يعني النار أُضرمت كنار عظيمة ليلقى بها هذا النبي الكريم، فإذا قال حسبي الله ونعم الوكيل قال الله عز وجل :

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )
وقد لا ننتبه لدقة هذا الكلام،
﴿ كُونِي بَرْداً ﴾
لو لم يقل
﴿ وَسَلَاماً ﴾
لمات من البرد
﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾
ولو لم يقل
﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
لألغي مفعول النار إلى أبد الآبدين
﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
بالذات.

﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )



الله عز وجل حسيب حسابه واقع لا محالة:

الآن "الحسيب" يحصي أعداد المخلوقات وهيئاتها، يضبط مقاديرها وخصائصها، يحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين، يحصي أرزاقهم، أسبابهم، أفعالهم، مآلهم أحوالهم.
الله عز وجل حسيب بالمفهوم الشمولي، عليم، حسيب، يحاسب، قال حسابه واقع لا محالة.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )
والله يا أخوان أتعجب ممن يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو علم معناها لارتعدت فرائصه، مسؤول كبير !.
يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق (هو في المدينة)، لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح الطريق لها يا عمر ؟.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك رأته يبكي قالت له: مالك تبكي ؟ قال لها: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال: ويحك يا فاطمة إني وليت أمر هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، و الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وأمثالهم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي، دعيني وشأني
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
لماذا طلقتها ؟ ماذا فعلت معك ؟ لماذا قبلت هذه الشراكة ؟ من أجل أن تأخذ خبرته ثم تطرده
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
أنا دائماً أقول إذا كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة، لكل ما تفعل، حسابه واقع لا محالة، لا يشغله حساب عن آخر، كما لا يشغله سمع عن سمع.


الله تعالى سريع الحساب لا يشغله شأن عن شأن:

نحن ثبت علمياً لا تستطيع إطلاقاً أن تنتبه إلى صوتين في آن واحد، ومن توهم أنه يستطيع هو في الحقيقة عنده ما يسمى سرعة التحول، أما أنت في وقت واحد لا تسمع إلا صوتاً واحداً، الدليل: ائتِ بمسجلة وضعها على النافذة، واجلس مع صديق حميم ساعة، ثم اسمع ما سجلته المسجلة، كل هذه الأصوات التي سجلتها لم تسمعها أنت هنا، كنت غارقاً مع صديقك في حديث طويل.
فالإنسان يصطفي، الله عز وجل لا يشغله سمع عن سمع، ولا دعاء عن دعاء ، ولا شأن عن شأن، فهو سريع الحساب.
﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

( سورة غافر )
أحياناً بالكمبيوتر تسأل السؤال وتطلب الجواب، يأتي فوراً، يقول لك: سرعته عالية جداً، المعالج بمستوى عالٍ جداً، إذا إنسان صنع شيئاً يعطيك الجواب سريع، فكيف خالق الأكوان ؟


الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:


الله عز وجل سمح لذاته العلية أن يوازنها مع مخلوقاته قال:

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )
كلية صغيرة لا صوت، ولا ضجيج، ولا ألم، تعمل ليلاً نهاراً حينما لا سمح الله ولا قدر تفشل كلية الإنسان يضطر بالأسبوع ثلاث مرات، وكل مرة ثماني ساعات، وكل جلسة خمسة أو ستة آلاف، معقدة، وبالنهاية التصفية غير كاملة، وازن بين كلية صناعية وبين طبيعية، أحياناً نجد القلب الصناعي بغرف عمليات القلب خزانة، أجهزة، قلب يعمل ليلاً نهاراً، بلا كلل، وبلا ملل.


الله عز وجل يعلم السر و ما يخفى:


"الحسيب" هو الكريم، العظيم، المجيد، الذي له علو الشأن، ومعاني الكمال له في ذاته وصفاته مطلق الجمال والجلال.

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

( سورة الشورى )
هل تعلم له سمياً، أي مشابهاً.

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 284 )
أنت مع طبيب إن لم تقل أنا أحس بألم في هذا المكان لا يعلم، الطبيب لا يعلم إن أخفيت عنه الألم لا يعلم، لكنك إن أخفيت عن الله عيوبك فالله عز وجل سيعالجك بها، إن أعلنتها أو لم تعلنها، إن أبديتها أو أخفيتها
﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾



من شاء المغفرة غفر الله له ومن شاء العذاب عذبه الله:

الآن دقق:
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 284 )
من شاء المغفرة غفر الله له، ومن شاء العذاب عذبه الله، كيف يعني ؟ يقول طبيب لمريضه: معك التهاب معدة حاد، هذا الالتهاب يشفى قطعاً بحمية صارمة، فإن لم تتقيد بهذه الحمية الصارمة لابدّ من عمل جراحي، الأمر بيدك، تطبق حمية صارخة وصارمة تشفى من دون عمل جراحي، تتساهل، الأكل غالٍ عليك، لابدّ من عمل جراحي.
كلام دقيق، وكأن الله عز وجل يقول لك: تتوب، تمتنع، تسلم، تتابع هذا الخطأ وهذا التجاوز، لابدّ من تأديب
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾
إما بالحمية، أو بعمل جراحي، إما من دون ألم أو مع ألم.

(( أَثنى رجل على رَجُل عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ويلك، قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثا - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ))

[ البخاري عن أبي بكرة]



على كل إنسان أن يكون متأدباً في تقييم الأشخاص:

يبدو أن سيدنا الصديق لما ولى سيدنا عمر بعده، بعض الصحابة خافوا شدته ، وقلقوا على مصيرهم مع سيدنا عمر، فجاؤوا وعاتبوا سيدنا الصديق، وكأنهم خوفوه بالله عز وجل، اتقِ الله يا رجل هذا شديد جداً، فقال الصديق: تخوفونني بالله ؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة لقلت: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
أحياناً إنسان يسألك على شخص، والله أحسبه صالحاً، لكني لست ضامناً، هذا علمي به، فقال سيدنا أبو بكر: فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
كن متأدباً في تقييم الأشخاص، أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً.
هذه التي قالت لرسول الله، وقد كان في زيارة أحد أصحابه، وقد توفاه الله هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي قال لها: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، سماه العلماء التألي على الله أن تحكم على مصير إنسان، من أنت ؟.



الترضي على معنيين إما التقرير أو الدعاء:

أيها الأخوة، قال له:
(( قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثا - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً، واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ))

[ البخاري عن أبي بكرة]
أيها الأخوة، نحن نقول رضي الله عنه، الحقيقة هذا الترضي على معنيين إما على معنى التقرير، أو على معنى الدعاء، فإذا قلت عن صحابي جليل بشره الله بالجنة تقول رضي الله عنه، يعني لقد رضي الله عنه، فإذا رضي الله عنه، كيف أنت لا ترضى ؟ من أنت ؟ إذا كان خالق السماوات والأرض في عليائه رضي عن كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه تحت الشجرة، من أنت حتى لا ترضى عنهم ؟ هذه رضية تقريرية، أما إذا في عارف بالله (عالم جليل) إذا قلت رضي الله عنه هذه دعائية، التقريرية شيء والدعائية شيء.


على الإنسان أن يكون قوياً و متواضعاً في الوقت نفسه:


(( جاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))

[ورد في الأثر]
الحقيقة التحليل دقيق، العبودية أقرب إليها أن تكون فقيراً أو ضعيفاً، أقرب إليها يعني بالمئة قوي قد ينجو عشرة، بالمئة ضعيف قد ينجو عشرون، الإنسان الضعيف أقرب إلى الانكسار من القوي، فإذا الإنسان يستطيع أن يكون قوياً ومتواضعاً وثابتاً، يكون قوياً لأن القوي متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح لغيره، بجرة قلم يحق حقاً، يبطل باطلاً، يزيل منكراً، يقرر معروفاً، بتوقيع، لأنه قوي، والغني كذلك، يحل مشكلات لا تعد ولا تحصى، يزوج شباباً، ينشئ معاهداً، ينشئ مستشفيات، فرص الأعمال الصالحة أمام الغني واسعة جداً، وفرص الأعمال الصالحة أمام القوي واسعة جداً، لكن مع القوة أحياناً هناك مزلق شعور بالقوة، شعور بالاعتدال، إذا شخص اقترب شعرة تسحقه، لأنك قوي، فيوجد مع القوة مزلق، ومع الغنى مزلق، إذا كان واثقاً من نفسه يكون قوياً، مالاً أو سلطة، وإذا كان ليس واثقاً من نفسه فهو أقرب إلى العبودية من القوة.

(( يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))
وهو في أعلى مرتبة في الأرض.


أعلى مقام يصل إليه الإنسان أن يكون عبد الله وعبد الله حرّ:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

( سورة النجم )
أعلى مقام تصل إليه أن تكون عبد الله، وعبد الله حر، أعلى مقام تصل إليه وهو في سدرة المنتهى
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
سبحان الله ! العبودية لله عز ، العبودية لله فخر، تجد الأقوياء الذي يستنكفون عن عبادة الله، هم أمام من أقوى منهم منبطحون، خاضع ذليل لإنسان، فأنا أقول دائماً: إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم ، كن عبد الله فإن عبد الله حر.


العمل الصالح له مكافأة عند الله عز وجلو لو كان صغيراً:


الله سبحانه وتعالى يحب إجابة الدعوات، تفريج الكربات، إغاثة اللهفات مغفرة الذلات، تكفير السيئات، دفع البليات، المؤمن مع المؤمن متذلل، لكن مع غير المؤمن عزيز، مع ربه يمرغ جبهته في أعتابه، لكن مع غير المؤمن عنده عزة، ولو وزعت على أهل بلد لكفتهم.
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]
ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
أيها الأخوة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ، إلا أنه كان يُخالِطُ الناسَ، وكان موسِراً، فكان يأمُرُ غِلْمَانَه أن يتجاوزا عن المُعْسِرِ، قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن حذيفة وأبي مسعود البدري ]
يعني أي عمل صالح عند الله له مكافأة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-22-2018, 08:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(83)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الوارث):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم "الوارث".



ورود اسم الوارث في القرآن الكريم مطلقاً و معرفاً:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق، أي من دون إضافة، والتعظيم معرفاً، كما في قوله تعالى:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة القصص )
وفي قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾

( سورة الحجر )
وقد ورد هذا في دعاء سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )



الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:


أولاً سمح الله لذاته العلية أن يوازنها مع بعض مخلوقاته، فحينما قال الله عز وجل :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )
هل من خالق غير الله ؟ لكن سمّى الله هذا الإنسان الذي يصنع شيئاً، سماه خالقاً مجازاً، ووازنه مع ذاته العلية، كيف ؟
يعني الإنسان يصنع كلية صناعية، حجم هذه الكلية كحجم هذه الطاولة، ولابدّ أن يستلقي الإنسان إلى جانبها ثماني ساعات، ولا تستطيع أن تصفي الدم تصفية كاملة ، وتجري هذه العملية كل أسبوعين مرتين أو ثلاثة، و يدفع مبلغاً كبيراً، لو وازنت بين هذه الكلية الصناعية ذات الحجم الكبير، والنفقات الباهظة، وتضييع الوقت الطويل، ويبن كلية طبيعية أودعها الله في جسمك، لا صوت، ولا حركة، كأنك لا تعرف، تعمل بصمت، تصفي الدم تصفية تامة.


الموازنة بين خلق الله عز وجل وخلق الإنسان تبين عظمة الله عز وجل:


حينما قال الله عز وجل:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته لبيان أن الله خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وأن الإنسان خلق شيئاً من كل شيء ولا على مثال سابق، هذه الموازنة تبين عظمة الله عز وجل .
في المستشفيات التي يجري بها عملية قلب مفتوح قلب صناعي، حجمه بحجم الخزانة، ولابدّ من أن توصل الشرايين بهذا القلب، ولو وازنته مع القلب الحقيقي، الذي يعمل بلا كلل، ولا ملل، وبلا صوت.

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )
لو وازنت هذه العين التي ترى الأشياء بحجمها الحقيقي، بألوان دقيقة، العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، وفي الميليمتر من شبكية العين مئة مليون مستقبل ضوئي، بينما في أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، يوجد بالميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، من عشرة آلاف إلى مئة مليون، فهذه الموازنة تبين عظمة الله عز وجل .
لو وازنت بين مجسم لامرأة في محلات بيع الأقمشة، وبين المرأة الحقيقية، من لحم ودم كم هي المسافة ؟ لو وازنت بين وردة صنعت من البترول (البلاستيك)، وبين وردة طبيعية
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾



بطولة الإنسان أن ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة:


قال الله عز وجل :

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
الآن ببعض الحواسيب الراقية جداً ليس هناك مسافة زمنية، بين إعطاء الأمر وتلقي النتيجة، فكيف بالذات العلية إذا حاسبت، كن فيكون، زل فيزول، وسمح لذاته العلية أن يوازن مع بعض مخلوقاته، قال: والله
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
شخص في هذه البلدة الطيبة توفي أحد أقربائه وترك ألف مليون، نصيبه وحده 90 مليوناً، أغلق محله التجاري، وتابع الإجراءات القانونية لأخذ هذا المبلغ كي يقيم المشروعات، ويشتري البيت الفخم، والمركبة الفارهة، ستة أشهر ما دخل محله التجاري وهو يتابع هذه المعاملات، ووافته المنية بعد ستة أشهر ولم يقبض من هذا الإرث شيئاً والله
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

﴿ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾

( سورة مريم الآية: 40 )

﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾

( سورة الدخان )
فالإنسان لما يضع كل أهدافه في الدنيا يكون مقامراً و مغامراً، لأنه قد ينال الدكتوراه ولا ينتفع بها، والله عشرات الأشخاص الذين أنفقوا في كسوة بيوتهم سنتين متتاليتين ولم يسكن هذا البيت.
في بعض الأبنية سبعة طوابق في أرقى أحياء دمشق، وفي أعلى أسعار البيوت سبعة طوابق في بناء واحد لم تسكن إطلاقاً، اشتُريت، وزُينت، ولما انتهت وافت المنية أصحابها قبل أن يسكنوها، هو
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
البطولة أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، البطولة أن تقدم على الله، ولك عمل صالح تلقى الله به، البطولة أن تعمر بيتك في الدار الآخرة لا أن تعمر بيتك في الدنيا.


العاقل من أعدّ لساعة مغادرة الدنيا العدة اللازمة:


أيها الأخوة:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة القصص )
أحياناً من الواجبات الاجتماعية أن تقدم التعزية لقريب وافته المنية، أحياناً يكون بيت هذا القريب في أرقى أحياء دمشق، وثمنه فلكي، يعني مئة مليون، وأنا أؤدي واجب التعزية أسأل: من اختار هذا البلاط ؟ صاحب البيت، أين هو الآن ؟ من اختار هذه المناظر الرائعة ؟ صاحب البيت، من اختار هذه الثريات ؟ صاحب البيت، من اختار هذا الفرش ؟ صاحب البيت، أين هو صاحب البيت ؟ تحت أطباق الثرى، فالبطولة أن تعد لبيت في الآخرة.
أيها الأخوة الكرام:

كل مخلوق يمـــــوت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــــجبروت
***

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طـــالت سلامته يوماً على آلة حـــــدباء محمول
فـــــإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم أنــــــــك بعدها محمول
***
البطولة أن تعد لهذه الساعة ساعة مغادرة الدنيا، أن تعد لهذه الساعة العمل الصالح، الإنسان كل يوم يقرأ عشرات النعوات، لماذا لا يوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن يقرأ الناس نعوته، يكون ملقى على فراشه وقد فاضت روحه إلى السماء، والأهل بعضهم يبحث عن قبر، وبعضهم يجري معاملة الدفن، وبعضهم، وبعضهم، ويخرج هذا الإنسان من بيته لا على رجليه بل بالنعش، فعليه أن يعد لهذا اليوم العصيب، كل يوم ندخل إلى المسجد لنصلي، لمَ لا نوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن ندخل المسجد لا لنصلي، بل ليصلى علينا.
مرة كنت في المغرب، في بلدة اسمها فاس، عاصمة الإيمان، محل تجاري صغير مكتوب على واجهته كلمات لطيفة، هذه الكلمات : صلِّ قبل أن يصلى عليك.


الموت بوابة الخروج:


لذلك كلمة "الوارث" هذا المال ليس لك، هذا البيت لن تبقى فيه إلى أبد الآبدين، هذه الزوجة الرائعة لن تبقى معها، إما أن تغادرك، أو أن تغادرها، هذا المحل التجاري ، هذا المكتب الفخم، هذه السيارة الفارهة، هذا الذي تستمتع به، لا يمكن أن يبقى لك دائماً.
بالمناسبة، يستطيع واحد منا وأنا معكم أن يقول أنا أستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ مستحيل، لابدّ أن يطرأ علينا طارئ في أحد الأيام، هذا الطارئ لا نعلم، من الدماغ، من القلب، من الكليتين، من الكبد، بحادث سير لا نعرف، هذا المرض الذي ينهي الإنسان أنا أسميه بوابة الخروج، ماذا أعددت لبوابة الخروج ؟.



المعنى اللغوي لكلمة الوارث:


أيها الأخوة، "الوارث" اسم فاعل للموصوف بالوراثة من غيره، يقال: ورث فلان أباه يرثه وراثة وميراثاً، وورث الرجل ولد مالاً، وَرَّثَ ووَرِثَ، أي أشركه في ماله ، والوراثة في حقنا انتقال المال أو الملك من المتقدم إلى المتأخر.
ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا ولدي يا أهلي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حلّه، وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة عليّ.
والله مرة كنت مشاركاً في تشييع جنازة، قريب لأحد أخوتنا، فلما وضع النعش وفتح غطاؤه وحمل الميت ووضع في القبر، وضعت الحجرة الكبيرة، و أهيل التراب عليه، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أذكى ممن يعمل لهذه الساعة التي لابدّ منها.
ماذا أعددنا للقبر ؟ ما العمل الصالح الذي تدخره لساعة فراق الدنيا ؟ إذا لقيت الله عز وجل، والله عز وجل سألك يا عبدي خلقتك، وكرمتك، وأمددتك بكل ما تحتاج ، وخلقت لك ما في السماوات وما في الأرض من أجلك، ماذا فعلت من أجلي ؟ هل واليت لي ولياً ؟ هل عاديت فيّ عدواً ؟ هل أنفقت من مالك ؟ هل أنفقت من وقتك ؟ هل أنفقت من صحتك ؟ هل أنفقت من جاهك ؟ هل أطعمت مسكيناً ؟ هل رعيت أرملة ؟ هل نشأت طفلاً صغيراً يتيماً ؟ هل أطعمت جائعاً ؟ ماذا فعلت ؟ يا رب استمتعت بالدنيا، ما شاء الله ! هناك أناس ليس لهم عمل صالح، هم الفقراء حقاً.
أيها الأخوة، وارث مال الميت الذي يملك تركته، ووارث الملك يرث سلطانه، هذا المعنى اللغوي لكلمة "الوارث".



من معاني الوارث:


1 ـ الوارث سبحانه و تعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق:


أما "الوارث" سبحانه وتعالى قال هو الباقي الدائم بعد فناء خلقه، أحياناً يخطر في بالي، حينما أرى سوقاً من أسواق دمشق العريقة وليكن سوق الحمدية، أقول: كل خمسين عاماً يكون في أشخاص جدد في هذه المحلات، يكبر الإنسان، يقعد في البيت، يتولى أولاده العمل من بعده، توافيه المنية، يبيعون المحل، يقتسمون التركة، يأتي إنسان جديد، هذه البيوت كلها، وهذه الأسواق كلها، كل خمسين عاماً تقريباً هناك أناس جدد.
مرة قرأت كتاباً من أربعة أجزاء عن قصص العرب، اتعظت بعد قراءته موعظة بالغة، وجدت أن الأقوياء ماتوا، والضعفاء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والفقراء ماتوا، والأصحاء ماتوا، والمرضى ماتوا، والأذكياء ماتوا، والأغبياء ماتوا، وكل مخلوق سوف يموت، ماذا بعد الموت ؟ هنا البطولة.
"الوارث" سبحانه وتعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق.
و "الوارث" صفة من صفات الله جلّ جلاله، وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، فالله:
﴿ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾
وهو
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
هذه المنطقة، منطقة الشرق الوسط، جاءها الرومان، وجاءتها شعوب كثيرة ، أين هي ؟ تحت أطباق الثرى، الله يرث الخلق، بل هو
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
أي يبقى بعد فناء خلقه جميعاً فيفنى من سواه، ويرجع ما كان، فيرجع الأمر إلى الله عز وجل
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
إذا كان الخلائق يتعاقبون على الأرض، فيرث المتأخر المتقدم، ويرث الولد الوالد، والزوج زوجته، وهكذا، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة في الدنيا، فإنه لا يبقَ إلا الوارث هو الله مالك الملك، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران )
فالوارث هو الباقي بعد فناء خلقه، أو "الوارث" لجميع الأشياء بعد فناء أهلها.


2 ـ الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا:


الآن و"الوارث"، هو معنى جديد، هو الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا، كما قال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )
يعني يرث ويورث.


3 ـ الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة:


ثم إن الله سبحانه وتعالى "الوارث" الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة، أنا حينما أعزّي أحداً، وأدعو له أقول له: اللهم أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه.
إذاً الله "الوارث" يبقى بعد فناء خلقه، ويورث المؤمنين بعض ما كان بأيدي الكافرين، وثالثاً قد يورث المؤمن قصراً في الجنة.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

( سورة الزمر الآية: 73 )
المعنى دقيق جداً، أحياناً إنسان درس في الجامعة، ونال الدكتوراه، وفتح عيادة، وفتح الله عليه دخلاً وفيراً، وعاش في بحبوحة، مسكن فخم، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، إذا مرّ أمام الجامعة ماذا يخطر في باله ؟ يقول: لولا هذه الجامعة والتحاقي بها، و دراستي فيها، ونيل الدكتوراه، ما كنت بهذه البحبوحة.


العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمن للآخرة:



الآن الله جعل العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمناً للآخرة، جعل من العمل الصالح في الدنيا ثمناً للآخرة، فالإنسان وهو في الجنة يقول: لولا أن الله جاء بنا إلى الدنيا، وفي الدنيا تعرفنا إلى الله، تعرفنا إلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، تعرفنا إلى عظمته ، أطعناه، عبدناه، أدينا الصلوات الخمس، صمنا رمضان، حججنا بيت الله الحرام، أنفقنا من أموالنا، حضرنا مجالس العلم، لولا أن الله أورثنا الأرض، وفي الأرض تعرفنا إلى الله، وتبنا إليه، واصطلحنا معه، وقدمنا الأعمال الصالحة، لما كنا في الجنة، الآن هذا معنى الآية:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
لولا أننا جئنا إلى الأرض، وعرفنا ربنا في الأرض، واستقمنا على أمره في الأرض، وعملنا الأعمال الصالحة، لما كنا في الجنة.
كما يمر الطبيب أمام جامعته، لولا أنني التحقت في الجامعة، وأمضيت سنوات سبع، أدرس، وأحضر، وأذاكر، وأتابع، وأجرب، لما كنت في هذه الحياة المريحة بعد التخرج، وقال تعالى:

﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

( سورة مريم )



من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة:

لذلك الإنسان حينما يتقي الله في الدنيا، يكرمه الله في الآخرة، من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة، بقاء الإنسان في الجنة إلى أبد الآبدين ليس بذاته، بل بإبقاء الله له، يا ترى الله عز وجل بقاؤه ذاتي، واحد أحد، فرد صمد، وجوده ذاتي، فالإنسان إذا سمح الله له أن يبقى في الجنة إلى أبد الآبدين، هذا إبقاء الله له، وليس إبقاء بذاته، والآية التي قال الله عز وجل:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الأعراف )
لما الإنسان يكون مؤهلاً أن يدير الدنيا يعطيه الله الدنيا، فإن لم يكن مؤهلاً لها لا يعطيه إياها.
لذلك الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم، يعني أنت مسلم لا سمح الله وظالم ؟ لن تعطى الدنيا، أما إذا في عدل ولو كان كافراً يملكها، من هنا قال بعض العلماء: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة، على الأمة المسلمة الظالمة.


أكبر باطل في الأرض زهوق و لو بعد حين:


وقال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾

( سورة الأعراف )
يعني هذا المعسكر الكبير العملاق، الذي دام سبعين عاماً، يرفع شعار لا إله أين هو الآن ؟ من حاربه ؟ تداعى من الداخل.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

( سورة الإسراء )
زهوق صيغة مبالغة، يعني أكبر باطل في الأرض زهوق، ومليون باطل في الأرض زاهق.

﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )



بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته بل أن تستمر دعوته بعد موته:

بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته، بطولة المؤمن أن يكون حوله دعاة على شاكلته، هذا يسمى اليوم العمل المؤسساتي، العمل المؤسساتي لا يتأثر بموت أصحابه ، العمل المؤسساتي حضارة، لا يتأثر بموت أصحابه، وأول من أشار إلى هذا العمل المؤسساتي سيدنا زكريا.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

( سورة مريم )

﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
كان يبتغي الولد مع انقطاع الأسباب، فدعا ربه فقال
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً ﴾

( سورة مريم )



صلاح الدنيا بالكفر والعدل و عدم صلاحها بالإيمان والظلم:


الآية الدقيقة أيها الأخوة:

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )
العلماء قالوا: لعل معنى الصالحين غير المعنى المتبادر، الصالحون أي الصالحون لإدارتها، إذا أقاموا العدل يملكونها ولو كانوا كفاراً، وإذا ظلم المسلمون بعضهم بعضاً يخسرونها، ولو كانوا مؤمنين.
المعنى الأخير: اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، هو الإنسان يرث سمعه وبصره، يفقد بصره، يفقد سمعه وهو حي ؟ لا، اجعل السمع والبصر يرثاني، وانصرني على من يظلمني، وخذ منه بثأري.
أيها الأخوة، "الوارث" معنى دقيق جداً، وفي لقاء آخر نتابع هذا الاسم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-22-2018, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(84)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(البر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البَر".



ورود اسم البر في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله تعالى:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله جل جلاله في قوله تعالى:

﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الطور )
"البَر" اسم فاعل لمن اتصف بالبِر، و البِر كلمة مثلثة، بَر، وبُر، وبِر،البَر اليابسة، والبُر القمح، والبِر المحسن.
أيها الأخوة، الفعل بَر، يبرُ، فهو بار، وجمعه بررة.

﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾

( سورة عبس )
والبِر هو الإحسان، والبر في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق ، والعقوق الإساءة إلى الوالدين، وتضييع حقهما.
والبر والبار بمعنى واحد، بر، وبار، لكن الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر" دون البار، لم يرد في أسماء الله الحسنى البار، في اللغة البر والبار واحد، أما الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر".


التواضع و الإنصاف و الإحسان صفات تدعو الطرف الآخر إلى الإسلام بشكل غير مباشر:

أسماء الله الحسنى كما تعلمون توقيفية، وليست اجتهادية قال تعالى:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

( سورة الممتحنة )
هناك ملمح دقيق جداً في هذه الآية، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكنه لا ينكر عليك بل يقدرك، بل يثني عليك، بل يكبر فيك التزامك، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكن لا يعاديك، لا ينتقصك، لا يحاربك، لا يؤذيك، هذا يسمى في المصطلح الحديث حيادي، إياك بغلظة منك أن تضمه إلى الطرف الآخر، الآية دقيقة:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
إن لك جاراً غير مسلم ينبغي أن تبره، أن تكرمه، أن تحسن إليه، أن تريه منك إيجابية، تفهماً، خدمة، أن تهنئه بمولود، أن تقدم له هدية، أو تساعده، أن تعاونه، كيف سيقتنع أنك على حق ؟ من أخلاقك، من تواضعك، من خدمتك، هذه النقطة الدقيقة.


لا تحارب إلا من يحاربك:

في عصور الظلام فهم المسلمون أن كل إنسان ليس مسلماً ، ينبغي أن تحاربه ، أن تقاتله، أن تشتمه، أن تعاديه، هذا خطأ كبير، والآية واضحة تماماً:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
أن تحسنوا إليهم ، أن تتلطفوا معهم، أن تتقربوا إليهم، بإحسان، بالكلمة الطيبة، بالتهنئة، بالخدمة، بالهدية.

﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
أنت لا تحارب إلا من يحاربك.

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

( سورة البقرة )
عندنا أخلاق هي أخلاق الجهاد، هذه الأخلاق في أثناء الحرب.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 73 )
هذه أخلاق الجهاد، أخلاق المعركة، لكن في السلم:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت )
هذا الغير مسلم كيف يقتنع أن الإسلام على حق، إن رأى منك إنصافاً، تفهما إحساناً، لطفاً، إكراماً، هذه الصفات تدعوه إلى الإسلام بشكل غير مباشر.


الكافر إن رآك فظاً و غليظاً اعتقد بكفره وصواب كفره:

أخوانا الكرام، الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الممتحنة الآية: 5 )
فيها ملمح دقيق جداً، هذا الكافر إن رآك فظاً غليظاً، إن رآك غير منصف، إن رآك عدواً مبيناً، إن رآك متعصباً، اعتقد بكفره، وصواب كفره، ولم يقبل هذا الدين الذي مثلته بالغلظة والفظاظة، من أنت أمام سيد الخلق ؟ سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم ، الذي يوحى إليه، الذي أوتي القرآن، الذي أوتي المعجزات، الذي أوتي جمال الصورة ، الذي أوتي الفصاحة والبيان، الذي أوتي عراقة النسب، كأن الله عز وجل يخاطبه ويقول أنت، أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذا التفوق، وعلى كل هذا الفلاح، أنت، أنت بالذات:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
فكيف إذا إنسان ليس نبياً، و لا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي المعجزات ولا أوتي الفصاحة، ولا أوتي البيان، ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب، وكأن الآية تعطي معادلة.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، رحمة، لين، التفاف ، التفوا حولك،
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
لو كنت بعيداً عنا لامتلأ قلبك قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، ومع الغلظة الانفضاض.


قانون الالتفاف والانفضاض:


أصبحت المعادلة اتصال ، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، انفضاض، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات ، المعلمون، كل إنسان يحتل منصباً قيادياً، أنا سميت هذا المعنى في هذه الآية قانون الالتفاف والانفضاض، كل إنسان له منصب قيادي، مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة ، وزير، أب، أم، معلم، الشيء الدقيق جداً في عمله أن يلتف من حوله حوله، أن يلتفوا حوله، أن ينصاعوا إليه، أن يحبوه، أن يطيعوه، متى يحبوه ؟ متى يطيعوه ؟ متى يلتفوا حولوه

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
إذاً لابدّ من أن تتصل بالله، لتستقر في قلبك رحمة، كي تنعكس الرحمة ليناً، كي يكون اللين سبب التفاف الناس حولك، فإذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ القلب قسوة، ومن نتائج القسوة الغلظة، ومن نتائج الغلظة الانفضاض.


المسلم مُحبب أو مُنفر:

إذاً الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هذا الذي ليس مسلماً، إن رأى منك تقصيراً، إن رأى منك غلظة، إن رأى منك فظاظة، إن رأى منك قسوة، إن رأى في عملك إهمالاً، إن رأى تقصيراً في أداء واجبك ، إن رآك تنطق بكلامك ولست منضبطاً، فاعتقد بصواب ما هو عليه وألغى ما أنت عليه
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
من الذي فتن الكافر أن يكون كافراً ؟ المسلم المقصر، المسلم المنفر، أنا أسمي الآن مسلم منفر، وهناك مسلم محبب، إما أن تحبب الناس بهذا الدين من خلال رقتك، ولطفك، وتواضعك، وإتقان عملك، وعفتك، وصدقك، وأمانتك، وإما أن تنفر الناس من هذا الدين حينما تؤدي العبادات وتسيء في المعاملات، هذه المشكلة، حينما تؤدي العبادات، وتسيء في المعاملات تصنف مع المنفرين، أما حينما تؤدي العبادات وتحسن في المعاملات، تصنف مع المحببين.

(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]



بطولة الإنسان أن يكون منصفاً مبادراً للخير:

أيها الأخوة، إذاً البطولة أن تكون محسناً، أن تكون متواضعاً، أن تكون منصفاً، أن تكون مبادراً للخير، لا أن تكون مكافئاً.
هناك إنسان يزورك فتزوره، يقدم لك هدية فتقدم له هدية، يدعوك إلى وليمة تدعوه إلى وليمة.
آية مناسبة جداً لهذا المعنى، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

( سورة المائدة الآية: 8 )
من هو العدو التقليدي للمؤمن ؟ الكافر، يعني يا أيها المؤمن لا تحملنك عداوة هذا الإنسان ألا تعطيه حقه، أعطه حقه،
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ ﴾
أي بغض قوم
﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

﴿ اعْدِلُوا ﴾

( سورة المائدة الآية: 8 )
مع من ؟ مع من تبغضه،
﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الطرف الآخر
﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الذي ليس مسلماً
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾
أمر إلهي، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب.

﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة الآية: 8 )



تنفيذ تفاصيل المنهج الإسلامي مع غير المسلم تحمله على الإسلام و تحببه بالدين:

إنك إن عدلت مع هذا الذي ليس من ملتك، ليس على دينك قربته إليك، وقربته إلى الله.
هذه الفكرة المرفوضة، هذا ليس مسلماً، لكن إنسان، الإنسان إن رآك محسناً ، منصفاً، أعطيته حقه، متواضعاً، أنا أقسم لكم بالله، هناك مئات ألوف الحالات ممن دخلوا في الإسلام من موقف أخلاقي، من موقف فيه إنصاف، فيه إحسان، فأحب هذا الإسلام فدخل في الإسلام.
أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تنفذ تفاصيل هذا المنهج مع غير المسلم، تحبب غير المسلم إليك، وقد تحمله على أن يُسلم.



معاني البر:


1 ـ البر سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده ببره ولطفه:



الآن "البر" سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.
روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل :
(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( يدُ الله ملآى، لا يَغيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار ـ يعني مستمرة في الليل والنهار ـ وقال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماوات والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ما بيده وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
"البر" هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.

(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
الأحاديث كثيرة.

(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))

[أخرجه الطبراني عن بلال ]

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]
هذا الفهم الدقيق لهذه الآيات وتلك الأحاديث، يجعل المسلم محبباً إلى الآخرين، عندئذٍ فيما أظن يدخل الناس في دين الله أفواجا، فإذا كان المسلم منفراً، قاسياً، فظاً، غليظ القلب، يخرج الناس من دين الله أفواجاً.


2 ـ البر هو الصادق في وعده المتجاوز عن عبده:



الآن "البَر" هو الصادق في وعده، الذي يتجاوز عن عبده، وينصره ويحميه ، الصادق في وعده.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾

( سورة الزمر الآية: 74 )



زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

( سورة التحريم الآية: 8 )
يعني هذه الوعود التي وعد الله بها، زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، من الذي يعدك ؟ رب السماوات والأرض، خالق السماوات والأرض، إله السماوات والأرض، لذلك حينما يقول الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )
عليك أن تعبده وعلى الله الباقي، على الله عز وجل، ومعنى على إذا اقترنت بلفظ الجلالة أي هناك إلزام ذاتي من الله، على الله أن يستخلفك في الأرض
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
فإذا أخل الفريق الثاني بما عليه من عبادة الله، فالله جل جلاله في حلٍّ من وعوده الثلاث.

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

( سورة مريم )



3 ـ البر هو المحسن إلى عباده:



أيها الأخوة، "البَر" هو المحسن إلى عباده، الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه ، فما منهم من أحد إلا وتكفل الله برزقه، الدعاء الذي تقرؤونه في القرآن الكريم:
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾
سيدنا إبراهيم، لكن من ؟:

﴿ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
فرد الله عليه:

﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾

( سورة البقرة الآية: 126 )



يوم القيامة الفرز الدقيق بين الناس:

الله عز وجل كلهم عباده، في الدنيا يعطي كل عباده، يطعمهم، يأكلون ، يشربون، يتمتعون بالحياة، ينجبون الأولاد، أما الفرز الدقيق في الآخرة.
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾

( سورة يس )
ما في الدنيا كالعام الدراسي تماماً، جميع الطلاب يرتدون الثياب، ويأكلون ، ويشربون، ومعهم محافظهم، ويتوجهون إلى مدارسهم، لكن متى يكرم هذا الطالب؟ بعد الامتحان.

(( الدنيا عرض حاضر أكل منها البر والفاجر ))

[أخرجه الطبراني عن شداد بن أوس ]
المؤمن يأكل والفاجر يأكل، المؤمن يركب مركبة والثاني كذلك، في الدنيا الأوراق مختلطة، لكن يوم القيامة يكون الفرز.
إذاً "البَر" الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه، فما منهم من أحد إلا تكفل الله برزقه، قال أبو السعود: "البَر" الكثير الرحمة، الذي إذا عُبد أثاب، وإذا سُئل أجاب:

(( إِنَّ مِن عِبادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ على الله لأَبَرَّه ))

[ البخاري عن أنس بن مالك]

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ' ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]



4 ـ البر هو الله و مطلق عطاء الله:



الآن "البر" هو الله، والبِر عطاء الله، مطلق عطاء الله، إحسانه في الدنيا ، إحسانه في الآخرة، سعادة تملأ القلب، صحة تحفظ للإنسان مكانته، هيبة تعين الإنسان على معيشته.
أيها الأخوة، البِر مطلق عطاء الله، الله عز وجل بَر، واسم عطائه بِر.



انطواء كل أنواع الخير تحت كلمة البِر:

البِر أنواع الخير، تنطوي تحت هذه الكلمة كل أنواع الخير، لذلك قال تعالى:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

( سورة آل عمران الآية: 92 )
وقال بعض العلماء: البِر التقوى، أو التوسع في فعل الخير، وقيل هو اسم جامع لكل الطاعات، ولكل أعمال الخير المقربة لله عز وجل ، أو اسم جامع للمرضي من الخصال، يعني جميع خصال الإحسان مجموعة في كلمة البِر، هذا شيء دقيق، اسم جامع لكل الطاعات، اسم جامع لكل القربات، اسم جامع لكل الخصال، اسم جامع لكل الأفعال المرضية.
والبِر هو التقوى، و البِر خير الدنيا والآخرة،
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
هو بَر، وعطاؤه بِر.
أيها الأخوة: دعاء عائشة رضي الله عنها:

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ وَأَدْعُوكَ الْبَرَّ الرَّحِيمَ وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ))

[ ابن ماجة عن عائشة]
أيها الأخوة، الإنسان حينما يركب دابته، أو يركب مركبته يوجد دعاء، هذا الدعاء:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾

( سورة الزخرف الآية )

(( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما تَرْضى، اللَّهمَّ هَوِّن علينا في سفرنا هذا ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]



الإسلام منهج كامل:


أيها الأخوة، الآية الدقيقة الآن:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )
يعني أن تتوهم لمجرد أن تصلي ركعتين انتهى كل شيء، كيف دخلك؟ من حلال أم من حرام؟ كيف إنفاقك؟ كيف بيتك؟ كيف أولادك؟ كيف علاقاتك؟ كيف إحسانك؟
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ﴾
أن تكتفي بعبادات شكلية، أن تكتفي بركعات تؤديها، بحجة أو عمرة دون أن يدخل الإسلام في منهجك، في كسب رزقك ، في إنفاقك، في مالك، في تربية أولادك، في حلك وترحالك، في عطائك، في منعك، في علاقاتك الاجتماعية، الإسلام منهج كامل، يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية.


سلعة الله غالية:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾
آتى المال بدافع محبته لله، أو آتى المال بالرغم من محبته للمال،
﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾
إيتاء الزكاة شيء، وإنفاق المال على حب الله شيء آخر، الثانية الزكاة المفروضة، أما الأولى الصدقة، الإنسان بالصدقة يرقى،
﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
أي الدين له ثمن، ثمن باهظ، أما النتائج سعادة إلى أبد الآبدين، النتائج جنة عرضها السماوات والأرض، النتائج:

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لكن سلعة الله غالية
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾
هذا الإله العظيم، هل تظن عطاءه بركيعات تؤديها شكلياً ؟ لا، بمنهج كامل، بمبادئ، بقيم، بالتزام، بعطاء، بانضباط في الدخل، في الإنفاق، في تربية الأولاد، بجهد جهيد، بعطاء مديد، هذه الآية لها شأن خاص في القرآن الكريم حقيقة الدين إيمان، وعلم، وعمل، والتزام، واستقامة، وعمل صالح ، وإخلاص، وتواضع .





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-22-2018, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(85)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الرؤوف):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرؤوف".



ورود اسم الرؤوف في القرآن الكريم:



سمى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم الرؤوف وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(20) ﴾

( سورة النور)
وفي قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) ﴾

( سورة الحشر)
وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً في الآيتين السابقتين، وورد مطلقاً، وورد مقيداً بالإضافة في قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207) ﴾

( سورة البقرة )
يشري بمعنى يبيع ويشتري، السياق هنا يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله:
ً بالإضافة في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ (111) ﴾

( سورة المائدة)
واشترى نفسك ومالك، آية أخرى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143) ﴾

( سورة البقرة )



من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً:

أي تخطب ود الله، تترك شيئاً لله، تؤثر طاعة الله على مكاسب مادية، وتضيع عند الله ؟ من سابع المستحيلات، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله ثم تخسر:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله، أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم تضيع، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز به وتذل، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز بغيره وترتفع.
ورد في الأثر القدسي:

(( ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه ))
هذه حقائق مطلقة، أن تؤثره على مكاسب دنيوية وتخسر ؟ مستحيل، أن تؤثر الدنيا على طاعته وتربح ؟ مستحيل، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، الذي يؤثر الآخرة على الدنيا يربحهما معاً، والذي يؤثر الدنيا على الآخرة يخسرهما معاً، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من أحد من خلقه، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من واحد من خلقه مستحيل.


عدم استواء المؤمن مع الفاسق:

أيها الأخوة، هذه حقائق مطلقة، لذلك:
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) ﴾

( سورة الحشر)
يعني إنسان خاف من الله فترك صفقة كبيرة:

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***
يعني من البديهيات:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )



الرؤوف في اللغة:

أيها الأخوة، الرؤوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل رائف، وهو الموصوف بالرأفة فعله رأف، يرأف، رأفة، فهو رؤوف، والرأفة في حق الإنسان أن يمتلئ قلبه بالرقة وهي أشد من الرحمة، رحمة، فرأفة، وقيل بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾

(سورة النور)
الرأفة رقة القلب، مشاعر العطف والرحمة، ويمكن أن نقول: إن الرحمة تسبق الرأفة، والرأفة منزلة تأتي بعدها، فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف، أو الرأفة آخر ما يكون من الرحمة يعني في أعلى درجات الرحمة الرأفة، لذلك قدمت الرأفة على الرحمة تقديم أهمية، وذلك في هذه الآية:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾

( سورة التوبة)
لذلك قالوا أرحم الخلق بالخلق رسول الله.


أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي:


مع ذلك:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
نكرة، من الله لنت لهم:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
دقق:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ (58) ﴾

( سورة الكهف )
يعني رحمة جزء من مليار مليار مليار مليار إلى أن ينقطع نفسك من رحمة الله، فكنت ليناً لهم، والآية الدقيقة:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، انعكست هذه الرحمة التي في قلبك ليناً لهم، فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، معادلة رياضية تتصل بنا، يمتلئ قلبك رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، يلتف الناس حولك، تنقطع عنا يمتلئ القلب قسوة، تنعكس القسوة غلظة، فينفض الناس من حولك، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات، المعلمون، أي إنسان له منصب قيادي يحب أن يلتف الناس حوله، أن يطيعوه، أن ينصاعوا له، أن يقدروا قيادته، ليتصل بالله، ليكن رحيماً، فإذا رحمت الخلق أحبك الخلق، وإذا قسوت عليهم أبغضك الخلق، لذلك أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي، عبادي إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله، والرأفة تأتي في قمة الرحمة، لكن هذه الرأفة تتعلق بخاصة المؤمنين، الرحمة بحقنا والرأفة بحقنا رقة القلب، أما الرحمة في اسمه الرحمن فإنها تتعلق بالخلائق أجمعين.


من عاش تقياً عاش قوياً:

أيها الأخوة، رأفة النبي بأصحابه ما بعدها رأفة، التفاف الصحابة حوله، فدوه بأنفسهم وبأرواحهم لأنه كان رحيماً بهم، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله رؤوف شيء آخر، الله رؤوف بعباده أن يتعطفوا على عباده، يحفظ لهم سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، يعني أحد علماء دمشق بدأ بالتعليم في الثامنة عشر وتوفاه الله في الثامنة والتسعين، وكان يدير مدرسة خرجت كبار القادة في هذا البلد، هذه المدرسة طبعاً استمرت ثمانين عاماً، كان إذا مشى في الطريق ورأى شاباً يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، علم ثمانين عاماً تعليماً إيمانياً شرعياً علمياً وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، يقال له يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً.




الرأفة و الرحمة:

أيها الأخوة، والرؤوف هو الذي يدفع السوء عن عباده، يجلب لهم الخير، يحفظ لهم سمعهم، وبصرهم، واختصاصاتهم، لكن هناك معنى جديد أن اسم الرؤوف يتعلق بالوقاية، وأن اسم الرحيم يتعلق بالعلاج، قبل أن تقع المصيبة الله رؤوف بعباده، إياك أن تقع في هذا الخطأ، لئلا تستحق هذا العقاب، فالرؤوف رأفته وقائية، أما الرحيم بعد أن تقع المصيبة، بعد أن يقع العبد في ذنب كبير، في أكل مال حرام، الله رحيم به، فالرحمة بعد الوقوع والرأفة قبل الوقوع، الرحمة علاجية والرأفة وقائية، الرحمة تخفيف الألم عن المصاب بينما الرأفة هي الحيلولة بين المتعطف عليه وبين الوقوع في الشدة.


الفرائض و النوافل:

(( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس:

(( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
صلى الضحى، صلى قيام الليل، صلى صلاة الأوابين، تصدق من ماله فوق أنه أدى زكاة ماله، كلها نوافل:

(( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذاً الفرائض شيء والنوافل شيء آخر:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (177) ﴾

( سورة البقرة)
بدافع محبته لله، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يحب المال:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )
أنفق المال بدافع محبته لله، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يحب المال، يحبه وأنفقه.


عند المؤمن خطوط حمراء ممنوع أن توضع على بساط البحث:


(( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، هنا، الآن دقق في النتائج، كنت سمعه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
كيف ؟ لا يستمع إلى شيء إلا وفق مقياس القرآن الكريم، أحياناً يقول لك يطرح إنسان بمقالة فكرة " الاختلاط يهذب المشاعر "، هذا الكلام خلاف القرآن الكريم والسنة، هذا الكلام لا يستمع إليه، لا يستمع إلا ما كان وفق الكتاب والسنة، الكتاب والسنة من عند الله، السنة بيان المعصوم والقرآن كلام خالق السماوات والأرض، فالذي جاء به القرآن هو الحق:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 36)
الآن بالمفاوضات يقولون: هناك مجموعة قضايا خارج نطاق البحث، لا يبحث بها، هذه مسلمات، والمؤمن بحياته يوجد مسلمات، حكم الله عز وجل مُسَلَّم عنده، هذا الحكم ليس خاضعاً للبحث، ولا للدرس، ولا للتعديل، ولا للتبديل، ولا للتطوير ولا شيء آخر، لا يحذف، ولا يضاف عليه، ولا يعدل، ولا يطور، هذا حكم الله، أي هناك خطوط حمر في حياة المؤمن ممنوع أن توضع على بساط البحث:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 36)



الوحي للعقل كالنور للعين:

كنت مرة في بلد غربي بعيد في مؤتمر إسلامي فقام أحد المتكلمين وقال: هنا في هذا البلد ليس هناك شيء مقدس، كل شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، هو يشرح ثقافة هذا البلد، شيء مقدس لا يوجد أبداً، أي شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، والقبول.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28﴾

(سورة المدثر)
العقل من دون وحي يقع في خطأ كبير، كما أن النور ضروري للعين كذلك الوحي ضروري للعقل، الوحي للعقل كالنور للعين.
المسلم يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:
(( فإذا أحببته كنت سمعه ))
عنده تصفية، أي كلام يتناقض مع القرآن الكريم، ومع السنة يركله بقدمه، تحت قدمه، لا يسمع إلا وفق ما جاء بالوحيين، هذا الذي يسمعه ويقدره
(( وبصره ))
نظر إلى بيت شيء لا يصدق في فخامته، وأناقته، وفي أبهائه، وشرفاته، وحدائقه، وجماله، وتزييناته، لكن صاحبه تاجر مخدرات، لا يرى هذا البيت إلا بعين الإيمان صاحبه مجرم، صاحبه يبني ثروته على تدمير الشباب، لا يرى الشيء إلا بمقياس القرآن، قد يحترم موظفاً صغيراً نظيف اليد مستقيماً، يحتقر إنساناً يتمتع برفاه يفوق حدَّ الخيال لكن ماله حرام
(( كنت بصره ))


يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:


(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

(( كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]



من كان مع الله كان الله معه: أي لا يتحرك إلا وفق منهج الله، لا يعطي، ولا يمنع، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يصل، ولا يقطع إلا لله:



(( ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
لا يذهب إلا إلى طاعة، إلا إلى بيت من بيوت الله، إلا لإصلاح ذات بين، إلا لصلة رحم، أما إلى ملهى، إلى رحلة كلها تفلت، وكلها تكشف، وكلها عورات، وكلها كلام لا يرضي الله، حركته لله، عطاؤه ومنعه لله، سمعه لله، بصره لله:

(( وإن سألني أعطينه ))
يصبح مستجاب الدعوة:

(( ولئن استعاذ بي لأعيذنه ))
وإذا كنت مع الله كان الله معك:

(( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإنسان يحب الحياة، يحب أن يكون معمراً، لكن أحياناً يكون الموت أولى لذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
يعني أحيينا ما دامت الحياة خيراً لنا وأمتنا ما دام الموت خيراً لنا.


من دلائل رأفته جلّ جلاله أنه يفتح باب التوبة ما لم تغرغر النفس:


الرؤوف يدل على معنى التعطف على عباده المذنبين، يفتح لهم باب التوبة أجمعين، ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، عند الغرغرة قفل باب التوبة، وإذا طلعت الشمس من مغربها، يعني بعض أنواع الفهم لهذا النص حينما ترى القيم كلها من الغرب أي مستحيل أن نعطي رخصة لفندق خمس نجوم إلا ويبيع الخمر، لأن هذه التعليمات مقدسة، لا تعطى رخصة في أي بلد لفندق من فئة الخمس نجوم إلا بشرط أن يبيع الخمر ويقدم لحم الخنزير لأنه حضارة، إذا طلعت الشمس من مغربها، إذا توهمنا الحق والقيم والمبادئ والتقدم والحضارة كل ما يفعلونه أغلق باب التوبة.

(( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
إنسان يصل إلى حالة لن يتوب، يرى الدين لا يصلح إطلاقاً لهذا العصر، رؤى ضبابية، اعتقاد بشي ما وراء الطبيعة، كن واقعياً، عش حياتك، الفتاة ينبغي أن تظهري كل مفاتنك هذا من حقك، مثلاً هناك طروحات خلاف القرآن الكريم والسنة، لذلك من دلائل رأفته جلّ جلاله أن الله عز وجل يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
طبعاً أنا لا أنفي التفسيرات الأخرى، هناك تفسيرات أخرى لهذه الظاهرة، لكن من المعاني التي قد تأتي إلى الخاطر أنه إذا رأينا الغرب كل شيء، ونمط حياته هو النمط الصحيح، وعلاقاته هي العلاقات الصحيحة، مبادئه وقيمه هي القيم الصحيحة، الاختلاط والتفلت والتعري، يعني حينما نرى أن هذا النمط هو النمط الصح الذي ينبغي أن نقلده أغلق باب التوبة، لماذا تتوب ؟


الرؤوف يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم:

الرؤوف هو الذي يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم، ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم، قال تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾

(سورة النساء )
و قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (286) ﴾

( سورة البقرة )
أيها الأخوة، هناك حديث ضعيف وأنا أؤكد على ضعفه:

(( كيف بكم إذا لم يرأف الله بكم ولم يرحمكم ؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: أي والذي بعث محمدا بالحق إذا استعمل عليكم شراركم فقد تخلى الله عنكم ))

[ضعفاء العقيلي عن جابر بن عبد الله]
طبعاً هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها، أنا أكدت على ضعف الحديث لكن المعنى دقيق جداً:

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾

(سورة الإسراء)
هناك قراءة أمرنا مترفيها:

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ﴾

(سورة الإسراء)
يعني من علامات قيام الساعة أن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا نخوة في رأس الرجل، ولا حياء في وجه المرأة، ولا رحمة في قلب الأمير، لذلك:

(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة الكرام، لهذا الاسم تتمة غداً إن شاء الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-22-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(86)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الرحمن):



أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: " الرحمن".



ورود اسم الرحمن في القرآن الكريم و السنة النبوية:


عدّ بعض العلماء هذا الاسم اسم الله الأعظم لقوله تعالى:

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) ﴾

( سورة الإسراء)
وقد قال بعضهم اسم الله الأعظم متعلق بكل مؤمن، فالمؤمن الفقير اسم الله الأعظم بالنسبة إليه المغني، والمؤمن المريض اسم الله الأعظم بالنسبة إليه الشافي، والمؤمن الضعيف اسم الله الأعظم بالنسبة إليه القوي، هذا اجتهاد.
أيها الأخوة، اسم الله الرحمن ورد في القرآن والسنة كما في قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

( سورة الرحمن )
الترتيب في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى علم القرآن خلق الإنسان ولا يعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق، لكن العلماء قالوا: هذا الترتيب ترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من منهج يسير عليه، فقدم الله المنهج على وجود الإنسان لأهميته، وفي قوله تعالى:

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) ﴾

( سورة الإسراء)



اقتران اسم الرحمن باسم الرحيم في ستة مواضع:


ورد هذا الاسم في خمسة وأربعين موضعاً من القرآن الكريم، اقترن في ستة منها باسم الرحيم، ولم يقترن بغيره في بقية المواضع، قال تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ(22) ﴾

( سورة الحشر)
وقال تعالى:

﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾

( سورة فصلت)
ومما ورد في السنة المطهرة:

(( الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الْإِنْسَانِ فَالْفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الْإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا فَهِيَ تَسْتُرُ أي أودعت فيه النطفة في بطنه، أي لقح ))

[ أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه ]



الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر:



طبعاً حينما قال الله عز وجل:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )
الخيل المسومة، تطورت الآن المركبة، السيارة، أي نوع الركوب في وقت نزول الوحي ما كان هناك إلا الخيل المسومة، تطورت الآن المركبة، السيارة، يعني نوع الركوب في وقت نزول الوحي ما كان إلا الخيل المسومة، أما هي رمز الآن لكل شيء يركبه الإنسان، فالمركبة الحديثة الآن تأتي في بنود الشهوات تحت بند:
﴿ َالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
لكن هناك حديث آخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الخيل ثلاثة، فهي لرجل أجر, ولرجل ستر, ولرجل وزر ))

[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
أي إنسان يقتني مركبة يستر بها أهله، له أهل ملتزمون مطبقون لمنهج الله عز وجل فيسترهم بها، ستر، وهناك إنسان يسخر هذه المركبة لخدمة الناس، أجر، وهناك إنسان يرتكب فيها المعاصي والآثام، وزر، والآن المركبة إما أنها ستر أو أنها أجر أو أنها وزر.

(( أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت له اسماً من اسمي ـ الرحمن والرحم ـ فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ))

[ البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ]

(( قل أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ))

[رواه أحمد عن عبد الرحمن التميمي]
هذه نماذج من الآيات والأحاديث التي ورد فيها اسم الرحمن منفرداً أو مقترناً بالرحيم.


الرحمن في اللغة:


الآن الرحمن في اللغة، صفة مشبهة وهي أبلغ من الرحيم، الرحمة في حقنا بني البشر رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتكون بالمسامحة واللطف أو المعاونة والعطف، والرحمة تستعدي مرحوماً فهي من صفات الأفعال، هذا في اللغة.
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو الرحمن، الرحمن اسم يختص بالله عز وجل، ولا يجوز إطلاقه في حق غيره، هذه خصيصة، والرحمن سبحانه هو المتصف بالرحمة العامة الشاملة، حيث الخلق كلهم عباده، يرزقهم، ويهديهم سبلهم، ويمهلهم فيما استخلفهم وخولهم، ويسترعيهم في أرضه، ويستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإن رحمة الله في الدنيا وسعتهم جميعاً، الله يرحم المؤمن وغير المؤمن، أي يطعمهم، ويسقيهم، ويحفظهم، والرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، للتقريب أب عنده أولاد واحد منهم بار والآخر عاق لكنه يطعمهم جميعاً، وفي مناسبة العيد يكسوهم جميعاً لكن قلبه مع من ؟ مع الابن البار، أما فعله سواء مع كل أولاده.



الله جلّ جلاله رحيم سبقت رحمته غضبه:


الرحمة أيها الأخوة، تفتح باب الرجاء والأمل، وتثير ممكنون الفطر، وتبعث على صالح العمل، وتدفع أبواب الخوف والنقمة، وتشعر الشخص بالمن والأمان، الله رحيم، والله جل جلاله سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً، يعني الله عز وجل يقول:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
رحمة نكرة، تنكير تقليل، والنبي عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق، ومع ذلك:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
أما الله عز وجل:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف الآية: 58 )
إذاً سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا، يتراحم به الناس ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها.


الله عز وجل أرحم بالعباد من الأم بولدها:


هناك حيوان اسمه البطريق، طائر يعيش في القطب الجنوبي، يجتمع حوالي عشرة آلاف بطريق في قارة متجمدة، الرياح الباردة سرعتها مئة كيلو متر في الساعة، والحرارة خمسون تحت الصفر، يجتمعون هناك في هذا الوقت العصيب الأنثى تلد، تلد بيضة، يضعها الذكر على قدميه، ويبقى واقفاً لا يتحرك، ولا يأكل، ولا يشرب أربعة أشهر، لأن هذه البيضة لو وقعت من على رجليه وقعت على الثلج لفسدت لذلك يحافظ عليها ويغطيها بفروه أربعة أشهر، ولا يأكل شيئاً، ولا يشرب شيئاً، وفي حوصلته كمية غذاء تكفي هذه البيضة حينما تفقص، فإذا فقصت وضع الكمية من الغذاء في فم البطريق الصغير، إلى أن تأتي الأم من البحر وتتولى متابعة العناية بهذا البطريق، شيء لا يصدق أن كائناً يرعى هذه البيضة أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب شيئاً، لذلك سبقت رحمته غضبه ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا يتراحم به الناس، ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن والدها خشية أن تصيبه:

(( جعل الله الرحمة مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي فإذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام وقد رآها وتأثر، قال: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعبده من هذه بولدها ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
حديث بليغ، تصور امرأة على التنور كلما وضعت رغيفاً تأخذ ابنها تضمه وتشمه، هل يعقل أن تطرح هذه المرأة ولدها في التنور ؟ الله عز وجل فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام لله أرحم بعبده من هذه بولدها.


الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة بالناس أجمعين:


أيها الأخوة، الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة، تظهر مقتضى الحكمة في أهل الدنيا، فمن رحمته أن الله عز وجل أنعم علينا لنذكره، ولكن كثيراً منهم جاحدون، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(73)﴾

( سورة القصص )
نعمة الليل والنهار، لا تقدر بثمن، الإنسان إذا لم ينم اضطربت حياته، وجعل الله الليل سكناً:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(48) ﴾

( سورة الفرقان)
الرحمة التي دلت عليها هذه الآيات رحمة عامة بالناس أجمعين.


اقتران اسم الرحمن باستوائه سبحانه على العرش:


هذا الاسم خصّه وقرنه باستوائه على العرش في جميع المواضع التي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) ﴾

( سورة طه)
أيها الأخوة:

(( فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ))

[عن أبي هريرة رضي الله عنه ]



عدم استغناء المؤمن و الكافر عن الله عز وجل:



الله جلّ جلاله فوق الخلائق أجمعين سواء أكانوا مؤمنين أو كافرين، حياتهم قائمة بإذنه، أرزاقهم مكنونة في غيبه، بقاؤهم رهن مشيئته وأمره، وأنه لا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله، فهو الملك وهو الرحمن الذي استوى على عرشه، ودبر أمر الخلائق في ملكه، فلا يستغني عنه في الحقيقة مؤمن ولا كافر، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان)
هل سألت خبيراً عن الله عز وجل ؟ هل من علم يعلو على أن تعرف الله ؟ أن تعرف خالق السماوات والأرض ؟ أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ؟

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان)
هذا أمر وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، أمر إلهي:

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان)



من عرف قدره و عبوديته و افتقاره ارتقى عند الله عز وجل:



أيها الأخوة، اسمان مشتقان من الرحمة، الرحمن والرحيم، الرحمة تستدعي مرحوماً، كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً بل هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير، ولأن قيامه ليس بذاته، بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، يعني العبد عبد، والرب رب، العبد مرحوم، نحن جميعاً ضعاف وفقراء وجهلاء، بالله نعلم، وبالله نقوى، وبالله نغتني، فالعبد مفتقر إلى سيده، فكلما عرف الإنسان قدره، وعرف عبوديته، وعرف افتقاره، ارتقى عند الله، وكلما تأله، وتكبر، واستعلى، واستنكف، سقط من عين الله، الرب راحم لأنه رب، والعبد مرحوم لأنه ضعيف، وأي إنسان خرج عن دائرة العبودية في ساعة غفلة ينسى أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله، مرة شخص قال عندما أنشئ سد: استغنينا به عن رحمة الله. كلام فيه غباء ما بعده غباء، نحن جميعاً في أمس الحاجة إلى رحمة الله.
أنا أقول لكم المعجزة أن تستيقظ سليماً من أي مرض، الإنسان تركيبه بالغ التعقيد، يعني نقطة دم لا تزيد عن رأس دبوس لو تجمدت في أحد شرايين الدماغ أصيب بالشلل، فقد ذاكرته، فقد سمعه، فقد بصره، شريان القلب التاجي إذا ضاق دخل في متاعب لا تنتهي، شعر بآلام في صدره الذبحة الصدرية، شعر بوهن في قوته، أي الإنسان تحت ألطاف الله، لا يوجد إنسان يقول أنا إلا في غيار، من أنت ؟ قل الله، نحن في لطف الله وفي رحمة الله.



إنما الأعمال بالنيات:


أيها الأخوة، الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمحتاج هذا الشيء لا يسمى رحيماً، الرحمة مقصودة، أنت حينما ترحم إنساناً تريد أن تنقذه، تريد أن تسلمه من عطب، تريد أن تحفظه، فإذا أردت ورحمت، فأنت قد اشتققت من اسم الله الرحمن الرحمة، أما إنسان ما أراد ولا قصد، أنا أقول دائماً لا يسمح الله لطاغية في الأرض أن يكون طاغية إلا ويوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثواب، للتقريب أب منحرف انحرافاً شديداً عقيدة وسلوكاً، وعنده ابن صالح وهو يعنفه ليلاً نهاراً على صلاحه، وعلى صلاته، وعلى تدينه، ويتهمه بالتزمت والتخلف والحمق، هذا الابن لو أن الله جعله داعية هل لأبيه أجر ؟ لا والله ولا شيء لأنه ما أراده هكذا.
الفكرة دقيقة لا تسمى راحماً إلا إذا أردت أن ترحم، فإن لم ترد وجاءت رحمة منك دون أن تقصد للناس، أنت موظف بدائرة وقعت على قرار بعثات، وذهب طالب تعلم علم الغرب، وعاد إلى بلده ليقوي المسلمين، أنت بحكم وظيفتك أرسلت هذه البعثة ليس لك أجر، فإن لم تكن مؤمناً وترد هذا الخير لا أجر لك، لا يسمى الرحيم رحيماً إذا جاءت الرحمة عن غير قصد منه وعن غير إرادة وعن غير نية طيبة، هذا ليس من باب التضييق على الناس ولكن من باب:

(( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ))

[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
لذلك ابن عمر رضي الله عنهما يقول:

(( من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه ومن آتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ))

[النسائي عن ابن عمر رضي الله عنه ]
الذي أتمنى أن يكون واضحاً الله عز وجل قال:

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (119) ﴾

( سورة هود)



من رحم الناس استحق رحمة الله عز وجل:


دقق الآن في كلام الله:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾

( سورة هود)
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليكرمهم، خلقهم ليسعدهم، لكن هذا الذي نراه في الأرض من مشكلات بسبب انحرافهم وتقصيرهم وبعدهم عن الله عز وجل، وأنا ألخص حال المسلمين بكلمتين، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، يا أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾

( سورة الأعراف)
أنت بإمكانك أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، اسم الرحمن عند بعض العلماء اسم الله الأعظم، بإمكانك أن ترحم الناس فتستحق رحمة الله، إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله.


أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة:


أيها الأخوة الكرام، لا يوجد صفة لها شمول كصفة الرحمة، أنت لطيف لأنك رحيم، كريم لأنك رحيم، منصف لأنك رحيم، أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة، لذلك قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، هذه الآية يحتاجها كل أب، كل معلم، كل داعية، كل مدير، كل إنسان له منصب قيادي، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمة تنعكس الرحمة ليناً، يلتف من حولك حولك، فإذا انقطع الإنسان عن الله امتلأ القلب قسوة وانعكست القسوة غلظة فانفضوا من حولك:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-23-2018, 01:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(87)



>الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الوهاب):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الوهاب".



ورود اسم الوهاب في القرآن الكريم فقط:


هذا الاسم أيها الأخوة ورد في القرآن الكريم مطلقاً، معرفاً في ثلاثة مواضع، منها قوله تعالى:

﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾

( سورة ص )
وفي قوله سبحانه وتعالى:

﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

( سورة آل عمران)
ولم يرد هذا الاسم في صحيح السنة.


الوهاب في اللغة:

الوهاب في اللغة صيغة مبالغة على وزن فعَّال من الواهب، وهو المعطي للهبة، والفعل وهب، يهب، وهباً، وهبةً، والهبة عطاء بلا عوض، لكن كملاحظة في العبارات التي نتداولها العبرة بالمقاصد لا بالصور التي نعطيها، كيف ؟ لو قلت لك: بعتك هذا الكتاب بلا ثمن، هذا عقد هبة، مع أن في العبارة لفظة بعتك
ولو قلت لك وهبتك هذا المصحف بمئة ليرة أي بعتك هذا المصحف، فالعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
الهبة: العطية الخالية من الأعواض، نحن عندنا في الفقه شيء اسمه معاوضات، فالبيع يندرج تحت المعاوضات، أما الهبة تندرج تحت عملية لا علاقة للعوض بها، فالهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهاباً، واهب أو وهاب، وهو من أبنية المبالغة.


الله تعالى نعمه كاملة في الأنفس وظاهرة وبادية في سائر المخلوقات:

أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو الوهاب، فالوهاب سبحانه هو الذي يكثر العطاء بلا عوض، ويهب ما يشاء لمن يشاء بلا غرض، ويعطي الحاجة بغير سؤال، ويسبغ على عباده النعم والأفضال، نعمه كاملة في الأنفس، وجميع المصنوعات، وظاهرة وبادية في سائر المخلوقات، نعم وعطاء وجود وهبات تدل على أنه المتوحد في اسمه الوهاب، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ(50) ﴾

( سورة الشورى)



الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له:

الوهاب صيغة مبالغة من واهب، إذا كثر عطاء الواهب سمي وهاباً، قال بعض الشعراء:
ملك الملوك إذ وهب لا تسألن عن السبب
الله يعطي من يشاء فقف على حدِّ الأدب
***
أنا عدلت هذا البيت:

ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
الله يعطـي من يشاء فقف على حـدِّ الأدب
***
عطاء الله وفق قوانين، لأن الله سبحانه وتعالى عدل بين كل عباده، سيدنا سعد كان من أحب أصحاب رسول الله إلى رسول الله، كان إذا دخل عليه يداعبه يقول هذا خالي أروني خالاً مثل خالي.
ما فدى أحداً من أصحابه بأبيه وأمه إلا سعداً :

(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))

[ أخرجه ان عن علي بن أبي طالب ]
ومع ذلك التقى به سيدنا عمر بعد وفاة رسول الله، قال له: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له.
كلكم من آدم وآدم من تراب.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾

( سورة الحجرات )



الناس عند الله عز وجل صنفان لا ثالث لهما:


أخوتنا الكرام، البشر وضعوا مقاييس، مئات المقاييس، آلاف المقاييس، دول الشمال ودول الجنوب، دول متقدمة ومتخلفة، الملون والأبيض والأصفر، المستغل والمُستغل، القوي والضعيف، لذلك الحقيقة الدقيقة والصارخة البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، هؤلاء جميعاً لا يزيدون عند الله عن صنفين، صنف عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، وصنف غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، ولن تجد في مقاييس القرآن الكريم نموذجاً ثالثاً، ولي كلمة أرددها كثيراً، لا يُضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، المؤمن تحبه فقيراً عفيفاً، تحبه غنياً متواضعاً وسخياً، تحبه متعلماً مستنيراً، تحبه غير متعلم على الفطرة، تحبه مدنياً، تحبه ريفياً، إذا قلت مؤمن لا يُضاف على هذه الكلمة ولا كلمة، الإيمان صبغه، الإيمان أعطاه صفات، أعطاه صفات الإنصاف، والرحمة، والتواضع، والحب، فلذلك يعيش الناس اليوم في جاهلية، التقسيمات التي وُضعت للبشر لا تُعد ولا تُحصى، هذه التقسيمات فرقتهم، بل حملتهم على أن يقتتلوا ، وسالت الدماء مع أن البشر عند الله صنفان، مؤمن وغير مؤمن، المؤمن عرف الله، انضبط بالمنهج، أحسن إلى الخلق، سلمَ وسعدَ في الدنيا والآخرة، وغير المؤمن غفل عن الله، تفلت من المنهج، أساء إلى الخلق، شقي وهلك في الدنيا والآخرة.



اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل في الترجيح بين البشر:

أما تقسيم القرآن، القرآن اعتمد قيمتين مرجحتين، اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل، قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾

( سورة الزمر )
قال تعالى:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة )
قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا(132) ﴾

( سورة الأنعام)
هذا هو مقياس القرآن، علم وعمل، وما سوى ذلك الناس سواسية كأسنان المشط، هذان المقياسان إن اعتمدا في أمة تقدمت، وإن لم يعتمدا في أمة تخلفت.


توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:

أيها الأخوة، الله عز وجل يهب العطاء في الدنيا، يهب مالاً، يهب قوة، يهب وسامة، يهب ذكاءً، يهب حكمةً، الله عز وجل يهب العطاء في الدنيا ابتلاءً، فالحظوظ المال حظ، العلم حظ، الذكاء حظ، الوسامة حظ، الصحة حظ، فالحظوظ وُزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ (2) ﴾

( سورة الملك)
وسوف تُوزع في الآخرة توزيع جزاء، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) ﴾

( سورة الإسراء)
طبعاً هناك فرق كبير في الدنيا بين قائد جيش وبين مجند، بين جراح قلب وبين ممرض، بين رئيس غرفة تجارة وبائع متجول، بين أستاذ جامعي ومعلم في قرية، هناك فرق كبير جداً، بين غني وفقير، بين قوي وضعيف، بين صحيح ومريض:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) ﴾

( سورة الإسراء)



مراتب الدنيا مؤقتة و مراتب الآخرة أبدية سرمدية:


مراتب الدنيا مؤقتة، الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وصحة الصحيح، ومرض المريض، ينهي كل شيء، لكن مراتب الآخرة أبدية سرمدية، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً وقد تعني العكس:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44) ﴾

( سورة الأنعام )
قوة، بلاد جميلة، أمطار غزيرة، أموال، يعني الإنسان حينما يريد الدنيا، ويصر عليها، ولا يرى غيرها، وحينما يخرج من دائرة العناية الإلهية، يُعطى الدنيا، خذها ولكن حينما يكون ضمن العناية الإلهية يُعالج، لا تنسوا هذا المثل، التهاب معدة حاد يقتضي حمية بالغة، وورم خبيث منتشر في أنحاء الجسم، لو سأل الأول الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له: حليب فقط، لو سأل الثاني الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له: كُلْ ما شئت، أيهما أفضل ؟ الذي خضع لحمية شديدة.


كل شيء في الحياة الدنيا موقوف على طريقة استعماله :


إذاً عطاء الله في الدنيا عطاء ابتلاء، يعني المال نعمة ؟ الجواب: لا، نقمة ؟ لا، إذاً ما المال ؟ المال عطاء موقوف على طريقة إنفاقه، إن أنفقته في طاعة الله فهو نعمة، إن أنفقته في معصية الله فهو نقمة، يا ترى القوة نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، ما هي القوة ؟ إن سخرت القوة لإحقاق الحق فهي نعمة، وإن سخرت القوة للطغيان والعدوان فهي نقمة، الوسامة نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، إن استخدمت الوسامة للعمل الصالح، وتحبيب الناس بك فهي نعمة، وأما إذا استخدمتها لإغواء الفتيات فهي نقمة، يعني كل حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن يكون نعمة ترقى بها أو دركات تهوي بها، العلاقة الجنسية، إذا كانت وفق منهج الله، زواج، وإنجاب أولاد، تربية أولاد، أصهار أطهار، فتيات عفيفات طاهرات، أولاد نجباء، تجد هذه الأسرة كلها خير، قال لي أحد علماء دمشق: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، ثلاثة عشر طبيباً، أحد عشر حافظاً لكتاب الله، هذا الكم الكبير من المثقفين، والحفاظ، والورعين، والفتيات الشريفات العفيفات، كل هذا الكم الكبير أساسه علاقة جنسية، وبأي بيت دعارة هناك علاقة جنسية، شهوة حيادية، سلم نرقى بها، أو دركات نهوى بها.



الناجح من أدرك حقيقة الابتلاء و استعان بالله على تحقيق الرجاء:


لذلك الله عز وجل يهب الحظوظ في الدنيا هبة امتحان، ويهب العطاء الكبير في الآخرة هبة جزاء، في الدنيا ابتلاء وفي الآخرة جزاء.
السبب قال: ليتعلق العبد بربه عند النداء والرجاء، ويسعد بتوحيده بين الدعاء والقضاء، هذا أعظم فضل وأكبر هبة وعطاء، وإذا أدرك العبد حقيقة الابتلاء، واستعان بالله على تحقيق الرجاء كان موفقاً وناجحاً، أي:

(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))

[ أخرجه أحمد في مسنده عن صهيب ]



العمل المؤسساتي:


من الآيات التي تتحدث عن العطاء، عن الهبة، عن الوهاب:
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5 ﴾

( سورة مريم)
هذا يسمى الآن بالعمل المؤسساتي، أي شيء نجح الذي كان السبب في نجاحه لو توفاه الله العمل مستمر من بعده، الإشارة الأولى في القرآن الكريم للعمل المؤسساتي هذه الآية:

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي (6) ﴾

( سورة مريم)
أي دعوة ناجحة جداً ينبغي أن تستمر بعد وفاة الداعية، أن تستمر بتربية أناس على أعلى مستوى يتابعون دعوته، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) ﴾

( سورة الفرقان)
إذا الإنسان أحسن اختيار زوجته وفق منهج الله، فعليك بذات الدين تربت يداك، معنى ذلك أنه أحسن الاختيار، اختار صاحبة الدين، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها.


الإنسان مخير بين الدنيا و الآخرة:


ولكن من أراد الدنيا هنا المشكلة، يقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ (19) ﴾

(سورة الإسراء)
دقق أنت مخير:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ (18) ﴾

(سورة الإسراء)
الدنيا.

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) ﴾

(سورة الإسراء)
أما في الآخرة فله الجنة.


الدنيا دار عمل و تكليف و الآخرة دار جزاء و تشريف:


الدنيا مبنية على السعي:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾

(سورة الانشقاق)
أما الآخرة نظام آخر:

﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾

( سورة ق الآية: 35 )
أي شيء تطلبه تراه أمامك، نظام الجنة:

﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾

( سورة ق الآية: 35 )
الدنيا نظام آخر:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾

(سورة الانشقاق)



النظر إلى وجه الله الكريم أعظم عطاء يحصّله الإنسان في الآخرة:

من أجل أن تكون طبيباً هناك دراسة في ثلاث وثلاثين سنة، من أجل أن تكون غنياً هناك عمل مجهد في البدايات، من أجل أن تكون ذا سمعة طيبة هناك انضباط شديد من حيث القيم الأخلاقية.
أما في الآخرة:
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾

( سورة ق)
المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، لذلك الله عز وجل من أسمائه الوهاب، أن يهب ما يشاء لمن يشاء، وكيف يشاء، ومتى يشاء، وفي أي مكان يشاء، لذلك ما يعطيه لعباده ظاهراً وباطناًً، في الدنيا والآخرة، إنما هي نعم وهبات وهي من الكثرة بحيث لا تحصيها الحسابات.


علاقة اسم الوهاب بالحب :

هذا الاسم له علاقة بالحب، كيف ؟ ورد في بعض الآثار القدسية:
(( يا داود ذكر عبادي بإحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]
فالوهاب يعني أن تحبه، لأنه وهبك نعمة الإيجاد، أنت موجود، تأكل، وتشرب، ولك زوجة، ولك أولاد، وتسافر، وترى بلاد الله الواسعة، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، أمدك بزوجة، أمدك بأولاد، أمدك بمأوى، أمدك بألوان الطعام، بألوان الشراب، بالمتع، بالورود، بالأسماك، بالأطيار.

(( يا داود ذكر عبادي إحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]
لا يُعقل أن تحب مخلوقاً، وأن تنسى الذي منحك نعمة الوجود، نعمة الإمداد، نعمة الهدى والرشاد، سأريكم بعض الأمثال:
خبيب بن عدي، كان على مشارف القتل، أُلقي القبض عليه من قبل كفار مكة ليُصلب، صلبه المشركون على جذع نخلة تمهيداً لرميه بالسهام، قال له أبو سفيان: يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ اسمعوا إلى هذا الجواب، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي، زوجته أمامه، أولاده أمامه، بيت مريح، فيه فواكه وخضروات وطعام طيب وشراب، بالمقاييس المعاصرة فيه تكييف، فيه ورود، بيت واسع له إطلاله جميلة، زوجة جميلة، أولاد، كل شيء في البيت موجود، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا، ليس هناك مرض، ليس هناك قلق، ليس هناك خوف، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.


لا إيمان لمن لا محبة له:

الإيمان حب، الإيمان أن تحب الله، أن تحب رسول الله، أن تحب المؤمنين، أن تحب العمل الصالح، أن تحب بيوت الله، أن تحب الدعوة إلى الله، أن تحب خلق الله جميعاً، الإيمان حب:
ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له.
سيدنا الصديق له خدمة لبعض جيرانه، يحلب لهم الشياه، فلما أصبح أمير المؤمنين، طبعاً جارته حزنت، لأنه هذه الخدمة سوف تتوقف، في صبيحة تسلمه منصب الخلافة طُرق باب هذه الجارة، صاحبة البيت قالت لابنتها يا بنيتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب قالت: من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، أي جاء سيدنا الصديق ليحلب الشياه، وهو خليفة المسلمين، أنت حينما تحب الله تفعل المعجزات، تقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس، أنت حينما تحب الله تتألق، تصبح أسعد إنسان في الأرض.



نعم الله عز وجل ينبغي على الإنسان أن يترجمها إلى حب و مودة:


أقول لكم هذه الكلمة وسامحوني بها، إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، أنت مع الله، أنت مع الموجود، مع الواحد، مع الكامل، مع المعطي، مع الرافع الخافض، مع القوي، مع الغني، مع الرحيم، أنت مع من؟ مع خالق السموات والأرض.
لذلك ألا لا إيمان لمن لا محبة له، والمؤمن له علامة:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) ﴾

( سورة الأنفال)
هذا الاسم مرتبط بالحب، لأنه وهبك الحياة، أمامك زوجة جميلة من جنسك من بني البشر، لها مشاعر، لها عواطف، تتكلم، ترعى أولادك، لك أولاد يملؤون البيت فرحة، هذه كلها نعم الله عز وجل، ينبغي أن تترجم إلى حب.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-23-2018, 01:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(88)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(العليم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "العليم".



ورود اسم العليم في القرآن الكريم و السنة النبوية:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم بمواضع كثيرة، من هذه المواضع قوله تعالى:

﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورةالبقرة )
وقد ورد هذا الاسم مقترناً في الكتاب والسنة بأسماء أخرى كثيرة، ورد مع اسم السميع
﴿ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
ومع اسم الحكيم، ومع اسم العزيز، ومع اسم الحليم، ومع اسم الخلاق، ومع اسم القدير، ومع اسم الفتاح، ومع اسم القوي، هذا الاسم الخبير هذا "العليم" ورد مقترناً مع عدد ليس بالقليل من أسماء الله الحسنى.
أما في السنة، والسنة كما تعلمون أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، بل ما صحّ من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وما صحّ من أفعاله، وما صحّ من إقراره، فورد أيضاً في نصوص كثيرة منها ما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( أعوذُ بِاللهِ السَّميعِ العليمِ من الشَّيطان الرجيم، مِنَ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]



الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه:

أيها الأخوة، كما تعلمون الإنسان إن تكلم فالله سميع، وإن تحرك فالله بصير ، وإن أضمر شيئاً فالله عليم، إن تكلم فهو سميع، وإن تحرك فهو بصير، وإن أضمر شيئاً في نفسه فالله عليم.
بل إن الله يحول بين المرء وقلبه، أقرب شيء إليك قلبك، وخواطرك، وسرك، وباطنك، الله عز وجل يحول بينك وبين قلبك، وبينك وبين سرك، وبينك وبين باطنك، بل هو أقرب إليك من حبل الوريد.



العليم في اللغة:

أيها الأخوة، "العليم" في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعيل، وصيغ المبالغة كما ذكرت كثيراً تأتي بمعنى الكم، أو النوع، فأدق شيء الله به عليم، وكل شيء الله عز وجل به عليم، عليم على وزن فعيل، من فعل علم، يعلم، علماً، ونقول: هذا الرجل عالم، وعليم، وعلامة، والعلم في أدق تعاريفه علاقة بين شيئين، أي يأخذ شكل القانون، علاقة ثابتة بين شيئين، هذه العلاقة مقطوع بصحتها مئة بالمئة ليست وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، الوهم ليس علماً، والشك ليس علماً، والظن ليس علماً، علاقة بين شيئين ثابتة، تأخذ شكل قانون، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، عليها دليل، إن لم تطابق الواقع فهي الجهل بعينه، لابدّ من لفت النظر، من هو الجاهل ؟
إذا تصورنا أن الإنسان وعاء، وعاء الجاهل ليس فارغاً، لكنه ممتلئ بمعلومات خاطئة، الجهل عدم مطابقة الواقع.
حينما يتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات في سيارتك، الجهل أن تتوهمه تألقاً تزيينياً، والعلم يقول لك هو تألق تحذيري، فالذي يفهم التألق على أنه تألق تزييني جاهل، هذه معلومة لكنها غير صحيحة.



التوهم أخطر شيء في حياة الإنسان:

لذلك أخطر شيء بحياة الإنسان كما قال الواحد الديان:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورةالكهف )
طالب توهم أن المعلم قبل الامتحان بيومين بهدية بسيطة يعطيه الأسئلة، فما درس إطلاقاً، هو يظن نفسه ذكياً، وفالحاً بهذه الطريقة، قبل يومين طرق باب الأستاذ وقدم له الهدية، وطلب منه الأسئلة، تلقى صفعة على وجهه، وركلة بقدمه،
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
وقد ورد في الأثر: أن روح الميت ترفرف فوق النعش، هذا إذا كان منحرفاً تائهاً، شارداً، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ.


الله سبحانه وتعالى كامل في علمه وطلاقة وصفه:


أيها الأخوة، نحن كما تعلمنا هناك أسماء يجوز أن يوصف بها الإنسان، من هذه الأسماء اسم "العليم" فسيدنا يوسف قال:

﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورةيوسف )
فهو ذو علم، وقد وصف نفسه بالعلم، وقد قال الله عنه:

﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾

( سورةيوسف الآية: 68 )
لكن محور هذا اللقاء الطيب كم هو الفرق بين علم الإنسان وبين علم الواحد الديان ؟ شتان بين علم مقيد محدود، وبين علم مطلق بلا حدود، سبحانه وتعالى كامل في علمه، وطلاقة وصفه، علمه فوق كل علم، قال تعالى:

﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورةيوسف )
فالله عز وجل عليم بما كان، وعليم بما يكون، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماًَ، وعلمه أزلي وأبدي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع خلقه، أحاط علمه بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، دقيقها وجليلها.
واسم الله "العليم" اشتمل على مراتب العلم الإلهي.


ما من عبد يخطب ود الله عز وجل إلا كرمه الله بكرامة:

الآن سأتكلم حقيقة نحن في أمس الحاجة إليها: ما من مؤمن على وجه الأرض يخطب ود الله بتوبة، بطاعة، بعمل صالح، بأداء عبادة، بتلاوة قرآن، بإطعام جائع، بإرشاد ضال، ما من عبد يخطب ود الله عز وجل إلا كرمه الله بكرامة، هناك كرامة تيسير، أموره ميسرة، وهناك كرامة توفيق، وكرامة تأييد، و كرامة نصر، و كرامة انشراح صدر، و كرامة سرور، و كرامة أمن، ما من عبد مؤمن يخطب ود الله إلا وسيكافئه الله عز وجل بكرامة، ولكن أعظم كرامة على الإطلاق هي كرامة العلم، لابدّ من التوضيح:
طفل صغير عقب العيد جاء عمه إلى البيت، قال له: يا عمي أنا أملك مبلغاً عظيماً، طفل بالحضانة، بالعملة السورية مئتا ليرة سورية، كلمة عظيم حينما قالها طفل قدرناها بمئتي ليرة، فإذا قال مسؤول كبير بدولة عظمى أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً نقدره بالحد الأدنى بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة عظمى فقدرناها بمئتي مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك، ورب السماوات والأرض:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورةالنساء )



كرامة العلم أعظم كرامة على الإطلاق:

إذا سمح الله لك أن تتعرف إليه، إذا سمح الله لك أن تعرفه، إذا سمح الله لك أن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى، إذا سمح الله لك أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، إذا سمح الله لك أن تعرف حقيقة الدنيا، إذا سمح الله لك أن تعرف أفضل شيء في الدنيا، تكون قد حصلت كرامة من أفضل أنواع الكرامات
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحبه، ولمن يحبه، أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطى الملك لسيدنا سليمان، وهو يحبه، أعطى المال لمن لا يحبه لقارون ، وأعطى المال لمن يحبه لسيدنا عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، أما الأنبياء ماذا أعطاهم ؟ حصراً:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

( سورةالقصص الآية: 14 )
اسأل نفسك نصيبك من الله من نوع نصيب الأقوياء، أم الأغنياء، أم الأنبياء ؟.


الإنسان بالعلم والقدرة يستقيم وبالعلم والشكر يحسن:

أيها الأخوة، من خلال أسماء الله الحسنى، هناك اسمان إن تحققا استقمت على أمر الله، إذا أيقنت أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، تستقيم على أمره، تركب مركبة والإشارة حمراء، أنت مواطن عادي، ومن الدرجة الثانية، والشرطي واقف، وقانون السير صارم، لا يمكن أن تخالف، لأن واضع قانون السير علمه يطولك، وقدرته تطوله، إذاً لن تعصيه.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورةالطلاق )
اختار من أسمائه اسمين، العلم والقدرة، إذاً بمعرفة اسم "العليم" والقدير تستقيم على أمره، الآن وبمعرفة اسم "العليم" والشكور تحسن إلى خلقه.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

( سورةالنساء )
هذا العمل الصالح، هذه الصدقة، هذه الخدمة، هذا العطاء يعلمه الله وسيشكرك عليه، إذاً تدفع، بالعلم والقدرة تستقيم، وبالعلم والشكر تحسن، فإذا استقمت وأحسنت حققت الهدف من وجودك


علم الله عز وجل أزلي أبدي و علم الإنسان حادث وطارئ:


الله جلّ جلاله محيط بكل شيء علماً، في الظاهر وفي الباطن، في دقائق الأشياء، وفي جليلها، في أولها، وفي آخرها، في فاتحتها، وفي عاقبتها، ومع ذلك فعلم الله جل جلاله من طبيعة أخرى.
الآن أن مضطر أن أضرب مثلاً للتوضيح وللتقريب، والأمثال نجدها بكثرة في القرآن الكريم:
لو أن رجلاً عبقرياً اخترع آلة فائقة، عظيمة النفع، وجاء من بعده أجيال ودرسوا هذه الآلة، وعرفوا دقائق صنعها، واكتشفوا العلاقات فيما بين أجزائها، واكتشفوا القوانين التي على أساسها بنيت هذه الآلة، علم الجيل اللاحق الذي بحث، ودرس، واستنبط يختلف اختلافاً كلياً عن علم العبقري الذي اخترع الآلة، علم المخترع سبق وجود الآلة، لكن علم الدارس جاء بعد وجود الآلة، وجاء استنباطاً من دقائقها.
هذا المثل ضربه عالم جليل، علم الله سابق للوجود، علم الله أصل للوجود، بينما علم البشر لاحق للوجود، بل هو مكتسب من الوجود، فرق كبير بين علم الله، وبين علم خلقه، علمك أيها الإنسان مستنبط من الوجود، مستنبط من القواعد التي قعدها الله عز وجل، مستنبط من القوانين التي قننها الله عز وجل، مكتسب من الخصائص التي خصصها الله عز وجل، علم الله عز وجل أزلي أبدي، أما علمك حادث وطارئ.



العلم الإلهي سبب وجود الأشياء:

أيها الأخوة، علم الله هو الذي قنن هذه القوانين، هو الذي خصص هذه الأشياء بخصائصها، هو الذي سنن هذه السنن، فرق كبير بين أن تكتشف الخصائص الثابتة في شيء موجود، وبين أن تخلق هذه الخصائص.
من قنن أن البذور لابدّ منها لاستمرار الوجود ؟ لو الله خلق مليار، مليار، مليار، مليار، طن قمح وانتهوا، كيف القمح مستمر إلى قيام الساعة ؟ عن طريق البذور ، فكرة البذور من خلقها ؟ فكرة الزواج والإنجاب من خلقها ؟ نحن نستنبط لكن الله خلق، قنن، قعد القواعد، سنن السنن، قنن القوانين.
لذلك فرق كبير أن توجد شيئاً من العدم، ومن غير مثال سابق، وبين أن تكتشف خصيصة في شيء موجود، من هنا نقول الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء وعلى غير مثال سابق.
بل الإنسان إذا سميناه تجاوزاً، وقد سماه القرآن تجاوزاً خالق، قال الله:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورةالمؤمنون )
فإذ سميناه خالقاً تجاوزاً فهو صنع من كل شيء وعلى مليون مثال سابق ، الغواصة صنعت تقليداً للسمكة، والطائرة صنعت تقليداً للطائر، بل هناك موسوعة علمية تتحدث عن الطيور إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر.
أيها الأخوة، علم البشر لاحق للوجود، كسبي، وعلم الخالق سابق للوجود وسببي، العلم الإلهي سبب وجود الأشياء، تعلق علمه بهذا الشيء، تعلقت إرادته، تعلقت قدرته، فكان هذا الشيء.

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
وقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاء الله وشئت، قال: بئس الخطيب أنت، جعلتني لله نداً،
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))



علم الخالق سابق للوجود وسببي وعلم البشر لاحق للوجود وكسبي:

إذاً تعلق علم الله وإرادته، وقدرته بشيء فكان، ما شاء الله كان، بل إن علمه سبب لوجود هذا الشيء، أما علم البشر لاحق للوجود، هناك جبال، هناك أنهار، بحيرات ، عرفنا خصائص المياه، خصائص الهواء، عرفنا خصائص المياه صنعنا الباخرة، من جعل الماء يدفع الأجسام إلى الأعلى ؟ لولا هذا القانون قانون أرخميدس لما كان إبحار في الأرض، ولولا قوانين الهواء، الآن الطائرة تحمل ثمانمئة راكب، مدينة، ما الذي يحملها ؟ الهواء، الإنسان صنع وفق خصائص الماء البواخر، هناك بواخر فيها مليون طن، مدن، كل معلومات الإنسان، وكل علم الإنسان مستنبط من القواعد لتي قعدها الله، ومن القوانين التي قننها الله، ومن السنن التي سنها الله، ومن العلاقات الثابتة التي ثبتها الله، ومن الخصائص التي خص بها الأشياء.
إذاً فرق كبير بين أن تقول الله جل جلاله عليم، وفلان عليم، مع أن الله سمح في قرآنه،
﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
أيها الأخوة، في لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا البحث.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-23-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(89)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الكريم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الكريم".



ورود اسم الكريم في القرآن الكريم:



سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "الكريم"، حيث ورد هذا الاسم في كثير من نصوص القرآن الكريم، ومن نصوص السنة النبوية الصحيحة، كما في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

( سورة الانفطار )



عدم نجاح الخطاب الديني إلا إذا اتجه إلى قلب الإنسان وعقله معاً:

من أدق هذه الآيات أن الله في آية واحدة خاطب قلب الإنسان وعقله، ولا ينجح الخطاب الديني إلا إذا اتجه إلى قلب الإنسان وإلى عقله معاً، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لُبيت حاجات الإنسان كلها تفوق، أما إذا لبى حاجة ولم يلبِ الأخرى تطرف وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف.
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ﴾
يتجه إلى قلبه
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )



اقتران اسم الكريم باسم الغني:

أيها الأخوة، اقترن اسم "الكريم" باسم الغني، في قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾

( سورة النمل )
في عالم البشر قد تجد الغني شحيحاً، الغني بخيلاً، يمسك، الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

( سورة المعارج )
لا ينفق، لكن الله جل جلاله غني كريم، قد تجد إنساناً كريماً لكنه فقير، وقد تجد إنساناً غنياً لكنه بخيل، فأن يجتمع الغنى مع الكرم هذا من أرقى الصفات
﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾



ورود اسم الكريم في السنة النبوية الشريفة:

هذا في القرآن فماذا في السنة ؟ من حديث علي رضي الله عنه أنه قال:
(( قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي ألا أعلمك كلمات إن قلتهن غفر الله لك، قال قل: لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله سبحان الله رب العرش العظيم ))

[ الترمذي عن علي]
و:

(( إن ربكم تبارك وتعالى حييّ كريم يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفراً ))

[ الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر مرفوعاً]



الدعاء مخ العبادة:


لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾

( سورة الفرقان )
الدعاء هو العبادة، الدعاء مخ العبادة، لأن الذي يدعو الله عز وجل مؤمن بوجوه، ومؤمن بأنه يسمعه، ومؤمن بأنه قدير على إجابته، ومؤمن بأنه يحبه، فإذا آمنت أن الله موجود، وسميع عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه أرحم الراحمين، فهذا أعلى درجات الإيمان.
لذلك إن الله يحب الملحين بالدعاء، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها.
الدعاء هو العبادة، وإذا قال الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

( سورة المعارج )

﴿ دَائِمُونَ ﴾
بالدعاء، فالدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة أن تدعو به ليلة القدر:

(( اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين يا كَريّم ]
من أكثر الأدعية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها.

(( اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين يا كَريّم ]

هذه النصوص التي وردت في القرآن والسنة، وقد جاء بها اسم "الكريم".



الكريم في اللغة:

أيها الأخوة، على المستوى اللغوي، "الكريم" صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالكرم، من اتصف بالكرم يسمى كريماً، والكرم نقيض اللؤم، لعل فضائل كثيرة جمعت في الكرم، ولعل نقائص كثيرة جمعت في اللؤم، الكرم نقيض اللؤم، في اللغة يكون الكرم في الرجل، ويكون الكرم في الخيل، وفي الإبل، وفي الشجر، وغيرها.
الفعل كرُم الرجل كرماً وكرامة، كرُم، كرماً، وكرامة، فهو كريم، والمرأة كريمة، كريمة فلان ابنته وجمع الكريم كرماء.
والكريم في اللغة هو الشيء الحسن، أحجار كريمة، الشيء النفيس، الشيء الواسع، الإنسان السخي، والفرق بين الكريم وبين السخي أن الكريم كثير الإحسان من دون سؤال، وأن السخي كثير الإحسان عند السؤال، السخي إذا سُئل، أما الكريم أرقى من السخي، يعطي قبل أن يسأل.
والكرم السعة، والعظمة، والشرف، والعزة، والسخاء عند العطاء.



الناس رجلان:


(( الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن على الفطرة، نفسه طاهرة، يصدق ما يقال له، يحسن الظن بالآخرين، غرّ، كريم هذه صفة مدح، والفاجر خَبٌ، وهناك ضبط آخر خِبٌ لئيم.

(( الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]
لكن أروع ما قال سيدنا عمر عن نفسه قال:
" لست بالخِب ولا الخُِب يخدعني ".
يعني لست من السذاجة بحيث أُخدع، ولا من الخبث بحيث أًخدع، لا أُخدع ولا أًخدع، كلام دقيق.
شخص وجد لوزة في موسم الحج أثناء الطواف، فملأ من حوله صياحاً، من صاحب هذه اللوزة، فكان سيدنا عمر أمامه، غضب وقال: كلها يا صاحب الورع الكاذب كلها وخلصنا.
إنسان سأل سيدنا علي، قال له: بمَ انصاع الناس بأبي بكر وعمر، ولم ينصاعوا لك ؟ يريد أن يقلل من شأنه، قال له: لأن أصحابهم أمثالي، وأصحابي أمثالك.
" لست بالخِب ولا الخِبُ يخدعني ".
لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع، هذا الموقف الكامل هذا في اللغة.


من معاني الكريم:


1 – الله عز وجل واسع بذاته و صفاته و أفعاله:


أما إذا قلنا الله كريم موضوع آخر، الله سبحانه وتعالى هو "الكريم" الواسع بذاته، وصفاته، وأفعاله.
لأنكم كما تعلمون هناك أسماء ذات، وأسماء صفات، وأسماء أفعال، من سعته أنه:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )
والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، قال تعالى:

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة البقرة )



2 ـ الذي له المجد والعزة، والرفعة والعظمة، والعلو والكمال:


وصف عرشه بأنه كريم، فقال تعالى:
﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة المؤمنون )
وهو "الكريم" الذي له المجد والعزة، "الكريم" عزيز الذي له المجد والعزة، والرفعة والعظمة، والعلو والكمال، فلا سميّ له، معنى سميّ: مثلاً فلان سميّ فلان، أي اسم فلان كاسم فلان، أو السميّ هو الند، المثيل، الله عز وجل لا سميّ له، لا ند له، لا شريك له، لا مثيل له، كما قال رب السماوات والأرض:

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾

( سورة مريم )
هل تعلم له مثيلاً، مشابهاً ؟


مفهومات العبادة:



﴿ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
والعبادة كما تعلمون هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، بل إن العبادة علة وجودنا قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )



1 – عبادةُ الهوية:



هناك عبادة الهوية، من أنت ؟ أنت غني ؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، من أنت ؟ أنت قوي ؟ عبادتك الأولى إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، من أنت ؟ أنت عالم ؟ عبادتك الأولى تعليم العلم.
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 39 )
من أنتِ ؟ أنتِ امرأة ؟ العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد.

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
هذه عبادة الهوية.


2 ـ عبادة الظرف:



وهناك عبادة الظرف، عندك أب مريض ؟ العبادة الأولى رعايته، عندك ضيف ؟ العبادة الأولى إكرامه، عندك ابن عنده امتحان ؟ العبادة الأولى تهيئة جو مناسب لدراسته.



3 – عبادةُ الوقت:



عناد عبادة الوقت، وقت الفجر وقت عبادة، وقت صلاة، وقت قرآن، وقت طاعة، في النهار وقت عمل.
رأى النبي الكريم شاباً يتعبد الله في وقت العمل، سأله من يطعمك ؟ قال: أخي قال: أخوك أعبد منك، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
فلذلك:
(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))

[أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ ورد في الأثر]



3 ـ الذي كرم الإنسان عندما حمل الأمانة:


"الكريم" هو الذي كرّم الإنسان عندما حمل الأمانة، "الكريم" الذي كرمه وشرفه، واستخلفه في الأرض، واستأمنه في ملكه، وفضله على كثير من خلقه، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 70 )
لأنه قَبِل حمل الأمانة:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )



الإنسان هو المخلوق الأول رتبة:

بالمناسبة أيها الأخوة، الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لقوله تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )
والإنسان هو المخلوق المكرم
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
والإنسان هو المخلوق المكلف
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
مخلوق أول، ومخلوق مكلف، ومخلوق مكرم، ومن عرف نفسه عرف ربه.


4 ـ الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع و المغفرة الواسعة:


و "الكريم" هو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

( سورة النجم الآية: 32 )
الرزق الواسع:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

( سورة الجن )
لذلك قد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، وأنا أقول كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلى لحم الضأن.
إذاً "الكريم" هو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة والرزق الواسع، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة الأنفال )
في رزق حلال، تكسب المال وأنت مطمئن، وتنفقه وأنت مطمئن.


5 ـ الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه ولا ينقطع سخاؤه:


و "الكريم" هو الجواد المعطي، الذي لا ينفذ عطاؤه، ولا ينقطع سخاؤه، الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء، إذا أعطى أدهش، وكيف يشاء، بسؤال وبغير سؤال، هو الذي لا يمنّ إذا أعطى، فيكبر العطية بالمن.
لذلك الإنسان أحياناً يتمنى العطاء من الله مباشرة، الإنسان أحياناً إذا أعطاك من حين لآخر يذكرك، إن شاء الله هذا البيت مرتاح فيه ؟ إذا قدم لك هدية، على الاستعمال جيدة إن شاء الله ؟ دائماً الإنسان يمن، الله عز وجل كريم من دون أن يمن على المعطي.
هو سبحانه يعفو عن الذنوب، لأنه كريم، ويستر العيوب، ويجازي المؤمنين بفضله، ويجازي المعرضين بعدله.



6 ـ الكريم الذي يكرم:


و "الكريم" هو الذي يكرم، كريم أي يكرم، فعند البخاري من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أم العلاء رضي الله عنها قالت عند موت عثمان بن مظعون قالت:
(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله ـ هذا كلام قالته لزوجها بحضرة النبي، فلو سكت النبي لكان كلامها صحيحاً، لأن سنة النبي الكريم أقواله، وأفعاله، وإقراره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ ـ هذا سماه العلماء تألٍ على الله، ـ فقلت: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ـ كلام علمي ـ أمّا هو فقد جاءه اليقين والله إِني لأرجو له الخير ))



كل إنسان من الأدب مع الله عز وجل ألا يحكم حكماً جازماً :

قل أرجو، لا تقل لقد أكرمك الله، من أنت حتى تحكم حكماً جازماً على المستقبل.

(( والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يُفعَلُ بي ولا بكم ))

[البخاري عن زيد بن ثابت ]
هذا الأدب، نحن على الرجاء نرجو رحمة الله، لكن قطعاً فلان من أهل الجنة من أنت ؟ فقالت بعد كلام النبي:

(( فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً ))

[البخاري عن زيد بن ثابت ]
سيدنا الصديق لما استخلف سيدنا عمر لامه بعض أصحابه أنه شديد قال: أتخوفونني بالله ؟ لو أن الله سألني يوم القيامة لمَ وليته ؟ أقول يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب، في أدب، قل والله أعلم، قل أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، هذا كلام المؤمن.
من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا دخل المسجد يقول:

(( أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسُلطَانِهِ القديم، من الشيطان الرجيم قال: قد قلتَ ؟ قال: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائرَ اليوم ))

[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وسمع أحد الصحابة الكرام النبي الكريم يدعو لأحد أصحابه الذي توفاه الله قال:

(( اللهم اغفِر له وارْحَمْه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه ))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك ]
أحد علماء دمشق قبل حين أين توفي ؟ وهو في المسجد يستمع إلى خطبة الجمعة.

(( وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّه من الخَطَايا كما يُنَقَّي الثَّوبُ الأبْيَضُ من الدَّنَس ))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك ]



أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يعد قرضاً لله عز وجل:

الآن أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، بشر أو غير بشر، تجاه أي حيوان، تجاه النبات، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يعد قرضاً لله عز وجل، الله عز وجل يقول:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
لذلك ننتهي من القسم الأول من اسم "الكريم" بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-23-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(90)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الشهيد):




أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشهيد".




ورود اسم الشهيد في القرآن الكريم :


هذا الاسم ورد في كثير من النصوص القرآنية كما في قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

(سورة سبأ)
وفي قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

( سورة فصلت )
وقد ورد مقيداً في آيات كثيرة كما في قوله تعالى:

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾

(سورة النساء )



ورود اسم الشهيد في السنة النبوية الشريفة:


أيضا أيها الأخوة ورد هذا الاسم بالسنة الصحيحة، في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً يقول عليه الصلاة والسلام في حديث طويل:

(( ألا وإنه سَيُجاءُ برجال من أُمتي ـ دققوا الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ـ فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال: فيقال لي: إنَّهم لم يزالوا مرْتَدِّينَ على أعقابِهِمْ منذ فارقتَهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
يعني وضع العالم الإسلامي في آخر الزمان لا يرضي النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

[أحمد عن أبي سعيد الخدري]



ثمن النصر و الاستخلاف و التمكين عبادة الله عز وجل:


أيها الأخوة، قال الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

( سورة النور الآية: 55 )
هذه وعود خالق السماوات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، نحن في الحقيقة المرة لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين الآية:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
كقانون
﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
الشرط:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )



عظمة هذا الدين أنه دين اجتماعي شمولي أممي وفردي:


أيها الأخوة، هناك بعض الأحاديث الشريفة تملأ قلب المؤمن ثقة، وراحة ، وتفاؤلاً، وأمناً.

(( النبي عليه الصلاة والسلام أردف وراءه سيدنا معاذ بن جبل، قال له يا معاذ ـ على أسلوب الحوار ـ: ما حق الله على عبادة ؟ فقال: الله ورسوله أعلى ـ سأله ثانية وثالثة ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، ثم سأله، يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ ـ الله جل جلاله بكرمه، ورحمته أنشأ لك حقاً عليه ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة على أسلوب الحوار، تشويقاً له ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم ))

[ متفق عليه عن معاذ]
عظمة هذا الدين، دين اجتماعي، شمولي، أممي، ودين فردي، لو أن الناس تفلتوا من منهج الله عز وجل، وعود الله للمؤمن قائمة وحدها، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم.


الإنسان في مأمن من عذاب الله عز وجل إن طبق سنة النبي الكريم في حياته:


تأتي الآية الكريمة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )
ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في مناسباتهم الاجتماعية، في أخذهم للمال، في إنفاقهم للمال، في حلهم، في ترحالهم، في أفراحهم، في أتراحهم
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
أي أن سنتك قائمة فيهم.
فلذلك:

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]
فلذلك يقول أمتي، أمتي:

(( فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ))

[أحمد عن أبي سعيد الخدري]
فلذلك الآية الواضحة:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

( سورة الزمر )



العذاب الأليم لمن تمكّن من انتزاع فتوى من فم رسول الله و لم يكن محقاً:


شيء آخر: بعض المسلمين يتوهمون أنه إذا انتزع من فم إمام مسجد فتوى نجا من عذاب الله، يقول لك: أنا معي فتوى، وغاب عنه أن الإنسان لو استطاع بذكاء، وطلاقة لسان، وقوة حجة أن ينتزع من فم سيد الخلق، وحبيب الحق، من المعصوم، من الذي يوحى إليه فتوى لصالحه، ولم يكن محقاً، لا ينجو من عذاب الله، الدليل:

(( ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة أم المؤمنين ]
لا ينجيك أن تتوهم أن الفتوى معك، هناك الفتوى، وهناك التقوى.
مرة ثانية: إن تمكنت أن تنتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، وهو الذي يوحى إليه فتوى لصالحك، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
ومرة ثانية وثالثة أؤكد لكم أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.


الشهيد في اللغة:


في اللغة، "الشهيد" كما تعلمون صيغة مبالغة، من اسم الفاعل الشاهد، شاهد شهيد، على وزن فعيل، والفعل شهد، يشهد، شهوداً، وشهادة، والشهود هم الحضور مع الرؤية والمشاهدة، الحضور الذين رأوا بأعينهم الذي وقع.
أنت تركب مركبة، وصار في حادث، وأنت رأيت رأي العين أن السائق لم يخطئ، لكل الطفل هو الذي ألقى بنفسه أمامه، أما أن تشهد أمام أولي الأمر بما وقع هذا واجب يرقى إلى مستوى الفرض.
﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 )
عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، فلما الإنسان يتهرب من أن يدلي بشهادته بوضع صعب، في حادث سير، في مشكلة، فهو آثم عند الله عز وجل.
فالشهود هم الحضور، مع الرؤية والمشاهدة، وهذا الحديث فيه بشارة لنا، و فيه يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أُبيّ بن كعب:

(( صلَّى بنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً الصبحَ، فلما سلَّم قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: إنَّ هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتَيْتُموهما ولو حَبْوا على الرُّكَبِ ))

[ أبو داود عن أبيّ بن كعب ]
وفي حديث آخر:

(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوا ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يسمي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ورد في الأثر]
أي في حفظ الله، في رعاية الله، في تأييد الله.


من معاني الشهادة:


1 ـ الإخبار بما شاهده المرء:


الشهادة هي الإخبار بما شاهده المرء، شهد فلان على فلان بحق فهو شاهد وشهيد، والشاهد يلزمه أن يبين ما علمه على الحقيقة، واجب يرقى إلى مستوى الفرض.
و:
(( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))

[ البخاري عن أبي بكرة]
وهناك أناس كثيرون يكذبون كلما تنفسوا، كل كلامه كذب.
أيها الأخوة، دققوا في هذا القول الخطير كما قال النبي الكريم:

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
الخلال ؛ أي الطباع، الآن في علم الطباع، إنسان يحب الوحدة، إنسان اجتماعي، إنسان يحب السفر، إنسان انطوائي، إنسان ينفق أكثر من دخله، إنسان يدقق في إنفاقه، لكن بالمناسبة:

(( برئ من الشح: من أدى زكاة ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
فالإنسان أحياناً يقصر، أو يتكلم بكلام غير صحيح، هذا قول الزور، وأن تشهد ولم ترَ.
مرة إنسان في دعوى احتاج إلى شاهد، في عصور التخلف الديني، هناك من يشهد له بالأجرة، مع أنه لم يكن حاضراً، فاتفق مع إنسان أن يدلي له بشهادة مقابل مبلغ من المال يقدر بخمسة آلاف، فلما دخل أمام القاضي قال له: ضع يدك على المصحف، قال له: لحظة، عاد إلى الذي كلفه قال له: هناك يمين أريد عشرة آلاف، مشكلة كبيرة جداً.
أقول لكم أيها الأخوة: أي إنسان يدلي بشهادة زور بأي رقم انتهى عند الله.


من غيّر قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله:



بالمناسبة: أي إنسان يغير قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله.

(( وكان متكئا فجلس فقال وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))

[ البخاري عن أبي بكرة]
إذاً:

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك إنسان منفتح، إنسان منغلق، إنسان اجتماعي، إنسان فردي، إنسان يحب السفر، إنسان يحب الإقامة، إنسان عصبي المزاج، هذه كلها طباع على العين والرأس، إنسان يعتني بثيابه كثيراً، إنسان أقل عناية، إنسان ينفق كثيراً، إنسان أقل إنفاقاً، إنسان يعتني ببيته كثيراً، كلها طباع.

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، هذا يذكرني بآية كريمة:

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء ﴾

( سورة ص الآية: 24 )
الخلطاء الأزواج، الشركاء، الأقرباء، الأخوة، الورثة:

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾

( سورة ص الآية: 24 )
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، يعني الشريك الذي يريد أن يأخذ الشركة وحده، ولا يسمح لشريكه الذي دخل معه بوضوح تام هذا ليس مؤمناً، أي إنسان أراد أن يغتصب حقّ أخيه بنص هذه الآية ليس مؤمناً.


2 ـ الحُكم:


أيها الأخوة، الشهادة لها معنى آخر، المعنى الآخر: هو الحُكم، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبي السائب وهو مسجى على السرير، فسمع امرأة من وراء الستر تقول:
(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ـ فالنبي عليه الصلاة والسلام كلامه سنة، تشريع، فعله تشريع، وإقراره تشريع، لو بقي ساكتاً لكان كلام أم العلاء صحيحاً ـ رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

( سورة الحجر )
الموت.

(( والله إِني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعَلُ بي ؟ قالت: فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً يا رسول الله ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]
أي أخطأت، إذا سُئلت عن إنسان، أظنه صالحاً فيما أعلم، ولا أزكي على الله أحداً، وفي رواية قالت:

(( فأحْزَنني ذلك، فَنِمْتُ، فرأيتُ لعثمان عينا تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ذلك عمله ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]



تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:


الذي يحكم على الآخرين حكماً قطعياً على مستقبلهم في الجنة أو في النار وقع في معصية كبيرة، سماها العلماء التألي على الله، اعلم علم اليقين أن تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، وليكن قدوتك سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة المائدة )
هذا ليس من شأني، وطن نفسك ألا تقيّم أحداً، قل تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، هذا من حيث اللغة.


من معاني الشهيد:


1 ـ الله جلّ جلاله رقيب على خلقه أين ما كانوا:


أما أن الله جلّ جلاله هو "الشهيد" فهو الرقيب على خلقه أين ما كانوا، حاضر، شهيد، أقرب إليّهم من حبل الوريد، يسمع ويرى وهو بالمنظر الأعلى، وعلى العرش استوى فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، يعني استوى على العرش، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
وهو سبحانه فوق عرشه على الحقيقة، وبالكيفية التي تليق به، وشاهدته على خلقه شهادة إحاطة شاملة كاملة:
﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
لذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، شهادته على خلقه شهادة إحاطة كاملة، تشمل العلم، والرؤية، والتدبير، والقدرة، إن تحركت فهو يعلم، فهو يراك، وإن تكلمت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، إن تحركت فهو يراك، وإن نطقت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه.


2 ـ الله عز وجل شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط:


هناك معنى آخر للشهيد، "الشهيد" جلّ جلاله هو الذي شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط، كما قال الله عز وجل:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة آل عمران )
هذا المعنى دقيق جداً، الإنسان حينما يعتمد على جهة غير الله عز وجل.

(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أبواب السماء والأرض دونه فإن دعاني لم أجبه، وإن سألني لم أعطه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات رزقه، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له ))

[ كنز العمال عن علي]
لذلك الله يشهد لنفسه أنه الواحد الأحد، فإذا اعتمدت على سواه أمره أن يتخلى عنك تأديباً لك، يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 19 )




تأديب الله عز وجل من اعتمد على سواه:


الآن أي مؤمن يعتمد على ما سوى الله، الله عز وجل يؤدبه، حتى صحابة رسول الله، وهم صفوة البشر، وفيهم سيد البشر، حينما اعتمدوا في حنين على عددهم وقالوا:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
لم ينتصروا وقال الله عز وجل :

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

(سورة التوبة )



الله عز وجل يشهد لكل مخلوق أن هذا القرآن كلامه من خلال:


1 ـ إذاقته للحياة الطيبة إذا استقام على أمره:



أيها الأخوة، قضية أن الله يشهد أنه واحد أحد فرد صمد دقيقة، يعني مثلاً إذا آمن الإنسان كما ينبغي، وعمل صالحاً بصدق وإخلاص، أذاقه الله طعم الحياة الطيبة من طمأنينة، واستقرار، وتيسير، وتوفيق، وسعادة، عندئذٍ يشعر من خلال الحياة الطيبة التي يحياها والتي ذاقها مصداق لوعد الله أن الله جلّ جلاله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، وأن هذه الحياة الطيبة من فعله، قدرها له تحقيقاً لوعده.
وحينما أنظر إلى الشهادة، يطابق فعل الله مع ما في القرآن، يقوم الدليل القطعي على أن القرآن كلام الله، كيف يشهد الله جلّ جلاله للمؤمن أن هذا القرآن كلامه ؟ يؤمن كما ينبغي، يستقيم كما ينبغي، يفعل الأعمال الصالحة كما ينبغي، يذيقه الله الحياة الطيبة والحياة الطيبة من فعل الله.
إذاً إذاقته للحياة الطيبة شهادة من الله لهذا المؤمن أن التطابق بين ما في القرآن وما في حياته الطيبة دليل أن القرآن كلام الله.



2 ـ تحقق الوعد و الوعيد:



مثل آخر:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه الآية: 124 )
الآن
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾
عن ذكر الله، والقرآن هو ذكر الله، هجره، وجعله وراءه ظهريا، استحل محارمه، ولم يعبأ لا بأمره ولا بنهيه، ولا بوعده ولا بوعيده، أذاقه الله مذاق المعيشة الضنك، من خوف، وقلق، وضيق، وشدة، وتعسير، وإحباط، وشقاء، وضياع، عندئذٍ يشعر من خلال هذه المعيشة الضنك التي ذاقها مصداقاً لوعيد الله أن الله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، الله عز وجل يشهد لكل مخلوق، في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، من خلال تحقق الوعد والوعيد، حينما تستقيم على أمر الله تذوق الحياة الطيبة.
إذاً كلام الله حق، وحينما يعرض الإنسان عن كلام الله يذوق الضنك، إذاًً كلام الله حق، الله عز وجل يشهد في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، بل إن إعجاز القرآن العلمي شهادة من الله لخلقه، أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، وللموضوع تتمة إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-24-2018, 09:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(91)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(المقدم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "المقدم".



ورود اسم المقدم في السنة النبوية فقط:


هذا الاسم أيها الأخوة لم يرد في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة الصحيحة ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قام من الليل يتهجد:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

( سورة الإسراء )
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( سَلُوا الله ليَ الوَسِيلةَ، قالوا: يا رسولَ الله، وما الوسيلةُ ؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالُها إِلا رجل واحد، أرجو أن أكونَ [ أنا ] هو ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
قال:

(( اللَّهمَّ رَبَّنا لك الحمدُ، أنْتَ قَيِّمُ السماوات والأرضِ ومَن فِيهنَّ، ولك الحمدُ أنت نورُ السماوات والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنتَ مَلِك السماوات والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، وقَولك حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ، اللَّهمَّ لك أسلمتُ، وبِك آمَنتُ وعليك توكلتُ، وإليك أَنَبتُ، وبِكَ خَاصَمتُ، وإِليكَ حاكمتُ، فاغفر لي ما قَدَّمتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسررتُ، وما أَعلَنتُ، أنت المقَدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، لا إِلهَ إلا أنت، ولا إله غَيرُكَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عباس ]
هذه أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في التهجد، وعند مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان إذا سجد، قال:

(( اللَّهمَّ لَكَ سَجدْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلَمتُ، وأنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وبَصرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ ))

[مسلم عن علي بن أبي طالب]
وإذا سلم من الصلاة قال:

(( اللهمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ))

[أخرجه ابن خزيمة عن علي بن أبي طالب ]
هذا الاسم أيها الأخوة ورد في السنة الصحيحة.


المقدم في اللغة:

"المقدم" اسم فاعل، من فعل رباعي مضعف، قدم، يقدم، مقدم، الفعل قدم يقدم، تقديماً، وعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

(( مَنْ قام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/01.jpg
الآن القدم: كل ما قدمت أيها الإنسان من خير أو شر وتقدمت لفلان فيه، قدم أي تقدم في خير أو شر، القدم إنسان قدم شيئاً من خير أو من شر، الشاهد بالقرآن قال تعالى:

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة يونس الآية: 2 )
العمل الصالح الذي قدمته ابتغاء وجه الله هو قدم، معنى
﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾
عمل صالح قدمه المؤمن بين يدي ربه يوم القيامة، سؤال:
لو شخص سأل نفسه هذا السؤال المحرج، أنا آكل وأشرب، وأصلي وأصوم، لكن ماذا قدمت من عمل بين يدي ربي يوم القيامة ؟ هناك آلاف النشاطات لمصلحتك ، لتحسين معيشتك، للحفاظ على منصبك، آلاف النشاطات تصب في النهاية لصالحك، أما عمل صالح خالص لا تبتغي منه إلا وجه الله عز وجل، أي عمل فعلته لله عز وجل ؟.


الإنسان بالاستقامة يسلم وبالعمل الصالح يسعد وبتربية أولاده يستمر وجوده:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/02.jpg
لا تنسوا أيها الأخوة أن الإنسان إذا استقام على أمر الله حقق السلامة فقط، إذا طبق منهج الله افعل ولا تفعل حقق السلامة، لأن طبيعة الاستقامة طبيعة سلبية.
يقول لك أنا ما اغتبت، ما أكلت المال الحرام، ما فعلت فاحشة، ما أوقعت بين مؤمنين، ما ابتززت أموال الناس، رائع، لكن كل نشاطات الاستقامة نشاطات سلبية وليست إيجابية، لكن العمل الصالح الذي تقدمه خالصاً لوجه الله ويوافق السنة، هذا العمل الذي يرقى بك عند الله، قال تعالى:
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

( سورة فاطر الآية: 10 )

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )
فأنت بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك ، يقال لفلان قدم صدق، أي له عمل صالح.


العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين:

قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

( سورة الحجر )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/03.jpg
أي علمنا المستقدمين منكم في الطاعة، من بادر إلى هذه الطاعة ؟ من بادر إلى إنفاق ماله في سبيل الله ؟ من بادر إلى الإصلاح بين اثنين ؟ من بادر إلى رعاية الأيتام ؟ العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾
في الطاعة، أو من يأتي منكم إلى صلاة الجمعة في الوقت المبكر فكأنما قدم بدنة، بعد هذا الوقت كأنما قدم بقرة، بعد هذا الوقت كأنما قدم شاةً، بعد هذا الوقت كأنما قدم دجاجة، بعد هذا الوقت كأنه قدم بيضة، ثم تختم الصحف، وتجلس الملائكة كي تستمع الخطبة، أما عدد كبير من المسلمين يقول لك: أدركت صلاة الجمعة في الركعة الثانية، قبل أن يقوم الخطيب ليخطب ختمت الدرجات عند الله عز وجل.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾
هؤلاء الذين يبكرون إلى الطاعات، أو من يتقدم على صاحبه في الموت، فلان مات في وقت مبكر، هذا مستقدم، هناك إنسان آخر الله أمد في عمره، هذا في شأن اللغة.


التقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله:


لكن إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المقدم"، ما معنى الله هو "المقدم" ؟ قال هو الذي يقدم ويؤخر وفق مشيئته، وإرادته، وحكمته، يقدم فلاناً، ويؤخر فلاناً وفق مشيئته وإرادته وحكمته، فالتقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله، تدبير الله عز وجل أن يقدم زيداً، أو أن يؤخر عبيداً، هذا من تدبير الله عز وجل، بل من سياسته مع خلقه، هذا التقديم والتأخير على نوعين، تقديم كوني، وتقديم شرعي، معنى التقديم الكوني أن الله سبحانه وتعالى كما قال:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 188 )

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

( سورة الأعراف )
الذي يموت قبل الآخر يعد مقدماً للموت، والذي يؤخر بعد الآخر يعد متأخراً في الموت.
والله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ * ﴾

( سورة سبأ )
لذلك أنت حينما تؤمن إيماناً قطعياً أن حياتك بيد الله، ولها موعد لا يتقدم ولا يتأخر، ترتاح نفسك، وتصبح شجاعاً، وتصبح عزيزاً ولا تذلل أمام إنسان، ولا تتضعضع أمام إنسان، الأمر بيد الله، حياتك بيده، والموت بيده.


من معاني المقدم:

1 ـ الله عز وجل يقدم في أجل إنسان ويؤخر في أجل إنسان آخر:


أيها الأخوة، إذاً المعنى الأول يقدم زيداً فيموت، ويؤخر عبيداً فيمد الله في أجله هذا المعنى، الله مقدم ومؤخر.



2 ـ يقدم الله بعض خلقه على بعض في الخصائص أو المقامات أو القدرات:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/04.jpg
هناك معنى آخر: يقدم بعض خلقه على بعض، بناء على حكمة في الابتلاء، يقدم نبياً على نبي، يقدم صحابياً على صحابي، يقدم مؤمناً على مؤمن.
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾
قدمها:

﴿ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 42 )
الكلمة الثانية تعني أنه اصطفاها من بين:

﴿ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
لأنها أنجبت مولوداً من دون زواج، هذا شيء مستحيل في النظام الإلهي، لكن هذا الشيء يعد كرامة لها لأنها ليست نبية، هذه كرامة، فخرق النواميس للأنبياء معجزة، وخرق النواميس لأولياء الله كرامة، وقوله جلّ جلاله عن طالوت قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )
هذا اصطفاء، يصطفي نبياً على نبي، ولياً على ولي، قوياً على ضعيف، غنياً على فقير، الله عز وجل يقدم ويؤخر.
المعنى الأول يقدم في أجل الإنسان ويؤخر، المعنى الثاني في الخصائص، في القدرات، في المقامات.


أنواع التقديم:

1 ـ التقديم الكوني:


التقديم الكوني، إنسان مقدم بالوسامة، إنسان مقدم بالذكاء، إنسان مقدم بالنسب، إنسان مقدم بالحكمة، إنسان مقدم بالسكينة، إنسان مقدم بالرضا، إنسان مقدم بالأمن، إنسان مقدم بالهيبة، الله عز وجل يخلع على المؤمن هيبة، تهابه كل الناس، وقد ينزع هذه الهيبة فيتطاول عليه أقرب الناس إليه، هذا التقديم الكوني، التقديم التكويني، التقديم بفعل الله.



2 ـ التقديم الشرعي و هو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/05.jpg
أما التقديم الشرعي هذا متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل.
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))

[أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
الله قدم في محبته معالي الأمور، يعني أنت أيها المؤمن هل تحمل هماً كبيراً ؟ هل تحمل همّ المسلمين ؟ هل أنت في الأفق الأعلى ؟ هل تعيش الدعوة إلى الله ؟ هل تعيش مصالحك الذاتية أم تعيش خصومات سخيفة بين الناس ؟ أم تعيش القيل والقال، وابتزاز الأموال، وإضاعة الوقت ؟



الله جلّ جلاله هو المقدم لأنه:

1 ـ يقدم الأشياء و يضعها في مواضعها على مقتضى حكمته وعلى مقتضى الاستحقاق:


المقدم هنا والمؤخر، الله أحب أعمالاً فقدمها في الثواب، وأبغض أعمالاً فأخرها في الثواب، مقدم ومؤخر، مثلاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ الله وملائِكَتَه يُصَلُّون على الصفِّ المقدَّم، والمؤذِّنُ يُغْفَرُ له بمدِّ صوته ويصدِّقُه مَنْ سمعه مِن رَطْب ويابس، وله مثل أجرُ مَنْ صلَّى معه ))

[أخرجه النسائي عن البراء بن عازب ]
وفي صحيح مسلم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/06.jpg

(( لو يعْلَمُونَ - أو تعلمون - ما في الصَّفِّ الأوَّلِ لكانت قُرْعة ))

[مسلم عن أبي هريرة ]
و:

(( أتِمُّوا الصفَّ المُقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقْص فليَكُن في الصف المؤخَّر ))

[أبو داود عن أنس]
أيها الأخوة، الله قدّم تجهيز الميت على أي شيء آخر، قال:

(( أسْرِعوا بجنائزكم، فإن تكُ صالحة، فخير تقدِّمونها وإن تَكُ سوى ذلك فَشَر تضعونه عن رقابكم ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
أمرنا بالإسراع، فالمقدم هو الله جل جلاله الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها على مقتدى حكمته، وعلى مقتضى الاستحقاق، يعني بشكل أو بآخر من استحق التقدم قدمه الله، ومن استحق التأخر أخره الله.


2 ـ قدم أحبابه ورفع ذكرهم وأعلى قدرهم وعصمهم:


الله تعالى هو "المقدم" هو الذي يرفع ذكرك، هو الذي يعلي قدرك، هو الذي يوفقك، قدمك بالتوفيق، قدمك بالنصر، قدمك بالتأييد، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، يعني قدمنا بالعطاء، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، كن لنا ولا تكن علينا، يعني قدمنا يا رب، المؤمن طموح.
الله عز وجل هو "المقدم" هو الذي قدم أحبابه، ورفع ذكرهم، وأعلى قدرهم وعصمهم.



3 ـ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء:


وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء، النبي صلى الله عليه وسلم ما خُوطب باسمه إطلاقاً، الله عز وجل قال:
﴿ يَا يَحْيَى ﴾

( سورة مريم الآية: 12 )

﴿ يَا عِيسَى ﴾

( سورة آل عمران الآية: 55 )

﴿ يَا مُوسَى ﴾

( سورة النمل الآية: 9 )
لا يوجد آية واحدة في القرآن يا محمد، هناك:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾

( سورة الفتح الآية: 29 )
بالخطاب ما خاطبه باسمه أبداً، قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾

( سورة التحريم الآية: 9 )

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 41 )
رفع قدره، جعله سيد الأنبياء والمرسلين، جعله سيد ولد آدم، جعل له المقام المحمود، مقام الوسيلة.


4 ـ قدم الأنبياء على الأولياء:


قدم الأنبياء على أوليائه، هناك شطحات مرفوضة، بعض الأولياء يقول: خطوا البحر الذي وقف بساحله الأنبياء، هذا مرفوض أشد الرفض، في مقامات عند الله عز وجل قدم الأنبياء، قدم النبي على كل الأنبياء، قدم أولي العزم على بقية الأنبياء.



5 ـ قدم الصحابة الكرام على التابعين والتابعين على تابعي التابعين:


الآن قدم الصحابة الكرام على التابعين، وقدم التابعين على تابعي التابعين وقال:
(( خير القرون قرني ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم ))

[ورد في الأثر]

المراتب في الدنيا مؤقتة:

الآن هناك شيء دقيق، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 21 )
تاجر كبير، رئيس غرفة تجارة، دخله بالملايين، صفقاته كبيرة جداً، هذا قُدّم على بائع متجول في بعض الأسواق في الدنيا أقول الآن.
رئيس أركان في غرفة مدفأة شتاء، مكيفة صيفاً، مركبات، هذا مقدم على جندي التحق بالخدمة الإلزامية، عُين في مكان في الجبهة في أيام البرد.
جراح قلب في كل عملية مقدم على ممرض ينظف المرضى.
أستاذ جامعي كبير يحتل كرسياً أساسياً في كلية كبيرة جداً مقدم على معلم في قرية، دقق الآية
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾


هذه المراتب في الدنيا أولاً مؤقتة:


(( من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره ))

[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
قد تجد مؤمناً خاملاً لا أحد يعرفه، معتم عليه، قُلامة ظفره تساوي مليون رجل فاسق.


بطولة الإنسان ألا يوازن بين شخصين إلا إذا ضمّ مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا:

لذلك:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

( سورة الواقعة )
أقول لكم الغنى والفقر بعد العرض على الله، الوسامة والدمامة بعد العرض على الله، قد تكون فتاة مستوى جمالها دون الوسط، أو دون بكثير، ما أتيح لها أن تتزوج لكنها صالحة، مؤمنة، تقية، نقية، تحب الله ورسوله، هذه قد تكون في الآخرة مع الملكات ، فالوسامة والدمامة بعد العرض على الله، والذكاء والمحدودية بعد العرض على الله، قد تجد إنساناً يحمل أعلى شهادة في الأرض لكنه فاسق فاجر، يأتي إنسان أميّ لكنه أطاع الله عز وجل، مقامه هذا يوم القيامة في أعلى عليين.
البطولة ألا توازن بين شخصين، ولا بين شيئين، ولا بين كيانين، ولا بين تجارتين، إلا إذا ضممت مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا.


توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/07.jpg
أيها الأخوة
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ، المال حظ، القوة حظ، الصحة حظ، شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ على عباده في الدنيا توزيع ابتلاء، ثم توزع هذه الحظوظ في الآخرة توزيعاً آخر، توزيع جزاء، مراتب الآخرة أبدية، مستمرة، تعني كل شيء، أما في الدنيا قد يعطي الله الملك لمن لا يحب، الدليل أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، وقد يعطيه لمن يحب أعطاه لسليمان عليه السلام، وقد يعطي المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، وقد يعطيه لمن يحبه، أعطاه لسيدنا عبد الرحمن بن عوف.
إذاً حظوظ الدنيا لا تعني شيئاً، وليست مستمرة، مؤقتة، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، الموت ينهي كل شيء فالبطولة تلك المرتبة التي تحتلها بعد الموت:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )
هذه البطولة، هذا الذكاء، هذا النجاح، هذا الفلاح، هذا التفوق.


الله عز وجل يقدم استحقاقاً ويؤخر استحقاقاً:

أيها الأخوة، الله عز وجل يقدم استحقاقاً، ويؤخر استحقاقاً، الذي قدمك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، والذي أخرك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، وقد يقدم تفضلاً، تشجيعاً لك، وقد يؤخر حكمة، ربما أعطاك يعني قدمك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، لو جاءتك الدنيا كما تتمنى ربما كانت حجاباً بينك وبين الله، وإذا حرمك منها لحكمة بالغةٍ بالغة ربما كان هذا الحرمان باعثاً لك إلى الله، إذاً ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
لكن بشكل أو بآخر مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب ود الله ثم لا يقدمك الله، أن تخلص له، أن تطيعه، أن تحبه، أن تستقيم مع خلقه، أن تحب خلقه، أن تكرم خلقه ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب وده لخدمة خلقه، والإخلاص لهم دون أن تكافأ مكافأة عالية جداً.



المقياس الانتمائي أفسد المجتمعات المسلمة:


أيها الأخوة، الآن تطبيقات هذا الاسم إنسان خطب ودك ينبغي أن تهتم به، أنت بموقع قيادي، بمؤسسة، بجامعة، بمستشفى، بمعمل، بمدرسة، إن لم تقدم المجتهد وتؤخر المقصر، أفسدت المجتمع في هذه المؤسسة، إن لم تقدم المتفوق زهدته في التفوق.
طالب يكتب وظيفته كل يوم ما في شيء، لا مكافأة ولا ثناء، طالب لا يكتبها لا يوجد عقاب، بعد حين لا أحد يكتب الوظائف، أنت إذا كنت في منصب قيادي ينبغي أن تقدم المتفوق، وأن تؤخره بمقياس موضوعي، لا بمقياس انتمائي، الذي أفسد المجتمعات المسلمة المقياس الانتمائي، بمقياس موضوعي يجب أن تقدم المتفوق وأن تؤخر المقصر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-24-2018, 09:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(92)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(المؤخر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المؤخر".



ورود اسم المؤخر في السنة النبوية:


هذا الاسم كالاسم السابق المقدم لم يرد في القرآن الكريم، ولكن النبي عليه أتم الصلاة والتسليم سمّى ربه به، فقد ورد في السنة الصحيحة في قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء التهجد:

(( أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]



ورود اسم المؤخر كوصف فعل في القرآن الكريم:

لكن ورد هذا الاسم كوصف فعل في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

( سورة المنافقون )
طبعاً الاشتقاق من الفعل مرجعيته إلى النص الأصلي في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
وليس إلى اجتهادي الشخصي، فدور العلماء حيال الأسماء الحسنى الجمع والإحصاء ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق والإنشاء، ولهذا فإن اسم "المؤخر" ثابت في السنة الصحيحة.


المؤخر في اللغة:

أما في اللغة فالمؤخر عكس المقدم، قدّم وأخر، لذلك باللغة ظاهرة اسمها التطابق، وهناك التعاكس، الليل والنهار، الحق والباطل، الخير والشر، هذا من باب ذكر الشيء ونقيضه، فالله عز وجل يقدم ويؤخر.
أيها الأخوة، الفعل أخر، يؤخر، تأخيراً، وقد ورد عند البخاري من حديث عمر بن الخطاب:
(( لمَّا مَاتَ عبدُ اللهِ بن أُبيِّ بن سَلول ـ هذا رأس المنافقين ـ ودُعيَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيُصليَ عليه، فلما قامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إِليه فقلتُ: يا رسولَ الله أَتُصلِّي على ابن أُبَيٍّ وقد قال كذا وكذا يوم كذا وكذا ؟ ! أُعَدِّدُ عليه قولَهُ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرج الأعز منا الأذل، فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقال: أَخِّرْ عَني يا عُمَرُ ـ أي ابتعد عني ـ فلما أَكْثَرْتُ عليه قال: أما إني خُيِّرْتُ فاخترتُ ـ هذا قراري ـ لو أَعلمُ أَني إن زدتُ على السبعين يُغْفرْ له، لَزِدْتُ عليها:
﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 80 )
لو أَعلمُ أَني إن زدتُ على السبعين يُغْفرْ له، لَزِدْتُ عليها، قال: فصلىَّ عليه رسوله الله صلى الله عليه وسلم، ثم انْصرَفَ، فلم يَمكُثْ إِلا يسيرا حتى نزلت الآيتان:

﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

( سورة التوبة )

(( قال: فعجبتُ بعدُ من جُرْأَتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ والله ورسولُهُ أعلم، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره، حتى قَبضَهُ اللهُ ))

[أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
وهذه من موافقات سيدنا عمر، كان يدلي برأي فيأتي الوحي ويؤيده به، هذا ما رواه البخاري والترمذي والنسائي.
أيها الأخوة الكرام:

(( ما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيءِ قُدَّمَ ولا أُخَّرَ، إلا قال: افْعَلْ، ولا حَرَج ))

[ البخاري عن ابن عمر]
هذه في الحج.
و:

(( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب ))

[ البخاري عن أس بن مالك]
هذا في النصوص الصحيحة التي ورد فيها اسم "المؤخر" صراحة أو وصف فعله.


من معاني المؤخر:

1 ـ الله عز وجل يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/01.jpg
أما إذا قلنا الله "المؤخر"، هو المقدم وقد تحدثنا عن ذلك مطولاً في الدرسين السابقين، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المؤخر" أي هو الذي يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها، إما تأخيراً كونياً فعن أم حبيبة أنها قالت:
(( اللَّهمَّ أَمتعني بِزَوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأَبي أبي سفيان وبأَخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سَأَلْتِ الله لآجالٍ مَضْروبة، وأَيَّامٍ مَعدودةٍ، وأرزاقٍ مقسومة ـ يعني سؤالك لا يقدم ولا يؤخر ـ لن يعَجِّلَ شيئاً منها قبل حِلِّه ولا يُؤَخِّرَ، ولو كنْتِ سألتِ الله أَنْ يُعِيذَك من عذابٍ في النَّار وعذابٍ في القبرِ: كان خيراً وأفضلَ ))

[ مسلم عن ابن مسعود]
إذاً الأولى أن تسأل الله شيئاً سمح لك أن تسأله، هناك من يقول: يا رب لا تسألنا عن شيء، هذا كلام ليس له معنى، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )
فأي سؤال متعلق بالقضاء والقدر لا يقدم ولا يؤخر، لا معنى له، بحسب توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.


التأخير نوعان:


1 ـ تأخير كوني متعلق بالآجال:



إذاً هناك تقديم وتأخير كوني أو شرعي، الكوني فلان ولد قبل فلان مقدم، مؤخر: فلان جاء بعد فلان، التقديم والتأخير الكوني متعلق بالآجال.



2 ـ تأخير شرعي:



أما الشرعي كما ورد من حديث أبي عطية أنه قال:
(( قال: دخلتُ أنا ومسروق بن الأجدع على عائشةَ أمِّ المؤمنين فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، رَجُلانِ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أحدهما يعجِّلُ الإِفطار، ويعجِّل الصلاة، والآخرَ يؤخِّرُ الإِفطارَ ويؤخِّر الصلاةَ ))

[ مسلم عن أبي عطية ]
الآن في العبادات الأولى أن نعجل هذه الصلاة أم أن نؤخرها ؟ النبي أخر صلاة العشاء، فقضايا العبادات، والصلوات، والصيام، والإفطار، والسحور، هذه أشياء تسمى تأخير تشريعي، هناك تأخير كوني متعلق بالولادة والوفاة، وهناك تأخير تشريعي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/02.jpg

(( قالت: أيُّهما الذي يُعجِّل الإِفطار ويعجِّل الصلاةَ ؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ))

[ مسلم عن أبي عطية ]
إذاً هناك تأخير كوني متعلق بالآجال، وهناك تأخير شرعي، والتأخير الكوني متعلق بالأعمال، الله عز وجل قدم فلاناً وأخر فلاناً، قدم فلاناً في المال، وأخر فلاناً في المال، الأول غني والثاني فقير، قدم فلاناً في العلم، وأخر فلاناً، الأول عالم والثاني أقل علماً، قدم فلاناً في المكانة، رفع ذكره، وأخر فلاناً في المكانة، الأول لامع والثاني خامل، فالله فضلاً عن الآجال المكانة، والغنى، والوسامة، والطلاقة، يقدم أناساً ويؤخر أناساً.
أحياناً امرأة قدمها في الجمال، وأخر هذه في الجمال، أما المؤخرة في الجمال قدمها في العلم وأخر الأولى في العلم، يقدم ويؤخر، هذا التقديم والتأخير الكوني، أما الشرعي شرع لنا أن نقدم الإفطار مباشرة، أن نؤخر السحور، قدم الإفطار وأخر السحور.


2 ـ الله عز وجل يؤخر العذاب بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/03.jpg
"المؤخر" الآن معنى جديد، هو الذي يؤخر العذاب، بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه، قبل أن يستحقوا العذاب، الله حليم يرتكب الإنسان معصية يعطيه فرصة.
يروى أن سيدنا عمر أراد أن يعاقب سارقاً، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها المرة الأولى، قال له: كذبت إن الله لا يفضح من المرة الأولى، الله حليم.
بصراحة الإنسان إذا ارتكب ذنباً وأصرّ عليه، وما تاب منه، وتباهى به، وافتخر به يأتي العقاب، أما ارتكب ذنباً الله يعطيه مهلة، فإذا ندم فالندم توبة، إذا أقلع فالإقلاع توبة، فالله عز وجل لا يسمح بإنزال العقاب على عبد إلا بعد أن يصر على ذنبه.
﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 135 )



تأخير الله عز وجل البلاء لحكمة بالغة:

إذاً الله عز وجل يؤخر البلاء لحكمة بالغة، ولرحمة بالغةٍ لعباده العصاة.
(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]
عباده إن تابوا فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عند الله بعشرة أمثالها ويزيد، والسيئة بمثلها ويعفو، والله عز وجل أرأف بعبده من الأم بولدها.
الآية التي تؤكد تأخير العقاب هي قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

( سورة النحل )



الله عز وجل خلق الإنسان ليرحمه و يسعده:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/04.jpg
أحياناً يقول أحدهم: إن الله عز وجل خلقنا للعذاب، هذا كلام يتناقض مع القرآن الله قال:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )
الله عز وجل قال:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليرحمهم، لكن إذا اقتضت حكمته أن يؤدب عبداً سها ولها، ونسي المبتدا والمنتهى، من الحكمة أن يعالجه الله عز وجل قبل أن يموت.
فلذلك ما يرى الإنسان من مصائب تنزل بالناس هي محض رحمة من الله عز وجل لقوله تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )



المصائب خمسة أنواع:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/05.jpg
العلماء قالوا: المصائب خمسة أنواع، نوعان يصيبان أهل الإثم والفجور ونوعان يصيبان المؤمنين، ونوع يصيب الأنبياء والمرسلين، أما مصائب الفجار والمشركين مصائب الردع والقصم، ردع وقصم، إذا فيه بقية خير (واحد بالألف خير) الله عز وجل يرسل له مصيبة يردعه بها عن فجوره، وعن عدوانه، وعن طغيانه، فالأولى مصيبة ردع، أما إذا علم الله أنه لن يرتدع، ولن يؤمن، يرسل له مصيبة يقصمه بها، هاتان المصيبتان مصيبة القصم والردع تصيب أهل الكفر والفجور والعدوان والطغيان، الله عز وجل منتقم، يعني ينتقم من الفاجر، ينتقم من المجرم، ينتقم من العابث، يوقفه عند حدّه، هذه مصائب أهل الفسق والفجور، والطغيان والعدوان، مصائب قصم أو مصائب ردع.
أما المؤمنون:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة )
يعني من نعم الله الكبرى أنه يتولانا بالتربية، يتولانا بالعناية المشددة.


مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى باب الله أو مصيبة رفع لمقامه:


أنا أقول أيها الأخوة: دائماً المؤمن في العناية المشددة، بل إن رأيت أن الله يتابعك ويحاسبك حساباً دقيقاً على كل ذلة، وعلى كل كلمة، فاشكر الله عز وجل، لأنك في عنايته المشددة، لأنه مطموع بك، لأن المشكلة التي بينك وبينه تحل.
تماماً كما لو أن طبيباً رأى قريبه المريض يعاني في التهاب في المعدة، هذا المرض قابل للشفاء يعطيه حمية قاسية جداً، ويشدد عليه، لأن مرضه قابل للشفاء، أما لا سمح الله ولا قدر لو أن لهذا الطبيب مريض مصاب بورم خبيث منتشر في أمعائه يقول له: كُلْ ما شئت، لأنه لا أمل في شفائه، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )
هذه المصيبة تصيب المؤمنين، مصيبة النقص
﴿ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/06.jpg
مصيبة الدفع إلى باب الله، مصيبة الحث على مزيد من الطاعة.
لكن هناك مصيبة أخرى، مستقيم، وابتلاه الله بمصيبة ليرفع أجره عنده، مصيبة رفع، بإمكان هذا المؤمن أن يكون بوضع أحسن، والآن جيد، ومستقيم، لكن بإمكانه أن يكون بوضع أعلى من ذلك، يعني له عند الله مكانة، لم ينالها بعمله الصالح، ينالها بصبره على هذا البلاء، فإما أن تكون مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى بابه، أو أن تكون المصيبة مصيبة رفع لمقامه، على كلٍ:

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
الآن الله عز وجل إذاً يؤخر العقاب من أجل أن يتوب العباد أو من أجل استحقاق العقاب، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )
إذاً الله عز وجل يؤخر العقاب عن المؤمنين المقصرين، وعن الظلام.


تعاريف أخرى للمقدم و المؤخر:

بعضهم قال: "المؤخر" هو الذي ينزل الأشياء منازلها، يقدم ما يشاء بحكمته ويؤخر ما يشاء بحكمته.
"المؤخر" دلّ على صفة من صفات الذات، ودلّ على صفة أيضاً من صفات الأفعال، في ذاته مؤخر، وفي أفعاله مؤخر.
وقال بعضهم: "المؤخر" في حق الله تعالى هو الذي يؤخر المشركين، ويقدم المؤمنين، يؤخر العصاة، ويرفع الطائعين.
وقال بعضهم: المقدم و "المؤخر" هو الذي يقدم من شاء، ويؤخر من شاء على بابه، يُطرق بابه يفتح لواحد، ولا يفتح للآخر بحسب حكمته.



بعض الأمثلة عن التقديم و التأخير:

أيها الأخوة، بعض الأمثلة، أبو سفيان زعيم قريش، يحتل أعلى مكانة في قريش، لم يؤمن برسول الله، بل حارب رسول الله، كان مقدماً في قومه بالجاه و المكانة، زعيم قريش، فلما أعرض عن ذكر ربه أخره الله.
تروي بعض الحكايات أنه وقف مرة على باب عمر مدة طويلة، ولم يؤذن له يرى صهيباً وبلالاً يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فآلمه ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أبو سفيان يقف بابك ولا يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان، ماذا قال له ؟ قال له: أنت مثلهما ؟ بلال عبد، وصهيب رومي، لكن لأنهما عرفا ربهما قدمهم الله عز وجل، الله يقدم ويؤخر.
امرأة في قصر العزيز، تعرف يوسف عبداً مملوكاً، وقد دخل السجن، فلما رأته عزيز مصر، قالت: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته.



كل مؤمن خطب ودّ الله واستقام على أمره رفع الله ذكره و قدمه على غيره:

الله يقدم إنساناً يرفعه، فأنا أقول دائماً: المؤمن له من آية:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )
نصيب، كل مؤمن خطب ود الله، واستقام على أمره، وأناب إليه، وأقبل عليه، يرفع الله ذكره، قبل الإيمان ما كان متقدماً، بعد الإيمان الله قدمه، والإنسان الذي كان على شيء من التدين ثم خرق استقامته، والتفت إلى الدنيا، ولم يعبأ بعباداته، كان مقدماً فأخره الله عز وجل.
اثنان قادمان إلى بلدهما من أوربا، نزلا في فندق في بلد أوربي شرقي (روى لي القصة أحدهما) قال لي: طُرق الباب ليلاً، والأمر معروف أحياناً إذا نزيل بفندق هناك نساء منحرفات هن يتحرشن به، قال لي: أنا ما فتحت الباب، صديقي فتح الباب، أي أحدهما ارتكب الفاحشة، والآخر لم يرتكب شيئاً، الذي ما ارتكب خوفاً من الله، سبحان الله بعد عدة سنوات الأول في عمله صاعد، والثاني في عمله هابط، إلى أن ضاق به الأمر سلم المحل وأصبح بلا عمل، واحد صاعد كان مؤخراً فقدمه الله عز وجل، والثاني كان مقدماً فأخره الله عز وجل.
بلال كان عبداً، كان أمية بن خلف يضربه ضرباً مبرحاً، جاء سيدنا الصديق واشتراه منه، قال له صفوان لسيدنا الصديق: والله لو دفعت به درهما لابعتكه، قال له: والله لو طلبت مئة ألف لأعطيتك إياها، ودفع ثمنه، ووضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي، فكان الصحابة الكرام إذا ذكروا الصديق قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً، معقول عبد حبشي يأتي إلى المدينة فيخرج عمر عملاق الإسلام خليفة المسلمين لاستقباله ؟! هذه مقاييس الإسلام، كان عبداً حبشياً، وكان صهيب رومياً، فلما أسلما وتعرفا إلى الله رفع الله ذكرهما.
فالله يقدم ويؤخر، وأحياناً يؤخر العقوبة لحكمة بالغة، حكمة بالغةٍ بالغة فالإنسان إذا أُخر فلحكمة بالغة، وإذا قُدم فبفضل من الله عز وجل، والدعاء:
" اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ".





والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-24-2018, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



(93)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(المقتدر):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المقتدر".



ورود اسم المقتدر في القرآن الكريم :


اسم الله "المقتدر" سمّى الله نفسه به، في قوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
وقال أيضاً:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
ورد:

(( ابتغوا الرفعة عند الله ))

[كنز العمال عن ابن عمر]
الإنسان أحياناً يصل إلى الرفعة عند الناس، لكن هذه الرفعة زائلة، يموت ينتهي كل شيء، الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي صحة الصحيح ، ينهي مرض المريض، ينهي كل شيء، ولكن الذي عرف الله، واستقام على أمره، وتقرب إليه له يوم القيامة
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾



ورود اسم المقتدر في الآيتين التاليتين مطلقاً منوناً مقترناً بالعلو والفوقية:


الاسم أيها الأخوة، ورد في الآيتين مطلقاً منوناً، وقد ورد مقترناً بالعلو والفوقية، العلو والفوقية تزيد الاسم إطلاقاً على إطلاقه، فقال تعالى:

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
( سورة الكهف )
أنت إذا عرفت الله أنت مع من ؟ أنت مع القوي، أنت مع القادر، أنت مع القدير، أنت مع "المقتدر"، قادر، قدير، مقتدر، كل شيء بيده.

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
أقوى الأقوياء في الدنيا في قبضته، كن فيكون، زل فيزول
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
كمال على كمال، هذه الآية بمفردها كافية في إثبات اسم "المقتدر"، ولم يرد هذا الاسم في حديث ثابت.


المقتدر في اللغة:

أما في اللغة، "المقتدر" لغة اسم فاعل من اقتدر، يقتدر، اقتداراً، فهو مقتدر، الأصل قدّر، أصل اقتدر قدّر، يقدر، أصل الأصل قَدَر، قَدرَ ثلاثي، وأفعال اللغة العربية في الأصل بنيت على الثلاثي، الثلاثي فعل مجرد، الرباعي مزيد بحرف، الخماسي مزيد بحرفين، السداسي مزيد بثلاثة أحرف، قَدرَ، قَدّر، اقتدر خماسي.
هو أكثر مبالغة من القادر والقدير، "المقتدر" الوسط في كل شيء بالأساس "المقتدر" وسط في كل شيء، رجل مقتدر الخلق أي وسطه معتدل، كامل الأوصاف كما يقولون، ليس بالطويل ولا بالقصير.
و "المقتدر" على الشيء هو المتمكن منه تمكن إحاطة وقوة تامتين، والمهيمن عليه بإحكام كامل وقدرة فائقة، أحياناً يكون بمكان رجل قوي متمكن، معلوماته دقيقة جداً ، معه سلطة مطلقة، نقول هذا الرجل في هذا المكان هو الرجل الأول، أو القوي، أو القادر ، أو القدير، أو "المقتدر"، لا يعصى له أمر.
قال البيهقي: "المقتدر" هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء، أحياناً يكون الحاكم قوياً مقتدراً في بلده طبعاً، أما في بلاد أخرى ليس له عليها أي سلطة، قدرته ليست هامة، الآية الكريمة:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾
أي ما عرفوه حقّ معرفته، ما وصفوه حقّ صفته.


المقتدر يقتدر على الأقوياء لا على الضعفاء فقط:

الآن قَدره أي عرفه، قَدره من التقدير، وقَدره من التعظيم، ومنها ليلة القدر:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾
( سورة القدر )
في هذه الليلة قدر الإنسان فيها ربه، لذلك إذا قدرت ربك وعرفته خير لك من ألف شهر، ألف شهر يقدر بثمانين عاماً عبادة جوفاء، أما هذه الليلة التي عرفت فيها الله عز وجل تعدل عند الله أن تعبده ألف شهر.
"المقتدر" أيضاً من الاقتدار، وهو الاستيلاء على كل ما أعطاه الله حظاً من قدرة.
"المقتدر" يقتدر على الأقوياء لا على الضعفاء فقط، يقتدر على أقوى الأقوياء.
أيها الأخوة، و "المقتدر" القادر لما في البناء، لما في معنى التكلف والاكتساب ، الآن كتب غير اكتتب، كتب لمرة وحدة، أما اكتتب جعل الكتابة له حرفة، يعني اكتتب مكتتب، محترف، متفوق، يعلم أسرار الكتاب، عبارته متينة، ناصعة، فيها بلاغة.


المقتدر بدايته من التقدير ونهايته من القدرة:


الآن إذا قلنا الله "المقتدر" ما معنى ذلك ؟ قال: الله "المقتدر" هو الذي يقدر الأشياء بعلمه، وينفذها بقدرته، علمه مطلق، وقدرته مطلقة.
فالمقتدر يجمع دلالة اسم الله القادر والقدير معاً، اسم الله القادر هو الذي يقدر المقادير بعلمه، وعلمه المرتبة الأولى لقضائه وقدره، والله قدر كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه، ونظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده، فالقادر يدل على التقدير.
عفواً، هذا المسجد، المهندس يقول لك: يحتاج إلى كذا طن و780 كيلو، و450 غرام إسمنت، لا يوجد مهندس بالأرض يستطيع أن يعطي التقدير الدقيق، يقول لك: بحدود خمسين طن مثلاً، بحدود، أحياناً يزيد، أحياناً ينقص.
التقدير الأول العلم المسبق، الدقيق، فالمقتدر من التقدير من العلم الدقيق، و "المقتدر" من القدرة من القوة التامة، علم وقدرة، تخطيط وتنفيذ.
القدير هو الذي يخلق بقدرته المطلقة وفق علم سابق، أحياناً يكون في تخطيط دقيق جداً، يأتي التنفيذ مطابقاً للتخطيط مئة بالمئة.
إذاً "المقتدر" فيه معنى العلم المسبق، القطعي، المطلق، الكامل، ومعنى القدرة القوية، المطلقة التي تنفذ هذا التخطيط.
أحياناً الإنسان يخطط، لكن لا يستطيع أن ينفذ، الآن نقول عن أعدائنا: ما كل شيء خططوه استطاعوا تنفيذه، إذاً قدرتهم ليست تامة، إما أن تقديرهم كان خاطئاً، أو أن التقدير جيد لكن نشأ مستجدات لم تكن في الحسبان، الآن أعداء المسلمين الأقوياء فقدوا الحسم، كانوا فيما مضى يخططون، وينفذون، ويحسمون الأمر لصالحهم، وانتهى الأمر، الآن يخططون، يبدؤون في التنفيذ، تنشأ مستجدات تحول بينهم وبين التنفيذ، إذاً ليسوا مقتدرين الله وحده "المقتدر"، فإذا كنت معه من يستطيع أن يصل إليك ؟ من يستطيع أن ينال منك ؟ إذا كنت مع القوي فأنت القوي.
فالمقتدر بدايته من التقدير، ونهايته من القدرة.



المقتدر لا يعجز عن شيء فكل شيء بيده:

أيها الأخوة، الجمع بين اسم الله القادر والقدير معاً هو أبلغ منهما في الدلالة على الوصف، يعني هناك قادر اسم فاعل، قدير اسم فاعل مبالغ به فعيل، مقتدر أبلغ من قادر ومن قدير، أي "المقتدر" أعلى درجة.
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
( سورة الكهف )
من أين تأتي قوة المسلم الحقيقية ؟ أنه مع "المقتدر"، أن "المقتدر" ينصره، يؤيده، يحفظه، يهزم أعداءه، من هنا لا يوجد حل لمشكلات المسلمين إلا أن يصطلحوا مع "المقتدر" لأنه "المقتدر" على أعدائه.
وقالوا: "المقتدر" هو "المقتدر" على كل شيء من الأشياء، يحييه ويفنيه بقدرته، لا يعجز عن شيء، قال تعالى عن فرعون وقومه:

﴿ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
أقوى الأقوياء بيد الله، كن فيكون، زل فيزول.


اعتماد الإنسان على الوسيلة وهذا أحد أسباب ضعفه:

قال بعض العلماء: "المقتدر" هو المتمكن من الفعل بلا واسطة، أنت متمكن أن تصل إلى حلب، ولكن بواسطة سيارة، متمكن أن تصل إلى أمريكا لكن بالطائرة، متمكن أن تجلب الماء، لكن بعد حفر بئر، فالإنسان يعتمد على الوسيلة، وهذا أحد أسباب ضعفه، الإنسان ما عنده كن فيكون، هناك شح مياه، لا يملك الإنسان قراراً بإنزال المطر، أما الله عز وجل كن فيكون، زل فيزول.
كنا في بلد في إفريقيا أمطار هذا البلد في الليلة الواحدة ضعف أمطار دمشق بعام بأكمله،
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
انتهت الآية، فرعون وراء سيدنا موسى وقومه، والبحر أمامه، فرعون قوي ، جبار، متكبر، حاقد، متغطرس، وسيدنا موسى نبي من أولي العزم، ضعيف، معه شرذمة من بين إسرائيل خائفون.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
بحر أصبح طريقاً يبساً، مشوا فيه فلما خرجوا منه تبعهم فرعون في منتصف الطريق عاد الطريق بحراً.


من كان مع الله كان الله معه:

أنا أعتقد أن أقوى الأقوياء بثانية ينتهي عند الله، لا تقلق الأمر بيد الله عز وجل، يعني هؤلاء الذين رفعوا شعار لا إله، وعاشوا سبعين عاماً ينشرون الإلحاد في الأرض، من دون حرب، من دون أي مواجهة، هذا الكيان تداعى من الداخل.
﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 25 )
كن فيكون، زل فيزول، بالمناسبة: يوجد ببعض معامل الحديد رافعات كهربائية، رافعة حولها وشيعة كهربائية، الوشيعة الكهربائية تمغنط المكان، فهذه الرافعة تسري بها الكهرباء تصبح عندها قوة جذب، توضع فوق كتلة حديد كبيرة جداً، تجذبها، ترفعها لتنقلها من مكان إلى مكان، الآن دققوا: لا يملك الإنسان قوة الإنسان لينزع قطعة منها، أما العامل على هذه الرافعة معه مفتاح إذا ضغطه واحد على عشرة من الميلي، وقطع الكهرباء كله يسقط.
والأقوياء كذلك يحتاجون من الله إلى أمر، يملأ الدنيا رعباً، وطغياناً، وغطرسة، يصبح على المنفسة أربع سنوات ونصف، ولم يمت بعد.
هذا مقتدر، أما إذا كنت مع "المقتدر"، إذا كنت مع الله كان الله معك.

كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *



الله عز وجل قادر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدر عليه إلا هو:


"المقتدر" هو المتمكن من الفعل بلا واسطة، فالعلة الغائية لا تليق بجلال الله عز وجل، نحن كبشر مقهورون بالوسيلة، نخترع ميكروسكوب كي نرى ما لا تراه عيننا ، فنحن رأينا الأشياء الدقيقة بواسطة، ونخترع تليسكوباً لنرى النجوم البعيدة التي لا تراها أعيننا، فنحن كبشر مقهورون بالواسطة.
أيها الأخوة، لذلك ينبغي لهذا الإنسان أن يعرف الله، لأن "المقتدر" هو الذي يقدر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدر عليه إلا الله.
أعرف رجلاً عنده ابن منحرف انحرافاً شديداً، جعل حياة أسرته جحيماً لا يطاق انحراف، ورعونة، ووقاحة، ما في قوة تهيمن على هذا الشاب، لكن أثناء قيادته للمركبة دهس طفلة وتوعده أهلها بالقتل، فقبع في البيت، لم يكن هناك أي قوة تقهر هذا الشاب، يتطاول على والده، وعلى أمه، وعلى أقربائه، وعلى من معه في العمل، لا يصوم، يفطر جهاراً، وقح، فبهذا الحادث أصبح ذليلاً خائفاً يتوارى عن الأنظار.



من لم يستجب لله هيأ الله له علاجاً مراً:

أحياناً الإنسان لا تستطيع أن توجهه إطلاقاً، الله يهيئ له علاجاً مراً، لذلك حينما قال الله عز وجل لنبينا:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾
( سورة المدثر )
إن لم يستجب لك دعه لي، شيء مخيف،
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾
﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾
( سورة المدثر )



سرّ محبة الناس والتفافهم حول القوي لا لأنه قوي بل ليحتمون بقوته:

الإنسان يحب القوي بصراحة، هذا شيء من طبعه، ومن فطرته، أي إذا وجد إنسان قوي في مجموعة من الناس، ترى الناس يلتفون حوله، ويرمقونه بأبصارهم ، ويدعونه لولائمهم، ويقدمون له الهدايا اتقاء لشره، من أجل أن يطمئنوا إلى أنه لن يسحقهم، هذا شأن البشر، القوي يقدسونه، يعظمونه، ينافقون له، خوفاً منه، وقد قال عليه الصلاة والسلام شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره .
هناك تعبير في دمشق مشهور: نوم الظالمين عبادة، ينام الظالم يريح الناس والنبي الكريم حينما رأى جنازة قال:
(( مستريح، أو مُسْتَراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما المستريحُ، وما المستَراح منه ؟ فقال: العبد المؤمنُ يستريح من نَصَب الدنيا، والعبد الفاجرُ: يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي قتادة ]
فالإنسان يحب القوي، الحقيقة سرّ محبة الناس والتفافهم حول القوي، لا لأنه قوي بل ليحتمون بقوته، لأنه يلبي عندهم حاجة.


المؤمن واثق من المستقبل لأنه مع القوي سبحانه:


الآن المؤمن لماذا هو لا ينافق ؟ لأنه مع القوي، لماذا هو واثق من المستقبل ؟ لأنه مع القوي.
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
مستحيل أن تكون مع القوي وتكون ضعيفاً، أحياناً يكون في شرطي مع وزير يمشي بالعرض، يقول أنا سائق الوزير، يستمد قوته من قوة الوزير، يمكن يتطاول على أكبر الموظفين بالوزارة، أنا سائق الوزير، فالإنسان الضعيف أحياناً يستمد قوته من القوي.
الآن مثلاً ببعض المجتمعات طفل صغير لا تستطيع أن تكلمه كلمة واحدة هو ضعيف جداً لكن أباه قوي جداً، الطفل ضعيف، يمكن أن تضربه، أن تسحقه، ولكن تخشى والده، فهذا الطفل ليس قوياً بذاته، هو قوي بقوة أبيه، هذا في شيء من واقع الحياة قوي بقوة أبيه لا بذاته.
المؤمن سرّ قوته ـ على الرغم من ضعفه ـ أنه يستمدها من الله، فإذا أردت أن تكون أقوى الأقوياء فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أقوى الأقوياء معك سلاح الدعاء، سلاح الدعاء يجعلك أقوى من الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك ؟ سيدنا هود تحدى قومه، قال:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )



أساس العلاقة بين الإنسان و ربه التوكل على الله:


ملخص الملخص: هناك وحوش مفترسون، لكن مربوطون بأزمة محكمة، بيد قوي، منصف، رحيم، الإنسان الضعيف علاقته ليست مع الوحوش، مع الذي بيده أزمتها، فإذا رضي الله عنك أبعدهم عنك، وإذا غضب عليك أرخى بعض الحبال فوصلوا إليك

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
هذه ملة طه خذ بها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-24-2018, 01:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(94)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الباسط):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الباسط" القابض "الباسط".



ورود اسم الباسط في السنة الصحيحة:


هذا الاسم ورد في السنة الصحيحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]



الباسط في اللغة:

"الباسط" في اللغة اسم فاعل، فعله بسط، يبسط، بسطاً، الآن انبسط الشيء على الأرض اتسع، وامتد، وتبسط في البلاد ؛ أي سار فيها طولاً وعرضاً، وبسيط الوجه يعني متهلل الوجه، مشرق.
والبسيط هو الرجل منبسط اللسان، وبسط إليّ يده بما أحب أو بما أكره، وصل إليّ، بسطها ؛ أي مدها، وفي الآية:
﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 28 )



بسط الكف على أنواع منها:


1 ـ الطلب:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/01.jpg
بسط الكف تستعمل على أنواع، تارةً للطلب.

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 14 )
بمعنى الطلب.





2 ـ الأخذ:


تارةً للأخذ.

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 93 )



3 ـ الصولة و الضرب:


وتارةً للصولة والضرب.
﴿ وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾

( سورة الممتحنة )



4 ـ البذل و العطاء:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/02.jpg
وتارةً للبذل والعطاء.
﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 63 )
وبسط اليد في حقنا نحن البشر معلوم المعنى والكيفية، بسط اليد، أما في حق الله جل جلاله معلوم المعنى، مجهول الكيفية، المعنى واضح، أما الكيفية لا نعلمها، هذا في اللغة.




من معاني الباسط:


1 ـ يبسط الرزق لعباده بجوده و كرمه:


ولكن لو قلنا الله جلّ جلاله هو "الباسط" هو الذي يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/03.jpg
مرة أطلعتُ على سنبلة أصلها حبة قمح واحدة، أنبتت هذه الجبة خمس و ثلاثين سنبلة، عددت إحدى السنابل فإذا فيها خمسون حبة، ضربت خمسة و ثلاثين بخمسين، ألف و سبعمئة و خمسون حبة من حبة، أحياناً يقول لك: الكيس أعطى مئة كيس، أحياناً يعطي الكيس كيسين.
"الباسط" في الرزق الذي يعطي بلا حساب، هو الذي يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، ويوسعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته.
مرة طبيب توفي رحمه الله، كان عضواً في لجنة حوض دمشق، قال لي: انخفاض المياه في حوض دمشق ينبئ بمشكلة كبيرة جداً، ربما اضطر أهل دمشق أن يغادروا دمشق، تكلم كلاماً لم يمكّن الإنسان أن يقف على قدمه، هذه قصة قديمة، في العام الذي يليه نزل 350 مم، والمعدل السنوي 200، هناك ينابيع تفجرت، وقد انتهت من ثلاثين عام، مياه بعض القرى وصلت إلى دمشق، فإذا الله أعطى أدهش.
"الباسط" يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، ويوسعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته، فيبتليهم على ما تقتضيه مشيئته وحكمته، فإن شاء وسع، وإن شاء قتر، فهو "الباسط" القابض.



تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز:



لكن يجب أن نعلمhttp://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/04.jpg
علم اليقين أنه إذا قبض، أو إذا قنن فتقنين تأديب لا تقنين عجز، إذا قبض بما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، لأن خزائن ملكه لا تفنى.

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾

( سورة الحجر الآية: 21 )
ومواد جوده لا تتناهى، كما قال تعالى:

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الشورى )
كنت مرة في العمرة، فاطلعت على مجلة علمية رصينة فإذا فيها بحث لفت نظري، قال: هناك في الفضاء الخارجي سحابة، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم الواحد بالمياه العذبة.

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )
طبعاً يؤكد أن تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾

( سورة الشورى الآية: 27 )
لذلك قالوا: الله سبحانه وتعالى علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
إنسان له دخل محدود، صائم، مصلٍّ، صالح، يا ترى لو كان دخله غير محدود كيف يكون ؟ لا أحد يعلم إلا الله، لذلك في حكمة بالغة أن الحكيم عليم، حكيم عليم.


2 ـ يبسط يده بالتوبة لمن أساء:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/05.jpg
و "الباسط" بمعنى آخر، هو الذي يبسط يده بالتوبة لمن أساء، أو هو الذي يملي لهم فيجعلهم بين الخوف والرجاء، فقد قال عليه الصلاة و السلام:
(( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))

[ مسلم عن أبي موسى الأشعري]
طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة، ولكن بعضهم له اجتهاد لطيف أنه حينما نرى أن العلم كله، وأن القيم كلها، وأن الحضارة كلها، وأن التقدم كله في الغرب يغلق باب التوبة، أنت حينما لا تعبأ بدينك، ولا بقيمك، ولا بماضيك المجيد، ولا بهذه الأمة العظيمة التي اختارها الله لتكون وسيطاً بينه وبين خلقه، حينما لا تعبأ بكل هذا التاريخ العظيم، وتلتفت إلى الغرب على حساب دينك وقيمك، ربما في مثل هذه الحالة يغلق باب التوبة.
النمط الغربي في الحياة مع التفلت، مع الإباحية، هو النمط السائد في الأرض الآن، النمط الغربي في الحياة، انعدام الضوابط، الاستمتاع بالحياة إلى أقصى درجة، الصد عن سبيل الله، هذا النمط إذا ساد في العالم الإسلامي الإنسان لن يتوب لأنه يرى هؤلاء هم القادة، هم السادة، هم الراقون.


اقتران الباسط مع القابض لأن الاسمين متكاملان:


بعض أهل العلم يرى أنه ينبغي أن نقول القابض "الباسط"، الضار النافع ، المعطي المانع، المعز المذل، لأن كلاً من هذين الاسمين متكاملان، هو يضر لينفع، ويذل أحياناً ليعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، فقد ورد:

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا در استواء ))
لا تستقيم لأحد نجح في زواجه، ولم ينجح في عمله، نجح في عمله لم ينجح في زواجه، نجح في زواجه وفي عمله ويعاني من صحته.

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا در استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها ـ عرف حقيقتها ـ لم يفرح لرخاء ))
لأنه مؤقت، الموت ينهي الرخاء، ينهي القوة، ينهي الغنى، يلغي الوسامة ، يلغي كل شيء.

(( فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]



الله عز وجل لا يسلب من مؤمن نعمة ما إلا ليزيده قرباً منه:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/06.jpg
هناك ملمح دقيق في الحديث القدسي التالي:

(( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
يعني الله عز وجل إذا سلب من مؤمن بعض صحته، ليضاعف له القرب أضعافاً مضاعفة.

(( أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))

(( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))

[ رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري]



أسماء الله كلها حسنى وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه:


لابدّ من أن تقول القابض الباسط، والمعطي المانع، والمعز المذل، قال هذا كلام لا بأس به لكن فيه نظر، أي يحتاج إلى تحفظ، ما هو التحفظ ؟ قال: أسماء الله كلها حسنى، الضار من أسمائه الحسنى، لو لم تقرنه بالنافع أسماء الله كلها حسنى، وكلها تدل على الكمال، وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه، من دون اسم آخر، وإن ذُكرا مقترنين زاد الكمال فيهما، في وصف رب العزة والجلال، كما هو الحال عند اقتران الحي القيوم، والرحمن الرحيم، والغني الكريم، والقريب المجيب، هذه كلها من أسماء الله الحسنى.
فالقول بالوجوب ذكر الاسمين معاً قال: وإن كان مستحسناً يعني المستحسن أن تقول الضار النافع، والمعطي المانع، والمعز المذل، والخافض الرافع.



الأعمال الصالحة تجعل عمر الإنسان مديداً من حيث الثمرة:


الآن يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه، وأن يَنْسَأ له في أَثَره ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
يعني في أجله، أن يطول عمره، العلماء في شرح يطول عمره لهم آراء لطيفة العمر لا يزيد ولا ينقص.

﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

( سورة الأعراف )
فكيف يقول النبي الكريم:

(( مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه، وأن يَنْسَأ له في أَثَره ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
فسر العلماء هذا الكلام، الإنسان فتح محله التجاري ساعة، ربح صفقة بمليون ، وإنسان فتح محله عشر ساعات ربح مئة ليرة، الزمن ليس له قيمة، القيمة بالربح.
فالإمام الشافعي عاش أقل من خمسين عاماً، هناك علماء كبار، ابن باديس بالجزائر عاش أقل من خمسين عاماً، هناك عمالقة في العلم عاشوا أقل منه، وتركوا أثراً لا يمحى، وهناك أناس يعيشون مئة و خمسة و عشرين عاماً، ما قدموا شيئاً.
لذلك معنى
(( يَنْسَأ له في أَثَره ))
يعني يعطي أعمالاً صالحة تجعل عمره مديداً من حيث الثمرة، و هناك حديث:

((إن الله عز وجل يمهل حين يذهب ثلث الليل الأول، ثم ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، حتى ينفجر الفجر))

[ الدار قطني عن أبي هريرة]
وهذه والله نصيحة، حينما تتعقد الأمور، حينما تلوح أشباح المصائب، حينما يضيق الأمر، حينما تغلق الأبواب، استقيظ قبل صلاة الفجر، وصلِّ ركعتين واسأله في السجود حاجتك من خير الدنيا والآخرة.


التهنئة الحقيقية حينما يعرف الإنسان ربه و يصطلح معه و يتصل به:

أخوتنا الكرام:
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾

( سورة القصص الآية: 76 )
يعني سبعة رجال أشداء لا يستطيعون حمل مفاتيح كنوزه.

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ﴾

( سورة القصص الآية: 76 )
الله عز وجل ذم الفرح ومدحه، ذمه حينما تفرح بالدنيا الفانية والزائلة، في حمق، في غباء، ومدحه حينما تفرح بفضل الله، إن فرحت بالهدى، إن فرحت أنك مستقيم، إن فرحت أن الله أجرى على يديك أعمالاً صالحة، هذا فرح حقيقي، لذلك:

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادياً في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ ورد في الأثر]
التهنئة الحقيقية حينما تعرفه، وحينما تصطلح معه، وحينما تتصل به، وحينما تعمل لآخرتك.

﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

( سورة القصص )
يعني في الدنيا.


وظيفة الإنسان في الدنيا معرفة الله و الاستقامة على أمره:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )
آتاك مالاً ابتغِ به الدار الآخرة، آتاك علماً ابتغِ به الدار الآخرة، آتاك جاهاً ابتغِ به الدار الآخرة.

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )
جئت إلى الدنيا كي تعرف الله، كي تستقيم على أمره، كي تعمل الأعمال الصالحة
﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

( سورة القصص )



إظهار الإنسان ما عنده والاستكبار على غيره صفة مذمومة:

فقال قارون:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
هذا كلام يقوله معظم الناس، بجهدي، بكد يميني وعرق جبيني، بخبراتي المتراكمة، من انتمائي إلى أسرة قوية... إلخ.

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

( سورة القصص )
مرة سألني أخ عن معنى هذه الآية ؟ قلت له: إذا شخص يُساق إلى الإعدام و عليه مخالفة سير يسامح بمخالفة السير
﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾

( سورة القصص الآية: 79 )
هذه حاجة عند ضعاف النفوس، أن يظهر ما عنده، إذا عنده بيت يقول لك هذا أربعمئة متر، شيء جميل ! البلاط استيراد من إيطاليا، هذه اللوحة من إيطاليا، إظهار ما عندك كي تستعلي على الآخر، هذه صفة مذمومة.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ﴾

( سورة القصص الآية: 79 )



الله عز وجل جعل الآخرة لمن لا يريد علواً و لا فساداً في الأرض:


أحياناً إنسان يقف أمام بيت جميل تذوب نفسه ألماً، هنيئاً لأصحاب هذا البيت.

﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾

( سورة القصص )
أصلاً هو في شرع الله.
﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾

( سورة القصص )
التعقيب:

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة القصص )
الشاهد في الآية
﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾
و لما كان يوم أُحد وانكفأ المشركون قال عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم يوم القيامة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين ))

[أحمد عن ابن رفاعة الزرقي]



منهج الدعاة يقوم على التخويف وبث الرجاء في قلوب الناس في آن واحد:


أيها الأخوة، قالوا القابض الذي يكاشفك فيقيك، و "الباسط" الذي بجلاله يكشفك بجماله فيبقيك، فأنت بين أن يقيك، القابض، وبين أن يبقيك، بالقبض يقيك، يمنعك أن تعصيه، يمنعك أن تشقى إلى أبد الآبدين، هو القابض "الباسط"، القابض الذي يقبض الصدقات، يأخذها بيمينه، من أربابها فيربيها.
"الباسط" يبسط النعمة فينميها، إذاً: يقبض الصدقات، ويبسط النعم، والقابض هو الذي يخوفك من فراقه، و "الباسط" يؤمن بعفوه وإطلاقه.
الإمام الغزالي يقول: القابض "الباسط" من العباد من أُلهم بدائع الحكم، وأوتي جوامع الكلم، داعية يخوف ويطمئن، يعبد الله خوفاً وطمعاً، يذكر أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة، يذكر عقاب الله وعدله، يذكر رحمته وفضله، في توازن، هناك دعاة يعتمد التخويف فقط، تخرج محطماً من كلامه، جهنم، والثعابين، غفور رحيم: يكون رحيماً حتى يدعو الناس إلى المعصية، لا، ينبغي أن تكون متوازناً بين التخويف وبث الرجاء في قلوب الناس.



على الإنسان أن يؤمن بالله العظيم من خلال آياته الكونية ويحبه من خلال نعمه:

طبعاً أختم هذا الاسم "الباسط" بأثر قدسي، أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال:
(( يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي ))
الأثر القدسي قال:

(( يا رب إنك تعلم إني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ـ هذا توجيه للدعاة ـ ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، فلابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله.

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )
معناها يجب أن نؤمن بالله العظيم من خلال آياته الكونية، ومحبة لله من خلال نعمه، وخوف منه من خلال نقمه وبلائه.

(( ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
هذا منهج للدعاة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-25-2018, 07:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


(95)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(القادر):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "القادر".



ورود اسم القادر في القرآن الكريم:



سمّى الله ذاته العلية بالقادر في القرآن الكريم، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق والإضافة، ففي القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴾

( سورة المرسلات )
وقد ورد الاسم معرفاً مطلقاً على وجه المدح والكمال والتعظيم في قوله تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
يعني الصواعق، وحديثاً الصواريخ.
﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
الزلازل، وحديثاً الألغام.
﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
الحرب الأهلية.

﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )



بطولة الإنسان أن يغفر لمن جاء القضاء والقدر على يديه:


أيها الأخوة، الحقيقة الزلازل مصيبة كبيرة، والصواعق مصيبة أكبر، ولكن أكبر المصائب أن يذوق الإنسان بأس أخيه، حينما يأتي القضاء والقدر من الله مباشرة، هو مؤلم أشد الألم لكن من الله مباشرة، أما حينما يأتي القضاء والقدر على يد إنسان فلابد من صبر أشد، لأن الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 17 )
لكن في آية ثانية:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة الشورى )
هذه اللام لام المزحلقة، أو لام التوكيد، حينما يأتي القضاء والقدر من الله مباشرة أنت ينبغي أن تصبر والصبر
﴿ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أما حينما يأتي القضاء والقدر على يد إنسان أنت ينبغي أن تعرف أن هذا قضاء الله وقدره، وأن تغفر لمن جاء هذا القضاء والقدر على يديه.
إنسان لا سمح الله ولا قدر وقع ابنه من الشرفة، فنزل ميتاً، هذا قضاء وقدر، جاءك من الله مباشرة، أما حينما يموت الطفل على يد سائق يقود مركبة، أمامك إنسان تتمنى أن تنتقم منه، لذلك الآية الثانية:
﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
تحتاج إلى صبر أشد، وإلى يقين أشد.


كل شيء وقع أراده الله و كل شيء أراده الله وقع:

كل شيء وقع أراده الله، و إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، و الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
فالقادر من أسماء الله الحسنى.
وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قيل:

(( يا رسول الله ! كيف يحشر أهل النار على وجوههم ؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]
الله عز وجل قدرته مطلقة، قدرته متعلقة بكل ممكن، أي شيء وقع الله عز وجل أراده، وأي شيء أراده الله وقع، وهو:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )



القادر في اللغة:

الآن "القادر" في اللغة، "القادر" اسم فاعل، من فعل قَدْر، يقدِر، ويقدُر، يقدِر عين المضارع جاءت مكسورة، وقد تأتي مضمومة، قَدَر، ويقدِر، قدْراً، وقدّراً لغة العرب واسعة جداً، يقال قدرت الأمر أقدره إذا نظرت فيه ودبرته، وقدر كل شيء ومقداره مقياسه، وقَدر الشيء بالشيء، وقدّرَهُ قاسه، والتقدير التروية والتفكير في تسوية الأمور، ويقال قَدْرتُ لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته، وقايسته، هذا في شأن اللغة، واللغة العربية لغة واسعة جداً.
ومن بعض الأمثلة: أن فعل نظر، يعني أن تنظر إلى الشيء، لكن لمح نظرت وأعرضت، مفتوح باب، رأيت امرأة وأنت مؤمن، فغضضت بصرك عنها، لمحتها، لا تقل نظرت إليها، لمحتها، أما إذا رأيت طائرة بين الغيوم تقول لاحت طائرة، الشيء المنظور ظهر واختفى، أما إذا قلت حدجته ببصري التحديج النظر مع المحبة، حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم.
أما إذا قلت نظرت شذراً، مع الاحتقار، أما إذا قلت شخصت نظرت مع الخوف.
﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 97 )
أما إذا قلت: تمطيت، أي نظرت مع التمطي، أما إذا قلت: استشرف الشيء أي نظر إليه وقد تمدد قليلاً، استشف نظر إلى الشيء وقد لمسه بيده، أما إذا قلت: رنا، نظر مع المتعة، رنوت إلى المنظر، أما إذا قلت: رأى، هذه رؤيا قلبية، فالعربية واسعة جداً في التعبير، ولكن مع الأسف الشديد تضعف اللغة أحياناً بضعف أهلها، وتقوى اللغة بقوة أهلها.


من معاني القادر:


1 ـ التقدير:



الآن "القادر" سبحانه وتعالى، هو الذي يقدر المقادير في علمه، وعلمه هو المرتبة الأولى في قضائه وقدره، فالله عز وجل قدّر كل شيء قبل صنعه، في خطة.
الآن البناء الشامخ العملاق، ناطحة السحاب تبدأ بورق، بخارطة.
و "القادر" هو الذي نظم أمور الخلق، قبل إيجادهم وإمدادهم، لذلك فإن القدر عند علماء العقيدة مبني على التقدير والقدرة، هناك علم وهناك قدرة، فبدايته في التقدير، قل تعالى:
﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ﴾

( سورة الأحزاب )
قدر مقدور، مخطط له، يسبقه علم دقيقٌ دقيق، وقال سبحانه:
﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾

( سورة الطلاق )
أي من التقدير، ومن ثم إن "القادر" هو الذي يقدر المقادير قبل الخلق والتصوير، لكن نحن كبشر حينما نبني بناء، نأتي بكذا ألف متر من البلاط، لكن لا يوجد إنسان على وجه الأرض، ولا يوجد مهندس يقدر أن يقول لك نحتاج إلى ثلاثة و ثمانين ألف متر وسبع بلاطات، هذا التقدير فوق طاقة البشر، أما نشتري كمية من البلاط، قد يزيد أو قد ينقص، أما أن يأتي تقدير المساحة بالسنتيمتر مئة بالمئة هذا فوق طاقة البشر.


2 ـ القدرة:



الله عز وجل من معاني "القادر" فضلاً عن التقدير يأتي معنى "القادر" من القدرة علم دقيق دقيقٌ دقيق، وقوة خارقة، علم مخطط، وقدرة تنفذ، هذا معنى "القادر"، لذلك قال تعالى:
﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة يس )
وقال أيضاً:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾

( سورة المعارج )
أيها الأخوة، الآيات تتعلق بإمكانية تحقيق المقدر.
﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )



من يتقِ الله عز وجل يجعل له مخرجاً من كل ضيق:

الآن الله عز وجل وعد الناس، وعد المرابي بالدمار، وعد العاصي بالهلاك ، لكن قد يتاح لك أن ترى وعد الله ووعيده محققاً، وقد لا يتاح، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، قال تعالى:

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

( سورة يونس الآية: 46 )
يعني أنت حينما لا يسمح لك عمرك المحدود أن ترى مصير الطغاة، يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله سيدمره ولكن بعد حين، فسيدنا ابن عباس قال:

(( كنتُ خَلْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال لي: يا غلام، إِني أُعَلِّمك كلمات احفظ الله يحفظك ))

[ الترمذي عن عبد الله ابن عباس]
احفظ أمر الله يحفظك، ابتعد عما نهى الله عنه يحفظك، اجعل دخلك حلالاً يحفظك، عامل الزوجة بالإحسان يحفظك، ربِّ أولادك على طاعة الله يحفظك من عقوقهم ، اجعل دخلك حلالاً يحفظ مالك من الدمار، اجعل علاقاتك علاقات إيمانية يحفظك من العدوان.

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

( سورة الطلاق )
الآية كما قلت لها معنى سياقي، ولها معنى آخر، مستقل عن سياقها، يعني من اتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي، اختارها ذات دين، من يتقِ الله في تربية أولاده يربيهم في وقت مبكر على طاعة الله يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، من يتق الله فيكسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال، من يتقِ الله في علاقاته الاجتماعية يجعل الله له مخرجاً من الدمار الاجتماعي.


عزة النفس من صفات المؤمن:

لذلك:
(( احفظ الله يَحْفَظْك، احفظ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
إذا كنت معه كان معك، إذا حفظت أمره حفظك، إذا كنت وقافاً عند حدوده حفظك، إذا سألت فاسأل الله، هو الذي يستحق أن يُسأل، وما سوى الله فقير مثلك، ضعيف مثلك، مقيد مثلك، إذا سألت فاسأل الله.
كان أحد الخلفاء الأمويين في الحرم المكي، فالتقى عالماً جليلاً، قال له: سلني حاجتك ؟ قال: والله إني أستحي أن أسأل حاجتي في بيت الله لغير الله، مستحيل أنا في بيت الله، فسكت هذا الخليفة، التقاه خارج الحرم، قال له: سلني حاجتك ؟ قال له: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ قال له: سلني حاجتك ؟ قال: أنقذني من النار، وأدخلني الجنة، قال له: هذه لا أملكها، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة.
لذلك عزة النفس من صفات المؤمن، ابتغوا الرفعة عند الله.

(( إِذا سألتَ فاسألِ الله، وإِذا استعنت فاستَعِنْ بالله ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]



علاقة الإنسان مع الله وحده:

الآن دقق في التوحيد:
(( واعلم أن الأمة ـ يعني أهل الأرض ـ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إِلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إِلا بشيء قد كتبه الله عليك ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
هذه الحقيقة، علاقتك مع الله وحده، لذلك:

(( إِذا سألتَ فاسألِ الله، وإِذا استعنت فاستَعِنْ بالله ))
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

(( رُفِعَتِ الأقلام، وجَفَّتِ الصُّحف ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]



تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:


الله عز وجل يقول:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )
الله غني، في جفاف، هذا التقنين في الأمطار تقنين تأديب لا تقنين عجز
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
كنت مرة في عاصمة في بلد إفريقي، قيل لي: أمطارها في الشتاء أربعمئة ميليمتر في الليلة الواحدة، يعني ضعف ما ينزل من الأمطار في العام كله في دمشق
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
نهر الأمازون كثافته ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
وقال تعالى:

﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾

( سورة يس )

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾

( سورة القمر )
من خلال هذه الآيات كلمة "القادر" من التقدير، وكلمة "القادر" من القدرة ، تخطيط وتنفيذ، علم وعمل، تصميم وتنفيذ، من التقدير ومن القدرة.


القضاء و القدر:

نحن في القضاء والقدر، والقضاء والقدر يتضح جلياً في هذا الحديث الصحيح، عن عمر رضي الله عنه، لما رجع عن البلد التي فيها طاعون:
(( فقال أبو عُبَيْدَة بنُ الجراج رضي الله عنه: أَفِرارا من قَدَرِ اللَّه ؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها أبو عُبَيْدَة ؟ نعم نَفِرُّ من قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه، أرأيتَ لو كانت لك إبلُ، فَهَبَطَتْ وَادِيا له عُدْوتَان: إحداهما خِصْبَةُ، والأخرى جَدْبة أليس إن رَعَيْتَ الخِصْبةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ اللَّه، وإن رعيتَ الَجدْبة رعيتها بقدر اللَّه ؟ نعم نَفِرُّ من قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن عبد الرحمن بن عوف ]
المرض قدر الله، والصحة قدر الله، نفر من المرض عن طريق الأدوية إلى قدر الله وهو الصحة.

(( فجاء عبد الرحمن بن عوف - وكان مُتغيبا في بعض حاجاته - فقال: إن عندي من هذا عِلما، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض: فلا تَقْدمُوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها: فلا تخرجوا فِرارا، قال: فَحَمِدَ اللَّه عمرُ بن الخطاب، ثم انصرف ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن عبد الرحمن بن عوف ]
إن رعيت هذه الأرض الجدباء ترعاها بقدر الله، وإن رعيت هذه الأرض المخصبة ترعاها بقدر الله، ونحن نفر من قضاء الله إلى قضاء الله، ومن قدر الله إلى قدر الله.
أخوانا الكرام، أحياناً الأمور تتعقد، والدين بسيط، الدين ينبغي أن يكون كالهواء نستنشقه بيسر، الدين يحتاجه كل إنسان، يحتاجه المثقف ثقافة عالية، يحتاجه الأمي ، يحتاجه البسيط، لذلك قالوا: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، يعني إنسان أميّ لا يقرأ ولا يكتب، يشتري مكيفاً يفتح مفتاح التشغيل، يأتيه الهواء البارد، انتفع به، لكنه يجهل آلية العمل بهذا المكيف، ويأتي إنسان يحمل دكتوراه في التكييف، يشتري مكيفاً ويدير مفتاح التشغيل يأتيه الهواء البارد، فالانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، يعني القضاء والقدر بشيء مبسط من أجل أن نعرف الله، من أجل أن نحبه.


الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن:

القضاء هو الحكم، والقدر هو التقدير، فحينما يحكم الله على عبد بالانحراف عن منهجه يقدر له تدبيراً حكيماً يرده إليه، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )
يعني إنسان يقف في شرفة، وأمام الشرفة ساحة، والساحة يتفرع منها عدة طرق فله شخص عزيز في هذه الساحة، مشى في طريق خطرة، علم هذا الذي وقف في الشرفة أن هذا الإنسان مشى في طريق مؤذية، ينتهي بملاهٍ ساقطة، فأرسل له من يقنعه أن يعود من هذا الطريق، فالقضاء والقدر، القضاء حكم، والقدر تقدير حكيم، تدبير.
الآن هذه الحقيقة الدقيقة سأقربها بمثل آخر، نقول: يطلع الطبيب على مؤشرات ضغط الدم لدى مريض، فيرى الضغط مرتفعاً، يعني 16 ـ 18، الإطلاع على ضغط الدم المرتفع هذا قضاء حكم، الآن الطبيب يتخذ قراراً، يمنع المريض من تناول الملح، ويعطيه دواءً مدراً بمقادير دقيقة، فاطلع على ضغطه المرتفع قضاء، أمر بإيقاف الملح في الطعام وإعطاء دواء مدراً، هذا القدر، القضاء والقدر.
الآن الطبيب نفسه بعد حين اطلع على هذا المريض، اطلع على مؤشر الضغط لدى هذا المريض رآه طبيعياً، هذا هو القضاء، هذا هو الحكم، فقال: أوقفوا حمية الملح، قدموا له طعاماً مع الملح، ويخفض مقدار الدواء المدر، هذا هو القدر.
فالقضاء والقدر علم دقيق، وأمر حكيم، الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن.

(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]



الدين شيء عظيم جداً ينبغي أن نبسطه و نعطيه تفسيراً معقولاً:



أخوتنا الكرام: هذا الدين العظيم حاجتنا إليه كحاجتنا إلى الهواء، يجب أن نبسطه، ويجب أن نعقلنه، ويجب أن نطبقه حتى نقطف ثماره، والتعقيد ليس في صالح المؤمنين أحياناً ترى الأمور معقدة جداً، يعني إنسان أراد أن يسلم على يد شيخ من شيوخ تقلديين، أبقاه بأحكام المياه ستة أشهر، حكم الوضوء بماء الحمص، حكم الوضوء بماء العدس، حكم أنواع المياه، القلة والقلتان حتى خرج هذا الإنسان من جلده، وترك هذا الدين، التقى بعالم آخر الأمور عنده بسيطة، قال: الماء الذي تشربه توضأ منه.
أنا أرى أن هذا الدين شيء عظيم جداً، لكن ينبغي أن نبسطه، ينبغي أن نعطيه تفسيراً معقولاً، مقبولاً.
لذلك هذا الذي التقى بالجالية الإسلامية في بريطانيا، قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام، ولكن بشرط ـ هنا الشاهد ـ أن يحسنوا فهم دينهم، أن يحسنوا تطبيقه، أن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-25-2018, 07:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



(96)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الرحيم):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرحيم".



ورود اسم الرحيم في القرآن الكريم والسنة الشريفة:



اسم الله الرحيم ورد في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة، ورد مطلقاً أي غير مضاف، ومعرفاً بأل، ومنوناً، واسم الله الرحيم اقترن مع اسم الله الرحمن في ستة مواضع في القرآن الكريم.



اسم الله الرحيم يؤكد رحمة الله الخاصة بالمؤمنين:

اقترن اسم الله الرحيم مع اسم التواب، والغفور، والرؤوف، والودود، والعزيز، وذلك لأن الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، بينما اسم الله الرحمن رحمة عامة، للتوضيح: عندنا مدرسة وفيها عام دراسي، في أثناء العام الدراسي جميع الطلاب بدون استثناء يتمتعون بميزات عامة، كلهم لهم مقاعد، لهم مقاصف خاصة بهذه المدرسة، لهم أعطيات، لهم تعويضات، العطاءات واحدة، وهناك متابعة، فالمقصر يحاسب، المقصر يؤدب، المقصر يستدعى والده، العطاءات واحدة للجميع، ويوجد تأديب و متابعة و عقوبات، لكن بعد أداء الامتحان هناك تكريم للناجحين، فاسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق، المؤمن، والكافر، والملحد، والمستقيم، والمنحرف، أما اسم الله الرحيم يشمل الذين آمنوا بالله ورسوله واستقاموا على أمره، وحققوا الهدف الذي من أجله خُلقوا.
لذلك الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، تلحق المؤمنين، التكريم متعلق بالناجحين فقط، أثناء العام الدراسي جميع الطلاب لهم الميزات نفسها، مجتهد، مقصر، كل الميزات مشتركة لكل الطلاب، لكن بعد الامتحان المكافأة، والتكريم، و التعويضات، والحفل الذي يبين تفوق هؤلاء الطلاب هذا خاص بالناجحين.
لذلك اسم الله الرحيم يؤكد رحمته الخاصة بالمؤمنين، ذكرت من قبلُ أن الأب يُطعم كل أولاده، يكسوهم جميعاً، كل ابن له غرفة خاصة، لكن الابن البار له معاملة خاصة، فيها ود، و فيها حب.



الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق ورحيم في الآخرة بالمؤمنين:

أيها الأخوة، الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق، لكن في الدار الآخرة رحيم بالمؤمنين، الآيات، قوله تعالى:
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾

( سورة فصلت )
الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة:

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾

( سورة يس )
سلام، لما قال تعالى:

﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾

( سورة مريم )
باسم الرحمن هناك عذاب، زلزال، فيضانات، اجتياح:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

(سورة الأنعام: من آية 65 )
كل هذا من خلال اسم الرحمن، طبيب وجد المريض قد التهبت زائدته، لابد من مستشفى، لابد من تخدير، لابد من فتح البطن، لابد ولابد بدافع الرحمة، العملية الجراحية بدافع الرحمة.


المصائب معالجة إلهية من اسم الرحمن:

كل أنواع المصائب في الحقيقة معالجة إلهية من اسم الرحمن، رحمن الدنيا، لكن بعد انتهاء الدنيا، ودخلنا في الدار الآخرة، الله عز وجل رحيم بعباده المؤمنين الذين استجابوا، وأنابوا، وأقبلوا، وتوكلوا.
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾

( سورة فصلت )

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾

( سورة يس )

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الحجر )
هذا في القرآن الكريم، أما في السنة:

(( يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال عليه الصلاة والسلام: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم ))

[البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه]

(( كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة رب اغفر لي وتب عليّ أنك أنت التواب الرحيم ))

[أبو داود من حديث بن عمر عن رضي الله عنه]
الرحمن في الدنيا، عطاء موحد، شمس، قمر، ليل، نهار، أمطار، نبات، وتأديب للمقصر، عطاء موحد، وتأديب للمقصر هذا في الدنيا، أما في الآخرة تكريم خاص لمن استجاب لله، وأقبل عليه، واستقام على أمره.


الرحيم في اللغة:


الآن باللغة: الرحيم في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعل، رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع، قدير بمعنى قادر، وزن فعيل يأتي على معنى فاعل، فالله عز وجل رحيم أي راحم بعباده المؤمنين، إذاً هذا الاسم دلّ على صفة الرحمة الخاصة التي ينالها المؤمنون، فالرحمن الرحيم بُنيت صفة الرحمة الأولى على فعلان رحمن، لأن معناه الكثرة، يعني اسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق من دون استثناء، فرحمته وسعت كل شيء، وهو أرحم الراحمين، وأما الرحيم فإنما ذكر بعد الرحمن لأن الرحمن مقصور على الله عز وجل، لا يمكن أن يسمى إنسان باسم الرحمن أما يوجد إنسان اسمه رحيم.
فالرحيم قد يكون لله ولغير الله، قد تقول الله عز وجل رحيم، وفلان عليم:

﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43) ﴾

( سورة الأحزاب )
لذلك قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر.


الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنينوتمتد إلى ذريتهم من بعدهم:

أيها الأخوة، والرحمة الخاصة التي دلّ عليها اسم الرحيم شملت عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، فقد هداهم إلى توحيده، وعبوديته، وهو الذي أكرمهم في الآخرة بجنته، ومَنَّ عليهم في النعيم برؤيته، ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريماً لهم، قال تعالى في نبأ الخضر والجدار:
﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (82) ﴾

( سورة الكهف )
إذاً: الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، وتمتد إلى ذريتهم من بعدهم، والآية الثانية:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

( سورة الطور الآية: 21 )
قال علماء التفسير ألحقنا بهم أعمال ذريتهم.


أفضل كسب الرجل ولده:

أيها الأخوة:
(( أفضل كسب الرجل ولده ))

[أخرجه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]
إذا وفق الله إنساناً إلى تربية أولاده، أعمال أولاده الصالحة، وأولاد أولاده، وأحفاده، وأحفاد أحفاده إلى يوم القيامة في صحيفته، فكما أن الإنسان مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، استمرار وجودك بسبب تربيتك لأولادك، ذكرت لكم مرة التقيت بعالم جليل قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، أكثر من أربعة عشر منهم طبيباً، وأكثر من عشرة أحفاد من حفاظ كتاب الله، أي الخير العميم الذي ينال المؤمنين يمتد إلى ذريتهم من بعدهم.

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الطور الآية: 21 )
يعني أنت تستمر في الأجر، والعطاء، والثواب إلى يوم القيامة إذا ربيت أولادك، مرة أحد علماء دمشق وهو خطيب من الخطباء الكبار توفي رحمه الله، أُقيم له العزاء في الجامع الأموي، وفي اليوم الثالث وقف ابنه وألقى خطبة كأبيه، فقلت في نفسي والله لم يمت مادام ترك من يخلفه من بعده، فكل إنسان إذا الله وفقه وربى ابنه، الأجر الذي يناله الأب لا يعلمه إلا الله، مرة قابلت شخصاً له ابن صالح جداً، أقسمت له بالله أن هذا الابن الصالح في الميزان المادي أغلى من مليار مليار مليار دولار، هذه تتركها وتموت، أما الابن يبدأ عطاؤه بعد الموت.

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]
هنيئًا لمن كان له ولد صالح.


أسباب الرحمة الخاصة :

1 ـ طاعة الله ورسوله:


الرحمة الخاصة لها أسباب ؟ مثلاً شخص عنده حاسوب، وكتب كلمة رحمة، وبحث في مشتقاتها، سيجد بحثاً لطيفاً جداً مثلاً:
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) ﴾

( سورة آل عمران )
إذاً طريق رحمة الله طاعة الله ورسوله، بالأحاديث:

(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم: سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ]
رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى.


2 ـ المعاملة الطيبة في البيع والشراء:


المعاملة الطيبة في البيع والشراء أحد أسباب رحمة الله عز وجل، أنت افتح البحث بالدعاء، رحم الله، بالأحاديث، تجد كماً كبيراً ما هي أسباب رحمة الله ؟
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) ﴾

( سورة الأنعام )
ابحث لعلكم تُرحمون، ابحث رحم الله عبداً، تجد بحثاً رائعاً مديداً دقيقاً عميقاً يبين لك هذا البحث أسباب رحمة الله عز وجل.


اسم الله الرحيم يدل على الذات والصفة معاً:



الآن اسم الله الرحيم من الجهة العلمية يدل على ذات الله، هو اسم ذات، ومن الجهة الوصفية يدل على صفة الرحمة الإلهية، اسم ذات واسم صفة، فهو يدل على الذات والصفة معاً، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(41)إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42) ﴾

( سورة الدخان )
أيها الأخوة، الآية التي ورد فيها الاسم على الوصف، آية دقيقة، وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين، تضمنها اسمه الرحيم، قالت امرأة العزيز بعد توبتها:

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53) ﴾

( سورة يوسف )
أيها الأخوة، والآية التي تقول:

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54) ﴾

( سورة الأنعام )
أيها الأخوة الكرام، الآية التي تقول:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28) ﴾

( سورة الحديد)
انظر اتقوا الله، اتقوا أن تعصوه، اتقوا أن تقعوا في سخطه أو غضبه.


في الدنيا جنة القرب من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ (28) ﴾

( سورة الحديد)
يكفل لكم رحمته مرتين، مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، وفي قوله تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )
جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، ويقول بعض كبار العلماء، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، والدليل:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

( سورة محمد)
عرفها لهم في الدنيا، ذاقوا طعمها في الدنيا.


من لم يكن أسعد الناس بمعرفة الله و الإقبال عليه فهو لم يذق طعم حلاوة الإيمان:

بشكل أو بآخر إن لم تقل من أعماق أعماقك ليس في الأرض من هو أسعد مني، فمعنى ذلك أنت لم تذق جنة الدنيا، لو يعلم الملوك (هذا كلام إبراهيم بن الأدهم الذي كان ملكاً وهو مدفون في جبلة) ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.
ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ أين وجد سيدنا إبراهيم الجنة ؟ وقد ألقي في النار:
﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )
أين وجد أصحاب الكهف الجنة ؟ في الكهف. أين وجد سيدنا يونس الجنة ؟ في بطن الحوت، أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟

فَلَيتَكَ تَحلو و الحَياةُ مَريــرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضـابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِـرٌ وَبَيني وَبَينَ العـالَمينَ خَرابُ
وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين وكل الـذي فوق التراب تراب
***
إن لم تقل أنا أسعد الناس على بيت صغير، ودخل محدود، وعدة علل بالجسم، ومتاعب في الدنيا، مع كل هذه المتاعب والحياة الخشنة إن لم تقل أنا أسعد الناس بمعرفة الله ، والإقبال عليه، ومحبته، فأنت لم تذق طعم حلاوة الإيمان، ولم تذق طعم القرب في الدنيا، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:

فلو شاهدت عيناك من حسننا الــذي رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حســــن خطابنا خــلعت عنك ثياب الـعجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المــــحبة ذرة عذرت الـــذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولــــو نسمت من قربنا لك نسمة لـــمت غريباً واشتياقــاً لقربنا
ولو لاح من أنوارنــــا لـك لائحٌ تركــت جميع الكـائنات لأجلنــا
***



كل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة:

وقال الله عز وجل يصف ويتحدث عن نبيه نوح عليه السلام ومن ركب معه السفينة:

﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) ﴾

( سورة هود)
هؤلاء نجوا، ركبوا السفينة ونجوا،
﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) ﴾
أما الفيضان أصاب القوم الذين استنكفوا عن طاعة الله باسم الرحمن، غرقوا باسم الرحمن، ونجا هؤلاء باسم الرحيم، الرحيم تعني الرحمة الخاصة بالمؤمنين:

﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ(57)سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾

( سورة يس)

﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾

( سورة مريم)
الرحيم أيها الأخوة، في أغلب النصوص وصف بالرحمة الخاصة، نسأل الله رحمته، ونستعيذ به من عذابه، مع أن عذابه عدل، وفيه حكمة ما بعدها حكمة، وكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.


اجتماع اسمي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة:


أيها الأخوة، إن اسمي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم يجتمعان في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة، فاسم الله الرحمن اقتضى أن يسوق لعباده بعض العذاب، والدليل:

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(147) ﴾

(سورة الأنعام )
واسم الله الرحيم يقتضي التكريم، اسم يقتضي التأديب في الدنيا، واسم يقتضي التكريم في الآخرة، يفترق الاسمان (الرحمن والرحيم) من جهة تعلقهما بالحكمة، الحكمة تقتضي أن يساق العذاب لمن شرد عن الله في الدنيا، والحكمة تقتضي أن تكون رحمة الله لمن استجاب له في الآخرة.


الله عز وجل خلق المؤمن ليرحمه و يسلمه و يسعده:

أيها الأخوة الكرام، اسم الله الرحيم خاص بالمؤمنين، فبذلك حينما قال الله عز:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )
دقق
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسلمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليعطيهم، الله عز وجل بيده الخير، دققوا في هذه الآية:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
إعطاء الملك خير، ونزعه خير، إعزاز الإنسان خير، والإذلال خير، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، نسأل الله رحمته، ونخشى عذابه، نسأل الله السلامة في الدنيا، النبي عليه الصلاة والسلام حينا دعا في الطائف قال:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
ونحن نقول رحمة الله الخاصة بالمؤمنين أوسع لنا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-25-2018, 02:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(97)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الرازق):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرازق".



ورود اسم الرازق في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


هذا الاسم ورد في السنة، ففي حديث أنس رضي الله عنه الذي ورد في الأسماء الثلاثة السابقة قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
وهذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقيداً في قول الله عز وجل:
﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ﴾

( سورة المائدة )



الرازق في اللغة:

"الرازق" في اللغة اسم فاعل، رزق، يرزق، رزقاً فهو "الرازق"، والرزق ما يُنتفع به.
لذلك فرق العلماء بين الرزق والكسب، الشيء الذي تأكله، والثياب التي تلبسها، والبيت الذي تسكنه، هذا هو الرزق الذي انتفعت به، أما الرصيد: الحجم المالي هذا كسب لم تنتفع به، الذي تنفع به مباشرة هو الرزق، والذي لا تنتفع به وهو من كسبك هو الكسب، أما الكسب تحاسب عليه من أين اكتسبته ؟ وماذا فعلت فيه ؟ مع أنك لم تنتفع به، يعني الذي معه ألف مليون، ماذا يأكل ؟ يأكل وجبة محددة، ويرتدي ثياباً واحدة، وينام على سرير واحد، وطاقته في الاستمتاع بالحياة لها سقف، مهما كنت غنياً كم تأكل ؟ وجبة محدودة، كم ثوب ترتدي ؟ ثوب واحد، على كم تنام بليلة واحدة ؟ على سرير واحد.


الرزق و الكسب:

الرزق: ما انتفعت به فقط، والكسب: حجمك المالي، حجمك المالي لم تنتفع به إطلاقاً لكنه أعطاك كبراً، وهيمنة، وسيطرة، وكل قرش اكتسبته تحاسب عليه، مع أنك لم تنتفع به.
لذلك ورد في بعض الآثار:
(( إن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا ولدي يا أهلي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ ))

[ ورد في الأثر]
الرزق هو العطاء، استرزقه، أي طلب منه الرزق، وزن استفعل في اللغة يفيد معنى الطلب، استغفر طلب المغفرة، استرحم طلب الرحمة، استرزق طلب الرزق، وقد يسمى المطر رزقاً، لأن المطر ينبت النبات، ينبت القمح، ينبت الخضراوات، فالرزق من آثار المطر.


على المؤمن أن يعزو الرزق إلى الله لا إلى غيره:

أما قوله تعالى:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾

( سورة الواقعة )
تهطل أمطار كثيرة، نستمع إلى من يقول: هناك منخفض متمركز فوق قبرص في طريقه إلينا، لأن هذا رزق الله، هذا فضل الله، هذه رحمة الله، نعزو الرزق إلى أسباب أرضية
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب ليلة مطيرة قال:

(( هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته: فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا: فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك عن زيد بن خالد الجهني ]
كتعليق على هذا الحديث هناك من ينسب ما يجري إلى أسباب أرضية فقط، يعني زلزال دمر كل شيء يقول لك اضطراب بالقشرة الأرضية فقط، لمَا وقع هنا ولم يقع هنا؟ مع أن الله تعالى يقول:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

( سورة هود )



على الإنسان أن يعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب كي يصطلح و يتعامل معه:


لمَ لا تقبل التفسير الأرضي القريب، وتعزو التفسير البعيد إلى الله عز وجل ؟ الإنسان أحياناً يرفض التفسير العلوي، الإلهي، التوحيدي، ولا يقبل إلا التفسير الأرضي الشركي المحمود.
ما يعانيه المسلمين اليوم يعزى إلى الاستعمار فقط، والصهيونية العالمية فقط أين الله ؟ كيف سمح لهؤلاء أن يسيطروا على العالم، ألسنا عباده ؟ فلابد من أن تعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب، إلى خالق السماوات والأرض، كي تتعامل معه، كي تصطلح معه.
لذلك لا ينبغي أن تفسر ما يجري فقط لأسباب أرضية شركية، لابدّ من أن نفسر ما يجري لأسباب أرضية، ومسبب الأسباب هو الله، لحكمة بالغةٍ بالغة.



الأرزاق نوعان ؛ أرزاق ظاهرة و أرزاق باطنة:


أيها الأخوة، الأرزاق نوعان، أرزاق ظاهرة كالأقوات للأبدان، انظر إلى سوق الخضر، كميات من الفواكه، كميات من الخضروات، المحاصيل، والقمح، والغنم، أرقام فلكية، كلها رزق العباد، أقوات للأبدان، وهناك أرزاق باطنة، هي المعارف والإيمان، إنسان الله عز وجل رزقه فهماً بكتاب الله، هذا رزق.
بالمناسبة: العلم هو أعلى أنواع الرزق، الدليل:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

( سورة القصص الآية: 14 )
الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، حتى نكون موضوعيين، أعطى المال لقارون وهو لا يحبه، وأمره:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )
وأعطاه لسيدنا عثمان وهو يحبه، أنفق على جيش العسرة، وقال النبي الكريم:

(( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الرحمن بن سمرة ]
رضي عنه من أعماق أعماقه، أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، لكن الذين يحبهم ماذا أعطاهم ؟ الملك ليس مقياساً، والمال ليس مقياساً، لكن الذين يحبهم الأنبياء، قمم البشر
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
فإذا وهبك الله رزقاً من نوع الرزق الذي وهبه لأحبابه، فاشكر الله عز وجل ، بالأرض هناك من يعبد الجرذان في آسيا، وهناك من يعبد ذكر الرجل، و هناك من يعبد موج البحر، وهناك من يعبد البقر، و هناك من يعبد الشمس والقمر، وهناك من يعبد الحجر، فالله سبحانه وتعالى أكرمنا أن نعبد خالق السماوات الأرض.


الله عز وجل "الرازق" تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين:


أما الله جلّ جلاله هو "الرازق"، هو الذي يرزق الخلائق أجمعين، وهو الذي قدّر أرزاقهم قبل خلق العالمين.

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

( سورة الروم الآية: 40 )
يعني ترسل ابنك إلى بلد أوربي ليدرس، حتى يطمئن ترسل له مصروفه لستة سنوات دفعة واحدة، حتى يطمئن.
فالله عز وجل قال:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
فعل ماض
﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
ما قال ثم يرزقكم
﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
الله عز وجل "الرازق" تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين، كل إنسان له عند الله رزق لكن بحين معين، قالوا: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُم. ))

[أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]
في راوية:

(( استجملوا مهنكم ))
اختر حرفة شريفة، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها ابتزاز لأموالهم ، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها إلقاء الرعب في قلوبهم، اختر حرفة ينتفع بها من حولك، ولا تختر حرفة تبني دخلك على أنقاض الناس، لأنه ألصق شيء بحياة الإنسان رزقه، وحرفته، وزوجته، المركبة تُبدل، البيت يُبدل، أما زوجته أم أولاده، وحرفته، فإن كانت الحرفة مخالفة لمنهج الله هذه مشكلة أنت محجوب عن الله دائماً.


أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى:


حديث آخر:

(( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
والآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة فاطر الآية: 3 )
قال بعض العلماء: الرزق اسم يشمل الإنسان وغير الإنسان، لكن هذه الكلمة تعم رزق الدنيا والآخرة، دخول الجنة رزق، النجاة يوم القيامة رزق، العلم في الدنيا رزق، اشتقاق الكمال من الله رزق، الحلم رزق، الورع رزق، نحن هكذا ببساطة أي كلمة رزق نتصورها المال فقط، قد تجد إنساناً دخله محدود، لكن يتمتع بعلم غزير، يتمتع بسمعة طيبة، يتمتع براحة نفسية، يتمتع بتوفيق من الله عز وجل، أو يتمتع بدعوة كبيرة، حجم المال صغير جداً، لكن حجمه عند الله كبير جداً.
فنحن ينبغي ألا نتوهم أن كل كلمة رزق تعني مال، لا، أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى، وقد قال الله عز وجل:
﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة البقرة )




إلزام الله عز وجل ذاته العلية برزق العباد:


أحياناً الله عز وجل يرزق إنسان مكانة، بهذه المكانة تحل مشكلات كبيرة، هذا رأسمالك، أي الناس يهابونك، ينصاعون لأمرك، استخدم هذه الهيبة في خدمة الناس، في حلّ مشكلاتهم، في إنقاذ من يحتاج إلى إنقاذ، والآية الكريمة:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود الآية: 6 )
على، متى جاءت على ؟ مع لفظ الجلالة، معنى ذلك أن الله ألزم نفسه ذاتياً برزق العباد
﴿ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
بعدها
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
تفيد استغراق أفراد النوع.
لو دخل معلم إلى صف، وقال: أيها الطلاب لكم عندي هدية، يعني لهؤلاء الذين أمامه، أما لو قال: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تشمل حتى الغائب، حتى الذي لم يتح له أن يأخذها الآن، ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع.
ما قال: ما دابة إلا على الله رزقها، قال:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
يعني نملة تمشي على صخرة صماء، في الليلة الظلماء، على الله رزقها.
وعل يعيش في قمم الجبال، هناك ينابيع مياه في قمم الجبال، في القمم أي مستودع في جبل أعلى، تمديد مذهل من أجل الوعول، هناك وعول تعيش في قمم الجبال هناك ينابيع ماء لها، معنى ذلك أن هذه الينابيع تمديداتها تحت الجبال إلى جبال أعلى، يوجد بأرواد نبع، هذا النبع لا تكفي أمطار أرواد لهذا النبع، هذا النبع مستودعه في طرطوس وممدد تحت البحر، يوجد بإندونيسيا ثلاث عشرة جزيرة، ما من جزيرة إلا وفيها نبع ماء عذب، من آيات الله الدالة على عظمته.
إذاً
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ﴾
يعني ألزم الله ذاته العلية برزق العباد.


بطولة الإنسان أن يأكل رزقه الذي كتبه الله له من طريق مشروع:

حتى الطعام الحرام الذي يتناوله الإنسان هو رزق من الله، يعني أضرب هذا المثل الذي أردده كثيراً:
بستان فيه شجر تفاح، الشجرة السابعة، الفرع الثالث، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، هذه له، فلان قد يشتريها بماله، وقد يأكلها ضيافة، وقد يأكلها هدية وقد يسرقها، وقد يتسولها، التسول، والسرقة، والهدية، والضيافة، والشراء اختياره، أما هي له.
فالبطولة أن تأكل رزقك الذي كتبه الله لك من طريق مشروع، هنا جاء الحديث مرة ثانية:
(( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
لا تذل نفسك، لا تتضعضع أمام غني، ولا أمام قوي.

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]
والله مرة زارني أخ متقدم بالسن، قدمتُ له ضيافة متواضعة، فقطع أول لقمة من هذه الضيافة، وقبل أن يأكلها قال: سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحدا.
اعتقد هذا الاعتقاد، الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً، هو خلقك، تكفل لك بالرزق، تكفل لك بالزواج، تكفل لك بالعمل، لا تضجر، لا تقلق، لا تيأس، لا تتشكى، سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحداً.
حتى أهل الدنيا الذين يسرقون، هو رزق الله عز وجل اختاروا أن يأخذوه سرقة محاسبون عليه، أما هو لهم.


إحباط الأعمال في آخر الزمان نتيجة:

أخوانا الكرام، أحياناً الإنسان يعجب، الأمور تجري خلاف صالح العالم الإسلامي، هم يعيشون على ثروات هائلة، يحتلون موقعاً استراتيجياً مذهلاً، ومع ذلك هذه الثروات ليست لهم، يأتي من يأخذها منهم عنوة، فقد روى عبد الله بن عمر عن النبي الكريم قال:
(( أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ))

[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]



1 ـ انتشار الفاحشة:


الآن الشاذون بالعالم لهم منظمات، ولهم قيادات، ولهم مرجعيات، ومعهم بطاقات، ويطالبون الحكومة بأن يعاملوا كغيرهم من المواطنين، وهناك حكومات كثيرة جداً لهم، أحياناً يكون في سفير دولة عظمى يقام له حفل وداع في العاصمة، يحضر معه شريكه الجنسي، وهناك قانون في بعض البلاد الغربية الشريك الجنسي يمنح الجنسية، لو شخص معه شريك جنسي من بلد متقدم جداً شريكه الجنسي يستحق الجنسية، وهناك تعويضات.
الآن قال:
(( حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ))

[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
الشذوذ انحراف خطير، يتناقض مع الفطرة، في بلاد كثيرة وضمن القوانين معترف به، فصاحبه محترم، وله كل ميزات المتزوج.


2 ـ انتشار الأمراض:


(( لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ))

[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
الإيدز يعني، كان قديماً إذا إنسان سافر وطرق بابه ليلاً يقشعر جلده خوفاً من الله ولا يفتح الباب، والآن يقشعر جلده ولكن خوفاً من الإيدز.
﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 19 )



3 ـ انتشار الغش:


(( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ))
الغش، أنوع الغش.

(( وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ))

[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
بأول حرب سبعمئة مليار نُقلت من بلادنا إلى بلاد الغرب، وكل حرب تنقل ألوف المليارات من بلادنا إلى بلاد الغرب.


4 ـ عدم الحكم بكتاب الله:


(( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
الحروب الأهلية.

(( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))
عدو يتسلط عليهم، يأخذ ما في أيديهم.

(( مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ))

[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
هذه كلها من الأخطاء الذي يرتكبها المسلمون في آخر الزمان.


المعرفة أشرف الرزقين رزق الأبدان و رزق الأرواح:

العلماء قالوا: رزق الأبدان بالأطعمة، ورزق الأرواح بالمعرفة، المعرفة رزق، والمعرفة أشرف الرزقين، فإذا خصك الله بدخل وفير أكلت به أطيب الطعام، وخصّ عبداً آخر برزق المعرفة فاعلم علم اليقين أن العبد الآخر أكثر حظوة عند الله منك، لأنه منحه رزق النفوس، ورزق الأرواح، وهي المعارف، قال تعالى:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة القصص )
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ))

[ مسلم عن أبي هريرة]
أحياناً يكون بعض الأخوة في مجلس، مجلس مبارك فيه تجلٍّ، فيه نور، فيه سرور، فيه مودة، فيه محبة، فيه ذكر لله، يقول لك: جلست جلسة لا أنساها مدى الحياة، قُدم كأس شاي فقط، وأحياناً طعام نفيس، ألوان، أنواع منوعة، يقول لك ما ارتحنا، ما سررنا.
وقال بعض العلماء: "الرازق" من غذى نفوس الأبدان بتوفيقه، وحلّ قلوب الأخيار بتصديقه، الرزق رزقان، رزق الأبدان، ورزق النفوس، نحن بحاجة إلى رزق الأبدان، لكن لا تنسوا حاجتكم العظمى لرزق النفوس، إلى العلم بالله.
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-25-2018, 02:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


(98)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الوكيل):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الوكيل".



الآية التالية هي الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ورد فيه اسم الوكيل مطلقاً معرفاً:


أيها الأخوة، ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

( سورة آل عمران )
هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ورد فيه الاسم مطلقاً معرفاً بالألف واللام.


اقتران اسم الوكيل بمعاني العلو:

لكن ورد في مواضع أخرى مقروناً بمعاني العلو، والعلو كما تقدم في دروس سابقة يزيد الإطلاق كمالاً على كمال، كما ورد في قوله تعالى:
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الأنعام )
هنا اقترن الاسم بالعلو، والعلو يزيد المطلق كمالاً.
وعند البخاري من حديث ابن عباس أنه قال:

(( حسبنا الله ونعم الوكيل ))
قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد عليه الصلاة والسلام حين قالوا:

﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

( سورة آل عمران )
والله أيها الأخوة والناس في هذه الأيام قد جمعوا ليقفوا وقفة واحدة ضد المسلمين، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين.
وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى السمع متى يؤمر ؟ قال: فسمع بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فشق عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ))

[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]



بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة:

أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((بعثت والساعة كهاتين ))

[ البخاري عن سهل بن سعد]
فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة، وفي الآثار النبوية أحاديث كثيرة عن أشراط الساعة، من هذه الأحاديث:

(( موت كقعاص الغنم ))

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]

(( لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]
ألف الناس أن يستمعوا كل يوم إلى مئات القتلى، ومئات الجرحى وكأنه خبر عادي.

(( موت كقعاص الغنم ))

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]

(( لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.

(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
نحن في زمن تبدلت القيم، نحن في زمن طمست الفطرة.


من هان أمر الله عليه هان على الله:

شيء آخر:
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم ))

[أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
الآن كل حر في دولة.

(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ))

[أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
أي مليار وخمسمئة مليون لا وزن لهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، ليست كلمتهم هي العليا، أمرهم ليس بيدهم.

(( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
قش يطفو على سطح السيل، هل يؤثر باتجاهه ؟ هل يؤثر في مساره ؟.

(( وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ، قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ ))

[أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
كان الواحد بمليون، بألف، الآن الألف أو المليون بأف.
مخلصُ الملخص: هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله.


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة:


أيها الأخوة، حينما قال الله عز وجل:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )
هذه الخيرية لها علة:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )
لماذا أهلك الله بني إسرائيل ؟ قال:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 79 )
علة الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا علة الخيرية، إذاً نحن الآن أمة كأية أمة خلقها الله.

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

( سورة الكهف )
هذه الحقائق مؤلمة، لكنها ضرورية، لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.


الوكيل في اللغة:

1 ـ الوكيل هو القيم و المشرف:


"الوكيل" في اللغة: هو القيم، المشرف، الكفيل، الذي تكفل بأرزاق العباد ، حقيقة الوكيل أنه يستقل بأمر الموكل إليه، وكيل كامل.
الآن هناك وكالة عامة، يمكن للوكيل العلم أن يطلق الزوجة، وكالة عامة، توكل بالأمر أي ضمن القيام به، وكلت أمري إلى فلان ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه، وكّل فلان فلاناً أي استكفاه أمره، إما ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، وكيلك في كذا أي سلمته الأمر، وتركته له، وفوضته إليه، واكتفيت به، فالتوكل قد يأتي بمعنى تولي الإشراف على الشيء ومراقبته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( من توكل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلت له بالجنة ))

[ أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد ]
حديث دقيق يدل على أن معظم معاصي الناس من كلامهم.

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]
و:

(( من توكل لي ما بين رجليه ـ شهوة الجنس ـ وما بين لحييه ـ فكيه ـ توكلت له بالجنة ))

[ البخاري عن سهل بن سعد الساعدي]



من ضبط شهوته و لسانه توكل الله له بالجنة:

من ضبط شهوته:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )
لكن لا يوجد في الإسلام حرمان:

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )
إذاً: من ضبط شهوته ومن ضبط لسانه، توكل الله له بالجنة.
الإمام الغزالي عدّد أكثر من عشرين أو ثلاثين معصية يقوم بها اللسان، غيبة، نميمة، بهتان، إفك، سخرية، فمعاصي اللسان لا تعد ولا تحصى.

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
مرة ثانية:

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]



2 ـ الاعتماد على الغير و الركون إليه:


التوكل يأتي أيضاً بمعنى الاعتماد على الغير، والركون إليه، كما في قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 3 )



من توكل على الله فهو أقوى الأقوياء:

لكن أيها الأخوة، لا بدّ من التنويه إلى أن التوكل محله القلب، أما الأعضاء ينبغي أن تسعى.
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))

[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
بعض المسلمين انتهينا، ما بيدنا شيء، الله يتوكل بهم، هذا اليأس ، والسوداوية، والانسحاب من المجتمع، والتشاؤم ليس من صفات المؤمن، الكرة في ملعبنا.

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 19 )
والله عز وجل بيده كل شيء.

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )
لذلك:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
أنت إذا توكلت على الله أنت أقوى الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟


القصص في القرآن الكريم شواهد مذهلة على عظمة الخالق سبحانه:


هناك شواهد مذهلة في القرآن الكريم، مثلاً: إنسان فجأة وجد نفسه في بطن حوت، الأمل صفر، الحوت وجبته المعتدلة بين الوجبتين أربعة طن، معناها لقمة واحدة، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
فالله عز وجل قلب القصة إلى قانون:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
في أي زمان، في أي مكان، في أي ظرف، طاغية كبير " فرعون "، قوي جداً، معه أسلحة فتاكة، حاقد، متغطرس، وراء شرذمة قليلة على رأسهم سيدنا موسى، هو خلفهم، والبحر أمامهم، هل هناك أمل ؟ الأمل صفر.

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
أخواننا الكرام، اليأس يعني كفر بالله.

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
لكن بشرط ألا يهون أمر الله علينا، من هان أمر الله عليه هان على الله.


3 ـ الكفيل:


أيها الأخوة، ربما تفسر كلمة "الوكيل" بالكفيل، هذا معنى إضافي، لكن "الوكيل" أعم من الكفيل، فكل وكيل كفيل، لكن ما كل كفيل بوكيل.
و قد ورد عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ))

[ الترمذي عن عمر بن الخطاب]




التوكل الحقيقي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيءثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:

التوكل الحقيقي صدقوا أيها الأخوة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، أنت مسافر سفراً طويلاً بمركبتك، ما هو التوكل ؟ أن تراجع هذه المركبة جزءاً جزءاً، المحرك، الزيت، المكابح، أن تراجع كل شيء، وأن تكون جاهزة في أعلى جاهزية، وبعد ذلك من أعماق أعماق قلبك: يا رب أنت المسلم، وأنت الحافظ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه بطولة، من السهل أن تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها وتنسى الله، أو أن تؤله الأسباب كما يفعل الغرب، ومن السهل أيضاً ألا تأخذ بها، تواكل، يا رب لا يوجد غيرك.
المسلمون الآن لضعف فهمهم العميق لحقيقة الدين ينتظرون معجزة من الله تقضي على أعدائهم، أعداؤهم يزدادون قوة، هذه سذاجة، أفق ضيق، الله قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )
بعد أن تعد لهم ما تستطيع قل: يا رب أنت الناصر، أنت الموفق، أنت الحافظ، أنت المؤيد، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا درس يحتاجه المسلمون.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كان من الممكن كما نقله الله نقلة إعجازية من مكة إلى بيت المقدس على البراق، أن ينتقل إلى المدينة، لكن أعطانا درساً لا ينسى، هيأ من يأتيه بالأخبار، هيأ من يمحو الآثار، هيأ من يأتيه بالزاد، مشى مساحلاً، قبع في غار ثور أياماً ثلاثة، هيأ راحلة، هيأ خبيراً، غلب عليه الخبرة لا الولاء، كان الخبير مشركاً، أخذ بالأسباب كلية، فلما وصلوا إليه توكل على الله، قال:

(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
هذا درس لنا جميعاً.
تاجر تعمل دراسة صحيحة ميدانية، مستوى البضاعة ، أسعارها، المنافسون، بعد أن تجري دراسة تامة، وعقدت صفقة، يا رب أنت الجبار، أنت الجبار بعد الدراسة المستفيضة.
طالب، يدرس ليلاً نهاراً، أنت الموفق يا رب، يجب أن تأخذ بالأسباب، لأن الفرق بيننا وبين أعدائنا أنهم يأخذون بالأسباب.


4 ـ الوكيل من توكل بالعالمين خلقاً و تدبيراً و هداية و تقديراً:


أيها الأخوة، الآن إذا قلنا الله هو "الوكيل"، أي هو الذي توكل بالعالمين خلقاً ، وتدبيراً، وهداية، وتقديراً، هو المتوكل بخلقه إيجاداً وإمداداً
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾



من كانت علاقته مع الله كان من أسعد الناس:

أخواننا الكرام، الله عز وجل :
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف )
هذه المعاني مسعدة، علاقتنا مع جهة واحدة.

(( من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله سائر همومه ))

[ ابن عساكر عن ابن مسعود ]
اعمل لوجه واحد يكفك الهموم كلها، والله أيها الأخوة مشاعر الموحد مشاعر رائعة، علاقته مع جهة واحدة، هذه الجهة تعلم ما يعمل.
حدثني أخ كان بالحج أنه عمل هدياً وأخذ إيصالاً، قال لي: أنا أول مرة الإيصال أتلفه لأن هذا لله عز وجل، الله يعلم هو لا يريد إيصالاً.
علاقتك مع الله لا تحتاج إلى بيان، ولا تحتاج إلى قسم، الله يعلم، حتى إن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، الله موجود، ويعلم.
إذاً:
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾



الله عز وجل ألزم ذاته العلية أن يهدي الناس إلى الصراط المستقيم:

قال تعالى:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الزمر )
وقال هود عليه السلام متحدياً: افعلوا ما شئتم.

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )
عندما تأتي على مع لفظ الجلالة تأتي بمعنى الإلزام الذاتي، أي الله عز وجل ألزم ذاته العلية بأن يكون مع خلقه مستقيماً،
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾




الله سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته:


"الوكيل" الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، وهو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة الحج الآية: 38 )
أحياناً الإنسان يوكل محامياً، كلما كان المحامي أكثر خبرة، أو أقرب صلة مع القضاة، أو أكثر هيمنة في قصر العدل، يرتاح الموكل، يقول لك: المحامي فلان، الراحة تأتي من قوة المحامي، فإذا كان خالق السماوات والأرض وكيلاً لك
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
إذاً: هو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به.


توكل المؤمنين على الله:

المؤمنون لماذا توكلوا عليه ؟ لأنهم خرجوا من حولهم وقوتهم، وآمنوا بكمال قدرته، وأيقنوا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فركنوا إليه في جميع أمورهم، فالله عز وجل إذا تولاك من يستطيع في الأرض أن ينال منك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟.
وجعلوا اعتمادهم عليه في سائر حياتهم، وفوضوا إليه الأمر قبل سعيهم ، واستعانوا به حال كسبهم، وحمدوه بالشكر بعد توفيقهم، وبالرضا بالمقسوم بعد ابتلائهم، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

( سورة الأنفال )
عليك ألا تتوكل توكلاً ساذجاً، هناك توكل ساذج، هناك توكل اسمه تواكل، هناك توكل الكسالى، وهناك توكل الجهلاء، أنا أرفض هذا التوكل، سيدنا عمر سأل جماعة من الناس قال لهم: من أنتم ؟ قال: نحن المتوكلون، قال لهم: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله
﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
وقال الله عز وجل في وصف المؤمنين:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾



من استقام على أمر الله استطاع التوكل عليه:

والله أيها الأخوة، أنا أشعر أحياناً أن هذا الاسم، أو هذا التوكل الذي ينبغي أن يكون للمؤمنين ضعيف جداً، دائماً خائف من الآخر، خائف من قوي.
تصور ابناً صغيراً، أو ابناً غير صغير التحق بقطعة عسكرية، من والده ؟ قائد الجيش، جاء عريف هدده فبكى، هذا أبوه أقوى من أكبر رتبة بالجيش، فعندما يبكي طفل أو شاب خوفاً من شخص هدده، ووالده بيده كل شيء يكون من أحمق الناس.
﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
الله عز وجل خاطب النبي الكريم فقال:

﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾

( سورة الأحزاب )

﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾

( سورة المزمل )
لكن لا بدّ من التنويه، الإنسان إذا كان يعصي الله فمعصيته حجاب بينه وبين الله، العاصي يخجل أن يتوكل على الله، المتوكل هو المستقيم، أنت حينما تستقيم على أمر لله تستطيع أن تتوكل على الله.
أحد العلماء ـ ابن القيم رحمه الله تعالى ـ يقول: توكيل العبد لربه يكون بتفويض نفسه إليه، وعزلها عن التصرف إلا بإذنه، يتولى الشؤون عن أهله، وهذا هو عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية.


من توكل على الله شعر بالأمن و الراحة و الطمأنينة:

أيها الأخوة، ذاق طعم التوكل من توكل على الله، يصبح عنده أمن، عنده راحة، عنده شعور أن الله لن يتخلى عنه، نحن نفتقد لحياة نفسية عالية، الإنسان قد يكون قوياً وغنياً لكن عنده خوف وقلق مستمر، أما إذا كنت مع الله كان الله معك، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 51 )
والله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( سورة فصلت )



عدم استواء المحسن مع المسيء لأن هذا يتناقض مع عدل الله ووجوده:


﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )
فهل من المعقول أن يستوي عند الله المستقيم والمنحرف ؟ الصادق والكاذب ؟ المخلص والخائن ؟ المحسن والمسيء ؟ مستحيل !
أنا أقول كلمة: إذا استوى المحسن والمسيء هذا الاستواء لا يتناقض مع عدل الله فحسب بل يتناقض مع وجوده، اطمئن أية جهة قوية أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني حريتها على ضغط الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، والله الذي لا إله إلا هو أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله.

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )








والحمد لله رب العالمين