منال نور الهدى
10-08-2012, 03:55 PM
كانت جذور النفاق عميقة في نفس عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ،
وبدايتها قبل هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يوم كانت المدينة تعيش
صراعا وقتالاً شرساً بين الأوس والخزرج ، وانتهى الصراع بينهما على اتفاق
بين الفريقين يقضي بنبذ الخلاف وتنصيب ابن سلول زعيماً على المدينة ،
ثم ماتت هذه الفكرة بدخول الإسلام إلى أرض المدينة ، واجتماع الناس
حول راية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فصارت نظرة ابن سلول للإسلام
تقوم على أساس أنه قد حرمه من الملك والسلطان ، وبذلك كانت مصالحه
وأهواؤه الشخصية وراء نفاقه ، وامتناعه عن الصدق في إسلامه ،
ومن ثم الكيد للإسلام والمسلمين .
انطلق ابن سلول ينفث سمومه في صنع الافتراءات والخلافات ، وإثارة الفتن
للتفريق بين المسلمين للقضاء على دولة الإسلام ، ومن ذلك قولته الخبيثة
التي قالها عقب غزوة بني المصطلق (المريسيع) ـ والتي تعبر عن مدى
حقده على الإسلام والمسلمين ـ : " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ،
ويعني بالأعز نفسه ، ويقصد بالأذل رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من أصحابه .
عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: ( كنا في غزاة (بني المصطلق)
فكسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري :
يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذاك رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ما بال دعوى جاهلية ؟ ، قالوا يا رسول الله :
كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال دعوها فإنها منتنة ،
فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال : فعلوها ؟ ، أما والله لئن رجعنا
إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم -،
فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي
ـ صلى الله عليه وسلم -: دَعْه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه )
رواه البخاري .
واستدعى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن أبي بن سلول
هو وأصحابه ـ المنافقين ـ ، فأنكروا ذلك ، وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئا ،
فأنزل الله سورة المنافقين ، وفيها تكذيب لهم ولأيْمانهم الكاذبة ،
وذلك في قول الله تعالى :{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ
لا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ }(المنافقون8:7 ) .
وكان لعبد الله بن أبي بن سلول ولد مؤمن اسمه عبد الله ، لما علم بالأحداث
وبما قاله أبوه استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قتل أبيه لما قاله ،
فنهاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك ، وأمره بحسن صحبته .
فلما وصل المسلمون مشارف المدينة ، تصدى عبد الله لأبيه ، وقال له :
" قف والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدخول ،
فإنه العزيز وأنت الذليل"، فأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،
فظهر بذلك مَنِ العزيز ومَنِ الذليل ، فلا أذل لابن سلول من أن يقف
ولده أمامه ويمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ولقد ضرب عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ـ رضي الله عنه ـ
بهذا الموقف مثالا عمليا للإيمان في أوثق عراه ، وهو الولاء والبراء .
ومن خلال هذا الموقف مع قولة ابن سلول ظهرت لنا حكمة النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد قابل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قاله ابن سلول
بالصبر ، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل النبيين ، لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ
لم يكن يغضب لنفسه أو ينتقم لها ، بل يغضب لله ـ عز وجل ـ ، فلو أمر النبي
ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أذن لعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول بقتله لقتله ،
لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ صبر وعفا ، ولما استأذنه عبد الله ـ رضي الله عنه ـ
في أن يقتل أباه لما قاله ، قال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
( لا ، ولكن بر أباك، وأحسن صحبته ) رواه ابن حبان .
وفي ذلك أيضا تأكيد من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مراعاة البر بالآباء
وحسن صحبتهم في الدنيا وإن كانوا كافرين، عملا بقول الله تعالى :
{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا
فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } (لقمان:15)..
وكذلك ظهر في هذا الموقف حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في محافظته
على وحدة الصف الداخلية للمجتمع المسلم ، وعلى السمعة الطيبة للإسلام
والمسلمين ، وحتى لا يُشاع بين العرب أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يقتل أصحابه ، فينفض الناس من حوله ، وينفرون من دخول الإسلام ،
ففرْق كبير بين أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، وبين أن يتحدث
الناس عن حب أصحاب محمد محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وفي ذلك يقول ابن تيمية : " إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يكف
عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة ، لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس
أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتل أصحابه ، لأن هذا القول يوجب
النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ، وممن لم يدخل فيه " .
وهكذا كان رد فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قولة ابن سلول ـ
مع مرارتها وألمها ـ فيه من المعاني الكثير ، التي ينبغي أن يقف
المسلمون معها للاستفادة منها في واقعهم .
وبدايتها قبل هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يوم كانت المدينة تعيش
صراعا وقتالاً شرساً بين الأوس والخزرج ، وانتهى الصراع بينهما على اتفاق
بين الفريقين يقضي بنبذ الخلاف وتنصيب ابن سلول زعيماً على المدينة ،
ثم ماتت هذه الفكرة بدخول الإسلام إلى أرض المدينة ، واجتماع الناس
حول راية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فصارت نظرة ابن سلول للإسلام
تقوم على أساس أنه قد حرمه من الملك والسلطان ، وبذلك كانت مصالحه
وأهواؤه الشخصية وراء نفاقه ، وامتناعه عن الصدق في إسلامه ،
ومن ثم الكيد للإسلام والمسلمين .
انطلق ابن سلول ينفث سمومه في صنع الافتراءات والخلافات ، وإثارة الفتن
للتفريق بين المسلمين للقضاء على دولة الإسلام ، ومن ذلك قولته الخبيثة
التي قالها عقب غزوة بني المصطلق (المريسيع) ـ والتي تعبر عن مدى
حقده على الإسلام والمسلمين ـ : " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ،
ويعني بالأعز نفسه ، ويقصد بالأذل رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من أصحابه .
عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: ( كنا في غزاة (بني المصطلق)
فكسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري :
يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذاك رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ما بال دعوى جاهلية ؟ ، قالوا يا رسول الله :
كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال دعوها فإنها منتنة ،
فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال : فعلوها ؟ ، أما والله لئن رجعنا
إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم -،
فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي
ـ صلى الله عليه وسلم -: دَعْه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه )
رواه البخاري .
واستدعى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن أبي بن سلول
هو وأصحابه ـ المنافقين ـ ، فأنكروا ذلك ، وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئا ،
فأنزل الله سورة المنافقين ، وفيها تكذيب لهم ولأيْمانهم الكاذبة ،
وذلك في قول الله تعالى :{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ
لا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ }(المنافقون8:7 ) .
وكان لعبد الله بن أبي بن سلول ولد مؤمن اسمه عبد الله ، لما علم بالأحداث
وبما قاله أبوه استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قتل أبيه لما قاله ،
فنهاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك ، وأمره بحسن صحبته .
فلما وصل المسلمون مشارف المدينة ، تصدى عبد الله لأبيه ، وقال له :
" قف والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدخول ،
فإنه العزيز وأنت الذليل"، فأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،
فظهر بذلك مَنِ العزيز ومَنِ الذليل ، فلا أذل لابن سلول من أن يقف
ولده أمامه ويمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ولقد ضرب عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ـ رضي الله عنه ـ
بهذا الموقف مثالا عمليا للإيمان في أوثق عراه ، وهو الولاء والبراء .
ومن خلال هذا الموقف مع قولة ابن سلول ظهرت لنا حكمة النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد قابل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قاله ابن سلول
بالصبر ، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل النبيين ، لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ
لم يكن يغضب لنفسه أو ينتقم لها ، بل يغضب لله ـ عز وجل ـ ، فلو أمر النبي
ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أذن لعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول بقتله لقتله ،
لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ صبر وعفا ، ولما استأذنه عبد الله ـ رضي الله عنه ـ
في أن يقتل أباه لما قاله ، قال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
( لا ، ولكن بر أباك، وأحسن صحبته ) رواه ابن حبان .
وفي ذلك أيضا تأكيد من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مراعاة البر بالآباء
وحسن صحبتهم في الدنيا وإن كانوا كافرين، عملا بقول الله تعالى :
{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا
فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } (لقمان:15)..
وكذلك ظهر في هذا الموقف حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في محافظته
على وحدة الصف الداخلية للمجتمع المسلم ، وعلى السمعة الطيبة للإسلام
والمسلمين ، وحتى لا يُشاع بين العرب أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يقتل أصحابه ، فينفض الناس من حوله ، وينفرون من دخول الإسلام ،
ففرْق كبير بين أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، وبين أن يتحدث
الناس عن حب أصحاب محمد محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وفي ذلك يقول ابن تيمية : " إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يكف
عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة ، لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس
أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتل أصحابه ، لأن هذا القول يوجب
النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ، وممن لم يدخل فيه " .
وهكذا كان رد فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قولة ابن سلول ـ
مع مرارتها وألمها ـ فيه من المعاني الكثير ، التي ينبغي أن يقف
المسلمون معها للاستفادة منها في واقعهم .