مشاهدة النسخة كاملة : سورة الفاتحة ... يتبع .
ناصح أمين
07-08-2024, 05:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
و صلى الله على سيدنا و حبيبنا محمد - صلى الله عليه و سلم -
المبعوث رحمة للعالمين و على آله و أصحابه أجمعين .
===================================
======== { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم .. } الفاتحة .
يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات 7 ، 17 مرة في كل يوم و ليلة على الحد الأدنى ، و أكثر من ضعف ذاك إذا هو صلى السنن ، و إلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا ، غير الفرائض و السنن .
و لا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من حديث عبادة بن الصامت :
" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "
إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ، و كليات التصور الإسلامي ، و كليات المشاعر و التوجهات ، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة ، و حكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها .
ناصح أمين
07-09-2024, 05:44 AM
======== تبدأ السورة " بسم الله الرحمن الرحيم "
و مع الخلاف حول البسملة : أهي آية من كل سورة أم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة ، فإن الأرجح أنها آية من سورة الفاتحة ، و بها تحتسب آياتها سبعا .
و هناك قول بأن المقصود بقوله تعالى :
" و لقد أتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم " .. هو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات " من المثاني " لأنها يثنى بها و تكرر في الصلاة .
======== و البدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه – صلى الله عليه و سلم – في أول ما نزل من القرآن باتفاق و هو قوله تعالى : " اقرأ باسم ربك "
و هو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله " هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن "
فهو – سبحانه – الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده ، و يبدأ منه كل مبدوء بدأه .
فباسمه إذن يكون كل ابتداء ، و باسمه إذن تكون كل حركة و كل اتجاه .
ناصح أمين
07-10-2024, 05:44 AM
======== " الرحمن الرحيم "
و وصفه – سبحانه – في البدء بالرحمن الرحيم يستغرق كل معاني الرحمة و حالاتها ..
و هو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين ، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن .
فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم ، و لكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن ، و من باب أولى أن تجتمع له الصفتان .
و إذا كان البدء باسم الله و ما ينطوي عليه من توحيد الله و أدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي ، فإن استغراق معاني الرحمة و حالاتها و مجالاتها في صفتي " الرحمن الرحيم " يمثل الكلية الثانية في هذا التصور ، و يقرر حقيقة العلاقة بين الله و العباد .
ناصح أمين
07-11-2024, 05:43 AM
======== { الحمد لله رب العالمين }.
و الحمد لله هو الشعور الذي يقيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره الله ..
فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد و الثناء .
و في كل لمحة و في كل لحظة و في كل خطوة تتوالى آلاء الله و تتواكب و تتجمع ، و تغمر خلائقه كلها و بخاصة هذا الإنسان .. و من ثم كان الحمد لله ابتداء ، و كان الحمد لله ختاما قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر :
" و هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى و الآخرة ".
و من فضل الله – سبحانه – و فيضه على عبده المؤمن ، أنه إذا قال : الحمد لله . كتبها له حسنة ترجح كل الموازين .
أما " رب العالمين " فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية ..
و الرب هو المالك المتصرف ، و يطلق في اللغة على السيد و على المتصرف للإصلاح و التربية ، و هذا يشمل العالمين .
و الله خلق الكون و هو يتصرف فيه بالإصلاح و يرعاه و يربيه و كل العوالم و الخلائق تحفظ برعاية الله رب العالمين .
و الصلة بين الخالق و الخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت و في كل حالة .
و الربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل ، و الغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة .
و كثيرا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون ، و الاعتقاد بتعدد الأرباب الذي يتحكمون في الحياة .
و كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة :
" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى "
ناصح أمين
07-13-2024, 06:02 AM
======== { الرحمن الرحيم } .
هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة و حالاتها و مجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة ، في آية مستقلة ، لتأكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة ، و لتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب و مربوبيه ، و بين الخالق و مخلوقاته ..
إنها صلة الرحمة و الرعاية التي تستجيش الحمد و الثناء ..
إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة و تنبض بالمودة ، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية .
ناصح أمين
07-14-2024, 05:44 AM
======== { مالك يوم الدين } .
و هذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها ، كلية الاعتقاد بالآخرة ..
و الملك أقصى درجات الاستيلاء و السيطرة .
و يوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة ..
و كثيرا ما اعتقد الناس بألوهية الله ، و خلقه للكون أول مرة ، و لكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء .
" بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا و كنا ترابا ذلك رجع بعيد " .
و الاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر و قلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض ، فلا تستبد بهم ضرورات الأرض .
و عندئذ يملكون العمل لوجه الله و انتظار الجزاء حيث يقدره الله في الأرض أو في الدار الآخرة سواء ، في طمأنينة لله ، و في ثقة بالخير ، و في إصرار على الحق ، و في سماحة و يقين ..
و من ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات و الرغائب ، و الطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان .
مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أردها الله الرب لعبده ، و الصورة المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال .
و ما تستقيم الحياة على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر .
و ما تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير ، و ما لم يثق الفرد بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها .
و ما يستوي المؤمنون بالآخرة و المنكرون لها في شعور و لا خلق و لا سلوك و لا عمل .
ناصح أمين
07-15-2024, 06:24 AM
========{ إياك نعبد و إياك نستعين } .
و هذه الكلية الاعتقادية التي تنشأ من الكليات السابقة في السورة . فلا عبادة إلا لله ، و لا استعانة إلا بالله .
و هنا مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية ، و بين العبودية المطلقة للعبيد .
و هذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل .
التحرر من عبودية الأوهام ، و من عبودية الأوضاع .
و إذا كان الله وحده هو الذي يعبد ، و الله وحده هو الذي يستعان فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم و الأوضاع و الأشخاص ، كما تخلص من استذلال الأساطير و الأوهام .
و هنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية ، و القوى الطبيعية ..
++ فأما القوى الإنسانية – بالقياس إلى المسلم – فهي نوعان :
قوة مهتدية ، تؤمن بالله ، و تتبع منهج الله ، و هذه يجب أن يؤازرها ، و يتعاون معها على الخير و الحق و الصلاح ..
وقوة ضالة لا تتصل بالله و لا تتبع منهجه ، و هذه يجب أن يحاربها و يكافحها .
و لا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية فهي بضلالها عن مصدرها الأول – قوة الله – تفقد قوتها الحقيقية ، تفقد الغداء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها .
++ و أما القوة الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف و الصداقة ، لا موقف التخوف و العداء .
ذلك أن قوة الإنسان و قوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله و مشيئته ، محكومتان بإرادة الله و مشيئته ، متناسقتان متعاونتان في الحركة و الاتجاه .
إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقا مساعدا متعاونا ، وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها ، و يتعرف عليها ، و يتعاون و إياها ، و يتجه معها إلى الله ربه و ربها .
ناصح أمين
07-16-2024, 05:44 AM
======== { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين } .
و فقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل ، و وفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته ..
فالمعرفة و الاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله و رعايته و رحمته .
و التوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين .
و هذا الأمر هو أعظم و أول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا و الآخرة عن يقين ..
و هي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان و حركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين .
و يكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم ، فهو طريق الذين قسم لهم نعمته .
لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه .
أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلا إليه ..
إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين .
ناصح أمين
07-17-2024, 06:06 AM
و قد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن .. عن أبي هريرة عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم - :
يقول الله تعالى :
قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين .
فنصفها لي و نصفها لعبدي ، و لعبدي ما سأل
إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين .
قال الله : حمدني عبدي .
و إذا قال : الرحمن الرحيم ..
قال الله أثنى عليّ عبدي .
فإذا قال : مالك يوم الدين .
قال الله : مجدني عبدي .
و إذا قال : إياك نعبد و إياك نستعين .
قال الله : هذا بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل .
فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين .
قال الله : هذا لعبدي و لعبدي ما سأل .
و لعل هذا الحديث الصحيح يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن 17 مرة في كل يوم و ليلة ، أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة .
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, النسخة الماسية
diamond