المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بَلْ عَبْداً رسولا


منال نور الهدى
09-19-2012, 08:39 PM
من دلائل نبوة الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ زهده في الدنيا وإعراضه عنها
طلبا لثواب الله في الآخرة ، مع أن الدنيا كانت بين يديه ، وأنه أكرم الخلق
على الله ، ولو شاء لأجرى الله له الجبال ذهباً وفضة ، ولو كان دعيا يفتري
الكذب ما فرط في دنياه ، فإعراضه عن الدنيا وزهده فيها من دلائل نبوته ورسالته ..
كان زهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ زهد من علم فناء الدنيا وسرعة زوالها ،
وبقاء الآخرة وما أعدّه الله لأوليائه فيها من نعيم مقيم وأجر عظيم ، فرفض ـ
صلى الله عليه وسلم ـ الأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يسدّ الرمق ، فآثر حياة الزهد ،
وكثيرا ما كان يدعو ربه قائلا : ( اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ،
واحشرني في زمرة المساكين ) (الترمذي) .

وخيَّره ربه بين أن يكون ملِكا رسولا أو عبدا رسولا ، فاختار أن يكون عبدا رسولا ،
يشبع يوما ويجوع يوما ، حتى لقي الله ـ عز وجل ـ ، زهدا في الدنيا
وترفعا على متاعها ..
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ( جلس جبريل إلى النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ فنظر إلى السماء ، فإذا ملَك ينزل ، فقال له جبريل :
هذا الملك ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة ، فلما نزل قال : يا محمد أرسلني
إليك ربك : أملِكا أجعلك أمْ عبدا رسولا ؟ ، قال له جبريل : تواضع لربك يا محمد ،
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : بل عبدا رسولا ) (أحمد) .

وإذا تأملنا بيت وحياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأينا عجبا ..
فبيته من طين ، متقارب الأطراف ، داني السقف ، ينام فيه على الحصير
حتى أثّر في جنبه ، وربط الحجر على بطنه من الجوع ، وربما عرف
أصحابه أثر الجوع في وجهه ، وهو رسول الله وصفوته من خلقه ..
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ( ما شبع آل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ )(البخاري) .
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : " إنما كان فراش رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف " ، و أخرجت ـ
رضي الله عنها ـ كساءً ملبداً وإزاراً غليظاً فقالت : " قبض رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ في هذين ".

ويقول عمر ـ رضي الله عنه ـ : ( .. فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
وهو مضطجع على حصير فجلست ، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره ،
وإذا الحصير قد أثر في جنبه ، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا
في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق .. قال : فابتدرت عيناي ، قال ـ
صلى الله عليه وسلم ـ : ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟! ، قلت : يا نبي الله وما لي
لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ،
وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وصفوته وهذه خزانتك ؟! ، فقال :
يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ، قلت بلى .. )
(مسلم) .

ورآه عمر ـ رضي الله عنه ـ يتلوى من الجوع ، وما يجد رديء التمر يسد به
جوعته ، ثم رأى ـ رضي الله عنه ـ ما أصاب الناس من الدنيا فقال :
( لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلا
(رديء التمر) يملأ به بطنه ) (مسلم) .
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر
خبزهم خبز الشعير ) (الترمذي) .

وتحكي أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ لابن أختها عروة حال بيوت النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ فتقول : ( .. والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال
ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله -
صلى الله عليه وسلم – نار ، قال : قلت يا خالة فما كان يُعيشكم ؟! ، قالت :
الأسودان التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
جيران من الأنصار وكانت لهم منائح (الشاه أو الناقة) فكانوا يرسلون
إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من ألبانها فيسقيناه ) (مسلم) .

وتدخل امرأة وابنتاها بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشكون الجوع
فماذا وجدوا في بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟! ..
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ( دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل ، فلم تجد
عندي شيئا غير تمرة ، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ،
ثم قامت فخرجت ، فدخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علينا فأخبرته ، فقال :
من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار ) (البخاري) .

ويطرق ضيف باب بيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يجد رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ما يضيفه به ، فيرسل إلى بيوته يسأل نساءه ،
فلا يجد عندهن سوى الماء ، فلم يجد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدَّا
من الطلب من أصحابه أن يضيِّفوه .. ومع ذلك كله فقد كان يدعو الله قائلا :
( اللهم ارزق آل محمد قوتا ) (البخاري)
قال ابن حجر في فتح الباري : " .. شرحه ابن بطال فقال : فيه دليل على فضل
الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا ، والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفر نعيم الآخرة ،
وإيثارا لما يبقى على ما يفنى .. فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك ..
وقال القرطبي : معنى الحديث أنه طلب الكفاف ، فإن القوت ما يقوت
البدن ويكف عن الحاجة ، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعا .." ..

وتشكو إليه ابنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ما تلقى في يدها من الرحى ،
وتطلب من أبيها ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعطيها خادما يخفف عنها
ما هي فيه من تعب ، فيرد عليها ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناصحا لها
ولزوجها علي ـ رضي الله عنه ـ قائلا : ( .. ألا أدلكما على خير مما سألتما ؟ ،
إذا أخذتما مضاجعكما ـ أو أويتما إلى فراشكما ـ فسبحا ثلاثا وثلاثين ،
واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم .. ) (البخاري) .

ومن زهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يقسم الأموال على الناس ثم
لا يحوز منها درهما واحدا ، ويوّزع الإبل والبقر والغنم على أصحابه وأتباعه
والمؤلفة قلوبهم ثم لا يأخذ لنفسه شيئا ، بل يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
( .. فلو كان لي عدد هذه العضاه ( شجر له شوك ) نِعما (الإبل والشاة)
لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا .. ) (البخاري) .

ويقول أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ : كنت أمشي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ في حرّة(أرض ذات حجارة سود) المدينة ، فاستقبلَنا أُحُدٌ ، فقال :
( يا أبا ذر : قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : ما يسرني أن عندي مثل
أحد هذا ذهبا ، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار ، إلا شيئاً أرصده لدين ،
إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه
وعن شماله ومن خلفه .. ) (البخاري) ..

وراودته الجبال الشم من ذهب*** عن نفسه فأراها أيما شمم
ولما غادر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدنيا ما ترك لأهله شيئا ..
فعن عمرو بن الحارث ـ رضي الله عنه ـ قال : ( ما ترك رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ عند موته درهما ولا دينارا ، ولا عبدا ولا أمة ،
ولا شيئا ، إلا بغلته البيضاء وسلاحه ، وأرضا جعلها صدقة ) (البخاري) ،
وهو القائل ـ صلى الله عليه وسلم : ( .. لا نورَّث ، ما تركناه صدقة ) (البخاري).
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ( تُوفِّي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير ) (البخاري) .

لقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أزهد الناس في الدنيا ، والأسوة
العظمى في الإقبال على الآخرة ، وكان زهده اختيارياً ، فلو شاء لجعل
الله له الجبال ذهباً ، وقد فتح الله تعالى له البلاد ، وجعل له خمس الغنائم ،
ومع ذلك كان يتصدق بكل ما يأتيه من الأموال ، ويبقى ينام على الأرض ،
ولا يجد شيئاً يأكله ، مؤثرا على نفسه فقراء الأمة ومصالح الإسلام ..
وربَّى بزهده كثيرا من الرجال ، فتخلقوا بمثل أخلاقه
فصلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه .

محمد الأمين
09-19-2012, 10:11 PM
عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم

بآركـ الله فيكـ أختي منآل وجزآكـ الله خير الجزآء
في موازين حسنآتكـ ان شآء الله
دمت بخير

منال نور الهدى
09-28-2012, 12:52 PM
أسعدني حضورك الراقي و الرائع
جزاك الله كل خير على كلماتك و تواجدك
في امان الله وحفظه

آفراح
10-02-2012, 06:11 PM
صلى الله عليه و سلم
جزاك الله كل خير

منال نور الهدى
10-10-2012, 12:02 PM
صلى الله عليه و سلم
جزاك الله كل خير

رائع حضورك غاليتي افراح
في امان الله و حفظه

قتيبه العاشق
07-14-2014, 05:30 AM
بارك الله فيك على الطرح القيم
جعله الله في موازين حسناتك

عاشق الجنان
06-09-2016, 08:27 AM
سَلمَتْ أَنامِلكْ عَلىَ رَوعَةِ طرحُكْ
وكُلِ الثَنَآءِ لِجميِل اِنتقاؤُك....!
.عُبقْ الوُردْ المُعتقْ بِالنَرجسِ لِروُحكْ..؛’
http://www.ro-ehsas.net/uploads/1446583865892.gif
عاشق الجنان